Indexed OCR Text
Pages 341-360
المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام . قال : فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه ، فقال : ما منعك أن لا تكون رَدَدْتَ على أخيك السلام ؟ قال : ما فعلت . قال سعد : قلت : بلى ، حتى حلف وحلفتُ . قال: ثم إن عثمان ذَكَر فقال : بلى ، وأستغفر الله وأتوب إليه ، إنك مررت بي آنفاً، وأنا أُحدِّث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله عَ لّه لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشَّى بصري وقلبي غشاوة! قال سعد: فأنا أنبئك بها ، إن رسول الله عَ لّه ذكر لنا أولَ دعوة ، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله عَ لّهِ فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إليَّ رسولُ الله عَ لِّ فقال: ((من هذا؟ أبو إسحاق؟)) قال: قلت : نعم يا رسول الله، قال: [ فمه ](١) ؟ قلت لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أولَ دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. قال: ((نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له)). ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به(٢). (١) ليست في ((أ)). (٢) مسند أحمد ١٧٠/١ وسنن الترمذي كتاب الدعوات حديث رقم ٣٥٠٥. - ٣٤١ - ذكر فضل يونس عليه السلام قال الله تعالى: ﴿ وإنَّ يُونُس لَمن المرسَلين﴾ وذكره تعالى في جملة الأنبياء الكرام في سورتي النساء والأنعام ، عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام . وقال الإِمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله عَ لَّه: ((لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خيرٌ من يونس بن مَتَّى )) . ورواه البخاري من حديث سفيان الثَّوري به(١) . وقال البخاري أيضاً : حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا شُعبة ، عن قتَادة ، [عن أبي العالية](٢) عن ابن عباس، عن النبي عَّ ◌ُله قال: ((ما ينبغي لعبد أن يقول إنِّي خير من يونس بن متى ونسبَه إلى أبيه )). ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به . قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه : لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث ، هذا أحدها . وقد رواه الإِمام أحمد عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي عَ لّم قال: ((ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى )) . تفرد به أحمد(٣). ورواه الحافظ أبو القاسم الطَّيراني : حدثنا محمد بن الحسن بن كَيْسان ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، أنبأنا إسرئيل ، عن أبي يحيى العقاب ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أن رسول الله عَ لّم قال: «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن (١) مسند أحمد ٢٠٥/١ وصحيح البخاري ١١٩/٢ . (٢) سقطت من الأصل وأثبتها من صحيح البخاري ١١٩/٢ ( ط الأميرية ) کتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى: ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ . (٣) مسند أحمد ٢٩٢/١ (ط اليمنية). - ٣٤٢ - متى)) . إسناده جيد ولم يخرجوه . وقال البخاري : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي عٍَّ قال: ((لا ينبغي العبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ﴾(١). وكذا رواه مسلم(٢) من حديث شعبة به . وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل ، عن عبد الرحمن بن هُرمز الأعرج ، عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجهَ اليهودي حين قال : لا والذي اصطفى موسى على العالمين . قال البخاري في آخره: (( ولا أقول : إن أحداً أفضل(٣) من يونس بن متى)) (٤) [ وهذا اللفظ يقوّي أحد القولين من المعنى : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ](٥) أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس .. والقول الآخر : لا ينبغي لأحد أن يفضلني على يونس بن متى ، كما قد ورد في بعض الأحاديث: ((لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى)) وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله المرسلين . وإلى هنا ينتهي الجزء الأول من (( قصص الأنبياء لابن كثير)). ويتلوه الجزء الثاني وأوله (( قصة موسى الكليم)) بعون الله وتوفيقه ،،، (١) صحيح البخاري ١٢٠/٢ . (٢) صحيح مسلم كتاب الفضائل ١٠٢/٧ (ط أستانبول المصورة ). (٣) ((أ)) : خير . (٤) صحيح البخاري ١٢٠/٢ (ط الأميرية). (٥) سقطت من المطبوعة ! - ٣٤٣ - فهرس الموضوعات الموضوع الصفحة هذه الطبعة ٣ ٥ باب ما ورد في خلق آدم ٣٠ الجنة التي أخرج منها آدم ٤٤ ذكر احتجاج آدم وموسى عليهما السلام ٥٢ ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم ٦٦ ذكر قصة ابني آدم قابيل وهابيل ٧٧ ذكر وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث عليهما السلام ٨٠ ذکر إدريس عليه السلام قصة نوح عليه السلام ٨٣ ذکر شيء من أخبار نوح نفسه ١١٤ ذكر صومه عليه السلام ١١٥ ذكر حجّه عليه السلام . ١١٥ ذكر وصيته لولده ١١٦ قصة هود عليه السلام ١١٩ ١٣٨ قصة صالح عليه السلام . ١٥٢ ذكر مرور النبي عَ لّم بوادي الحجر من أرض ثمود عام تبوك ١٥٥ قصة إبراهيم الخليل ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع النمرود ١٧١ ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام ودخوله الديار المصرية ، ١٧٤ واستقراره في الأرض المقدسة ١٨٢ ذکر مولد إسماعیل من هاجر ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة ١٨٥ قصة الذبيح ١٩٠ - ٣٤٤ - تقديم ١٨ الموضوع الصفحة ذکر مولد إسحاق ١٩٧ ذكر بناية البيت العتيق ٢٠١ ذکر ثناء الله ورسوله على إبراهيم ٢٠٧ ذکر قصره في الجنة ٢١٩ ذكر صفة إبراهيم عليه السلام . ٢٢٠ ذكر وفاة إبراهيم الخليل وما قيل في عمره ٢٢١ ذكر أولاد إبراهيم الخليل ٢٢٤ قصة لوط عليه السلام ٢٢٥ قصة مدين قوم شعيب ٢٣٩ باب ذکر ذرية إبراهيم ٢٥٥ ذكر إسماعيل عليه السلام ٢٥٩ قصة يوسف عليه السلام ٢٦٧ قصة أيوب عليه السلام ٣١١ قصة ذي الكفل ٣٢٠ باب ذكر أمم أهلكوا بعامة ٣٢٤ أصحاب الرسّ ٣٢٤ قصة قوم يس ٣٢٨ قصة يونس عليه السلام ٣٣٣ ذكر فضل يونس عليه السلام ٣٤٢ ٢٥٤ ذکر إسحاق بن إبراهيم الفهارس التفصيلية للآيات والأحاديث والأعلام في آخر الجزء الثاني - ٣٤٥ - قصَصْ الأنبيَّاء ◌ِلْإِمَامِ أبِى الْفِلَاءِ إِسْمَ عْل تزكثير ٧٠١ - ٧٧٤ هـ تحقيق الدكتور مصطفى عَبْد الواحد الجزء الثانى الطبعة الصحيحة المحققة المضبوطة البريئة من التحريف والتزوير ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم وهو موسى بن عمران بن قاهت بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، قال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب موسى إنَّه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيًّا * وناديناه من جانب الطُّور الأيمن وقَرَّبناه نجيًّا » ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيًّا﴾(١) . وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن . وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة . وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير . وسنورد سيرته ها هنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان . قال الله تعالى: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم طَسْمٌ * تلك آياتُ الكتاب المبين ، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون » إن فرعونَ علا في الأرض وجعل أهلها شِيعاً ، يَسْتضعف طائفةً منهم ، يذبِّح أبناءهم ويَسْتحيي نساءهم ، إنه كان من المفسدين ، ونريد أن نمنَّ على الذين استُضْعفوا في الأرض ونجعلَهم أئمةً ونجعلهم الوارثين » ونمكِّن لهم في الأرض ، ونُرِي فرعون وهامان وجنودَهما منهم ما كان يحذرون ﴾(٢) . يذكر تعالى ملخص القصة ، ثم يبسطها بعد هذا ، فذكر أنه يتلو على نبيه خبرَ موسى وفرعون بالحق ، أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهِد للأمر معاين له . (١) سورة مريم ٥١ - ٥٣ . (٢) سورة القصص ١ - ٦ . - ٣٤٧ - ﴿ إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شِيعاً﴾، أي تجبَّر وعتًا وطغى وبغى ، وآثر الحياةَ الدنيا ، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى . وجعل أهلها. شِيعاً ، أي قسم رعيته إلى أقسام ، وفِرق وأنواع ، يستضعف طائفة منهم ، وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سُلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله ، وكانوا إذ ذاك خيارَ أهل الأرض . وقد سُلِّط عليهم هذا الملِكُ الظالم الغاشم الكافر الفاجر ، يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأرداها [ وأدناها ](١) ومع هذا ﴿ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ﴾. وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام ، من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه . وذلك - والله أعلم - حين كان جَرَى على سارَّة امرأة الخليل من ملك مصر ، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها . وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل ، فتحدث بها القبط فيما بينهم ، ووصلت إلى فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يَسْمرون عنده ، فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل ، حذراً من وجود هذا الغلام ، ولن يغني حَذر من قَدر ! وذكر السُّدي عن أبي صالح وأبي مالك ، عن ابن عباس ، وعن مُرة عن ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه، كأن ناراً [ قد ](٢) أقبلت من نحو بيت المقدس ، فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضرّ بني إسرائيل . فلما استيقظ هاله ذلك ، فجمع الكهنة والحذَقة والسحرة . وسألهم عن ذلك ، فقالوا : هذا غلام يولد من هؤلاء ، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه ، فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان . ولهذا قال الله تعالى: ﴿ونريد أن نمنَّ على الذين استُضْعفوا في الأرض ﴾ وهم بنو إسرائيل ، ﴿ ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين﴾ أي الذين يئول ملك مصر وبلادها (١) ليست في ((أ)). (٢) ليست في ((أ)) . - ٣٤٨ - إليهم. ﴿ونمكِّن لهم في الأرض ونُريَ فرعون وهامانَ وجنودَهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ أي سنجعل الضعيف قوياً والمقهور قاهِراً والذليل عزيزاً . وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿وأوْرَثنا القومَ الذين كانوا يُستضعفون مشارقَ الأرضِ ومغاربها التي بارَكْنا فيها ، وتمت كلمة ربك الحسنَى على بني إسرائيل بما صبروا ﴾ الآية . وقال تعالى: ﴿ فأخرجناهم من جناتٍ وعيون * وَكُنوز ومقامٍ كريم . كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾(١) وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله . والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى ، حتى جعل رجالاً وقوابلَ يدورون على الحبالى ، ويعلمون ميقاتَ وضعهن ، فلا تلد مرأةٌ ذكراً إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته ! وعند أهل الكتاب : أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان ، لتضعف شوكةُ بني إسرائيل ، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم . وهذا فيه نظر ، بل هو باطل . وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى ، كما قال تعالى: ﴿ فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوانساءهم﴾(٢) ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿أوذينا من قبل أن تأتينا (٣) ومن بعد ما جئتنا فالصحيح أن فرعون إنما أمربقتل (٤) الغلمان أولاً، حذَراً من وجود موسى . هذا، والقدر يقول : يا أيهذا الملك(٥) الجبار، المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع سلطانه: قد حكم العظيم الذي لا يغالَب ولا يمانَع ، ولا تخالَف أقداره : أن هذا المولود الذي تحترز منه ، وقد قتَلت بسببه من النفوس ما لا يُعد ولا يُحصى ، لا يكون مَرْباه إلا في دارك وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك(٦) (١) سورة الشعراء ٥٧ - ٥٩. (٢) سورة غافر ٢٥. (٤) ((أ)): كان يقتل الغلمان أولاً. (٥) ((أ)): يا أيها الملك. (٣) سورة الأعراف ١٢٩. (٦) ((أ)): إلا من طعامك. - ٣٤٩ - وشرابك [ في منزلك](١) وأنت الذي تتبنّاه وتربيه وتتغداه ، ولا تطّلع على سُر معناه ، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه ، لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين ، وتكذيبك ما أوحي إليه ، لتعلم أنت وسائر الخلق ، أن رب السموات والأرض هو الفعَّال لما يريد ، وأنه هو القوي الشديد ، ذو البأس العظيم ، والحول والقوة ، والمشيئة التي لا مردّ لها ! وقد ذكر غير واحد من المفسرين : أن القبط شكّوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل ، بسبب قتل ولدانهم الذكور ، وخشي أن تتفانى الكِبَار مع قتل الصغار ، فيصيرون هم الذين يَلُون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً وأن يتركوا عاماً فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام المسامَحة عن قتل الأبناء ، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم ، فضاقت أمه به ذرعاً واحترزت من أول ما حبلت ، ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل . فلما وضعت أُلهمت أن اتخذت له تابوتاً ، فربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل ، فكانت ترضعه ، فإذا خشيت(٢) من أحد وضعته في ذلك التابوت ، فأرسلته(٣) في البحر ، وأمسكت طرف الحبل عندها ، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به . قال الله تعالى: ﴿ وأوحينا إلى أمّ موسى أنْ أَرْضعيه ، فإذا خِفْتِ عليه فألقيه في اليَمِّ ولا تخافِي ولا تَحْزني إنا رادُوه إليك وجاعِلُوه من المرسلين » فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزناً ، إنَّ فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين . وقالت امرأةٌ فرعون قُرة عينٍ لي ولك ، لا تقتلوه عسَى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون﴾ (٤). هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى: ﴿وأوحَى رَبُّك إلى النحل أن اتخذِي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يَعْرشون = ثم كُلِي من كلِّ الثمراتِ فاسْلُكِي سبلَ ربك ذُلْلاً يخرج من بطونها﴾ الآية (٥). وليس هو بوحي (٦) نبوة كما زعمه ابن (١) ليست في ((أ)). (٣) ((أ)): وأرسلته. (٥) سورة النحل ٦٨، ٦٩. (٢) ((أ)): فإذا أحست . (٤) سورة القصص ٧ - ٩ . (٦) ((أ)): وحي نبوة. - ٣٥٠ _ حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول ، كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السُّنَّة والجماعة . قال السُّهيلي: واسم أم موسى ((أيارخا)) وقيل (( أياذخت)). والمقصوذ أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه ، وأُلقي في خَلَدها ورُوعها أن لا تخافي ولا تحزني ، فإنه إن ذهب فإن الله سيردُّه إليك ، وإن الله سيجعله نبيًّا مرسلاً، يُعْلي كلمته في الدنيا والآخرة ، فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذَهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمرّ على دار فرعون ﴿ فالتقطه آلُ فرعون ﴾ قال الله تعالى: ﴿ ليكون لهم عدوًّا وحَزناً﴾. قال بعضهم: هذه لام العاقبة. وهو ظاهر إن كان متعلقاً بقوله فالتقطه . وأما إن جُعل متعلقاً بمضمون الكلام ، وهو أن آل فرعون قيِّضوا لالتقاطه ليكون لهم عدواً وحزناً ، صارت اللام معلِّة كغيرها ، والله أعلم. ويقوي هذا التقدير الثاني قوله: ﴿إن فرعون وهامان ﴾ [ وهو الوزير السوء](٢) ﴿وجنودهما﴾ [ التابعين لهما](٢) ﴿كانوا خاطئين﴾، أي كانوا على خلاف الصواب ، فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة . وذكر المفسرون : أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلَق عليه ، فلم يتجاسْن على فتحه، حتى وضَعْنَه بين يدي امرأة فرعون ((آسية)) بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد(٣) ، الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف . وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى . وقيل [ بل ](٢) كانت عمته ، حكاه السهيلي . فالله أعلم . وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران ، وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول الله عَ ◌ّةٍ في الجنة(٤). (١) ((أ)): وأرسلته. (٢) سقطت من ((أ)). (٣) يذكر المؤرخون اسم فرعون هكذا، ولم يكن الفراعنة عرباً، وقد كشفت الدراسات التاريخية المعاصرة (٤) وسيأتي بيان أنه حديث موضوع . أسماءهم حسب اللغة الهيروغليفية . - ٣٥١ - فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب ، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية والجلالة الموسَويّة ، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً [جداً](١). فلما جاء فرعون قال : ما هذا ؟ وأمر بذبحه ، فاستوهبته منه ودفعت عنه وقالت : ﴿ قُرةُ عَينٍ لي ولك﴾. فقال لها فرعون: أمّا لك فنعم وأما لي فلا . أي لا حاجة لي به . والبلاء موكَّل بالمنطق ! وقولها: ﴿عسى أن ينفعنا﴾ قد أنالها الله ما رجت من النفع : أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه. ﴿أو نتخذه ولداً ﴾ وذلك أنهما تبنّيَاه ، لأنه لم يكن يولد لهما ولد. قال الله تعالى: ﴿وهم لا يشعرون ﴾ أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم ، أن قيَّضهم (٢) لالتقاطه، من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده ؟ [ وعند أهل الكتاب أن التي التقطت موسى ((دربتة)) ابنة فرعون وليس لامرأته ذِكْر بالكلية وهذا من غلطهم على كتاب الله عز وجل ](٣). وقال الله تعالى: ﴿ وأصبح فؤاد أمِّ موسى فارغاً إنْ كادَتْ لَتْدِي به لولا أن ربَطْنا على قلبها لتكون من المؤمنين » وقال لأخته قُصِّيه فبصُرت به عَنْ جُنُب وهم لا يشعرون » وحرَّمنا عليه المراضعَ من قبلُ ، فقالت هل أدلّكم على أهل بيتٍ يَكْفُلونه لكم ، وهم له ناصحون ؟ * فردَدْناه إلى أمّه كي تقَّ عينها ولا تحزن ، ولتعلم أنّ وعدَ الله حق ولكنّ أكثرهم لا يعلمون ﴾ . قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم : ﴿ وأصبحَ فؤادُ أمّ موسى فارغاً ﴾ أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى ﴿ إن كادت لَتبدي به﴾ أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرةً لولا أن ربطنا على قلبها﴾ أي صبَّرناها وثبتناها ﴿ لتكون من المؤمنين . وقالت لأخته ﴾ وهي ابنتها الكبيرة: ﴿قُصِّيْه﴾ أي اتبعي أثره، واطلبي [ لي](٤) خبره (١) سقطت من ((أ)). (٢) ((أ)): أن قيض . (٣) سقط من المطبوعة . (٤) من ((أ)) . - ٣٥٢ - فَبَصُرت به عن جُنب﴾ قال مجاهد: عن بُعد . وقال قتادة : جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده. ولهذا قال: ﴿وهم لا يَشْعرون﴾، وذلك لأن موسى عليه السلام لمَّا استقر بدار فرعون أرادوا أن يَغْذُوه برضاعة فلم يَقْبل ثدياً ولا أخذ طعاماً ، فحاروا في أمره ، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل ، كما قال تعالى : وحرَّمنا عليه المراضعَ من قبلُ﴾ فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق ، لعلهم(١) يجدون من يوافق رضاعته . فبينما هم وقوف به والناس عكوفٌ عليه إذ بَصُرت به أخته ، فلم تُظهر أنها تعرفه بل قالت : ﴿ هل أدلكم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون ؟ ﴾. قال ابن عباس: لما قالت ذلك، قالوا لها : ما يدريك بُنُصْحهم وشفقتهم عليه ؟ فقالت : رغبةً في سرور الملك ورجاء منفعته . فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم ، فأخذته أمه . فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى ((آسية)) يُعْلمها بذلك ، فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها ، وأن تحسن إليها ، فأَبَتْ عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً ، ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي . فأرسلته معها ، ورتبت لها رواتب ، وأجرت عليها النفقات والكساوي والهبات ، فرجعت به تَحُوزه إلى رَحْلها وقد جمع الله شمله بشملها ! قال الله تعالى: ﴿فردَدْناه إلى أمِّه كَيْ تقَرّ عينُها ولا تَحْزَن، ولتعلمَ أنّ وَعْدَ الله حق ﴾ أي كما وعدناها (٢) برده ورسالته ، فهذا رده ، وهو دليل على صدق البشارة برسالته . ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ . وقد امتنَّ على موسى بهذا ليلةَ كلَّمه ، فقال له فيما قال: ﴿ ولقد منَنَّا عليكَ مرةً أُخرى * إِذْ أوحينا إلى أمك ما يُوحَى * أنِ اقْذِفيه في التابوتِ فاقذفيه في اليمِّ ، فَلْيلقه اليمُّ بالساحل، يأخُذْه عدوٌّ لي وعدو له ، وألقيتُ عليك محبةً مني ﴾ [ وذلك أنه كان لا يراه أحدٌ إلا أحبّه](٣) ﴿ ولتُصنع على عيني﴾ قال قتادة وغير (١) ((أ)) : لعل يجدون . محرفة. (٢) ((أ)): وعدنا. (٣) من ((أ)). - ٣٥٣ - واحد من السلف : أي تطعم وترفه وتغذى بأطيب المآكل ، وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني ، وذلك كله بحفظي وكلاءتي لك فيما صنعت بك ولك ، وقدَّرته من الأمور التي لا يَقْدر عليها غيري. ﴿ إِذ تمشي أختُك فتقول هل أدلكم على من يَكْفله ؟ فردَدْناك إلى أمك كي تَقرَّ عينُها ولا تحزن ، وقتلتَ نفساً فنجيناك من الغمِّ وفتنَّاك فتُوناً﴾. وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى [ وبه الثقة وعليه التكلان ](١). ولما بلَغ أشدَّه واستوَى آتيناه حُكماً وعلماً ، وكذلك نجزِي المحسنين . ودخل المدينةَ على حينٍ غَفْلة من أهلها فوجدَ فيها رجلين يقتتلان : هذا من شِيعته وهذا من عدوّه ، فاستغاثه الذي مِنْ شيعته على الذي من عدوه ، فوكَزه موسى فقضَى عليه ، قال هذا مِن عَمل الشيطانِ ، إنه عدوٌّ مُضِلٌّ مبين * قال ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي ، فغفر له إنه هو الغفور الرحيم . قال ربِّ بما أنعمتَ عليّ فلن أكونَ ظَهيراً للمجرمين ﴾ (٢). • لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشُدَّه واستوى ، وهو احتكام الخَلْق والخُلق ، وهو سن الأربعين في قول الأكثرين ، آتاه الله حكماً وعلماً ، وهو النبوة والرسالة التي [ كان ](٣) بشَّر بها أمه حين قال: ﴿إنا رادُوه إليك وجاعلوه من المرسلين ﴾ . ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر ، وذهابه إلى أرض مَدْين وإقامته هنالك ، حتى كمل الأجل وانقضى الأمَد ، وكان ما كان من كلام الله له ، وإكرامه بما أكرمه به . كما سيأتي . قال تعالى: ﴿ ودخل المدينةَ على حين غَفْلةٍ من أهلها ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جُبير وِكرمة وقتادة والسُّدي : وذلك نصف النهار ، وعن ابن عباس : بين العشائين . (١) ليست في ((أ)). (٢) سورة القصص ١٤ - ١٧ (٣) من ((أ)). - ٣٥٤ - ﴿ فوجد فيها رجلين يقتتلان ﴾ أي يتضاربان ويتهارشان ﴿هذا من شيعته﴾ أي إسرائيليّ، ﴿وهذا من عدوّه﴾ أي قبطي . قاله ابن عباس وقتادة والسَّدي ومحمد بن إسحاق . ﴿ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ﴾ وذلك أن موسى عليه السلام ، كان له بديار مصر صَوْلة ، بسبب نسبته إلى تبنّي فرعون له وتربيته في بيته ، وكانت بنو إسرائيل قد عزُّوا وصارت لهم وجاهة ، وارتفعت رءوسهم بسبب أنهم أرضعوه ، وهم أخواله أي من الرضاعة ، فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى ﴿ فَوَكَزه﴾. قال مجاهد: أي طعنه بِجُمْع كفّه ، وقال قتادة : بعصا كانت معه ، ﴿ فقضى عليه ﴾ أي فمات منها . وقد كان ذلك القبطي كافراً مشركاً بالله العظيم ، ولم يُردْ موسى قتلَه بالكلّية ، وإنما أراد زجره وردعه. ومع هذا ، ﴿ قال ﴾ موسى: ﴿ هذا من عمل الشيطان إنه عدو مُضِلٌّ مُبين * قال ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمتَ عليّ﴾ [ أي من العز والجاه ](١) ﴿فلن أكون ظهيراً للمجرمين ـ ﴿ فأصبح في المدينة خائفاً يتمرقَّبُ، فإذا الذي استنصَره بالأمس يستصرخه ، قال له موسى : إنك لَغَويّ مبين * فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدوّ لهما ، قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلتَ نفساً بالأمس ؟ إنْ تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض ، وما تريد أن تكون من المصلحين " وجاء رجلٌ من أقصى المدينة يسعَى ، قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ، فاخرج إني لك من الناصحين ، فخرج منها خائفاً يترقّب ، قال رب نجِّني من القوم الظالمين ﴾. يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً - أي من فرعون وملئه - أن يَعْلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره ، إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل ، فتقوَى ظنونهم أن موسى منهم ، ويترتب على ذلك أمر عظيم . (١) ليست في ((أ)) . - ٣٥٥ - فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم ﴿ خائفاً يترقب ﴾ أي يتلفت ، فبينما هو كذلك ، إذا ذلك الرجل الإِسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه ، أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله ، فعنَّفه موسى ولامه على كثرة شرّه ومخاصمته ، قال له : ﴿ إنك لَغويٌّ مبين﴾ ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي ، الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي ، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلتَ نفساً بالأمس ، إنْ تُريد إلا أن تكونَ جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ﴾ . قال بعضهم: إنما قال هذا الكلامَ الإِسرائيليُّ الذي اطّلع على ما كان صَنع موسى بالأمس ، وكأنه لما رأى موسى مقبلاً إلى القبطي اعتقد أنه جاء إليه ، لمَّا عنفه قبل ذلك بقوله : ﴿ إنك لغوي مبين ﴾ فقال ما قال لموسى، وأظْهر الأمر الذي كان وقع بالأمس . فذهب القبطي فاستعْدَى(١) فرعونَ على موسى. وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه . ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي ، وأنه لما رآه مقبلاً إليه خافه ، ورأى من سجِيَّته انتصاراً جديداً (٢) للإسرائيلي. فقال ما قال من باب الظن والفراسة : إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس ، أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا . والله أعلم . والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه . وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب . ﴿ وجاء من أقصى المدينة ﴾ ساعياً إليه مشفقاً عليه فقال: ﴿ يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج ﴾ أي من هذه البلدة ﴿ إني لك من الناصحين﴾ أي فيما أقوله لك. قال الله تعالى: ﴿ فخرج منها خائفاً يترقب ﴾، أي فخرج من مدينة مصر من فوره [ على وجهه](٣) لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه، قائلاً: ﴿ربِّ نجِّني من القوم الظالمين . ولمَّا توجَّه تِلْقَاءَ مَدْيَن قال عسَى ربي أن يهديني سواء السبيل . ولما (١) ((ط)) : فاستدعى. (٢) ((أ)): جيداً. (٣) ليست في ((أ)). - ٣٥٦ - وردَ ماءَ مدين وجدَ عليه أمةً من الناس يَسْقُون » ووجد من دُونهم امرأتين تَذودان ، قال ما خَطْبكما؟ قالتا لا نَسْقِي حتى يُصْدِر الرِّعَاءُ، وأبونا شيخٌ كبير ؛ فسقَى لهما ثم تولَّى إلى الظّلِّ، فقال ربِّ إني لما أنزلتَ إلىَّ من خيرٍ فقير﴾(١) . . • يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفاً يترقب ، أي يتلفت ، خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون ، وهو لا يدري أين يتوجه ، ولا إلى أين يذهب ، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها . ولما توجَّه تلقاءَ مَدْين﴾ أي اتجه له طريق يذهب فيه ، ﴿ قال عسَى ربي أن يهديني سَوَاءَ السبيل﴾ أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود . وكذا وقع ، فقد أوصلته إلى مقصود وأيِّ مقصود ! ولما ورد ماءَ مَدْيَن﴾ وكانت بئراً يستقون منها ، ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحابَ الأيكة ، وهم قوم شُعَيب عليه السلام ، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء . ولما ورد الماء المذكور ﴿وجد عليه أمةً من الناس يَسْقُون » ووجدَ من دونهم امرأتين تذودان ﴾ أي تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم الناس . وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات ، وهذا أيضاً من الغلط ، ولعلهن كن سبعاً(٢) ، ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن ، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظاً، وإلا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتين ﴿قال ما خَطْبكما؟ قالتًا لا نسقِي حتى يُصْدِر الرِّعَاءُ وأبونا شيخ كبير ﴾ أي لا تقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء ، لضعفنا ، وسبب مباشرتنا هذه الرِّعية ضَعْفُ أبينا وكِبَره . قال الله تعالى : ﴿ فسقَى لهما ﴾ . قال المفسرون : وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم ، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة ، فتجيء هاتان المرأتان فتُشْرعان غنمهما (٣) في فضل أغنام (١) سورة القصص ٢١ - ٢٤. (٢) ((أ)): وكأنه كان. (٣) ((أ)) : غنمهم. - ٣٥٧ - الناس ، فلما كان ذلك اليوم ، جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده ، ثم استقى لهما وسقى غنمهما ، ثم ردَّ الحجر كما كان . قال أمير المؤمنين عمر : وكان لا يرفعه إلا عشرة، وإنما استقى ذَئُوباً واحداً فكفَاهما . ثم تولى إلى الظل ، قالوا: وكان ظِل شجرة من السَّمُر(١) . وروى ابن جرير عن ابن مسعود ، أنه رآها خضراء ترفُّ ﴿ فقال ربِّ إني لما أنزلتَ إليَّ من خير فقير ﴾ . قال ابن عباس : سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر ، وكان حافياً (٢) فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل(٣) - وهو صفوة الله من خلقه - وإن بطنه للاصق(٤) بظهره من الجوع، وإن خُضرة البقل لترى من داخل جوفه ، وإنه لمحتاج إلى شِق تمرة . قال عطاء بن السائب لما قال: ﴿ [ ربِّ] إني لِمَا أنزلتَ إليّ من خير فقير ﴾ أسمع المرأة . ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ، قالت إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ليجزيك أجْرَ ما سَقيتَ لنَا ، فلما جاءه وقصَّ عليه القَصَص ، قال لا تخف نجوتَ من القوم الظالمين » قالت إحداهما يا أبت استأجره ، إنَّ خيرَ من استأجرت القويُّ الأمين :* قال إني أُريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين ، على أن تَأْجرني ثمانيَ حِجَج ، فإن أَثْمَمتَ عَشْراً فمن عندك وما أريدُ أنْ أشقَّ عليك، ستجِدُني إن شاء الله من الصالحين » قال ذلك بَيْنِي وبينك، أيَّما الأجلَيْنِ قضيتُ فلا عدوانَ عليَّ، والله على ما نقول وكيل ﴾(٥) . لمَّا جلس موسى عليه السلام في الظل وقال: ﴿ربِّ إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير﴾ سمعته المرأتان فيما قيل ، فذهبتا إلى أبيهما ، فيقال إنه استنكر سرعة (١) تاريخ الطبري ٤٥٩/١ ( ط أوربا ). (٤) ((أ)): لاصق . (٢) ((أ)): وكان خائفاً. (٣) ((أ)): إلى الظل. (٥) سورة القصص ٢٥ - ٢٨ . - ٣٥٨ - رجوعهما، فأخبرتاه بما كان(١) من أمر موسى عليه السلام. فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه ، ﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ﴾ أي مشي الحرائر ، قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجرَ ما سقيت لنا﴾. صرحت له بهذا لئلا يُوهم كلامُها رِيبة ، وهذا من تمام حيائها وصيانتها. ﴿ فلما جاءه وقصَّ عليه القصص ﴾ وأخبره خبره ، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فراراً من فرعونها ، ﴿ قال﴾ له [ذلك الشيخ](٢) ﴿ لا تخف نجوتَ من القوم الظالمين ﴾ أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم . وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو ؟ فقيل هو شُعيب عليه السلام . وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس ، وجاء مصرَّحاً به في حديث ، ولكن في إسناده نظر . وصرح طائفة بأن شعيباً عليه السلام عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه ، حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته . ٠.٠ وروى ابن أي حاتم وغيره من الحسن البصري : أن صاحب موسى عليه السلام هذا ، اسمه شعيب ، وكان سيد الماء ، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين . وقيل : إنه ابن أخي شعيب ، وقيل : ابن عمه ، وقيل : رجل مؤمن من قوم شعيب ، وقيل: رجل اسمه (( يثرون)) هكذا هو في كتب أهل الكتاب : يثرون كاهن مدين . أي كبيرها وعالمها(٣). وقال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله : اسمه يرون . زاد أبو عبيدة : وهو ابن أخي شعيب . وزاد ابن عباس : صاحب مدين . والمقصود : أنه لما أضافه وأكرم مثواه ، وقص عليه ما كان من أمره بشَّره بأنه قد نجا ، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها : ﴿يا أبت استأجره ﴾ أي لرعي غنمك ، ثم مدحته بأنه قوي أمين . (١) ((أ)): ما كان. (٢) ليست في ( أ)). (٣) في تاريخ الطبري ٤٦٢/١: يترون ابن أخي شعيب النبي . وقيل: يثرى صاحب مدين. - ٣٥٩ - قال عمر وابن عباس وشُريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد : لما قالت ذلك ، قال لها أبوها : وما عِلْمك بهذا ؟ فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة ، وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه ، فقال : کوني من ورائي ، فإذا اختلف الطريق فاحْذِفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق . قال ابن مسعود : أَفْرسُ الناس ثلاثة : صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه﴾ وصاحبة موسى حين قالت: ﴿ يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرتَ القويُّ الأمين ﴾، وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب . ﴿ قال إني أريد أن أُنْكِحَك إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تَأْجُرني ثمانِيَ حِجَج ، فإن أتممت عَشْراً فمن عندك وما أريدُ أن أشقّ عليك ، ستجدني إن شاء الله من الصالحين استدل بهذه جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله ، على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك ، أنه يصح ، لقوله : ﴿ إحدى ابنتي هاتين ﴾ . وفي هذا نظر ، لأن هذه مراوَضة لا معاقَدة . والله أعلم . واستدل أصحابُ أحمد على صحة الاستئجار(١) بالطُّعمة والكسوة ، كما جرت به العادة . واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجة في سننه مترجماً [عليه ](٢) في كتابه: ((باب استئجار (٣) الأجير على طعام بطنه )) حدثنا محمد بن المصفّى الحِمْصي ، حدثنا بقيّةُ بن الوليد ، عن مَسْلمِة بن عُلَيّ (٤) ، عن سعيد بن (١) ((أ)): الإِيجار. (٢) من ((أ)). (٣) سنن ابن ماجه : باب إجارة الأجير . (٤) هكذا بالتصغير كما في ميزان الاعتدال والمشتبه للذهبي ص ٤٦٩. قال الذهبي ((وكان يكره تصغير اسم أبيه كموسى بن غُلَيَ . وإنما صغرا في أيام بني أمية مراغمة من الجهلة )) . وقد ضبط بغير تصغير في سنن ابن ماجه حديث رقم ٢٤٤٤ . - ٣٦٠ -