Indexed OCR Text
Pages 541-560
إلياس فعرض عليه الإِسلام فأسلم ، وأسلم من قومه خلق غير عشرة آلاف منهم . فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم . وقال ابن أبي الدنيا : حدثني أبو محمد القاسم بن هاشم ، حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي ، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن بعض مشيخة دمشق قال : أقام إلياس عليه السلام هارباً من قومه في كهف جبل عشرين ليلة - أو قال أربعين ليلة - تأتيه الغربان برزقه . وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي : أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبيه قال : أولى نبي بُعث إدريس ، ثم نوح ثم إبراهيم ، ثم إسماعيل وإسحاق ، ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ، ثم موسى وهارون ابنا عمران ، ثم إلياس النشبي(١) بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث ابن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام(٢). هكذا قال : وفي هذا الترتيب نظر . وقال مكحول عن كعب : أربعة(٣) أنبياء أحياء: اثنان في الأرض : إلياس والخضر ، واثنان في السماء : إدريس وعيسى عليهم السلام . وقد قدمنا قولَ من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كل عام في شهر رمضان ببيت المقدس ، وأنهما يحجان كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها في العام المقبل . وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة . وبينًّا أنه لم يصح شيء من ذلك ، وأن الذي يقوم عليه الدليل : أن الخضر مات ، وكذلك إلياس عليهما السلام . وما ذكره وهب بن منبه وغيره: أنه لمَّا دعا ربه عز وجل أن يقبضه إليه لمّا كذبوه وآذوه ، فجاءته دابة لونها لون النار فركبها ، وجعل الله له ريشاً وألبسه النور ، (١) طبقات إلياس بن تشبين . (٢) طبقات ابن سعد ٥٤/١، ٥٥ وقد اختصر ابن كثير في أنساب الأنبياء المذكورين . (٣) ((أ)): أنبياء أربعة. - ٥٤١ - وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار مَلكيًّا بشريًّا سماويًّا أرضيًّا، وأوصى إلى اليسع ابن أخطوب ، ففي هذا نظر . وهو من الإسرائيليات التي لا تصدَّق ولا تكذب.، بل الظاهر أن صحتها بعيدة . والله تعالى أعلم . فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثني أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني ببخارى ، حدثنا عبد الله بن محمود ، حدثنا عبدان بن سنان حدثني أحمد بن عبد الله البَرْقِي ، حدثنا يزيد بن يزيد البلَوي ، حدثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن أنس ابن مالك قال: كنا مع رسول الله عَ له في سفر، فنزلنا فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد عَ لمه المرحومة المغفورة المتاب لها. قال: فأشرفتُ على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع ، فقال لي من أنت ؟ فقلت : أنس بن مالك خادم رسول الله عَ ليه. قال: فأين هو ؟ قلت : هو ذا يسمع كلامك، قال: فَأَته فأقرئه [ منّي](١) السلام، وقل له أخوك (٢) إلياس يقرئك السلام . قال: فأتيت النبي معَ ◌ّه فأخبرته، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلَّم ، ثم قعدا يتحادثان فقال له : يا رسول الله إني ما آكل في السنة إلا يوماً ، وهذا يوم فطري(٣) فآكل أنا وأنت ، قال : فنزلت عليهما مائدةٌ من السماء ، عليها خبز وحوت وكرفس ، فأكلا وأطعماني وصلينا العصر ، ثم ودعه ورأيت مرَّه في السحاب نحو السماء . فقد كفانا البيهقي أمره ، وقال : [ هذا ] (٤) حديث ضعيف بمّة . والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في مستدركه على الصحيحين (٥)، وهذا مما يستدرك به على المستدرك ! فإنه حديث موضوع مخالف الأحاديث الصحاح من وجوه ومعناه لا يصح أيضاً ، فقد تقدم في الصحيحين أن رسول الله عَ ◌ّم قال: ((إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً في السماء)) إلى أن (١) من ((أ)). (٢) ((أ)): إن أخاك. (٣) ((أ)): فطر . (٤) من ((أ)). (٥) المستدرك ٦١٧/٢ . - ٥٤٢ - قال: (( ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن)). وفيه أنه لم يأت رسول الله عَ لّ حتى كان هو الذي ذهب إليه، وهذا لا يصح ، لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يديْ خاتم الأنبياء . وفيه أنه يأكل في السنة مرة ، وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب ، وفيما تقدم عن بعضهم : أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر . • وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شيء منها . وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى واعترف بضعفها وهذا عجب منه ، كيف تكلم عليه ؟ فإنه أورده من طريق حسين بن عرفة عن هانئ بن الحسن عن بَقيَّة ، عن الأوزاعي ، عن مكحول ، عن وائلة بن الأسقع(١)، فذكر نحو هذا مطولاً . وفيه أن ذلك(٢) كان في غزوة تبوك، وأنه بعث إليه رسول الله حَ طِّ أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان، قالا: فإذا هو أعلى جسماً [منا](٣) بذراعين أو ثلاثة ، واعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الإِبل . وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله عَ الم أكلا من طعام الجنة، وقال: إن لي في كل أربعين يوماً أكلة ، وفي المائدة خبز ورمان وعنب وموز ورطب وبقل، ما عدا الكراث. وفيه أن رسول الله عد اله سأله عن الخضير فقال : عهدي به عامَ أول ، وقال لي : إنك ستلقاه قَبْلي فأقرئه منِّي السلام . وهذا يدل على أن الخضر وإلياس ، بتقدير وجودهما وصحة هذا الحديث لم يجتمعا إلى سنة تسع من الهجرة ، وهذا لا يسوغ (٤) شرعاً. وهذا موضوع أيضاً . وقد أورد ابن عستكر طرقاً فيمن اجتمع بإلياس من العبَّاد ، وكلها لا يُفرح بها ، لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها . ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني بشر بن معاذ ، حدثنا حماد بن واقد ، عن ثابت قال : كنا مع (١) الأصل والمطبوعة : عن واثلة عن ابن الأسقع! وهو تحريف . وانظر أسد الغابة لابن الأثير ٧٧/٥ . (٢) ((أ)) : أنه كان. (٣) من ((أ)). (٤) ((أ)) : لا يجوز . - ٥٤٣ - مصعب بن الزبير بسواد الكوفة ، فدخلت حائطاً أصلي فيه ركعتين فافتتحت : حمّ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التَّوب شديد العقاب * ذي الطَّول﴾(١) فإذا رجل من خَلَّفي على بغلة شهباء عليه مُقَطَّعَات يمَنية فقال لي: إذا قلت : ﴿غافر الذنب ﴾ فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي . وإذا قلت : ﴿ قابل التوب﴾ فقل: يا قابل التّوْب تَقَبَّل توبتي، وإذا قلت ﴿ شديد العقاب﴾ فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني ، وإذا قلت : ﴿ذِي الطَّوْل ﴾ فقل يا ذا الطول تطوّل عليَّ برحمة ، فالتفتُّ فإذا لا أحد . وخرجت فسألت: مرَّ بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية ؟ فقالوا : ما مر بنا أحد . فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس(٢). وقوله تعالى: ﴿ فكذَّبوه فإنهم لمحضَرون﴾ أي للعذاب ، إما في الدنيا والآخرة ، أو في الآخرة . والأول أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون . وقوله : إلا عبادَ الله المخلصين﴾ أي إلا من آمن منهم. وقوله: ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ أي أبقينا بعده(٣) ذكراً حسناً له في العالمين فلا يذكر إلا بخير ، ولهذا قال : ﴿ سلام على إلياسين﴾ أي سلام على إلياس ، والعرب تُلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا : إسماعيل وإسماعين ، وإسرائيل وإسرائين ، وإلياس وإلياسين . وقد قرىء : سلام على آل ياسين ، أي على آل محمد ، وقرأ ابن مسعود وغيره : سلام على إدراسين ، ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال : إلياس هو إدريس . وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم ، وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق . والصحيح أنه غيره كما تقدم . والله أعلم . (١) سورة غافر ١ - ٣ . (٢) تهذيب تاريخ ابن عساكر ١٠٣/١ . (٣) ((أ)): أبقينا له. - ٥٤٤ - باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام ثم نتبعهم بذكر داود وسليمان عليهما السلام قال ابن جرير في تاريخه : لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور [ الأمم ](١) السالفين من أمتنا وغيرهم من أن القائم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع [ كان ](١) كالب بن يوفنا . مئے يعني أحد أصحاب موسى عليه السلام وهو زوج أخته مريم ، وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله ، وهما يوشع وكالب ، وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد : ﴿ادخلوا عليهم البابَ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾(٢) . قال ابن جرير : ثم من بعده كان القائم بأمور بني إسرائيل حزقيل بن بوذي(٣) . وهو الذي دعا الله فأحيا الذين أخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت . (١) من تاريخ الطبري ٥٣٥/١ ( ط ليدن). (٢) سورة المائدة ٢٣ . (٣) تاريخ الطبري ٥٣٥/١ (ط ليدن) . - ٥٤٥ - قصة حزقيل قال الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خَرجُوا من ديارهم وهم أُلوفٌ حَذَر الموتِ ، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لَذُو فَضْلٍ على الناس ولكنَّ أكثر الناس لا يَشْكرون ﴾(١) . قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: إن كالب بن يوفنا لمّا قبضه الله إليه [ بعد يوشع ](٢) خلَف في بني إسرائيل حِزْقيل بن بوذي(٢) وهو ابن العجوز وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا . ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذرَ الموت ﴾ قال ابن إسحاق : فُوا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض فقال لهم الله موتوا فماتوا جميعاً فحظروا عليهم حظيرة دون السباع ، فمضت عليه دهور طويلة فمر بهم حزْقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكراً فقيل له : أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر ؟ فقال : نعم . فأُمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحماً وأن يتصل العصبُ بعضه ببعض . فناداهم عن أمر الله له بذلك ، فقام القوم أجمعون وكبَّروا تكبيرة رجل واحد . وقال أسباط عن السُّدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس(٤) من الصحابة في قوله. ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذرَ الموتِ فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴾ قالوا : (١) سورة البقرة ٢٤٣ . (٢) ليست في ((أ)). (٣) كذا في ((أ) موافقاً للطبري وفي غيرها: نودي . محرفة . (٤) ((أ)): ناس . - ٥٤٦ - كانت قرية يقال لها داوردان قبلَ واسط وقع(١) بها الطاعون، فهرب عامةُ أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير ، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا : أصحابنا هؤلاء كانوا أحزمَ منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهمٍ . فوقع في قابل ، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفْيَح ، فناداهم ملَك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا . فماتوا حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم مرَّ بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوي شدقيه وأصابعه ، فأوحى الله إليه : تريد أن أريك كيف أُخْيبهم ؟ قال : نعم ، وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم ، فقيل له : ناد . فنادَى : يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي . فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض ، حتى كانت أجساداً من عظام ، ثم أوحى الله إليه . أن نادٍ : يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً ودماً فاكتست لحماً ودماً وثيابَها التي ماتت فيها . ثم قيل له : ناد . فنادَى : أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت . قال أسباط: فزعم منصور [ بن المعتمر ](٢) عن مجاهد أنهم قالوا حين أُحْيوا (( سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت)) فرجعوا إلى قومهم أحياء لا يعرفون أنهم كانوا موتى، سِحْنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوباً إلا عاد رَسماً(٣) [ مثل الكفن ](٤) حتى ماتوا لآجالهم(٥) التي كُتبت لهم(٦). وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه ثمانية آلاف ، وعن أبي صالح تسعة آلاف ، وعن ابن عباس كانوا أربعين ألفاً. وعن سعيد بن عبد العزيز كانوا من أهل أذرعات . (١) الطبري : فوقع . (٢) من تاريخ الطبري ٥٣٧/١ ( ط ليدن) . (٣) كذا في الأصول . والمراد : بلى. وفي تاريخ الطبري : دسماً ، والثوب الدسم : القذر . (٤) من تاريخ الطبري ٥٣٨/١. (٥) ((أ)) : بآجالهم. (٦) تاريخ الطبري ٥٣٧/١ - ٥٣٨. - ٥٤٧ - وقال ابن جريج عن عطاء : هذا مثل . يعني أنه سيق مثلاً مبيناً أنه لن يُعْني حذّر من قدر ! وقول الجمهور [ أقوى ](١) أن هذا وقع . وقد روى الإمام أحمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري عن عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن عباس ، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسَرْغ لقيه أمراءُ الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء وقع بالشام . فذكر الحديث . يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه ، فجاءه عبد الرحمن ابن عوف وكان متغيباً ببعض حاجته فقال : إن عندي من هذا علماً سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه )) . فحمد الله عمر ثم انصرف(٢). وقال الإِمام : حدثنا حجاج ويزيد المَعْنى(٣) قالا حدثنا ابن أبي ذئب (٤) عن الزهري ، عن سالم ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي عَّمِ أن هذا السُّقْم عذِّب به الأممُ قبلكم ، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه . قال : فرجع عمر من الشام(٥) . وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري بنحوه . قال محمد بن إسحاق : ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل (٦). (١) ليست في ((أ)). (٢) مسند أحمد ١٩٤/١ . (٣) وقعت محرفة في الأصل والمطبوعة: المفتي. والتصويب من المسند ١٩٣/١. وقد نقلها بالتحريف كل من ادعوا تحقيق هذا الكتاب ! (٤) كذا في ((أ)) موافقاً لمسند أحمد ١٩٣/١ وفي المطبوعة: ابن أبي ذؤيب. (٥) المسند ١٩٣/١. (٦) تاريخ الطبري ٥٤٠/١ ( ط ليدن ). - ٥٤٨ - ثم إن الله قبضه إليه ، فلما قُبض نسي بنو إسرائيل عهدَ الله إليهم وعظُمت فيهم الأحداثُ وعبدوا الأوثانَ وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له بعلَ ، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران(١) . قلت : وقد قدمنا قصة إلياس تبعاً لقصة الخضر لأنهما يُقرنان في الذكر غالباً ، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات فتعجَّلنا قصته لذلك. والله أعلم . قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال : ثم تنبأ فيهم بعد إلياس وصيّه اليسع بن أخطوب عليه السلام . وهذه : (١) المصدر السابق . - ٥٤٩ - قصة اليسع عليه السلام وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام في قوله: ﴿ وإسماعيل واليسَع ويونس ولوطاً وكلًّا فضَّلنا على العالمين﴾(١) . وقال تعالى في سورة ص : واذكر إسماعيلَ واليسع وذا الكِفْل وَكُلٌّ من الأخيار ﴾(٢). قال ابن إسحاق : حدثنا بشر أبو حذيفة ، أنبأنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : كان بعد إلياس اليسع عليهما السلام ، فمكث ما شاء الله أن يمكث يدعوهم إلى الله مستمسكاً بمنهاج إلياس وشريعته حتى قبضه الله عز وجل إليه ثم خلَف فيهم الخُلوف وعظُمت فيهم الأحداث والخطايا وكثرت الجبابرة وقتلوا الأنبياء ، وكان فيهم ملك عنيد طاغ ، ويقال إنه الذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة فسمي ذا الكفل . قال محمد بن إسحاق هو اليسع بن أخطوب . وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف الياء من تاريخه : اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . ويقال هو ابن عم إلياس النبي عليهما السلام ويقال كان مستخفياً معه بجيل · قاسيون من ملك بعلبك ثم ذهب معه إليها فلما رفع إلياس خلفه اليسع في قومه ونباه الله بعده . ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس [ بن سنان ](٣) عن أبيه ، عن وهب بن منبه . قال : وقال غيره وكان [الأسباط ] (٤) ببانياس. (١) سورة الأنعام ٨٦. (٢) سورة ص ٤٨ . (٣) من ((أ)). (٤) من ((أ)) . - ٥٥٠ - ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف والتشديد ومن قرأ اللَّيسع وهو اسم واحد لنبيٌّ من الأنبياء . قلت : وقد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليه السلام لأنه قد قيل إنه ابن أيوب فالله تعالى أعلم . فصل قال ابن جرير وغيره : ثم مَرج أمرُ نبي إسرائيل وعظمت منهم (١) الخطوب والخطايا وقتلوا من قتلوا من الأنبياء وسلط الله عليهم بدلَ الأنبياء ملوكاً جبارين يَظْلمونهم ويسفكون دماءهم وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضاً ، وكانوا إذا قاتلوا أحداً من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في قبة الزمان . كما تقدم ذكره . فكان يُنصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السَّكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون . فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبوهم وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم ، فلما علم بذلك ملك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالتْ عنقه فمات كمَداً . وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راع حتى بعث الله فيهم نبيًّا من الأنبياء يقال له شمويل ، فطلبوا منه أن يقيم لهم مَلكاً ليقاتلوا معه الأعداء ، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه . قال ابن جرير : فكان من وفاة يوشع بن نون إلى أن بعث الله عز وجل شمويل ابن بالي أربعمائة سنة وستون سنة . ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم وسماهم واحداً واحداً تركنا ذكرهم قصد(٢). (١) ((أ)) : وعظمت فيهم الأحداث. (٢) تاريخ الطبري ٥٤٤/١ - ٥٤٥ ( ط ليدن). - ٥٥١ - قصة شمويل عليه السلام وفيها بدء أمر داود عليه السلام هو شمويل ويقال أشمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن نهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا . قاتل مقاتل: وهو من ورثة هارون . وقال مجاهد هو أشمويل بن هلفاقا(١) ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا . فالله أعلم . حكى السُّدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة والثعلبي وغيرهم أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وسبَوا من أبنائهم جمعاً كثيراً وانقطعت النبوة من سبط لاوي ولم يبق فيهم إلا امرأة حبلى ؛ فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقها ولداً ذكراً ، فولدت غلاماً فسمته أشمويل ، ومعناه بالعبرانية إسماعيل ، أي سمع الله دعائي . فلما ترعرع بعثته إلى المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته ، فكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد فانتبه مذعوراً فظنه الشيخ يدعوه فسأله : أدعوتَني ؟ فكره أن يفزعه فقال : نعم ، ثم . فنام . ثم ناداه الثانية فكذلك ثم الثالثة فإذا جبريل يدعوه ، فجاءه فقال : إن ربك قد بعثك إلى قومك . فكان من أمره معهم ما قصَّ الله في كتابه . · قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الملأ من بني إسرائيل من بَعْدِ موسى إذا قالوا لنبيِّ لهم ابعَثْ لنا مَلِكاً نقاتل في سبيل الله ، قال هل عَسَيتم إن كُتِبَ (١) ((أ)) : ابن ملقاتا. - ٥٥٢ - عليكم القتالُ أَلَّا تقاتلوا ؟ قالوا وما لنا ألَّ ثُقَاتَلَ في سبيل الله وقد أُخْرِجْنا من ديارنا وأبنائنا فلما كُتب عليهم القتالُ تولَّوا إلَّا قليلاً منهم والله عليمٌ بالظالمين . وقال لهم نبيهم إن الله قد بعثَ لكم طالوتَ مَلكاً . قالوا أنَّى يكون له المُلْكُ علينا ونحن أحقُّ بالملك منه ، ولم يُؤْتَ سعةً من المال . قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بَسْطةً في العلم والجسم والله يؤتي مُلْكه من يشاء والله واسع عليم. وقال لهم نبيهم إن آيةَ مُلْكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينةٌ من ربّكم وبقيةٌ مما تركَ آل موسى وآلُ هارون تحمله الملائكة إنَّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين . فلما فَصلَ طالوتُ بالجنود قال إنَّ الله مُبتليكم بِنَهر ، فمن شَرب منه فليس منِّي ومن لم يَطْعَمْه فإنه منِّي إلا من اغترفَ غرفةً بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم ، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليومَ بجالوتَ وجنوده . قال الذين يظنون أنهم مُلَاقُوا اللهَ كم من فئةٍ قليلة غَلَبَتْ فئةً كثيرةً بإذنِ اللهِ والله مع الصابرين . ولما برزوا لجالوتَ وجنودِه قالوا رَبَّنَا أفرغْ علينا صَبْراً وثَبِّت أقدامَنا وانْصُرْنا على القوم الكافرين . فهزَموهم بإذنِ الله وقَتَلَ داودُ جالوتَ وآتاه الله المُلْكَ والحكمةَ وعلَّمه مما يشاء . ولولا دَفْعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعض لفسدت الأرضُ ولكنَّ اللهَ ذو فَضْلِ على العالمين﴾(١). قال أكثر المفسرين : كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل . وقيل : شمعون . وقيل : هما واحد . وقيل : يوشع ، وهذا بعيد لما ذكره الإمام أبو جعفر ابن جرير في تاريخه أن بين موت يوشع وبعثة شمويل أربعمائة سنة وستين سنة . فالله أعلم(٢). والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب وقهرهم(٣) الأعداء سألوا نبيَّ الله في ذلك الزمان وطلبوا منه أن يَنْصِب لهم ملكاً يكونون تحت طاعته ليقاتلوا مِنْ ورائه ومعه وبين يديه الأعداء. فقال لهم: ﴿هل عَسَيْتُمْ إِنَّ كُتِبَ عليكم القتالُ ألَّا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتلَ في سبيل الله ﴾ أي وأي شيء يمنعنا من القتال ﴿وقد أُخْرِجْنا مِنْ ديارنا وأبنائنا ﴾ يقولون نحن محروبون مَوْتورون ، فحقيق لنا أن نقاتِل عن أبنائنا المنهورين (٤) المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم . (١) سورة البقرة ٢٤٦ - ٢٥١ . (٢) تاريخ الطبري ٥٤٥/١ (ط ليدن ). (٣) ((أ)»: وقهرتهم . (٤) ((أ)): المنهوبين. - ٥٥٣ - قال الله تعالى: ﴿ فلما كُتب عليهم القتال تولَّوْا إلا قليلاً منهم والله عليمٌ بالظالمين ﴾ كما ذكِر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل والباقون رجعوا ونكَلوا عن القتال . وقال لهم نبيُّهم إنَّ اللهَ قد بَعَث لكم طالوتَ مِلِكاً﴾ قال الثعلبي وهو طالوت بن قيش بن اييال(١) بن صارو(٢) بن تحورت(٣) بن أفيح بن إيش (٤) بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . قال عكرمة والسُّدي: كان سقّاء! وقال وهب بن منبه : كان دبَّاغاً. وقيل غير ذلك . والله أعلم . ولهذا ﴿ قالوا أنَّى يكونُ له المُلْكُ علينا ونحن أحقُّ بالملْك منه ولم يُؤْتَ سعةً من المال ﴾ وقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوي وأن الملك كان في سبط يَهوذا ، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في إمارته عليهم وقالوا نحن أحق بالملك منه و [ قد ](٥) ذكروا أنه فقير لا سعة له من المال فكيف يكون مثل هذا ملكاً ؟! ﴿ قال إنَّ الله اصطفاه عليكم وزاده بَسْطةً في العلم والجسم ﴾. قيل : كان الله قد أوحى إلى شمويل أن أيّ بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا وإذا حضر عندك يفور هذا القَرْن الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم . فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت ، ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهَنه منه وعيَّنه للملك(٦) عليهم وقال لهم: ﴿ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بَسْطةً في العلم ﴾ قيل في أمر الحروب ، وقيل بل مطلقاً ﴿ والجسم ﴾ قيل الطول ، وقيل الجمال ، والظاهر من السياق أنه (١) كذا في ((أ)) موافقاً للطبري ٥٥٩/١ (ط ليدن). وفي المطبوعة : ابن أفيل . (٢) ((أ)): ابن صرار. وفي الطبري : ابن ضرار . (٣) الطبري : ابن نخورت . (٤) الأصل والمطبوعة : ابن أنيس والتصويب من تاريخ الطبري . (٥) من ((أ)). (٦) المطبوعة : وعينه الملك . - ٥٥٤ - كان أجْمَلهم وأعْلمهم بعد نبيهم عليه السلام ﴿ والله يؤتِي مُلْكه من يشاء﴾ فله الحكم وله الخلق والأمر ﴿ والله واسع عليم ﴾. ﴿ وقال لهم نبيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكه أن يأتيَكم التابوتُ فيه سَكينة من ربكم وبقيةٌ مما ترك آل موسى وآلُ هارون تحمله الملائكةُ إنّ في ذلك لآيَةً لكم إنْ كنتم مؤمنين﴾ وهذا أيضاً من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يردَّ الله عليهم التابوتَ الذي كان سُلب منهم وقهرهم الأعداء عليه ، وقد كانوا يُنصرون على أعدائهم بسببه ﴿ فيه سَكِينة من ربِّكم ﴾ قيل طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء ، وقيل السكينة مثل الريح الخجُوج(١) . وقيل صورتها مثل الهرّة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر ﴿ وبقيةٌ مما ترك آل موسى وآل هارون﴾ قيل كان فيه رضَاض الألواح وشيء من المنّ الذي كان نزل عليهم بالتيه تحمله الملائكة﴾ أي تأتيكم به الملائكة يحملونه وأنتم ترون ذلك عياناً ليكون آيةً الله عليكم وحجة باهرة على صدق ما أقوله لكم وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم . ولهذا قال : ﴿ إن في ذلك لآيَةً لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ . وقيل إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية [ المباركة](٢) وقيل كان فيه التوراة أيضاً فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم ، فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمرٌ من الله تعالى فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من قراهم ، فأخذهم داءٌ في رقابهم فلما طال عليهم هذا جعلوه في عَجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما ، فيقال إن الملائكة ساقتهما حتى جاءوا بهما ملأ بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك ، فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة ، والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم(٣) من الآية والله أعلم. وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم . (١) الحجوج : الريح الشديدة المَرّ . (٢) ليست في ((أ)). (٣) المطبوعة : كما هو المفهوم بالجنود من الآية . ولا معنى لها . - ٥٥٥ - فلما فصل طالوتُ بالجنود قال إنَّ الله مُبْتليكم بنَهر فمن شَرب منه فليس مِنِّي ومن لم يَطْعمه فإنه مني إلا من اغترف غُرْفَةً بيده ﴾ . قال ابن عباس وكثير من المفسرين : هذا النهر هو نهر الأردن ، وهو المسمى بالشَّريعة ، فكان مِن أمر طالوت لجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له اختباراً وامتحاناً: أن من شرب من هذا النهر فلا يَصْحبني في هذه الغزوة ، ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة بيده . قال الله تعالى : ﴿ فشربوا منه إلا قليلاً منهم ﴾ قال السُّدي : كان الجيش ثمانين ألفاً فشرب منه ستة وسبعون ألفاً ، فبقي معه أربعة آلاف . كذا قال . وقد روى البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل وزهير والثّوري ، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازِب. قال: كنا أصحابَ محمد عَ لِّ نتحدث أن عِدَّة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا (١) معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشرة وثلاثمائة مؤمن(٢). وقول السُّدي أن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفاً فيه نظر ، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفاً . والله أعلم . قال الله تعالى: ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقةً لنا اليومَ بجالوتَ وجنوده ﴾ أي استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلى قلتهم وكثر عدد عدوهم ﴿ قال الذين يظنون أنهم مُلَاقوا اللهِ كم من فئةٍ قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن اللهِ والله مع الصابرين﴾ يعني ثَّتهم الشجعان منهم (٢) والفرسان أهل الإِيمان والإِيقان الصابرون على الجلاد والجدال والطعان . ﴿ ولمَّا بَرزوا لجالوتَ وجنودِهِ قالوا ربَّنَا أَفرِغْ علينا صَبْراً وثبِّتْ أقدامنا وانْصُرْنا على القوم الكافرين ﴾ طلبوا من الله أن يُفرغ عليهم الصبر وأن يغمرهم به (١) ((أ)) : جازوا. (٣) ((ط)): يعني بها الفرسان. ولعله تحريف وما أثبته من ((أ)). (٢) صحيح البخاري ٢٠٢/٢ (ط الأميرية) ونصه: ولم يجاوز معه إلا مؤمن. - ٥٥٦ _ من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق ، وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الأبطال وحومة الوغى والدعاء إلى النّزال ، فسألوا التثبيت الظاهر والباطن وأن يُنزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه ، فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا(١) وأنالهم ما إليه [ فيه ](٢) رغبوا. ولهذا قال: ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ أي بحول الله [وقوته ](٣) لا يحولهم ، وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم ، مع كثرة أعدائهم وكمال عُددهم ، كما قال تعالى: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ (٤) . وقوله تعالى: ﴿وقتل داودُ جالوتَ وآتاه الله المُلْك والحكمةَ وعلَّمه مما يشاء ﴾ فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام وأنه قتله قتلاً أذل به جنده وكسر (٥) جيشه ، ولا أعظم من غزوة يقتل فيها مَلِكٌ عدوّه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة ويأسر الأبطال والشجعان [والأقران](٦) وتعلو كلمة الإِيمان على الأوثان (٧) ويُدال لأولياء الله على أعدائه ، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه . • وقد ذكر السُّدي فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه وكانوا ثلاثة عشر ذكراً ، كان سمع طالوت ملك بني إسرائيل وهو يحرض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول من قتل جالوتَ زوجته بابنتي وأشركته في ملكي ، وكان داود عليه السلام يَرْمِي بالقذَّافة وهو المِقْلَاع رمياً عظيماً ، فبينا هو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر أن خُذني فإِنَّ بي تقتل جالوت . فأخذه ثم حجر آخر . كذلك ثم حجر آخر كذلك؛ فأخذ الثلاثة في مخلاته فلما تواجه الصَّفان برز جالوت ودعا إلى نفسه فتقدم إليه داود فقال له : ارجع فإني أكره قتلك . فقال : لكني أحب قتلك ! وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعها في القذافة ثم أدارها (١) ((أ)): إلى ما طلبوا. (٢) ليست في ((أ)). (٣) من ((أ)). (٤) سورة آل عمران ١٢٣ . (٥) ((ط)) : وكسره . (٦) ليست في (( أ)) . (٧) ((أ)): كلمة الله على الأديان . - ٥٥٧ - فصارت الثلاثة حجراً واحداً . ثم رمى بها جالوتَ ففلق رأسه وفرَّ جيشه منهزماً ، فوفى له طالوتُ بما وعده ، فزوجه ابنته وأجرى حُكْمه في ملكه، وعَظُم داود عليه السلام عند بني إسرائيل وأحبوه ومالوا إليه أكثرَ من طالوت ، فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله واحتال على ذلك فلم يَصل إليه ، وجعل العلماء ينهون طالوتَ عنِ قتل داود فتسلط عليهم فقتلهم(١) حتى لم يبق منهم إلا القليل . ثم حصل له توبة وندم وإقلاع عما سلف منه وجعل يكثر من البكاء ويخرج إلى الجبانة فيبكي حتى بيل الثّرى بدموعه فنودي ذات يوم من الجبانة : أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء وآذيتنا ونحن أموات . فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله ثم جعل يسأل عن عالِم يسأله عن أمره وهل له من توبة ، فقيل له : وهل أبقيت عالماً ؟! حتى دُل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشع عليه السلام . قالوا : فدعت الله فقام يوشع من قبره فقال : أقامت القيامة ؟ فقالت : لا ولكن هذا طالوت يسألك : هل له من توبة ؟ فقال : نعم ، ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يُقتل . ثم عاد ميتاً . فترك الملك لدواد عليه السلام وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا. قالوا: فذلك قوله: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة وعلَّمه مما يشاء ﴾ . • هكذا ذكره ابن جرير في تاريخه من طريق السُّدي بإسناده(٢) . وفي بعض هذا نظر ونكارة . والله أعلم . وقال محمد بن إسحق : النبي الذي بُعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب . حكاه ابن جرير أيضاً (٣). وذكر الثعلبي أنها أتت به إلى قبر شمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور ، (١) ((أ)): يقتلهم. (٢) ((أ)): وإسناده. والخبر في تاريخ الطبري مفصل بأوسع من هذا ٥٥٦/١ - ٥٥٨ (ط ليدن). (٣) تاريخ الطبري ٥٥٩/١ ( ط ليدن ). - ٥٥٨ - وهذا أنسب . ولعله إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حيًّا ، فإن هذا إنما يكون معجزة لنبي ، وتلك المرأة لم تكن نبية . والله أعلم . [ قال ابن جرير ](١): وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلى أن قتل مع أولاده أربعون سنة (٢) . فالله أعلم . (١) من ((أ)). (٢) تاريخ الطبري ٥٥٩/١ (ط ليدن ). - ٥٥٩ - قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه وذكر فضائله وشمائله ودلائل نبوته وأعلامه هو داود بن إيشا بن عويد بن عابر(١) بن سلمون بن نحشون بن عوينادب(٢) ابن إرم بن حصرون بن فارص يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس . قال محمد بن إسحق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه : كان داود عليه السلام قصيراً أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب نقيّه(٣). تقدم أنه لما قتل جالوت ، وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر ، فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلى مُلكه عليهم ، فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلى داود عليه السلام ، وجمع الله له بين الملك والنبوة بين خير الدنيا والآخرة ، وكان الملك يكون في سِبْط والنبوة في آخر ، فاجتمعا في داود هذا . وهذا كما قال تعالى: ﴿وَقتَل داودُ جالوتَ وآتاه الله المُلْكَ والحكمةَ وعلَّمه مما يشاء ، ولولا دَفْعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعض لفسدت الأرضُ ولكنَّ الله ذو فَضْلٍ على العالمين﴾ أي لولا إقامة الملوك حكَّاماً على الناس لأكل قوي الناس ضعيفهم. ولهذا جاء في بعض الآثار ((السلطان ظَلُّ الله في أرضه))(٤). وقال أمير المؤمنين عثمان (١) تاريخ الطبري ٥٥٩/١ ( ط ليدن ) : ابن باعز . وفي بعض نسخه ابن باعر ، ابن ناعز . (٢) تاريخ الطبري : ابن عمي نادب . وفي بعض نسخه : ابن عمي بن نادب . (٣) الأصل: طاهر القلب ولقبه . وما أثبته من تاريخ الطبري ٥٥٩/١ . (٤) رواه ابن النجار عن أبي هريرة. ورواه البيهقي والحاكم عن ابن عمر، رفعه بلفظ: ((السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباد الله ، فإن عدل كان له الأجر وكان على الرعيةالشكر ، وإن جار أو خان أو ظلم كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر)» كشف الخفا للعجلوني ٤٥٦/١ . - ٥٦٠ -