Indexed OCR Text

Pages 681-700

ذكر منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام
ومرباه في صغره وصباه ، وبيان بدء الوحي إليه من الله تعالى
قد تقدَّم أنه ولد ببيت لحم قريباً من بيت المقدس .
وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر وأن مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب
النجار وهي راكبة على حمار ليس بينهما وبين الإِكاف شيء .
وهذا لا يصح ، والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت
لحم ، كما ذكرنا ، ومهما عارضه فباطل .
وذكر وهب بن منبه أنه لما خَرَّت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها ،
وأن الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم إبليس الكبير أمْرَ عيسى
فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به ، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء وأن مَلِك
الفُرْس أشفق من ظهوره فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: هذا لمولد عظيم في الأرض .
فبعث رسله ومعهم ذهب ومُرِّ وَلْبَان هديةً إلى عيسى ، فلما قدموا الشام سألهم
ملكها عما أقدَمهم فذكروا له ذلك ، فسأل عن ذلك الوقت فإِذا قد ولد فيه عيسى
ابن مريم بيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد فأرسلهم إليه بما معهم
وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه ، فلما وصلوا إلى مريم
بالهدايا ورجعوا قيل لها إن رسل ملك الشام إنما جاءوا ليقتلوا ولدك . فاحتملته
فذهبت به إلى مصر ، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة ، وظهرت عليه
كرامات ومعجزات في حال صغره . فذكر منها أن الدِّهْقَان(١) الذي نزلوا عنده افتقد
مالاً من داره وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء والضعفاء والمحاويج فلم يَدْرِ مَنْ
أخذها ، وعزَّ ذلك على مريم عليها السلام وشق على الناس وعلى رب المنزل وأعياهم
(١) الدهقان بكسر الدال وضمها : كلمة فارسية معربة ومعناها : زعيم الفلاحين أو رئيس الإقليم.
- ٦٨١ -

أمرها ، فلما رأى عيسى عليه السلام ذلك عمَد إلى رجل أعمى وآخر مُفْعَد من
جملة من هو منقطع إليه فقال للأعمى : احمل هذا المقعد وانهض به . فقال : إني لا
أستطيع ذلك . فقال : بلى كما فعلت أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة
من الدار . فلما قال ذلك صدَّقاه فيما قال وأتيا بالمال فعظُم عيسى في أعين الناس
وهو صغير جداً .
ومن ذلك أن ابن الدِّهْقان عمل ضيافةً للناس بسبب طهور أولاده ، فلما
اجتمع الناس وأطعمهم ثم أراد أن يسقيهم شراباً يعني خمراً ، كما كانوا يصنعون في
ذلك الزمان لم يجد في جِرَاره [ شيئاً ](١) فشق ذلك عليه ، فلما رأى عيسى ذلك
منه قام فجعل يمر على تلك الجِرَار ويُمر يده على أفواهها فلا يفعل بجرة منها ذلك
إلا امتلأت شراباً من خيار الشراب ، فتعجّب الناس من ذلك جداً وعظموه وعرضوا
عليه وعلى أمه مالاً جزيلاً فلم يَقْبلاه وارتحلا قاصدين بيت المقدس(٢) . والله أعلم .
وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا عثمان بن ساج وغيره ، عن موسى بن وردان ،
عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، وعن مكحول عن أبي هريرة قال : إن عيسى بن مريم
أولَ ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل ، فمجَّد الله تمجيداً لم
تسمع الآذان بمثله لم يدع شمساً ولا قمراً ولا جبلاً ولا نهراً ولا عيناً إلا ذكره في تمجيده
فقال : اللهم أنت القريب في علوّك ، المتعالي في دنوّك ، الرفيع على كل شيء من
خَلْقك ، أنت الذي خلَقْت سَبْعاً في الهواء بكلماتك مستويات طباقاً أجَبْنَ وهُنّ
دخان من فَرقك ، فأتين طائعاتٍ لأمرك ، فيهن ملائكتك يسبّحون قُدْسك
لتقديسك ، وجعلت فيهن نوراً على سواد الظلام وضياءً من ضوء الشمس بالنهار
وجعلت فيهن الرعد المسبِّح بالحمد ، فبعزتك يَجْلو ضَوْؤك ظُلمتك(٣) وجعلت فيهن
مصابيحَ يهتدي بهن في الظلمات الحيران ، فتباركت اللهم في مفطور سمواتك ،
وفيما دحَوْت من أرضك ، دحوتَها على الماء فسمَكْتَها على تيار الموج الغامر ،
(١) سقطت من ((أ)).
(٢) ينبغي الشك في هذا الخبر لأن الخمر محرمة في كل دين .
(٣) الأصل والمطبوعة : يجلو ضوء ظلمتك .
- ٦٨٢ -

فأُذْللتها إِذَال التظاهر ، فذلَّ لطاعتك صعبها واستحيا لأمرك أمرها وخضعت لعزتك
أمواجها ، ففجّرت فيها بعد البحور الأنهار ، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار ، ومن
بعد الجداول ينابيع العيون الغزار ، ثم أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار ثم جعلت
على ظهرها الجبال فوتَّذتها أوتاداً على ظهر الماء ، فأطاعت أطوادها وجلمودها .
فتباركت اللهم ! فمن يَبْلِغ بنَعْته نَعْتَك ؟ أم من يبلغ بصفته صفتك ؟ تَنْشُر
السحابَ وتفُكُّ الرقاب ، وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين ، لا إله إلا أنت
سبحانك أَمَرْتَ أن نستغفرك من كل ذنب ، لا إله إلا أنت سبحانك ستَّرْتَ
السموات عن الناس ، لا إله إلا أنت سبحانك إنما يخشاك من عبادك الأكياسُ ،
نشهد أنك لستَ بإلهِ استحدثناك ، ولا رب يَبيد ذِكْره ، ولا كان معك شركاء
فندعوهم ونذَرَك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، نشهد أنك أحد صمد لم
تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد )).
وقال إسحاق بن بشر : عن جُوَبِير ومقاتل ، عن الضحاك ، عن ابن
عباس ، أن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلاً حتى بلغ ما
يبلغ الغلمان ، ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمةَ فأكثر اليهودُ فيه وفي أمه من القول ،
وكانوا يسمّونه ابنَ البغِيَّة وذلك قوله تعالى: ﴿وبِكُفْرِهم وقولهم على مريمَ بهتاناً
عظيماً ﴾(١) .
قال : فلما بلغ سَبْعَ سنين أسلمته أمه في الكُتّاب ، فجعل لا يعلمه المعلم
شيئاً إلا بدَره إليه ، فعلَّمه أبا جاد فقال عيسى : ما أبو جاد ؟ فقال المعلم : لا
أدري . فقال عيسى : كيف تعلمني ما لا تدري . فقال المعلم: إذاً فعلِّمني. فقال
له عيسى : فقم من مجلسك . فقام ، فجلس عيسى مجلسه فقال : سلني . فقال
المعلم : فما أبو جاد ؟ فقال عيسى : الألف آلاء الله. والباء: بهاء الله . والجيم بهجة
الله وجماله . فعجب المعلم من ذلك فكان أو من فسر أبا جاد .
ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله عَّ له عن ذلك فأجابه على كل كلمة
(١) سورة النساء ١٥٦ .
- ٦٨٣ -

بحديث [ وهو حديث ] طويل موضوع لا يُسأل عنه ولا يُتمادى !
وهكذا روى ابن عِدِي من حديث إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن
يحيى ، عن ابن أبي مُلَيكة ، عن ابن مسعود ، عن مِسْعر بن كدام ، عن عطية ،
عن أبي سعيد ، رفع الحديث في دخول عيسى إلى الكُتَّاب وتعليمه المعلم معنى
حروف أبي جاد وهو مطول لا يُفْرح به .
ثم قال ابن عدي : وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسماعيل .
وروى ابن لَهِيعة عن عبد الله بن هبيرة قال : كان عبد الله بن عمر يقول :
كان عيسى بن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم : تريد أن
أخبرك ما خبَّأت لك أمك ؟ فيقول : نعم . فيقول : خبأت لك كذا وكذا .
فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها : أطعميني ما خبأتِ لي . فتقول : وأي شيء
خبأتُ لك ؟ فيقول : كذا وكذا . فتقول له : من أخبرك ؟ فيقول : عيسى بن
مريم . فقالوا : والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم . فجمعوهم في
بيت وأغلقوا عليهم ، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم فسمع ضوضاءهم في بيت
فسأل عنهم فقالوا : إنما هؤلاء قِرَدة وخنازير . فقال : اللهم كذلك . فكانوا
كذلك . رواه ابن عساكر .
وقال إسحاق بن بشر ، عن جُوبير ، ومقاتل ، عن الضحاك ، عن ابن
عباس قال : وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله ، ففشا ذلك في
اليهود وترعرع عيسى ، فهمَّت به بنو إسرائيل ، فخافت أمه عليه ، فأوحى الله إلى
أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر ، فذلك قوله تعالى: ﴿ وجعلنا ابنَ مريم وأمه آيةً
وآويناهما إلى رَبْوة ذات قَرار ومَعِين﴾(١).
• وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها
أنها ذات قرارومعين ، وهذه صفة غريبة الشكل ، وهي أنها ربوة وهو المكان المرتفع
من الأرض الذي أعلاه مستو يُقَرُّ عليه وارتفاعه متَّسع، ومع علوّه فيه عيون الماء
(١) سورة المؤمنون ٥٠.
- ٦٨٤ -

المعين ، وهو الجاري السارح على وجه الأرض ، فقيل المراد المكان الذي ولدت فيه
المسيح وهو تحلّة(١) بيت المقدس، ولهذا ناداها ﴿ من تحتها ألّا تحزني قد
جعل ربك تحتك سَرِيا﴾ وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف .
وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق فلعله أراد تشبيه ذلك المكان
بأنهار دمشق . وقيل ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب وتلقّاه عنهم .
والله أعلم . وقيل هي الرملة .
وقال إسحاق بن بشر : قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه ، قال : إن
عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا قال
فقدم عليه يوسف ابنُ خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام بها
حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام والعلم
بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدَّث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من
العجائب ، فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره .
(١) المطبوعة : نخلة بيت المقدس .
(٢) سقطت من (( أ)) .
- ٦٨٥ -

بيان نزول الكتب الأربعة ومواقیتها
وقال أبو زُرْعة الدمشقي : حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن
صالح ، عمن حدثه قال: (( أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلَوْن من شهر
رمضان ؛ ونزل الزبور على داود في اثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ، وذلك
بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة ، وأنزل الإنجيل على عيسى بن مريم في
ثمانية عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاماً ، وأُنزل
الفرقان على محمد عَ ◌ّه في أربع وعشرين من شهر رمضان .
، وقد ذكرنا في التفسير عند قوله تعالى: ﴿ شهرُ رمضانَ الذي أُنزل فيه
القرآن﴾(١) الأحاديثَ الواردة في ذلك ، وفيها أن الإنجيل أنزل على عيسى بن مريم
عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان .
وذكر ابن جرير في تاريخه أنه أُنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة ، ومكث حتى
رُفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة(٢). كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، ومقاتل عن
قتادة ، عن عبد الرحمن بن آدم ، عن أبي هريرة قال : أوحى الله عز وجل إلى عيسى
ابن مريم: يا عيسى جِدَّ في أمري ولا تَهِن ، واسمع وأطِعْ يا بن الطاهرةِ البِكْرِ البَتُول ،
إنك من غير فَحْل ، وأنا خلقتُك آيةً للعالمين ، إياي فاعبد وعليَّ فتوكل ، خذ
الكتاب بقوة فَسِّرِ لأهل السريانية بلِّغ من بين يديك أني أنا [الحق ](٣) الحيّ القائم
الذي لا أزول ، صَدِّقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والتاج - وهي العمامة -
والمدرعة والنعلين والهراوة - وهي القضيب - الأنْجَل العينين الصَّلْت الجبين
(١) سورة البقرة ١٨٥ .
(٢) تاريخ الطبري ٧٣١/٢ (ط ليدن).
(٣) ليست في ((أ)).
- ٦٨٦ -

الواضح الخدين ، الجَعْد الرأس ، الكثّ اللحية ، المقرون الحاجب ، الأقنَى
الأنف ، المفلّجِ الثَّنايا ، البادِي العَنْفَقة ، الذي كأنَّ عنقه إبريق فضة وكأن الذهب
يجري في تَراقيه ، له شعرات من لَبَّته إلى سُرَّته تجري كالقضيب ، ليس على بطنه ولا
على صدره شعر غيره ، شَتْن الكف والقدم ، إذا التفت التفت جميعاً وإذا مشى
كأنما يتقَلَّع من صخر وينحدر من صَبب ، عَرَقه في وجهه كاللؤلؤ وريح المسك
ينفح منه ، ولم يُرَ قبله ولا بعده مثله ، الحسَن القامة الطيب الريح ، نكّاح النساء ذا
النسل القليل(١) . إنما نَسْله من مباركة، لها بيت يعنى في الجنة من قصَب لا نصَب
فيه ولا صَخَب ، تَكْفله يا عيسى في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك ، له منها
فرخان مستشهدان وله عندي منزلة ليست لأحد من البشر ، كلامه القرآن ودينه
الإِسلام وأنا السلام ، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه .
قال عيسى : يا رب وما طوبى ؟ قال : غَرْس شجرة أنا غرستها بيدي ، فهي
للجنان كلها أصلها من رضوان وماؤها من تَسْنيم وبردها برد الكافور وطعمها طعم
الزنجبيل [ وريحها ريح المسك] (٢) من شرب منها شربة لم يظمأ بعدها أبداً.
قال عيسى : يا رب اسقني منها . قال : حرام على النبيين أن يشربوا منها حتى
يشرب ذلك النبي ، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب (٣) منها أمة ذلك
النبى .
قال : يا عيسى ، أرفعك إليَّ . قال : رب ولِمَ ترفعني ؟ قال : أرفعك ثم
أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على قتال (٤)
اللعين الدجال ، أُهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلي بهم لأنها مرحومة ولا نبي بعد
نبيهم .
وقال هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن زيد ، عن
أبيه ، أن عيسى قال : يا رب أنبئني عن هذه الأمة المرحومة . قال : أمة أحمد ، هم
علماء حكماء (٥) كأنهم أنبياء ، يرضون مني بالقليل من العطاء وأرضى منهم باليسير
(١) إلى هنا رواية ابن عساكر في تاريخه السيرة النبوية القسم الأول ص ٣٢٤ (تحقيق نشاط غزاوي).
(٤) ((أ)): على قتل.
(٢) ليست في (( أ)).
(٣) ((أ)): تشهد .
(٥) ((أ)): حلماء.
- ٦٨٧ -

من العمل ، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله . يا عيسى هم أكثر سكان الجنة ، لأنه لم
تَذْل ألسُن قومٍ قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم ، ولم تذل رقابُ قوم قط بالسجود
كما ذلت به رقابهم .
رواه ابن عساكر .
وروى ابن عساكر من طريق عبد الله بن يَدِيل العقيلي ، عن عبد الله بن
عَوْسَجة قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم : أنزلني من نفسك كهمِّك ، واجعلني
ذخراً لك في معادك، وتقرَّب إليَّ بالنوافل أُحبك ولا تولَّ غيري فأخذلك ، اصبر
على البلاء وارضَ بالقضاء ، وكن لمسرتي فيك ، فإن مسرتي أن أُطاع فلا أُعصى ،
وكن مني قريباً وأُحْي ذكري بلسانك ، ولتكن مودتي في صدرك ، تيقّظ من ساعات
الغفلة واحكم(١) في لطيف الفطنة، وكن لي راغباً راهباً وأمِتْ قلبك في الخشية
[ لي ](٢) وراع الليل لحقّ مَسرتي واظْمَ نهارك ليوم الرِّيِّ عندي، نافِسْ في الخيرات
جهدك ، واعترف بالخير حيث توجّهت ، وقم في الخلائق بنصيحتي ، واحكم في
عبادي بعَدْلي ، فقد نَزَّلتُ عليك شفاء وَسْواس(٣) الصدور من مرض النسيان ،
وجِلَاء الأبصار من غشاء الكلَّال ولا تكن حِلْساً كأنك مقبوض وأنت حي تنفس .
يا عيسى [ بن مريم](٢) ما آمنتْ بي خليقة إلا خشعت ، ولا خشعت لي
إلا رجَتْ ثوابي فأشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغيِّرِ أو تبدل سُنَّتي .
يا عيسى بن مريم البكر البتول ، ابكِ على نفسك أيامَ الحياة بكاءَ من ودَّع
الأَهَل وقَلا الدنيا وتَرَك اللذات [لأهلها ](٢) وارتفعت رَغْبته فيما عند إلهه ، وكن في
ذلك تُلين الكلامَ وتُفْشي السلام ، وكن يقظانَ إذا نامت عيون الأبرار ، حذارَ ما هو
آتٍّ من أمر المعاد وزلازل شدائد الأهوال ، قبل أن لا ينفع أهل ولا مال ، واكحل
عينيك بملول(٤) الحزن إذا ضحك البطَّالون، وكن في ذلك صابراً محتسباً ، وطوبى
لك إن نالَك ما وعدتُ الصابرين ، ارْجُ من الدنيا بالله يوم يبعثون(٥) ، وذق مذاقَة
(١) ((أ)) : واحلم لي .
(٢) ليست في ((أ)) .
(٣) ((أ)) : وساوس .
(٤) كذا ، والملة : الرماد الحار .
(٥) كذا في ((أ)). وفي ((ط)): يوم بيوم.
- ٦٨٨ -

ما قد حُرِب (١) منك أين طعمه ، وما لم يأتك كيف لذته ، فَرُحْ من الدنيا بالبُلْغة ،
وليكفك منها الخشن الجَئِيب (٢)، قد رأيت إلى ما يصير، اعمل على حساب فإنك
مسئول ، لو رأت عيناك (٣) ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت
نفسك .
• وقال أبو داود [ الطيالسي] في كتاب القدر : حدثنا محمد بن يحيى بن
فارس ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمَر عن الزهري ، عن ابن طاووس ، عن أبيه
قال : لقي عيسى بن مريم إبليسَ فقال : أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب
لك ؟ [ قال بلى ](٤). قال : إبليس: فأوفٍ (٥) بذروة هذا الجبل فَتردَّ عنه فانظر
هل تعيش أم لا . فقال ابن طاووس : عن أبيه : فقال: عيسى: أما علمت أن الله
قال : لا يجرِّبني عبدي فإني أفعل ما شئت . وقال الزهري : إن العبد لا يَبتلى ربه
ولكن الله يبتلي عبده(٦) .
وقال أبو داود [ الطيالسي ] : حدثنا أحمد بن عبدة ، أنبأنا سفيان ، عن
عمرو ، عن طاووس قال : أتى الشيطانُ عيسى بن مريم فقال : أليس تزعم أنك
صادق ؟ فَأْتِ هُوَّةٍ (٤) فألقِ نفسك . قال : ويلك ! أليس قال: يا بن آدم لا تسألني
هلاكَ نفسك فإني أفعل ما أشاء !
وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا حسين بن طلحة ، سمعت خالد بن
يزيد، قال: تعبَّد الشيطانُ مع عيسى عشر سنين أو سنتين ، أقام يوماً على شفير
جبل فقال الشيطان : أرأيت إن ألقيتُ نفسي هل يصيبني إلا ما كُتب لي . قال:
إني لست بالذي أبتلي ربي ولكن ربي إذا شاء ابتلاني. وعرفه أنه الشيطان ففارقه (٧).
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا شريح بن يونس ، حدثنا على بن ثابت ،
(١) حرب : سلب .
(٤) سقطت من الأصل والمطبوعة .
(٢) الجئيب: الغليظ. والجأب: الغليظ من كل شيء (٥) ((ط)): فارق.
(٣) ((أ)): عينك.
(٦) منحة المعبود
(٧) ((أ)): هذه.
- ٦٨٩ -

عن الخطاب بن القاسم ، عن أبي عثمان ، كان عيسى عليه السلام يصلِّي على رأس
جبل ، فأتاه أبليس فقال : أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر ؟ قال : نعم
قال: ألْقِ نفسك من هذا الجبل وقل قدِّر عليَّ. فقال: يا لعين! الله يختبر العباد
وليس العباد يختبرون الله عز وجل .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا الفضل بن موسى البصري ، حدثنا
إبراهيم بن بشار(١) سمعت سفيان بن عيينة يقول : لقي عيسى بن مريم إبليس فقال
له إبليس : يا عيسى بن مريم الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلمتَ في المهد
صبيًّا ، ولم يتكلم فيه أحد قبلك . قال : بل الربوبية للإِله الذي أنطقني ثم يميتني ثم
يحييني . قال : فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى . قال : بل
الربوبية لله الذي يحيى ويميت من أحييت ثم يحييه . قال : والله إنك لإِله في السماء
وإله في الأرض . قال : فصكه جبريل صكةً بجناحيه فما نباها دون قرون الشمس .
ثم صكه أخرى بجناحيه فما نباها دون العين الحامية ، ثم صكه أخرى فأدخله بحار
السابعة فأساخه وفي رواية فَأَسْلَكه فيها ، حتى وجد طعم الحمأة فخرج منها وهو
يقول : ما لقي أحدٌ من أحد ما لقيتُ منك يا بن مريم .
• وقد روى نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر ، فقال الحافظ أبو بكر
الخطيب : أخبرني أبو الحسن بن رزقويه ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن سيدي(٢) . حدثنا
أبو محمد الحسن بن علي القطان ، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار ، أنبأنا علي بن
عاصم ، حدثني أبو سلمة سُوَيد عن بعض أصحابه ، قال : صلى عيسى ببيت
المقدس فانصرف ، فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه فجعل يَعْرض
عليه ويكلمه ويقول له : إنه لا ينبغي لك أن تكون عبداً . فأكثر عليه وجعل عيسى
يحرص على أن يتخلص منه ، فجعل لا يتخلص منه فقال له فيما يقول : لا ينبغي
لك يا عيسى أن تكون عبداً . قال : فاستغاث عيسى بربه ، فأقبل جبريل وميكائيل
فلما رآهما إبليس كَف ، فلما استقر معه على العقبة اكتنفا عيسى وضرب جبريلُ
إبليسَ بجناحه فقذفه في بطن الوادي . قال : فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير
(١) ((أ)): ابن يسار. محرفة. وانظر ميزان الاعتدال ٢٤/١.
(٢) كذا ولم أجده .
- ٦٩٠ -

ذلك . فقال لعيسى : قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبداً ، إن غضبك ليس
بغضب عبد ، وقد رأيتَ ما لقيت منك حين غضبتَ ولكن أدعوك لأمر هو لك ،
آمر الشياطين فليطيعوك فإذا رأى البشرُ أن الشياطين أطاعوك عبدوك ، أما إني لا
أقول أن تكون إلهاً ليس معه إله ولكن الله يكون إلهاً في السماء وتكون أنت إلهاً في
الأرض ! فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه وصرخ صرخة شديدة ، فإذا
إسرافيل قد هبط فنظر إليه جبريل وميكائيل ، فكفَّ إبليس فلما استقر معهم
ضرب إسرافيل إبليسَ بجناحه فصكَّ به عين الشمس ، ثم ضربه ضربة أخرى فأقبل
إبليس يهوي ومَّ عيسى وهو بمكانه فقال : يا عيسى لقد لَقِيت فيك اليوم تعباً شديداً
فرمى به في عين الشمس ، فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية قال : فغطوه فجعل
كلما خرج (١) غَطُّوه في تلك الحمأة قال: والله ما عادَ إليه بعدُ.
قال وحدثنا إسماعيل العطار ، حدثنا أبو حذيفة قال : واجتمع إليه شياطينه
فقالوا : سيدنا لقد(٢) لقيتَ تعباً قال: إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من
سبيل ، وسأُضِلُّ به بشَراً كثيراً وأبثّ فيهم أهواءً مختلفة وأجعلهم شِيَعاً ويجعلونه وأمه
إلهين من دون الله . قال : وأنزل الله فيما أيَّد به عيسى وعصمه من إبليس قرآناً ناطقاً
بذكر نعمته على عيسى فقال: ﴿ يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك
إذ أيَّدْتك بروح القدس ﴾ يعني إذ قويتك بروح القدس يعني جبريل ﴿ تُكلِّم
الناسَ في المهد وَكَهْلاً وإذا علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذا تخلق من
الطين كهيئة الطير﴾(٣) الآية كلها وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصَحابة وأعواناً
ترضى بهم ، وصحابة وأعواناً يرضون بك هادياً وقائداً إلى الجنة ، فذلك فاعلم
خُلقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي .
وسيقول لك بنو إسرائيل : صُمْنا فلم يُتقبل صيامنا وصلّينا فلم تقبل صلاتنا
وتصدقنا فلم تُقبل صدقاتنا وبكينا بمثل حَنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا . فقل لهم :
ولم ذاك وما الذي يمنعني ؟ أنَّ ذات يدي قَلَّت؟ أوليس خزائن السموات والأرض
بيدي أنفق منها كيف أشاء . أو أن البخل يعتريني (٤)، أولست أجْوَدَ من سُئل (٥)
(١) ((ط)): كلما صرخ. وهو تحريف صوابه من ((أ)).
(٢) ((ط )) : قد .
(٣) سورة المائدة ١١٠.
(٤) ((ط)): لا يعتريني. وهو تحريف صوابه من ((أ)).
(٥) ((ط)): من سأل . وهو تحريف شنيع.
- ٦٩١ -

وأوسَع من أَعطَى . أو أن رحمتي ضاقت ؟ وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي .
ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم غروا (١) أنفسهم بالحكمة التي تورث في
قلوبهم ما استأثروا(٢) به الدنيا أثرةً على الآخرة لعرفوا من أين أُثُوا(٣)، وإذاً لأيقنوا أن
أنفسهم هي أَعْدَى الأعداء لهم ، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوَّون عليه بالأطعمة
الحرام [وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تَرْكن إلى الذين يحاربونني ويستحِلُّون
محارمي ](٤) وكيف أقبل صدقاتهم وهم يَغْصبون الناس عليها فيأخذونها من غير
حلّها ، يا عيسى إنما أُجْزي عليها أهلَها ، وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من
دماء الأنبياء ! ازدَدْتُ عليهم غضباً .
يا عيسى وقضيتُ يوم خلَقت السموات والأرض أنه من عبدني وقال فيكما
بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقاءَك في المنازل وشركاءك في الكرامة ،
وقضيتُ يوم خلقت السموات والأرض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن
أجعلهم في الدَّرك الأسفل من النار .
وقضيتُ يومَ خَلقت السموات والأرض أني مثّبِّت هذا الأمر على يدي عبدِي
محمد وأُخْتم به الأنبياء والرسل ، ومَوْلده بمكة ومُهَاجره بطَيْبة ومُلْكه بالشام ، ليس
بفَظّ ولا غليظ ولا سَخَّاب في الأسواق ولا يتزَيَّن (٥) بالفحش ولا قوَّل بالخَّنا،
أسدّده لكل أمر جميل وأهب له كلَّ خُلق كريم ، وأجعل التقوَى ضَميره والحكم
معقوله والوفاء طبيعته والعدلَ سيرته والحقَّ شريعته والإِسلام مِلَّته ، اسمه أحمد ،
أهدي به بعد الضلالة وأعلّم به بعد الجهالة وأغْني به بعد العائلة ، وأرفع به بعد
الضَّعة ، أهدي به وأفتح به بين آذان صم وقلوب غُلْف وأهواء مختلفة متفرقة ،
وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إخلاصاً
لاسمي وتصديقاً لما جاءت به الرسل، ألهمهم التسييحَ والتقديس والتهليل في
مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومُنْقَلبهم ومَثْواهم ، يصلّون لي قياماً وقعوداً وركعاً
(١) الأصل : عدواً . محرفة .
(٢) ((أ)) : فاستأثروا .
(٣) ((ط)): أوتوا . محرفة .
(٤) سقط من ((أ)).
(٥) ((ط )) : ولا يزر .
- ٦٩٢ -

وسجوداً ، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً ، قربانهم دماؤهم وأناجيلهم في
صدورهم وقربانهم في بطونهم ، رهبانٌ بالليل ليوثٌ في النهار ، ذلك فضلي أوتيه من
أشاء وأنا ذو الفضل العظيم .
وسنذكر ما يصدق كثيراً من هذا السياق مما سنورده من سورتي المائدة
والصف إن شاء الله وبه الثقة .
وقد روى أبو حذيفة إسحاق بن بشر بأسانيده عن كعب الأحبار ووهب بن
منبه وابن عباس وسلمان الفارسي ، دخَل حديثُ بعضهم في بعض ، قالوا : لما
بُعث عيسى بن مريم وجاءهم بالبينات جعل المنافقون والكافرون في بني إسرائيل
يعجبون منه ويستهزئون به فيقولون : ما أكل فلان البارحةَ وما ادخر في منزله ؟
فيخبرهم ، فيزداد المؤمنون إيماناً والكافرون والمنافقون شكاً(١) وكفراناً .
وكان عيسى مع ذلك ليس له منزلٌ يأوِي إليه ، إنما يَسِيح في الأرض ليس له قرار ولا
موضع يعرف به ، فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مرَّ ذاتَ يوم على امرأة قاعدة عند
قبر وهي تبكي فقال لها : ما لك ، أيتها المرأة ؟ فقالت: ماتت ابنةٌ لي لم يكن لي
ولد غيرها وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من
الموت أو يحييها الله لي فأنظر إليها . فقال لها عيسى : أرأيت إن نظرت إليها أراجعة
أنت ؟ قالت : نعم . قالوا : فصلى ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر فنادى يا فلانة
قومي بإذن الرحمن فاخرجي . قال : فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبرُ بإذن
الله ، ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب ، فقال لها عيسى : ما
أبطأ بك عني ؟ فقالت : لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكاً فرَّب خَلْقي
ثم(٢) جاءتني الصيحة الثانية فرجع إليَّ روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفْت
أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيامة ، ثم أقبلت
على أمها فقالت : يا أماه(٣) ما حملك على أن أذوق كربَ الموت مرتين يا أماه
اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا ، يا رُوح الله وكلمته سَلْ ربي أن يردني إلى
الآخرة وأن يهوّن علىَّ كربَ الموت . فدعا ربه فقبضها إليها واستوت عليها الأرض .
(١) ((أ)): شركاً.
(٢) ((أ)): فلما جاءتني.
(٣) ((أ)): يا أمتاه .
- ٦٩٣ -

فبلغ ذلك اليهودَ فازدادوا [عليه ](١) غضباً .
● وقدَّمنا في عَقِب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحيى لهم حام(٢) بن
نوح فدعا الله عز وجل وصلى فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا
فعاد تراباً(٣) .
وقد روى السُّدي عن أبي صالح وأبي مالك ، عن ابن عباس في خبر ذكره
وفيه أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل مات وحُمل على سريره فجاء عيسى عليه السلام
فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل ، فرأى الناس أمراً هائلاً ومنظراً عجيباً .
• وقال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿ إذ قال الله يا عيسى بنَ مريم اذكر
نعمتي عليكَ وعلى والدتك إذْ أيدتُكَ بروحِ القُدُسِ تكلِّم الناسَ في المهد وَكَهْلاً وإذ
علمتك الكتابَ والحكمة والتوراةَ والإِنجيل وإذ تَخْلق من الطين كهيئة الطير بإذني
فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذا تُخْرج الموتى
بإذني وإذ كفَفْتُ بني إسرائيل عنك إذا جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إنْ
هذا إلا سحر مبين * وإذا أوحيتُ إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد
بأننا مسلمون ﴾ (٤) .
• يذكِّره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خَلْقه إياه من غير أب ، بل من أم
بلا ذَكر ، وجعله له آية للناس ودلالةً علی کال قدرته تعالى ثم إرساله بعد هذا كله
وعلى والدتك ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة وإقامة البرهان على
براءتها مما نسبها إليه الجاهلون ولهذا قال: ﴿إذا أَيَّدْتُكَ بروح القُدُس ﴾ وهو جبريل
بإلقاء روحه إلى أمِّه وقَرْنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به ﴿ تكلِّمُ
(١) ليست في ((أ)) .
(٢) الأصل والمطبوعة : سام. والصواب ما أثبتناه .
(٣) انظر ص ١١١ من الجزء الأول من هذا الكتاب. وقد أورده الطبري في تاريخه ١٨٧/١ (ط
ليدن ) .
(٤) سورة المائدة ١١٠، ١١١ .
- ٦٩٤ -

الناسَ في المهد وَكَهْلاً﴾ أي تدعو الناس إلى الله في حال صِغرك في مهدك وفي
كهولتك ﴿وإذا علمتُكَ الكتابَ والحكمة ﴾ أي الخط والفهم . نص عليه بعض
السلف ﴿ والتوراة والإنجيل﴾ وقوله: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني
أي تصوره وتشكله من الطين على هيئة الطير عن أمر الله له بذلك ﴿ فتنفخ فيها
فتكون طيراً بإذني ﴾ أي بأمري يؤكد تعالى بذكر الإذن له في ذلك لرفع التوهّم.
وقوله: ﴿وَتُبْرِى الأَكْمَه﴾ قال بعض السلف وهو الذي يولد أعمى ولا
سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته ﴿والأبرص ﴾ هو الذي لا طبَّ فيه بل قد
مرض بالبرص وصار داؤه عضالاً ﴿ وإذا تُخْرِجُ المَوْتَى﴾ أي من قبورهم أحياءً
بإذني . وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مراراً متعددة بما فيه كفاية .
وقوله : ﴿وإذ كَففْتُ بني إسرائيل عنك إذا جئتَهم بالبينات فقال الذين
كفروا منهم إنْ هذا إلا سِحرٌ مبين﴾ وذلك حين أرادوا صَلْبه فرفعه الله إليه وأنقذه
من بين أظهرهم صيانةً لجنابه الكريم عن الأذى وسلامة له من الردَى .
وقوله: ﴿وإذ أوحيثُ إلى الحوارِّين أن آمِنُوا بي وبرسولي قالوا آمنًا واشهد
بأننا مسلمون﴾ قيل المراد بهذا الوحي وحي إلهام أي أرشدهم الله إليه ودلَّهم عليه
كما قال: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إلى النحل﴾(١) ﴿ وأوحينا إلى أمِّ موسى أنْ أرضعيه فإذا
خِفْتِ عليه فألقيه في اليم﴾(٢) وقيل المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم
لقبول الحق ولهذا استجابوا قائلين ﴿آمنًا وأشهد بأننا مسلمون ﴾ .
وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم أن جعل له أنصاراً
وأعواناً ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى لعبده
محمد عَّهِ: ﴿ هو الذي أيَّدك بنَصْرِهِ وبالمؤمنين وأُلَّف بين قلوبهم لو أنفقتَ ما في
الأرض جميعاً ما ألَّفْتَ بين قلوبهم ولكن الله ألَّف بينهم إنه عزيز حكيم﴾(٣) وقال
تعالى: ﴿ ويعلِّمه الكتابَ والحكمةَ والتوارةَ والإنجيل ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد
(١) سورة النحل ٦٨.
(٢) سورة القصص ٧ .
(٣) سورة الأنفال ٦٢، ٦٣ .
- ٦٩٥ -

جئتكم بآيةٍ من ربكم أني أخلقُ لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً
بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرَصَ وأحيى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما
تدَّخرون في بيوتكم إنَّ في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ، ومُصَدِّقاً لما بَيْن يديَّ من
التوراة ولأُحِلَّ لكم بعضَ الذي حُرِّم عليكم وجئتكم بآيةٍ من ربكم فاتقوا الله
وأطيعون . إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم . فلما أحسَّ عيسى منهم
الكفرَ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنًا بالله واشهد بأنا
مسلمون. ربَّنا آمنا بما أُنْزِلتَ واتَّبَعْنا الرسولَ فاكتبنا مع الشاهدين. ومكروا ومكر
الله والله خير الماكرين ﴾(١).
• كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهلَ ذلك الزمان ، فذكروا أن
موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء ، فبعث
بآيات بهرَت الأبصار وخضعت لها الرقاب ، ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر
وما ينتهي إليه وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل الذي لا يمكن صدوره إلا عمن
أَيَّده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقاً له ، أسلموا سِرَاعاً ولم يتلعثموا .
وهكذا عيسى بن مريم بُعث في زمن الطبائعية الحكماء ، فأرسل بمعجزات لا
يستطيعونها ولا يهتدون إليها ، وأنَّى لحكيم إبراء الأكمه الذي هو أسوأ حالاً من
الأعمى ، والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن ، وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى
أن يقيم الميت من قبره ؟ هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به
وعلى قدرة من أرسله .
• وهكذا محمد عَ ليه وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل
الله عليه القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من
حكيم حميد ، فلفظه مُعْجز تحدى به الإِنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعَشْر سور من
مثله أو بسورة ، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال ، فإن لم
يفعلوا ولن يفعلوا وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق عز وجل ، والله تعالى لا يشبهه شيء
(١) سورة آل عمران ٤٨ - ٥٤ .
- ٦٩٦ -

لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله .
والمقصود أن عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر
أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم ، فانتدب له من بينهم طائفة
صالحة فكانوا له أنصاراً وأعوانً بمتابعته ونُصْرته ومناصحته ، وذلك حين همَّ به بنو
إسرائيل ووشَوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان ، فعزموا على قتله وصَلْبه فأنقذه الله
منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم وألقى شَبَهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه
وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون ، وسلَّم لهم
كثير من النصارى ما ادعوه ، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون .
قال تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾(١) وقال تعالى :
وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسولُ اللهِ إليكم مصدّقاً لما بين يَديَّ
من التوراة ومبشِّراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا
سحرٌّ مبين . ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يُدْعَى إلى الإِسلام والله لا
يهدي القوم الظالمين . يريدون ليطفئوا نورَ الله بأفواههم والله مُتمُّ نوره ولو كره
الكافرون ﴾(٢) إلى أن قال بعد ذلك: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارَ الله كما قال
عيسى بن مريم للحوارِيِّين مَنْ أنصارِي إلى الله قال الحواريون نحن أنصارُ اللهِ . فآمنت
طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرت طائفةٌ فأيَّدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا
(٣)
ظاهرين﴾(٣).
فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد قام فيهم خطيباً فبشرهم
بخاتم الأنبياء الآتي بَعْدَه ونوَّه باسمه وذكَرلهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه ، إقامةً
للحجة عليهم وإحساناً من الله إليهم كما قال تعالى: ﴿الذين يَتَّبعون الرسولَ النبيَّ
الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن
المنكر ويُحلّ لهم الطيباتِ ويحرِّمُ عليهم الخبائثَ ويضع عنهم إصْرَهم والأغلالَ التي
(١) سورة آل عمران ٥٤
(٢) سورة الصف ٦ - ٨ .
(٣) سورة الصف ١٤.
- ٦٩٧ -

كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزَّرُوه ونصروه واتبعوا النُّور الذي أُنزل معه أولئك هم
المفلحون ﴾(١) .
قال محمد بن إسحاق : حدثني ثَور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن
أصحاب رسول الله عَ ليه أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك. قال :
(( دعوة أبي إبراهيم ويُشْرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور
أضاءت له قُصور بُصْرى من أرض الشام)).
وقد روي عن العِرْباض بن سارية وأبي أمامة عن النبي عَ ◌ّه نحو هذا وفيه :
((دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى)) (٢)
وذلك أن إبراهيم لمَّا بنى الكعبة قال: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾
الآية ولما انتهت النبوة في عهد إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيباً فأخبرهم أن النبوة
قد انقطعت عنهم وأنها بعده في النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق أحمد ،
وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة إسماعيل بن
إبراهيم الخليل عليهم السلام .
قال الله تعالى: ﴿ فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سِحْر مبين ﴾ يحتمل عَوْد
الضمير إلى عيسى عليه السلام ويحتمل عوده إلى محمد عبد له.
• ثم حرَّض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام وأهله ونصرة نبيه ومؤازرته
ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصارَ الله
كما قال عيسى بن مريمَ للحواربين مَنْ أنصارِي إلى الله ﴾ أي من يساعدني في الدعوة،
إلى الله ﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسمُّوا
(١) سورة الأعراف ١٥٧ .
(٢) في مسند أحمد ٢٦٢/٥ : سمعت أبا أمامة يقول: قلت يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك . قال :
(( دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام)). كما روي
نحوه عن العرباض بن سارية . المسند ١٢٧/٤، ١٢٨.
- ٦٩٨ -

بذلك النصارى قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائفةٌ من بني إسرائيل وكفَرَتْ طائفة ﴾
يعني لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى منهم من آمن ومنهم من كفر ،
وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السِّير والتواريخ
والتفسير ، بعث إليهم رسلاً ثلاثة ، أحدهم شمعون الصَّفا فآمنوا واستجابوا(١) وليس
هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية(٢) ، وكفر
آخرون من بني إسرائيل وهم [ جمهور](٣) اليهود فأَيَّد الله من آمن به على من كفر
فيما بعد وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: ﴿ إذ قال الله يا عيسى
إني متوفِّيك ورافعُكَ إليَّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوقَ الذين
كفروا إلى يوم القيامة ﴾(٤) الآية .
فكلُّ من كان إليه أقربَ كان غالباً(٥) لمن دونه ، ولمَّا كان قول المسلمين فيه
هو الحق الذي لا شك فيه ، من أنه عَبْد الله ورسوله كانوا ظاهرين على النصارى
الذي غلَوا فيه وأطْروه وأنزلوه فوق ما أنزله الله به .
ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود [ فيه ](٦) عليهم لعائن
الله ، كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة إلى زمن الإسلام وأهله .
(١) ((أ)): واستعجلوا .
(٢) راجع الجزء الأول من هذا الكتاب ص ٣٢٨.
(٣) ليست في ((أ)).
(٤) سورة آل عمران ٥٥ .
(٥) ((ط)): كان عالياً.
(٦) من ((أ)) .
- ٦٩٩ -

ذكر خبر المائدة
قال الله تعالى: ﴿ إذا قال الحوارُيُون يا عيسى بن مريمَ هل يستطيع ربك أن
يُنَزِّل علينا مائدةً من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين . قالوا نريد أن نأكل منها
وتطمئنَّ قلوبُنا ونَعْلم أنْ قَدْ صدَقْتنا ونكونَ عليها من الشاهدين . قال عيسى بن مريم
اللهم ربَّنا أنزلْ علينا مائدةً من السماء تكونُ لنا عِيداً لأولنا وآخِرنا وآيةً منك وارزُقْنا
وأنت خيرُ الرازقين . قال الله إني مُنَزِّها عليكم فمن يَكْفُرْ بَعْدُ منكم فإنّي أعذِّبُه
عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾(١) .
● وقد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسَلْمان
الفارسي وعمَّار بن ياسر وغيرهم من السلّف .
ومضمون ذلك : أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوماً ،
فلما أنتموها سألوا من عيسى إنزالَ مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك
قلوبهم أن الله قد تقبّل صيامهم وأجابهم إلى طَلِبتهم ، وتكون لهم عيداً يُفْطرون عليها
يوم فِطْرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم . فوعظهم عيسى عليه السلام
في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حقَّ شروطها فأبوا عليه إلا أن
يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل .
فلما لم يُقلعوا عن ذلك قام إلى مُصَلَّاه ولبس مِسْحاً من شَعْر وصَفَّ بين
قدميه وأطرقَ رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا
إلى ما طلبوا .
فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين ،
وجعلت تدنو قليلاً قليلاً ، وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمةً لا
نِقْمة وأن يجعلها بركةً وسلامة ، فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه
(١) سورة المائدة ١١٢ - ١١٤ .
- ٧٠٠ -
: