Indexed OCR Text

Pages 301-320

دراهم رديئة ، وقيل قليلة ، وقبل حَب الصنوبر وحب البُطّم ونحو ذلك . وعن ابن
عباس : كانت خَلق الغرائر والحبال ونحو ذلك .
﴿ فَأوفٍ لنا الكيلَ وتصدَّق علينا إن الله يجزي المتصدقين﴾. قيل بقبولها ،
قال السُّدي. وقيل برَدّ أخينا إلينا، قاله ابن جُريح . وقال سفيان بن عُيَينة : إنما
حُرمت الصدقة على نبينا محمد عَّ ونزع بهذه الآية. رواه ابن جرير. (١)
فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من
ضعيف المال ، تعرَّف إليهم وعطف عليهم ، قائلاً لهم عن أمر ربه وربهم ، وقد حسر
لهم عن جبينه الشريف ، وما يحويه من الخال(٢) الذي يعرفونه فيه: ﴿هل علمتم ما
فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ﴾ .
قالوا﴾ وتعجبوا كلَّ العجب ، وقد ترددوا إليه مراراً عديدة وهم لا يعرفون
أنه هو: ﴿ أئنك لأنت يوسف ﴾.
قال أنا يوسف وهذا أخي ﴾ . يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما
صنعتم ، وسلَف من أمركم فيه ما فرطتم. وقوله: ﴿ وهذا أخي﴾ تأكيد لما قال ، وتنبيه
على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد ، وعملوا في أمرهما من الاحتيال . ولهذا قال :
﴿ قد مَنَّ الله علينا﴾ أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا، وإيوائه لنا وشَدِّه معَاقد
عِزّنا ، وذلك بما أسْلَفنا من طاعة ربنا ، وصبرنا على ما كان منكم إلينا ، وطاعتنا
وبرّنا لأبينا ، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا. ﴿إنه من يَتق ويَصْبر فإن الله لا
يضيع أجر المحسنين
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا﴾ أي فضَّلك وأعطاك ما لم يُعطنا، ﴿وإنْ
كنا لخاطئين﴾ أي فيما أسْدينا إليك، وها نحن بين يديك. ﴿ قال لا تَثْریب
(١) في تفسير الفخر الرازي ٢٠٦/١٨: ((واختلف الناس في أنه هل كان ذلك طلباً منهم للصدقة ؟
فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً للأنبياء قبل محمد عَ له بهذه الآية وعلى هذا
التقدير)).
(٢) الخال : شامة في البدن . وفي المطبوعة : الحال .
- ٣٠١ -

عليكم اليومَ ﴾ أي لست أعاتبكم(١) على ما كان منكم بعد يومكم هذا . ثم زادهم
على ذلك فقال: ﴿ يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ ومن زعم أن الوقف على
قوله: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ وابتدأ بقوله: ﴿اليومَ يغفر الله لكم ﴾ فقوله ضعيف
والصحيح الأول .
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه ، وهو الذي يلي جسَده ، فيضعوه على عيني
أبيه ، فإنه يرجع إليه بصره بعدما كان ذهب ، بإذن الله . وهذا من خوارق العادات
ودلائل النبوات وأكبر المعجزات .
ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر ، إلى الخير والدَّعة وجَمْع
الشمل بعد الفرقة ، على أكمل الوجوه وأعلى الأمور .
﴿ فلما فصَلت العيرُ قال أبوهم إني لأجد ريحَ يوسف لولا أن تُفَنَّدون » قالوا ..
تالله إنك لفي ضلالك القديم » فلما أنْ جاء البشيرُ ألقاه على وجهه فارتدَّ بصيراً ،
قال ألم أقل لكم إني أعلمُ من الله ما لا تعلمون » قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبَنا إنا كنا
خاطئين : قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ﴾.
قال عبد الرزاق : أنبأنا إسرائيل ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن أبي
الهذيل ، سمعت ابن عباس يقول: ﴿ فلما فصَلت العيرُ﴾ قال: لما خرجت العير
هاجت ريح ، فجاءت يعقوبَ بريح قميص يوسف فقال: ﴿ إني لأجد ريحَ يوسف
لولا أن تفنِّدون﴾. قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية (٢) أيام. وكذا رواه الثَّوري
وشُعبة وغيرهم عن أبي سنان (٣) به .
وقال الحسن البصري وابن جُرَيج المكي : كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخاً ،
وكان له (٤) منذ فارقه ثمانون سنة .
وقوله: ﴿ لولا أن تُفَنِّدُون﴾ أي تقولون إنما قلت هذا من الفُنَد ، وهو
الخَرَف (٥) وكبر السن .
(١) ((ط)) : أعاقبكم .
(٢). ((أ)): ثلاثة أيام.
(٣) ((أ)) : عن أبي سعد .
(٤) (( أ ) : وكان له عنه .
(٥) ((أ)) : وهو الحزن.
- ٣٠٢ -

قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: ﴿تفنّدون
تُسَفِّهون. وقال مجاهد أيضاً والحسن: تُهَرِّمون (١).
قالوا تالله إنك لَفي ضلالك القديم﴾ قال قتادة والسُّدي: قالوا له كلمة
غليظة (٢) .
قال الله تعالى: ﴿ فلما أنْ جاء البشيرُ ألقاه على وجهه فارتدَّ بصيراً ﴾ أي
بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فَوْره بصيراً بعد ما كان
ضريراً. وقال لبنيه عند (٣) ذلك: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾
أي أعلم أن الله سيجمع شَملي بيوسف ، وسيقر عيني به ، وسيريني فيه ومنه ما
يسرني .
فعند ذلك ﴿ قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين﴾ طلبوا منه أن
يستغفر لهم الله عز وجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه ، وما كانوا عزموا عليه ،
ولما كان من نيتهم التوبة قبلَ الفعل ، وفّقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم .
فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا ، وما عليه حوَّلُوا قائلاً: ﴿ سوف أستغفر لكم ربي إنه
هو الغفور الرحيم ﴾ .
قال ابن مسعود وإبراهيم التَّيمي وعمرو بن قيس وابن جُريح وغيرهم : أرجأهم
إلى وقت السَّحَر . قال ابن جرير : حدثني أبو السائب ، حدثنا ابن إدريس
[ قال ] (٤): سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دِثَار قال : كان
عمر(٥) يأتي المسجد فسمع إنساناً يقول: (( اللهم دعوتني فأجبتُ، وأمرتني
فأطعت ، وهذا السَّحر فاغفر لي )) قال: فاستمع إلى الصوت فإذا هو من دار
عبد الله بن مسعود ، فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إنّ يعقوب أَخَّر بنيه إلى
السَّحر بقوله: ﴿ سوف أستغفر لكم ربي﴾ (٦). وقد قال تعالى: ﴿والمستغفرين
(١) تهرمون : تنسبونني إلى الهرم .
(٢) تفسير الرازي ٢١٢/١٨.
(٣) ((أ)) : بعد ذلك.
(٤) ليست في ((أ)).
(٥) المطبوعة : كان عم لي . وهو تحريف .
(٦) تفسير الطبري ٦٤/١٣ ( ط الحلبي ) .
- ٣٠٣ -
٠

بالأسحار ﴾(١) .
وثبت في الصحيحين(٢) عن رسول الله عَ لَّه أنه قال: ((ينزل ربُّعا كلَّ ليلة
إلى سماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من
مستغفر فأغفر له ؟))(٣). وقد ورد في حديث: أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة
الجمعة .
قال ابن جرير : حدثني المثنّى ، قال : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو
أيوب (٤) الدمشقي ، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريج ، عن عطاء وعِكْرمة عن ابن
عباس، عن رسول الله عَ ليه: ((سوف أستغفر لكم ربي)) يقول: (( حتى ليلة
الجمعة ، وهو قول أخي يعقوب لبنيه ))(٥).
وهذا غريب من هذا الوجه ، وفي رَفْعه نظر . والأشبه أن يكون موقوفاً على
ابن عباس رضي الله عنهما .
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصرَ إن شاء الله
آمنين * ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سُجَّداً ، وقال يا أبتِ هذا تأويل رؤیاي من
قبلُ ، قد جعلها ربي حقًّا ، وقد أحسنَ بي إذْ أخرجني من السجن ، وجاء بكم من
البَدْو من بعد أن نزغ الشيطانُ بيني وبين إخوتي ، إن ربِّي لطيف لما يشاء ، إنه هو
العليم الحكيم * ربِّ قد آتَيْتَنِي من المُلْكِ وعلَّمتني من تأويلِ الأحاديثِ ، فاطرَ
السموات والأرض أنت وليِّي في الدنيا والآخرة ، توفّني مُسْلماً وألحقني
بالصالحین
هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة ، التي قيل إنها ثمانون
(١) سورة آل عمران ١٧ .
(٢) ((ط)): في الصحيح.
(٣) صحيح البخاري كتاب التوحيد ٢٩٦/٤ باب قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله ﴾ (ط
الحلبي ) .
(٤) ((أ)) : ابن أيوب.
(٥) تاريخ الطبري ٤٠٩/١ ( ط ليدن ) .
- ٣٠٤ -

سنة ! وقيل ثلاث وثمانون سنة ، وهما روايتان عن الحسن وقيل خمس وثلاثون سنة .
قاله قتادة . وقال محمد بن إسحاق : ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة . قال :
وأهل الكتاب يزعمون(١) أنه غاب عنه أربعين سنة .
وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريباً ، فإن المرأة راودته وهو
شاب ابن سبع عشرة سنة ، فيما قاله غير واحد ، فامتنع . فكان في السجن بضع
سنين ، وهي سبعّ عند عِكْرمة وغيره . ثم أُخرج فكانت سنوات الخصب السبع ،
ثم [ لما ](٢) أَمْحَلَ الناس في السَّبْع البواقي، جاء إخواته يمتارون في السنة الأولى
وحدهم، وفي الثانية ومعهم أخوه (٣) [ بنيامين ](٢)، وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم
بإحضار أهلهم أجمعين ، فجاءوا كلهم .
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ﴾ واجتمع بهما خصوصاً وحدهما
دون إخوته ، ﴿وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾. قيل هذا من المقدم.
والمؤخر ، تقديره [ قال ](٢): ادخلوا، مصر وآوى إليه أبويه . وضعَّفه ابن جرير
وهو معذور (٤). وقيل [ بل ](٢) تلقاهما وآواهما في منزل الخيام ، ثم لما اقتربوا من
باب مصر ﴿ قال ادخلوا مصرَ إنْ شاء الله آمنين﴾، قاله السُّدي ولو قيل إن الأمر
لا يحتاج إلى هذا أيضاً ، وإنه ضِمْن قوله ادخلوا ، بمعنى اسكنوا مصر ، أو أقيموا
بها ، ﴿ إن شاء الله آمنين﴾ لكان صحيحاً مليحاً أيضاً.
وعند أهل الكتاب : أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر - وهي أرض
بلبيس - خرج يوسف لتلقّيه ، وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشِّراً
بقدومه ، وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر ، يكونون فيها ، ويقيمون بها
بنعَمهم ومواشيهم. و [ قد ](٢) ذكر جماعة من المفسرين، أنه لمَّا أزِفٍ قدومُ نبي
الله يعقوب - وهو إسرائيل - [ أراد يوسف ](٢) أن يخرج لتلقّيه ، فركب معه
الملك وجنوده، خدمة ليوسف وتعظيماً لنبي الله ((إسرائيل)) وأنه دعا للملك ، وأن
(١) ((أ)) : يدعون.
(٢) سقطت من ((أ)).
(٣) ((أ)) : أخوهِم.
(٤) تفسير الطبري ٦٦/١٣ (ط الحلبي ) .
- ٣٠٥ -

الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجذب ببركة قدومه إليهم . فالله أعلم .
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم - فيما قاله أبو إسحاق
السَّبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود - ثلاثة وستين إنساناً .
وقال موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب ، عن عبد الله بن شداد : كانوا
ثلاثة وثمانية إنساناً .
وقال أبو إسحاق عن مسروق : دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنساناً .
قالوا : وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل(١).
وفي نص(٢) أهل الكتاب: أنهم كانوا سبعين نفساً. وسمَّوهم.
قال الله تعالى: ﴿ ورفع أبويه على العرش ) قيل : كانت أمه قد ماتت كما هو
عند علماء التوراة". وقال بعض المفسرين : أحياها الله تعالى. وقال آخرون: بل
كانت خالته (( ليا)) والخالة بمنزلة الأم.
وقال ابن جرير وآخرون : بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ ،
فلا يعوّل على نقل أهل الكتاب فيما خالفه(٣) . وهذا قوي . والله أعلم.
ورفعهما على العرش ، أي أجلسهما [ معه](٤) على سريره، ﴿وخرُّوا له
سُجَّداً ﴾ أي سجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر ، تعظيماً وتكريماً وكان هذا
مشروعاً لهم ، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع حتى حرِّم في مِلتنا .
وقال يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبلُ ﴾ أي هذا تعبير ما كنت قصَصْته
عليك من رؤيتي الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر ، حين رأيتهم لي ساجدين ،
وأمرْتَني بكتمانها ، ووعدتني [ ما وعدتني](٤) عند ذلك ﴿ قد جعلها ربي حقًّا،
(١): تفسير الرازي ٢١٤/١٨.
(٢) ((أ)) : ونص أهل الكتاب.
(٣) تفسير الطبري ٦٧/١٣ (ط الحلبي).
(٤) ليست في ((أ)) .
- ٣٠٦ -

وقد أحسنَ بي إذ أخرجني من السجن ﴾ أي بعد الهم والضيق ، جعلني حاكماً نافذ
الكلمة في الديار المصرية حيث شئت. ﴿وجاء بكم من البدو ﴾ أي البادية . وكانوا
يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل ﴿ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين
إخوتي ﴾ أي فيما كان منهم إليَّ من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره .
ثم قال : ﴿ إن رِّي لطيفٌ لما يشاء﴾ أي إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه ، ويسرها
وسهَّلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدِّرها وييسرها بلطيف صُنعه وعظيم
قدرته : ﴿ إنه هو العليم﴾ أي بجميع الأمور ﴿الحكيم﴾ في خَلقه وشَرعه وقَدره .
وعند أهل الكتاب : أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان
تحت يده ، بأموالهم كلها، من الذهب والفضة ، والعقار والأثاث ، وما يملكونه
كله ، حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقّاء . ثم أطلق لهم أرضَهم وأعتق رقابهم على
أن يعملوا، ويكون ◌ُمس ما يستغلون من زروعهم(١) وثمارهم للملك، فصارت سُنةً
أهلِ مصر بعدَه .
وحكى الثعلبي : أنه كان لا يشبع في تلك السنين ، حتى لا ينسى الجيعان ،
وأنه إنما كان يأكل أكلةً واحدة نصف النهار . قال : فمن ثَم اقتدى به الملوك في
ذلك . قلت : و [ قد ](٢) كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه، لا
يُشْبع بطنه عامَ الرمادة حتى ذهب الجذْبُ وأنى الخِصْب .
قال الشافعي : قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة : لقد
انجلت عنك وإنك لابن حُرّة !
ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمّت ، وشَمله قد اجتمع ، عرف
أن هذه الدار لا يقَرُّ بها قرار ، وأن كل شيء فيها ومن عليها فان ، وما بعد التمام إلا
(١) ((ط)): زرعهم.
(٢) من ((أ)).
- ٣٠٧ -

النقصان ، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله ، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله ،
وسأل منه - وهو خير المسئولين - أن يتوفاه ، أي حين يتوفاه على الإِسلام ، وأن
يُلْحقه بعباده الصالحين، وهذا كما يقال في الدعاء: ((اللهم أحْينا مسلمين وتوفنا
مسلمين ﴾ أي حين تتوفانا .
ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام، كما سأل النبي عَ له عند
احتضاره أن يرفع روحه إلى الملأ الأعلى والرفقاء الصالحين(١) من النبيين والمرسلين، كما
قال : اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثاً . ثم قضى .
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الإِسلام منجَّزاً في صحة بدنه
وسلامته ، وأن ذلك كان سائغاً في ملتهم وشرعهم ، كما روي عن ابن عباس أنه
قال : ما تمنى نبي [ قط ] (٢) الموت قبل يوسف .
فأما في شريعتنا فقد نُهي عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن ، كما في حديث
معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد: ((وإذا أردت بقومٍ فتنةً فتوقّنا إليك غير
مفتونين))(٣). وفي الحديث الآخر: ((ابن آدم، الموت خير لك من الفتنة)) (٤) .
وقالت مريم عليها السلام : ﴿ يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نَسْياً مَنْسِيًّا﴾(٥) .
وتمنَّى الموتَ عليّ بن أبي طالب، لمَّا تفاقمت الأمور وعَظمت الفتن واشتد القتال ،
وكثر القيل والقال. وتمنى ذلك البخاري [ أبو عبد الله](٢) صاحب الصحيح ، لما
اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال .
فأما في حال الرفاهية فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث
أنس بن مالك قال: قال رسول الله عَ له: ((لا يتمنَّين أحدكم الموت لِضُرِّ نزل به،
إما محسناً فلعله يزداد ، وإما مسيئاً فلعله يستعتب ولكن ليقل : اللهم أحْيني ما
(١) ((أ)) : الصلحاء.
(٢) سقطت من ((أ)).
(٣) المسند ٢٤٣/٥ (ط الميمنية).
(٤) المسند ٤٢٧/٥ .
(٥) سورة مريم ٢٣ .
- ٣٠٨ -

كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي))(١) والمراد بالضر ها هنا،
ما يخص العبد في بدنه ، من مرض ونحوه ، لا في دينه .
والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك، إمّا عند احتضاره ، أو
إذا كان ذلك أن يكون كذلك .
وقد ذكر ابن إسحاق عن أهل الكتاب : أن يعقوب أقام بديار مصر عند
يوسف سبع عشرة سنة ، ثم توفي عليه السلام . وكان قد أوصى إلى يوسف عليه
السلام أن يُذْفن عند أبويه إبراهيم وإسحاق . قال السُّدي: فصَبَّره وسيَّره إلى بلاد
الشام فدفنه بالمغارة(٢) عند أبيه إسحاق وجدّه الخليل عليهم السلام.
وعند أهل الكتاب : أن عُمْر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة ،
وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة ، ومع هذا قالوا : فكان جميع عمره
مائة وأربعين سنة .
هذا نص كتابهم وهو غلط ، إما في النسخة ، أو منهم ، أو قد أسقطوا
الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا ، فكيف يستعملون هذه الطريقة
[ ها هنا](٣)؟
وقد قال تعالى [ في كتابه العزيز](٣): ﴿أم كنتم شهداء إذْ حضَر يعقوبَ
الموتُ ، إذ قال لبنيه ما تَعْبدونَ مِن بعذي ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً، ونحن له مسلمون ﴾ يوصي بنيه الإِخلاص ، وهو
دين الإِسلام الذي بعث الله به الأنبياء عليهم السلام .
وقد ذكر أهل الكتاب : أنه أوصى بنيه واحداً واحداً ، وأخبرهم بما يكون من
أمرهم ، وبشَّر يهوذا بخروج نبي عظيم من نَسْلِه تطيعه الشعوب ، هو عيسى بن
(١) صحيح البخاري كتاب المرضى وكتاب التمني ٧/٤، ٢٥٠ (ط الحلبي بحاشية السندي) وصحيح
مسلم كتاب الذكر والدعاء باب كراهة تمني الموت لضر نزل به ٤٦٧/٢ ( ط الحلبي).
(٢) ((أ)): في المنارة .
(٣) سقطت من ((أ)).
- ٣٠٩ -

مريم . والله أعلم .
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوماً ، وأمر يوسف
الأطباء فطيبوه بطيب مكث فيه أربعين يوماً . ثم استأذن يوسف ملك مصر في
الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله ، فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها . فلما
وصلوا حَبْرون دفنوه(١) في المغارة التي كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن
صخر الحيثي ، وعملوا له عزاء سبعة أيام .
قالوا: ثم رجعوا إلى بلادهم ، وعزَّى إخوةُ يوسف يوسفَ في أبيهم ، وترققوا
له فأكرمهم وأحسنَ مُنقلبهم ، فأقاموا ببلاد مصر .
ثم حضرت يوسفَ عليه السلام الوفاةُ ، فأوصى أن يُحمل معهم إذا خرجوا
من مصر فُيُدْفَن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت ، فكان بمصر حتى أخرجه
معه موسى عليه السلام ، فدفنه عند آبائه كما سيأتي . قالوا : فمات وهو ابن مائة
سنة وعشر سنين .
هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضاً(٢) . وقال مبارك بن فضالة
عن الحسن : أُلقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن أبيه
ثمانين سنة ، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة [ سنة ](٣)
وعشرين سنة . وقال غيره : أوصى إلى أخيه يهوذا ، صلوات الله عليه وسلامه .
(١) ((أ)) : فدفنوه .
(٢) تاريخ الطبري ٤١٣/١ (ط أوربا).
(٣) ليست في ((أ)).
- ٣١٠ -

قصة أيوب عليه السلام
قال ابن إسحاق : كان رجلاً من الروم . وهو أيوب بن موص بن رازح (١) بن
العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل .
وقال غيره : هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن
يعقوب ، وقيل غير ذلك في نسبه(٢).
وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام ، وقيل كان أبوه ممن آمن
بإبراهيم عليه السلام يوم ألقي في النار فلم تحرقه(٢).
والمشهور الأول ، لأنه من ذرية إبراهيم ، كما قررنا عند قوله تعالى: ﴿ ومن
ذريته داود وسليمان وأيوبَ ويوسف وموسى وهارون﴾(٣) الآيات من أن الصحيح أن
الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام .
وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى :
﴿إِنَّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بَعْدِه، وأوحينا إلى إبراهيمَ
وإسماعيلَ وإسحاق ويعقوبَ والأسباطِ وعيسى وأيوب﴾(٤) الآية .
فالصحيح أنه من سُلالة العيص بن إسحاق. وامرأته قيل: اسمها ((ليا))
بنت يعقوب ، وقيل رحمة بنت أفرائيم(٥)، وقيل [ ليا بنت ](٦) منسا بن يوسف(٧)
ابن يعقوب . وهذا أشهر فلهذا ذكرناه ها هنا .
ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله ، وبه الثقة
وعليه التكلان .
(١) الأصل: بن رزاح. وما أثبته من تاريخ الطبري ٣٦١/١ (ط أوربا) وهو المرجع الذي نقل منه ابن
کثیر کلام ابن إسحق .
(٢) تاريخ الطبري المرجع السابق.
(٦) سقطت من ((أ)) .
(٤) سورة النساء ١٦٣ .
(٥) ((ط)) : أفرايم.
(٣) سورة الأنعام ٨٤.
(٧) ((أ)) : بنت يوسف.
- ٣١١ -

قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إذ نادى ربَّه أني مسَّني الضُّر، وأنت أرحمَ
الراحمين . فاستجَبْنا له فكشَفنا ما به من ضُرٍّ، وآتيناه أهلَه ومثلهم معهم رحمة من
عندنا وذكرى للعابدين﴾(١) وقال تعالى في سورة ص ﴿واذكر عَبْدَنا أيوبَ إذ
نادى ربَّه أني مَسَّنِي الشيطانُ بِنُصْبٍ وعذابٍ « ارُكُضْ بِرِجْلك هذا مُعْتَسّلٌ بارِدٌ
وشراب * وَوَهَبْنَا له أهله ومِثْلَهم معهم رحمةً منا وذكرى لأولي الألباب » وخُذْ بيدك
ضِعْتاً فاضربْ به ولا تَحْنَثْ إنا وجدناه صابِراً نعم العبدُ إنه أواب﴾(٢) .
وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال : أول نبي بُعث إدريس ، ثم
نوح ، ثم إبراهيم ، ثم إسماعيل ، ثم إسحاق ، ثم يعقوب ، ثم يوسف ، ثم لوط ، ثم
هود ، ثم صالح ، ثم موسى وهارون ، ثم إلياس ، ثم اليسع ، ثم عرفي [ بن
سويلخ ](٣) بن أفراثيم ثم يوسف بن يعقوب ، ثم يونس بن متى من بني يعقوب ، ثم
أيوب بن رازح بن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم . وفي بعض هذا
الترتيب نظر : [ فإن هوداً وصالحاً: المشهور أنهما بعد نوح وقيل إبراهيم . والله
أعلم ](٤) .
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم : كان أيوب رجلاً كثير المال من سائر
صنوفه وأنواعه ، من الأنعام والعبيد والمواشي، والأراضي المتسعة بأرض الثنيّة من أرض
◌ُوران . وحكى ابن عساكر : أنها كلها كانت له . وكان له أولاد وأهلون كثير .
فسلب ذلك منه جميعه ، وابتلى في جسده بأنواع من البلاء ولم يبق منه عضو
سليم سوى قلبه ولسانه ، يذكر الله عز وجل بهما . وهو في ذلك كله صابر
محتسب ، ذاكر لله عز وجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه .
وطال مرضه حتى عافه الجليس ، وأوحش منه الأنيس ، وأُخرج من بلده
(١) سورة الأنبياء ٨٣، ٨٤.
(٢) سورة ص ٤١ - ٤٤ .
(٣) ليست في ((أ)).
(٤) من ((أ)).
- ٣١٢ -

وألقي على مزبلة خارجها ، وانقطع عنه الناس ، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى
زوجته ، كانت ترعى له حقه ، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها . فكانت
تتردد إليه فتصلح من شأنه ، وتعينه على قضاء حاجته . وتقوم بمصلحته . وضَعُف
حالها وقلَّ مالُها حتى كانت تَخْدم الناسَ بالأجر ، لتطعمه وتقوم بأوْدِه(١) ، رضي
الله عنها وأرضاها ، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد ، وما
يختص بها من المصيبة بالزوج ، وضيق ذات اليد وخدمة الناس ، بعد السعادة
والنعمة والخدمة والحرمة . فإنا لله وإنا إليه راجعون !
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله عَ لّه قال: ((أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ،
ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل))(٢) وقال: ((يُبتلى الرجلُ على حَسب دينه ، فإن
كان في دينه صلابة زيد في بلائه))(٣) .
• ولم يَزِدْ هذا كلُّه أيوبَ عليه السلام إلا صبراً واحتساباً وحمداً وشكراً حتى
إن المثل لَيُضرب بصبره عليه السلام ، ويضرب المثل أيضاً بما حصل له من أنواع
البلايا .
وقد روي عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر
طويل ، في كيفية ذهاب ماله وولده ، وبلائه في جسده . والله أعلم بصحته (٤) .
وعن مجاهد أنه قال : كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري .
وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال : فزعم وهب أنه ابتلي ثلاث سنين لا تزید
ولا تنقص . وقال أنس : ابتلي سبع سنين وأشهراً ، وأُلقي على مزبلة لبني إسرائيل
تختلف الدواب في جسده حتى فَّج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن الثناء عليه .
وقال حميد : مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة ، وقال السدي : تساقط لحمه حتى لم
(١) الأود : الاعوجاج. يقال : أقام أوده : أي أصلح شأنه .
(٢) سنن ابن ماجه بنحوه حديث رقم ٤٠٢٤.
(٣) سنن ابن ماجه بنحوه حديث رقم ٤٠٢٣ . وروى نحوه الترمذي في كتاب الزهد حديث رقم
٢٣٩٨ .
(٤) أورده الطبري في تاريخه ٣٦٢/١ (ط أوربا).
- ٣١٣ -

يبق منه إلا العظم والعصب ، فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته ، فلما طال
عليها ، قالت : يا أيوب: لو دعوت ربك لفرّج عنك ، فقال : قد عشْت سبعين
سنة صحيحاً ، فهل (١) قليل لله أن أصبر له سبعين سنة ؟ فجزعت من هذا
الكلام ، وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب عليه السلام .
• ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها ، لعلمهم أنها امرأة أيوب ، خوفاً أن ينالهم
من بلائه أو تعديهم مخالطته ، فلمَّا لم تجد أحداً يستخدمها ، عمدت فباعت لبعض
بنات الأشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير ، فأتت به أيوبَ ، فقال : من
أين لك هذا ؟ وأنكره ، فقالت: خدمت به أناساً . فلما كان الغد لم تجد أحداً
فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به ، فأنكره وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين
لها هذا الطعام ؟ فكشفت عن رأسها خمارها ، فلما رأى رأسها محلوقاً قال في
دعائه : ﴿رَبِّ إني مسَّني الضر وأنت أرحم الراحمين﴾.
• وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا جرير بن حازم ،
عن عبد الله بن عُبيد بن عمير قال : كان لأيوب أخوان ، فجاءا يوماً فلم يستطيعا
أن يَدْنُوا منه من ريحه ، فقاما من بعيد ، فقال أحدهما لصاحبه : لو كان الله علم
من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا . فجزع أيوب من قولهما جزءاً لم يجزع [ مثله ](١) من
شيء قط ، فقال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعاناً وأنا أعلم مكانَ
جائع فصدِّقني . فصدِّق من السماء وهما يسمعان . ثم قال : اللهم إن كنت تعلم
أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عارٍ فصَدِّقني . فصُدِّق من السماء وهما
يسمعان . ثم قال : اللهم بعزتك وخرّ ساجداً ، فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي
أبداً حتى تكشف عني ، فما رفع رأسه حتى كشف عنه .
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعاً : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن
وهب ، أخبرني نافع بن يزيد ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك أن
النبي عَّه قال: ((إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب
(١) ((أ)»: فهو قليل .
(٢) ليست في ((أ )) .
- ٣١٤ -

والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له، كانا يَغْدوان إليه
ويروحان ، فقال أحدهما لصاحبه : تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من
العالمين . قال صاحبه : وما ذاك ؟ قال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ربه فيكشف
ما به ، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له ، فقال أيوب : لا أدري ما
تقول ، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمّ على الرجلين يتنازعان ، فيذكران الله
فأرجع إلى بيتي فأكفِّر عنهما ، كراهية أن يُذكر الله إلا في حق .
قال : وكان يخرج في حاجته ، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع ،
فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه :أن ﴿ارْكُضْ
برجلك هذا مُغْتَسَلٌ بارد وشراب ﴾ فاستبطأته فتلقَّتْه تنظر ، وأقبل عليها قد أذهب
الله ما به من البلاء ، وهو على أحسن ما كان ، فلما رأته قالت : أيْ بارك الله
فيك ! هل رأيت نبيَّ الله هذا المبتلَى؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه
به منك إذ كان صحيحاً . قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أنْدَران(١) أندر
للقمح وأندر للشعير ، فبعث الله سحابتين ، فلما كانت إحداهما على أندر القمح
أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الوَرِق حتى
فاض)) .
هذا لفظ ابن جرير(٢)، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد
ابن الحسن بن قتيبة ، عن حرملة ، عن ابن وهب به . وهذا غريب رَفْعه جداً ،
والأشبه أن يكون موقوفاً .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ،
أنبأنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس قال : وألبسه الله حُلة
من الجنة فتنحَّى أيوب وجلس في ناحية ، فجاءت امرأته فلم تعرفه ، فقالت :
يا عبد الله: أين ذهب هذا المبتلَى الذي كان ها هنا ؟ لعل الكلاب ذهبت به أو
الذئاب ، وجعلت تكلمه ساعة ، فقال : ويحك أنا أيوب ! قالت : أتسخر مني
(١) الأندر : البيدر .
(٢) تفسير الطبري ١٦٧/٢٣. وبعضه في تاريخه ٣٦٤/١ (ط أوربا).

يا عبد الله ؟ فقال : ويحك أنا أيوب قد ردَّ الله عليَّ جسدي .
قال ابن عباس : ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ، ومثلهم معهم .
وقال وهب بن منبه: أوحى الله إليه: (( قد رددت عليك أهلك ومالك
ومثلهم معهم ، فاغتسلْ بهذا الماء فإن فيه شفاءك ، وقَرِّب عن صحابتك قرباناً ،
واستغفر لهم فإنهم قد عصَوْني فيك)).
رواه ابن أبي حاتم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعة ، حدثنا عمر بن مرزوق ، حدثنا
هَمَّام، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير (١) بن نَّهِيك، عن أبي هريرة
عن النبي عَّم قال: ((لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جراداً من ذهب،
فجعل يأخذ [ منه ](٢) بيده ويجعل في ثوبه، قال: فقيل له يا أيوب ما تشبع(٣)؟
قال: ((يا رب ومن يشبع من رحمتك؟)).
وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي داود الطيالسي ، وعبد الصمد عن هَمَّام ،
عن قتادة به(٤) . ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي ، عن
إسحاق بن راهويه ، عن عبد الصمد به : ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب ،
وهو على شرط الصحيح [ فالله أعلم ](٢).
وقال الإِمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن أبي الزِّناد ، عن الأعرج ، عن أبي
هريرة ، أُرسل على أيوب رِجْل (٥) من جراد من ذهب ، فجعل يقبضها في ثوبه ،
فقيل يا أيوب : ألم يكفك ما أعطيناك ؟ قال : أيْ ربِّ ومن يستغني عن
فَضْلِك (٦).
. هذا موقوف . وقد روي عن أبي هريرة من وجه مرفوعاً .
(١) ((أ)) : بشر.
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) ((أ)) : ما تشبع.
(٤) مسند أحمد ٣٠٤/٢.
(٥) الرجل : الجماعة العظيمة .
(٦) المسند ٢٤٣/٢.
- ٣١٦ -

وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن هَمَّام بن منّه
قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((بينما أيوب يغتسل
عرياناً خرَّ عليه رِجْل جراد من ذهب، فجعل أيوب يَحْثي(١) في ثوبه . فناداه ربه
عز وجل : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى يا رب ، ولكن لا غنى لي
عن بركتك )).
رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به (٢).
وقوله : ﴿ارْكُض برجلك﴾ أي اضرب الأرض برجلك . فامتثل ما أمر
به . فأنبع الله له عيناً باردة الماء ، وأُمر أن يغتسل فيها ويشرب منها ، فأذهب الله عنه
ما كان يجده من الألم والأذى ، والسقم والمرض ، الذي كان في جسده ظاهراً
وباطناً ، وأبدله الله بعد ذلك كله صحةً ظاهرة وباطنة ، وجمالاً تاماً ومالاً كثيراً ،
حتى صبَّ له من المال صباً ، مطراً عظيماً جراداً من ذهب .
وأخلف الله له أهله، كما قال تعالى: ﴿وآتيناه أهلَه ومِثْلَهم معهم﴾ فقيل
أحياهم الله بأعيانهم ، وقيل آجَره فيمن سلف ، وعوَّضه عنهم في الدنيا بَدلهم وجمع
له شَمله بكلِّهم في الدار الآخرة، وقوله : ﴿ رَحْمةً من عندنا﴾ أي رفَعْنا عنه
شدته ، وكشفنا ما به من ضر رحمةً منا به ورأفة وإحساناً. ﴿وذكرى للعابدين﴾
أي تذكرة لمن ابتلي في جسده أو ماله أو ولده ، فله أسوة بنبي الله أيوب، حيث ابتلاه
الله بما هو أعظم من ذلك ، فصبر واحتسب حتى فَرّج الله عنه .
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال: هي (( رحمة )) من هذه الآية فقد أبعد
النُّجعة وأغرق النَّرع . وقال الضحاك عن ابن عباس : رد الله إليها شبابها وزادها
حتى ولدت له ستة وعشرين ولداً ذكراً .
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية، ثم غيروا
بعده دين إبراهيم .
(١) يحثي : يجمع.
(٢) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أنَّ مسني الضرُّ وأنت
أرحم الراحمين﴾ ٢٤٣/٢ بحاشية السندي ومسند أحمد ٣١٤/٢.
- ٣١٧ -

وقوله: ﴿ وخُذْ بيدك ضِعْئاً فاضرب به ولا تَحْنَثْ، إنا وجَدْنَاه صابراً نِعْمَ
العبد إنه أواب) هذه رخصة من الله تعالى لِعَبْده ورسوله أيوب عليه السلام ، فيما
كان من حَلفه ليضربن امرأته مائة سوط . فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها ، وقيل لأنه
عارضها(١) الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لأيوب فأتته فأخبرته فعرف أنه
شيطان ، فحلَفَ ليضربنها مائة سوط . فلما عافاه الله عز وجل أفتاه أن يأخذ ضِعْئاً
وهو كالعِثْكال الذي يجمع الشَّماريخ فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ،
ويكون هذا منزَّلاً منزلة الضرب بمائة سوط ويبرّ ولا يحنث .
وهذا من الفَرَج والمَخْرج لمن اتقى الله وأطاعه ، ولا سيما في حق امرأته
الصابرة المحتسبة ، المكابدة الصِّديقة البارة الراشدة ، رضي الله عنها .
ولهذا عقب الله الرخصة وعللها بقوله: ﴿ إنا وجَدْناه صابراً نعم العبد إنه
أواب﴾. وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الأيمان والنذور ،
وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحِيَل في الخلاص من الأيمان ، وصدَّروه
بهذه الآية الكريمة وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب. وسنذكر طرفاً من ذلك في
كتاب الأحكام ، عند الوصول إليه إن شاء الله تعالى .
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ : أن أيوب عليه السلام لما توفي
كان عمره ثلاثاً وتسعين سنة(٣). وقيل إنه عاش أكثر من ذلك.
وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه : أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه
السلام على الأغنياء ، وبيوسف عليه السلام على الأرِقّاء ، وبأيوب عليه السلام على
أهل البلاء .
ورواه ابن عساكر بمعناه .
وأنه أوصى ولده ((حومل))، وقام بالأمر بَعْدَه ولده ((بشر)) بن أيوب ، وهو
(١) ((أ)): اعترضها.
(٢) ليست في ((أ)).
(٣) تاريخ الطبري ٣٦٤/١ (ط أوربا).
- ٣١٨ -

الذي يزعم كثير من الناس أنه ((ذو الكفل)) فالله أعلم . ومات ابنه هذا وكان نبياً
فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمساً وسبعين(١).
ولنذكر ها هنا قصة ذِي الكِفْل ، إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب عليهما السلام
[ وهذه هي ](٢) .
i
(١) تاريخ الطبري ٣٦٤/١ (ط أوربا).
(٢) ليست في ((أ)).
- ٣١٩ -

قصة ذي الكِفْل
الذي زعم قوم أنه ابن أيوب
قال الله تعالى بعد(١) قصة أيوب في سورة الأنبياء: ﴿وإسماعيلَ وإدريسَ وذا
الكِفْلِ كُلٌّ من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين﴾(٢).
وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضاً في سورة ص: ﴿واذكر عبادَنا إبراهيم
وإسحاقَ ويعقوبَ أُولي الأيدِي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصةِ ذكرى الدار .
وإنهم عندنا لَمن المصطَفين الأخيار * واذكر إسماعيل واليسع وذا الكِفْل وكلٌّ من
الأخيار ﴾(٣).
فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقروناً مع هؤلاء السادة
الأنبياء أنه نبي ، عليه من ربه الصلاة والسلام . وهذا هو المشهور .
وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبياً ، وإنما كان رجلاً صالحاً وحكماً مُقْسِطاً (٤)
[ عادلاً . وتوقف ابن جرير في ذلك(٥) ، فالله أعلم ] (٦).
وروى ابن جرير وأبو نَجِيح عن مجاهد: أنه لم يكن نبيًّا وإنما كان رجلاً
[صالحاً ](٧).
وكان قد تكفَّل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم ، ويقضي بينهم بالعدل
[ ففعل ](٦) فسمي ذا الكِفْل .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند ، عن مجاهد أنه .
قال : لما كبر اليسع قال : لو أني استخلفتُ رجلاً على الناس يعمل عليهم في
(١) في قصة أيوب .
(٥) تفسير الطبري ٧٣/١٧ ( ط الحلبي) .
(٢) سورة الأنبياء ٨٥، ٨٦ (٦) ليست في ((أ)).
(٣) سورة ص ٤٥ - ٤٨. (٧) سقطت من ((ط)) وانظر تفسير الطبري ٧٤/١٧ .
(٤) ((أ)) : وحكماً عدلاً .
- ٣٢٠ -