Indexed OCR Text
Pages 261-280
قصة مدين قوم شعيب عليه السلام قال الله تعالى: في سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أُخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ آَعْبُدُوا اللهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّئَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالِمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلُّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنِ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ الهُ بَيْتَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ * قَالَ المَلَّ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُحْرِ جَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أُوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أُوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ اقْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُون لَّنَا أَن تَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ ﴿ وَقَالَ الْمَلَّأُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ آَبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ* فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَائِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَعْنَوْا فِيْهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَعْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمِ كَافِرِينَ﴾(١) . وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضاً: ﴿ وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا أَلِمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّى أُوَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَاقَوْمٍ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ (١) سورة الأعراف الآيات : ٨٥ - ٩٣. ٢٦١ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْحَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ * قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن تَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن تَّفْعَلَ فِى أُمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قَالَ يَاقَوْمٍ أُوَأْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِنَّةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَتِى مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِقِى إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحِ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِيَعِدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ : قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِيْنَا ضَعِيفاً وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَ جَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَا قَوْمٍ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَاتَّخَذْ تُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَائِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ يُحْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَائِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَعْنَوا فِيهَا أَلَا بُعْدَاً لِّمَذْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾(٢) . وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضاً : ﴿وإِن كَانَ أُصَحَابُ الأَيْكَةِ لظَّالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُم وإِنَّهُمَا لِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾(٣). وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ لْفَيْكَةِ الْمُرْسَلِنَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَاتَتَّقُونَ ﴿ إِنَّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُحْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْتُوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَآَتَّقُوا أَلَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ اُلْأُوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ * وَمَا أَنتَ إِلَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَظُتُكَ (٢) سورة هود الآيات : ٨٤ - ٩٥ . (٣) سورة الحجر الآيتان : ٧٨، ٧٩. ٢٦٢ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ، فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنِ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمِ عَظِيمٍ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) . كان أهل مدين قوماً عرباً يسكنون مدينتهم ((مدين)) التي هى قريبة من أرض معان من أطراف الشام ، مما يلي ناحية الحجاز قريباً من بحيرة قوم لوط ، وكانوا بعدهم بمدة قريبة . ومدين قبيلة عرفت بهم ، وهم من بني مدين بن مدیان ابن إبراهيم الخليل . وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل بن يشجن ، ذكره ابن إسحاق . قال: ويقال له بالسريانية (( يترون))، وفي هذا نظر . ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ، ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم ، ويقال شعيب بن صيفور بن عيفا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم ، وقيل غير ذلك في نسبه . وقال ابن عساكر : ويقال جدته ، ويقال أمه ، بنت لوط . وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق . وعن وهب بن منبه أنه قال : شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار ، وهاجرا معه إلى الشام ، فزوجهما بنتى لوط عليه السلام . ذكره ابن قتيبة . وفي هذا كله نظر ... والله تعالى أعلم . وذكر أبو عمر بن عبد البر(٥) في ((الاستيعاب)) في ترجمة سلمة بن سعد (٤) سورة الشعراء الآيات : ١٧٦ - ١٩١. (٥) أبو عمر بن عبد البر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر توفى سنة ٤٦٣ هـ [ طبقات الشافعية ١٠٥/١٠، العبر ٣١٦/٢ ]. ٢٦٣ العنزي(٦): أنه قدم على رسول الله عَّ له فأسلم وانتسب إلى عنزة ، فقال: ((نعم الحي عنزة، مبغى عليهم منصورون رهط شعيب وأختان(٧) موسى)). فلو صح هذا لدل على أن شعيباً صهر موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة ، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ، فإن هؤلاء بعده بدهر طويل ... والله أعلم . وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الأنبياء والرسل قال : (( أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك ياأبا ذر)). وكان بعض السلف يسمى شعيباً ((خطيب الأنبياء)) ويعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإِيمان برسالته . وقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل ، عن الضحاك . عن ابن عباس قال: كان رسول الله عَ ◌ّه إذا ذكر شعيباً قال: ((ذاك خطيب الأنبياء))(٨) . وكان أهل مدين كفاراً يقطعون السبيل ويخيفون المارة ، ويعبدون ((الأيكة))، وهى شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها . وكانوا من أسوإ الناس معاملة ، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيهما ، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص . فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم ، فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم ، حتى أحل الله بهم البأس الشديد . وهو الولي الحميد . كما قال تعالى: ﴿ وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ (٦) سلمة بن العنزى، وقيل: سلمة بن سعيد بن صر العنزى [أسد الغابة ٤٢٨/٢ ]. (٧) الأُختَان : جمع خَتَن - بفتحتین ــ وختنُ الرجل : المتزوج بابنته أو بأخته ، وقيل : هو کل من کان من قبل امرأته [ اللسان : ختن ] . (٨) حديث ضعيف لوجود الضحاك في سنده ، جرحه العلماء . ٢٦٤ مِن إِلَّهِ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتُكُم بَينةٌ مِن رَّبَّكُم﴾(٩) أي دلالة وحجة واضحة . وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني ، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم ينقل إلينا تفصيلها ، وإن كان هذا اللفظ قد دخل عليها إجمالاً . فَأَوْفُوا الْكَيْلَ والمِيزَانَ وَلَا تَبْحَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم وَلَا تُفْسِدُوا فِى اَلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾(١٠). أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم ، وتوعدهم على خلاف ذلك فقال : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ (١٠) أي طريق تُوعِدُون ﴾ أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل . قال السدي في تفسيره عن الصحابة: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدونَ ﴾(١١) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة . وقال إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كانوا قوماً طغاة يجلسون على الطريق ، يبخسون الناس ، يعني يعشرونهم ، وكانوا أول من سن ذلك . ﴿ وَتَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجَاً﴾(١٢) نهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية ، والمعنوية الدينية . واذْكُرُوا إِذْكُتُم قَلِيلاً فَكَثِّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾(١٣) ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذرهم نقمة الله بهم إنْ خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه . كما قال لهم في القصة الأخرى: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا المِكْيَّالَ والْمِيزَانَ إِنَّى أَرَاكُم بَخَيْرٍ وَإِنَّى (٩) سورة الأعراف الآية : ٨٥ . (١٠) سورة الأعراف الآيتان : ٨٥، ٨٦. (١١) سورة الأعراف الآية : ٨٦. (١٢) سورة الأعراف الآية : ٨٦. (١٣) سورة الأعراف الآية : ٨٦. ٢٦٥ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَومٍ مُحيطٍ﴾ (١٤) أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق الله بركة ما في أيديكم ، ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم . وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ، ومن جمع له هذا وهذا ، فقد باء بالصفقة الخاسرة ! فنهاهم أولاً عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف ، وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم ، وعذابه الأليم في أخراهم ، وعنفهم أشد تعنيف . ثم قال لهم آمراً بعدما كان عن ضده زاجراً: ﴿ وَيَاقَوْمٍ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخِسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْتُوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ﴾(١٥) . قال ابن عباس والحسن البصري: ﴿بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُم ﴾ أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس . وقال ابن جرير : ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان ، خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف . قال : وقد روى هذا عن ابن عباس . ١ وهذا الذي قاله وحكاه حسن ، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَّا يَسْتَوِى . الخَبِيثُ والطَّيِّبُ وَلَو أُعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾(١٦) يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام ، فإن الحلال مبارك وإن قل ، والحرام ممحوق وإن كثر، كما قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾(١٧). وقال رسول الله عَ له: ((إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل)). رواه أحمد . أي إلى قلة (١٨). (١٤) سورة هود الآية : ٨٤ . (١٥) سورة هود الآيتان : ٨٥ - ٨٦. (١٦) سورة المائدة الآية : ١٠٠. (١٧) سورة البقرة الآية : ٢٧٦ . (١٨) أخرجه أحمد فى مسنده ١ / ٤٢٤،٣٩٥. ٢٦٦ وقال رسول الله عَ له: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما))(١٩). والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قلٍ ، والحرام لا يجدي وإن كفر . ولهذا قال نبي الله شعيب: ﴿بَقِيَُّ اللهِ خَيْرٌ لَكُم إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾(٢٠). وقوله: ﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾(٢٠) أي افعلوا ما أمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه ، لا لأراكم أنا وغيري . قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَو أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾(٢١) يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم : أصلاتك هذه التي تصليها ، هى الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك ؟ ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون ؟ أو أن لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت ، ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها ؟ إِنَّكَ لَأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير : يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء . قَالَ يَاقَوْمٍ أَوَأَيْتُم إِن كُنتُ عَلَى بَِّةٍ مَّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى منه رِزْقَاً حَسَنَاً وَمَا أُرِيدُ أَنَّ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِن أُرِيدُ إِلَّ الإِصْلَاحَ مَا استَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وإِلَيْهِ أُنِيبَ﴾(٢٢). هذا تلطف معهم في العبارة ، ودعوة لهم إلى الحق بأبين أشارة . يقول لهم: أرأيتم أيها المكذبون ﴿ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّئَةٍ مَن رَّبِّى﴾ أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم، ﴿ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقَاً حَسَناً ﴾ يعني النبوة والرسالة ، يعني وعمي عليكم معرفتها ، فأي حيلة لي فيكم ؟ (١٩) أخرجه البخارى فى صحيحه ، كتاب اليبوع باب إذا إذابين البيعان ولم يكتما ، ومسلم فى صحيحه ، كتاب اليبوع ، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين . (٢٠) سورة هود الآية : ٨٦ . (٢١) سورة هود الآية : ٠٨٧ (٢٢) سورة هود الآية : ٨٨. ٢٦٧ وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء . وقوله : ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَاأَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ أي لست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له ، وإذ نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه . وهذه هى الصفة المحمودة العظيمة ، وضدها هى المردودة الذميمة ، كما تلبس بها علماء بنى إسرائيل في آخر زمانهم ، وخطباؤهم الجاهلون . قال الله تعالى : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(٢٣) وذكرنا عندها في الصحيح عن رسول الله عَ بالم أنه قال: (( يؤتي بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه - أبي تخرج أمعاؤه من بطنه - فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان ... مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى ، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه)» (٢٤). وهذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار والأشقياء ، فأما السادة من النجباء ، والألباء من العلماء ، الذين يخشون ربهم بالغيب ، فحالهم كما قال نبي الله شعيب: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أُنْهَاكُمْ عَنْهُ إِن أُرِيدُ إلَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (٢٥) أي ما أريد في جميع أمري إلا الإصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي . ﴿ وَمَا تَوْفِيقِى﴾ أي في جميع أحوالي ﴿ إِلَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإِلَيهِ أُنِيبَ ﴾ أي عليه أتوكل في سائر الأمور ، وإليه مرجعي ومصيري في كل أمري . وهذا مقام ترغيب . ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَاقِى أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾(٢٦) . (٢٣) سورة البقرة الآية : ٤٤ . (٢٤) أخرجه البخارى فى صحيحه كتاب بدء الخلق باب صفة النار . (٢٥) سورة هود الآية : ٨٨ (٢٦) سورة هود الآية : ٨٩. ٢٦٨ أي لا يحملنكم مخالفتي وبغضکم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم ، فيحل الله بكم من العذاب والنكال ، نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم ، من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين . وقوله: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ قيل معناه : في الزمان ، أي ما بالعهد من قدم ، مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم . وقيل معناه : وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان . وقيل في الصفات والأفعال المستقبحات ، من قطع الطريق ، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات . والجمع بين هذه الأقوال ممكن : فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زماناً ولا مكاناً ولا صفات . ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾(٢٧) . أي أقلعوا عما أنتم فيه ، وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود ، فإنه من تاب إليه تاب عليه ، فإنه رحيم بعباده ، أرحم بهم من الوالدة بولدها، ﴿ وَدُودٌ ﴾ وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ، ولو من الموبقات العظام . قَالُوا يَاشُعِيبُ مَانَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَا تَقُولُ وإِنَّا لَنَرَاكَ فِيْنَا ضَعِيفَاً ﴾ (٢٨). روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا : كان ضرير البصر . وقد روى في حديث مرفوع : أنه بکی من حب الله حتى عمى ، فرد الله عليه بصره، وقال: ((يا شعيب ... أتبكي خوفاً من النار ؟ أو من شوقك إلى الجنة ؟ فقال : بل من محبتك ، فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي . فأوحى الله إليه : هنيئاً لك يا شعيب لقائي ، فلذلك أخدمتك موسى بن عمران کلیمي )) . رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي ، عن علي بن الحسن بن بندار ، عن عبد الله محمد بن إسحاق الرملي ، عن هشام بن عمار ، عن إسماعيل (٢٧) سورة هود الآية : ٩٠ . (٢٨) سورة هود الآية : ٩١ . ٢٦٩ صَلى الله بنحوه . ابن عباس، عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أوس، عن النبى عَ اجِ بـ وهو غريب جداً، وقد ضعفه الخطيب البغدادي(٢٩). وقولهم: ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَ جَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾(٣٠) هذا من كفرهم البليغ، وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: ﴿ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَا تَقُول﴾ (٣٠) أي ما نفهمه ولا نعقله ، لأنه لا نحبه ولا نريده ، وليس لنا همة إليه ، ولا إقبال عليه . وهو كما قال كفار قريش لرسول الله عَ له: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِى أُكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِى آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْئِكَ حَجَابٌ فَاعْمَلِ إِنَا عَامِلُونَ ﴾(٣١) . أي مضطهداً مهجوراً . وقولهم: ﴿وَإِنَّا لََّرَاكَ فِيْنَا ضَعِيفاً ﴾ وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ أي قبيلتك وعشيرتك فينا ﴿ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بعَزیزٍ ﴾ . قَالَ يَاقَومٍ أَرَهْطِى أُعَّ عَلَيْكُمْ مِّنَ اللهِ ﴾(٣٢) أي تخافون قبيلتي و عشيرتي وترعوني بسببهم ، ولا تخافون عذاب الله ؟ ولا تراعوني لأني رسول الله ؟ فصار رهطي أعز عليكم من الله ﴿ وَاتَخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾(٣٢) أي جانب الله وراء ظهورهكم ﴿إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾(٣٢) أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه ، محيط بذلك كله ، وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه . وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَائِكُمْ إِنَّى عَامِلٌ فَسَوَفَ تَعلَمُونَ مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ يُحْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنَّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾(٣٣). (٢٩) هو أحمد بن على بن ثابت البغدادى أبو بكر، توفى سنة ٤٦٣ هـ [الأعلام للزر كلى ١٦٦/١]. (٣٠) سورة هود الآية : ٩١ . (٣١) سورة فصلت الآية : ٥ (٣٢) سورة هود الآية : ٩٢ . (٣٣) سورة هود الآية : ٩٣ . ٢٧٠ هذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد ، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم ، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ومن يحل عليه الهلاك والبوار مَن يَأْتِيِهِ عَذَابٌ يُحْزِيهِ﴾ (٣٤) أي في هذه الحياة الدنيا ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣٤) أي في الأخرى ﴿ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾(٣٥) أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر . ﴿وَارْ تَقِبُوا إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٍ﴾(٣٥) هذا كقوله: ﴿ وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْتَنَا وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ قَالَ المَلَأُّ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُحْرِ جَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِّن قَرْيَتِنَا أُوْ لَتَعُوذُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانًا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾(٣٧). طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم ، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه فقال: ﴿ أُو لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختياراً ، وإنما يعودون إليكم إن عادوا ، اضطراراً مكرهين ، وذلك لأن الإِيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد ، ولا يرتد أحد عنه ، ولا محيد لأحد منه . ولهذا قال: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُذْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانًا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونَ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا﴾(٣٧) أي فهو كافينا، وهو العاصم لنا وإليه ملجأنا في جميع أمرنا . (٣٤) سورة هود الآية : ٣٩. (٣٥) سورة هود الآية : ٩٣. (٣٦) سورة الأعراف الآية : ٨٧ . (٣٧) سورة الأعراف الآيتان : ٨٨، ٨٩. ٢٧١ ثم استفتح على قومه ، واستنصر به عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: ﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾ أي الحاكمين . فدعا عليهم ، والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه ، ورسوله خالفوه . ومع هذاصمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾(٣٨). قال الله تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِم جَاثِمِينَ﴾(٣٩) ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة ، أي رجفت بهم أرضهم ، وزلزلت زلزالاً شديداً أزهقت أرواحهم من أجسادهم، وصيرت حيوان أرضهم كجمادها ، وأصبحت جثثهم جاثية ، لا أرواح فيها ولا حركات بها ، ولا حواس : . وقد جمع الله عليهم أنواعاً من العقوبات، وصنوفاً من المثلات ، وأشكالا من البليات ، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات ، سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات ، وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات ، وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات . ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها ، في سياق قصة الأعراف أرجفوا نبي الله وأصحابه ، وتوعدوهم بالإِخراج من قرِيتهم، أو ليعودون في ملتهم راجعين. فقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِم جَائِمِين﴾(٤٠) مقابل الإِرجاف بالرجفة ، والإخافة بالخيفة ، وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق . وأما في سورة هود : فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جائمين وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أُصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أُو أَن نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ (٣٨) سورة الأعراف الآية : ٩٠ . (٣٩) سورة الأعراف الآية : ٩١ . (٤٠) سورة الأعراف الآية : ٩١ . ٢٧٢ إِنَّكَ لَأُنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٤١) فناسب أن يذكر الصيحة التي هى كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح ، الذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح ، فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم . وأما في سورة الشعراء : فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة ، وكان ذلك إجابة لما طلبوا، وتقريباً إلى ما إليه رغبوا، فإنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ * وَمَا أَنتَ إِلَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأُسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّن السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(٤٢). قال الله تعالى وهو السميع العليم: ﴿فَكَذَبُّوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَومِ الظُّلَّة إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يِومٍ عَظِيمٍ﴾ (٤٣). ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره : أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين ، فقوله ضعيف . وإنما عمدتهم شيئان : أحدهما أنه قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ المُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُم شُعَيْبٌ﴾(٤٤) ولم يقل أخوهم كما قال: ﴿ وَإِلَى مُذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾(٤٥) . والثاني : أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة ، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة . والجواب عن الأول : أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابَ الأَيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ لأنه وصفهم بعبادة الأيكة ، فلا يناسب ذكر الأخوة ها هنا . ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم . وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة . (٤١) سورة هود الآية : ٨٧. (٤٢) سورة الشعراء الآيات: ١٨٥ - ١٨٨. (٤٣) سورة الشعراء الآية : ١٨٩. (٤٤) سورة الشعراء الآيتان : ١٧٦، ١٧٧. (٤٥) سورة الأعراف الآية : ٨٥، هود الآية: ٨٤، العنكبوت الآية: ٣٦. ٢٧٣ وأما احتجاجهم بيوم الظلة ، فإن كان دليلاً بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى ، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلاً على أنهما أمتان أخريان ، وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئاً من هذا الشأن . فأما الحديث الذي أورده الحافظ بن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام ، من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، عن أبيه ، عن معاوية بن هشام ، عن هشام بن سعد ، عن شقيق بن أبي هلال ، عن ربيعة بن سيف ، عن عبد الله ابن عمرو مرفوعاً: (( إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً النبي عليه السلام)). فإنه حديث غريب . وفي رجاله من تكلم فيه . والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو ، مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل ... والله أعلم . ثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان ، فدل على أنهم أمة واحدة ، وأهلكوا بأنواع من العذاب . وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب . وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَومِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابٌ يَومٍ عَظِيمٍ﴾ (٤٦) ذكروا أنهم أصابهم حر شديد ، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام ، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ، ولا دخولهم في الأسراب ، فهربوا من محلتهم إلى البرية ، فأظلتهم سحابة ، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها ، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب ، ورجفت بهم الأرض ، وجاءتهم صيحة من السماء ، فأزهقت الأرواح ، وخربت الأشباح . فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِم جَائِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَعْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمّ الحَاسِرِينَ﴾ (٤٧) ونحى الله شعيباً ومن معه من المؤمنين ، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِى (٤٦) سورة الشعراء الآية : ١٨٩ . (٤٧) سور الأعراف الآيتان : ٩١، ٩٢ . ٢٧٤ دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأُن لَّمْ يَعْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدَاً لَّمَذِينَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٤٨). وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ آَتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتُهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَائِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَعْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾(٤٩) وهذا في مقابلة قولهم: ﴿ لَئِنِ آَتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ﴾. ثم ذكر تعالى عن نبيهم : أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخاً ومؤنباً ومقرعاً ، فقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمٍ لَقَدْ أَبْلَعْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُم فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمِ كَافِرِينَ﴾(٥٠). أي أعرض عنهم مولياً عن محلتهم بعد هلكتهم قائلاً: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَعْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُم﴾. أي قد أديت ما كان واجباً على من البلاغ التام والنصح الكامل ، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه ، فلم ينفعكم ذلك ، لأن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم ، لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ، ولا تخافون يوم الفضيحة . ولهذا قال: ﴿فَكَيفَ آسى﴾ أي أحزن ﴿عَلَى قَوْمِ كَافِرِينَ ﴾ أي لا يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون إليه فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدفع ولا يمانع ، ولا محيد لأحد أريد به عنه ، ولا مناص عنه . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس : أن شعيباً عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام . وعن وهب بن منبه : أن شعيباً عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين ، وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم . (٤٨) سورة هود الآيتان : ٩٤، ٩٥. (٤٩) سورة الأعراف الآيات : ٩٠ - ٩٢. (٥٠) سورة الأعراف الآية : ٩٣ . ٢٧٥ ! ٤٠ الباب التاسع ذرية إبراهيم عليه السلام تمهيد م 3 الفصل الأول : قصة إسماعيل عليه السلام الفصل الثانى : قصة إسحاق عليه السلام . 4 . ذكر ذُرِّيَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام [ تمهيد] قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم ، وما آل إليه أمره عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام . وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط ، وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام ، لأنها قرينتها في كتاب الله عز وجل في مواضع متعددة ، فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط ، قصة مدين ، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح كما قدمنا ، فذكرناها تبعاً لها اقتداء بالقرآن العظيم . ثم نشرع الآن في الكلام على تفضيل ذرية إبراهيم عليه السلام ، لأن الله جعل في ذريته النبوة والكتاب ، فكل نبي أرسل بعده فمن ولده . هرم ٢٧٩ [ الفصل الأول ] ذكر إسماعيل عليه السلام وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ، ولكن أشهرهم الأخوان النبيان العظيمان الرسولان ، أسنهما وأجلهما : الذي هو الذبيح على الصحيح - إسماعيل بكر إبراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل . ومن قال : إن الذبيح هو إسحاق ، فإنما تلقاه من نقلة بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والإنجيل ، وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل ،. فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر ، وفي رواية : الوحيد . وأيا ما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ، ففي نص كتابهم : بعد مضي مائة سنة من عمر الخليل ، فإسماعيل هو البكر لا محالة ، وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة . أما في الصورة ، فلأنه كان ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة ، وأما أنه وحيد في المعنى ، فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر ، وكان صغيراً رضيعاً - فيما قيل - فوضعهما في وهاد جبال فاران ، وهى الجبال التي حول مكة نعم المقيل ، وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل ، وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه . فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل والكفیل فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى . ولكن أين من يتفطن لهذا السر ؟ وأين من يحل بهذا المحل ؟ والمعنى لا يدركه ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل !! وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم والصبر وصدق الوعد ، والمحافظة ٢٨٠