Indexed OCR Text
Pages 421-440
وقد قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمَر ، عن الزهري ، عن سِنَان بن أبي سنان الدِّيلي عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله عَ ليه قِبَل حُنَين ، فمررنا بسِدْرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا هذه ذاتَ أنّواط كما للكفار ذات أنواط . وكان الكفار يُنُوطون سلاحَهم بسِدْرة ويعكفون حولها ، فقال النبي عَ له: ((الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ إنكم تركبون سنن الذين [ من (١) قبلكم) (٢). ورواه النسائي عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق به . ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن سفيان بن عُيَينة ، عن الزهري به ، ثم قال : حسن صحيح(٣) . وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحق ومعْمَر وعقيل ، عن الزُّهري ، عن سنان بن أبي سنان ، عن أبي واقد اللَّيثي، أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله عَ لّه إلى حنين ، قال : وكان للكفار سِدْرةٍ يَعْكفون عندها ، ویعلّقون بها أسلحتهم، يقال لها ((ذات أنواط)) قال فمررنا بسدرة خضراء عظيمة ، قال : فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: ((قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قومٌ تجهلون = إن هؤلاء متَبَّر ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون﴾)) (٤) . • والمقصود أن موسى عليه السلام ، لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلادَ بيت المقدس وجد فيها قوماً من الجبارين ، من الحيثانيين والفَزاريين والكنعانيين وغيرهم . فأمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم ومقاتلتهم ، وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس ؛ فإن الله كتبه لهم ، ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل ، وموسى الكليم الجليل ، فأبَوا ونكَلوا عن الجهاد ، فسلط الله عليهم الخوف . وألقاهم في (١) ليست في ((أ)) . (٢) مسند أحمد ٢١٨/٥ ( ط اليمنية). (٣) سنن الترمذي حديث رقم ٢١٨٠. (٤) تفسير الطبري ٤٥/٩ . - ٤٢١ - التّيه(١) ، يسيرون ويَحِلُّون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون، في مدة من السنين طويلة هي من العدد أربعون، كما قال الله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمةً الله عليكم ، إذ جعل فيكم أنبياءَ وجعلكم ملوكاً ، وآتاكم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين * يا قوم ادخلوا الأرضَ المقدَّسة التي كتب الله لكم ، ولا تَرْتَدُّوا على أدباركم فَتَنْقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى إنَّ فيها قوماً جبارين ، وإنا لن نَدْخلَها حتى يخرجوا منها ، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون » قال رجلان من الذين يخافون أنعَم الله عليهما ، ادخلوا عليهم البابَ ، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون = وعلى الله فتوكِّلوا إن كنتم مؤمنين * قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ، فاذهب أنت وربُّكَ فقاتِلًا إنا هاهنا قاعدون * قال ربِّ إني لا أملكُ إلا نفسي وأخي ، فافرُقْ بيننا وبين القومِ الفاسقين . قال فإنها مُحَرَّمة عليهم أربعين سنة يَتِيهون في الأرضِ فلا تأسَ على القوم الفاسقِين ﴾(٢). • يذكِّرهم نبي الله نعمةَ الله عليهم وإحسانه إليهم بالنعم الدينية والدنيوية ، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال: ﴿ يا قوم ادخلوا الأرضَ المقدَّسَة التي كتب الله لكم ولا تَرْتَدُّوا على أدباركم﴾ أي تنكصوا على أعقابكم ، وتَنْكِلُوا(٣) عن قتال أعدائكم ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ أي فتخسروا بعد الربح ، وتَنْقُصوا بعد الكمال . ﴿ قالوا يا موسى إن فيها قوماً جَبَّارين﴾ أي عتاةً كفَرة متمردين ﴿وإنا لن فَأَنَذْخُلَها حتى يخرجوا منها فإن يَخْرجوا منها فإنا داخلون﴾ خافوا من هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاكَ فرعون، وهو أَجْبَر من هؤلاء وأشد بأساً ، وأكثر جمعاً وأعظم جُنْداً . وهذا يدل على أنهم مَلُومون في هذه المقالة ، ومذمومون على هذه الحالة ، من الذلّة عن مُصَاولة الأعداء ، ومقاومة المَردة الأشقياء . (١) التيه بفتح التاء وسكون الياء : الضلال. وقد ذكر صاحب القاموس أن التاء فيه قد تكسر وهنا يشتبه بالتيه بمعنى الكبر والخيلاء . ويفرق بينهما السياق . (٢) سورة المائدة ٢٠ - ٢٦. (٣) تنكلوا: تجبنوا وتنكصوا، وهو من باب ضرب ونصر وعلم. أي يجوز في عينه - وهي الكاف - الكسر والضم والفتح . - ٤٢٢ - وقد ذكر كثير من المفسرين ها هنا آثاراً فيها مجازَفات كثيرة باطلة ، يدل العقل والنقل على خلافها من أنهم كانوا أشكالاً هائلة ضخاماً جدًّا حتى إنهم ذكروا أن رسل بني إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجبارين ، فجعل يأخذهم واحداً واحداً، ويلفهم في أكمامه وحجرة سراويله ، وهم اثنا عشر رجلاً ، فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبارين ، فقال : ما هؤلاء ؟ ولم يعرف أنهم من بني آدم حتّى عَّفوه ! وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها . وأن الملك بعث معهم عنباً كلُّ عنبة تكفي الرجُل ، وشيئاً من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم . وهذا ليس بصحيح . وذكروا ها هنا أن تُوج بن ◌ُنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم ، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة [ذراع](١) وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع . هكذا ذكره البغوي وغيره ، وليس بصحيح، كما قدمنا بيانه عند قوله عد له: ((إن الله خلق آدم [ طوله ](١) ستون ذراعاً ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن)). قالوا : فعمد عوج إلى قمة (٢) جبل فاقتلعها ، ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى ، فجاء طائر فنقَر تلك الصخرة فخرقها فصارت طَوقاً في عنق عوج بن عنق . ثم عمد موسى إليه فوثب في الهواء عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع ، وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع ، فوصل إلى كعب قدمه فقتله . يروى هذا عن نَوْف(٣) البِكَالي ، ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفي إسناده إليه نظر (٤). ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات ، وكل هذه من وضع جُهَّال بني إسرائيل ؛ فإن الأخبار الكاذبة قد كثرت عندهم ، ولا تمييز لهم بين صحتها وباطلها . (١) من ((أ)). (٢) ((أ)) : قلة . (٣) المطبوعة: عوف. محرفة . وهو نوف بن فضالة التابعي نسب إلى قومه بني بكال بطن من حمير . (٤) تفسير الطبري ١٧٤/٦ . - ٤٢٣ - ثم لو كان هذا صحيحاً لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم ، وقد ذمهم الله على نكولهم ، وعاقبهم بالتّيّه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم . وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام ، ونهياهم عن الإِحجام ، ويقال : إنهما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا . قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسُّدّي والربيع بن أنس ، وغير واحد . ﴿ قال رجلان من الذين يخافون ﴾ أي يخافون الله، وقرأ بعضهم يُخافون﴾ أي يُهَابون ﴿أنعم الله عليهما﴾ أي بالإِسلام والإِيمان والطاعة والشجاعة ﴿ ادخلوا عليهم البابَ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون » وعلى الله فتوَكَّلوا إن كنتم مؤمنين﴾ أي إذا توكلتم على الله، واستعنتم به ولجأتم إليه ، نصركم على عدوكم [ وأيدكم عليهم ](١) وأظفركم بهم . قالوا يا موسى إنَّا لن نَدْخُلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتِلا إنّا ها هنا قاعدون﴾ فصمَّم ملؤهم على النكُول عن الجهاد، ووقع أمرٌ عظيم ووهَن كبير، فيقال إن يوشع وكالب لما سمعا هذا الكلام شقًّا(٢) ثيابهما ، وإن موسى وهارون سجدا إعظاماً لهذا الكلام وغضباً لله عز وجل ، وشفقةً عليهم من وبيل هذه المقالة . قال ربِّ إني لا أَمْلك إلا نفسي وأَخِي، فافرُقْ بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ قال ابن عباس : اقضٍ بيني وبينهم. ﴿قال فإنها محرَّمة عليهم أربعِين سنة يتيهون في الأرض فلا تأسَ على القوم الفاسقين﴾ عوقبوا على نُكولهم بالتيهان في الأرض ؛ يسيرون إلى غير مَقْصد ، ليلاً ونهاراً وصباحاً ومساء . ويقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله ، بل ماتوا كلهم في مدة أربعين سنة ، ولم يبق إلا ذراريهم ، سوى يوشع وكالب عليهما السلام . لكن أصحاب محمد عَ لّه يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم(٣) موسى لموسى؛ بل لما استشارهم في الذهاب إلى النَّفير تكلم الصِّديقُ فأحسَن ؛ وتكلم غيره(٤) من (١) ليست في (أ)) . (٢) ((أ)): فتقا . (٣) (( أ)) : أصحاب موسى. (٤) ((أ )) : وغيره . - ٤٢٤ - المهاجرين . ثم جعل يقول: ((أشيروا عليّ))، حتى قال سعدُ بن معاذ: كأنك تعرِّض بنا يا رسول الله ؟ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضْتَ بنا هذا البحر فخضْتَه لخضناه معك ، ما تخلَّف منا رجل واحد ، وما نَكْره أن تلقي بنا عدوَّنا غداً ، إنا لصُّبُر في الحرب ،صُدِقٌّ في اللقاء، ولعل الله أن يريك منَّا ما تقرّ به عينُك ، فسِرْ بنا على بركة الله. فسُرَّ رسولُ الله عَ لِّ بقول سعد ونشَّطه ذلك . وقال الإِمام أحمد : حدثنا وَكِيع ، حدثنا سفيان ، عن مَخارق بن عبد الله الأحمسي ، عن طارق - هو ابن شهاب - أن المِقْداد قال لرسول الله عَ لّه يومَ بدر : يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ اذهبْ أنت ورُبُّك فقاتِلا إنا ها هنا قاعدون﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون . وهذا إسناد جيد من هذا الوجه ، وله طرق أخرى(١). قال أحمد : [ حدثنا عمرو بن محمد أبو سعيد يعني العَنْقري، أنبأنا إسرائيل ](٢) حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مُخَارق ، عن طارق بن شهاب ، قال : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لقد شهدتُ من المقداد مَشْهِداً ، لَأَن أكون أنا صاحبَه، أحبُّ إليّ مما ◌ُعُدِل به. أتى رسولَ الله عَّه وهو يدعو على المشركين فقال(٣): والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿ اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا ها هنا قاعدون﴾، ولكننا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك ومن بين يديك ومن خَلْفك. فرأيتُ وجه رسول الله عَ لِّ يُشْرق لذلك وسُرَّ بذلك (٤). رواه البخاري في التفسير ، والمغازي من طُرق عن مُخَارق به . (١) مسند أحمد ١٨٤/٤. (٢) من مسند أحمد . (٣) ((أ)): قال . (٤) مسند أحمد ٣٩٠/١، ٤٢٨ (ط الميمنية). - ٤٢٥ - وقال الحافظ أبو بكر بن مردویه : حدثنا علي بن الحسين بن علي ، حدثنا أبو حاتم الرازي ، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا حُميد عن أنس ، أن رسول الله عٍَّ لما سار إلى بدر، استشار المسلمين فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إيّاكم يريد رسول الله عَ لّه، قالوا: إذاً لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذهب أنتَ ورُبُّك فقاتِلًا إنا ها هنا قاعدون﴾، والذي بعثك بالحق لو ضربْتَ أكبادها إلى بَرْك(١) الغِمَاد لاتبعناك. رواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس به(٣)، ورواه النسائي عن محمد بن المثنى ، عن خالد بن الحارث ، عن حميد ، عن أنس به نحوه . وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يَعْلَى، عن عبد الأعلى بن حماد عن معتمر(٢) عن حمید عن أنس به نحوه . (١) برك الغماد: موضع باليمن أو وراء مكة بخمس ليال، أو أقصى معمور الأرض . (٢) ((ط)): عن معمر . (٣) مسند أحمد ١٨٨/٣. - ٤٢٦ - فصل في دخول بني إسرائيل التيه وما جرى لهم فيه من الأمور العجيبة قد ذكرنا نكولَ بني إسرائيل عن قتال الجبارين ، وأن الله تعالى عاقبهم بالتّيْه ، وحكم بأنهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنة . ولم أر في كتاب أهل الكتاب قصة نُكولهم عن قتال الجبارين ، ولكن فيها : أن يوشع جهَّزه موسى لقتال طائفة من الكفار ، وأن موسى وهارون وخور جلسوا على رأس أكمة ، ورفع موسى عصاه ، فكلما رفعها انتصر يوشع عليهم ، وكلما مالت يده بها من تعب أو نحوه غلبهم أولئك وجعل هارون وخور يَدْعَمان يَديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس ، فانتصر حزب يوشع عليه السلام . وعندهم أن ((يثرون)) كاهن مَدْيَن وخَتَن(١) موسى عليه السلام بلغه [ ما كان من ](٢) أمر موسى وكيف أظفره الله بعدوّه فرعون ، فقدِم على موسى مُسْلماً ، ومعه ابنته ((صفورا)) زوجة موسى، وابناها منه، جرشون، وعازر، فتلقاه موسى وأكرمه ، واجتمع به شيوخ بني إسرائيل وعظموه وأجلّوه. وذكروا أنه رأى كثرة اجتماع بني إسرائيل على موسى في الخصومات التي تقع بينهم ، فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالاً أمناء أتقياء أعفّاء ، يُبْغِضون الرُّشَا(٣) والخيانة ، فيجعلهم على الناس رءوسَ ألوف ، ورءوس مئین ، ورءوس خمسين ، ورءوس عشرة ، فيقضوا بين الناس ، فإذا أشكل عليهم أمر جاءوك ففصلْت بينهم ما أشكل عليهم ، ففعل ذلك موسى عليه السلام . قالوا : ودخل بنو إسرائيل البِّية عند سيناء ، في الشهر الثالث من خروجهم (١) الخَتَن : الصهر ، أو كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ . (٣) الرشا ، بضم الراء ، وكسرها جمع الرشوة ، وهي الجعل . (٢) ليست في (( أ). - ٤٢٧ - من مصر . وكان خروجهم في أول السنة التي شُرعت لهم ، وهي أول فصل الربيع ، فكأنهم دخلوا التيه في أول فصل الصيف . والله أعلم . قالوا : ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء ، وصعد موسى الجبل فكلمه ربه ، وأمره أن يذكّر بني إسرائيل بما أنعم به عليهم ، من إنجائه إياهم من فرعون وقومه ، وكيف حَملهم على مثل جناحَيْ نَسْر من يده وقبضته ، وأمره أن يأمر بني إسرائيل بأن يتطهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابهم وليستعدوا إلى اليوم الثالث ، فإذا كان في اليوم الثالث فليجتمعوا حول الجبل ، ولا يقتربن أحد منهم إليه ، فمن دنا منه قُتل ، حتى ولا شيء من البهائم ، ما داموا يسمعون صوتَ القَرْن(١) فإذا سكن القرن فقد حل لكم أن ترتقوه . فسمع بنو إسرائيل ذلك وأطاعوا(٢) واغتسلوا وتنظفوا وتطيبوا. فلما كان اليوم الثالث ركب الجبل غمامةٌ عظيمة ، وفيها أصوات وبروق ، وصوت الصُّور شديد جداً . ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعاً شديداً ، وخرجوا فقاموا في سفح الجبل ، وغشى الجبلَ دخان عظيم في وسطه عمود نور(٣) زلزل الجبل كله زلزلةً شديدةً ، واستمر صوت الصُّور ، وهو البوق واشتد ، وموسى عليه السلام فوق الجبل ، والله يكلّمه ويناجيه . وأمر الرب عز وجل موسى أن ينزل ؛ فيأمر (٤) بني إسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصية الله ، وأمر الأحبار ، وهم علماؤهم ، أن يدنوا فيصعدوا الجبل ، ليتقدَّموا (٥) بالقرب . وهذا نصٌّ في كتابهم على وقوع النَّسخ [ لا محالة](٦). فقال موسى : يا رب إنهم لا يستطيعون أن يصعدوا ، وقد نهيتَهم عن ذلك فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتي معه بأخيه هارون ، وليكن الكهنةُ وهم العلماء ، (١) القرن: ما ينفخ فيه، ومنه حديث الترمذي: قال رسول الله عَ له: ((كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنا جبهته )) يعني إسرافيل . (٢) ((أ)): فأطاعوه. (٣) ((أ)): نار . (٤) المطبوعة : فأمر . (٥) المطبوعة : ليقدموا . (٦) ليست في ((أ)). - ٤٢٨ - والشعب وهم بقية بني إسرائيل ، غير بعيد ، ففعل موسى . وكلمه ربه عز وجل ، فأمره حينئذ بالعشر الكلمات . وعندهم أن بني إسرائيل سمعوا كلامَ الله ، ولكن لم يفهموا حتى فهَّمهم موسى ، وجعلوا يقولون لموسى : بلِّغنا أنت عن الرب عز وجل ، فإنا نخاف أن نموت . فبلَّغهم عنه فقال هذه العشر الكلمات : وهي : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ، والنهي عن الحلف بالله كاذباً . والأمر بالمحافظة على السَّبْت ومعناه تفرّغ يوم من الأسبوع للعبادة ، وهذا حاصلٌ بيوم الجمعة الذي نسَخ الله به السبت ، أكرمْ أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض . الذي يعطيك الله رُبُّك. لا تَقْتل . لا تَزْن. لا تَسْرِق. لا تشهد على صاحبك شهادةَ زور . لا تمدّ عينَك إلى بيت صاحبك ، ولا تشتهِ امرأةً صاحبك، ولا عبدَه ولا أمَته ولا ثَوره ، ولا حماره ، ولا شيئاً من الذي لصاحبك . ومعناه النهي عن الحسد . وقد قال كثير من علماء السلف وغيرهم : مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن، وهما قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ قل تعالَوا أثْلُ ما حرَّم ربكم عليكم أن لا تُشركوا به شيئاً ، وبالوالدين إحساناً ، ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ، ولا تَقْرَبوا الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن ، ولا تقتلوا النفسَ التي حرَّم الله إلا بالحق ، ذلكم وصَّاكم به لعلكم تَعْقلون * ولا تقربوا مالَ اليتيم إلا بالتي هي أحْسَنُ حتى يبلغ أشُدَّه وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلِّف نفساً إلا وُسْعها، وإذا قُلْتم فاعِدِلوا ولو كان ذا قُرْبِى، وبعهد الله أوْفوا ، ذلكم وصاكم به لعلكم تذَكَّرون « وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السُّبُل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ﴾(١) . وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرة وأحكاماً متفرقة عزيزة ، كانت فزالت ، وعمل بها حيناً من الدهر ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها ، ثم عَمَدوا (١) سورة الأنعام ١٥١ - ١٥٣. - ٤٢٩ - إليها فبدَّلوها وحرَّفوها ، ثم بعد ذلك كله سُلبوها فصارت منسوخة مبدَّلة ، بعدما · كانت مشروعة مكملة . فلله الأمر من قبل ومن بعد ، وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ألّا له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين . وقد قال الله تعالى: ﴿ يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عَدُوَّكُمْ وواعدناكم جانبَ الطور الأيمنَ ونَّلنا عليكم المَنَّ والسَلْوى » كلوا من طيباتِ ما رزقناكمٍ ولا تطغوا فيه فيحِلَّ عليكم غَضبي ، ومن يَحْلِلْ عليه غضبي فقد هَوَى » وإنِّي لغفَار لمن تاب وآمَن وعمل صالحاً ثم اهتدى ﴾(١). · يذكر تعالى مِنّته وإحسانه إلى بني إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم وخلَّصهم من الضِّيق والخَرَج وأنه وعدهم صحبةً نبيهم إلى جانب الطور الأيمن أي منهم ؛ لينزل عليه أحكاماً عظيمة فيها مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم وأنه تعالى أنزل عليهم في حال شدتهم وضرورتهم في سفرهم(٢) في الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع مَنَّا من السماء ، يصبحون فيجدونه خلالَ بيوتهم ، فيأخذون منه قَدْر حاجتهم في ذلك اليوم إلى مثله من الغد ، ومن ادخر منه لأكثر من ذلك فسَد ، ومن أخذ منه قليلاً كفَاه ، أو كثيراً لم يَفْضل عنه ، فيصنعون منه مثل الخبز ، وهو في غاية البياض والحلاوة ، فإذا كان من آخر(٣) النهار غشيهم طَير السَّلوى، فيقتنصون منه (٤) بلا كلفة ما يحتاجون إليه حسب كفايتهم لعشائهم . وإذا كان فصل الصيف ظلَّل الله عليهم الغمام ، وهو السحاب الذي يستر عنهم حر الشمس وضوءها الباهر ؛ كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ يا بني إسرائيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أنعمتُ عليكم ، وأوفوا بعهدي أُوفٍ بعهدكم وإياي فارهبون * وآمِنوا بما أنزلتُ مصدِّقاً لما معكم ولا تكونوا أولَ كافٍ به ، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإيايَ فاتقون (١) سورة طه ٨٠ - ٨٢ . (٢) ((أ)): وسفرهم. (٣) ((أ)): في آخر. (٤) ((أ)): منها. (٥) سورة البقرة ٤٠، ٤١. - ٤٣٠ - إلى أن قال: ﴿وإذ نجَيناكم من آل فرعون يَسُومونكم سوءَ العذاب يذبِّحون أبناءكم ويَسْتحيون نساءكم وفي ذلكم بلاءٌ من ربكم عظيم . وإذ فَرقْنا بكم البحرَ فأنجيناكم وأغرقْنَا آلَ فرعون وأنتم تنظرون " وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ، ثم اتخذتم العِجلَ من بعده وأنتم ظالمون » ثم عَفَوْنا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون » وإذ آتينا موسى الكتابَ والفرقان لعلكم تهتدون " وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظَلمتم أنفسكم باتخاذكم العِجل ، فُتُوبوا إلى بارئكم ، فاقتلوا أنفسكم ، ذلكم خيرٌ لكم عند بارئكم فتابَ عليكم إنه هو التوابُ الرحيم ﴿ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جَهرةً ، فأخذتكم الصاعقةُ وأنتم تَنظرون » ثم بعثناكم من بَعْدِ موتكم لعلكم تشكرون » وظلَّلْنا عليكم الغمامَ وأنزلنا عليكم المنَّ والسَّلوى ، كلوا من طيبات ما رزقناكم، وما ظَلَمونا ولكن كانوا أنفسَهم يظلِمون ﴾(١) . إلى أن قال: ﴿وإذ اسْتَسْقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عَيناً ، قد عَلم كلُّ أُناس مَشْربهم ، كلُوا واشربوا من رزق الله ولا تعثَوْا في الأرض مفسدين « وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعامٍ واحد ، فادعُ لنا رَبَّك يُخرجْ لنا مما تنبتُ الأرضُ من بَقْلها وقِّائها وفُومها وعدسها ، وبصَلها ، قال أتستبدلون الذي هو أَدْنَى بالذي هو خير ؟ اهبطوا مِصراً فإن لكم ما سألتم ، وضُربت عليهم الذِّلَّة والمسْكَنَة وباءوا بغضب من الله ، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾(٢). فذكر تعالى إنعامه عليهم ، وإحسانه إليهم ، بما يَسَّر لهم من المن والسَّلوى ، طعامين شهيين بلا كُلُّفة ولا سَعْي لهم فيه ، بل ينزل الله المنَّ باكراً ، ويرسل عليهم طيرَ السلوى عشياً ، وأنبع لهم الماء ؛ يضرب موسى عليه السلام حجراً كانوا يحملونه معهم بالعصا ، فتفجَّ منه اثنتا عشرة عيناً ، لكل سبط عينٌ منه تنبجس ، ثم تتفجر ماء زلالاً فيستقون [ فيشربون ](٣) ويسقون دوابّهم ، ويدّخرون كفايتهم ، وظلل عليهم الغمام من الحر . (١) سورة البقرة ٤٩ - ٥٧ . (٢) سورة البقرة ٦٠، ٦١. (٣) من ((أ)). - ٤٣١ - • وهذه نعم من الله عظيمة ، وعَطيّات جَسيمة ، فما رَعَوها حق رعايتها ، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها . ثم ضجر كثير [ منهم ](١) منها وتبرموا بها ، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها ، مما تنبت الأرض من بَقْلها وقِّائها وفُومها وعدسها وبصَلها . فقرَّعهم الكليم ووبَّخهم وأَّبهم(٢) على هذه المقالة وعنفهم قائلاً: أتستبدلون الذي هو أُدْنَى بالذي هو خَيْر ؟ اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم ﴾ أي هذا الذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي أنتم فيها حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها ، وإذا هبطتم إليها ، أي ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها - تجدون بها ما تشتهون وما تَرومون مما ذكرتم من المآكل الدنيّة والأغذية الرَّدِيَّة ، ولكني لست أجيبكم إلى سؤال ذلك ها هنا، ولا أبلغكم ما تعنَّتم به من المنَی . وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم ، تدل على أنهم لم ينتهوا عما نُهوا عنه ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلا تَطْغَوا فيه فيحِلَّ عليكم غضبي، ومن يَحْلِلْ عليه غضبي فقد هَوَى﴾ أي فقد هلك وحق له والله الهلاك والدمار ، وقد حل عليه غضب الملك الجبار . ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد ، بالرجاء لمن أناب وتاب ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد ، فقال : ﴿وإني لغَّفَّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدی - ٠ .. (١) من ((أ)). (٢) ((أ)) : ونبههم. - ٤٣٢ - سؤال الرؤية قال تعالى: ﴿وواعَدْنا موسى ثلاثين ليلةً وأتممناها بعَشْر ، فتم ميقاتُ رَبِّه أربعين ليلة، وقال موسى لأخيه هارون اخلُفْني في قومي وأَصْلِح ولا تتّبع سبيلَ المفسدين * ولما جاءَ موسى لميقاتنا وكلَّمه ربه ، قال ربِّ أرِنِي أَنظُرْ إليك ، قال لن تَراني ، ولكن انظر إلى الجبل ، فإن استقر مكانه فسوف تراني ، فلما تجلَّى ربُّه للجبل جعله دَكَّا وخرَّ موسى صَعِقاً ، فلما أفاقَ قال سبحانك تبتُ إليك وأنا أولُ المؤمنين » قال يا موسى إني اصطفيتُك على الناسِ برِسالاتي وبكلامي ، فخذْ ما آتيتك وكن من الشاكرين . وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظةً وتفصيلاً لكل شيء ، فخذها بقوة، وأُمُرْ قومَك يأخذوا بأحسنها ، سأريكم دارَ الفاسقين * سأَصْرف عن آياتي الذين يتكَّرون في الأرضِ بغير الحق ، وإن يَروا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها ، وإن يَروا سبيلَ الرشد لا يتخذوه سبيلاً ، وإن يَروا سبيلَ الغَّ يتخذوه سبيلاً ، ذلك بأنهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين = والذين كَذبوا بآياتنا ولقاءِ الآخرة حَبِطَت أعمالهم هل يُجزون إلا ما كانوا يعملون﴾(١). قال جماعة من السلف منهم ابن عباس ومسروق ومجاهد : الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله ، وأتمت أربعين ليلة بعشر من ذي الحجة . فعلى هذا يكون كلام الله (٢) له يومَ عيد النحر، وفي مثله أكمل الله عز وجل لمحمد عَ ◌ّه دينه، وأقام(٣) حجته وبراهينه . • والمقصود أن موسى عليه السلام لما استكمل الميقات ، وكان فيه صائماً يقال إنه لم يستطعم الطعام ، فلما كمل الشهر أخذ لحاءَ شجرة فمضغه ليطيب ريح (١) سورة الأعراف ١٤٢ - ١٤٧ . (٢) ((أ)» : كلامه له. . (٣) ((أ)): وإقامة. - ٤٣٣ - فمه ، فأمره الله أن يمسك عَشْراً أخرى ، فصارت أربعين ليلة . ولهذا ثبت في الحديث: أن (( خُلُوفَ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك))(١). • فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون ، المحَّب المبجَّل الجليل . وهو ابن أمه وأبيه ، ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه ، فوصَّاه ، وأمَره وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة . قال الله تعالى: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ أي في الوقت الذي أُمر بالمجيء فيه ﴿ وكلمه ربه﴾ أي كلمه الله من وراء حجاب، إلا أنه أسمعه الخطاب ، فناداه وناجاه ، وقرّبه وأدناه . وهذا مقام رفيع ومعقل منيع ، ومنصب شريف ومنزل منيف ، فصلوات الله عليه تَتْرى ، وسلامه عليه في الدنيا والأخرى . ولما أُعطي هذه المنزلة العليّة والمرتبة السنية، وسمع الخطاب ، سأل رَفْع الحجاب ، فقال للعظيم الذي لا تُدركه الأبصار القوي البرهان: ﴿رَبِّ أَرِني أنظر إليك قال لن تراني﴾ ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجلّه تبارك وتعالى ، لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتاً وأشد ثباتاً من الإِنسان ، لا يثبت عند التجلِّي من الرحمن ، ولهذا قال: ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني ﴾ . وفي الكتب المتقدمة: أن الله تعالى قال له: (( يا موسى إنه لا يراني حيّ إلا مات ، ولا يابس إلا تَدَهدَه))(٢) . وفي الصحيحين عن أبي موسى عن رسول الله عَ لم أنه قال: ((حِجَابه النور - وفي رواية النار - لو كشفه لأحرقت سُبحاتٌ(٣) وجهه ما انتهى إليه بصَرَه مِن خلقه )) (٤) . وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ لا تُدْركه الأبصار ﴾(٥) ذاك نوره الذي (١) صحيح البخاري كتاب الصوم ٢٦٥/١ (ط الأميرية). (٢) تدهده : تدحرج . (٤) صحيح مسلم كتاب الإِيمان حديث رقم ٢٩٣ . (٣) السبحات : الأنوار . (٥) سورة الأنعام ١٠٣ . - ٤٣٤ - هو نوره ، إذا تجلّى لشيء لا يقوم له شيء . ولهذا قال تعالى: ﴿ فلما تجلَّى رَبُّه للجبل جعله دكًا وخرَّ موسى صَعِقاً ، فلما أفاق قال سبحانك تُبتُ إليك وأنا أولُ المؤمنين ﴾. قال مجاهد: ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني﴾ فإنه أكبر منك وأشد خلقاً، ﴿ فلما تجلَّى ربه للجبل﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك ، وأقبل الجبل فدُكَّ على أوله ، ورأى موسى ما يصنع الجبل فخرَّ صعقاً . وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد والترمذي ، وصححه ابن جرير والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت ، زاد ابن جرير وليث عن أنس أن رسول الله عَ ◌ّه قرأ: ﴿ فلما تجلَّى ربه للجبل جعله دَكَّا ﴾ قال هكذا بإصبعه ، ووضع النبي عَ ◌ِّ الإبهامَ على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل(١). لفظ ابن جرير . وقال السُّدي عن عِكْرمة ، عن ابن عباس : ما تجلّى - يعني من العظمة - منه إلا قدر الخنصر فجعل الجبل دكّاً، قال: تراباً، ﴿وخَرَّ موسى صَعقاً أي مغشيًّا عليه. وقال قتادة: ميتاً. والصحيح الأول لقوله: ﴿ فلما أفاق﴾ فإن الإفاقة إنما تكون عن غَشْي ﴿قال سبحانك﴾ تنزيه وتعظيم وإجلال أن يراه بعظمته أحد، ﴿ تُبتُ إليك ﴾ أي فلست أسأل بعد هذا الرؤيةً، ﴿وأنا أول المؤمنين﴾ أنه لا يراك . حيّ (٢) إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَه. وقد ثبت في الصحيحين من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله عد له: (( لا تخيِّروني من بين الأنبياء ، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قَبلي أم جُوزِي بصَعْقة الطور ؟)) . (١) مسند أحمد ٢٠٩/٣. (٢) ((أ)): أحد حي. - ٤٣٥ - لفظ البخاري (١). وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاري حين قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر. فقال رسول الله: ((لا تخيروني من بين الأنبياء )). وفي الصحيحين من طريق الزهري عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة، عن النبي عَ® بنحوه. وفيه: ((لا تخيروني على موسى)) وذكر تمامه(٢) . وهذا من باب الهضم والتواضع ، أو نهيّ عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية ، أو ليس هذا إليكم بل الله هو الذي رفع بعضَهم فوق بعض درجات ، وليس يُنال هذا بمجرد الرأي ، بل بالتوقيف . ومن قال إن هذا قاله قبل أن يَعلم أنه أفضل ، ثم نُسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلهم ، ففي قوله نظر ، لأن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة ، وما هاجر أبو هريرة إلا عامَ حُنين متأخراً ، فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا . والله أعلم . ولا شك أنه صلوات الله وسلامه عليه ، أفضل البشر بل الخليقة ، قال الله تعالى: ﴿ كنتم خيرَ أُمة أخرجت للناس﴾(٣) وما كَملوا إلا بشرف نبيهم. وثبت بالتواتر عنه، صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)) (٤). ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الذي يَعْبطه به الأولون والآخرون ، الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون ، حتى أولو العزم الأكملون : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم . وقوله معَ له: ((فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش - أي آخذاً بها - فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصَعْقة الطور)) دليل على أن هذا (١) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق ١١٦/٢ ( ط الأميرية ) . (٣) سورة آل عمران ١١٠. (٢) صحيح البخاري ١١٨/٢ (ط الأميرية) وصحيح مسلم كتاب الفضائل ٣٤٥/٢ (ط عيسى الحلبي ) . (٤) صحيح البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة الإسراء. ونصه: ((أنا سيد الناس يوم القيامة)) ٣٢٩/٢ ( ط الأميرية) . - ٤٣٦ - الصَّعق الذي يَحْصل للخلائق في عَرصات القيامة ، حين يتجلى الربُّ لفصل القضاء بين عباده ، فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلال ، فيكون أولهم إفاقةً محمدٌ خاتم الأنبياء ، ومصطفَى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء ، فيجد موسى باطشاً بقائمة العرش. قال الصادق المصدوق: ((فلا أدري أَصُعق فأفاق قبلي؟)) أي وكانت صعقته خفيفةً، لأنه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق، (( أو جُوزي بصعقة الطور؟ )) يعني فلم يُصعق بالكلّية . وهذا فيه شرف كبير لموسى عليه السلام من هذه الحيثية ، ولا يلزم تفضيله بها مطلقاً من كل وجه. ولهذا نبه رسول الله عَ ◌ّم على شرفه وفضيلته بهذه الصفة ؛ لأن المسلم لمَّا ضرب وجه اليهودي حين قال : لا والذي اصطفى موسى على البشر ، قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هَضْم بجناب موسى عليه السلام ، فبيَّن النبي عَّ الم فضيلته(١) وشرفه. وقوله تعالى : ﴿ قال يا موسى إني اصطفيتُكَ على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ أي في ذلك الزمان ، لا ما(٢) قبله ؛ لأن إبراهيم الخليل أفضل منه ، كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم، ولا ما بعده ؛ لأن محمداً عَ لَّمِ أفضل منهما، كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسَلين والأنبياء، وكما ثبت أنه قال: ((سأقوم مقاماً يَرْغب إِلَّ الخَلْقُ حتى إبراهيم))(٣) . وقوله تعالى: ﴿فخذ ما آتيتُك وَكُن من الشاكرين﴾ أي فخذ ما أعطيتك من الرسالة والكلام ، ولا تسأل زيادة عليه ، وكن من الشاكرين على ذلك . وقال الله تعالى: ﴿وَكتَبْنا له في الألواح من كلِّ شيءٍ موعظةً وتفصيلاً لكل شيء ﴾ وكانت الألواح من جوهر نفيس ، ففي الصحيح : أن الله كتب له التوراة بيده ، وفيها مواعظ عن الآثام ، وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام . فخُذْها بقوة﴾ أي بعزم ونية صادقة قوية ﴿وأُمُرْ قومَك يأخذوا (١) ((أ)) : فضله . (٢) ((أ)) : فيما قبله . (٣) سبق تخريج هذا الحديث في قصة إبراهيم عليه السلام. - ٤٣٧ - بأحسنها﴾ أن يضعوها على أحسن وجوهها وأجمل محاملها ﴿ سَأُرِيكُم دارَ الفاسقين ﴾ أي سترون عاقبة الخارجين عن طاعتي ، المخالفين لأمري ، المكذبين الرسلي . ﴿ سأصرف عن آياتي﴾ أي عن فهمها وتدبّرها، وتعقّل معناها الذي أريد منها ، ودلَّ عليه مقتضاها، ﴿الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يَروا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها ﴾ أي ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق والمعجزات، لا ينقادون لاتباعها، ﴿وإن يَرَوْا سبيل الرُّشْدِ لا يتخذوه سبيلاً ﴾ أي لا يسلكوه ولا يتبعوه ، وإن يروا سبيلَ الغَيّ يتخذوه سبيلاً ، ذلك بأنهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ﴾ أي صرفناهم عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا ، وتغافلهم عنها ، وإعراضهم عن التصديق بها والتفكير في معناها ، وترك العمل بمقتضاها. ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حَبِطت أعمالهم هل يُجْزَوْنَ إلا ما كانوا يعملون - ٤٣٨ - قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم قال الله تعالى: ﴿واتَّخَذَ قومُ موسى مِن بَعْدِه من حُليّهم عجلاً جسداً له خُوَار، ألم يَروا أنه لا يكلِّمهم ولا يَهديهم سبيلاً، اتَّخَذُوه وكانوا ظالمين . ولما سُقِطَ في أيديهم ورأوا أنهم قد ضَلُّوا، قالوا لئن لم يَرْحمنا ربُّنًا ويغفر لنا لنكونَنَّ من الخاسرين ولما رَجع موسى إلى قومِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً ، قال ◌ِْسما خلَقْتُموني مِن بَعدي أعَجِلْتم أمرَ ربكم، وألْقَى الألواحَ وأخَذَ برأسٍ أخيه يجرُّه إليه، قال ابن أمَّ إِنَّ القومَ استضعفوني وكادوا يقتلوني، فلا تُشْمِتْ بِيَ الأعداءَ ولا تجعلني مع القوم الظالمين * قال ربِّ اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين * إنَّ الذين اتخذوا العِجْلَ سَيَنالُهم غضَبٌ من ربهم وذِلّةٌ في الحياة الدنيا، وكذلك نَجْزي المفترين * والذين عَملوا السيئاتِ ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربّك من بَعْدها لَغفور رحيم » ولما سكتَ عن موسى الغضبُ أخذَ الألواحَ وفي نسختها هدى ورحمةٌ للذين هم لربهم يُرْهبون﴾(١) . وقال تعالى: ﴿ وما أَعْجَلَك عن قَوْمك يا موسى » قال هم أولاء على أثري وعَجِلْتُ إليك ربِّ لِتَرْضَى * قال فإِنَّا قد فتنًّا قومَك من بعدك وأضلَّهم السامِرِيُّ × فرجَع موسى إلى قومه غَضْبَانَ أسِفاً ، قال يا قومِ ألم يَعِدكم ربُّكُم وَعْداً حَسناً ، أفطالَ عليكم العهدُ أم أرَدْتم أن يَحِلَّ عليكم غضبٌ من ربكم فَأَخْلَفتم مَوْعِدِي : قالوا ما أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بمَلْكِنَا ولكنا حُمِّلنا أوزاراً من زينة القومِ فقذَفْناها ، فكذلك أَلَّقَى السامريّ * فأخرجَ لهم عِجْلاً جَسداً له خُوَار ، فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسِي * أفلا يرون أن لا يُرجع إليهم قولاً » ولا يملك لهم ضَرَّا ولا نفعاً ؛ ولقد قال لهم هارونُ من قبلُ يا قومٍ إنما فُنْتُم به ، وإنَّ رَبَّكم الرحمنُ فاتبعوني وأطيعوا أمري : قالوا (١) سورة الأعراف ١٤٨ - ١٥٤ . - ٤٣٩ - لن تُبْرح عليه عاكِفين حتى يَرْجعَ إلينا موسى * قال يا هارون ما مَنعك إذْ رأيتَهم ضَلُّوا * أن لا تَبَعنِ أفعصيتَ أمري * قال يا بن أُمَّ لا تأخُذْ بلحيتي ولا برأسي ، إني خشيتُ أن تقولَ فَرَّقْتَ بين بني إسرائيل ولم تَرْقُبْ قولي * قال فما خَطْبُكَ يا سامِريّ * قال بَصُرْتُ بما لم يَنْصُروا به ، فقبضتُ قبضةً من أثَر الرسولِ فتَبذْتُها وكذلك سؤَلَتْ لي نفسي * قال فاذهبْ فإنَّ لك في الحياة أن تقول لا مِسَاس ، وإنَّ لك مَوعداً لن تُخْلِفَه ، وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عليه عاكِفاً، لَنُحرِّقنه ، ثم لَنَنْسفنه في اليمّ نَسْفاً ، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسِع كلَّ شيء علماً ﴾(١) . يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل ، حين ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه فمكث على الطور يناجيه ربه ويسأله موسى عليه السلام عن أشياء كثيرة [ وهو تعالى ](٢) يجيبه عنها . فَعمَد رجل منهم يقال له هارون السامري ، فأخذ ما كانوا استعاروه من الحليّ ، فصاغ منه عجلاً وألقى فيه قبضةً من التراب ، كان أخذها من أثر فرس جبريل ، حين رآه يومَ أغرق الله فرعون على يديه . فلما ألقاها فيه خارَ كما يخور العِجْل الحقيقي . ويقال إنه استحال عجلاً جسداً أي لحماً ودماً حيًّا يخور ، قاله قتادة وغيره . وقيل بل كانت الريح إذا دخلت من دُبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة ، فيرقصون حوله ويفرحون . فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسِي ﴾ أي فنسي موسى ربَّه عندنا ، وذهب يتطلبه وهو ها هنا ! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وتقدست أسماؤه وصفاته ، وتضاعفت آلاؤه وهِبَاتُه(٣) قال الله تعالى مبيِّناً بُطْلان ما ذهبوا إليه ، وما عوَّلوا عليه من إلهية هذا الذي قُصَاراه أن يكون حيواناً بهيماً أو شيطاناً رجيماً: ﴿ أفلا يرون أن لا يَرْجِعُ إليهم قولاً ولا يملك لهم ضَرَّا ولا نَفْعاً﴾ وقال: ﴿ألم يَرَوْا أنه لا يكلِّمُهم ولا يَهْديهم سبيلاً اتخذوه وکانوا ظالمين ﴾ . (١) سورة طه ٨٣ - ٩٨ . (٢) ليست في ((أ)). (٣) ((أ)): وعداته . - ٤٤٠ -