Indexed OCR Text
Pages 121-140
ورواه أبو القاسم الطبرانى من حديث عبد الرحيم بن سليمان ، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله عَ لّم قال: ((كان فى وصية نوح لابنه: أوصيك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين))، فذكر نحوه . وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد ، عن أبى معاوية الضرير عن محمد بن إسحاق ، عن عمرو بن دينار ، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن النبى معَ له بنحوه. والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، كما رواه أحمد والطبرانى والله أعلم . ويزعم أهل الكتاب أن نوحاً عليه السلام لما ركب فى السفينة - كان عمره ستمائة سنة . وقدمنا عن ابن عباس مثله ، وزاد : وعاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة ، وفى هذا القول نظر . ثم إن لم يمكن الجمع بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض . فإن القرآن يقتضى أن نوحاً مكث فى قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك . فإذا كان ما ذكر محفوظاً عن ابن عباس - من أنه بعث وله أربعمائة وثمانون سنة ، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة - فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة . وأما قبره عليه السلام : فروى ابن جرير والأرزقى عن عبد الرحمن بن سابط أو غيره من التابعين مرسلًا أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام . وهذا أقوى وأثبت من الذى يذكره كثير من المتأخرين ، من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم ((بكرك نوح))(٢)، وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك فيما ذكر والله أعلم . * * (٢) كرك نوح: قرية كبيرة، قرب ((بعلبك))، يزعم أهل تلك النواحى أن بها قبر نوح عليه السلام . [ معجم البلدان ٤ / ٤٥٣ ] . ١٢١ الباب الرابع قصة هود عليه السلام قصة هود عليه السلام وهو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام . ويقال إن هوداً هو عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، ويقال هود بن عبد الله بن رباح الجارود بن عاد بن غوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام . ذكره ابن جرير . و کان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح وكانوا عرباً يسكنون الأحقاف - وهى جبال الرمل - وكانت باليمن بين عمان وحضرموت ، بأرض مطلة على البحر يقال لها ((الشحر))، واسم واديهم ((مغيث)). وكانوا كثيراً ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام ، كما قال تعالى :. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾(١) أى عاد إرم وهم عاد الأولى . وأما عاد الثانية فمتأخرة كما سيأتى بيان ذلك فى موضعه . وأما عاد الأولى فهم عاد ﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ » التَّيِ لَمْ يُحْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَادِ﴾(٢) أى مثل القبيلة ، وقيل مثل العمد . والصحيح الأول كما بيناه فى التفسير . ومن زعم أن ((إرام)) مدينة تدور فى الأرض ، فتارة فى الشام ، وتارة فى اليمن وتارة ، فى الحجاز ، وتارة فى غيرها ، فقد أبعد النجعة ، وقال مالا دليل عليه ، ولا برهان يعول عليه ، ولامسند یرکن إليه . وفى صحيح ابن حبان عن أبى ذر فى حديثه الطويل فى ذكر الأنبياء والمرسلين قال فيه: ((منهم أربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب ، ونبيك (١) الفجر الآيتان : ٦ - ٧ . . (٢) الفجر الآيتان : ٧ - ٨ . ١٢٥ يا أبا ذر)» . ويقال إن هوداً عليه السلام أول من تكلم بالعربية ، وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها ، وقال غيره : أول من تكلم بها نوح ، وقيل آدم وهو الأشبه ، وقيل غير ذلك .. والله أعلم . ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام ، العرب العاربة ، وهم قبائل كثيرة : منهم عاد ، وثمود ، وجرهم، وطسم ، وجديس ، وأميم ، ومدين ، وعملاق ؛ وجاسم ، وقحطان ، وبنو يقطن ، وغيرهم . وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل . وكان إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم كما سيأتي بيانه فى موضعه إن شاء الله تعالى ، ولكن أنطقه الله بها فى غاية الفصاحة والبيان . وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله عَ ◌ّهِ . * والمقصود أن عادا - وهم عاد الأولى - كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان . وكانت أصنامهم ثلاثة : صمداً ، وصموداً ، وهراً. فبعث الله فيهم أخاهم هوداً عليه السلام فدعاهم إلى الله ، كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح ، وما كان من أمرهم فى سورة الأعراف: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكِ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسِ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ * أُبَلِّغْكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴿ أُوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكِمْ عَلَى رَجُلِ مِّنكُمْ لِيُبِذِرَكُمْ وَاَذكَرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنِ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُم فى الخَلْقِّ بَسْطَةً فَأَذْكُرُوا آلَاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، قَالُوا أَجِتْنَا لِتَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَّا فَأَتِنَا بِمَا تَعدْنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ قَالَ قَدْ وَفَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتَّجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَاءِ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَّلَ ١٢٦ اللّهُ بِهَا مِن سَلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّى مَعَكُم مِّنَ المُنْتَظِرِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنا وَقَطَعْنَا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾(٣). وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح فى سورة هود: ﴿ وَإِلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لَا أَسَأَلَكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إن أجْرِى إِلَّ عَلَى الَّذِى فَطَرَنِى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَيَاقَوْم اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُزِسِلِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِذْكُمْ قُوَّةٍ إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ * قَالُوا يَا هُوُد مَا جِعْتَنَا بِبَيِّئَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عِن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نقولُ إِلَّ اغْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسوءٍ قَالَ إِنَّى أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنَّي بَرِىءٍ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * من دُونِهِ فَكِيدُونَى جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنِظِرُونِ * إِنَّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهُ رَبِّى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَايَّةٍ إِلَّا هَوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِها إنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَئُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَحْلِفُ رَبِّى قَوْماً غَيْرَ كَمٍ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفَيِظٌ * وَلَّمَّا جَاءَ أَمْرِنَا نَجْنَا هُوداً والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مُّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مّنْ عَذَابٍ غَلِظٍ * وَتِلْكَ عَادِّ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسَلَهَ واتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* وَأَتْبِعُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادَاً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعداً لَّعَادٍ قَوْمٍ هُودٍ ﴾(٤) . وقال تعالى فى سورة ((قد أفلح المؤمنون)) بعد قصة قوم نوح: ﴿ ثُمّ أَنشَأْنًا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنَا آخَرِينَ *فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُم أنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ، وَقَالَ المَلَأَ مِن قَوْمِه الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَثْرَفْتَاهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا فَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَنْ أَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تَرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُخْرَجُونَ » هَيْهَاتِ هَيْهَاتٍ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِى إِلَّا حَيَاتُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ اقْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ (٣) الأعراف الآيات : ٦٥ : ٧٢ . (٤) هود الآيات: ٥٠ - ٦٠ . ١٢٧ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونٍ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتُهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبَعْدَاً لِلقومِ الظَّالِمِينَ ﴾(٥) . وقال تعالى فى سورة الشعراء بعد قصة قوم نوح أيضاً: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ المُرَسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنَّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، فَاتَّقُوا اللّهَ وأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرَى إِلَّا عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ * أُتْبُونَ بِكُلِ رِيعِ آيَّةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَّعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ* وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّرِين * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِى أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَذَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَ عَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنَ مِّن الوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ» وَمَانَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثُرُهُم مُؤْمِنِينَ ( وإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾(٦). وقال تعالى فى سورة حم فُصِّلت: ﴿فَأْمَا عَادٌّ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مِن أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيِحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَائِ أُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخِزْيٍ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَحْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾(٧) . وقال تعالى فى سورة الأحقاف: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالَأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُر من بِيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّ الله إِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ قَالُوا أَجِئْنَا لِتَأْفِكَنَا عِنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنَتِ مِن الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا العِلَّمُ عِنَدِ اللهِ وَأُبَلِّئُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِّى أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً ◌ُسَتَقْبِلَ أَوْدِيتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرْنَا بَلْ هُو مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرٍ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرِى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾(٨). (٥) المؤمنون الآيات: ٣١ - ٤١ . (٦) الشعراء الآيات: ١٢٣ - ١٤٠. (٧) فصلت الآيات: ١٥ - ١٦. (٨) الأحقاف الآيات: ٢١ - ٢٥ . ١٢٨ وقال تعالى فى الذاريات: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْه كَالرَّمِيمِ﴾(٩) . وقال تعالى فى النجم: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الَأَوْلَى * وَثَمُودَ فَما أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوجٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أُظْلَمَ وَأَطْغَى « والمُؤْتَفِكَةً أَهْوِى ، فَغَشَّاهَا مَا غَشَى « فَبِأَىِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (١٠) . وقال تعالى فى سورة القمر: ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِی وَئُذُرٍ = إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِم رِيحاً صَرْصَراً فِ يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍ » تَنزِعُ النَّاسَِ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَحْلٍ مُنْقَعِرٍ ، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرٍ فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ﴾(١١). وقال فى الحاقة: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتية « سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةٍ أَيَّامِ حُسُوماً فَتَرَى القَوْمَ فِهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَحْلٍ حَاوِيةٍ ﴿ فَهَلْ تَرِىَ لَهُم مِّن بَاقيةٍ﴾(١٢) . وقال فى سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ « التَّى لَمْ يُحْلَقْ مِثْلُها فى البِلَادِ " وَثَمَودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَعَوْا فِى البِلَادِ . فَأَكَثِرُوا فِيهَا الْفَسَادَ : فَصَبَّ عَلَيْهِم رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابِ ، إِنَّ رَبَّك لَبِالِمِرْصَادِ﴾(١٣). وقد تكلمنا على كل من هذه القصص فى أماكنها من كتابنا التفسير . ولله الحمد والمنة . وقد جرى ذكر عاد فى سورة براءة ، وإبراهيم ، والفرقان ، والعنكبوت ، وفى سورة ص ، وفى سورة ق . ولنذكر مضمون القصة مجموعاً من هذه السياقات ، مع ما يضاف إلى ذلك (٩) الذاريات الآيتان: ٤١ - ٤٢ . (١٠) النجم الآيات: ٥٠ _ ٥٥ . (١١) القمر الآيات: ١٨ - ٢٢ . (١٢) الحاقة الآيات: ٦ - ٨ . (١٣) الفجر الآيات: ٦ - ١٤ . ١٢٩ من الأخبار . وقد قدمنا أنهم أول الأمم الذين عبدوا الأصنام بعد الطوفان . وذلك بين فى قوله لهم: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ من بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الحَلْقِ بَسْطَّةً﴾(١٤) أى جعلهم أشد أهل زمانهم فى الخلقة والشدة والبطش .. وقال فى المؤمنون: ﴿ ثُمْ أَنشَأْنًا من بَعْدِهِم قَرْنَا آخَرِينَ﴾(١٥) وهم قوم هود على الصحيح . وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله: ﴿فَأْخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْنَاهُم غُشَاءً﴾(١٦) قالوا: وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة ﴿وأمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيح صَرْصَرٍ عَاتِيةٍ﴾(١٧) وهذا الذى قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة والريح العاتية عليهم كما سيأتى فى قصة أهل مدين أصحاب الأيكة فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات ، ثم لا خلاف أن عاداً قبل ثمود . والمقصود أن عاداً كانوا جفاة كافرين ، عتاة متمردين فى عبادة الأصنام ، فأرسل الله فيهم رجلًا منهم يدعوهم إلى الله وإلى إفراده بالعبادة والإِخلاص له ، فكذبوه وخالفوه وتنقصوه ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر . فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم فى طاعته واستغفاره ، ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة ، وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة: ﴿ قَالَ الملَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قِوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِى سَفَاهَةٍ ﴾(١٨) أى هذا الأمر الذى تدعونا إليه سفه بالنسبة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التى يرتجى منها النصر والرزق ، ومع هذا نظن أنك تكذب فى دعواك أن الله أرسلك . قَالَ يَا قَوْمٍ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ ﴾(١٩) أى (١٤) الأعراف الآية : ٦٩ . (١٥) المؤمنون الآية: ٣١ . (١٦) المؤمنون الآية : ٤١ . (١٧) الحاقة الآية : ٦ . (١٨) الأعراف الآية : ٦٦ . (١٩) الأعراف الآية : ٦٧ . ١٣٠ ليس الأمر كما تظنون ولا كما تعتقدون ﴿ أَبَلُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّی وَأَنا لَكُم نَاصِحٌ أمِينٌ﴾ (٢٠) والبلاغ يستلزم عدم الكذب فى أصل المبلغ ، وعدم الزيادة فيه والنقص منه ، ويستلزم أداءه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لالبس فيها ولا اختلاف ولا اضطراب . وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة فى غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم ، ولا يبتغى منهم أجراً ولا يطلب منهم جعلًا ، بل هو مخلص لله عز وجل فى الدعوة إليه والنصح لخلقه ، لا يطلب أجره إلا من الذى أرسله ، فإن خير الدنيا والآخرة كله فى يديه وأمره إليه ، ولهذا قال: ﴿ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أْراً إنْ أجْرِى إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَنِى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾(٢١) أى أما لكم عقل تميزون به وتفهمون أنى أدعوكم إلى الحق المبين الذى تشهد به فِطر كم التى نُخُلقتم عليها ، وهو دين الحق الذى بعث الله به نوحاً وأهلك من خالفه من الخلق . وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجراً عليه ، بل أبتغى ذلك عند الله مالك الضر والنفع ، ولهذا قال مؤمن (( يس)): ﴿اَّبِعُوا مَن لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُهْتَدُونَ * وَمَالِىَ لَا أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنى وَإِلَيْهِ تُرْ جَعُونَ﴾(٢٢) . وقال قوم هود له فيما قالوا: ﴿يَا هُودُ مِا جِئْنَا بَِّةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عَنِ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ إِن تَّقُولُ إِلَّا اغْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ... ﴾(٢٣) يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به ، وما نحن بالذين نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته ، وما نظن ، إلا أنك مجنون فيما تزعمه . وعندنا أنه إنما أصابك هذا لأن بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك فى عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك ، وهو قولهم: ﴿ إِن تَقُولُ إِلَّا اغْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ﴾. ﴿قَالَ إِنَّى أُشْهِدُ اللهَ واشْهَدُوا أَنِّى بَرِىءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ (٢٠) الأعراف الآية : ٦٨ . (٢١) هود الآية : ٥١ . (٢٢) يس الآيتان: ٢١ - ٢٢ . (٢٣) هود الآيتان : ٥٣ __ ٥٤ . ١٣١ فَكِيدُونِى جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنظِرُونٍ﴾ (٢٤) . وهذا تحد منه لهم ، وتبُّؤ من آلهتهم وتنقص منه لها ، وبيان أنها لا تنفع شيئاً ولا تضر ، وأنها جماد حكمها حکمه وفعلها فعله فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا بريء منها لَاعِنّ لها فكيدونى ثم لا تنظرون أنتم جميعاً بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه ، ولا تؤخرونى ساعة ولا طرفة عين فإنى لا أبالى بكم ولا أفكر فيكم ، ولا أنظر إليكم. ﴿ إِنَّى تَوَكُلْتُ عَلَى الله رَبِّى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّ هَوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (٢٥) أى أنا مُتوكل على الله ومتأيد به ، وواثق بجنابه الذى لا يضيع من لا ذ به واستند إليه ، فلست أبالى مخلوقاً سواه ، لست أتوكل إلا عليه ولا أعبد إلا إياه . وهذا وحده برهان قاطع على أن هوداً عبد الله ورسوله ، وأنهم على جهل وضلال فى عبادتهم غير الله ، لأنهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروهاً . فدل على صدقه فيما جاءهم به ، وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه . وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله فى قوله : ﴿يَا قَوْم إِن كَانَ كَبِرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَىَ اللهِ تَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَّ وَلَّا تُّنْظِرُونِ﴾(٢٦). وهكذا قال الخليل عليه السلام: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّى شَيْئاً وَسِعَ رَبَّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانَاً فَأَىُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُ بِالأَمْنَ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أَوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاها إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفْعُ دَرَجَاتٍ مَّن أَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾(٢٧) (٢٤) هود الآيتان : ٥٤ _ ٥٥ . (٢٥) هود الآية : ٥٦ . (٢٦) يونس الآية : ٧١ . (٢٧) الأنعام الآيات : ٨٠ - ٨٣. ١٣٢ وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَثْرَفْتَاهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلَكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُّونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرَاً تمثلكُمْ إِنَّكُمْ إِذَن لَّخَاسِرُونَ « أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِثُمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أنَّكُم مُّحْرَجُونَ ﴾(٢٨) . استبعدوا أن يبعث الله رسولًا بشرياً . وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديماً وحديثاً، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبَاً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُم أَنْ أَنِذِر النَّاسَ ... ﴾(٢٩) وقال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدُى إِلَّا أن قَالُوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولًا * قُلْ لَوْ كَانَ فِى الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِّن لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلِكَأَ رَّسُولًا﴾ (٣٠). ولهذا قال لهم هود عليه السلام : ﴿ أُوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُبِذِرَكُمْ﴾(٣١) أى ليس هذا بعجيب ، فإن الله أعلم حيث يجعل رسالته . وقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنتُمْ تُرَابَاً وَعِظَاماً أنَّكُم مُّحْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِى إِلَّا حَيَاتُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ اقْتَرَىَ عَلَى اللهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ قَالَ رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾(٣٢) استبعدوا الميعاد وأنكروا قيام الأجساد بعد صيرورتها تراباً وعظاماً ، وقالوا : هيهات هيهات ، أى بعيد بعيد هذا الوعد ، إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ أى يموت قوم ويحيا آخرون . وهذا هو اعتقاد الدهرية ، كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة : أرحام تدفع وأرض تبلع . وأما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون إلى هذه الدار بعد كل ستة (٢٨) المؤمنون الآيات: ٣٣ - ٣٥. (٢٩) يونس الآية: ٢ . (٣٠) الإسراء الآيتان : ٩٤ - ٩٥ . (٣١) الأعراف الآية : ٦٣ . (٣٢) المؤمنون الآيات: ٣٥ - ٣٩. ١٣٣ ٠ وثلاثين ألف سنة ، وهذا كله كذب وكفر وجهل وضلال ، وأقوال باطلة وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل ، يستميل عقل الفجرة الكفرة من بنى آدم الذين لا يعقلون ولا يهتدون، كما قال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَاهُم ◌ُقْتِفُونَ﴾(٣٣). وقال لهم فيما وعظهم به: ﴿أَبْنُونَ بِكِلِّ رِيعِ آيَةً تَعْبَكُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ (٣٤). يقول لهم: أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيماً هائلًا كالقصور ونحوها ، تعبئون ببنائها لأنه لا حاجة لكم فيه ، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يسكنون الخيام، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ * الَّتِى لَمْ يُحْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾ (٣٥) فعاد إرم هم عاد الأولى الذين كانوا يسكنون الأعمدة التى تحمل الخيام . ومن زعم أن ((إرم)) مدينة من ذهب وفضة وهى تنتقل فى البلاد ، فقد. غلط وأخطأ ، وقال مالا دليل عليه . وقوله: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ قيل هى القصور ، وقيل بروج الحمام ، وقيل مآخذ الماء ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ أى رجاء منكم أن تعمروا فى هذه الدار أعماراً طويلة ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِى أَمَذَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ « أمَذُّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، إِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٌ ﴾(٣٦) . وقالوا له مما قالوا: ﴿ ... أجِبْنَا لِتَعْبُدَ اللهَ وَحَدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣٧) أى أجئتنا لنعبد الله وحده ، وتخالف آباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه ؟ فإن كنت صادقاً فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال ، فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك . (٣٣) الأنعام الآية : ١١٣ . (٣٤) الشعراء الآيتان : ١٢٨ - ١٢٩ . (٣٥) الفجر الآيات : ٦ - ٨ . (٣٦) الشعراء الآيات: ١٣٠ - ١٣٥. (٣٧) الأعراف الآية: ٧٠. ١٣٤ كما قالوا: ﴿ ... سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ " إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾(٣٨). أما على قراءة فتح ((الخاء))، فالمراد به اختلاق الأولين ، أى أن هذا الذى جئت به إلا اختلاق منك ، أخذته من كتب الأولين . هكذا فسره غير واحد من الصحابة والتابعين . وأما على قراءة . ضم ((الخاء واللام)) فالمراد به الدين ، أى أن هذا الدين الذى نحن عليه إلا دين الأولين الآباء والأجداد من الأسلاف ، ولن نتحول عنه ولا نتغير ، ولا نزال متمسکین به . ويناسب كلا القراءتين الأولى والثانية قولهم: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾. قال: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتْجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَاءِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَّلَ اللهُ بِها مِن سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنَّى مَعَكُم مِّنَّ المُنتَظِرِينَ﴾(٣٩) أى قد استحققتم بهذه المقالة الرجس والغضب من الله ، أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له بعبادة أصنام نحتموها وسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم ؟ اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم ، ما نزل الله بها من سلطان . أى لم ينزل على ما ذهبتم إليه دليلًا ولا برهاناً. وإذا أبيتم قبول الحق وتماديتم فى الباطل ، وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا ، فانتظروا الآن عذاب الله الواقع بكم ، وبأسه الذی لا يرد ونكاله الذى لا يصد . وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذْتُهُمُ الصَّحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبَعْدَاً لِّلِقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾(٤٠) وقال تعالى: ﴿ قَالُوا أَجِئْنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ أَلِهَتِنَا فَأَتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّما العِلْمُ عِندَ اللهِ وَأُبَلَُّكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضَاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالَوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُو (٣٨) الشعراء الآيات: ١٣٦ - ١٣٨ ٠ (٣٩) الأعراف الآية : ٧١ . (٤٠) المؤمنون الآيات: ٣٩ - ٤١. ١٣٥ ٠٠٠ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَدَمِّرْ كُلَّ شَىْءٍ بِأمْرٍ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾(٤١). وقد ذكر الله تعالى خبر إهلاكهم فى غير ما آية كما تقدم مجملًا ومفصلًا ، كقوله: ﴿فَأْنَجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذِّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾(٤٢) وكقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجْيَتَاهُم مَنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسَلَّهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرِ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُثْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيامَةِ أَلَا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمٍ هُودٍ ﴾(٤٣) وكقوله : فَأْخَذْتُهُم الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبَعْدَاً لَّلِقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾(٤٤) وقالِ تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكُ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرَهُم مُّؤْمِنِين « وَإَنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾(٤٥) . وأما تفصيل إهلاكهم فكما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضَاً مُّسَتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرِنَا بِلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٤٦) كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب ، أنهم كانوا ممحلين مسنتين (٤٧). فطلبوا السُّقيا فرأوا عارضاً فى السماء وظنوه سقيا رحمة فإذا هو سقيا عذاب ولهذا قال تعالى: ﴿ بِلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾ أى من وقوع العذاب وهو قولهم: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ومثلها فى الأعراف . وقد ذكر المفسرون وغيرهم ها هنا الخبر الذى ذكره الإِمام محمد ابن إسحاق بن يسار قال : فلما أبوا إلا الكفر بالله عز وجل ، أمسك عنهم القطر ثلاث سنين ، حتى جهدهم ذلك ، قال : وكان الناس إذا جهدهم أمر فى (٤١) الأحقاف الآيات: ٢٢ - ٢٥ . (٤٢) الأعراف الآية : ٧٢ . (٤٣) هود الآيات: ٥٨ - ٦٠ . (٤٤) المؤمنون الآية : ٤١ . (٤٥) الشعراء الآيتان : ١٣٩ - ١٤٠ . (٤٦) الأحقاف الآية : ٢٤ . (٤٧) ممحلين : أى أصابهم الجدب واحتبس عنهم المطر، ومسنتين : أى أصابهم السنة وهى القحط والجدب. ١٣٦ ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بجرمه ومكان بيته . وكان معروفاً عند أهل ذلك الزمان ، وبه العماليق مقيمون . وهم من سلالة عمليق ابن لاوذ بن سام بن نوح ، وكان سيدهم إذ ذاك رجلًا يقال له معاوية بن بكر ، وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهذة ابنة الخيبرى . قال : فبعث عاد وفداً قريباً من سبعين رجلًا ليستسقوا لهم عند الحرم ، فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة ، فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر ، وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية ، وكانوا قد وصلوا إليه فى شهر . فلما طال مقامهم عنده ، وأخذته شفقة على قومه ، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف - عمل شعراً يعرض لهم فيه بالانصراف ، وأمر القينتين أن تغنيهم به ، فقال : لعل الله يصحبنا غماماً ألا يا قيل ويحك قم فهبنم قد أمسوا لا يبينون الكلاما فيسقى أرض عاد إن عادا به الشيخ الكبير ولا الغلاما من العطش الشديد فليس نرجو فقد أمست نساؤهم أيامى وقد كانت نساؤهم بخير ولا يخشى لعاديهم سهاما وأن الوحش يأتيهم جهاراً نهاركم وليلكم تماما وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم ولا لقوا التحية والسلاما فقبح وفدكم من وفد قوم قال : فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له ، فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم ، فدعا داعيهم وهو قيل بن عنز ، فأنشأ الله سحابات ثلاثاً : بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء : اختر لنفسك - أو لقومك ـ من هذا السحاب ، فقال : اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء ، فناداه مناد : اخترت رماد رمدداً ، لا تبقى من عاد أحداً، لا والداً ولا ولداً، إلا جعلته همداً إلا بنى اللونية الهمدا قال : وهم بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة ، فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال : ومن بقى من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة . قال : وساق الله السحابة السوداء التى اختارها قيل بن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث ، فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فيقول تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا ١٣٧ ٠ .... عَذَابٌ أَلِيمٌ ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾(٤٨) أى تهلك كل شىء أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها ((مهد))، فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت . فلما أفاقت قالوا : ما رأيت يا مهد ؟ قالت : رأيت ريحاً فيها شبه النار أمامها رجال يقودونها . فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ، والحسوم : الدائمة ، فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك . قال واعتزل هود عليه السلام - فيما ذكر لى - فى حظيرة هو ومن معه من المؤمنين ، ما يصيبهم إلا ما تلين عليه الجلود ، وتلذ الأنفس ، وإنها لتمر على عاد بالظعن فيما بين السماء والأرض ، وتدمغهم بالحجارة . وذكر تمام القصة . وقد روى الإِمام أحمد حديثاً فى مسنده يشبه هذه القصة فقال : حدثنا زيد ابن الخباب ، حدثنى أبو المنذر سلام بن سليمان النحوى ، حدثنا عاصم بن أبى النجود ، عن أبى وائل ، عن الحارث (٤٩) - وهو ابن حسان ــ ويقال ابن يزيد البكرى، قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمى(٥٠) إلى رسول الله عد اله فمررت بالربذة ، فإذا عجوز من بنى تميم منقطع بها ، فقالت لى : يا عبد الله .. إن لى إلى رسول الله عَ لِّ حاجة، فهل أنت مبلغى إليه ؟ . قال : فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله ، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدى رسول الله عَ لّم ، فقلت: ما شأن الناس ؟ قالوا : يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً . قال : فجلست ، قال : فدخل منزله - أو قال رحله - فاستأذنت عليه فأذن لى ، فدخلت فسلمت فقال: ((هل كان بينكم وبين بنى تميم شىء)) ؟ فقلت : نعم . وكانت لنا الدائرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها ، فسألتنى أن أحملها إليك وها هى بالباب ، فأذن لها فدخلت ، فقالت : يا رسول (٤٨) الأحقاف الآيتان: ٢٤ - ٢٥. (٤٩) الحارث بن حسان البكرى الذهلى [ انظر: أسد الغابة ١ / ٣٨٦ ] . (٥٠) العلاء بن الحضرمى ، واسم الحضرمى : عبد الله بن عباد. توفى فى خلافة عمر بن الخطاب [ أسد الغابة ٤ / ٧٤ . ١٣٨ الله .. إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بنى تميم حاجزاً ، فاجعل الدهناء فإنها كانت لنا ، قال : فحميت العجوز واستوفزت وقالت : يا رسول الله .. فإلى أين يضطر مضطرك ؟ قال : فقلت : إن مثلى ما قال الأول : معزى حملت حتفها ، حملت هذه الأمة ولا أشعر أنها كانت لى خصماً ، أعوذ بالله ورسوله أن أكون کوافد عاد ، قال : هيه .. وما وافد عاد ؟ وهو أعلم بالحديث منى ولكن يستطعمه . قلت: إن عاداً قحطوا فبعثوا وافداً لهم يقال له ((قيل))، فمر بمعاوية ابن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان ، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة ، فقال : اللهم إنك تعلم أنى لم أجىء إلى مريض فأداويه ، ولا إلى أسير فأفاديه ، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه . فمرت به سحابات سود فنودى منها : اختر . فأومأ إلى سحابة منها سوداء ، فنودى منها : خذها رماداً رمدداً ، لا تبقى من عاد أحداً . قال : فما بلغنى أنه بعث عليهم من الريح إلا كقدر ما يجرى فى خاتمى هذا من الريح حتى هلكوا . قال أبو وائل : وصدق ، وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا : لا تکن کوافد عاد . وهكذا رواه الترمذى عن عبد بن حميد ، عم زيد بن الحباب به .ورواه النسائى من حديث سلام أبى المنذر عن عاصم بن بهدلة ، ومن طريقه رواه ابن ماجه . وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين کابن جرير وغيره (٥١) . وقد يكون هذا السياق لإِهلاك عاد الآخرة ، فإن فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ذكر لمكة ، ولم تبن إلا بعد إبراهيم الخليل ، حين أسكن فيها هاجر وابنه إسماعيل ، فنزلت جرهم عندهم كما سيأتى ، وعاد الأولى قبل الخليل ، وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره ، وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الأولى ، ولا يشبه كلام المتقدين . وفيه أن فى تلك السحابة شرر نار ، وعاد الأولى إنما أهلكوا بريح صرصر . وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين . هى الباردة والعاتية والشديدة الهبوب . (٥١) أخرجه أحمد فى مسنده ٣ / ٤٨٢، والترمذى فى سننه ، كتاب التفسير ، تفسير سورة الذاريات. ١٣٩ سَخَّرَهَا عَلَيْهِم سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامِ حُسُوماً﴾(٥٢) أى كوامل متتابعات . قيل : كان أولها الجمعة ، وقيل : الأربعاء . فَتَرَى القَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَحْلِ حَاوِيَةٍ ﴾ (٥٢) شبههم بأعجاز النخل التى لا رؤوس لها ، وذلك لأن الريح كانت تجىء إلى أحدهم فتحمله فترفعه فى الهواء ، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس ، كما قال: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمٍ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍ﴾(٥٣) أى فى يوم نحس عليهم ، مستمر عذابه عليهم . تَزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُم أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَعِرٍ﴾ ومن قال إن اليوم النحس المستمر يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا الفهم ، فقد أخطأ وخالف القرآن ، فإنه قال ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِم رِيِحاً صَرْصَرَاً فى أَيَّام فى الآية الأخرى : نَّحِسَاتٍ﴾(٥٤) ومعلوم أنها ثمانية أيام متابعات ، فلو كانت نحسات فى أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشئومة ، وهذا لا يقوله أحد ، إنما المراد فى أيام نحسات ، أى عليهم . وقال تعالى: ﴿ وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾(٥٥) أى التى لا تنتج خيراً ، فإن الريح المفردة لا تثير سحاباً ولا تلقح شجراً ، بل هى عقيم لا نتيجة خير لها، ولهذا قال: ﴿ مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾(٥٦) أى کالشىء البالى الفانى الذى لا ينتفع به بالكلية . وقد ثبت فى الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله عَ لّم أنه قال: ((نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور))(٥٧) . (٥٢) الحاقة الآية : ٧ . (٥٣) القمر الآيتان : ١٩ - ٢٠. (٥٤) فصلت الآية : ١٦ . (٥٥) الذاريات الآية : ٤١ . (٥٦) الذاريات الآية : ٤٢ . . (٥٧) أخرجه البخارى فى كتاب الأنبياء ، باب قوله تعالى ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً﴾ وأخرجه مسلم فى صحيحه فى كتاب الاستسقاء ، باب فى ريح الصبا والدبور . ١٤٠