Indexed OCR Text

Pages 321-340

حياتي ، حتى أنظر كيف يعمل ؟ فجمع الناسَ فقال: من يتقبل مني(١) بثلاث
استخلفته : يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ولا يغضب .
قال : فقام رجل تزدريه العين ، فقال أنا . فقال : أنت تصوم النهار وتصوم.
الليل ولا تغضب ؟ قال: نعم. قال: فردَّه ذلك اليوم ، وقال مثلها [ في ](٢) اليوم
الآخر ، فسكت الناس ، وقام ذلك الرجل فقال : أنا ، فاستخلفه .
قال : فجعل إبليس يقول للشياطين : عليكم بفلان ، فأعياهم ذلك .
فقال : دعوني وإياه ، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير ، وأتاه حين أخذ مضجعه
للقائلة ، وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة ، فدق الباب فقال : من هذا ؟
قال : شيخ كبير مظلوم . قال : فقام ففتح الباب فجعل يقص عليه ، فقال : إن
بيني وبين قومي خصومة ، وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا ، وجعل يطوّل عليه حتى
حضرَ الرَّواح وذهبت القائلة . فقال: إذا رحْت فإنني آخذ لك بحقك .
فانطلق وراح فكان في مجلسه ، فجعل ينظر هل يرى الشيخَ فلم يره فقام
يتبعه . فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه ، فلما رجع إلى القائلة
فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب ، فقال : من هذا ؟ فقال : الشيخ الكبير المظلوم .
ففتح له فقال : ألم أقل لك إذا قعدتُ فأتني ؟ قال : إنهم أخبثُ قوم ، إذا عرفوا
أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك ، وإذا قمتَ جحدوني . قال : فانطلقْ فإذا
رُحْت فأتني .
قال : ففاتته القائلة ، فراح فجعل ينتظره فلا يراه ، وشق عليه النعاس فقال
لبعض هله : لا تدعَنَّ أحداً يقرَب هذا الباب حتى أنام ، فإني قد شقَّ علي النوم .
فلما كان تلك الساعة جاء ، فقال له الرجل : وراءك وراءك . فقال : قد أتيته
أمس وذكرت له أمري . فقال : لا والله ، لقد أمرنا أن لا نَدَع أحداً يقربه . فلما
أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسوَّر منها ، فإذا هو في البيت ، وإذا هو يدق الباب
من داخل . قال : فاستيقظ الرجل ، فقال: يا فلان ألم آمرك ؟ قال: أمّا من قِبلي
(١) ((أ)): من يتقبل لي .
(٢) ليست في (( أ)).
- ٣٢١ -

والله فلم تُؤْتَ ، فانظر من أين أُتيت ؟
قال : فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه ، وإذا الرجل معه في البيت
فعرفه . فقال : أعدِوَّ الله ؟ قال : " نعم ، أعيَيْتني في كل شيء ففعلت كل ما ترى
لأغضبك .
فسماه الله ذا الكفل ، لأنه تكفل بأمرٍ فوقَى به(١) !
وروى(٢) ابن أبي حاتم أيضاً عن ابن عباس قريباً من هذا السياق وهكذا روي
عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حُجَيرة الأكبر ، وغيرهم من السلف
نحو هذا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو الجماهر ، أنبأنا سعيد بن بشير ، حدثنا
قتادة ، عن كنانة بن الأخنس ، قال : سمعت الأشعريَّ - يعني أبا موسى رضي الله
عنه - وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبيًّا(٣) ولكن كان (٤) رجلٌ
صالح يصلي كل يوم مائة صلاة ، فتكفِّل له ذو الكفل من بعده فكان يصلي كل يوم
مائة صلاة ، فسمي ذا الكِفْل .
ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمر ، عن قتادة ، قال : أبو
موسى الأشعري فذكره منقطعاً(٥) .
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا
الأعمش ، عن عبد الله بن عبد الله ، عن سعد مولى طلحة ، عن ابن عمر قال :
سمعت من رسول الله عَ لّم حديثاً لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتى عد سبع
مِرَار - لم أُحدّث به ، ولكني قد سمعته أكثر من ذلك قال: ((كان الكفل من بني
إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله ، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها ،
فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أُرْعِدَت وبكت ، فقال [ لها ](٦): ما
(١) تفسير الطبري ٥٩/١٧ .
(٢) المطبوعة : وقد روى .
(٣) ((أ)): بنبي.
(٤) كان هنا تامة . بمعنى وجد .
(٥) تفسير الطبري ٦٠/١٧ .
(٦) ليست في ((أ)).
- ٣٢٢ -

يبكيك ؟ أأكرهتُكِ ؟ قالت : لا ، ولكن هذا عمل لم أعمله قط ، وإنما حملتني
عليه الحاجة . قال : فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ! ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير
لك . ثم قال : والله لا يَعْصِى الله الكفُ أبداً، فمات من ليلته فأصبح مكتوباً على
بابه : قد غفَر الله للكفل ! )) .
ورواه الترمذي من حديث الأعمش به وقال حسن ، وذكر أن بعضهم رواه
فوقفه على ابن عمر(١) .
فهو حديث غريب جداً وفي إسناده نظر ، فإن سعداً هذا قال أبو حاتم : لا
أعرفه إلا بحديث واحد . ووثّقه ابن حبان ، ولم يرو عنه سوى عبد الله (٢) بن عبد الله
الرازي هذا . فالله أعلم .
وإن كان محفوظاً فليس هو ذا الكفل [ وإنما لفظ الحديث الكفل ](٣) من
غير إضافة فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن . فالله تعالى أعلم .
(١) مسند أحمد ٢٣/٢ وسنن الترمذي كتاب القيامة حديث رقم ٢٤٩٦ . قال الترمذي : هذا حديث حسن .
(٢) ((أ)): ولم يرو عنه إلا عبد الله .
(٣) ليست في ((أ)).
- ٣٢٣ -

باب ذكر أمم أهلكوا بعامة
وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتابَ من
بعد ما أهلكنا القرون الأولى .. ) الآية(١).
كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزَّر من حديث عوف الأعرابي عن أبي
نَضْرة عن أبي سعيد الخدري قال : ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء أو من
الأرض ، بعد ما أُنزلت التوراة على وجه الأرض ، غير القرية التي مُسخوا قردةً . ألم تر
أن الله تعالى يقول: ﴿ولقد آتينا موسى الكتابَ من بعد ما أهلكنا القرون
الأولى ﴾ .
ورفعه البزار في روايه له . والأشبه والله أعلم وَقْفه . فدل على أن كل أمة
أُهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام .
فمنهم :
أصحابُ الرَّس
قال الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وعاداً وثمودَ وأصحابَ الرسِّ وقروناً بين
ذلك كثيراً » وكلَّ ضَربْنا له الأمثالَ وَكُلّ تَبَّرْنَا تتبيراً﴾(٢). وقال تعالى في سورة
ق: ﴿ كَذَّبت قَبْلَهم قومُ نوح وأصحابُ الرَّس وثمود » وعاد وفرعون وإخوانُ لوط ٦
وأصحابُ الأيكة وقوم تَبَّع كلٌّ كذَّب الرُسلَ فحق وعيد﴾(٣)
وهذا السياق والذي قبله، يدل على أنهم أُهْلِكوا ودمّروا وتُبِّروا، وهو
الهلاك .
(١) سورة القصص ٤٢ .
(٢) سورة الفرقان ٣٨، ٣٩.
(٣) سورة ق ١٢ - ١٤.
- ٣٢٤ -

وهذا يردَّ اختيارَ ابن جرير من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة
البروج ، لأن أولئك عند ابن إسحاق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام . وفيه
نظر أيضاً .
وروى ابن جرير قال : قال ابن عباس : أصحاب الرس أهل قرية من قرى
ثمود .
وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر في أول تاريخه ، عند ذكر بناء
دمشق ، عن تاريخ أبي القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد وغيره ، أن أصحاب الرس
كانوا بحَضُور ، فبعث الله إليهم نبيًّا يقال له حنظلة بن صفوان ، فكذبوه وقتلوه . فسار
عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وولده من الرسّ ، فنزل الأحقافَ . وأهلك الله
أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها ، وفشوا مع ذلك في الأرض كلها . حتى نزل
جیرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، دمشق وبنى مدينتها ،
وسماها جيرون ، وهي إرم ذات العماد . وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها
بدمشق ، فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الجلود بن عاد ، إلى
عاد ، يعني أولاد عاد بالأحقاف فكذبوه، فأهلكهم الله عز وجل(١) .
فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة . فالله أعلم .
وروى ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي عاصم ، عن أبيه عن شبيب بن
بشر، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الرسُّ بئر بأذربيجان . وقال الثّوري عن
أبي بكر عن عكرمة قال : الرس بئر رسُّوا فيها نبيَّهم ، أي دفنوه فيها .
قال ابن ◌ُريج قال عكرمة : أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس . وقال
قتادة : فلج من قرى اليمامة .
قلت : فإن كانوا أصحاب يس كما زعموه عكرمة ، فقد أُهلكوا بعامة ، قال
الله تعالى في قصتهم: ﴿إنْ كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم خامدون﴾ (٢)
(١) تهذيب تاريخ ابن عساكر ١٥/١.
(٢) سورة يس ٢٩.
- ٣٢٥ -

وستأتي قصتهم بعد هؤلاء .
وإن كانوا غيرهم ، وهو الظاهر ، فقد أُهلكوا أيضاً وتُبِّروا . وعلى كل تقدير
فینافي ما ذكره ابن جرير .
وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن النقاش : أن أصحاب الرس كانت لهم
بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعها ، وكان لهم ملك عادل حسن السيرة ، فلما مات
وجَدوا عليه وجداً عظيماً ، فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال :
إني لم أمت ، ولكن تغيَّيتُ عنكم حتى أرى صنيعكم . ففرحوا أشد الفرح ، وأمر
بضرب حجاب بينهم وبينه ، وأخبرهم أنه لا يموت أبداً ، فصدق به أكثرهم ،
وافتتنوا به وعبدوه . فبعث الله فيهم نبيًّا ، فأخبرهم(١) أن هذا شيطان يخاطبهم من
وراء الحجاب ، ونهاهم عن عبادته ، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له .
قال السُّهيلي : وكان يوحى إليه في النوم ، وكان اسمه حنظلة بن صفوان ،
فعدَوا عليه فقتلوه وألقوه في البئر ، ففار ماؤها وعطشوا بعد رِيِّهم ، ويبست
أشجارهم ، وانقطعت ثمارهم ، وخربت ديارهم ، وتبدلوا بعد الأنس بالوحشة ، وبعد
الاجتماع بالفرقة ، وهلكوا عن آخرهم ، وسكن في مساكنهم الجن والوحوش (٢) ، فلا
يُسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الأسود(٣) وصوت الضباع.
فأما ما رواه - أعني ابن جرير - عن محمد [ ين حُميد عن سلمة
عن ](٤) ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله عد ◌ٍّ:
((إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود)) وذلك أن الله تعالى بعث نبياً
إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود ، ثم إن أهل القرية عدوا
على النبي فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم طبقوا عليه بحجر أصمّ ، قال : فكان ذلك
العبد يذهب فيحتطب على ظهره ، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاماً وشراباً ،
ثم يأتي به إلى تلك (٥) البئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها ويدلي إليه طعامه
(١) ((أ)) : وأخبرهم.
(٢) ((أ )): والوحش.
(٣) ((ط)) : الأسد .
(٤) سقطت من (( أ)) .
(٥) ((أ)) : ذلك.
- ٣٢٦ -

وشرابه ، ثم يردها كما كانت .
قال : فكان كذلك ما شاء الله أن يكون . ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما
يصنع ، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها ، فلما أراد أن يحملها وجدة سِنة
فاضطجع فنام (١) ، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً . ثم إنه هبَّ فتمطى
فتحول (٢) لشقه الآخر، فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى . ثم إنه
هبَّ واحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام(٣) إلا ساعة من نهار ، فجاء إلى القرية فباع
حزمته ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع. ثم [ إنه ](٤) ذهب إلى الحفيرة (٥)،
إلى موضعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجِدْه وقد كان بدًا لقومه فيه بُداءً،
فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه .
قال : فكان(٦) نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل ، فيقولون له ما
ندري ؟ حتى قبض الله النبي عليه السلام وهبَّ(٧) الأسود من نومته(٨) بعد ذلك،
فقال رسول الله عَ له: ((إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة)).
فإنه [ حديث ](٩) مرسل ومثله فيه نظر . ولعل بسط قصته من كلام محمد
ابن كعب القُرَظي . والله أعلم .
ثم قد رده ابن جرير نفسه ، وقال : لا يجوز أن يُحمل هؤلاء على أنهم
أصحاب الرسّ المذكورون في القرآن ، قال : لأن الله أخبر عن أصحاب الرسّ أنه
أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم . اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث
آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم(١٥) . والله أعلم.
ثم اختار أنهم أصحاب الأخدود . وهو ضعيف ، لما تقدم، ولما ذكر في قصة
أصحاب الأخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ، ولم يذكر
هلاكهم ، وقد صرح بهلاك أصحاب الرسّ . والله تعالى أعلم .
(١) ((أ)) : ينام.
(٤) ليست في (أ)) .
(٢) ((أ)): وتحول.
(٧) ((أ)) : وأهب .
(٥) ((أ)) : الحفرة.
(٨) ((أ)) : نومه .
(٩): ليست في ((أ)).
(٦) ((أ )) : وكان.
(٣) ((أ)): إلا أنه نام ساعة.
(١٠) تفسير الطبري ١٥/١٩
- ٣٢٧ -

قصة قوم يس
وهم (١): أصحاب القرية أصحاب يس قال الله تعالى: ﴿واضرب لهم مَثلاً
أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعزَّزنا بثالث
فقالوا إنا إليكم مُرْسَلون ((قالوا ما أنتم إلا بَشَرٌ مثلنا، وما أنزل الرحمنُ من شيء ، إنْ
أنتم إلا تَكْذبون . قالوا ربنا يعلم إنا إليكم المرسلون ، وما علينا إلا البلاغ المبين . قالوا
إنا تطَّرنا بكم ، لئن لم تنتهوا لنّرْجُمِنَّكُمْ ويمسَّنَّكُمْ منا عذابٌ أليم * قالوا طائرُكم
معكم أإنْ ذُكِّرْتم بل أنتم قومٌ مُسْرفون » وجاء مِنْ أقصى المدينة رجلٌ يسعى ، قال يا
قومٍ اتبعوا المرسَلين : اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون ، وما لِيَ لا أعبدُ الذي
فطرني وإليه تُرْجَعُون ◌َ أأتخذُ من دونه آلهةً ؟ إن يُرِدْن الرحمنُ بِضُرِّ لا تُغْنِي عنِّي
شفاعتُهم شيئاً ولا يُنقذون * إني إذاً لفي ضلال مبين « إني آمنتُ بربكم فاسمعون *
قيل ادخل الجنةَ قال : يا ليت قومي يعلمون « بما غفر لي ربي وجعلني من المُكْرَمين
وما أنزلْنا على قومه مِن بَعْدِهِ من جُنْدٍ من السماءِ وما كنا مُنْزِلِين » إن كانت إلا
صيحةً واحدةً فإذا هم خامدون ﴾(٢) .
• اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية ((أنطاكية)) رواه ابن
إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب [ الأحبار ](٣) ووهب [ ابن منبه، وكذا
روي عن بريدة بن الخصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم . قال ابن إسحاق فيما
بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب ](٣) أنهم قالوا : وكان لها ملك اسمه أنطيخس بن
أنطيخس وكان يعبد الأصنام . فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم : صادق
ومصدوق (٥)، وشلوم ، فكذبهم .
وهذا ظاهر أنهم رُسل من الله عز وجل ، وزعم قتادة أنهم كانوا رسلاً من
المسيح . وكذا قال ابن جرير ، عن وهب ، عن ابن سليمان ، عن شعيب الجبّائي:
كان اسم المرسلين (٦) الأولين : شمعون، ويوحنا ، واسم الثالث بولس ، والقرية
(١) المطبوعة : ومنهم . تحريف .
(٢) سورة يس ١٣ - ٢٩ .
(٣) ليست في ((أ)).
(٤) ((أ)): وصدوق .
(٥) ((أ)): الرسولين.
(٦) ((أ)) : المذكورون.
- ٣٢٨ -

أنطاكية .
وهذا القول ضعيف جداً ، لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من
الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت . ولهذا كانت إحدى المدن
الأربع التي تكون فيها بتاركة النصارى . وهي : أنطاكية ، والقدس ، وإسكندرية ،
ورومية . ثم بعدها القسطنطينية ، ولم يهلكوا . وأهل هذه القرية المذكورة(١) في القرآن
أُهلكوا، كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين: ﴿ إنْ كانت إلا
صيحةً واحدة فإذا هم خامدون ﴾ ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في
القرآن، بُعثوا إلى أهل أنطاكية قديماً فكذبوهم وأهلكهم الله، ثم عمّرت بعد
ذلك ، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم ، فلا يمنع هذا . والله أعلم .
فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح
فضعيف لما تقدم ، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله .
قال الله تعالى : ﴿ واضرب لهم مثلاً ﴾ يعني لقومك يا محمد ﴿ أصحاب
القرية ﴾ يعني المدينة ﴿ إذ جاءها المرسلون " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذَّبوهما فعزَّزنا
بثالث ﴾ أي أيدناهما بثالث(٢) في الرسالة، ﴿فقالوا إنا إليكم مرسلون ﴾، فردوا
عليهم بأنهم بشر مثلهم ، كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم ، يستبعدون أن يبعث الله
نبياً بشريًّا. فأجابوهم بأن الله يعلم أنَّا رسله إليكم ، ولو كنا كذَبنا عليه لعاقبنا
وانتقم منا أشد الانتقام . ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ أي إنما علينا أن نبلغكم ما
أُرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء ﴿ قالوا إنا تطَّرنا
بكم ﴾ أي تشاءمنا بما جئتمونا به ، ﴿لئن لم تنتهوا لنرجمنكم﴾ [ قيل](٣)
بالمقال ، وقيل بالفَعَال . ويؤيد الأول قوله: ﴿ويمسَّنَّكم منا عذابٌ أليم﴾
توعدوهم (٤) بالقتل والإهانة .
(١) ((أ)): المذكورون.
(٢) ((أ)): بثالثهما.
(٣) من ((أ)).
(٤) المطبوعة : فوعدوهم .
- ٣٢٩ -

قالوا طائركم معكم﴾ أي مردود عليكم ﴿أإن ذُكِّرتم؟ ﴾ أي بسبب أنا
ذكَّرْنَاكُمْ بالهدى ودعوناكم إليه، توعدتمونا بالقتل والإهانة؟ ﴿بل أنتم قوم
مسرفون ﴾ أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه .
وقوله تعالى: ﴿ وجاء مِنْ أَقْصَى المدينة رجلٌ يَسْعَى﴾ يعني لنصرة الرسل
وإظهار الإِيمان بهم ﴿ قال يا قوم اتبعوا المرسلين » اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم
مهتدون ﴾ أي يدعونكم (١) إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعَالة.
ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا
ينفع شيئاً لا في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿ إني إذاً لفي ضلال مبين ﴾ أي إن تركت
عبادة الله وعبدت معه ما سواه .
ثم قال مخاطباً للرسل : ﴿ إني آمنتُ بربكم فاسمعون ﴾ قيل : فاستمعوا
مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم ، وقيل معناه : فاسمعوا يا قومي إيماني برسل الله
جَهرة . فعند ذلك قتلوه ، قيل رَجْماً ، وقيل عضًّا، وقيل وثَبوا إليه وَثْبة رجل واحد
فقتلوه .
وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال : وَطِئُوه
بأرجلهم ، حتى أخرجوا قصبته .
وقد روى الثّوري عن عاصم الأحول ، عن أبي مِجْلَز : كان اسم هذا الرجل
((حبيب بن مري)) ثم قيل: كان نجاراً، وقيل حباكاً(٢)، وقيل: إسكافاً ، وقيل :
قصَّاراً ، كان يتعبد في غار هناك . فالله أعلم .
وعن ابن عباس : كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام ، وكان كثير
الصدقة فقتله قومه ، ولهذا قال تعالى: ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ يعني لما قتله قومُه
أدخله الله الجنة ، فلما رأى [ ما ] فيها من النضرة والسرور ﴿قال يا ليتَ قومي
يعلمون * بما غفرَ لي ربي وجَعلني من المُكْرَمين ﴾ يعني ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل
لهم ما حصل لي .
(١) المطبوعة : أي يدعوكم.
(٢) ((أ)): حبالاً .
- ٣٣٠ -

قال ابن عباس: نصع قومه في حياته بقوله: ﴿يا قوم اتَّبِعُوا المُرْسَلين
وبعد مماته في قوله ﴿ يا ليت قومي يعلمون » بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين
رواه ابن أبي حاتم. وكذلك قال قتادة: لا يُلْفَى(١) المؤمنُ إلا ناصحاً، ولا يُلْفَى
غاشًّا ، لمَّا عاين ما عاين من كرامة الله ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون = بما غفر لي
ربي وجعلني من المكرمين ﴾ تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو
عليه !
قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومَه بعد قتله ﴿إنْ كانت إلا صيحةً
واحدة فإذا هم خامدون
وقوله تعالى: ﴿ وما أنزلنا على قومه من بعده من جُند من السماء وما كنا
منزِلين ﴾ أي وما احتجنا في الانتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم .
هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه(٢) عن ابن مسعود . قال
مجاهد وقتادة : وما أنزل عليهم جنداً ، أي رسالة [ أخرى ](٣). قال ابن
جرير : والأول أولى (٤).
قلت : وأقوى ، ولهذا قال: ﴿ وما كنا منزِلِين ﴾ أي وما كنا نحتاج(٥) في
الانتقام إلى هذا حين كذّبوا رسلنا وقتلوا ولَّنا ﴿ إنْ كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم
خامدون
قال المفسرون : بعث الله إليهم جبريل عليه السلام ، فأخذ بعَضَادَتّي الباب
الذي لبلدهم ، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون ، أي قد أخمدت
أصواتهم ، وسكنت حركاتهم ، ولم يبق منهم عين تطرف .
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية ، لأن هؤلاء
[ أهلكوا ](٣) بتكذيبهم (٦) رسل الله إليهم، وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح
(١) الأصل : لا يلقي .
(٢) ((أ)) : أشياخه.
(٣) ليست في ((أ)).
(٤) تفسير الطبري ٢٣ / ٢
(٥) ((أ)): محتاجين.
(٦) ((أ)) : بتكذيب .
- ٣٣١ -

من الحواريين إليهم . فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح .
فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الأشقر ، عن سفيان بن
عُيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي عَ لّه قال:
((السُّبَّقُ ثلاثة : فالسابق إلى موسى : يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى : صاحب
يس ، والسابق إلى محمد : عليٌّ بن أبي طالب))، فإنه حديث لا يثبت ، لأن
حسينا هذا متروك شيعي من الغلاة ، وتفرّده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية(١).
والله أعلم .
،
(١) قال عنه البخاري في التاريخ الصغير ص ٢٣٠: ((عنده مناكير)) وفي الكامل لابن عدي ٩٧/١ :
((قال السعدي : كان غالياً من الشتامين للخيرة » .
- ٣٣٢ -

قصة يونس عليه السلام
قال الله تعالى في سورة يونس: ﴿ فلولا كانت قريةٌ آمنَتْ فنفعها إيمانُها إلا
قومَ يونس لمَّا آمنوا كشَفْنَا عنهم عذابَ الخِزْي في الحياةِ الدنيا ومتَّعناهم إلى
حين ﴾(١).
وقال تعالى في سورة الأنبياء : ﴿وذا النون إذ ذهبَ مْغاضِباً فظنَّ أنْ لن نَقْدِر
عليه فنادَى في الظُّلمات أنْ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين *
فاستجبنا له ونجَّيناه من الغَمِّ وكذلك نُنْجِي المؤمنين﴾(٢).
وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وإنَّ يُونُسَ لَمن المرسلين * إِذْ أَبَقَ إِلى
الفُلك المشحون * فساهم فكان من المُدْحَضين » فالتقمه الحوتُ وهو مُليم » فلولا
أنه كان من المسبّحين » للَبث في بَطْنه إلى يومٍ يُبْعثون» فنبذناه بالعَراء وهو سقيم *
وأَنْبَتنا عليه شجرةً من يَقْطين « وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون » فآمنوا فمتَّعْناهم
إلى حين ﴾(٣).
وقال تعالى في سورة ن: ﴿فاصبر لحُكم ربك ولا تكُنْ كصاحب الحوت إذ
نادى وهو مَكْظوم = لولا أن تَداركه نعمةٌ من ربه لنُبِذَ بالعَراء وهو مَذْموم « فاجتباه
رُّه فجعله من الصالحين﴾ (٤) .
قال أهل التفسير: بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل ((نينوى )) من أرض
الموصل، فدعاهم إلى الله عز وجل ، فكذَّبوه وتمردوا على كفرهم (٥) وعنادهم ،
فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أَظْهُرهم ، ووعدهم حلولَ العذاب بهم
· بعد ثلاث .
(١) سورة يونس ٩٨.
(٢) سورة الأنبياء ٨٧، ٨٨ .
(٣) سورة الصافات ١٣٩ - ١٤٨.
(٤) سورة القلم ٤٨ - ٥٠ .
(٥) كذا . والمراد : مرنوا على الكفر واستمروا عليه .
- ٣٣٣ -

قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جُبَيْر وقتَادة ، وغير واحد من السلف
والخلف : فلما خرج من بين ظَهْرانيهم ، وتحققوا نزولَ العذاب بهم قذ ف الله في قلوبهم
التوبة والإنابة ، وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم ، فلبسوا المسوحَ وفَّقوا بين كل
بهيمة وولدها، ثم عَجُّوا إلى الله عز وجل ، وصرخوا وتضرعوا إليه ، وتَمَسْكَنُوا لديه ،
وبكى الرجالُ والنساء والبنون والبنات والأمهات. وجأرت الأنعام والدواب والمواشي ،
فرغَت الإِبل وفُصْلانها ، وخارت البقرُ وأولادها ، وثٌغَثْ الغنم وحُملانها وكانت ساعة
عظيمة هائلة !
فكشف الله العظيمُ بحوله وقوته ورأفته ورحمته ، عنهم العذابَ الذي كان قد
اتصل بهم سبّبُه ، ودار على رءوسهم كقطع الليل المظلم .
ولهذا قال تعالى: ﴿ فلولا كانت قريةٌ آمنت فنفعها إيمانُها ﴾ أي هلا
وجدت فيما سلَف من القرون قرية آمنت بكمالها ، فدل على أنه لم يقع ذلك ، بل
كما قال تعالى: ﴿وما أَرْسَلْنا في قريةٍ من نبي إلا قال مُتْرَفُوها إنا بما أرسلتم به
كافرون﴾(١) وقوله: ﴿إِلا قومَ يُونُسَ لمَّا آمنوا كشَفْنا عنهم عذابَ الخِزْيٍ في
الحياة الدنيا ومتَّعناهم إلى حين﴾ أي آمنوا بكمالهم .
وقد اختلف المفسرون : هل ينفعهم هذا الإِيمان في الدار الآخرة ، فينقذهم
من العذاب الأخروي ، كما أنقذهم من العذاب الدنيوي ؟ على قولين :
الأظهر من السياق : نعم . والله أعلم ، كما قال تعالى: ﴿ لما آمنوا ﴾ وقال
تعالى: ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتَّعْناهم إلى حين﴾، وهذا
المتاع إلى حين لا ينفي أن يكون معه غيره من رفع العذاب الأخروي . والله أعلم .
وقد كانوا مائة ألف لا مَحالة . واختلفوا في الزيادة : فعن مكحول عشرة
آلاف . وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زُهير عمن سمع أبا
العالية: حدثني أبيّ بن كعب، أنه سأل رسول الله عَ لمه عن قوله: ﴿وأرسلناه
إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ قال: ((يزيدون عشرين ألفاً)) فلولا هذا الرجل المبهم
(١) سورة سبأ ٣٤ .
- ٣٣٤ -

لكان هذا الحديث فاصلاً في هذا الباب(١).
وعن ابن عباس : كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً ، وعنه : وبضع وثلاثين ألفاً ،
وعنه وبضعة وأربعين ألفاً . وقال سعيد بن جُبير : كانوا مائة ألف وسبعين ألفاً .
واختلفوا : هل كان إرساله إليهم قبلَ الحوت أو بعده ؟ أو هما أمَّتان ؟ على
ثلاثة أقوال : هي مبسوطة في التفسير(٢).
والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضباً بسبب قومه ، ركب سفينة في
البحر فلجَّت بهم ، واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها ، وكادوا يغرقون على ما
ذكره المفسرون .
قالوا : فاشتوروا فيما بينهم على أن يقترعوا ، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من
السفينة ليتخففوا منه .
فلنا اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به ، فأعادوها ثانية
فوقعت عليه أيضاً ، فشمر(٣) ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه، فأبوا عليه ذلك . ثم
أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضاً ، لما يريد الله به من الأمر العظيم .
قال الله تعالى: ﴿ وإنَّ يونس لَمن المرسلين » إذْ أَبَق إلى الفُلك المشحون *
فساهَم فكان من المُدْحَضين فالتقمه الحوثُ وهو مُليم﴾ وذلك أنه لما وقعت عليه
القرعة أُلقي في البحر ، وبعث الله عز وجل حوتاً عظيماً من البحر الأخضر فالتقمه
وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحماً ولا يهشم له عظماً فليس له برزق ، فأخذه
فطاف [ به ](٤) البحار كلها ، وقيل إنه ابتلع ذلك الحوتَ حوتٌ آخر أكبر منه !
(١) الحديث في سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الصافات حديث رقم ٣٢٢٩ : عن
رجل عن أبي العالية عن محمد بن كعب. وهو المراد بقول ابن كثير: ((فلولا هذا الرجل المبهم لكان
هذا الحديث فاصلاً في هذا الباب )) وقال الترمذي : هذا حديث غريب .
(٢) تفسير ابن كثير سورة الصافات .
(٣) ((أ)): فتشمر .
(٤) ليست في ((أ)).
- ٣٣٥ -

قالوا : ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات ، فحرك جوارحه
فتحركت ، فإذا هو حيّ فخر لله ساجداً وقال: يا رب اتخذت لك مَسْجِداً [ في
موضع ](١) لم يعبدك أحد في مثله !
وقد اختلفوا في مقدار لُبْئه في بطنه . فقال مجالِد عن الشَّعْبي : التقمه
ضُحِىِّ وَلَفَظه عَشِيةً ، وقال قتادة : مكث فيه ثلاثاً ، وقال جعفر الصادق : سبعة
أيام ، ويشهد له شعر أمية بن أبي الصَّلْت :
وأنت بفضلٍ مِنْكَ نَجِيَّتَ يُونُساً
وقد بات في أضعافٍ حُوبٍ لَيَالِيَا(٢)
وقال سعيد بن [ أبي](١) الحسن وأبو مالك: مكث في جوفه أربعين يوماً.
والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه .
• والمقصود أنه لما جعل الحوتُ يطوف به في قرار البحار اللُّجِّية، ويقتحم به
لجج الموج الأُجَاجِيَّةَ(٣) ، فسمَع تسبيح الحيتان للرحمن ، وحتى سمع تسبيح الحصى
الفالق الحب والنوى ، ورب السموات السبع والأرضين السبع وما بينهما وما تحت
الثَّرَى ، فعند ذلك وهنالك ، قال ما قال بلسان الحال والمقال ، كما أخبر عنه ذو
العزة والجلال ، الذي يعلم السر والنجوى ، ويكشف الضّر والبلوى ، سامع
الأصوات ، وإنْ ضعفت ، وعالم الخَفِيَّات وإن دَقَّت ، ومجيب الدعوات وإن
عظمت ، حيث قال في كتابه المبين ، المنزل على رسوله الأمين ، وهو أصدق
القائلين ورب العالمين وإله المرسلين: ﴿وذا النون إذ ذَهَب ﴾ [ أي إلى أهله](٤)
﴿ مُغاضِباً فظن أن لن نَقْدِر عليه ﴾ أي نضيق عليه. وقيل معناه: نقدّر من
(١) ليست في ((أ)). والخبر بنحوه في تفسير الطبري ٨١/١٧.
(٢) ديوانه ص ٥٤١ تحقيق د. عبد الحفيظ السطلي.
(٣) الأجاجية: نسبة إلى الأجاج وهو الملح. وفي الأصل : الأجاجي وما أثبتناه هو الموافق للفاصلة التي
قبلها .
(٤) ليست في ((أ)) .
- ٣٣٦ -

التقدير وهي لغة مشهورة ، قَدر وقدَّر كما قال الشاعر :
تباركتَ ، ما تَقْدِرْ يَكُنْ، فلك الأمرُ
فلا عائدٌ ذاك الزمانُ الذي مضَی
﴿ فنادى في الظلمات ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون
وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن بن قتادة والضحاك : ظلمة الحوت وظلمة
البحر وظلمة الليل .
وقال سالم بن أبي الجعد : ابتلع الحوتَ حوت آخر فصارت ظلمة الحوتين مع
ظلمة البحر .
وقوله تعالى: ﴿ فلولا أنه كان من المسبِّحين » للَبِثَ في بطنه إلى يوم
يُبعثون﴾ قيل معناه فلولا أنه سبَّح الله هنالك ، وقال ما قال من التهليل والتسبيح ،
والاعتراف لله بالخضوع ، والتوبة إليه والرجوع إليه لَلَبِثَ هنالك إلى يوم القيامة ،
وَلَبُعِثَ من جوف ذلك الحوت . هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى
الروايتين عنه .
وقيل معناه : ﴿ فلولا أنه كان﴾ مِنْ قَبْل أَحْذِ الحوت له ﴿ من
المسبِّحين﴾ أي المطيعين المصلِّين الذاكرين الله كثيراً . قاله الضحاك بن قيس وابن
عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جُبير والضَّحاك والسُّدي وعطاء بن
السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد ، واختاره ابن جرير .
ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السُّنن عن ابن عباس أن رسول
الله عَ له قال له: (( يا غلام إني معلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله
تجِدْه تجاهك ، تعرَّف إلى الله في الرخاء يَعْرفك في الشدة))(١) .
وروى ابن جرير في تفسيره : والبزار في مسنده من حديث محمد بن
إسحاق ، عمن حدثه ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة [ قال ](٢) سمعت أبا
هريرة يقول: قال رسول الله عَّ له: ((لما أراد الله حَبْس يونس في بطن
[ الحوت](٢) أوحى الله إلى الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له
(١) مسند أحمد ٣٠٧/١ (ط الميمنية).
(٢) ليست في ((أ)) .
- ٣٣٧ -

عظماً . فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسًّا ، فقال في نفسه ما هذا ؟
فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت : إنّ هذا تسبيح دواب البحر ! قال فسبَّح وهو
في بطن الحوت ، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً
بأرض غريبة ! قال : ذلك عبدي يونس عصاني فحَبسْتُه في بطن الحوت في البحر .
قالوا : العبد الصالح ، الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟
قال : نعم . قال : فشفَعوا له عند ذلك، فأمر الحوتَ فقذفه في الساحل كما قال
الله: ﴿ وهو سقيم ﴾.
هذا لفظ ابن جرير إسناداً ومتناً(١). ثم قال البزار: لا نعلمه يُروى عن النبي
عَ لّه إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. كذا قال .
وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن
[ ابن ](٢) أخي وهب ، حدثنا عمي ، حدثني أبو صخر ، أن يزيد الرَّقَاشِيّ قال :
سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلى رسول الله عَ ليه
يقول: (( إن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في
بطن الحوت قال : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فأقبلت
[ هذه ](٢) الدعوة تحت العرش ، فقالت الملائكة : يا رب صوتٌ ضعيف معروف
من بلاد غريبة . فقال : أما تعرفون ذاك ؟ فقالوا : لا يا رب ومن هو ؟ قال : عبدي
يونس. قالوا : عبدك يونس الذي لم يزل يُرفع له عمل متقبَّل(٣) ودعوة مجابة ؟
[ قال : نعم ] قالوا : يا ربنا ! أو لا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجِّيه من
البلاء ؟ قال : بلى . فأمر الحوت فطرحه في العراء .
ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به (٤) .
زاد ابن أبي حاتم : قال أبو صخر حُميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا
أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول: طُرح بالعراء ، وأنبت الله عليه
اليَقْطينةَ. قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدُّباء [ قال أبو هريرة](٢)
(١) تاريخ الطبري ١٦/٢ (تحقيق أبي الفضل). (٣) ((أ)): لم نزل نرفع له عملاً متقبلاً.
(٢) ليست في ((أ)).
(٤) تفسير الطبري ٨٠/١٧ .
- ٣٣٨ -

وهيأ الله له أرْوِيَة(١) وحشيةً تأكل من خَشاش الأرض ، أو قال هشاش الأرض ،
قال : فتفسخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت .
وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتاً من شعره :
فأنبثَّ يقطيناً عليه برحمة من الله لولا الله أصبح ضاوياً(٢)
وهذا غريب أيضاً من هذا الوجه . ويزيد الرَّقاشي ضعيف ، ولكن يتقوَّى
بحديث أبي هريرة المتقدم ، كما يتقوى ذاك بهذا . والله أعلم .
وقد قال الله تعالى: ﴿ فَنَبَذْناه﴾ أي ألقيناه ﴿ بالعراء﴾ وهو المكان القَفْر
الذي ليس فيه شيء من الأشجار ، بل هو عار منها ، ﴿ وهو سقيم ﴾ أي ضعيف
البدن . قال ابن مسعود : كهيئة الصبي [ حين يولد ](٣) وهو المنفوس ليس عليه
شيء. ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يَقْطِين﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة
ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يسَاف وعبد الله بن طاووس
والسُّدي وقتادة والضحاك وعطاء الخرساني وغير واحد : هو القَرْع .
قال بعض العلماء : في إنبات القَرْع عليه حِكَم جَمَّة ، منها أن ورقه في غاية
النعومة ، وكثير وظليل ، ولا يَقْربه ذباب ، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره ، نيًّا
ومطبوخاً ، وبقشره وبيزره أيضاً . وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك .
وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأَرْوِيَّة التي كانت ترضعه
لبنها وترعى في البَرِّية، وتأتيه بكرة وعشية . وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه
وإحسانه إليه . ولهذا قال تعالى: ﴿فاستَجَبْنا له فنجَيناه من الغَمِّ ﴾ أي الكرب
والضيق الذي كان فيه ﴿ وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا
واستجار بنا .
(١) الأروية: أنثى الوعل . والجمع أروى وانظر الحيوان للجاحظ ٤٩٨/٣.
(٢) ((أ)): ألفي ضاحيا. والبيت من ديوانه ص ٥٤١ تحقيق د.عبد الحفيظ السطلي.
(٣) سقطت من ((أ)).
- ٣٣٩ -

قال ابن جرير : حدثني عمران(١) بن بكّار الكلاعي ، حدثنا يحيى بن
صالح ، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن ، حدثني بشر بن منصور ، عن علي بن
زيد ، عن سعيد بن المسيَّب قال: سمعت سعد(٢) بن مالك - وهو ابن أبي وقاص
يقول: سمعت رسول الله عَّهِ يقول: ((اسمُ الله الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا
سئل به أعطى ، دعوة يونس بن متى)) قال : فقلت : يا رسول الله هي ليونس
خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: ((هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا
بها ، ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿فنادَى في الظُّلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك
إني كنت من الظالمين » فاستجَبْنا له ونجَّيناه من الْغَمّ وكذلك نُنْجِي المؤمنين﴾ فهو
شرط من الله لمن دعاه به )) .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشجّ ، حدثنا أبو خالد الأحمر
عن كثير بن زيد ، عن المطلب بن حُنْطب قال أبو خالد : أحسبه عن مصعب
- يعني ابن سعد - عن سعد قال: قال رسول الله عَ ةٍ: ((من دعا بدعاء
يونس استجيب له)) قال أبو سعيد الأشج: يريد به: ﴿وكذلك ننجي
. 5
المؤمنین
وهذان طريقان عن سعد .
وثالث أحسن منهما : وقال الإِمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن عمر (٣) حدثنا
يونس بن إسحاق الهمداني ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد ، حدثني والدي
محمد ، عن أبيه سعد - وهو ابن أبي وقاص رضي الله عنه - قال : مررت بعثمان
[ ابن عفان ] (٤) في المسجد فسلمت عليه ، فملأ عينيه مني ثم لم أيردَّ عليَّ
السلام ، فأتيت [ أمير المؤمنين ](٥) عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين : هل
حدث في الإِسلام شيء ؟ قال: لا . وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفاً في
(١) ((أ)) : عمر .
(٢) ((أ)) : سعيد.
(٣) الأصل: عمير . وما أثبته من المسند.
(٤) ليست في المسند .
(٥) من المسند .
- ٣٤٠ -