Indexed OCR Text
Pages 281-300
وعذرَها من بعض الوجوه ، لأنها رأت ما لا صَبر لها على مثله ، إلا أنه عفيف نزيه (١) بريء العرض سليم الناحية فقال: ﴿واستغفري لذنبك إنك كنتِ من الخاطئین وقال نسوةٌ في المدينة امرأةٌ العزيز تراودُ فتاها عن نفسه قد شَغَفَهَا حُبًّا، إنه لنراها في ضلال مبين « فلما سمعت بمكرهن أرسلتْ إليهن وأعتدَتْ لهم مُتَّكَئاً ، وآتت كلَّ واحدة منهن سكيناً ، وقال اخرج عليهن ، فلما رأيته أكْبرنه وقطَّعن أيديَهُنَّ ، وقلن حاشَ لله ما هذا بشراً، إن هذا إلا ملك كريم » قالت فذلكن الذي لُمْثَنِى فيه ، ولقد راودتُهُ عن نفسه فاستعصَمَ ، ولئن لم يفعل ما آمره لَيُسجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ من الصاغرين * قال ربِّ السجنُ أحبُّ إليَّ مما يَدْعونني إليه ، وإلا تَصْرِف عني كيدهن أصْبُ إليهن وأكنْ من الجاهلين * فاستجاب له ربُّه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ﴾ . يذكر تعالى ما كان من قِبَل نساء المدينة ، من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها ، والتشنيع عليها في مراودتها فتاها ، وحبها الشديد له ، وهو لا يساوي هذا ، لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلاً لهذا. ولهذا قلن: ﴿إنا لنراها في ضلال مبين ﴾ أي في وضعها الشيء في غير محله . ﴿ فلما سمعت بمكرهن﴾ أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها، والإِشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها ، فأظهرنَ ذمَّا وهي معذورة في نفس الأمر ، فلهذا أحبَّت أن تبسط عذرها عندهن ، وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن ، ولا من قبيل ما لديهن . فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها ، وأعتدت لهن ضيافَةً مثلهن ، وأحضرت في جملة ذلك شيئاً مما يقطع بالسكاكين ، كالأترُجّ ونحوه، وآتت كل واحدة منهن سكيناً ، وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام ، وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب(٢) وأمرته بالخروج عليهن بهذه (٣) الحالة ، (١) ((أ)) : نزه . (٢) ((أ)): وكان في غاية طراوة الشباب. (٣) ((أ)): في هذه . - ٢٨١ - فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة . ﴿ فلما رأينه أكْبَرْنَهُ﴾ أي أعظمنه وأجلَلْنه وهِبْنه، وما ظَنَنَّ أن يكون مثل هذا في بني آدم ، وبَهرهن حسنُه حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يَحْزُزْن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح ﴿وقلن حاشَ لله ما هذا بشراً إنْ هذا إلا ملَك كريم ﴾ . وقد جاء في حديث الإسراء: ((فمررت بيوسف وإذا هو قد أُعطي شَطْر الحسْن))(١) . قال السهيلي وغيره من الأئمة : معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام ، لأن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، فكان في غاية نهايات الحسن البشري . ولهذا يدخل أهلُ الجمة الجنةَ على طول آدم وحُسنه . ويوسف كان على النصف من حسن آدم . ولم يكن بينهما أحسنَ منهما ، كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارّة امرأة الخليل عليه السلام . قال ابن مسعود : وكان وجه يوسف مثل البرق ، وكان إذا أتته امرأةٌ لحاجة غطّى وجهه . وقال غيره : كان في الغالب مبرقعاً لئلا يراه الناس . ولهذا لمَّا قام عذَرْن (٢) امرأةً العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور ، وجرى لهن وعليهن ما جرى ، من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين ، وما ركبهن من المهابة والدَّهش عند رؤيته ومعاينته . قالت فذلكنّ الذي لُمْتُنَّنِي فيه ﴾ ثم مدحته بالعفة(٣) التامة فقالت : ولقد راودتُّه عن نفسه فاستعصم﴾ أي امتنع ﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وَلَيَكونَنْ من الصاغرين وكان بقية النساء حرَّضنه على السمع والطاعة لسيدته ، فأبى أشد الإِباء ونأى لأنه من سلالة الأنبياء ، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين: ﴿رَبِّ السجنُ أحبُّ إلَّ مما يدعونني إليه ، وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كيدَهُنَّ أَصْبُ إليهن وأكن من الجاهلين (١) صحيح مسلم كتاب الإِيمان حديث رقم ٢٥٩ . (٢) ((ط )) : عذر . (٣) ((ط)): بالعصمة. - ٢٨٢ - يعني إنْ وكلْتني إلى نفسي ، فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ، ولا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله. فأنا ضعيف إلا ما قوَّيتني وعَصمْتني وحفظتني ، وحُطْتَنِي بحولك وقوتك . ولهذا قال تعالى: ﴿ فاستجاب له رُّه فصرَف عنه كيدَهُنَّ إنه هو السميع العليم * ثم بدًا لهم من بَعْدِ ما رأوا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّه حتى حينٍ * ودخل معه السجنَ فتيَانِ ، قال أحدُهما إني أراني أعْصِرُ خمراً ، وقال الآخر إني أراني أحمُلُ فوق رأسِى خُبْزاً تأكلُ الطير منه ، نَبِّئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طَعامٌ تُرْزَقَانه إِلا نََّتُكُمَا بتأويله قَبْلَ أن يأتيكما ، ذلكما مما علَّمني ربِّي ، إني تركتُ مِلَّةَ قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون » واتبعتُ مِلَّة آبائي إبراهيمَ وإسحاق ويعقوب ، ما كان لنا أن نُشرك بالله من شيء ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون * يا صاحِبَي السجنِ أأربابٌ متفرقون خيرٌ أم الله الواحد القهار . ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سمَّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سُلطان ، إن الحكمُ إلا لله ، أمَرَ أن لا تَعْبُدوا إلا إياه ، ذلك الدينُ القيِّمُ ولكن أكثر الناس لا يعلمون . يا صاحبي السجن أمَّا أحَدُكما فيسِقِي رَبَّه خمراً، وأما الآخر فُيُصْلب فتأكلُ الطير من رأسه قُضِيَ الأمر الذي فيه تَسْتَفْتِيَان ﴾ . يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم ، أي ظهر لهم من الرأي(١) بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ، ليكون ذلك أقلَّ لكلام الناس في تلك القضية ، وأَحْمَد لأمرها ، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها ، فسجنوه ظلماً وعدواناً . وكان هذا مما قدَّر الله له ، ومن جملة ما عصمه به ، فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم . ومن ها هنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي : أن من العصمة أن لا تَجِد !. (١) ((أ)): المرائي. - ٢٨٣ - قال الله: ﴿ ودخل معه السجنَ فتيان﴾: قيل: كان أحدهما ساقِي الملك واسمه فيما قيل ((نبوا)) والآخر خبازه ، يعني الذي يلي طعامه ، وهو الذي يقول له الترك: ((الجاشنكير)) واسمه فيما قيل ((مجلث)) وكان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما . فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سَمْته وهَذْيه ، ودَلُّه وطريقته ، وقوله وفعله ، وكثرة عبادته ربه ، وإحسانه إلى خلقه ، فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه . قال أهل التفسير : رأيا في ليلة واحدة . أما الساقي فرأى كأن ثلاث قُضبان من حُبْلةٍ(١) وقد أورقت وأينعت عناقيدُ العنب، فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه . ورأى الخباز على رأسه ثلاثٍ سِلال من خبز، وضواري الطيور تأكل(٢) من السَّلِّ الأعلى . فقصَّاها عليه وطلبا منه أن عْبُرها لهما وقالا: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها ، ﴿ قال لا يأتيكما طعام تُرزقانه إلا نَبََّتكما بتأويله قَبْلَ أن يأتيَكُمَا﴾. قيل: معناه مهما رأيتما من حُلم فإني أُعْبُره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول . وقيل : معناه أني أُخبركا بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا وحامضا ، كما قال عيسى: ﴿وأَنْبِّئكم بما تأكلون وما تدَّخرون في بيوتكم ﴾(٣) . وقال لهما : إن هذا من تعليم الله إياي ، لأني مؤمن به موحد له ، متبع ملةً آبائي الكرام : إبراهيم الخليل ، وإسحاق ويعقوب. ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ، ذلك من فَضْل الله علينا﴾ أي بأن هدانا لهذا، ﴿وعلى الناس﴾ أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه ، وهو في فِطَرهم مركوز ، وفي جبلّتهم مغروز ﴿ ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ . ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عز وجل ، وصغَّر أمر الأوثان (١) الحبلة : الكرمة . (٢) ((أ)): تأخذ . (٣) سورة آل عمران ٤٩ . - ٢٨٤ - وحقّرها، وضعَّف أمرها فقال: ﴿ يا صَاحِبَي السجنِ أأربابٌ متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سَمَّيتوها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ، إن الحكم إلا لله ﴾ [ أي المتصرف في خلقه الفعال لما يريد ، الذي يَهدي من يشاء ويضل من يشاء ](١) ﴿ أَمَرَ أن لا تعبدوا إلا إياه ﴾ [ أي وحده لا شريك له ](١) و﴿ ذلك الدين القيِّم﴾ أي المستقيم والصراط القويم ﴿ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره . وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال ، لأن نفوسهما معظِّمة له ، منبعثة على تلقِّي ما يقول بالقبول ، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه . ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال: ﴿يا صاحِبَي السجن أمَّا أحدكما فيسقي ربه خمراً﴾ [ قالوا وهو الساقي](٢) ﴿ وأما الآخر فُيُصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ [قالوا وهو الخباز](٣) ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ﴾ أي وقع هذا لا محالة، ووجب كونه على كل حالة. ولهذا جاء في الحديث: ((الرؤيا على رِجْل طائر ما لم تُعْبَرِ (٤)، فإذا ◌ُبِرتْ وقعت)) (٥) . [ وقد روي عن ابن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا : لم نر شيئاً ، فقال لهما: ﴿ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾] (٦). وقال للذي ظَنَّ أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضعَ سنين يخبر تعالى أن يوسف قال للذي ظنه ناجياً منهما وهو الساقي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾، يعني اذكر أمري، وما أنا فيه من السجن بغير جُرم عند الملك . وفي (١) سقطت من (( أ )) . . (٣) سقطت من ((أ)). (٢) سقطت من ((أ)) . (٤) ((أ)): ما لم نقص. (٥) أخرجه الدارمي في سننه كتاب الرؤيا ١٢٦/٢ (ط دار إحياء السنة النبوية ). (٦) سقطت من المطبوعة ! - ٢٨٥ - هذا دليل على جواز السَّعي(١) في الأسباب، ولا ينافي ذلك التوكلَ على رَبِّ الأرباب . وقوله : ﴿ فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ أي فأنسى الناجي منهما الشيطانُ أن يذكر ما وصَّاه به يوسف عليه السلام . قاله مجاهد ومحمد بن إسحق وغير واحد . وهو الصواب ، وهو منصوص أهل الكتاب . ﴿ فَلَبِثَ﴾ يوسفُ ﴿ في السجنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع ، وقيل إلى السبع ، وقيل إلى الخمس ، وقيل ما دون العشرة ، حكاه الثَّعلبي . ويقال بضع نسوة وبضعة رجال . ومنع الفرَّاء استعمال البضع فيما دون العَشْر. قال وإنما يقال نيِّفٌ. وقال الله تعالى: ﴿ فلبث في السجن بضعَ سنين﴾ وقال تعالى: ﴿في بضع سنين ﴾ وهذا رد لقوله . قال الفرّاء : ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون إلى التسعين ، ولا يقال : بضع ومائة ، وبضع وألف(٢). وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر، فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين. وفي الصحيح: ((الإِيمان بِضْع وستون شعبة ، وفي رواية وسبعون شعبة ، أعلاها(٣) قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) . ومن قال إن الضمير في قوله : ﴿ فأنساه الشيطان ذِكْرَ ربه ﴾ عائد على يوسف فقد ضَعُف ما قاله ، وإن كان قد روي عن ابن عباس وعكرمة . والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه . تفَّد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخُوري المكي وهو متروك . ومُرسَل الحسن وقتادة لا يُقبل ، ولا ها هنا بطريق الأولى والأحرى . والله أعلم . (١) ((أ)) : الساعي. (٢) القاموس المحيط (بضع ) . (٣) ((أ)): أرفعها. - ٢٨٦ - فأما قول ابن حبَّان في صحيحه ، عند ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث : أخبرنا الفضل بن الحُباب الجمَحي ، حدثنا مُسدّد ابن مُسَرْهد ، حدثنا خالد بن عبد الله ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها ﴿ اذكرني عند ربك﴾ ما لبث في السجن ما لبث، ورحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: ﴿ لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾، قال : فما بعث الله نبياً بعده إلا في ثروةٍ من قومه)). فإنه حديث مُنْكَر من هذا الوجه . ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة. وهذه اللفظة من أنكرها [وأشدها](١) والذي في الصحيحين يشهد بغَلطها . والله أعلم . وقال المَلِكُ إِّي أَرِى سَبْعَ بقراتٍ سِمَان يأكلُهن سَبْعٌ عِجَاف ، وسَبْعَ سُنْبُلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات ، يا أيها الملأ أفْتُوني في رؤياي إنْ كنتم للرؤيا تَعْبُرون * قالوا أضغاثُ أحلام وما نحن بتأويل الأحلامِ بعالِمين » وقال الذي نجا منهما وادَّكَر بعدَ أُمَّةِ أنا أنبئكم بتأويله فأَرسِلُونِ . يوسف أيها الصِّدِيق ، أفتنا في سَبْعِ بِقَرات سِمانٍ يأكلُهنَّ سَبْعٌ عِجَاف، وسَبْعِ سنبلات خضر وأُخَرَ يابساتٍ ، لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ﴾ قال تَزْرعون سَبْعَ سِنين دَأُباً ، فما حصدتم فَذَروه في سُبلِهِ إلا قليلاً مما تأكلون * ثم يأتي من بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَاد يأكلن ما قدَّمتم لهن إلا قليلاً مما تُحْصِنُون: « ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يُغَاثُ الناسُ فيه يَعْصِرون ﴾. هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام ، وذلك أن ملك مصر ، وهو الريان بن الوليد(٢) بن ثَروان بن أراشة ابن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ، رأی هذه الرؤيا . (١) ليست في (( أ )) . (٢) هذه الأسماء والأنساب ليست ثابتة ولا مؤيدة من التاريخ ، وقد كانوا يتكلفون معرفتها . وما كان أغناهم ! - ٢٨٧ - قال أهل الكتاب : رأى كأنه على حافة نهر ، وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان ، فجعلن يرتعن في روضة هناك ، فخرجت سَبْعٌ هِزَالٌ ضعاف من ذلك النهر ، فرتَعْن معهن ثم مِلْن عليهن فأكلنهن، فاستيقظ مذعوراً ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قَصبة واحدة ، وإذا سبع أخر دقاق يابسات فأكَلْنهن ، فاستيقظ مذعوراً . فلما قصَّها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها ، بل ﴿ قالوا أضغاث أحلام ﴾ أي أخلاط أحلام من الليل ، لعلها لا تعبير لها ، ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك . ولهذا قالوا: ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ﴾ فعند ذلك تذكّر الناجي منهما ، الذي وصَّاه يوسف بأن يَذكره عند ربه فنسيه إلى حِينه هذا ، وذلك عن تقدير الله عز وجل وله الحكمة في ذلك . فلما سمع رؤيا الملك ، ورأى عجز الناس عن تعبيرها ، تذكَّر أمَرَ يوسف ، وما كان أوصاه به من التَّذْكار . ولهذا قال تعالى: ﴿ وقال الذي نجا منهما واذكر﴾ أي تذكر ﴿بعد أُمَّةٍ﴾ أي بعد مدة من الزمان ، وهو بضع سنين . وقرأ بعضهم كما حكي عن ابن عباس وعكرمة والضحاك: ﴿وإذَّكَر بعد أمَهٍ﴾ أي بعد نسيان. وقرأها مجاهد: ﴿بعد أمّه﴾ بإسكان الميم ، وهو النسيان أيضاً. يقال أمِهَ الرجلُ يَأْمَهُ أمَهاً وأمْهاً ، إذا نسي . قال الشاعر : أَمِهْتُ وكنتُ لا أَنْسَى حديثاً كذاك الدهرُ يُزْرِي بالعقولِ فقال لقومه وللملك: ﴿ أنا أنبئكم بتأويله فأرسِلون﴾ أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال: ﴿ يوسف أيها الصِّديق، أفْتِنَا فِي سَبْع بقراتٍ سمانٍ ، يأكلهن سَبْعٌ عجاف وسبع سُنْبُلَاتٍ خُضر، وأُخَر يابسات . لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ﴾ . وعند أهل الكتاب : أن الملك لما ذكره له الساقي ، استدعاه إلى حضرته ، وقص عليه ما رآه ففسره له . وهذا غلط . والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عَّبه هؤلاء الجهلة الثيران ، من فِرِئٍ وهذَيان(١). (١) الأصل والمطبوعة : وريان . محرفة . - ٢٨٨ - فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ، ولا طلب الخروجَ سريعاً ، بل أجابهم إلى ما سألوا ، وعبَّر لهم ما كان من منام الملك ، الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويتبعها سَبْع جَدْب ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عامٌ فيه يغاث الناس﴾ يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية ﴿وفيه يَعْصِرون﴾ يعني ما كانوا يعصرونه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها . فعَبَّر لهم وعلى الخير دَلَّهم ، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجَذْبهم ، وما يفعلونه من ادخار حبوب سني الخصب في (١) السبع الأُوَلِ فِي سنبله ، إلا ما يُرصد بسبب الأكل ، ومن تقليل البَذْر في سِني الجدب في السبع الثانية ، إذ الغالب على الظن أنه لا يردُّ البذر من الحقل ، وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم . وقال الملك ائتوني به ، فلما جاءه الرسولُ قال ارجع إلى ربك ، فاسأله ما بألُ النسوة اللاتي قطَّعن أيديَهُنَّ، إن ربي بكيدهن عليم » قال ما خَطْبكن إذ راودتُنَّ يوسفَ عن نفسه قلن حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عليه مِنْ سُوءٍ ، قال امرأةُ العزيز: الآن حَصْحَصَ الحقُّ ، أنا راودْتُه عن نفسه وإنه لمن الصادقين ﴾ ذلك ليعلم أني لم أخُنْه بالغيبِ ، وأنَّ الله لا يهدي كيدَ الخائنين * وما أبرِّىء نفسي إنَّ النَّفْس لأمَّارة بالسُّوء إلا ما رحم ربي إنَّ ربي غفورٌ رَحِيم ﴾ . لما أحاط الملك علماً بكمال [علم ](٢) يوسف عليه الصلاة والسلام، وتمام عقله ، ورأيه السديد وفهمه ، أمر بإحضاره إلى حَضْرته ، ليكون من جملة خاصته . فلما جاءه الرسول بذلك ، أحبَّ أن لا يَخرج حتى يتبين لكل أحد أنه ◌ُبس ظلماً وعدواناً ، وأنه بريء الساحة مما نسبوه إليه بهتاناً. ﴿قال ارجع إلى ربك﴾ يعني الملك ﴿ فاسأله ما بالُ النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن ، إن ربي بكيدهن عليم﴾ قيل معناه : إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي ، أي فمر الملك فليسألهن : كيف [ كان ](٢) امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحَثِّهِنَّ لي على (١) ((أ)) : من .. (٢) ليست في ((أ)). - ٢٨٩ - الأمر الذي ليس برشيد ولا سديد ؟ فلما سئلن عن ذلك اعترفن بما وقع من الأمر ، وما كان منه من الأمر الحميد و﴿ قُلْنَ حاشَ لله ما عَلمنا عليه من سُوءٍ﴾ . فعند ذلك ﴿ قالت امرأةُ العزيز﴾ وهي زليخا: ﴿الآن حَصْحَص الحق﴾ أي ظهر وتبيّن ووضح، والحق أحق أن يُتبع. ﴿أنا راوَدْتُه عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ أي فيما يقوله ، ومن أنه بريء وأنه لم يراودني، وأنه حبس ظلماً وعدواناً ، وزوراً وبهتاناً . وقوله : ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أني لم أُخْنْه بالغيب وأنّ الله لا يهدي كيدَ الخائنين قيل إنه من كلام يوسف ، أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب . وقيل إنه من تمام كلام زليخا ، أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر ، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة . وهذا القول هو الذي نَصره طائفة كبيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم . ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول . وما أبرّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفسَ لأمارة بالسُّوء إلا ما رَحم ربِّي إن ربي غفور رحيم﴾، قيل إنه من كلام يوسف ، وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين [ الأولين ](١) وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى . والله أعلم . وقال المَلِكُ ائتوني به أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، فلما كلَّمَهُ قال إنك اليومَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أمين * قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ، وكذلك مكَّنًا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيثُ يشاء نصيب برحمتنا مَن نشاء ولا نضيع أجر المحسنين * ولأجر الآخرة خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ . لما ظهر للملك براءة عرضه ، ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه (١) ليست في (أ)). - ٢٩٠ - إليه ﴿ قال ائتوني به أستخلصه لنفسي ﴾ أي أجعله من خاصتي ، ومن أكابر دولتي ، ومن أعيان حاشيتي ، فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله ﴿ قال إنك اليوم لدينا مَكِينٌ أمين ﴾ أي ذو مكانة وأمانة . قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالأَهْراء(١) ، لما يتوقع من حصول الخلل فيها(٢) بعد مضي سبع سِني الخصب ، لينظر بما يَرضى الله في خلقه ، من الاحتياط لهم والرفق بهم ، وأخبر الملك أنه حفيظ ، أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه ، عليم بضبط الأشياء ومصالح الأهراء . · وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة . · وعند أهل الكتاب : أن فرعون عظّم يوسف عليه السلام جداً ، وسلطه على جميع أرض مصر ، وألبسه خاتمه ، وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني، ونودي بين يديه: أنت رَبُّ ومُسَلَّط (٣)، وقال له: لستُ أعظم منك إلا بالکرسيّ ! قالوا : وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة ، وزوَّجه امرأة عظيمة الشأن وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف . وقيل إنه لما مات زوَّجه امرأته زَلِيخا فوجدها عذراء ، لأن زوجها كان لا يأتي النساء ، فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما : أفرايم (٤) ومنسا . قال : واستوثق ليوسف ملك مصر ، وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء . وحكي أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة ، وأن الملك خاطبه بسبعين لغة ، وفي كل(٥) ذلك يجاوبه بكل لغة منها ، فأعجبه ذلك مع حداثة سنه . فالله أعلم . (١) الأهراء : خزائن الطعام . (٢) ((ط)) : فيما بعد . (٣) رب : أي سيد وراع. (٤) ((أ)): أفريثم . (٥) .. ((أ)) : وكل. - ٢٩١ - قال الله تعالى : ﴿ وکذلك مكّنًا لِیوسُفَ في الأرض یتبوأُ منها حیثُ يشاء أي بعد السجن والضيق والحَصْر ، صار مطلق الركاب بديار مصر، ﴿ يتبوّأ منها حيثُ يشاء﴾ أي أين شاء حلَّ منها مكرَّماً مَحْمُوداً(١) معظَّماً. نُصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين﴾ [ من أيِّ](٢) هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن ، مع ما يُدَّخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل . ولهذا قال: ﴿ ولأُجْرُ الآخرة خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يَتَّقُون ﴾. ويقال إن قطفير زوج زليخا كان قد مات ، فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا ، فكان وزير صدق . وذكر محمد بن إسحق أن صاحب مصر - الوليد بن الريان - أسلم على يدي يوسف عليه السلام . فالله أعلم . وقد قال بعضهم : وأولُ مَفْروحٍ به غايةُ الحُزْنِ (٣) وراءَ مَضِيقِ الخوفِ مُتَّسع الأمنِ خزائنَه بعد الخلاص من السجنِ (٤). فلا تيأسَنْ ، فالله ملَّك يُوسُفاً وجاء إخوةُ يوسف فدخلوا عليه فعرفَهم وهم له مُنْكِرون » ولما جَهَّزهم بِجَهازهم قال ائتوني بأخٍ لكم من أبيكم ، ألا تَرون أنِّي أُوفي الكيلَ وأنا خيرُ المنزلِين فإنْ لم تأتونِي به فلا كيلَ لكم عندي ولا تَقْرَبُون » قالوا سَنُراود عنه أباه وإنا لفاعلون » وقال لفتيانه اجعلوا بِضَاعتهم في رِحَالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يَرْجعون ﴾ . يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون (١) الأصل : محسوداً . (٢) من ((أ)). (٣) ((أ): آخر الحزن. (٤) هذه الأبيات التي يستشهد بها ابن كثير لبعض المتأخرين في زمانه وليس لها مصدر معروف . - ٢٩٢ - طعاماً ، وذلك بعد إتيان سني الجَدْب وعمومها على سائر العباد والبلاد . وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية ديناً ودنيا . فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه ، لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة ، فلهذا عرفهم وهم له منكرون . وعند أهل الكتاب : أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم ، وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول ، وقال: أنتم جواسيس ، جئتم [ لنا ](١) لتأخذوا خير بلادي . فقالوا : معاذ الله ، إنما جئنا نمتار(٢) لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا ، ونحن بنو أبٍ واحد من كنعان ، ونحن اثنا عشر رجلاً ذهب منا واحد ، وصغيرنا عند أبينا . فقال : لا بد أن أستعلم أمركم . وعندهم : أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم ، واحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الأصغر . وفي بعض هذا نظر . قال الله تعالى: ﴿ فلما جهّزهم بجِهَازهم﴾ أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته ، من إعطاء كل إنسان حِمْل بعير لا يزيده عليه ﴿ قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ﴾، وكان قد سألهم عن حالهم ، وكم هم ؟ فقالوا : كنا اثني عشر رجلاً ، فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا . فقال : إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معکم . ألا ترون أني أُوفي الكيل وأنا خير المنزلين؟ ﴾ أي قد أحسنت نُزُلَكم وقِاكم. فرغّبهم ليأتوه [ به ](٣) ثم رهَّبهم إن لم يأتوه به فقال (٤) ﴿ فإن لم تأتوني به فلا كَيْلَ لكم عندي ولا تَقْرَبُون﴾ أي فلست أعطيكم ميرة ، ولا أقربكم بالكلِّية ، عكس ما أسدى إليهم أولاً . فاجتهد (٥) في إحضاره معهم ليبلّ شوقه منه بالترغيب والترهيب . قالوا سنراود عنه أباه ﴾ أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل (١) من ((أ)). (٢) ((أ)) : لنمتار . (٣) ليست في ((أ)). (٤) ((أ)): قال. (٥) ((أ): فاجتهدوا. - ٢٩٣ - ممكن. ﴿ وإنا لفاعلون﴾ أي وإنا لقادرون على تحصيله . ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون﴾. قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم ، وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية وقيل تذمَّم أن يأخذ منهم عوضاً عن الميرة . وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها . وعند أهل الكتاب : أنها كان صُرراً من وَرِق ، وهو أشبه . والله أعلم . فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا مُنع مِنَّا الكيلُ ، فأرسِلْ معنا أخانا نَكْتل وإنّا له لحافظون * قال هل آمنكم عليه إلا كما أمِنْتكم على أخيه من قبلُ فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين = ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدَّت إليهم ، قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا رُدَّتْ إلينا ونَمِيرُ أهْلَنا ونحفظُ أخانا، ونزداد كَيْلَ بعيرٍ ذلك كَيٌّ يسير * قال لن أرسله معكم حتى تُؤْتونٍ مَوْثِقاً من الله لَتأَتُنَّنِي به إلا أن يُحاط بكم، فلما آتَوْهِ مَوْثِقَهُمْ قال اللهُ على ما نقولُ وكيلٌ * وقال يَا بِنِيّ لا تَدْخلوا من بابٍ واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ، وما أُغْنِي عنكم مِن الله مِن شيء، إنِ الحُكْمُ إلا لله عليه توكلتُ وعليه فليتوكل المتوكلون » ولما دخلوا من حيثُ أمرهم أبوهم ما كان يُغْنِي عنهم مِن الله من شيء إلا حاجةً في نفسٍ يَعْقُوبَ قَضَاها ، وإنه لَذُو عِلمٍ لِمَا عَلَّمْناه ، ولكنَّ أكثرَ الناس لا يعلمون ﴾ . يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم [ إلى أبيهم ](١) وقولهم له : مُنع منا الكيل﴾ [ أي بعد عامنا هذا ](١) إن لم ترسِل معنا (٢) أخانا، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا . ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتَهم رُدَّتْ إليهم قالوا يا أبانا ما نَبْغِي ﴾ أيَّ ٠ شيء نريد وقد رُدَّت إلينا بضاعتنا؟ ﴿ وَيَمِيرُ أهلَنَا﴾ أي نمتار لهم ونأتيهم بما (١) ليست في ((أ)). (٢) (( أ)): فأرسل معنا أخانا. - ٢٩٤ - يُصْلحهم في سَنَتهم ومَحْلِهِم ﴿ونحفظ أخانا ونزداد﴾ بسببه ﴿ كَيْلَ بعير﴾. قال الله تعالى: ﴿ ذلك كَيِّلٌ يسير﴾ أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر ! وكان يعقوب عليه السلام أضنَّ شيء بولده بنيامين ، لأنه كان يشمُّ فيه رائحة ، بسببه منه . أخيه ويتسلَّى به عنه، ويتعو فلهذا قال: ﴿ لن أُرْسله معكم حتى تُؤْثُونٍ مَوْثِقاً من الله لَتَأُنْنَّنِي به إلا أن يحاطَ بكم﴾ أي إلا أن تُغلبوا كلكم عن الإتيان به. ﴿فلما آتَوْهِ مَوْثِقَهُمْ قال اللهُ على ما نقول وكيل ﴾ . أكدَّ المواثيق وقرر العهود، واحتاط لنفسه في ولده ، ولن يغني حَذَر من قدر ! ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة ، لمَا بعث الولدَ العزيز ، ولكن الأقدار لها أحكام ، والرب تعالى يقدِّر ما يشاء ويختار ما يريد ، ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العلم . ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة . قيل : أراد أن لا يصيبهم أحد بالعَيْن، وذلك لأنهم كانوا أشكالاً حسنة وصوراً بديعة . قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدِّي والضّحاك . وقيل : أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبراً ليوسف أو يُحدَّثون عنه بأثر . قاله إبراهيم النَّخَعِيّ . والأول أظهر . ولهذا قال: ﴿ وما أُغْنِي عنكم من الله من شيء ﴾ . وقال تعالى: ﴿ ولمَّا دخلوا من حيثُ أمرهم أبوهم ما كان يُغْني عنهم من الله من شيء ، إلا حاجةً في نفس يعقوب قضاها ، وإنه لذو عِلم لما علمناه ولكن اکثر الناس لا يعلمون وعند أهل الكتاب : أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبُطْمُ والعسل، وأخذوا الدراهم الأولى وعرضاً(٢) آخر . (١) البطم بضم الباء وسكون الطاء وبضمها أيضاً : الحبة الخضراء ، وله خواص طبية ذكرها صاحب (٢) ((أ)): وعوضاً آخر . القاموس . - ٢٩٥ - فلما دخلوا على يوسفَ آوى إليه أخاه ، قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون * فلما جهّزهم بجهازهم جعل السقايةَ في رَحْل أخيه ثم أذّن مؤذنٌ أيتها العِيرُ إنكم لسارقون » قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نَفْقِدُ صُوَاعِ المِلِكِ، ولمن جاء به حِمْلُ بعير وأنا به زعيمٌ » قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما کنا سارقین « قالوا فما جزاؤه إن کنتم کاذبین » قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، كذلك نجزي الظالمين * فبدأ بأوعيتهم قبل وِعَاءِ أخيه ، ثم استخرَجَهَا من وعاءٍ أخيهِ كذلك كِذْنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ، نرفع درجاتٍ مَنْ نشاء وفوق كلٍّ ذي عِلْم عليم « قالوا إن يسرقْ فقد سَرَق أخْ له من قَبْلُ ، فأسرّها يوسف في نفسه ولم يُبْدها لهم، قال أنتم شرّ مكاناً والله أعلم بما تَصِفون » قالوا يا أيها العزيزُ إنّ له أباً شيخاً كبيراً فَخُذْ أحدنا مكانَهُ ، إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجَدْنا متاعنا عنده، إنا إذاً لظالمون · يذكر الله تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف ، وإيوائه إليه ، وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه ، وأمره بكتم ذلك عنهم . وسلَّاه عما كان منهم من الإِساءة إليه . ثم احتال على أخذه منهم وتر کهم إياه عنده دونهم ،فأمر فتیانه بوضع سقايته ، وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام ، عن غِرَّة (١) في مَتاع بنيامين ، ثم أعلَمهم بأنهم قد سَرَقوا صُواع الملك، ووعدَهم جُعَالةً على رَدّه حِمْل بعير ، وضمِنه المنادي لهم . فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجَّنوه فيما قاله لهم : قالوا تالله لقد علمتم ما جئْنا لنفسِدَ في الأرض وما كنا سارقين﴾ يقولون: أنتم تعلمون [ منا ] (٢) خلاف ما رميتمونا به من السرقة . قالوا : فما جزاؤه إن كنتم کاذبین » قالوا جزاؤه من وجد في رَحْلِه فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين ﴾ وهذه كانت شريعتهم : أن السارق يُذْفع إلى المسروق منه . ولهذا قالوا : ﴿ كذلك نجزي الظالمين ﴾. (١) ((أ)): عن غرته . (٢) ليست في ((أ)). - ٢٩٦ - قال الله تعالى: ﴿ فبدأ بأوعيتهم قَبْلَ وِعَاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه﴾ ليكون [ ذلك](١) أبعدَ للتهمة وأبلغ في الحيلة، [ثم ](١) قال الله تعالى: كذلك كِدْنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، لما كان يَقْدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر، ﴿ إلا أن يشاء الله نرفع درجاتٍ من نشاء﴾ أي في العلم وفوق كلِّ ذي عِلْم عليم ﴾ . وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم ، وأتم رأياً وأقوى عزماً وحزماً ، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك ، لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك : من قدوم أبيه وقومه علیه ووفودهم إليه . فلما عاينوا استخراج الصُّوَاعِ من حِمْلٍ بنيامين ﴿ قالوا إنْ يسرق فقد سَرَق أٌ له من قبل ﴾ يعنون يوسف قيل كان قد سرق صنمَ جده أبي أمه فكسره . وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير مِنْطَقة كانت لإِسحاق ، ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعَتْ ، وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له . وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء . وقيل غير ذلك . فلهذا : ﴿ قالوا إن يسرقْ فقد سرق أخ له من قبلُ فأسرّها يوسف في نفسه﴾ وهي كلمته بعدها وقوله: ﴿أنتم شرّ مكاناً والله أعلم بما تَصِفِون﴾ أجابهم سرًّا لا جهراً ، حلماً وكرماً وصفحاً وعفواً، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا: ﴿ يا أيها العزيزُ إنّ له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجَدْنا متاعنا عنده ، إنا إذاً لظالمون ﴾ أي إن أطْلقنا المتهم وأخذنا البريء ، وهذا ما لا نفعله ولا نسمح به ، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده . وعند أهل الكتاب : أن يوسف تعرَّف إليهم حينئذ . وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جيداً . فلما استيأسوا منه خَلَصوا نَجِيًّا ، قال كبيرهم ألم تعلموا أنَّ أباكم قد أخذ (١) ليست في ((أ)). - ٢٩٧ - عليكم مَوْثِقاً من الله ، ومن قبلُ ما فَرَّطتم في يوسف ، فلن أَبْرَحَ الأرضَ حتى يَأْذَنَ لي أبي ، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين » ارجعوا إلى أبيكم فقولوا: يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرق، وما شَهِدْنا إلا بما عَلِمْنا وما كنا للغيبِ حافظين » واسأل القريةَ التي كُنَّا فيها ، والعِيرَ التي أَقْبَلْنَا فيها ، وإنّا لصادقون » قال بل سَوَّلت لكم أنفسكم أَمْراً، فَصَبْرٌ جميل ، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم » وتولَّى عنهم وقال يا أسفَى على يوسف وابْبَضَّتْ عيناه من الحُزْن فهو كَظِيم » قالوا تالله تَفْتَؤُ تَذْكُر يوسُفَ حتى تكون حَرَضاً أو تكون من الهالكين » قال إنما أشكو بَنِّي وخُزْنِي إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون » يا يَنِيَّ اذهبوا فتحسَّسوا من يوسفَ وأخيه ولا تيأسوا من رَوْجِ الله ، إنه لا ييأسُ مِن رَوْجِ الله إلا القومُ الكافرون ﴾ . يقول تعالى مخبراً عنهم لمَّا استيأسوا من أخذه منه : خَلصُوا يتناجون فيما بينهم ، قال كبيرهم وهو روبيل: ﴿ ألم تعلموا أن أباكم قد أخذَ عليكم مَوْثِقاً من الله لَتَأْتُنَّنِي به إلا يُحاط بكم﴾ لقد أخلفتم عهده، وفرَّطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله ، فلم يبق لي وجهٌ أقابله به ﴿فلن أبرح الأرضَ ﴾ أي لا أزال مقيماً ها هنا ﴿ حتى يأذن لي أبي﴾ في القدوم عليه ﴿أو يَحْكُم الله لي﴾ بأن يقدِّرني على رد أخي إلى أبي ، ﴿وهو خير الحاكمين ﴾ . ﴿ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق﴾ أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في ظاهر المشاهَدة ﴿ وما شهِدْنا إلا بما عَلِمْنا وما كنا للغيبِ حافظين » واسأل القريةَ التي كنا فيها والعِير التي أقبلنا فيها ﴾، أي فإن هذا الذي أخبرناك [ به ](١) - من أخذهم أخانا لأنه سرق - أمرٌ اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك ، ﴿ وإنا لصادقون ﴾. :قال بل سَوَّلتْ لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميل﴾ أي ليس الأمر كما ذكرتم، لم يسرق فإنه ليس سجيَّة له ولا خُلقه. وإنما ﴿ سولت لكم أنفسكم أمراً، ﴾. فصبر جميل - (١) ليست في ((أ)). - ٢٩٨ - قال ابن إسحاق وغيره : لمَّا كان التفريط منهم في بنيامين مترتباً على صنيعهم (١) في يوسف قال لهم ما قال . وهذا كما قال بعض السلف : إنّ مِن جزاء السيئة السيئةَ بعدها ! ثم قال: ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً﴾ يعني يوسف وبنيامين وروبيل ، ﴿إنه هو العليم ﴾ أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة ﴿الحكيم) فيما يقدره ويفعله ، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة . وتولَّى عنهم﴾ أي أعرض عن بنيه ﴿وقال يا أسَفَى على يوسُفَ﴾ ذكَّره حزنه الجديد بالحزن القديم ، وحرَّك ما كان كامناً ، كما قال بعضهم : تَقِّل فؤادك حيثُ شئتَ من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ(٢) وقال آخر : رفيقي لِتَذْرِافِ الدموع السوافِكِ(٣) لقد لامَني عند القُبور على البُكا لقبرٍ ثَوَى بَيْنِ اللَّوَى فالدكادكِ(٤) فقال : أتبكي كلّ قبرٍ رأيتَهُ ؟ فدَعْنِي فهذا كله قبرُ مالِكِ(٥) فقلت له : إنّ الأَسَى يبعثُ الأسَى وقوله: ﴿وابيضَّتْ عيناه من الحزن﴾ أي من كثرة البكاء. ﴿فهو كظيم ﴾ أي مكظَم(٦) من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف . فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجْد وألم الفراق ﴿ قالوا ﴾ له على وجه الرحمة والرأفة به والحرص عليه: ﴿تالله تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُف حتى تكونَ حَرضاً أو تكونَ من الهالكين ﴾ . (١) ((أ)) : صنعهم. (٢) البيت لأبي تمام ديوانه ص ٤٥٧ ( ط الخياط ). (٣) السوافك : المذروفة المنصبة . (٤) اللوى : ما التوى من الرمل . والدكادك : ما استوى منه وتلبد . (٥) الأبيات لمتمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك بن نويرة . ديوان متمم ص ١٢٥ . تحقيق ابتسام الصفار - بغداد ١٩٦٨م . (٦) ((أ)): مكمد . - ٢٩٩ - يقولون : لا تزال تتذكره(١) حتى يَنْحَل جسدك وتضعف قوتك ، فلو رفقت ينفسك كان أولى بك . قال إنما أشكو بَثِّي وحُزْنِي إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ يقول لبنيه : لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه ، إنما أشكوه إلى الله عز وجل ، وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجاً ومخرجاً ، وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقَع ، ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى . ولهذا قال: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ثم قال لهم محرِّضاً على تطلُّب يوسف وأخيه، وأن يبحثوا عن أمرهما: ﴿ يَا يَنِيَّ اذهبوا فتحسَّسُوا من يوسفَ وأخيه ولا تيأسوا من رَوْح الله ، إنه لا ييأس من رَوْحِ الله إلا القومُ الكافرون﴾ أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة ، فإنه لا ييأس من روح الله وفَرَجه ، وما يقدِّره من المخْرَج في المضايق ، إلا القوم الكافرون . فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مَسَّنا وأهْلَنا الضُرُّ ، وجئنا ببضاعة مُزْجاةٍ ، فَأَوْفِ لنا الكيلَ وتصدَّق علينا ، إن الله يجزي المتصدقين » قال هل علمتم ما فعلتم بيوسفَ وأخيه إذ أنتم جاهلون » قالوا أثنك لأنت يوسف ، قال أنا يوسف وهذا أخي ، قد منَّ الله علينا ، إنه من يَتَّقِ وَيَصْبر ، فإن الله لا يُضيع أجرَ المحسنين * قالوا تالله لقد آثركَ الله علينا وإنْ كنا لخَاطئين * قال لا تَثْريب عليكم اليومَ يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين « اذهبوا بقَمِيصي هذا فألقُوه على وَجْهِ أبي يأتِ بصيراً ، وأُتُونِي بأهلكم أجمعين ﴾ . يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقُدومهم عليه ، ورغبتهم فيما لديه من الميرة ، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم : ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيّها العزيز مسَّنا وأهلَنا الضرّ﴾ أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال ، ﴿ وجئنا ببضاعة مُزْجاة﴾ أي ضعيفة لا يُقبل مثلها منا إلا أن تتجاوز عنا . قيل كانت (١) ((أ)) : تذكره. - ٣٠٠ -