Indexed OCR Text

Pages 61-80

وفي هذا نظر ، لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أن
رسول الله عَّم قال: ((إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق
ينقص حتى الآن )) وهذا يقتضى أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعاً ، وأن
ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن .
وذكر ابن جرير عن ابن عباس : أن الله قال: يا آدم ... إن لي حرماً بحیال
عرشي ، فانطلق فابن لي فيه بيتاً ، فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي ، وأرسل
الله له ملكاً فعرفه مكانه وعلمه المناسك ، وذكر أن موضع كل خطوة خطاها
آدم صارت قربة بعد ذلك .
وعنه : أن أول طعام أكله آدم من الأرض ، أن جاءه جبريل بسبع حبات من
حنطة ، فقال : ما هذا؟ قال : هذا من الشجرة التى نهيت عنها فأكلت منها .
فقال : وما أصنع بهذا ؟ قال : ابذره في الأرض ، فبذره . و کان كل حبة منها
زنتها أزيد من مائة ألف ، فنبتت فحصده ، ثم درسه ثم ذراه ، ثم طحنه ثم عجنه
ثم خبزه فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا
يُخْرِ جَتَّكُمَا مِن الجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾(٣٩).
وكان أول كسوتهما من شعر الضأن : جزاه ثم غزلاه ، فنسج آدم له جبة
ولحواء درعاً وخماراً .
واختلفوا هل ولد لهما بالجنة شيء من الأولاد ؟ فقيل : لم يولد لهما إلا في
الأرض ، وقيل : بل ولد لهما فيها ، فكان قابيل وأخته ممن ولد بها ...
والله أعلم .
وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى ، وأمر أن يزوج كل ابن
أخت أخيه التى ولدت معه ، والآخر بالأخرى ، وهلم جرا ، ولم يكن تحل أخت
لأخيها الذي ولدت معه .
(٣٩) سورة طه الآية : ١١٧ .
٦١

[ الفصل الرابع ]
ذكر قصة ابنى آدم : قابيل وهابيل
قال الله تعالى: ﴿ وَآَثُ عَلَيْهِمْ نَبَأْ آبْتَىْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتَقُبَّلَ مِنْ
أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِن الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنِ الْمُتَّقِينَ * لَئِنِ
بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْلَكَ إِنَّى أَخَافُ اللهَ رَبَّ
الْعَالَمِينَ * إِنَّى أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ
جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ* فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَله فَأَصْبَحَ مِن الْخَاسِرِينَ *
فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْأَةً أُخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَى
أَعَجَزْتُ أَنْ أُكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوْأَةٌ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ
التَّادِمِينَ﴾(١) .
وقد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ...
ولله الحمد .
ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف فى ذلك :
فذكر السدى عن أبي مالك وأبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة عن ابن
مسعود وعن ناس من الصحابة ، أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الآخر
وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل ، وكان أكبر من هابيل وأخت قابيل
أحسن ، فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه ، وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه
إياها فأبى ، فأمرهما أن يقربا قرباناً ، وذهب آدم ليحج إلى مكة واستحفظ
السموات على بنيه فأبين ، والأرضين والجبال فأبين ، فتقبل قابيل بحفظ ذلك .
فلما ذهب قربا قربانهما ، فقرب هابيل جذعة سمينة ، وكان صاحب غنم ،
(١) سورة المائدة الآيات : ٢٧ - ٣١ .
٦٢

وقرب قابيل حزمة من زرع من رديء زرعه ، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل
وتركت قربان قابيل ، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي ، فقال : إنما
يتقبل الله من المتقين .
وروى عن ابن عباس من وجوه أخر ، وعن عبد الله بن عمرو . وقال عبد
الله بن عمرو ، وأيم الله أن كان المقتول لأشد الرجلين . ولكن منعه التحرج أن
يبسط إليه يده .
وذكر أبو جعفر الباقر أن آدَمَ كان مباشراً لتقريبهما القربان والتقبل من هابيل .
دون قابيل ، فقال قابيل لآدم : إنما تقبل منك لأنك دعوت له ولم تدع لي ،
وتوعد أخاه فيما بينه وبينه .
فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي ، فبعث آدم أخاه قابيل لينظرما بطأ
به ، فلما ذهب إذا هو به ، فقال له : تقبل منك ولم يتقبل مني . فقال : إنما يتقبل
الله من المتقين ، فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله . وقيل إنه
إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهونائم فخدشته . وقيل : بل خنقه خنقاً شديداً
وعضه كما تفعل السباع ، فمات ... والله أعلم .
وقوله لما توعدِه بالقتل: ﴿ لَئِنِ بَسَطِتَ إِلَى يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أُنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ
إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنَّى أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾(٢) دل على خلق حسن ، وخوف
من الله تعالى وخشية منه ، وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه
مثله .
ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله عَ لم أنه قال: ((إذا تواجه
المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) قالوا : يارسول الله ... هذا القاتل ،
فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه))(٣).
وقوله : ﴿ إِنِّى أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ
(٢) سورة المائدة الآية : ٢٨.
(٣) صحيح البخاري ، كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، صحيح
مسلم ، كتاب الفتن ، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما .
٦٣

وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) أي إني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك
وأقوى ، إذ قد عزمت على ما عزمت عليه ، أن تبوء بإثمى وإنمك . أي تتحمل إثم
قتلى مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك ، قاله مجاهد والسدی وابن جرير وغير
واحد .
وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله إلى القاتل كما توهمه بعض
الناس ، فإن ابن جرير حكى الإجماع على خلاف ذلك.
وأما الحديث الذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي معَ ◌ّلم أنه قال: (( ما
ترك القاتل على المقتول من ذنب )) فلا أصل له ، ولا يعرف في شيء من كتب
الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضاً .
ولكن قد يتفق في بعض الأشخاص يوم القيامة ، أن يطالب المقتول القاتل
فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه المظلمة فتحول من سيئات المقتول إلى القاتل ،
كما ثبت به الحديث الصحيح في سائر المظالم ، والقتل من أعظمها ... والله أعلم .
وقد حررنا هذا كله في التفسير ، ولله الحمد .
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي ، عن سعد بن أبي وقاص ، أنه
قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهد أن رسول الله عَ له قال: ((إنها ستكون
فتنة ، القاعد فيها خير من الساعى )).
قال : أفرأيت إن دخل على بيتى فبسط يده إلى ليقتلني .
قال: ((كن كابن آدم)).
ورواه ابن مردويه عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً، وقال: (( کن کخیر ابنى
آدم )) وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي عن أبي ذر نحو هذا(٥).
وأما الآخر فقد قال الإِمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ووكيع ، قالا : قال :
حدثنا الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، قال
(٤) سورة المائدة الآية : ٢٩ .
(٥) أخرجه أحمد في مسنده ١٦٩/١، وأبو داود في سننه كتاب الفتن، باب النهي
عن السعي في الفتنة .
٦٤

رسول الله عَ ◌ّله: ((ولا تقتل(٦) نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من
دمها ، لأنه كان أول من سن القتل)).
ورواه الجماعة سوی أبي داود من حديث الأعمش به . وهکذا روي عن
عبد الله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النخعى أنهما قالا مثل هذا سواء(٧).
وبجبل قاسيون(٨) شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم ، مشهورة بأنها
المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها ، وذلك مما تلقوه عن أهل الكتاب ،
فالله أعلم بصحة ذلك .
وقد ذكر الحافظ ابن عساکر في ترجمة أحمد بن کثیر - وقال إنه كان من
الصالحين - أنه رأى النبي معَ ◌ّه وأبا بكر وعمر وهابيل ، وأنه استحلف هابيل
أن هذا دمه فحلف له ، وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب
عنده الدعاء ، فأجابه إلى ذلك، وصدقه في ذلك رسول الله عَّ الله وقال : إنه وأبا
بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس ..
وهذا منام لو صح عن أحمد بن كثير هذا ، لم يترتب عليه حكم شرعي ...
والله أعلم .
وقوله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى
سَوْأة أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأَوَارِىَ سَوْأَةَ
أُخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾(٩) ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة ،
وقال آخرون حمله مائة سنة ! ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين . قال
السدى بإسناده عن الصحابة : أخوين ، فتقاتلا فقتل أحدهما الآخر ، فلما قتله.
عمد إلى الأرض يخفرٍ له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه ، فلما رآه يصنع ذلك ﴿ قَالَ
يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أُكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأَوَارِىَ سَوْأَةٌ أُخِى ﴾ ففعل مثل ما
فعل الغراب فواراه ودفنه .
(٦) بضم التاء وسكون القاف .
(٧) أخرجه أحمد في مسنده ٣٨٣/١ .
(٨) جبل قاسيون: جبل مشرف على مدينة دمشق. انظر معجم البلدان ٢٩٥/٤.
(٩) سورة المائدة الآية: ٣١ .
٦٥

وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزناً شديداً ، وأنه
قال في ذلك شعراً ، وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد :
فوجه الأرض مغبر قبيح
تغیرت البلاد ومن عليها
المليح
وقل بشاشة الوجه
تغير كل ذي لون وطعم
قَأجيب آدم :
وصار الحي كالميت الذييح
أبا قابيل قد قتلا جميعا
على خوف فجاء بها يصبح
وجاء بشرة قد کان منها
وهذا الشعر فيه نظر . وقد يكون آدم عليه السلام قال كلاماً يتحزن به
بلغته ، فألفه بعضهم إلى هذا ، أقوال ... والله أعلم .
وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه ، فعلقت ساقه إلى
فخذه ، وجعل وجهه إلى الشمس کیفما دارت ، تنکیلا به وتعجیلا لذنبه وبغیه
وحسده لأخيه ولأبويه .
وقد جاء في الحديث عن رسول الله عَ طللم أنه قال: ((ما من ذنب أجدر أنْ
يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة
الرحم))(١٠) .
والذي رأيته في الكتاب الذي بأيدى أهل الكتاب الذين يزعمون أنه
التوراة: أن الله عز وجل أجله وأنظره، وأنه سكن في أرض ((نود)) في شرقي
عدن وهم يسمونه (( قنين)) . وأنه ولد له خنوخ ، ولخنوخ عندر ، ولعندر
محوايل ، ولمحوايل متوشيل ، ولمتوشيل لامك . وتزوج هذا امرأتين : عدا وصلًا .
فولدت ((عدا)) ولداً اسمه ((ابل)) وهو أول من سكن القباب واقتنى المال
وولدت أيضاً ((نوبل)) وهو أول من أخذ فى ضرب الونج والصنج (١١) وولدت أيضا
(١٠) أخرجه أحمد في مسنده ٣٦/٥، ٣٨.
(١١) الونج - يفتحتين - المِعْزَف، وهو المِزهَر والعود ((مُعَرَّب)) والصَّنْج - بسكون
النون - هو الذي يكون في الدفوف ونحوه ، وقيل هو : صفيحتان تضرب إحداهما بالأخرى ... إلخ
اللسان : ( ونج ، صنج ) .
٦٦

((صلا)) ولدا اسمه ((توبلقين)) وهو أول من صنع النحاس والحديد ، وبنتا اسمها
((نعمى)).
وفيها أيضاً أن آدم طاف على امرأته فولدت غلاماً ودعت اسمه ((شيث))
وقالت من أجل أنه قد وهب لي خلفاً من هابيل الذي قتله قابيل . وولد لشيث
أنوش .
قالوا : وكان عمر آدم يوم ولد له شيث مائة وثلاثون سنة ، وعاش بعد
ذلك ثمانمائة سنة ، وكان عمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسا وستين وعاشا
بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين . وولد له بنون وبنات غير أنوش .
فولد لأنوش (( قينان )) وله من العمر تسعون سنة ، وعاش بعد ذلك ثمانمائة
سنة وخمس عشرة سنة ، وولد له بنون وبنات .
فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل ، وعاش بعد ذلك ثمانمائة
سنة وأربعين سنة ، وولد له بنون وبنات . فلما كان لمهلا بيل من العمر خمس
وستون سنة ولد له (( يرد )) وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات .
فلما كان ليرد مائة سنة واثنتان وستون سنة ولد له (( خنوخ )) وعاش بعد
• ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات .
فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له متوشلخ ، وعاش بعد ذلك ثمانمائة
سنة ، وولد له بنون وبنات ، فلما كان لمتوشلخ مائة وسبع وثمانون سنة ولد له
((لامك)) وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنين وثمانين سنة وولد له بنون وبنات .
فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد له (( نوح )) وعاش
بعد ذلك خمسمائة وخمسا وتسعين سنة ، وولد له بنون وبنات . فلما كان لنوح
خمسمائة سنة ولد له بنون : سام وحام ويافث .
هذا مضمون ما في كتابهم صريحاً .
وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر ، كما ذكره غير
واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك . والظاهر أنها مقحمة فيها ، ذكرها
بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير . وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه إن
٦٧

شاء الله تعالى .
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم : أن حواء ولدت
لآدم أربعين ولدا فى عشرين بطنا . قاله ابن إسحاق وسماهم ... والله تعالى أعلم .
وقيل مائة وعشرين بطنا في كل واحد ذكر وأنثى . أولهم قابيل وأخته قليما ،
وآخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث .
ثم انتشر الناس بعد ذلك وكفروا ، وامتدوا في الأرض ونموا ، كما قال
الله تعالى: ﴿َأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾(١٢) الآية .
وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من
أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف نسمة ... والله أعلم .
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا
لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغْشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَّعَوَا
اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّتَكُونِنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلَا
لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اَلهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(١٣) الآيات ... فهذا تنبيه
أولاً بذكر آدم ، ثم استطرد إلى الجنس . وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء ، بل
لما جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَا
الإِنسانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾(١٤) وقال
تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الذُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لٌّلشَّيَاطِينِ﴾(١٥)
ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هى أعيان مصابيح السماء ، وإنما استطرد من
شخصها إلى جنسها .
فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا عمر بن
إبراهيم، حدثنا قتادة عن الحسن، عن سمرة، عن النبي عَ ل قال: ((لما حملت
(١٢) سورة النساء الآية : ١ .
(١٣) سورة الأعراف الآيتان: ١٨٩، ١٩٠.
(١٤) سورة المؤمنون الآيتان : ١٢، ١٣.
(١٥) سورة الملك الآية : ٥ .
٦٨

م
حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد ، فقال : سميِّه عبد الحارث فإنه
يعيش . فسمته عبد الحارث فعاش ، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره )).
وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم
عند هذه الآية ، وأخرجه الحاكم في مستدركه ، كلهم من حديث عبد الصمد بن
عبد الوارث به ، فقال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وقال الترمذي :
حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ، ورواه بعضهم عن عبد
الصمد ولم يرفعه (١٦).
فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفاً على الصحابي وهذا أشبه .
والظاهر أنه تلقاه من الإسرائيليات ، وهكذا روى موقوفاً عن ابن عباس .
والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الأحبار وذويه ... والله أعلم .
وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا فلو كان عنده عن سمرة
مرفوعاً لما عدل عنه إلى غيره ... والله أعلم .
وأيضاً فالله تعالى إنما خلق آدم وحواء ليكونا أصل البشر ، ولیبث منهما رجالاً
كثيراً ونساء ، فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولد ذكر في هذا الحديث إن كان
محفوظاً ؟!
والمظنون بل المقطوع به أن رفعه إلى النبي معَ ◌ّه خطأ، والصواب وقفه ...
والله أعلم . وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد .
ثم قد كان آدم وحواء أتقى الله مما ذكر عنهما في هذا ، فإن آدم أبو البشر
الذي خلقه الله بيده ،ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء
كل شيء وأسكنه جنته .
وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال : قلت : يارسول الله ...
(١٦) أخرجه أحمد في مسنده ١١/٥، والترمذى فى سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأعراف وابن
جرير الطيرى فى تفسيره ٦ / ١٤٦. وفى الحديث (عمربن إبراهيم وهو العبدى البصرى صاحب الهروى ،
صدوق ، فى حديثه عن قتادة ضعف ، من السابقة .
انظر: تهذيب التهذيب ٣٧٣/٧، وتقريب التهذيب ٥١/٢
٦٩

كم الأنبياء؟ قال: ((مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا)) قلت : يارسول الله ... كم
الرسل منهم؟ قال: ((ثلاثمائة وثلاثة عشر: جم غفير)) قلت : يارسول الله ...
من كان أولهم ؟ قال آدم . قلت : يارسول الله ... نبي مرسل ؟ قال : نعم خلقه
الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلاً))(١٧) .
وقال الطبراني : حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ، حدثنا شيبان بن فروخ ،
حدثنا نافع بن هرمز ، عن عطاء بن رباح ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله
عَ لقوله: (( ألا أخبركم بأفضل الملائكة: جبريل وأفضل النبيين آدم، وأفضل الأيام
يوم الجمعة ، وأفضل الشهور شهر رمضان ، وأفضل الليالي ليلة القدر ، وأفضل
النساء مريم ابنة عمران )).
وهذا إسناد ضعيف ، فإن نافعاً أبا هرمز كذبه ابن معين ، وضعفه أحمد وأبو
زرعة وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم ... والله أعلم .
وقال كعب الأحبار (١٨) ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم ، لحيته سوداء إلى
سرته ، وليس أحد يكني في الجنة إلا آدم ، كنيته في الدنيا أبو البشر وفي الجنة أبو
محمد .
وقد روى ابن عدى من طريق شيخ ابن أبى خالد ، عن حماد بن سلمة ، عن
عمرو بن دينار ، عن جابر بن عبد الله مرفوعاً : أهل الجنة يدعون بأسمائهم إلا
آدم فإنه يكنى أبا محمد(١٩) .
ورواه ابن عدى أيضاً من حديث على بن أبى طالب وهو ضعيف من كل
وجه ... والله أعلم .
(١٧) قال ابن كثير فى تفسير سورة النساء ٤٢٣/٢ ط الشعب عند تفسير قوله تعالى ﴿ ورسلا لم نقصصهم
عليك) بعد أن ذكر حديث أبى ذر: ((وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حيان البستى فى
كتاب الأنواع والتقاسيم ، وقد وسمه بالصحة ، وخالفه أبو الفرج بن الجوزى، فذكر هذا الحديث فى
كتابه « الموضوعات » ))
(١٨) هو : كعب بن ماتع بن ذى هجن الحميرى أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ت سنة ٣٢ هـ.
( تذكرة الحفاظ ٤٩/١، الأعلام ٢٢٨/٥)
(١٩) الكامل فى الضعفاء ١٣٦٨/٤ ولفظه: يدعى الناس بأسمائهم يوم القيامة إلا آدم.
٧٠

وفي حديث الإسراء الذي في الصحيحين(٢٠): أن رسول الله عَ ليه لما مر
بآدم وهو في السماء الدنيا : قال له مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ، قال :
وإذا عن يمينه أسودة(٢١) وعن يسارة أسودة ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا
نظر عن شماله بكي فقلت : ياجبريل ... ما هذا؟ قال : هذا آدم وهؤلاء
نسم (٢٢) بنيه ، فإذا نظر قبل أهل اليمين - وهم أهل الجنة - ضحك ، وإذا نظر
قبل أهل الشمال ــ وهم أهل النار - بكى .
وهذا معنى الحديث .
وقال أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنى يزيد بن هارون ،
أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال : كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده .
وقال بعض العلماء في قوله عَّ له: ((فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى
شطر الحسن )) قالوا : معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام وهذا
مناسب ، فإن الله خلق آدم وصوره بيده الكريمة ، ونفخ فيه من روحه ، فما كان
ليخلق إلا أحسن الأشياء .
وقد روينا عن عبد الله بن عمر وابن عمر أيضاً موقوفاً ومرفوعاً : أن الله
تعالى لما خلق الجنة ، قالت الملائكة : ياربنا ... اجعل لنا هذه فإنك خلقت لبني
آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجعل صالح
ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان .
وقد ورد الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما من طرق أن رسول الله
عَ لّم قال: ((إن الله خلق آدم على صورته)) وقد تكلم العلماء على هذا الحديث
فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها ... والله أعلم(٢٣).
(٢٠) صحيح البخارى كتاب الصلاة ، باب كيف فرضت الصلوت فى الإسراء ، صحيح مسلم كتاب الإِيمان ،
باب الإسراء
(٢١) الأسْوِدة: جماعة من الناس
(٢٢) النَّسَمُ وِالنَّسَمة: نَفَس الروح، أو هى الروح ( اللسان : نسم )
(٢٣) أخرجه البخارى فى كتاب الاستئذان ، باب بدء السلام ، وأخرجه مسلم فى كتاب البر والصلة ، باب
النهى عن ضرب الوجه
٧١

[ الفصل الخامس ]
ذكر وفاة ادم ووصيته إلى ابنه شيث عليه السلام
ومعنى ((شيث)): هبة الله ، وسماه بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قتل
هابیل
قال أبو ذر(١) فى حديثه عن رسول الله عَ ◌ّه: «إن الله أنزل مائة صحيفة
وأربع صحف ، على شيث خمسين صحيفة))(٢).
قال محمد بن إسحاق : ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلمه
ساعات الليل والنهار ، وعلمه عبادات تلك الساعات ، وأعلمه بوقوع الطوفان
بعد ذلك .
قال : ويقال إن أنساب بنى آدم اليوم كلها تنتهى إلى شيث وسائر أولاد آدم
غيره انقرضوا وبادوا .. والله أعلم .
ولما توفى آدم عليه السلام - وكان ذلك يوم الجمعة - جاءته الملائكة
بحنوط وكفن - من عند الله عز وجل - ومن الجنة ، وعزوا فيه ابنه ووصيه
شيئاً عليه السلام . قال ابن إسحاق : وكسفت الشمس والقمر سبعة أيام
بلياليهن .
وقد قال عبد الله بن الإِمام أحمد : حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا حماد بن
(١) هو: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام الغفارى، توفى سنة ٣٢ هـ. [ أسد الغابة
١ / ٣٥٧ ] .
(٢) أخرجه ابن حبان فى صحيحه ، وقال عقبة :
((فيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسانى، قال أبو حاتم وغيره : كذاب)) انظر : موارد الظمآن إلى زوائد
ابن حبان للحافظ نور الدين على بن أبى بكر الهيثمى ، باب السؤال للفائدة [ ٥٢ / - ٥٤ ].
٧١

سلمة ، عن حميد ، عن الحسن ، عن يحيى - هو ابن ضمرة السعدى - قال :
رأيت شيخاً بالمدينة يتكلم فسألت عنه فقالوا هذا أبى بن كعب ، فقال : إن آدم
لما حضره الموت قال لبنيه : أى بَنِىّ .. إنى أشتهى من ثمار الجنة .
قال : فذهبوا يطلبون له . فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ..
ومعهم الفئوس والمساحى والمكاتل ، فقالوا لهم : يا بنى آدم ما تريدون
وما تطلبون ؟ - أو ما تريدون ؟ وأين تطلبون؟ - قالوا : أبونا مريض واشتهى
من ثمار الجنة ، فقالوا لهم : ارجعوا فقد قضى أبوكم . فجاءوا فلما رأتهم حواء
عرفتهم فلاذت بآدم . فقال : إليك عنى فإنى إنما أتيت من قبلك ، فخلى بينى
وبين ملائكة ربى عز وجل . فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه ، وحفروا ا له
ولحدوه ، وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه فى قبره ، ثم حثوا عليه ، ثم قالوا :
یا بنى آدم .. هذه سنتکم ( إسناده صحيح إليه)(٣).
وروى ابن عساکر من طریق شیبان بن فروخ ، عن محمد بن زياد ، عن
ميمون بن مهران ، عن ابن عباس، أن رسول الله عَّ له قال: ((كبرت الملائكة
على آدم أربعاً ، وكبر أبو بكر على فاطمة أربعاً ، وكبر عمر على أبى بكر أربعاً ،
وكبر صهيب على عمر أربعاً))(٤).
قال ابن عساكر : ورواه غيره عن ميمون فقال : عن ابن عمر .
واختلفوا فى موضع دفنه ، فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذى أهبط فيه فى
الهند ، وقيل بجيل أبى قبيس بمكة(٥) . ويقال إنَّ نوحاً عليه السلام لما كان زمن
الطوفان حمله هو وحواء فى تابوت ، فدفنهما ببيت المقدس . حكى ذلك ابن
جرير .
وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال : رأسه عند مسجد إبراهيم ورجلاه
عند صخرة بيت المقدس . وقد ماتت بعده حواء بسنة واحدة .
(٣) أخرجه أحمد فى مسنده ٥ / ١٣٦ .
(٤) ذكره السيوطى فى الفتح الكبير ٢ / ٣١٦.
(٥) جبل أبى قبيس : جبل مشرف على الحرم المكى .
٧٣

واختلف فى مقدار عمره عليه السلام : فقدمنا فى الحديث عن ابن عباس
وأبى هريرة مرفوعاً : أن عمره اكتتب فى اللوح المحفوظ ألف سنة .
وهذا لا يعارضه ما فى التوراة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة ، لأن
قولهم هذا مطعون فيه مردود ، إذ خالف الحق الذى بأيدينا مما هو المحفوظ عن
المعصوم .
وأيضاً فإن قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما فى الحديث ، فإن ما فى
التوراة إن كان محفوظاً - محمول على مدة مقامه فى الأرض بعد الإِهباط وذلك
تسعمائة سنة وثلاثون شمسية ، وهى بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون سنة ،
ويضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه فى الجنة قبل الإِهباط على
ما ذكره ابن جرير وغيره ، فيكون الجميع ألف سنة .
وقال عطاء الخراسانى (٦) . لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام رواه ابن
عساكر .
فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام ،
وكان نبياً بنص الحديث الذى رواه ابن حبان فى صحيحه ، عن أبى ذر مرفوعاً :
أنه أنزل عليه خمسون صحيفة .
فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالأمر بعده ، ثم بعده ولده قينان
ثم من بعده ابنه مهلايبل - وهو الذى يزعم الأعاجم من الفرس أنه ملك الأقاليم
السبعة ، وأنه أول من قطع الأشجار ، وبنى المدائن والحصون الكبار ، وأنه هو
الذى بنى مدينة بابل(٧) ومدينة السوس الأقصى(٨) وأنه قهر إبليس وجنوده
وشردهم عن الأرض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقاً من مردة الجن
والغيلان ، وكان له تاج عظيم ، وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة .
فلما مات قام بالأمر بعده ولده (( يرد)) فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده
((خنوخ))، وهو إدريس عليه السلام على المشهور .
(٦) هو: عطاء بن أبى مسلم عبد الله الخراسانى [ شذرات الذهب ١ / ١٩٢، طبقات الحفاظ ص ٦٠].
.(٧) بابل: اسم ناحية منها الكوفة والحلة بأرض العراق [ معجم البلدان ١ / ٢٠٨].
(٨) السوس الأقصى: بلدة خوز ستان، بها قبر النبى دانيال [معجم البلدان ٣ / ٢٠٨].
٧٤

الباب الثانى
قصة إدريس عليه السلام

قصة إدريس عليه السلام
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ في الكِتَابِ إِذْرِيسَ إِنَّه كَان صِدِّيقاً نَبِيّاً .
#
وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾(١) . فإدريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة
والصديقية، وهو خنوخ هذا. وهو فى عمود نسب رسول الله عَ لّه على
ما ذكره غير واحد من علماء النسب .
وكان أول بنى آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام . "
وذكر ابن إسحاق أن أول من خط بالقلم ، وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة
سنة وثمانى سنين . وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه فى حديث معاوية بن
الحكم السلمى لما سأل رسول الله عَ ليه عن الخط بالرمل فقال: ((إنه كان نبى
يخط فمن وافق خطه فذاك))(٢).
ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أول من تكلم فى ذلك ،
ويسمونه هرمس الهرامسة ، ويكذبون عليه أشياء كما كذبوا على غيره من الأنبياء
والعلماء والحكماء والأولياء . ]
وقوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيَّاً﴾ هو كما ثبت فى الصحيحين فى
حديث الإسراء(٣) أن رسول الله عَّ الم مر به وهو فى السماء الرابعة. وقد روى
ابن جرير عن يونس عن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن جرير بن حازم ، عن
الأعمش ، عن شمر بن عطية ، عن هلال بن يساف قال : سأل ابن عباس كعباً
وأنا حاضر فقال له : ما قول الله تعالى فى إدريس: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيَّاً﴾؟
فقال كعب : أما إدريس فإن الله أوحى إليه : إنى أرفع لك كل يوم مثل جميع
(١) مريم الآيتان ٥٦ - ٥٧ .
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٥ / ٤٤٧، ٤٤٨ .
(٣) البخارى: جـ ٤ / ١٤٦ باب المعراج وجـ ٤ / ٢٧٢ باب ذكر إدريس عليه السلام.
٧٧

عمل بنى آدم - لعله من أهل زمانه - فأحب أن يزداد عملًا، فأتاه خليل له من
الملائكة فقال : إن الله أوحى إلى كذا وكذا فكلم ملك الموت حتى ازداد عملًا ،
فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء ، فلما كان فى السماء الرابعة تلقاه ملك
الموت منحدرًا ، فكلم ملك الموت فى الذى كلمه فيه إدريس ، فقال : وأين
إدريس ؟ قال هو ذا على ظهرى ، فقال ملك الموت : يا للعجب . بعثت وقيل لى
اقبض روح إدريس فى السماء الرابعة ، فجعلت أقول : كيف أقبض روحه فى
السماء الرابعة وهو فى الأرض ؟! فقبض روحه هناك . فذلك قول الله عز وجل :
﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيَّاً﴾(٤).
ورواه ابن أبى حاتم عند تفسيرها . وعنده فقال لذلك الملك : سل لى :
ملك الموت كم بقى من عمرى ؟ فسأله وهو معه : كم بقى من عمره ؟ فقال :
لا أدرى حتى أنظر ، فنظر فقال : إنك لتسألنى عن رجل ما بقى من عمره إلا
طرفة عين ، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو
لا يشعر .
وهذا من الإِسرائيليات ، وفى بعضه نكارة .
وقال ابن أبى نجيح عن مجاهد فى قوله: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيَّاً﴾ قال:
إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى . إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففى هذا نظر ،
وإن أراد أنه رفع حياً إلى السماء ثم قبض هناك . فلا ينافى ما تقدم عن كعب
الأحبار .. والله أعلم(٥) .
وقال العوفى عن ابن عباس فى قوله: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾: رفع إلى
السماء السادسة فمات بها ، وهكذا قال الضحاك(٦) . والحديث المتفق عليه من
أنه فى السماء الرابعة أصح ، وهو قول مجاهد وغير واحد . وقال الحسن
البصرى: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال: إلى الجنة ، وقال قائلون : رفع فى
(٤) مريم الآية : ٥٧ .
(٥) تفسير مجاهد جـ ١ / ٣٨٧ .
(٦) الضحاك بن مزاحم الهلالى أبو القاسم الخراسانى توفى سنة ١٠٦ هـ [ انظر : تهذيب التهذيب
٤ / ٤٥٤، والتقريب ١ / ٣٧٣ ].
٧٨

حياة أبيه (( يرد بن مهلاييل)) .. والله أعلم . وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن
قبل نوح ، بل فى زمان بنى إسرائيل .
[ قال البخارى : ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس : أن إلياس هو إدريس ،
واستأنسوا فى ذلك بما جاء فى حديث الزهرى عن أنس في الإِسراء : أنه لما مر به
عليه السلام قال له : مرحباً بالأخ الصالح والنبى الصالح . ولم يقل كما قال آدم
وإبراهيم : مرحباً بالنبى الصالح والابن الصالح . قالوا : فلو كان فى عمود نسبه
لقال كما قالا له(٧) .]
وهذا لا يدل ولا بد ، لأنه لا يكون الراوى حفظه جيداً ، أو لعلَّهُ قاله على
سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له فى مقام الأبوة كما انتصب لادم أبى
البشر ، وإبراهيم الذى هو خليل الرحمن وأكبر أولى العزم بعد محمد .. صلوات
الله عليهم أجمعين .
(٧) البخارى كتاب الأنبياء باب [ ذكر إدريس ] .
٧٩