Indexed OCR Text

Pages 561-580

ابن عفان: ((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)).
وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوتَ فقال له : اخرجْ إليَّ
وأخرج إليك فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت(١) .
قال وهب بن منبه : فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذِكر ،
وخلعوا طالوت وولّوا عليهم داود . وقيل إن ذلك عن أمر شمويل حتى قال بعضهم إنه
ولَاه قبل الوقعة .
قال ابن جرير : والذي عليه الجمهور أنه إنما ولي ذلك بعد قتل جالوت .
والله أعلم (٢).
وروى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أن قتله جالوت کان عند قصر
أم حكيم وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية . فالله أعلم .
وقال تعالى: ﴿ولقد آتينا داودَ منا فَضْلاً يا جبالُ أوِّبي معه والطَّيْرَ وألَنَّا له
الحديدَ . أن اعمل سابغاتٍ وقدِّر في السَّرد واعملوا صالحاً إنِّي بما تعملون
بصير﴾(٢). وقال تعالى: ﴿وسخَّرنا مع داودَ الجبالَ يسبِّحن والطَّيْرَ وكنا
فاعلين . وعلمناه صَنْعَةَ لُبُوسٍ لكم لِتُحْصنكم من بأسكم فهل أنتم
﴾(٤) .
شاكرون
أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن(٥) المقاتلة من الأعداء
وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال: ﴿وَقَدِّر في السَّرد﴾ أي لا تُدِقَّ المسمارَ فِيُفْلوَ(٦)
(١) تاريخ الطبري ٥٦٢/١ ( ط ليدن ).
(٢) الذي في تاريخ الطبري ٥٦٢/١: ((وأما سائر من روينا عنه قولاً في ذلك فإنهم قالوا إنما ملك داود
بعد ما قتل طالوت وولده )) . وهذا يتضمن أيضاً أن ذلك كان بعد قتله جالوت .
(٣) سورة سبأ ١٠، ١١.
(٥) ((أ)) : لتحصين.
(٤) سورة الأنبياء ١٩ .
(٦) في صحيح البخاري في كتاب المناقب ١٢٠/٢ (ط الأميرية): لا تدق المسمار فيتسلسل . قال
القسطلاني: يقال تسلسل الماء إذا جرى . ولأبي ذر عن الكشمهيني : فيسلس : أي يستمسك .
إرشاد الساري ٣٩٦/٥ .
- ٥٦١ -

ولا تُغُلِظه فيُفْصم . قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة .
قال الحسن البصري وقتادة والأعمش : كان الله قد ألان له الحديد حتى كان
يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة . قال قتادة : فكان أولَ من عمل الدروع من
زَرْدٍ وإنما كانت قبل ذلك من صفائح . قال ابن شَوذب : كان يعمل كل يوم درعاً
يبيعها بستة آلاف درهم .
وقد ثبت في الحديث أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وأن نبي الله داود
كان يأكل من كسب يده(١) .
وقال تعالى: ﴿واذكر عَبْدنا داودَ ذا الأَيْدِ إنه أوَّاب. إنا سخَّرنا الجبالَ معه
يسبحن بالعشَيِّ والإشراق. والطَّير محشورةً كلّ له أوَّاب. وشَدَدْنا ملكه وآتيناه
الحكمة وفصلَ الخطاب﴾(٢).
قال ابن عباس ومجاهد : الأَيْد القوة في الطاعة . يعني ذا قوة في العبادة
والعمل الصالح . قال قتادة : أعطي قوةً في العبادة وفقهاً في الإِسلام . قال : وقد
ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر .
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله عَ لّه قال: ((أحبُّ الصلاة إلى الله
صلاة داود وأحبُّ الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام
سدسه ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفرّ إذا لاقى))(٣).
وقوله: ﴿ إنا سخَّرنا الجبالَ معه يسبِّحن بالعشِيِّ والإشراق والطيرَ محشورة
كلِّ له أوَّب﴾ كما قال: ﴿ يا جبالُ أوّبي معه والطير ﴾ أي سبحي معه . قال ابن
عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية ﴿ إنا سخرنا الجبالَ معه يسبِّحن
(١) صحيح البخاري كتاب البيوع باب كسب الرجل وعمله بيده ٢٨٩/١ (ط الأميرية) ونصه: عن
المقدام رضي الله عنه عن رسول الله عَ لَّه قال: ((ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل
يده . وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده )).
(٢) سورة ص ١٧ - ٢٠ .
(٣) صحيح البخاري كتاب المناقب ١٢٠/٢ (ط الأميرية). وصحيح مسلم كتاب الصوم باب النهي
عن صوم الدهر .
- ٥٦٢ -

بالعشي والإشراق﴾ أي عند آخر النهار وأوله ، وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من
الصوت العظيم ما لم يعطَه أحد بحيث إنه كان إذا ترثَّم بقراءة كتابه يقف الطيرُ في
الهواء يُرجِّع بترجيعه ويسبّح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبّح معه كلما سبَّح
بكرةً وعَشيًّا ، صلوات الله وسلامه عليه .
وقال الأوزاعي : حدثني عبد الله بن عامر قال : أعطي داود من حسن
الصوت ما لم يعطَ أحد قط ، حتى إن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت
عطشاً وجوعاً وحتى إن الأنهار لتقف ! وقال وهب بن منبه : كان لا يسمعه أحد
إلا حجّل كهيئة الرقص ، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله فيعكف(١)
الجن والإنس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعاً . وقال أبو عوانة
الأسفراييني : حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدثنا محمد بن منصور الطُّوسي سمعت
صبيحاً أبا تراب رحمه الله (٢) قال أبو عوانة: وحدثني أبو العباس المدني ، حدثنا
محمد بن صالح العدَوي حدثنا سيَّار هو ابن حاتم عن جعفر ، عن مالك ، قال :
كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى [ وهذا غريب](٣).
وقال عبد الرزاق عن ابن جُريج ، سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال :
وما بأس ذلك ؟ سمعت عُبَيدَ بن عمر يقول : كان داود عليه السلام يأخذ المِعْزفة
فيضرب بها فيقرأ عليها فتردّ عليه صوته يريد بذلك أن يبكي وتبكي (٤).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن
عروة، عن عائشة قالت: سمع رسول الله عَ لّه صوتَ أبي موسى الأشعري وهو يقرأ
فقال لقد أوتي أبو موسى من مزامير (٦) آل داود .
(١) ((أ)) : لتعتكف.
(٢) كذا في ((أ)). وفي المطبوعة محرفة: أنبأنا برادح!
(٣) ليست في ((أ)).
(٤) يحتاج هذا الكلام إلى نظر وتحقيق . فلم يثبت من طريق صحيح أنه كان يقرأ على صوت المعازف وإنما
الذي صح أنه کان حسن الصوت .
(٦) (( أ)): من مزامر. وهو تحريف والحديث بهذه الرواية في مسند أحمد ١٦٧/٦ وبرواية أخرى عن
عائشة ٣٧/٦ ( ط الميمنية ) .
- ٥٦٣ -

وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه .
وقال أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمر ،
عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله عَ لّه قال: ((لقد أعطي أبو موسى من
مزامير داود))(١) .
على شرط مسلم .
وقد روينا عن أبي عثمان النَّهدي(٢) أنه قال: لقد سمعت البربط والمزمار، فما
سمعت صوتاً أحسن من صوت أبي موسى الأشعري .
وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابة الزبور ، كما قال الإِمام
أحمد : حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر ، عن همَّام عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله عَ لَّه ((خفّف على داود القراءة، فكان يأمر بدابته فتُسرج فكان يقرأ
القرآن من قبل أن تسرج دابته ، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه)).
وكذلك رواه البخاري منفرداً به عن عبد الله بن محمد ، عن عبد الرزاق به .
ولفظه: (( خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسْرج فيقرأ القرآن قبل أن
تسرج دوابه ، ولا يأكل إلا من عمل يديه)) (٣).
ثم قال البخاري: ورواه موسى بن عقبة (٤)، عن صفوان ، هو ابن سليم ،
عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة عن النبي عَّم.
وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في تاريخه من طرق عن
إبراهيم بن طَهْمَان ، عن موسى بن عقبة ، ومن طريق أبي عاصم عن أبي بكر
السَّبْريّ(٥) ، عن صفوان بن سليم به .
(١) مسند أحمد ٣٦٩/٢ باختلاف في الإسناد .
(٢) المطبوعة: الترمذي، محرفة. وما أثبته من ((أ)).
(٣) صحيح البخاري كتاب المناقب ١٢٠/٢ (ط الأميرية).
(٤) ((أ): ابن عيينة. محرفة. وانظر صحيح البخاري ١٢٠/٢ (ط الأميرية).
(٥) نسب إلى جده وقد ذكره ابن الأثير في اللباب ٥٢٩/١ وقال: وكان ممن يروي الموضوعات عن
الثقات لا يحتج به وقيل كان يضع الحديث .
- ٥٦٤ -

والمراد بالقرآن ها هنا الزبور الذي أنزله عليه وأوحاه إليه ، وذكر رواية (١) أشبه
أن يكون محفوظاً فإنه كان ملكاً له أتباع ، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تُسرج
الدواب ، وهذا أمر سريع مع التدبر والترّم والتغني به على وجه التخشع ، صلوات
الله وسلامه عليه .
وقد قال الله تعالى: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ (٢) والزبور كتاب مشهور وذكرنا
في التفسير الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان ، وفيه من
المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه .
وقوله : ﴿وشدَدْنا مُلْكَه وآتيناه الحكمةَ وفَصْل الخطاب﴾ أي أعطيناه
ملكاً عظيماً وحكماً نافذاً .
روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا إلى داود عليه
السلام في بقرة ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه . فأنكر المدعى عليه فأرجأ
أمرهما إلى الليل ، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يقتل المدعي ، فلما أصبح قال له
داود : إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك فأنا قاتلك لا محالة ، فما خَبرك فيما ادعيته
على هذا ؟ قال : والله يا نبي الله إني لمحق فيما ادعيت عليه ، ولكني كنت اغتَلْتُ
أباه قبل هذا . فأمر به داود فقُتل . فعظُم أمر داود في بني إسرائيل جداً وخضعوا له
خضوعاً عظيماً . قال ابن عباس وهو قوله تعالى: ﴿وشددن مُلْكه ) وقوله
تعالى: ﴿وآتيناه الحكمة﴾ أي النبوة ﴿وفصل الخطاب﴾. قال شُريح والشَّعبي
وقتادة وأبو عبد الرحمن السُّلمي وغيرهم: فصل الخطاب والشهود والأيمان. يعنون
بذلك: (( البَيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر)) وقال مجاهد والسُّدي: هو إصابة
القضاء وفهمه . وقال مجاهد : هو الفصل في الكلام وفي الحكم . واختاره ابن
جرير(٣) .
(١) كذا بالأصل ولعله : وذكره له أشبه .
(٢) سورة النساء ١٦٣ .
(٣) تفسير الطبري ١٤١/٢٣ ونصه : في القضاء والمحاورة والخطب.
- ٥٦٥ -

وهذا لا ينافي ما روي عن أبي موسى أنه قول: ((أما بعد)).
وقال وهب بن منبه : لما كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أعطي
داود سلسلةً لفصل القضاء . فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس ،
وكانت من ذهب ، فإذا تشاجر الرجلان في حقَّ فأيهما كان مُحِقًّا نالها والآخر لا
يصل إليها . فلم تزل كذلك حتى أودع رجلٌ رجلاً لؤلؤة فجحدها منه وأخذ عكازاً
وأودعها فيه ، فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعي فلما قيل للآخر خذها بيدك
عمد إلى العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلؤة وقال : اللهم إنك تعلم أني دفعتها
إليه . ثم تناول السلسلة فنالها . فأشكل أمرها على بني إسرائيل . ثم رفعت سريعاً من
بينهم .
ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين . وقد رواه إسحق بن بشر عن إدريس بن
سنان عن وهب به بمعناه .
﴿ وهل أتاك نبؤ الخصم إذْ تَسَوَّروا المحرابَ، إذ دخلوا على داود ففزِع منهم
قالوا لا تخَف خَصْمان بغَى بعضُنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تُشْطط واهدنا
إلى سواء الصراط . إن هذا أخي له تِسْعٌ وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ، فقال
اكْفلنيها وعَّني في الخطاب . قال لقد ظلَمك بسؤال نَعْجتك إلى نِعاجه وإنّ كثيراً
من الخُلَطَاءِ لَيبغي بعضُهم على بعض ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما
هم ، وظن داودُ أنما فتنَّه فاستغفر ربه وخرَّ راكعاً وأناب . فغفرنا له ذلك وإن له
عندنا لزلفى وحسنَ مَآب﴾(١).
● وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف ها هنا قصصاً وأخباراً
أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة . تركنا إيرادها في كتابنا قصداً
واكتفاءً واقتصاراً على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم ، والله يهدي من يشاء إلى
صراط مستقيم.
(١) سورة ص ٢١ - ٢٥ .
- ٥٦٦ -

وقد اختلف الأئمة في سجدة (( ص)) : هل هي من عزائم السجود أو إنما
هي سجدة شُكر ليست من عزائم السجود ؟ على قولين :
قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي ،
عن العوام ، قال: سألت مجاهداً عن سجدة (( ص)) فقال: سألتُ ابن عباس من
أين سجدت ؟ قال: أوما تقرأ: ﴿ ومن ذريته داود وسليمان﴾ ﴿أولئك الذين
هدى الله فبهداهم اقتده﴾ فكان داود ممن أُمِر نبيكم عَ له أن يقتدي به فسجدها
داود عليه السلام فسجدها رسول الله عَ لّمٍ (١).
وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا إسماعيل هو ابن عُلَيَّة ، حدثنا(٢) أيوب ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال في السجود في (( ص)): ليست من عزائم
السجود. وقد رأيت رسول الله عَ لم يسجد فيها(٣).
وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أيوب وقال
الترمذي : حسن صحيح (٤).
وقال النسائيّ : أخبرني إبراهيم بن الحسن المِقْسَميّ ، حدثنا حجاج بن
محمد، عن عمرو(٥) بن ذر، عن أبيه ، عن سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عباس أن
النبي عَبٍّ سجد في ((ص)) وقال: ((سجدها داودُ توبةً ونسجدها شكراً)) (٦).
تفرَّد به أحمد(٧) ورجاله ثقات .
وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن
الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح ،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قرأ رسول الله عَ لمه وهو على المنبر ((ص)) فلما بلغ
(١) صحيح البخاري كتاب التفسيرة صورة ((ص)) ٣٥٦/٢ (ط الأميرية).
(٢) الأصل : عن أيوب . وما أثبته من المسند .
(٣) المسند ٣٦٠/١.
(٤) سنن الترمذي كتاب الصلاة باب ما جاء في السجدة في (( ص)) حديث رقم ٥٥٧ .
(٥) الأصل : عن عمر . وما أثبته من سنن النسائي.
(٦) سنن النسائي كتاب الافتاح باب سجود القرآن ١٥٩/٢.
(٧) كذا بالأصل ولعل الصواب : تفرد به النسائي لأن الرواية عنه .
- ٥٦٧ -

السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة
تشرَّن (١) الناسُ للسجود فقال: (( إنما هي توبةُ نبي ولكن رأيتكم تشرَّتم (٢) فنزل
وسجد)) .
تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح .
وقال الإِمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا حميد ،
حدثنا بكر ، هو ابن عَمْرو أبو الصِّديق الناجي (٣) أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري
رأى رؤيا أنه يكتب ((ص)) فلما بلغ إلى التي يسجد بها (٤) رأى الدواة والقلم وكل
شيء بحضرته انقلب ساجداً. قال: فقصها على النبي عَ لّم فلم يزل يسجد بها
بعد .
تفرد به أحمد (٥) .
وروى الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خُنَيْس ، عن الحسن
ابن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد ، قال : قال لي ابن جُريح حدثني جدك عبيد الله
ابن أبي يزيد ، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي عَ ◌ّم فقال: يا رسول الله
إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة ، فقرأت السجدة فسجدت
الشجرةُ بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: (( اللهم اكتب لي بهذا أجراً
واجعلها عندك ذخراً وضع عني بها وِزْراً ، واقبلها كما قبلتَ من عبدك داود)).
قال ابن عباس: فرأيت النبي عَ ليه قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته
يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة .
ثم قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٦).
(١) كذا في ((أ)) موافقاً لسنن أبي داود ٢٢٣/١. ومعنى تشزن: انتصب وتهيأ وفي المطبوعة: تشرف .
محرفة .
(٢) المطبوعة: تشرفتم. محرفة. وما أثبته من ((أ)).
(٣) حرفت في المطبوعة والمطبوعات المزورة إلى: هو ابن عمر وأبو الصديق الناجي . وانظر اللباب
٢٠٥/٣ واسمه فيه: بكر بن قيس الناجي. والمشتبه للذهبي ٦٢٨/٢. وقد ورد الاسم في المسند :
حدثني بكر . وهذا التعريف بنسبه من ابن كثير .
(٤) المسند : فلما بلغ إلى سجدتها .
(٥) المسند ٧٨/٣. وقد أورده بسند آخر عن أبي سعيد أيضاً في ٨٤/٣ .
(٦) سنن الترمذي ، كتاب الدعوات باب ما يقول في سجود القرآن حديث رقم ٣٤٢٤ باختلاف يسير.
قال الترمذي : وفي الباب عن أبي سعيد .
- ٥٦٨ -

وقد ذكر بعض المفسرين أنه عليه السلام مكث ساجداً أربعين يوماً وقاله
مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع ، لكنه من رواية يزيد الرَّقَاشي
وهو ضعيف متروك الرواية .
قال الله تعالى: ﴿فغفرنا له ذلك، وإنَّ له عندنا ◌َزُلْفى وحُسْنَ مَآب ﴾
أي إن له يوم القيامة لُزُلْفَى ، وهي القُربة التي يقربه الله بها ويُدْنيه من حظيرة قدسه
بسببها، كما ثبت في حديث: (( المُقْسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ،
وكلتا يديه يمين ، الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولَوا (١)
وقال الإِمام أحمد في مسنده : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا فضيل ، عن
عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إن أحبَّ الناس إلى
الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمامٌ عادل ، وإن أبغضَ الناس إلى الله يوم القيامة
وأشدهم عذاباً إمام جائر))(٢) .
وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغرّ به وقال لا نعرفه
مرفوعاً إلا من هذا الوجه(٣).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعة ، حدثنا عبد الله بن أبي زياد ، حدثنا
سيَّار ، حدثنا جعفر بن سليمان ، سمعت مالك بن دينار في قوله : ﴿ وإن له عندنا
◌َزُلْفَى وحُسْنَ مآب﴾ قال : يقوم (٤) داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش
فيقول(٥) الله: يا داود مجِّدني اليومَ بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت
تمجدني في الدنيا ، فيقول : وكيف قد سَلبته ؟ فيقول: إني أردُّه عليك اليوم . قال :
فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان .
(١) مسند أحمد ١٦٠/٢.
(٤) ((أ)): يقام.
(٢) مسند أحمد ٢٢/٣. وفيه: ((وأشده عذاباً .. )).
(٥) ((أ)): ثم يقول.
(٦) ((أ)): الجنة.
(٣) سنن الترمذي كتاب الأحكام حديث رقم ١٣٢٩.
- ٥٦٩ -

يا داود إنا جعَلْناك خليفةً في الأرض فاحكُمْ بين الناس بالحق ولا تتبع
الهَوَى فُيُضِلَّك عن سبيل الله إن الذين يَضِلُّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما
نسُوا يومَ الحساب﴾(١) .
هذا خطاب من الله تعالى مع داود ، والمراد ولاة الأمور وحُكام الناس ،
وأمّرهم بالعدل واتباع الهوى المنزل من الله ، لا ما سواه من الآراء والأهواء ، وتوعَّد من
سَلَك غير ذلك وحكَم بغير ذلك ، وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في
ذلك الزمان(٢) في العدل ، وكثرة العبادة وأنواع القربات، حتى إنه كان لا يمضي
ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلاً ونهاراً كما قال تعالى :
اعملوا آلَ داودَ شُكراً وقليلٌ مِنْ عبادي الشكور﴾(٣).
قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسَّام ، حدثنا
صالح المِّي (٤) عن أبي عمران الجَوْنِي عن أبي الجلد ، قال: قرأت في مسألة داود
عليه السلام أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا
بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: (( أنْ يا داود ألستَ تعلم أن الذي بك من النعم
مني ؟ قال : بلى يا رب . قال : فإني أرضى بذلك منك)).
وقال البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو بكر بن بالويه ، حدثنا
محمد بن يونس القرشي ، حدثنا رَوْح بن عبادة ، حدثني عبد الله بن لاحق ، عن
ابن شهاب قال: قال داود: (( الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جلاله . فأوحى
الله إليه : إنك أَثْعَبْتَ الحفظَة يا داود!))
ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد ، عن الثوري مثله .
وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد : أنبأنا سفيان الثّوري ، عن رجل ،
(١) سورة ص ٢٦ .
(٢) ((ط)): الوقت .
(٣) سورة سبأ ١٣ .
(٤) المطبوعة : المزي . محرفة . وهو صالح بن بشير المزي ، مولاهم ، البصري نسب إلى مرة بن الحارث بن
عبد القيس . اللباب ١٢٩/٣ .
- ٥٧٠ -

عن وهب بن منبه ، قال: إن في حكمة آل داود: حقّ(١) على العاقل أن لا يَغفل
عن أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربَّه ، وساعة يحاسب فيها نفسَه ، وساعة
يُفْضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويَصْدقونه عن نفسه ، وساعة يخلِّي بين
نفسه وبين لذاتها فيما يَحِلُّ وَيَجْمُل فإن هذه الساعةَ عَوْنٌ على هذه الساعات
وإجمام للقلوب ، وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويُقبل على شأنه ،
وحق على العاقل أن لا يَظْعن إلا في إحدى ثلاث : زادٌ لمعاده ومرّة لمعاشه ، ولذة
في غير مُحرم .
وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا ، عن أبي بكر بن أبي خيثمة ، عن ابن
مهدي ، عن سفيان ، عن أبي الأغر ، عن وهب بن منبه ، فذكره . ورواه أيضاً عن
علي بن الجعد ، عن عمر بن الهيثم الرقاشي عن أبي الأغر عن وهب بن منبه فذكره .
وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته . قاله ابن عساكر .
وقال عبد الرزاق : أنبأنا بشر بن رافع ، حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له
أبو عبد الله ، قال : سمعت وهب بن منبه ، فذكر مثله . وقد أورد(٢) الحافظ ابن
عساكر في ترجمة داود عليه السلام أشياء كثيرة مليحة منها قوله : كن لليتيم كالأب
الرحيم ، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد .
وروى بسند غريب مرفوعاً قال داود : يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها
وحسَكها .
وعن داود عليه السلام أنه قال : مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل
المغنِّي عند رأس الميت . وقال أيضاً : ما أقبح الفقر بعد الغنَى وأقبح من ذلك
الضلالة بعد الهدى . وقال : انظر ما تكره أن يُذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله
إذا خلَوت .
(١) ((أ)) : وحق .
(٢) (( ط)) : روى.
- ٥٧١ -

وقال : لا تَعِدنَّ (١) أخاك بما لا تنجزه له فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه .
وقال محمد بن سعد : أخبرنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثني هشام بن
سعد ، عن عمر مولى غُفْرة(٢)، قال: قالت يهود، لما رأت رسول الله عَّةٍ يتزوج
النساء : انظروا إلى هذا الذي لايشبع من الطعام ولا والله ما له هِمَّة إلا إلى النساء .
حسدوه(٣) لكثرة نسائه وعابوه بذلك فقالوا لو كان نبياً ما رغب في النساء . وكان
أشدهم في ذلك حُيَي بن أخطب ، فأُكْذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على
نبيه صلوات الله وسلامه عليه فقال: ﴿ أَمْ يَحْسُدون الناس على ما آتاهم الله
من فضله﴾ يعني بالناس رسول الله عَ ليه ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة
وآتيناهم مُلْكاً عظيماً ﴾(٤) يعني ما آتى الله سليمان بن داود كان له ألف امرأة .
سبعمائة مَهِيرةٍ(٥) وثلاثمائة سُرّية ، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة منهن أوريا
أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة هذا(٦) أكثر مما لمحمد عبد القيوم (٧).
وقد ذكر الكلبي نحو هذا وأنه كان لداود عليه السلام مائة امرأة ولسليمان
ألف امرأة ، منهن ثلاثمائة سرية .
وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروي عن ابن عباس
من طريق الفرج بن فَضالة الحِمْصي ، عن أبي هريرة الحمصي ، عن صدقة
الدمشقي ، أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام فقال : لأحدثنك بحديث كان
عندي في البحث مخزوناً ، إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صوَّاماً قواماً وكان
شجاعاً لا يفرّ إذا لاقى، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وقال رسول الله ع ◌َلَّهٍ:
(١) ((أ)): لا تواعد .
(٢) الأصل والمطبوعة : عفرة . وما أثبته من طبقات ابن سعد .
(٣) الطبقات : وحسدوه .
(٤) سورة النساء : ٥٤ .
(٥) كذا في ((أ)) موافقاً لطبقات ابن سعد ٢٠٢/٨ . وفي المطبوعة: مهرية. والمهيرة: الحرة الغالية
المهر .
(٦) الطبقات : فهذا .
(٧) طبقات ابن سعد ٢٠٢/٨ ( ط صادر).
- ٥٧٢ -

((أفضل الصيام صيام داود )) وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكوِّن فيها ، وكانت له
ركعة من الليل يبكي فيها نفسه ويبكي ببكائه كل شيء ويصرف بصوته المهموم
والمحموم .
وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة
أيام ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام
ويختمه بصيام .
وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم ، فإنه كان يصوم
الدهر ويأكل الشعير ويلبس الشَّعر، يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقدَ ، ليس له ولد
يموت ولا بيت يَخْرِب ! وكان أينما أدركه الليل صفَّ بين قدميه وقام يصلي حتى
يصبح ، وكان رامياً لا يفوته صيد يريده ، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم
حوائجهم .
وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأُمي محمد عَّةٍ فإنه كان يصوم من
كل شهر ثلاثة أيام ويقول إن ذلك صوم الدهر .
وقد روى الإمام أحمد عن أبي النضر ، عن فرج بن فضالة ، عن أبي هَرٍم
عن صدقة عن ابن عباس مرفوعاً في صوم داود(١).
ذكر كمية حياته وكيفية وفاته
قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من
ظهره فرأى فيهم الأنبياء عليهم السلام ورأى فيهم رجلاً يُزهر فقال : أي رب من
هذا؟ قال : هذا ابنك داود . قال : أي رب: كم عمره ؟ قال : ستون عاماً .
قال : أي رب زد في عمره . قال : لا إلا أن أزيده من عمرك . وكان عمر آدم ألف
عام فزاده أربعين عاماً فلما انقضى عمر (٢) آدم جاءه ملك الموت فقال : بقي من
(١) المسند ٣١٤/١.
(٢) ((أ)): عمره.
a
- ٥٧٣ -
٠

عمري أربعون سنة ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود
مائة سنة .
رواه أحمد عن ابن عباس ، والترمذي وصححه عن أبي هريرة ، وابن خزيمة
وابن حبان . وقال الحاكم : على شرط مسلم . وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة
آدم (١).
قال ابن جرير : وقد زعم أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعاً وسبعين
سنة(٢) . قلت : هذا غلط مردود عليهم ، قالوا : وكانت مدة ملكه أربعين سنة ،
وهذا قد يُقبل نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه .
وأما وفاته عليه السلام فقال الإمام أحمد في مسنده : حدثنا قتيبة(٣) حدثنا
يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد عن (٤) عمرو بن أبي عمرو ، عن المطّلب، عن أبي
هريرة، أن رسول الله عَ لمه قال: كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة فكان إذا
خرج أَغْلَق الأبواب (٥) فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع . قال: فخرج ذات يوم
وغلقت الدار فأقبلت امرأته تَطلّع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار ، فقالت لمن في
البيت : من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة ؟! والله لنفتضحن بداود(٦). فجاء
داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود : من أنت ؟ فقال : أنا الذي لا
أهاب الملوك ولا أُمنع(٧) من الحجاب . فقال داود : أنت والله إذن ملك الموت
(١) في الجزء الأول من هذا الكتاب ص ٥٥ - ٥٦ . وقد سبق تخريجه هناك .
(٢) تاريخ الطبري ٥٧٢/١ ( ط ليدن ) .
(٣) المطبوعة: قبيصة. محرفة. وما أثبته من ((أ)) والمسند.
(٤) المطبوعة : بن عمرو . محرفة . وبهذا التحريف نقلها من ادعى الرجوع إلى المسند ممن ادعوا تحقيق هذا
الكتاب .
(٥) المسند : أغلقت الأبواب . وليس في رواية ابن كثير: أغلق الأبواب. تحريف . كما ادعى أحد الذين
زعموا تحقيق هذا الكتاب ! فهذا مبني للمعلوم وذاك للمجهول .
(٦) المسند : لتفتضحن .
(٧) المسند : ولا يمتنع مني شيء .
- ٥٧٤ -

مرحباً بأمر الله . فرمل داود مكانه(١) حتى قبضت روحه (٢)[ فلما غسل
وكفن](٣) وفُرغ من شأنه طلعت عليه الشمس ، فقال سليمان للطير : أظلي على
داود . فأظلته الطير حتى أظلمت عليه(٤) الأرض ، فقال سليمان للطير : اقبضي
جناحاً [جناحاً](٥). قال أبو هريرة: فطفق رسول الله عَ لم يرينا كيف فعلت
الطير، وقبض رسول الله عَ لّه بيده، وغلبت عليه يومئذ المَضْرَحِيَّة.
انفرد بإخراجه الإِمام أحمد (٦) وإسناده جيد قوي رجاله ثقات ، ومعنى قوله :
((وغَلبت عليه يومئذ المَضْرَحية)) أي وغلبت على التظليل عليه المضْرحية وهي
الصقور الطوال الأجنحة واحدها مَضْرَحيّ . قال الجوهري : وهو الصقر الطويل
الجناح(٧) .
وقال السُّدي عن أبي مالك ، عن ابن مالك ، عن ابن عباس قال : مات
داود عليه السلام فجأة وكان بسبت ، وكانت الطير تظله . وقال السدي أيضاً ، عن
أبي مالك وعن سعيد بن جبير قال : مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة .
وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن أبي عُرُوبة ، عن قتادة ، عن الحسن ،
قال : مات داود عليه السلام وهو ابن مائة سنة ومات يوم الأربعاء فجأة . وقال أبو
السكن الهجري : مات إبراهيم الخليل فجأة وداود فجأة وابنه سليمان فجأة صلوات
الله وسلامه عليهم أجمعين .
رواه ابن عساكر .
(١) كذا في ((أ)) موافقاً للمسند وفي المطبوعة: ثم مكث حتى قبضت روحه .
(٢) ((أ)» : نفسه .
(٤) المسند : عليهما .
(٥) من المسند .
(٣) ليس في المسند .
(٦) مسند أحمد ٤١٩/٢.
(٧) المضرحية هكذا بالضاد المعجمة في طبعتنا السابقة ، وكما هو منصوص عليه في كتب اللغة ومن المؤسف
أن أحد الأدعياء - ممن وضعوا أسماءهم على كتابنا هذا ظلماً - زعم أنه استدرك علينا خطأ وقعنا
فيه ، وأنه تبين له ذلك من الرجوع إلى المسند ! وأن الصواب : المصرحية : بالصاد !! وهذا عجب
من العجب أن يصبح التراث الإسلامي متداولاً في أيدي هؤلاء العابثين ولو أنه رجع إلى القاموس
المحيط مادة ( ضرح ) لوجد فيها النص على أن الكلمة بالضاد وكل ما في الأمر أن طبعة المسند قد
سقطت منها نقطة الضاد . وهو تحريف .
- ٥٧٥ -

وروي عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه فقال له : دعني
أنزل أو أصعد. فقال يا نبي الله قد نفدت السنون والشهور والآثار والأرزاق . قال :
فخرَّ ساجداً على مَرْقَاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد .
وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا وافر بن سليمان ، عن أبي سليمان الفلسطيني
عن وهب بن منبه قال : إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام فجلسوا في
الشمس في يوم صائف قال : وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم
البرانس سوى غيرهم من الناس ، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد
كانت بنو إسرائيل أشد جزءاً عليه منهم على داود . قال : فآذاهم الحر فنادوا
سليمان عليه السلام أن يعمل(١) لهم وقاية لما أصابهم من الحر ، فخرج سليمان
فنادى الطير فأجابت فأمرها أن تظل(٢) الناس، فتراصَّ بعضها إلى بعض من كل
وجه ، حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غمًّا فصاحوا إلى سليمان عليه
السلام من الغم ، فخرج سليمان فنادى الطير أن أظلي الناس من ناحية الشمس
وتنخَّيْ عن ناحية الريح . ففعلت فكان الناس في ظل تهب(٣) عليهم الريح ، فكان
أول ما رأوه من ملك سليمان .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع ، حدثني الوليد بن
مسلم ، عن الهيثم بن حميد ، عن الوضِين بن عطاء ، عن نصر بن علقمة ، عن
جبير بن نُفَير ، عن أبي الدرداء. قال: قال رسول الله عَ له: لقد قبض الله داود
بين أصحابه ما فُتنوا ولا بدَّلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سنَنه وهَذْيه مائتي
سنة
هذا حديث غريب وفي رفعه نظر ، والوضين بن عطاء كان ضعيفاً في
الحديث . والله أعلم .
(١) ((أ)): يعجل.
(٢) ((أ)): فأظلت .
(٣) ((ط)) : وتهب .
- ٥٧٦ -

قصة سليمان بن داود عليهما السلام
قال الحافظ ابن عساكر : وهو سليمان بن داود بن إيشا بن عويد بن عابر
ابن سلمون بن تخشون بن عمينا اداب(١) بن إرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبي الربيع نبي الله بن نبي الله(٢).
جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق . قال ابن ماكولا : فارص بالصاد
المهملة ، وذكر نسبه قريباً مما ذكره ابن عساكر .
قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثِ سُليمانُ داودَ وقال يا أيها الناس عُلِّمنا منطقَ الطير
وَأُوتينا من كل شيء إنَّ هذا لهو الفَضْل المبين﴾(٣).
أي ورثه في النبوة والملك ، وليس المراد ورثه في المال ، لأنه قد كان له
بنون غيره ، فما كان ليُخصَّ بالمال دونَهم ، ولأنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه
عن جماعة من الصحابة أن رسول الله عَ لّم قال: ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة))
وفي لفظة: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورَث)) (٤) فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء
لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم ، بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم على
الفقراء والمحاويخ لا يخصون بها أقرباءهم ، لأن الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم
من ذلك كما هي عند الذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم ﴿ وقال يا أيها الناس عُلِّمنا
مَنْطِقَ الطير وأوتينا من كل شيء ﴾ يعني أنه عليه السلام كان يعرف ما تتخاطب به
الطيور بلغاتها ويعبِّر للناس عن مقاصدها وإراداتها .
(١) تقدم في نسب داود : ابن عمينا دب .
(٢) تهذيب ابن عساكر ١٩٠/٥.
(٣) سورة النمل ١٦.
(٤) صحيح البخاري كتاب الجهاد باب فرض الخمس ٦٧/٢ (ط الأميرية).
- ٥٧٧ -

وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا علي بن
حشَّاد ، حدثنا إسماعيل بن قتيبة ، حدثنا علي بن قدامة ، حدثنا أبو جعفر
الأُسْتُوائيّ(١) ، يعني محمد بن عبد الرحمن ، عن أبي يعقوب العَمِّي ، حدثني أبو
مالك ، قال مَرَّ سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه :
أتدرون ما يقول ؟ قالوا : وما يقول يا نبي الله ؟ قال: يخطبها إلى نفسه ويقول
زوّجيني أُسكنك أيَّ غُرف دمشق شئتِ ! قال سليمان عليه السلام: لأن غرف
دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد ولكن كل خاطب كذَّاب !
رواه ابن عساكر عن أبي القاسم زاهر بن طاهر ، عن البيهقي به .
وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات ، والدليل على هذا
قوله بعد هذا من الآيات: ﴿ وأوتينا من كل شيء﴾ أي من كل ما يحتاج الملك إليه
من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش
والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات
والصامتات ثم قال: ﴿ إن هذا لهو الفضل المبين﴾ أي من بارى البرِيَّات وخالق
الأرض والسموات كما قال تعالى :
﴿ وحُشِر لسليمانَ جُنودُه من الجنِّ والإِنس والطير فهم يُوزَعُون . حتى إذا
أتوا على وادي النمل قالت نملةٌ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يَحْطِمَنَّكُمْ سليمانُ
وجنودُه وهم لا يَشْعرون. فتبسَّم ضاحكاً مِنْ قَوْلها وقال ربِّ أَوْزِعِني أن أَشْكُرَ
نعمتك التي أنعمتَ عليّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في
(٢)
عبادك الصالحين
.
يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام
أنه ركب يوماً في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير ، فالجن والإنس يسيرون معه
والطير سائرة معه تُظلّه بأجنحتها من الحر وغيره ، وعلى كلٍّ من هذا الجيوش الثلاثة
(١) الأصل والمطبوعة: الأسواني. محرفة. وما أثبته من اللباب ٥٢/١ بتحقيقنا. قال : أبو جعفر محمد
بن بسطام بن الحسن الأستوائي الأديب .
(٢) سورة النمل ١٧ - ١٩ .
- ٥٧٨ -

وزَعَةٌ أي نُقباء يردُّون أولَه على آخره ، فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه
ولا يتأخر [ عنه ](١) .
قال الله تعالى: ﴿ حتى إذا أتُوْا على وادِي النمل قالت نملةٌ يا أيها النمل ادخلوا
مَساكنكم لا يَحْطِمنكم سليمانُ وجنوده وهم لا يشعرون﴾ فأمرت وحذَّرت
واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور .
وقد ذكر وهب أنه مرَّ وهو على البساط بوادٍ بالطائف وأن هذه النملة كان
اسمها جرسا ، وكانت من قبيلة يقال لها بنو الشَّيْصبان وكان عرجاء وكانت بقدر
الذئب !
وفي هذا كله نظر ، بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكباً في
خيوله وفرسانه ، لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط لأنه لو كان
كذلك لم ينل النملَ منه شيء ولا وطء ، لأن البساط كان(٢) عليه جميع ما يحتاجون
إليه من الجيوش والخيول والجمال والأثقال والخيام والأنعام والطير من فوق ذلك كله ،
كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى .
• والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لأُمَّتها من
الرأي السديد والأمر الحميد ، وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور
بما أطلعه الله عليه دون غيره ، وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت
تنطق قبل سليمان وتخاطب الناس حتى أخذ عليها سليمان بن داود العهدَ وألجمها
فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك ! فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون"، ولو كان
هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم مقاهـ (٣) مزية على غيره ، إذ قد كان الناس
كلهم يفهمون ذلك ، ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو
يفهمها لم يكن في هذا أيضاً فائدة يعول عليها .
ولهذا قال: ﴿رَبِّ أُوْزعني﴾ أي ألهمني وأرشدني ﴿ أن أشكر نعمتك التي
(١) ليست في (( أ)).
(٢) ((أ)): يكون .
(٣) ((ط)): لغاتها. وما أثبته من ((أ)).
- ٥٧٩ -

أنعمتَ عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك
الصالحين﴾ فطلب من الله أن يقيِّضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به
من المزية على غيره ، وأن ييسر عليه العملَ الصالح وأن يحشره إذا توفاه مع عباده
الصالحين . وقد استجاب الله تعالى له .
والمراد بوالديه داود عليه السلام وأمه ، وكانت من العابدات الصالحات كما قال
سُنيد بن داود ، عن يوسف بن محمد بن المنكدر ، عن أبيه ، عن جابر ، عن النبي
عَ طله قال: قالت أم سليمان بن داود: يا بني لا تُكْثّر النومَ بالليل فإن كثرة النوم
بالليل تدَعُ العبدَ فقيراً يوم القيامة !
رواه ابن ماجه عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه(١) .
وقال عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن الزُّهري ، أن سليمان بن داود عليه
السلام خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة إحدى قوائمها تستسقي،
فقال لأصحابه : ارجعوا فقد سُقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها !
قال ابن عساكر : وقد روي مرفوعاً ولم يذكر فيه سليمان . ثم ساقه من طريق
محمد بن عزيز ، عن سلامة بن رَوْح بن خالد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب
حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله عَ ◌ّه يقول : خرج نبي من
الأنبياء بالناس يستسقون الله فإذا هم بنملة رافعة بعضَ قوائمها إلى السماء فقال
النبي : ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة .
وقال السُّدي : أصاب الناسَ قحطٌ على عهد سليمان عليه السلام ، فأمر
الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول: ((اللهم إنَّا
خَلقٌ من خلقك ولا غناء بنا عن فضلك )).
قال : فصبَّ الله عليهم المطر .
(١) سنن ابن ماجة حديث رقم ١٣٣٢، والمشايخ الأربعة هم: زهير بن محمد والحسن بن محمد بن
الصباح ، والعباس بن جعفر، ومحمد بن عمرو . الجد الثاني . قال السيوطي : هذا الحديث أورده
ابن الجوزي في الموضوعات وأعله بيوسف بن محمد بن المنكدر فإنه متروك .
- ٥٨٠ -