Indexed OCR Text
Pages 461-480
الحياة ، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي ، فأصاب الحوتَ من ماء تلك العين ، قال : فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ، فلما استيقظ ﴿ قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا) الآية (١) وساق الحديث . وقال : ووقع عصفور على حرف السفينة فغَمس منقاره في البحر ، فقال الخضر لموسى : ما عِلْمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره ، وذكر تمام الحديث . وقال البخاري (٢): حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف : أن ابن ◌ُرَيح أخبرهم ، قال أخبرني يَعْلَى بن مسلم وعمرو بن دينار ، عن سعيد بن جُبير ، يزيد أحدهما على صاحبه ، وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير قال : إِنَّا لَعند ابن عباس في بيته إذ قال سَلُوني ، فقلت: أَيْ أبا عباس ــ جعلني الله فداك - بالكوفة رجل قاصٌّ يقال له نَوْف ، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل . أما عمرو فقال لي ، قال : قد كذَب عدو الله . وأما يعلى فقال لي : قال ابن عباس: حدثني أُبَيّ بن كعب قال: قال رسول الله عَِّ: موسى رسول الله [ قال ](٣) ذكّر الناس يوماً حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب ولّى، فأدركه رجل فقال: أيْ رسولَ الله! هل في الأرض أحدٌ أعلَمَ منك؟ قال: لا . فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إلى الله ، قيل : بلى . قال : أيْ ربِّ فأين؟ قال: بمجْمَع البحرين ، قال : أي رب اجعل لي عَلماً أعلم ذلك به . قال لي عمرو : قال : حيث يفارقك الحوتُ ، وقال لي يعلى : قال : خذ نُوناً ميتاً حيث يُنفخ فيه الروح . فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ، فقال لفتاه : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت ، قال : ما كلَّفتَ كثيراً ! فذلك قوله جل ذكره ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ يوشع بن نون ، ليست عن سعيد بن جبير ، قال: بينما هو في ظل صخرة (١) في ((أ)) زيادة : كذا قال . (٢) صحيح البخاري ٣٣٤/٢ كتاب التفسير . (٣) ليست في (( أ)) - ٤٦١ - في مكان ثَريان(١) إذ تَضَرَّب(٢) الحوت وموسى نائم، فقال فتاه : لا أوقظه ، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره ، وتضرَّب الحوثُ حتى دخل البحرَ فأمسك الله عنه جِرْية البحر حتى كأن أثره في حجَر ، قال لي عمرو : هكذا ، كأن أثره في حجر وحلَّق بين إبهاميه واللتين تليانهما . لقد لقينا من سفرنا هذا نصَباً ﴾ قال: قد قطع الله عنك النَصب. ليس هذه عن سعيد. أخبره فرجعا فوجدا خضراً - قال لي عثمان بن أبي سليمان - على طِنْفِسة خضراء على كَبد البحر ، قال سعيد بن جبير : مسجَّى بثوبه ، قد جعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه ، فسلَّم عليه موسى فكشف عن وجهه ، وقال : هل بأَرْضِي مِنْ سلام ؟! من أنت ؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم . قال : فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلّمني مما عُلِّمتَ رُشداً ، قال : أمَا يكفيك أن التوراة بيديك ، وأن الوحي يأتيك ؟ يا موسى إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه ، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه . فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر ، فقال : والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر . ﴿ حتى إذا ركبا في السفينة﴾ وجد معَابر صغاراً تحمل أهلَ هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر ، عرفوه فقالوا : عبد الله الصالح . قال : فقلنا لسعيد : خَضِر ؟ قال : نعم . لا نحمله بأجر ، فخرَقها ووتد فيها وتداً ﴿قال﴾ موسى: ﴿ أخرقْتها لتغرق أهلَها لقد جئت شيئاً إمْراً ﴾ قال مجاهد: مُنْكراً. ﴿ قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ كانت الأولى نسياناً، والوسطى شَرْطاً، والثالثة عَمْداً ﴿ قال لا تؤاخذني بما نسيتُ ولا ترهقني من أمري عُسراً » فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ﴾ قال يعلى : قال سعيد: وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ، ثم ذبحه بالسكين ﴿ قال أقتلتَ نفساً زكيّة بغير نفس ﴾ لم تعمل بالخبيث . وكان ابن عباس قرأها: زَكِية زاكية مُسْلمة ، كقولك غلاماً زكيًّا . (١) الثربان : النديّ . (٢) تضرب : تحرك واضطرب. - ٤٦٢ - فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقضَّ فأقامه قال سعيد بيده هكذا ، ورفع يده فاستقام . قال يعلى : حسبت أن سعيداً قال : فمسحه بيده فاستقام ﴿ قال لو شئت لاتخذتَ عليه أجراً﴾ قال سعيد : أجراً نأكله . وكان وراءهم ﴾ وكان أمامهم ، قرأها ابن عباس : أمامهم ملك يزعمون عن غير سعيد أنه ((هُدَد بن بُدَد)) والغلام المقتول اسمه يزعمون ((جَيسور)) ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ فأردت إذا هي مرَّت به أن يَدَعها لعيبها ، فإِذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها . ومنهم من يقول : سدوها بقارورة ، ومنهم من يقول بالقار . وكان أبواه مؤمنين﴾ وكان كافراً ﴿فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ أي يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فأردنا أن يُبْدلهما ربهما خيراً منه زكاة﴾ لقوله: ﴿أَقتلتَ نفساً زكية﴾ ﴿وأقربَ رُحْماً﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل [ خَضِر ](١) . وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أُبدلا جارية ، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية(٢). • وقد رواه عبد الرزاق عن مَعْمَر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خطب موسى بني إسرائيل ، فقال : ما أحدٌ أعلَم بالله وبأمره مني ، فأمر أن يلقى هذا الرجل ، فذكر نحو ما تقدم . وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة ، عن الحكم بن عيينة ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن رسول الله عَ ليه كنحو ما تقدم أيضاً . (١) ليست في ((أ)) . (٢) صحيح البخاري كتاب التفسير سورة الكهف ١٥٤/٣ - ١٥٥ بحاشية السندي. - ٤٦٣ - ورواه العَوْفي عنه موقوفاً . وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة [ ابن مسعود ](١) عن ابن عباس : أنه تمارى هو والحرّ بن قيس بن حِصْن الفَزاري في صاحب موسى ، فقال ابن عباس هو خضر ، فمر بهما أُبَّ بن كعب فدعاه ابن عباس ، فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيلَ إلى لَقْيه ، فهل سمعتَ من رسول الله فيه شيئاً ؟ قال : نعم ، وذكر الحديث . وقد تقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه في تفسير سورة الكهف ولله الحمد . وقوله: ﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ﴾ قال السُّهيلي: وهما أصرم وصُرَيم ابنا كاشح ﴿ وكان تحته كَثْرٌ لهما﴾ قيل كان ذهباً ، قاله عكرمة. وقيل : عِلماً ، قاله ابن عباس . والأشبه أنه كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه علم . قال البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا بشر بن المنذر ، حدثنا الحارث بن عبد الله اليَحْصُبي عن عيَّاش بن عباس الغساني عن ابن حجيرة ، عن أبي ذر رفعه قال: (( إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من الذهب مُصْمَت مكتوب فيه : عجبت لمن أيقن بالقدَر كيف نَصب ! وعجبت لمن ذكَر النار لم ضحك ؟ وعجبت لمن ذكَر الموت كيف((٢) غفل؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله )). وهكذا روي عن الحسن البصري وعمر مولى غَفْرة وجعفر الصادق نحو هذا . • وقوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً﴾، قيل إنه كان الأب السابع وقيل العاشر. وعلى كل تقدير : فيه دلالة على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته والله المستعان. وقوله: ﴿ رحمة من ربك﴾ دليل على أنه كان نبيًّا ، وأنه ما فعل شيئاً من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي ، وقيل رسول [ وقيل وليّ](٣) وأغرب من هذا من (١) ليست في ((أ)) . (٢) ((أ)): لم أغفل. (٣) سقطت من ((أ)) . - ٤٦٤ - قال إنه كان ملكاً . قلت وقد أغرَب جداً من قال هو ابن فرعون ، وقيل إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة . قال ابن جرير : والذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن ((أفريدون ))، ويقال إنه كان على مقدمة ذي القرنين ، الذي قيل إنه كان أفريدون . وذو القَرْنين(١) هو الذي كان في زمن الخليل. وزعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلَد وهو باق إلى الآن ! وقيل : إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم ، وهاجر معه من أرض بابل . وقيل اسمه ملكان ، وقيل أرميا بن حَلقيا(٢) ، وقيل كان نبيًّا في زمن بشتاسب بن لهراسب(٣) . قال ابن جرير : وقد كان بين أفريدون وبين بشتاسب(٣) دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب . قال ابن جرير : والصحيح أنه كان في زمن أفريدون، واستمر حيًّا إلى أن أدركه موسى عليه السلام. وكان نبوة موسى في زمن ((منو شهر)) الذي هو من ولد أيرج (٤) بن أفريدون أحد ملوك الفرس ، وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده وكان عادلاً . وهو أول من خندق الخنادق وأول من جعل في كل قرية دِهْقاناً(٥) ، وكانت مدة ملكه قريباً من مائة وخمسين سنة . ويقال إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم . وقد ذُكر عنه من الخطب الحسان والكلم البليغ الفصيح ما يبهر العقل ، ويحير السامع ، وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل . والله أعلم . وقد قال الله تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيين لمَا آتيتكم من کتابٍ (١) الأصل والمطبوعة: وذو الفرس! وهو تحريف شنيع. وما أثبته من تاريخ الطبري ٤١٤/١ (ط ليدن ) . (٢) تاريخ الطبري ٤١٥/١: أورميا بن خلقيا. (٣) الأصل والمطبوعة: سباسب بن بهراسب. وهو تحريف. وما أثبته من تاريخ الطبري ٤١٦/١ . (٤) الأصل : أبرج . وما أثبته من تاريخ الطبري ٤٣٠/١ (ط ليدن). (٥) الدهقان : زعيم فلاحي العجم ورئيس الإقليم . - ٤٦٥ - وحِكْمة ثم جاءكم رسولٌ مصدّق لِما معكم لتؤمننَّ به ولتنصرنه ، قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصْري قالوا أقرَرْنا. قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾(١). فأخذ الله ميثاقَ كلِّ نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء وينصره [ واستلزم ذلك الإِيمانَ وأَخْذَ الميثاق لمحمد عَِّ لأنه خاتم الأنبياء فحقٌّ على كل نبي أدركه أن يؤمن به وينصره ](٢) فلو كان الخضر حيًّ في زمانه، لمَا وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقيام بنصره ، ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر ؛ كما كان تحتها جبريل وساداتٌ من الملائكة . وقُصَارى الخَضِر عليه السلام أن يكون نبياً ، وهو الحق ، أو رسولاً كما قيل ، أو ملكاً فيما ذكر . وأَيَّاما كان فجبيل رئيس الملائكة ، وموسى أشرف من الخضر ، ولو كان حيًّا لوجَب عليه الإِيمان بمحمد ونصرته، فكيف إن كان الخضر وليًّا كما يقول طوائف كثيرون ؟ فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأُحْرَى . ولم يُنقل في حديث حسن بل ولا ضعيف يُعتمد أنه جاء يوماً واحداً إلى رسول الله عَّةٍ ، ولا اجتمع به وما ذُكر من حديث التعزية فيه ، وإن كان الحاكم قد رواه ، فإسناده ضعيف ، والله أعلم [وسنفرد لخضر ترجمةً على حدة بعد هذا](٣). (١) سورة آل عمران ٨٤ . (٢) سقطت من المطبوعة! وما أثبته من ((أ)). (٣) ليست في ((أ)). - ٤٦٦ - ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها إلى آخرها قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب التفسير من سننه ، عند قوله تعالى في سورة طه: ﴿وقتلتَ نفساً فنجَّيناك من الغم وفتنّاك فتوناً﴾(١): (( حديث الفتون)). حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا أَصْبَغ بن زيد ، حدثنا القاسم بن أبي أيوب ، أخبرني سعيد بن جبير قال : سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى: ﴿وفتنَّاك فتوناً﴾ فسألته عن الفتون ما هي ؟ فقال : استأنف النهارَ يا بن جبير ؛ فإن لها حديثاً طويلاً . فلما أصبحتُ غدوت إلى ابن عباس لأتنجّز منه ما وعدني من حديث الفتون فقال : تذكَّر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعدَ إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكّون فيه ، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ، فلما هلك قالوا ليس هكذا كان وَعْد إبراهيم ، فقال فرعون : فكيف ترون ؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشِّفَار ، يطوفون في بني إسرائيل ، فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه ففعلوا ذلك . فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم ، والصغار يُذبحون قالوا : توشكون أن تُفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا (١) سورة طه ٤١ . - ٤٦٧ - يَكْفونكم ، فاقتلوا عاماً كلَّ مولود ذكر واتركوا بناتهم(١)، ودعوا عاماً فلا تقتلوا(٢) منهم أحداً ، فيشب الصغار مكانَ من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تَسْتحيون منهم ، فتخافوا مكاثرتهم إياكم ، ولن يَفْنَوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم . فأجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يُقتل فيه الغلمان ، فولدته علانيةً آمنة . فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام ، فوقع في قلبها الهمُّ والحزن ، وذلك من الفتُون يا بن جبير ! ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به . فأوحى الله إليها: أن ﴿ لا تخافي ولا تَحْزني إنا رادُّوه إليكِ وجاعلوه من المرسَلين﴾. فأمرها إذا ولدت(٣) أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليمِّ . فلما ولدت فعلتْ ذلك ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطانُ ، فقالت في نفسها : ما فعلتُ بابني ؟ لو ذُبح عندي فواريتُه وَكَفَّنته كان أحبَّ إليّ من أن ألقيه إلى دوابٌ البحر وحيتانه ؟ فانتهى الماء به حتى أوفَىْ عند فُرْضَةٍ (٤) تستقي منها جواري امرأة فرعون ، فلما رأينه أخذنه ، فهممْن أن يفتحن التابوت ، فقال بعضهن : إنّ في هذا مالاً ، وإنا إنْ فتحناه لم تصدِّقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه ، فحملْنه كهيئته لم يُخْرجن منه شيئاً حتى دفعنه إليها . فلما فتحته رأت فيه غلاماً ، فألقى الله عليه منها محبةً لم يلقِ منها على أحد قط ﴿ وأصبح فؤادُ أمِّ موسى فارغاً﴾ من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى . فلما سمع الذباحون بأمره ، أقبلوا بشِفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه . وذلك من القُتُون یا بن جبير ! فقالت لهم : أَقُرُوه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ، حتى آتى فرعونَ (١) ((أ)): فيقل بناتهم. (٢) ((أ)): فلا يقتل. (٣) ((أ)): إذا ولدته. (٤) الفرضة : الثغرة يستقى منها في النهر . - ٤٦٨ - فأستوهبه منه ؛ فإنْ وهبه مني كنتم قد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم أَلُمْكم . فأتت فرعونَ فقالت: ﴿قُرَّةُ عَيْن لي ولك ﴾ فقال فرعون: يكون لك ، فأمَّا لي فلا حاجة لي فيه! فقال رسول الله عَّ اله: ((والذي يُحْلَف به لو أقرَّ فرعون أن يكون قرة عين له ، كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمَه ذلك)). فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لأن تختار له ظِئْراً ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يُقبل على ثديها ، حتى أشفقتْ امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنَها ذلك. فأمرت به فأُخرج إلى السوق ومَجْمع الناس ترجو أن تجد له ظِئْراً تأخذه منها ، فلم يَقْبل. وأصبحت أم موسى والهاً(١) ، فقالت لأخته : قُصِّي أثره واطلبيه ، هل تسمعين له ذِكْراً ؟ أحيُّ ابني أم قد أكلتْه الدوابُّ ؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه . فَبَصُرت به﴾ أخته ﴿ عن جُنُبٍ وهم لا يشعرون﴾ والجُنُب : أن يسمو بصر الإِنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به . فقالت من الفرح حين أعياهم الظُّئرات : أنا ﴿ أدلكم على أهل بیت یکفلونهلکم وهم له ناصحون﴾ فأخذوها فقالوا : ما يدريك ما نُصْحهم له ؟ هل تعرفينه ؟ حتى شكّوا في ذلك ، وذلك من القُتون يا بن جبير ! فقالت : نُصْحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظُؤورة(٢) الملك ورجاء منفعة الملك. فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبرَ ، فجاءت أمه ، فلما وضعته في حجرها نَا(٣) إلى تديها فمَصَّه حتى امتلأ جَنْباه رِبًّا، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئراً ، فأرسلت إليها فأتت بها وبه . فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي تُرْضعي ابني هذا ، فإني لم أحب شيئاً حبَّه قط ، قالت أم موسى : لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه ، فأذهب به إلى بيتي ، فيكون معي لا آلُوه خيراً ، فعلتُ ؛ فإني (١) الواله : الذاهلة المتحيرة . (٢) الأصل: في صهر الملك. محرفة. وما أثبته من تفسير الطبري ١٦٥/١٦ (ط مصطفى الحلبي). (٣) نزا : وثب . - ٤٦٩ - غير تاركة بيتي وولدي . وذكرت أمُّ موسى ما كان الله وعدها ، فتعاسرَتْ على امرأة فرعون ، وأيقنت أن الله مُنْجر موعودَه ، فرجعت إلى بيتها من يومها ، وأنبته الله نباتاً حسناً ، وحفظه لما قد قضَى فيه . فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ، ممتنعين من السُّخرة والظلم ما كان فيهم . فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى : أزيريني ابني (١)، فوعدتها يوماً تُزيرها (٢) إياه فيه ، وقالت امرأة فرعون لخُزَّانها وظُئورها وقهَارمتها : لا يَبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة ، لأرى ذلك فيه . وأنا باعثة أميناً يحصي [ كل ](٣) ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنِّحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون . فلما دخل عليها نَحلَتْه وفرحت به ، وأنحلتْ أَمَّه لحسن أثرها عليه . ثم قالت : لآتينَّ به فرعون فَلْيُنْحِلنَّه وَلَيُكْرِمِنَّه . فلما دخلت به عليه جعله في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدَّها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعدَ الله إبراهيم نبيه ؟ إنه زعم أنه يرتك ويَعْلوك ويَصْرعك ؟ فأرسِلْ إلى الذبًّاحين ليذبحوه . وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به (٤). فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبْته لي ؟ فقال : ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني ؟ فقالت : اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقرِّبهن إليه ، فإن بطَش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يُرد اللؤلؤتين ، علمت أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل . فقرب إليه (١) ((ط)) : أريني ابني. (٢) ((ط)) : تريها إياه فيه . (٣) ليست في ((أ)). (٤) ((أ)): أريد به فتونا . - ٤٧٠ - الجمرتين واللؤلؤتين فتناول الجمرتين ، فانتزعهما منه مخافة أن يُحْرقا يده ، فقالت المرأة ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان همَّ به ، وكان الله بالغاً فيه أمره . فلما بلغ أشُدَّه وكان من الرجال ، لم يكن أحد من آل فرعون يَخْلُص إلى أحد من بني إسرائيل [ معه ](١) بظلم ولا سخرة ، حتى امتنعوا كلَّ الامتناع . فبينما (٢) موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى غضباً شديداً ، لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل ، وحفظه لهم [ لا يَعْلم الناسُ إلا أنه من الرضاع إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أَطْلع موسى من ذلك على ](٣) ما لم يُطْلع عليه غيره . فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإِسرائيلي ، فقال موسى حين قَتَل الرجل: ﴿هذا مِنْ عَمل الشيطان إنه عدوٌّ مُضِلِّ مبين﴾ ثم قال: ﴿رَبِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال ربِّ بما أُنْعَمْتَ علَّ فلن أكونَ ظهيراً للمجرمين × فأصبح في المدينة خائفاً يترقب ﴾ الأخبار . فأُتي فرعون فقيل له :" إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا تُرْخص لهم ، فقال ابغوني قاتِله ومن يشهد عليه ، فإن الملك وإن كان صفوةً من قومه(٤)، لا ينبغي له أن يقتل(٥) بغير بينة ولا ثَبت، فاطلبوا لي علمَ ذلك آخذ لکم بحقکم . • فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة ، إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً من آل فرعون آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعون ، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه ، وكره الذي رأى ، فغضب الإِسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال للإسرائيلي لمَا فعل بالأمس واليوم: ﴿إِنك لَغويٌّ مبين﴾، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي (١) ليست في ((أ)). (٢) ((أ)): فبينما . (٤) ((أ)): وإن كان صفوة له مع قومه . (٥) ((أ)) : لا يستقيم له أن يقيد . (٣) سقطت من المطبوعة وأثبتها من ((أ)). - ٤٧١ - قتل فيه الفرعونيَّ ، فخاف أن يكون بعد ما قال له: ﴿ إِنك لَغويّ مبين﴾ أن يكون إياه أراد ، ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي وقال: ﴿يا موسى أتريد أن تَقْتلني كما قتلتَ نفساً بالأمس ﴾ وإنما قال له مخافةً أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركاً . وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإِسرائيلي من الخبر حين(١) يقول: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلتَ نَفْساً بالأمس ﴾ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى ، فأخذ رسلُ فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هِينَتهم ، يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة ، فاختصر طريقاً حتى سبقهم إلى موسى فأخبرهِ . وذلك من الفتون یا بن جبير ! فخرج موسى متوجهاً نحو مدين لم يلقَ بلاءً قبلَ ذلك ، وليس له بالطريق عُلم إلا حسن ظنه بربه عز وجل ، فإنه قال: ﴿عسَى ربي أن يَهْدِيني سواءَ السبيل * ولما وردَ ماءَ مَدْينَ وجد عليه أُمَّةً من الناس يَسْقُون ، ووجد من دونهم امرأتين تَذُودان﴾ يعني بذلك حابستين غنمهما؛ فقال لهما: ﴿ ما خَطْبُكُمَا ﴾ معتزلتين الناس ؟ قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القومَ وإنما ننتظر فضولَ حياضهم . فسقى لهما فجعل يغترف من الدلو ماء كثيراً حتى كان أول الرِّعاء وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما ، وانصرف موسى فاستظل بشجرة ، وقال: ﴿ ربِّ إِنِّي لِمَا أنزلتَ إليَّ من خير فقير ﴾ . واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حُفّلاً بِطَاناً (٢) فقال إن لكما اليومَ لشأناً ، فأخبرتاه بما صنع موسى ، فأمر إحداهما أن تدعوه ، فأتت موسى فدعته . فلما كلَّمه ﴿ قال لا تخَفْ نجوتَ من القوم الظالمين﴾ ليس لفرعون ولا لقومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته (٣)، فقالت إحداهما: ﴿يا أبتِ استَأْجِرْهُ إِنَّ خيرَ من (١) ((أ)): حيث . (٢) الحفل : الممتلئة الضروع باللبن . والبطان : الشباغ . (٣) ((أ)) : ملكه . - ٤٧٢ - استأجرتَ القويُّ الأمين﴾ فاحتملته الغيرة على أن قال لها : ما يدريك ما قوته وما أمانته ؟ فقالت : أمَّا قوته فما رأيتُ منه في الدَّلو حين سقى لنا، لم أرَ رجلاً قطّ أقوى في ذلك السقي منه ، وأما الأمانة فإنه نظر إليَّ حين أقبلت إليه وشخصتُ له ، فلما علم أني امرأة صوَّب رأسه فلم يرفعه حتى بلَّغته رسالتك . ثم قال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق . فلم يفعل هذا إلا وهو أمين . فسرِّي عن أبيها وصَدَّقها ، وظن به الذي قالت . فقال له : هل لك ﴿ أن أُنْكحك إحدي ابنتيّ هاتين على أن تَأْجرني ثمانيَ حِجَج ، فإن أتممتَ عَشْراً فمن عندك ، وما أريد أن أشقَّ عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثماني واجبة ، وكانت السَّنتان عِدَةً منه ، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشراً . قال سعيد - وهو ابن جبير - لقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم ، فقال : هل تدري أيُّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا [يومئذ](١) لا أدري . فلقيت ابنَ عباس فذكرتُ ذلك له ، فقال : أما علمت أن ثمانيةً كانت على نبي الله واجبةٍ ، لم يكن نبي الله لينقص منها شيئاً ؟ وتَعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عِدَته التي وعده ؛ فإنه قضى عشر سنين . فلقيتُ النصراني فأخبرته ذلك ، فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك . قلت : أجَلْ وأَوْلَى . فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصَا ويدَه ، ما قص الله عليك في القرآن . فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل(٣) وعقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام ، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون ؛ يكون له رِدْءاً يتكلّم عنه بكثير مما لا يُفصح به لسانه . فآتاه الله عز وجل [ سُؤْلِه](٣) ، وحلّ عقدةً من لسانه ، وأوحى الله إلى هارون فأمره أن يلقاه. (١) ليست في ((أ)) . (٢) ((أ)): في القتل . (٣) ((أ)): يكون عنه ردءاً. - ٤٧٣ - فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ، فانطلقا جميعاً إلى فرعون ، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذَن لهما ، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: ﴿ إنا رسولاً ربك﴾ قال: ﴿ فمن ربكما﴾ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن . قال : فما تريدان ؟ وذكّره القتيل فاعتذر بما قد سمعتَ ، قال أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل، فأبَى عليه وقال: ﴿انتِ بآيةٍ إن كنتَ من الصادقين﴾ فألقّى عصاه فإذا هي حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ، فما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم (١) عن سريره واستغاث بموسى أن يكفّها عنه ففعل ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ، يعني من غير برَص ، ثم ردَّها فعادت إلى لونها الأول . فاستشار الملأ [من](٢) حوله فيما رأى فقالوا له: ﴿إِنَّ هذان لساحران يريدان أن يُخْرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ﴾ يعنى مُلْكهم الذي هم فيه والعيش ، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب ، وقالوا له : اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير ، حتى تغلب بسحرك سحرهما . فأرسل إلى المدائن فحشِر له كلُّ ساحر متعالم ، فلما أتوا فرعون قالوا : بم يعمل هذا الساحر ؟ قالوا : يعمل بالحيات . قالوا : فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السحر بالحيات(٣) والحبال والعصي الذي نعمل، فما أَجْرُنا إنْ نحن غلَبنا ؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم . فتواعدوا يومَ الزينة وأن يُحشر الناس ضحى . قال سعيد : فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة ، اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة ، هو يوم عاشوراء . فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿ لعلنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانوا هم الغالبين ﴾ يعنون موسى وهارون استهزاء (١) ((أ)): واقتحم. (٢) ليست في ((أ)). (٣) ((أ)): يعمل بالسحر والحيات. - ٤٧٤ - بهما ، فقالوا يا موسى، بعد تريثهم بسحرهم: ﴿ إمّا أن تُلْقِي وإما أن نكونَ نحنُ المُلْقِين﴾ قال بل ألقوا، ﴿ فألقوا حبالهم وعِصِيَّهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون﴾ فرأى موسى من سحرهم ما أوجسَ في نفسه خيفةً ، فأوحى الله إليه : أنْ ألقِ عصاك﴾ فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيمة فاغرة فاها ، فجعلت العصًا تلتبس بالحبال ، حتى صارت حِرْزاً للثعابين(١) تدخل فيه حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعته . فلما عرف السحرة ذلك ، قالوا : لو كان هذا سحراً لم يبلغ من سحرنا كلَّ هذا، ولكنه أمرٌ من الله تعالى ، آمنًا بالله وبما جاء به موسى ، ونتوب إلى الله مما كنا عليه . فكسَر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر الحق ﴿وبطَل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وامرأة فرعون بارزة مُبْتَذِلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه ، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه ؛ وإنما كان حُزنها وهمّها لموسى . فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة ؛ كلما جاء بآية وعده أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا مضت أخلف موعده(٢) وقال هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ أرسل الله على قومه الطوفانَ والجراد والقُمَّل والضفادع والدم آيات مفصَّلات ، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفِّها عنه ؛ ليوافقه على أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث عهده ، حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه ، فخرج بهم ليلاً . فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضَوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر : إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلْ اثنتي عشرة فرقةً ، حتى يَجُوز موسى ومن معه ، ثم التقِ على من بقي بعدُ من فرعون وأشياعه . (١) الأصل : إلى الثعابين . (٢) ((أ)) : أخلف من غده . - ٤٧٥ - فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قَصِيف(١) مخافة(٢) أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصياً لله عز وجل ! فلما تراءى الجمعان وتقاربا ﴿قال أصحابُ موسى: إنا لَمُدْرَكُون﴾ افعل ما أمرك به ربك ، فإنه لم يَكْذب ولم تُكْذَب . قال وعدني ربي إذا أتيتُ البحر انفرقَ اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثم ذكر بعد ذلك العصا فضربَ البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى ، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما [ أن ](٣) جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ، ودخل فرعون وأصحابه ، التقى عليهم البحر كما أمِر فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه : إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه ، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلا که . ثم مُرُّوا بعد ذلك على قوم يَعْكُفون على أصنام لهم ﴿ قالوا يا موسى اجعلْ لنا إلهاً كمالهم آلهة ؛ قال إنكم قومٌ تَجْهلون « إنّ هؤلاءُ مُتَّر ما هُمْ فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون﴾ قد رأيتم من العِبَر وسمعتم ما يكفيكم . ومضى لهم فأنزلهم موسى منزلاً وقال : أطيعوا هارون فإن الله قد استخلفه عليكم ؛ فإني ذاهبٌ إلى ربي . وأُجَّلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها . فلما أتى ربَّه عز وجل وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً ، وقد صامهن ليلهن ونهارهن ، كره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم ، فتناول موسى شيئاً من نبات الأرض فمضغه ، فقال له ربه حين أتاه : لم أفطرتَ ؟ - وهو أعلم بالذي كان - قال يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح . قال : أوَما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ! ارجع فصم عشراً ثم ائتني ، ففعل موسى ما أمره به ربه . (١) القصيف : أي تكسر أمواج البحر حتى يسمع لها صوت كالرعد . (٢) ((أ)): فخاف . (٣) من ((أ)). - ٤٧٦ - فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك ، وكان هارون قد خاطبهم فقال : إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عَوَارِيُّ وودائع، ولكم فيها مثلُ ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لَكم عندهم، ولا أُحلُّ لكم وديعةً استُودعتموها ولا عارية ، ولسنا برادِّين إليهم شيئاً من ذلك ولا مُمْسكيه لأنفسنا . فحفر حفيراً وأمر كلَّ قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه ، فقال : لا يكون لنا ولا لهم . وكان السامريّ من قوم يعبدون البقر ، جيران لبني إسرائيل ، ولم يكن من بني إسرائيل ، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضي له أنْ رأى أثراً فقبض منه قبضةً فمرَّ بهارون فقال له هارون : يا سامري ألا تلقي ما في يديك ؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك ، فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا أُلقيها لشيء إلا أن تدعوَ الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد ، فألقاها ودعا له هارون . فقال : أريد أن تكون عِجْلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حِلْية أو نحاس أو حديد ، فصار عجلاً أجوف ، ليس فيه روح ولا خوار . قال ابن عباس : لا والله ما كان فيه صوت قط ، إنما كانت الريح تدخل من دُبره وتخرج من فيه ، فكان ذلك الصوت من ذلك . فتفرق بنو إسرائيل فرقاً ؛ فقال فرقة : يا سامريُّ ما هذا وأنت أعلم به ؟ قال : هذا ربكم ، ولكن موسى أضلَّ الطريق ! وقالت فرقة : لا نكذّب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ؛ فإن كان ربنا لم نكن ضيَّعناه وعكفنا عليه حين رأيناه ، وإن لم يكن ربَّنا فإنا نتبع قولَ موسى . وقالت فرقة : هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق وأُشرب فرقةٌ في قلوبهم الصدقَ بما قال السامريُّ في العجل وأعلنوا عدم التكذيب به . فقال لهم هارون عليه السلام: ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإنّ رَبَّكم الرحمن﴾ ليس هذا . - ٤٧٧ - قالوا : فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثم أحلَفنا ؟ هذه أربعون يوماً قد مضت . وقال سفهاؤهم : أخطأ ربَّه فهو يطلبه ويبتغيه . فلما كلَّم الله موسى وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه من بعده ، فرجع موسى إلى قومِهِ غَضْبَانَ أسِفاً ﴾ فقال لهم ما سمعتم مما في القرآن ﴿ وأخذ برأسٍ أخيه يجرُّه إليه﴾ وألقى الألواحَ من الغضب. ثم إنه عذَر أخاه بعذره واستغفر له ، وانصرف(١) إلى السامري فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : قبضتُ قبضةً من أثَر الرسول وفطنت لها وعُميت عليكم ﴿ فنبذتُها وكذلك سوَّلت لي نفسي = قال فاذهبْ فإن لك في الحياة أن تقول لامِسَاس وإن لك موعداً لن تُخْلَفه وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عليه عاكفاً لنحرِّقنه ثم لَننسفنَّه في اليمِّ نسفاً ﴾ ولو كان إلهاً لم يُخْلَصْ إلى ذلك منه . فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثلَ رأي هارون ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا . فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لذلك ، لا يألو الخيرَ من خِيار بني إسرائيل ومن لم يُشرك في الحق ، فانطلق بهم يسأل لهم التوبةَ فرجفت بهم الأرض . فاستحيا نبي الله عليه السلام من قومه ومن وَقْده حين فعل بهم ما فعل فقال: ﴿ رَبِّ لو شئتَ أهلكتهم من قبلُ وإياي، أَتُّهلكنا بما فعل السفهاءُ منا ؟ ﴾ وفيهم من كان الله اطّلع منه على ما أُشرب قلبه من حُبِّ الِعِجْل وإيمانه به ، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال: ﴿ورحمتي وَسِعَتْ كلَّ شيء، فسأكتُبها للذين يَتَّقون ويُؤْتون الزكاةَ والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يَتَّبعون الرسولَ النبيَّ الأميَّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﴾ . فقال : يا رب سألتك التوبة لقومي ، فقلتَ : إن رحمتي كتبتَها لقوم غير قومي ، فليتك أخَرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم . فقال له : إن توبتهم أن يَقتل كل رجل منهم من لِقِيَ من والد وولد ، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن . (١) ((أ)) : فانصرف . - ٤٧٨ - وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون [ أمرهم ] ، واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا وغفر الله القاتل والمقتول . ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجهاً نحو الأرض المقدَّسة، وأخذ الألواحَ بعدما سكتَ عنه الغضبُ ، فأمرهم بالذي أُمر به من الوظائف فثقل دلك عليهم وأُبُوا أن يقروا بها ، فنتَق(١) الله عليهم الجبل كأنه ظُلَّة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مُصْغُون ينظرون إلى الجبل ، والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم . ثم مضَوا حتى أُنُوا الأرضَ المقدسة ، فوجدوا مدينةً فيها قوم جبارون، خَلْقهم خلق منكر ، وذكروا من ثمارهم أمراً عجباً(٢) من عِظَمها ، فقالوا: ﴿ يا موسى إن فيها قوماً جَبَّارين﴾ لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها ، ﴿ فإن يَخْرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون ﴾ قيل ليزيد : هكذا قرأه ؟ قال : نعم ، من الجَبَّارين، آمنًا بموسى وخرجا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعَددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعةً عندهم ، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون . ويقول أناس : إنهم من قوم موسی . فقال الذين يَخَافون من بني إسرائيل: ﴿ قالوا يا موسى إنَّا لن نَدخلها أبداً ما داموا فيها فاذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا ها هنا قاعدون ﴾ فأغضبوا موسى ، فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقين . ولم يدعُ عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ فاستجاب الله له ، وسمَّاهم كما سماهم موسى فاسقين ، فحرَّمها(٣) عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ، يصبحون كل يوم. فيسيرون ليس لهم قَرار ، ثم ظلَّل عليهم الغَمام في التِّيه، وأنزل عليهم المنَّ والسَّلْوى ، (١) نتق: رفع .. وفي ((أ)): ونتق . (٢) ((أ)) : عجيباً. (٣) ((ط)): وحرمها. - ٤٧٩ - وجعل لهم ثياباً لا تَبْلَى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجَراً مربعاً . وأمر موسى فضربه بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، في كل ناحية ثلاثة أُعين ، وأعلَم كلَّ سِبْط عينَهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من محلة إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه [ بالمنزل الأول ](١) بالأمس . رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي عَّ له، وصدَّق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل . فقال : كيف يفشي عليه ولم يكن عَلم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك ؟ فغضب ابن عباس ، فأخذ بيد معاوية وانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري ، فقال له : يا أبا إسحاق ، هل تذكر يومَ حدثنا رسول الله عَّ له عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشَى عليه أم الفرعوني ؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإِسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره . هكذا ساق هذا الحديث الإِمام النسائي ، وأخرجه ابن جرير(٢) وابن أبي حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون . والأشبه والله أعلم أنه موقوف ، وكونه مرفوعاً فيه نظر . وغالبة متلقَّى من الإسرائيليات وفيه شيء يسير مصرَّح برفعه في أثناء الكلام . وفي بعض ما فيه نظر ونكارة ، والأغلب أنه [ من ](٣) كلام كعب الأحبار . وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجّاج المِزِّي يقول ذلك ، والله أعلم . (١) من ((أ)). (٢) تفسير الطبري ١٦٤/١٦ - ١٦٦. (٣) من ((أ)). - ٤٨٠ -