Indexed OCR Text

Pages 1-20

قصص الأنبياء
تأليف
الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء
إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي
المتوفي سنة ٧٧٤ هـ
تحقيق
الدكتور عبد الحي الفرماوي
أستاذ التفسير وعلوم القرآن
بجامعة الأزهر

الطبعة الخامسة
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
حقوق الطبع محفوظة
الناشِرْ
دار الطباعة والنشر الإسلامية
العاشر من رمضان المنطقة الصناعية ب ٢ تلفاكس : ٣٦٣٣١٤ - ٣٦٢٣١٣
مكتب القاهرة: مدينة نصر ١٢ ش ابن هانىء الأندلسى ت: ٤٠٣٨١٣٧ تلفاكس : ٤٠١٧٠٥٣
الطباعة والنشر
الإسلامية
طبعة خاصة من الناشر إلى :
مؤسسة النور للنشر والإعلان
مصر - المنصورة - ش الخلفاء الراشدين
بجوار كلية الآداب

تقديم
أولاً : تقديم المؤلف
ثانياً : تقديم الكتاب
ثالثاً : منهج التحقيق

C

تقديم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين الذي قال له
ربه ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أُوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن
كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ ﴾ وأمره تعالى أن يقص هذا القصص على أمته بقوله
فَاقْصُصِ القصَصَ لَعَلَّهِم يَتَفكرون﴾ فبلغ الرسالة وأدى الأمانة على أكمل ما
ينبغى أن يكون ، وعملت الأمة بالرسالة ، وحافظت على الأمانة ؛ فارتقت
وتقدمت وسادت ، ولما قصَّرت في التزامها ، وتراخت في عملها ، وفرطت في
أمانتها؛ ضعفت وتخلفت. (( وبعد))
ففي التقديم الموجز لهذا السّفر النفيس نتناول بالإِشارة : مؤلف الكتاب وهو
الغني عن التعريف ، والكتاب نفسه وهو الواسع الانتشار ، ومنهجنا في خدمته
وتحقيقه وإخراجه على نحو نرجو من الله تعالى فيه التوفيق ومنه القبول .
أولاً : المؤلف .
هو إسماعيل بن عمر القرشى بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع ، البصرى ،
ثم الدمشقي ، الفقيه الشافعي ، عماد الدين الحافظ أبو الفداء . كان رضى
الله عنه : كثير الاستحضار ، قليل النسيان ، جيد الفهم، يشارك في العربية
وينظم نظما وسطا من مثل قوله :
نساق إلى الآجال والعين تنظر
تمر بنا الأيام تترى وإنما
ولا زائل هذا المشيب المكدر
فلا عائد ذاك الشباب الذي مضى
قال عنه بعض علماء عصره : إمام روى التسبيح والتهليل ، وزعيم أرباب
التأويل ، سمع وجمع ، وصنف وأطرب الأسماع ، بالفتوى ؛ وشنف وحدث
وأفاد ، وطارت أوراق فتاويه إلى البلاد ، واشتهر بالضبط والتحرير ، وانتهت إليه

رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير(١).
ومن مؤلفاته : الاجتهاد في طلب الجهاد ، أحكام التنبيه ، البداية والنهاية في
التاريخ، تفسير القرآن، تكملة أسماء الثقات والضعفاء، جامع المسانيد والسنن
الهادى لأقوم سنن فى ثمانية أجزاء ، شرح الجامع الصحيح للبخارى « قطعة من
أوله » طبقات العلماء ، الفصول في سيرة الرسول ، الكواكب الدراري في التاريخ
« انتخبه من البداية والنهاية » الواضح النفيس فى مناقب الإِمام محمد بن
إدريس ... إلى غير ذلك(٢).
توفي رحمه الله في شعبان ٧٧٤ هـ (٣)
ثانياً : الكتاب .
يعد أول من كتب في « قصص الأنبياء » هو : وهب بن منِّّه المتوفي عام
١١٤ هـ .
وكان مؤرخاً كثير الأخبار عن الكتب القديمة ، عالما بأساطير الأولين ولا
سيما الإِسرائيليات . ومن الذين لهم فى «قصص الأنبياء » كذلك تصانيف
ومؤلفات :
الإِمام علي بن حمزة الكسائي النحوي ت ١٨٩ هـ .
وسهل بن عبد الله التستري ت ٢٨٣ هـ .
والأمين المختار عز الملك محمد بن عبد الملك المسبحى ت ٤٢٠ هـ (٤).
ثم ... عالمنا الإِمام ابن كثير .
وقد تناول في كتابه « قصص الأنبياء » الذين ذكرهم القرآن وبعضا ممن لم
(١) شذرات الذهب ٢٣٠/٦.
(٢) هدية العارفين ٢١٥/٥ .
(٣) شذارت الذهب ٢٣٠/٦.
(٤) انظر كشف الظنون ٢ / ١٣٢٨، أعلام للزر كلى ١٢٥/٨.

يرد ذكرهم في القرآن صراحة .
ولم يتعرض في كتابه لقصة نبينا محمد عَ لّه ، إذْ بدأ بآدم عليه السلام
وانتهى في كتابه بعيسى عليه السلام .
وقد سار رضى الله عنه في كتابه بمنهج يوحي بالثقة ويشعر بالطمأنينة ، إذْ
اعتمد فيما ذكر فيه على ما ورد في القرآن الكريم ، كما خلا ما يستشهد به من
حديث رسول الله عَ لّم عن « الموضوع» ولم يعتمد إلا فيما ندر على الضعيف
من الحديث(١) ، وقد اختلف العلماء في حكم العمل به ، كما اتفق الجمهور على
الأخذ به في فضائل الأعمال بشروط ليس هذا محلها .
يضاف إلى ذلك أن الكتاب سلم من الإِسرائیلیات نهائياً ، وكيف لا وهو
الإِمام الحافظ المحدث ؟
وعلى كل : فالكتاب فريد في بابه ، هام في موضوعه ، جيد في عرضه
لقصص الأنبياء ، يشى بسعة علم مؤلفه ، وطول باعه في تناول التاريخ والسير .
وفي تصوري : أنه لا ينبغي أن يستغنى عن الإِفادة منه مسلم ، كما لا ينبغي
أن يفوت طالب العلم اقتناءه والاغتراف من معارفه .
ويعتبر نشره وتيسيره وخدمته من القربات إلى الله تعالى .
ولذا : فمن حسنات « دار الطباعة والنشر الإسلامية » أن عملت على طبعه
ونشره في هذه الصورة القشيبة التى استغرق إعداده وإخراجه فيها وقتا طويلا
وجهدا كبيراً .
ثالثاً : منهج التحقيق .
نظرا لأن الكتاب قد حظى بطبعه أكثر من مرة ، وبعض هذه الطبعات بذل
في ضبط نصوصها الجهد المعتمد على الرجوع للمخطوطات (٢)، فقد اكتفينا في
(١) وقد بينا ذلك في حواشى الكتاب .
(٢) انظر النسخة التي قام بتحقيقها الأستاذ محمد أحمد عبد العزيز زيدان .
٠٠
٧

ضبط النص على النسخ المطبوعة ، وكان عملنا بعد ذلك فيما يلي :
١ - عزو الآيات القرآنية إلى سورها وترقيمها بهامش الكتاب .
٢ - شرح الغريب مما ورد في الكتاب من الألفاظ التى تحتاج إلى ذلك .
٣ - الترجمة للأعلام الموجودة بالقدر الذي يخدم النص ، مكتفين بتحرير
اسم العلم المترجم له مع ذكرنا تاريخ وفاته والمصادر التي يمكن الرجوع إليها لمن
أراد مزيدا من المعرفة عنه .
٤ - الترجمة للأماكن والبلدان الواردة بالكتاب .
٥ - تخريج أحاديث الكتاب ، والتعرض لرجال الحديث وإبراز مواطن
الضعف في ضعيفهم بالرجوع إلى كتب « الجرح والتعديل » ..
٦ - مع الحفاظ على جوهر الكتاب ونصوصه ... ثم التدخل في الشكل
الذي يساعد على كشف مادته ، وإبراز كنوزه ، وذلك بما يلي :
أ - تم تقسيم الكتاب - حسب تقسيم المؤلف للمادة العلمية - إلى
أبواب وترقيمها .
ب - كما تم تقسيم الأبواب - حسب تقسيم المؤلف للمادة العلمية
كذلك - إلى فصول وترقيمها .
جـ - تم وضع عناوين لبعض الفصول من عندنا كشفا لمحتويات
الفصل ، ووضعنا هذا العنوان بين معقوفين هكذا [ .... ].
د - وضعنا - من عندنا - صفحة مستقلة عند أول كل باب من
أبواب الكتاب ، کتبت فيها رقم الباب وعنوان الباب ، و کذلك فصول الباب إن
كان يحتوي على فصول .
هـ - باستثناء الصفحة المستقلة في أول كل باب ، كل ما أضفناه من
أرقام الفصول أو عنوان لبعضها ، وضعناه بين معقوفين هكذا [ .... ].
٧ - وأخيراً ثم عمل الفهارس الكاشفة محتويات الكتاب ، والتی تعین
:
على إبراز مادته ، وتساعد القارىء في الوصول بيسر إلى نفائسه ، والتى اكتفينا
٨

منها على ((فهرس الموضوعات)) فقط عند تمام طبع الكتاب ؛ تخفيفا لحجمه ،
وكراهة الإطالة فى كشافاته ، خاصة : وأنه جزء واحد فقط .
ولا يفوتنى أن أذكر بالتقدير : أخويّ الكريمين وتلميذىَّ النجيبين ، الدكتور
عبد الرحمن محمد على عويس ، والدكتور جمال مصطفى عبد الحميد النجار ، على
ما بذلاه من جهد مشكور ، ومساعدات علمية فعالة ، معى ، لإِخراج هذا
السفر النفيس ، فى ثوبه القشيب .
والله أسأل أن يتقبل مني هذا العمل خالصا لوجهه وأن ينفعني به ــ وكل
من ساهم في خدمته معي وإخراجه ـــ في يوم لا ينفع فيه ﴿ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّ
مَنْ أَتَى الله بِقَلبٍ سَليم ﴾ .
المحقق
أبو مصطفى
عبد الحي الفرماوي
القاهرة - عين شمس - النعام
في غرة ربيع الأول ١٤١١ هـ .
٢١ من سبتمبر ١٩٩٠ م.

الباب الأول
قصة آدم عليه السلام
الفصل الأول : ما ورد فى خلق آدم .
الفصل الثانى : احتجاج آدم وموسى عليهما السلام .
الفصل الثالث : الأحاديث الواردة في خلق آدم عليه السلام .
الفصل الرابع : قصة ابنى آدم «قابيل وهابيل» .
الفصل الخامس : وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيس عليه السلام

:

[ الفصل الأول ]
ما ورد في خلق آدم
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنَّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِِ خَلِيفَةً
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِسُ
لَكَ قَالَ إِنَّى أَعْلَمُ مَالَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَثِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَائِكَ لَا عِلْمَ
لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ أَلْعَلِيمُ أَلْحَكِيمُ ﴾ قَالَ يَاآدَمُ أَنِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا
أَنْبَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أُعْلَمُ غَيْبَ السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا
تُبْذُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ
إِنِيسَ أَبِي وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
اَلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا أَهْبِطُوا
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ . فَتَلَقَّى آدَمُ مِن
· رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا أَهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا
يَأْتِنَّكُم مِّنٍِّ هُدىً فَمَنِ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ
كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلٍ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ
لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾(٢) وقال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَّقَكُم مِّن
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَآَتَّقُوا
اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَآلْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِباً﴾(٣).
(١) سورة البقرة الآيات: ٣٠ - ٣٩.
(٢) سورة آل عمران الآية : ٥٩ .
(٣) سورة النساء الآية : ١ .
١٣

كما قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَاكُم مِّنِ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أُكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَثْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(١).
وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا
لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا .. ﴾(٢) الآية.
وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا
لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّن السَّاجِدِينَ. قَالَ مَا مَتَعَكَ أَلَّ تَسْجُدَ إِذْ
أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَتِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا
يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَِّ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنِظِرْنِى إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أُغْوَيْتِى لَّأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ
الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ
وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ آَخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
لَأَمْلَأُنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أُجْمَعِينَ * وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ
حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَّا
الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَّهُمَا مَاؤُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَانَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ
هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا
لَمِنَ النَّاصِحِينَ ،فَدَلَّاهُمَا بِعُرورٍ فَلَمَّا ذَاقًا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوِائَهُمَا وَطَفِقًا
يَحْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنِ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ
وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْتَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ
لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى
اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرِّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوُثُونَ وَمِنْهَا
تُخْرَجُونَ﴾(٣).
كما قال في الآية الأخرى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيَها تُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا ◌ُخْرِ مُكُمْ
دَارَةً أُخْرَى﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَلَّقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّن حَمٍَّ
(١) سورة الحجرات الآية : ١٣ .
(٢) سورة الأعراف الآية : ١٨٩.
(٣) سورة الأعراف الآيات: ١١ - ٢٥ .
(٤) سورة طه الآية : ٥٥ .
١٤

مَّسْئُونٍ﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلَمَلَائِكَةِ إِنَّى
خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمٍَ مَّسْئُونٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَحْتُ فِهِ مِن ◌ُوچِی
فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أُجْمَعُونَ * إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ
مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَالَكَ أَلَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أُكُن
لْأَسْجُدَ لِبَشَرِ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمٍَ مَّسْئُونٍ ﴾ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ
رَجِيمٌ ( وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِّرْنِى إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ *
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ اُلمِنْظَرِين « إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ . قَالَ رَبِّ بِمَا أُغْوَيْتَنِى
لَأَزَيَِّنَّ لَهُمْ فِى الأَرْضِ وَلأُغْوِيَتَّهُمْ أُجْمَعِينَ * إِلَّا عَبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُحْلَصِينَ ﴾ قَالَ
هَذَا صِرَاطٌ عَلَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِن
الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ، لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لَّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ
جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾(٨) .
وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّ إِبْلِيسَ قَالَ
أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ، قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرِئِنِ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأُخْتَئِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّ قَلِيلاً ﴾ قَالَ آَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ
جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ، وَاسْتَغْرِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمِ
بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الْأُمْوَالِ وَالأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ
إِلَّ غُروراً » إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾(٩) .
وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِدَمْ فَسَجَدُوا إِلَّ إِبْلِسَ كَانَ مِنَ
الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أُقَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَتَهُ أُوْلِيَاءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ
بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾(١٠). وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَتَسِىَ
وَلَمْ نجِد لَهُ عَزْماً ، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّ إِبْلِيسَ أَتَّى:
#
فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُحْرِ جَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى « إِنَّ
لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى « وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ
الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أُذُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى ﴾ فَأُكَلَا مِنْهَا
(٨) سورة الحجر الآيات : ٢٦ - ٤٤.
(٩) سورة الإسراء الآيات : ٦١ - ٦٥.
(١٠) سورة الكهف الآية : ٥٠ .
١٥

فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَق آلْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ
فَغَوَىَ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جِمِيعَا بَعْضُكُمْ
لِبَعْضِ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِنَّكُمْ مِّنِّى هُدِئٍ فَمِنِ آَبَعَ هُدَاىَ فَلا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ
أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ قَالَ رَبِّ
لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتْكَ آيَّنَا فَتَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ
اَلْيَوْمَ تُنسَى﴾(١١) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَ أْعَظِيمٌ ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا
كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمِ بِالْمَلَأُ الْأَعْلَى إِذْ يَحْتَصِمُونَ * إِن يُوحَى إِلَّ إِلَّ أَنَّمَا أَنَا يَذِيرٌ
مُبِينٌ * إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنَّى خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَحْتُ فِيهِ
مِن رُّوحَى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّ إِبْلِيسَ
آَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ
بَدَىَّ أُسْتَكْبَرْتَ أُمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ " قَالَ أَنَاخَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ
مِن طِينٍ ﴾ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِى إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَّرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ
المَعْلُومِ ، قَالَ فَبِعَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُحْلَصِينَ ﴾ قَالَ
فَالْحَقُ وَالْحَقَّ أَقُولُ « لَأَمْلَانَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قُلْ مَا
أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ .
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَّهُ بَعْدَ حِينٍ﴾(١٢) .
فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن ، وقد تكلمنا على ذلك كله
في التفسير ، ولنذكر ها هنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات ، وما
يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله عَ ليه .... والله المستعان.
فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلاً لهم: ﴿إِنَّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ
خَلِيفةً﴾(١٣) أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما
قال: ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأرضِ﴾(١٤) وقال تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ
(١١) سورة طه الآيات: ١١٥ - ١٢٦ .
(١٢) سورة ص الآيات : ٦٧ - ٨٨.
(١٣) سورة البقرة الآية: ٣٠.
(١٤) سورة الأنعام الآية : ١٦٥.
١٦

◌ُلَفَاءَ الأرْضِ ﴾(١٥) فأخبرهم بذلك علی سبیل التنويه بخلق آدم وذريته ، کما يخبر
بالأمر العظيم قبل كونه ، فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف
والاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقص لبنى آدم والحسد
لهم، كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَاءِ﴾(١٦).
قيل علموا أن ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن(١٧) قاله
قتادة .
وقال عبد الله بن عمر (١٨) : كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا
الدماء ، فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور .
وعن ابن عباس نحوه . وعن الحسن ألهموا ذلك .
وقيل : لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ ، فقيل أطلعهم عليه هاروت
وماروت عن ملك فوقهما يقال له السجل . رواه ابن أبى حاتم (١٩) عن أبى جعفر
الباقر (٢٠)
وقيل: لأنهم علموا أن الأرض لا يخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالبا .
﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ (٢١) أي نعبدك دائماً لا يعصيك منا
أحد ، فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلاً ولا نهاراً .. ".
قال إنى أعلم مالا تعلمون ﴾ أى أعلم من المصلحة الراجحة في خلق
(١٥) سورة النمل الآية : ٦٢ .
(١٦) سورة البقرة الآية: ٣٠.
(١٧) لعل المقصود (( الحن)) وهم طائفة من الجن .
(١٨) عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي ت ٧٣هـ (أسد الغابة ١٤٠/٣)
(١٩) هو: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، وتوفي سنة ٣٢٧ هـ (تذكرة
الحفاظ ٨٢٩/٣، شذرات الذهب ٣٠٨/٢، طبقات الحفاظ ٣٤٥ ).
(٢٠) هو محمد بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب ت سنة ١١٤ هـ، (طبقات الحفاظ ص
٤٩، تذكرة الحفاظ ١ /١٢٤ ).
(٢١) سورة البقرة الآية : ٣٠.
تفسير مجاهد ٧٢/١ وتفسير الطبري ١٧٨/١.
٨٠
١٧

هؤلاء مالا تعلمون ، أي سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصديقون والشهداء
والصالحون .
ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال: ﴿وعلم آدم الأسماء
كلها﴾(٢٢) قال ابن عباس(٢٣): هى هذه الأسماء التى يتعارف بها الناس: إنسان
ودابة ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجبل ، وجمل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم
وغيرها .
وقال مجاهد : علمه اسم الصحفة ، والقدر ، حتى الفسوة والفسية .
وقال مجاهد : علمه اسم كل دابة ، وكل طير وكل شيء . وكذا قال سعيد
ابن جبير وقتادة وغير واحد(٢٤).
وقال الربيع : علمه أسماء الملائكة . وقال عبد الرحمن بن زيد : علمه أسماء
ذريته(٢٥) .
والصحيح : أنه علمه أسماء الذوات وأفعالها مكبرها ومصغرها ، كما أشار إليه
ابن عباس رضى الله عنهما .
وذكر البخاري(٢٦) هنا ما رواه هو ومسلم(٢٧) من طريق سعيد وهشام عن
قتادة عن أنس بن مالك(٢٨)، عن رسول الله عَ المه قال: ((يجتمع المؤمنون يوم
القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا ، فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر ،
خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء )) وذكر تمام
(٢٢) سورة البقرة الآية : ٣١.
(٢٣) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وتوفى سنة ٦٨ هـ بالطائف. ( أسد
الغابة ٢٩٠/٣ ) .
(٢٤) هو: مجاهد بن جبر المكي الخزرجي أبو الحجاج، توفى سنة ١٠٣ هـ (طبقات ابن
سعد ٣٤٣/٥، شذرات الذهب ١٢٥/١، طبقات الحفاظ ٣٥).
(٢٥) تفسير الطبري ١٧٠/١ وما بعدها .
(٢٦) صحيح البخاري : كتاب التفسير ، تفسير سورة البقرة .
(٢٧) صحيح مسلم كتاب الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة .
(٢٨) هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري أبو حمزة. ( تهذيب التهذيب
٣٧٦/١ ) .
١٨

الحديث .
﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبُونِى بأسماء هؤلاء إِن كُنتُمْ
صَادِقِينَ﴾(٢٩) قال الحسن البصرى(٣٠). لما أراد الله خلق آدم، قالت الملائكة: لا يخلق
ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه. فابتلوا بهذا، وذلك قوله: ﴿إِن كُنتُمْ
صَادِقِين ﴾.
وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير
قالوا: ﴿ سُبْحَائِكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ.
الحَكِيمْ ﴾ (٣١) أى سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك ،
كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّن عِلْمِهِ إلَّا بَمَا شَاءَ﴾ (٣٢).
قَالَ يَ آدَمُ أَنِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَا أَنْبَّهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّى
أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ أى أعلم
السر كما أعلم العلانية .
وقيل: إن المراد بقوله ﴿ أعلم ما تبدون﴾ ما قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فَيْهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا﴾ وبقوله: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ المراد بهذا الكلام إِبليس حين
أسر الكبر والنفاسة على آدم عليه السلام ، قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدی
والضحاك والثوري واختاره ابن جرير .
وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ قولهم:
لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه.
وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّ إِبْلِيسَ أَتَّى
واسْتَكْبَر ﴾ هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ، ونفخ فيه من
(٢٩) سورة البقرة الآية : ٣١ .
(٣٠) هو: الحسن بن أبي الحسن البصري أبو سعيد توفى سنة ١١ هـ. ( شذرات الذهب
١٣٦/١ ) .
(٣١) سورة البقرة الآية : ٣٢.
(٣٢) سورة البقرة الآية : ٢٥٥.
١٩

ـة
روحه، كما قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَحْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَه
سَاجِدينَ ﴾(٣٣) فهذه أربع تشريفات": خلقه بيده الكريمة ، ونفخه من روحه ،
وأمر الملائكة بالسجود له ، وتعليمه أسماء الأشياء .
ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملإ الأعلى وتناظرا كما
سيأتي: (( أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ،
وأسجد لك ملائكته، وعلمك كل شيء)) . وهكذا يقول له أهل المحشر يوم
القيامة كما تقدم ، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى .
وقال فى الآية لأخرى :
وَلَقَدْ خَلَقْتَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّ
إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ
مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِن ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾(٣٤).
قال الحسن البصري : قاس إبليس ، وهو أول من قاس .
وقال محمد بن سيرين(٣٥): أول من قاس إبليس ، وما عبدت الشمس ولا
القمر إلا بالمقاييس ، رواهما ابن جرير (٣٦).
ومعنى هذا أنه نظر بطريق المقايسة بينه وبين آدم ، فرأى نفسه أشرف من
آدم فامتنع من السجود له ، مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود .
والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار . ثم هو فاسد في نفسه ، فإن
الطين أنفع وخير من النار ، لأن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو ، والنار فيها
الطيش والخفة والسرعة والإِحراق .
ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه ، ولهذا أمر الملائكة
بالسجود له ، كما قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِنَّى خَالِقِ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ
(٣٣) سورة الحجر الآية : ٢٩ .
(٣٤) سورة الأعراف الآيتان: ١١ - ١٢
(٣٥) هو محمد بن سيرين، شيخ البصرة، وإمام المعبرين توفى ١١٠ هـ انظر: شذرات الذهب
٠١٣٨/١
(٣٦) تفسير الطبرى ٩٨/٨.
٢٠