Indexed OCR Text

Pages 181-200

وعن المنهال بن عمرو أنه قال : أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين
وإما خمسين يوماً ، وأنه قال : ما كنت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها ،
ووددت أن عیشی و حیاتی کلها مثل إذ كنت فيها . صلوات الله وسلامه عليه .
فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا ، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا ، وأرادوا . أن
يغلبوا. قال الله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأُخْسَرِينَ﴾ (٥٤) وفي
الآية الأخرى ﴿ الأَسْفَلِينَ﴾ (٥٥) ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا ، وأما
في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً، ولا يلقون فيها تحية ولا
سلاماً، بل هى كما قال تعالى: ﴿ إِنَّها سَاءَتْ مُسْتَقَرَأْ وَمُقَاماً ﴾(٥٦).
قال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، أو ابن سلام عنه ، أنبأنا ابن
جريج ، عن عبد الحميد بن جبير ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم شريك ، أن
رسول الله عَب أمر بقتل الوزغ (٥٧)، وقال: ((كان ينفخ على إبراهيم)) (٥٨).
ورواه مسلم من حديث ابن جريج ، وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث
سفيان بن عيينة ، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عنه .
وقال أحمد : حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي أمية ، أن نافعاً مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول
الله عَ الم قال: ((اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم)) قال: فكانت
عائشة تقتلهن (٥٩) .
وقال أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب عن نافع ، أن امرأة دخلت على
عائشة فإذا رمح منصوب فقالت : ما هذا الرمح ؟ فقالت : نقتل به الأوزاغ ، ثم
(٥٤) سورة الأنبياء الآية : ٧٠.
(٥٥) سورة الصافات الآية : ٩٨ .
(٥٦) سورة الفرقان الآية : ٦٦ .
(٥٧) الوزغ: سام أبرص - يطلق على الذكر والأنثى - أو الوزغة: الأنثى، والوزغ: الذكر.
(٥٨) أخرجه البخاري، في كتاب الأنبياء، باب ((واتخذ الله إبراهيم خليلا)) ومسلم في صحيحه ، في
كتاب السلام ، باب استحباب قتل الوزغ والنسائي في سننه ، في كتاب المناسك ، باب قتل الوزغ وابن
ماجه في سننه ، في كتاب الصيد ، باب قتل الوزغ .
(٥٩) مسند أحمد ٢٨٠/٦.
١٨١

حدثت عنّ رسول الله مَ الله: ((أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها
تطفيء عنه إلا الوزغ ، فإنه جعل ينفخها عليه (٥٩).
تفرد به أحمد من هذين الوجهين .
وقال أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا جرير ، حدثنا نافع ، حدثتني سمامة مولاة
الفاكه بن المغيرة ، قالت : دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحاً موضوعاً ،
فقلت : يا أم المؤمنين ... ما تصنعين بهذا الرمح ؟ قالت : هذا لهذه الأوزاغ
نقتلهن به ، فإن رسول الله عَل حدثنا: ((إن إبراهيم حين ألقى في النار لم يكن
في الأرض دابة إلا تطفيء عنه النار ، غير الوزغ كان ينفخ عليه ، فأمرنا رسول
الله عَ ل بقتله)) (٦٠) ..
ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن
حازم به .
(٥٩) مسند الإمام أحمد ٦ / ٣١٧.
(٦٠)المسند ج ٨٣و ١٠٩ .
١٨٢

[ الفصل الثاني ]
ذكر مناظرة إبراهيم الخليل
مع من أراد أن ينازع الجليل في إزار العظمة ورداء
الكبرياء فادعى الربوبية ، وهو أحد العبيد الضعفاء
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِى رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ
اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّىَ الَّذِى يُحْبِى وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُخْرِى وَأُمِيتُ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأَتِ بِهَا مِنَ الْمَعْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى
كَفَرَ وَ اللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(١).
يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه
الربوبية ، فأبطل الخليل عليه دليله ، وبين كثرة جهله وقلة عقله ، وألجمه الحجة ،
وأوضح له طريق المحجة .
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار : وهذا الملك هو ملك
بابل ، واسمه النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح . قاله مجاهد . وقال
غيره : نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح .
قال مجاهد وغيره : وكان أحد ملوك الدنيا ، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا
أربعة مؤمنان وكافران ، فالمؤمنان : ذو القرنين ، وسليمان والكافران : النمرود ،
ويختنصر .
وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة ، وكان طغي وبغي ،
وتجبر وعتا ، وآثر الحياة الدنيا .
(١) سورة البقرة الآية : ٢٥٨.
١٨٣

ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، حمله الجهل
والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع ، فحاج إبراهيم الخليل في ذلك ،
وادعى لنفسه الربوبية . فلما قال الخليل: ﴿رَبِّىَ الَّذِى يُحْبِى وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُحْيِى وَأُمِيتُ ﴾ .
قال قتادة والسدي ومحمدٍ بن إسحاق : يعني أنه إذا أوتى بالرجلين قد تحتم
قتلهما ، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات
الآخر .
وهذا ليس بمعارضة للخليل ، بل هو كلام خارج عن مقام المناظرة ، ليس
بمنع ولا بمعارضة ، بل هو تشغيب محض ، وهو انقطاع في الحقيقة ، فإن الخليل
استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من أحياء الحيوانات وموتها ،
على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ، ضرورة عدم قيامها .
بنفسها . ولابد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة ، من خلقها وتسخيرها ،
وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر ، وخلق هذه الحيوانات التي
توجد مشاهدة ، ثم إماتتها . ولهذا قال إبراهيم: ﴿رَبِّىّ الَّذِى يُحْيِى وَيُمِيتُ﴾.
فقول هذا الملك الجاهل: ﴿ أَنَا أُخْيِى وَأُمِيتُ﴾ إن عني أنه الفاعل لهذه
المشاهدات فقد كابر وعاند . وإن عني ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن
إسحاق ، فلم يقل شيئاً يتعلق بكلام الخليل ، إذ لم يمنع مقدمة ، ولا عارض
الدليل .
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفي على كثير من الناس ممن حضره
وغيره ، ذكر دليلاً آخر بين وجود الصانع ، وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه
جهرة :
قَالَ إِبْرَاهِيمُ فِإِنَّ اللهَ يَأْتِى بِالْشَمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ
الْمَعْرِبِ﴾ (٢) أي هذه الشمس مسخرة كل يوم ، تطلع من المشرق كما سخرها
خالقها ومسيرها وقاهرها ، وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء ، فإن كنت كما
(٢) سورة البقرة الآية : ٢٥٨.
١٨٤

زعمت من أنك الذي تحيى وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحيى
ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب ، بل قد قهر كل شيء ودان له
كل شيء ، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا ، فإن لم تفعله فلست كما زعمت ، وأنت
تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شيء من هذا ، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق
بعوضة أو تنتصر منها .
فبین ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه ، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة
قومه ، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به ، بل انقطع وسكت ولهذا قال: ﴿فَبُّهِتَ
الَّذِى كَفَر وَاللهُ لَا يَهْدِى القَومَ الظَّالِمِينَ﴾(٣) .
وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود یوم خرج من
النار ، ولم يكن اجتمع به يومئذ ، فكانت بينهما هذه المناظرة .
وقد روي عبد الرزاق عن معمر ، عن زيد بن أسلم ، أن النمرود كان عنده
طعام ، وكان الناس يفدون إليه للميرة ، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة ، ولم
يكن اجتمع به إلا يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة . ولم يعط إبراهيم من الطعام كما
أعطى الناس ، بل خرج وليس معه شيء من الطعام .
فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب ، فملأ منه عدليه وقال : أشغل
أهلي إذا قدمت عليهم ، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكا فنام ، فقامت امرأته سارة
إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاماً طيباً ، فعملت منه طعاماً ، فلما استيقظ إبراهيم
وجد الذي قد أصلحوه ، فقال : أني لكم هذا ؟ قالت : من الذي جئت به ،
فعرف أنه رزق رزقهموه الله عز وجل .
قال زيد بن أسلم : وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ، ملكاً يأمره بالإِيمان بالله
فأبى عليه ، ثم دعاه الثانية فأبى عليه ثم دعاه الثالثة فأبى عليه وقال : اجمع جموعك
وأجمع جموعي .
فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس ، فأرسل الله عليه ذباباً من
البعوض بحيث لم يروا عين الشمس ، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم،
(٣) سورة البقرة الآية : ٢٥٨
١٨٥

وتركتهم عظاماً بادية ، ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخره
أربعمائة سنة ! عذبه الله تعالى بها . فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة
كلها ، حتى أهلكه الله عز وجل بها .
٣٫٨
١٨٦

[ الفصل الثالث ]
ذكر هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام
ودخوله الديار المصرية واستقراره في الأرض المقدسة
قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٍّ وَقَالَ إِنَّى مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّى إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
الحَكِيمُ « وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَتِهِ النُّبَوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ
أَجْرَهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾(١).
وقال الله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطٍاً إِلَى الأَرْضِ أَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ
#
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا
عَابِدِينَ ﴾(٢) .
لما هجر قومه في الله ، وهاجر من بين أظهرهم ، وكانت امرأته عاقراً لا يولد
لها ، ولم يكن له من الولد أحد ، بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر ، وهبه الله
تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين ، وجعل في ذريته النبوة والكتاب ، فكل نبي بعث
بعده فهو من ذريته ، وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء بعده ، فعلى
أحدٍ نسله وعقبه ، خلعة من الله وكرامة له ، حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه ، وهاجر
إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه عز وجل ودعوة الخلق إليه .
والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام ، وهى التي قال الله عز وجل :
... إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾(٣).
(١) سورة العنكبوت الآيتان: ٢٦، ٢٧ .
(٢) سورة الأنبياء الآيات : ٧١ - ٧٣ .
(٣) سورة الأنبياء الآية : ٧١ .
١٨٧

قاله أبي بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم .
وروى العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿ ... إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا
لِلْعَالَمِينَ﴾ مكة، ألم تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ أُوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ
مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤) وزعم كعب الأحبار أنها ((حران)).
وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب : أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه
لوط، وأخوه ناحور، وامرأة إبراهيم سارة، وامرأة أخيه ((ملكاً)) فنزلوا
حران ، فمات (( تارخ)) أبو إبراهيم بها .
وقال السدي : انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام ، فلقي إبراهيم سارة - وهى
ابنة ملك حران - وقد طعنت على قومها في دينهم ، فتزوجها على أن لا يغيرها .
رواه ابن جرير وهو غريب .
والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذي تنسب إليه حران .
ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط ، كما حكاه السهيلي عن القتيبي
والنقاش ، فقد أبعد النجعة وقال بلا علم .
ومن ادعى أن تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعاً فليس له على ذلك
دليل ، ولو فرض أن هذا كان مشروعاً في وقت - كما هو منقول عن الربانيين من
اليهود - فإن الأنبياء لا تتعاطاه ... والله أعلم .
ثم المشهور أن إبراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجراً من
بلاده كما تقدم ... والله أعلم .
وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه: ((إني جاعل هذه
الأرض لخلفك من بعدك)) فابتنى إبراهيم مذبحاً لله شكراً على هذه النعمة وضرب
قبته شرقي بيت المقدس ثم انطلق مرتحلاً ، إلى التيمن ، وأنه كان جوع ، أي قحط
وشدة وغلاء ، فارتحلوا إلى مصر .
(٤) سورة آل عمران الآية : ٩٦ .
١٨٨

وذكروا قصة سارة مع ملكها ، وأن إبراهيم قال لها : قولي أنا أخته .
وذكروا خدام الملك إياها هاجر . ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن. يعني
أرض بيت المقدس وما والاها ، ومعه دواب وعبيد وأموال .
وقال البخاري : حدثنا محمد بن محبوب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب
عن محمد ، عن أبي هريرة قال : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات : اثنتان منهن
في ذات الله، قوله ﴿ إِنَّ سَقِيمٌ﴾(٥)، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هَذَا﴾(٦) ، وقال : بينا هو ذات يوم وسارة ، إذ أتى على جبار من الجبابرة ،
فقيل له : إن ها هنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه وسأله عنها ،
فقال : من هذه ؟ قال : أختي ، فأتى سارة فقال : يا سارة .. ليس على وجه
الأرض مؤمن غيري وغيرك ، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني .
فأرسل إليها ، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ ، فقال : ادعى الله
لي ولا أضرك ، فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية مثلها أو أشد ، فقال : ادعى
الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق . فدعا بعض حجبته فقال : إنكم لم تأتوني
بإنسان ، وإنما أتيتموني بشيطان فأخدمها هاجر .
فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم ؟ فقالت : رد الله كيد الكافر - أو
الفاجر - في نحره ، وأخدم هاجر .
قال أبو هريرة : فتلك أمكم يابني ماء السماء .
تفرد به من هذا الوجه موقوفاً(٧) .
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار ، عن عمرو بن علي الفلاس ، عن عبد
الوهاب الثقفي ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ،
عن النبي معَ له قال: ((إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات ، كل ذلك في
ذات الله، قوله: ﴿ إِنَّ سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴾ ، وبينما
(٥) سورة الصافات : الآية : ٨٩.
(٦) سورة الأنبياء الآية : ٦٣ .
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ((واتخذ الله إبراهيم خليلا)).
١٨٩

هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلاً ، فأتى الجبار فقيل له : إنه قد
نزل ها هنا رجل معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه فسأله عنها فقال : إنها
أختي . فلما رجع إليها قال : إن هذا سألني عنك فقلت : إنك أختي ، وأنه ليس
اليوم مسلم غيري وغيرك ، وإنك أختي ، فلا تكذبيني عنده .
فانطلق بها ، فلما ذهب يتناولها أخذ ، فقال : ادعى الله لي ولا أضرك ،
فدعت له فأرسل ، فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها ، فقال : ادعى الله لي
ولا أضرك ، فدعت فأرسل ، ثلاث مرات ، فدعا أدني حشمه فقال : إنك لم
تأتني بإنسان ولكنك أتيتني بشيطان ، أخرجها وأعطها هاجر .
فجاءت وإبراهيم قائم يصلي . فلما أحس بها انصرف ، فقال : مهيم ؟ فقالت:
كفى الله كيد الظالم ، وأخدمني هاجر .
وأخرجاه من حديث هشام . ثم قال البزار : لا يعلم أسنده عن محمد عن أبي
هريرة إلا هشام . ورواه غيره موقوفاً(٨).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا علي بن حفص ، عن ورقاء - هو أبو عمر
اليشكري - عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله
عَ له: ((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله حين دُعى إلى آلهتهم فقال:
﴿ إِنَّى سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وقوله لسارة: (( إنها
أختي )).
قال : ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة ، فقيل :
دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس ، قال : فأرسل إليه الملك أو الجبار :
من هذه معك ؟ قال : أختى ، قال : فأرسل بها ، قال فأرسل بها إليه ، وقال : لا
تكذبي قولي ، فإني قد أخبرته أنك أختي ، إنه ما على الأرض مؤمن غيري
وغيرك .
فلما دخلت عليه قام إليها ، فأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كنت
(٨) البخاري أنبياء (٨) ونكاح ١٢، ومسلم فضائل ١٥٤ وأبو داود طلاق ١٦، والترمذي تفسير سورة
الأنبياء الحديث رقم (٣١٦٦).
١٩٠

تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجى إلا على زوجي ، فلا تسلط
الكافر . قال : فغط حتى ركض برجله .
قال أبو الزناد : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنها قالت :
اللهم إن يمت يقال هى قتلته ، قال : فأرسل .
قال : ثم قام إليها ، قال : فقامت تتوضأ وتصلي وتقول : اللهم إن كنت
تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا تسلط على
الكافر . قال : فغط حتى ركض برجله . قال أبو الزناد : وقال أبو سلمة عن أبي
هريرة أنها قالت : اللهم إن يمت يقل هى قتلته ، قال : فأرسل .
قال : فقال في الثالثة أو الرابعة : ما أرسلتم إلى إلا شيطاناً ، ارجعوها إلى
إبراهيم وأعطوها هاجر .
قال : فرجعت ، فقالت لإِبراهيم : أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم
وليدة !
تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح (٩) .
وقد رواه البخاري عن أبي اليمان ، عن شعيب بن أبي حمزة ، عن أبي الزناد ،
عن أبي هريرة، عن النبي عَّ ◌ُله به مختصراً.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سفيان ، عن علي بن زيد بن
جدعان ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله عَ لّه في كلمات
إبراهيم الثلاث التي قال: (( ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله ، فقال :
﴿ إِنَّى سَقِيمٌ﴾ وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ وقال للملك حين أراد
امرأته : هی أختي ))(١٠) ..
فقوله في الحديث: ((هى أختي)) أي في دين الله. وقوله لها: ((إنه ليس
على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك )) يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك ،
(٩) أخرجه أحمد في مسنده ٤٠٣/٢، ٤٠٤ .
(١٠) هذه الرواية ضعيفة، لوجود علي بن زيد بن جدعان في سندها، وهو ضعيف - انظر [تقريب
التهذيب ٣٧/٢].
١٩١

ويتعين حمله على هذا لأن لوطاً كان معهم وهو نبي عليه السلام .
وقوله لها لما رجعت إليه : ميهم ؟ معناه ما الخبر . فقالت : إن الله رد كيد
الكافرين . وفي رواية : الفاجر وهو الملك ، وأخدم جارية .
وكان إبراهيم عليه السلام من وقت أن ذهب بها إلى الملك،قام يصلى لله عز
.وجل ، ويسأله أن يدفع عن أهله ، وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء .
وهكذا فعلت هى أيضاً . فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمراً قامت إلى وضوئها
وصلاتها ، ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم . ولهذا قال تعالى :
واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾(١١) فعصمها الله وصانها لعصمةً عبده ورسوله
وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام .
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة : سارة ، وأم موسى ، ومريم
عليهن السلام . والذي عليه الجمهور أنهن صديقات رضي الله عنهن وأرضاهن .
ورأيت في بعض الآثار أن الله عز وجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه
السلام وبينها ، فلم يرها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه . وكان
مشاهداً لها وهى عند الملك ، وكيف عصمها الله منه ، ليكون ذلك أطيب لقلبه
وأقر لعينه وأشد لطمأنينته ، فإنه كان يحبها حباً شديداً ، لدينها وقرابتها منه
وحسنها الباهر ، فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها ، أحسن منها ،
رضى الله عنها ... ولله الحمد والمنة .
وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعون مصر هذا كان أخاً للضحاك الملك
المشهور بالظلم ، وكان عاملاً لأخيه على مصر . ويقال كان اسمه سنان بن علوان
ابن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح . وذكر ابن هشام في التيجان : أن
الذي أرادها عمرو بن امريء القيس بن مايلون بن سبإ، وكان على مصر . نقله
السهيلي ... والله أعلم .
منه
(١١) سورة البقرة الآية : ٤٥ .
١٩٢

ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن ، وهى الأرض
المقدسة التى كان فيها ، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية
ثم إن لوطاً عليه السلام نزح بما له من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في
ذلك ، إلى أرض الغور ، المعروف بغور زغر (١٢)، فنزل بمدينة سدوم(١٣) وهى
أم تلك البلاد في ذلك الزمان . وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً .
وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل ، فأمره أن يمد بصره وينظر شمالاً وجنوباً
وشرقاً وغرباً، وبشره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر
الدهر ، وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض .
وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة ، بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في
هذه الأمة المحمدية .
ويؤيد ذلك قول رسول الله عَ ◌ّه: ((إن الله زوى(١٤) لي الأرض فرأيت
مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها))(١٥).
قالوا : ثم إن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه ،
وأخذوا أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ الخبر إبراهيم الخليل سار إليهم في ثلاثمائة
وثمانية عشر رجلاً فاستنقذ لوطاً عليه السلام واسترجع أمواله ، وقتل من أعداء
الله ورسوله خلقاً كثيراً وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شمالي دمشق
وعسكر بظاهرها عند برزة ، وأظن مقام إبراهيم إنما سمي لأنه كان موقف جيش
الخليل ... والله أعلم .
ثم رجع مؤيداً منصوراً إلى بلاده ، وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين
له مكرمين خاضعين ، واستقر ببلاده . صلوات الله وسلامه عليه .
(١٢) غورزغر: هو مكان منخفض في موضع (زغر ) بالأردن قرب البحر الميت [ معجم البلدان
١٤٣/٣ ] .
(١٣) سدوم: فعول من السدم وهو الندم مع الغم، وهى قرية من قرى قوم لوط ، كان قاضيها يقال له
سدوم [ معجم البلدان ٢٠٠/٣ ] .
(١٤) زوى : جمع .
(١٥) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الفتن ، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض والترمذي في سننه ،
كتاب الفتن، باب ماجاء في سؤال النبي عَّم ثلاثا في أمته .
١.٩٣

[ الفصل الرابع ]
ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من هاجر
---
قال أهل الكتاب : إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة ، وإن الله
بشره بذلك ، وإنه لما كان لإِبراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة
لإِبراهيم عليه السلام : إن الرب قد أحرمني الولد ، فأدخل على أمَتِى هذه لعل الله
يرزقني منها ولداً .
فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام ، فحين دخل بها حملت منه .
قالوا : فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها ، فغارت منها سارة
فشكت ذلك إلى إبراهيم ، فقال لها : افعلي بها ماشئت ، فخافت هاجر فهربت
فنزلت عند عين هناك . فقال لها ملك من الملائكة : لا تخافي فإن الله جاعل من
هذا الغلام الذي حملت خيراً وأمرها بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابناً وتسميه
إسماعيل ، ويكون وحش الناس ، يده على الكل ، ويد الكل به ، ويملك جميع
بلاد إخوته .
فشكرت الله عز وجل على ذلك .
وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه ، فإنه
الذي به سادت العرب ، وملكت جميع البلاد غرباً وشرقاً ، وآتاها الله من العلم
النافع ، والعمل الصالح ما لم تؤت أمة من الأمم قبلهم ، وما ذاك إلا بشرف رسولها
على سائر الرسل ، وبركة رسالته ويمن سفارته وكماله فيما جاء به ، وعموم بعثته
لجميع أهل الأرض .
ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام .
قالوا : وولدته ولإِبراهيم من العمر ست وثمانون سنة ، قبل مولد إسحاق
بثلاث عشرة سنة .
١٩٤

ولما ولد إسماعيل أوحي الله إلى إبراهيم ببشره بإسحاق من سارة ، فخر لله
ساجداً ، وقال له : قد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته جداً
كثيراً، ويولد له اثنا عشر عظيماً ، وأجعله رئيساً لشعب عظيم .
وهذه أيضاً بشارة بهذه الأمة العظيمة ، وهؤلاء الاثنا عشر عظيماً هم الخلفاء
الراشدون الاثنا عشر ، المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير ، عن جابر بن
سمرة، عن النبي عَّ له قال: ((يكون اثنا عشر أميراً)). ثم قال كلمة لم أفهمها،
فسألت أبي: ما قال؟ قال: ((كلهم من قريش)).
أخرجاه في الصحيحين .
وفي رواية: ((لا يزال هذا الأمر قائماً - وفي رواية: عزيزاً - حتى يكون
اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)) . (١) .
فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، ومنهم عمر بن
عبد العزيز أيضاً ، ومنهم بعض بني العباس . وليس المراد أنهم يكونون اثنى عشر
نسقاً بل لابد من وجودهم .
وليس المراد الأئمة الاثنى عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة ، الذين أولهم علي
ابن أبي طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا - وهو محمد بن الحسن العسكري
فيما يزعمون(٢) - فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وابنه الحسن بن علي ،
حين ترك القتال وسلم الأمر لمعاوية ، وأحمد نار الفتنة وسكن رحى الحرب بين
المسلمين ، والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الأمة في أمر من
الأمور . وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا (٣) ، فذاك هوس في الرءوس ،
وهذيان في النفوس ، لا حقيقة له ولا عين ولا أثر .
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام ، باب الاستخلاف وأحمد في مسنده ٩٣/٥.
(٢) محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي العلوي الحسيني ، توفى سنة ٢٦٥ هـ [ شذرات الذهب
١٤٩/٢ ] .
(٣) سامرا : لغة في سر من رأى ، وهى مدينة كانت بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة وقد خربت
[ معجم البلدان ١٧٣/٣ ] .
١٩٥

والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل ، اشتدت غيرة سارة
منها ، وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها ، فذهب بها وبولدها ، فسار بهما
حتى وضعهما حيث مكة اليوم .
ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعاً .
فلما تركهما هناك وولى ظهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه ،
وقالت : يا إبراهيم ... أين تذهب وتدعنا ها هنا وليس معنا ما يكفينا ؟ فلم
يجبها، فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له : الله أمرك بهذا ؟ قال : نعم
قالت : فإذن لا يضيعنا !
وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب ((النوادر)): أن
سارة غضبت على هاجر فحلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها فأمرها الخليل أن تثقب
أذنيها ، وأن تخفضها فتبر قسمها .
قال السهيلى : فكانت أول من اختتن من النساء ، وأول من ثقبت أذنها
منهن ، وأول من طولت ذيلها .
١٩٦

[ الفصل الخامس ]
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر
إلى جبال فاران وهى أرض مكة ، وبنائه البيت العتيق
قال البخاري : قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة ـ- حدثنا
عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن
أبي وداعة ، يزيد أحدهما على الآخر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال :
أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ، اتخذت منطقاً لتعفى أثرها على
سارة ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهى ترضعه ، حتى وضعهما عند البيت
عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء .
فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر ، وسقاء فيه ماءٍ(١) .
ثم قفى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ... أين تذهب
وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا
يلتفت إليها ، فقالت له : الله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت : إذن لا يضيعنا .
ثم رجعت .
فانطلق إبراهيم ، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه
البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى
بَوادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعِ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبََّا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَقْتِدَةً مِّنَ
النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾(٢).
وجعلت أم إسماعیل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب رقم ٩ وأحمد في مسنده ٣٤٧/١ .
(٢) سورة إبراهيم الآية : ٣٧ .
١٩٧

في السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط -
فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ،
فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً ، فلم تر أحداً . فهبطت من
الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف ذرعها ، ثم سعت سعي الإِنسان
المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ، ونظرت هل ترى
أحداً ، فلم تر أحداً ، فعلت ذلك سبع مرات .
قال ابن عباس: قال النبي معَّ المه: ((فلذلك سعى الناس بينهما)).
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت : صه ، تريد نفسها . ثم
تسمعت فسمعت أيضاً ، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث . فإذا هى
بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه ، أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء ،
فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا . وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو
يفور بعد ما تغرف .
قال ابن عباس: قال النبي عَ له: ((يرحم الله أم إسماعيل! لو تركت
زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عيناً معيناً)) قال :
فشربت وأرضعت ولدها . فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة فإن ها هنا بيتاً لله
يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وأن الله لا يضيع أهله(٣).
و کان البيت مرتفعاً من الأرض کالرابية ، تأتيه السیول فتأخذ عن يمينه وعن
شماله ، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم ، أو أهلٍ بيت من جرهم ،
مقبلين من طريق كداء ، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً ، فقالوا : إن هذا
الطائر ليدور على ماء ، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء . فأرسلوا جرياً (٤) أو
جريين فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا .
قال : وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت :
نعم ولكن لا حق لكم في الماء عندنا . قالوا : نعم .
(٣) البخاري كتاب المساقاة . باب من رأى أن صاحب الحوض ... إلخ .
(٤) الجري : الرسول .
١٩٨

قال عبد الله بن عباس: قال النبي عَّ له ((فألفى ذلك أم إسماعيل وهى تحب
الأنس ، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم ..
وشب الغلام وتعلم العربية منهم ، وأنفسهم وأعجبهم حين شب . فلمًّا
أدرك زوجوه امرأة منهم .
وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد
إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا . ثم سألها عن عيشهم
وهيئتهم ، فقالت : نحن بشر ، نحن في ضيق وشدة ، وشكت إليه . قال : فإذا
جاء زوجك فأقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه .
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال : هل جاءكم من أحد ؟ فقالت : نعم
جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته ،وسألنى كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا فى
جهد وشدة . قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم، أمرني أن أقرأ عليك
السلام ، ويقول لك غيّرِّ عتبة بابك قال : ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك فالحقي
بأهلك ، وطلقها وتزوج منهم أخرى ، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله . ثم أتاهم
بعد فلم يجده ، فدخل على امرأتهفسألها عنه ، فقالت: خرج يبتغي لنا . قال :
كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بخير وسعة ، وأثنت على
الله عز وجل. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم . قال : فما شرابكم ؟
قالت: الماء. قال: ((اللهم بارك لهم في اللحم والماء))(٥) .
قال النبي عَّةٍ: ((ولم يكن لهم يومئذ حب ، ولو كان لهم حب لدعا لهم
فيه)) قال: فهما لا يخلو(٦) عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
قال : فإذا جاء زوجك فأقرني عليه السلام ، ومريه يثبت عتبة بابه ، فلما
جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم ، أتانا شيخ حسن الهيئة ،
وأثنت عليه ، فسألني عنك فأخبرته ، فسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير .
قال : فأوصاك بشيء ؟ قالت نعم . هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة
بابك . قال : ذاك أبي وأنت العتبة ، أمرني أن أمسكك .
(٥) قارن تاريخ الطبري جـ ١٨١/١.
(٦) يخلو : يقتصر .
١٩٩

ثم لبث عنهم ما شاء الله ، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل بيري نبلا له تحت
دوحة قريباً من زمزم ، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد
بالوالد ثم قال : ياإسماعيل ... إن الله أمرني بأمر. قال : فاصنع ما أمرك به
ربك ، قال وتعينني ؟ قال : وأعينك . قال : فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتاً .
وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها .
قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة
وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه وهو
يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبِّلْ مِنَّ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ
العَلِيمُ ﴾(٧) .
قال : فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبََّا تَقَبَلْ مِنَّا
إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾.
ثم قال : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ،
حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن کثیر بن كثير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
قال : لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان ، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ، ومعهم
شنة(٨) فيها ماء ، وذكر تمامه بنحو ما تقدم .
وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه ، وفي بعضه غرابة ،
وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الإسرائيليات ، وفيه أن إسماعيل كان رضيعاً إذ
ذاك .
وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده إسماعيل وكل من عنده
من العبيد وغيرهم فختنهم ، وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره ،
فيكون عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة ، وهذا امتثال لأمر الله عز وجل في
أهله ، فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب . ولهذا كان الصحيح من أقوال
العلماء أنه واجب على الرجال ، كما هو مقرر في موضعه .
(٧) سورة البقرة الآية : ١٢٧ .
(٨) الشنة : القربة الخلق الصغيرة يكون الماء : فيها أبرد من غيرها .
٢٠٠