Indexed OCR Text
Pages 101-120
عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع(١) . وقيل كان طولها ألفَيْ ذراع ، وعرضها مائة ذراع . قالوا كلهم : وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعاً ، وكانت ثلاث طبقات كل واحدة عشرة أذرع ، فالسفلى للدواب والوحوش ، والوسطى للناس ، والعليا للطيور . وكان بابها في عرضها ، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها . قال الله تعالى: ﴿ قال ربِّ انصُرني بما كَذَّبُونٍ . فأوحينا إليه أن اصنع الفُلْكَ بأعيننا ووَحْينا﴾ أي بأمرنا لك، وبمرأى منا لصنعتك لها ، ومشاهدتنا لذلك ، ولنرشدك إلى الصواب في صنعتها . ﴿ فإذا جاء أمْرُنا وفار التُّّور فاسْلُكْ فيها من كلِّ زوجين اثنين ، وأهلَك إلا من سبق عليه القولُ منهم ، ولا تخاطِبني في الذين ظلموا إنهم مُعْرَقون ﴾. فتقدّم إليه بأمره العظيم العالي : أنه إذا جاء أمره وحلّ بأسُه ، أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات ، وسائر ما فيه روحٌ من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها ، وأن يحمل معه أهله ، أي أهلَ بيته ، إلا من سبق عليهم القول منهم ، أي إلا من كان كافراً فإنه قد نفذَت فيه الدعوةُ التي لا تُرَدُّ ، ووجب عليه حُلولُ البأس الذي لا يُردّ وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حلّ بهم ما يعاينه من العذاب العظيم ، الذي قد حتَّمه عليهم الفعَّالُ لما يريد . كما قدمنا بيانه قبلُ . والمراد بالتّنُور عند الجمهور وجهُ الأرض ، أي نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي مَحَالَّ النار . وعن ابن عباس : التنور عينٌ في الهند ، وعن الشَّعبي بالكوفة ، وعن قتادة بالجزيرة . وقال علي بن أبي طالب : المراد بالتنور فَلَق الصبح وتنوير الفجر ، أي إشراقه وضياؤه . أي عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين . (١) تاريخ الطبري ١٨٧/١ ( ط أوربا ). - ١٠١ - وهذا قول غريب . وقوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احْمِل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القولُ ، ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل ﴾ هذا أمرٌ بأنه(١) عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين . وفي كتاب أهل الكتاب : أنه أُمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعةً أزواج ، وما لا يؤكل زوجين : ذكر وأنثى . وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق: ﴿اثنين﴾ إن جعلنا ذلك مفعولاً به ، وأما إن جعلناه توكيداً لزوجين والمفعول به محذوف فلا ينافي. والله أعلم(٢). وذكر بعضهم - ويروى عن ابن عباس : أن أول ما دخل من الطيور الدُّرَّة(٣) ، وآخر ما دخل من الحيوانات الحمار ودخل إبليس متعلقاً بذنب الحمار . . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث ، حدثني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه، أن رسول الله عَ لّه قال: ((لمَّا حمل نوحٌ في السفينة من كل زوجين اثنين ، قال أصحابه : وكيف نطمئن ؟ أو كيف تطمئن المواشي ومعنا الأسد ؟ فسلط الله عليه الحمّى ، فكانت أولَ حُمى نزلت في الأرض . ثم شكوا الفأرة ، فقالوا : الفُويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا ، فأوحى الله إلى الأسد فعطس ، فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها )) . هذا مرسل (٤) . وقوله: ﴿ وَأَهْلَك إلا من سبق عليه القولُ ﴾ أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر ، فكان منهم ابنه (( يام)) الذي غرق كما سيأتي بيانه . ﴿ ومَن آمن﴾ أي واحمل فيها من آمن بك من أمتك . قال الله تعالى : (١) ((أ)): بأن. (٢) قراءة حفص بالتنوين في ((كل)) تنافي ذلك، لأن المفعول به ((زوجين)). (٣) الدرة : ضرب من الببغاوات . وفي الأصل: الذرة. محرفة. والتصويب من الحيوان للجاحظ (٤) الأولى الإعراض عن مثل هذه الروايات التي لا تصح . ٥١٤/٥. - ١٠٢ - وما آمن معه إلا قليلٌ﴾ هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ، ودعوتهم الأكيدة ليلاً ونهاراً بضروب المقال وفنون التلطّفات ، والتهديد والوعيد تارة ، والترغيب والوعد(١) أخرى . وقد اختلف العلماء في عِدّة من كان معه في السفينة : فعن ابن عباس : كانوا ثمانين نفساً معهم نساؤهم ، وعن كعب الأحبار كانوا اثنين وسبعين نفساً . وقيل كانوا عشرة . وقيل إنما كانوا نوحاً وبنيه الثلاثة وكنائنه الأربع بامرأة (( يام )) الذي انخزلَ وانعزل ، وتسلل(٢) عن طريق النجاة فما عَدَل إذْ عدَل! وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية ، بل هي نص في أنه قد ركب معه [ من ](٣) غير أهله طائفةٌ ممن آمن به، كما قال: ﴿ونجِّني ومن معي من المؤمنين ﴾ . وقيل كانوا سبعة . وأما امرأة نوح وهي أم أولاده كلهم : وهم حام وسام ، ويافث ، ويام ، ويسميه أهل الكتاب كنعان وهو الذي قد غرق ، وعابر ، فقد ماتت قبل الطوفان ، وقيل إنها غرقت مع من غرق ، وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها . وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة ، فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك ، أو أنها أُنظرت ليوم القيامة. والظاهر الأول لقوله: ﴿لا تَذَرْ على الأرض من الكافرين دَيَّاراً ﴾. قال الله تعالى: ﴿ فإذا استويتَ أنت ومن معك على الفُلْك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل ربِّ أَنْزِلْنِي مُنْزِلاً مباركاً وأنت خير المُنْزِلِين﴾. (١) الأصل : والوعيد . محرفة . (٢) ((أ)) : وسلك . (٣) سقطت من (( ط)). - ١٠٣ - أمره أن يحمد ربه على ما سخّر له من هذه السفينة ، فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه ، وأقر عينه ممن خالفه وكذبه ، كما قال تعالى: ﴿ والذي خلَق الأزواج كلها ، وجعل لكم من الفُلك والأنعامِ ما تَرْكبون * لِتَسْتُوُوا على ظُهوره ثم تَذْكُرُوا نعمةَ ربكم إذا استويتم عليه ، وتقولوا سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مُقْرِنِين » وإنا إلى ربِّنا لمنقلبون﴾(١) . وهكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الأمور : أن يكون على الخير والبركة ، وأن تكون عاقبتها محمودة، كما قال تعالى لرسوله عَّ له حين هاجر: ﴿وقل ربِّ أَدْخلني مُدْخَل صِدْق وأخرجني مُخْرَج صِدْق ، واجعل لي من لدنك سُلطاناً نصيراً﴾(٢) . وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية وقال: ﴿ اركبوا فيها بسم الله مَجْرِيها ومُرْسَاها إن ربي لَغَفُور رحيم ﴾ أي على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه ﴿ إن ربي لغفور رحيم ﴾ أي وذو عقاب أليم ، مع كونه غفوراً رحيماً، لا يُرد بأسه عن القوم المجرمين ، كما أحلَّ بأهل الأرض الذين كفروا به وعبدوا غيره . قال الله تعالى : ﴿ وهي تجري بهم في موج كالجبال ﴾ وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطَراً لم تعهده الأرض قبله ولا تمطره بعده ، كان كأفواه القِرَب ، وأمر الأرض فنبعت من جميع فِجَاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى: ﴿ فدعا رَبَّه أنّي مغلوبٌ فانتصِرْ . ففتحنا أبوابَ السماء بماءٍ مُنهمر. وفَجَّرْنا الأرْضَ عيوناً فالتقى الماء على أمرٍ قَدْ قُدِرَ. وحملناه على ذات ألواحٍ ودُسُر﴾(٣) والدُسُر المسامير ﴿تجري بأعيننا﴾ أي بحفظنا وكلاءتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها ﴿جزاءً لمن كان كُفِر﴾. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر من شهر آب في حساب القبط (٤). وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طغى الماءُ حملناكم في الجارية﴾ أي السفينة (١) سورة الزخرف ١٢ - ١٤ . (٢) سورة الإسراء ٨٠ . (٣) سورة القمر ١٠ - ١٣. (٤) تاريخ الطبري ١٨٩/١ (ط المعارف). - ١٠٤ - لنجعلها لكم تذكرةً وَعِيها أذنٌ واعية﴾(١) . قال جماعة من المفسرين : ارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض (٢) خمسة عشرة ذراعاً ، وهو الذي عند أهل الكتاب . وقيل ثمانين ذراعاً ، وعمَّ جميع الأرض طولَها والعَرْض ، سهلها وحَزْنها ، وجبالها وقفارها ورمالها ، ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عينٌ تطْرف ، ولا صغير ولا كبير . قال الإِمام مالك عن زيد بن أسلم : كان أهل ذلك الزمان قد ملأوا السَّهل والجبل . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لم تكن بقعة في الأرض إلا ولها مالك وحائز . رواهما ابن أبي حاتم . ونادى نوحٌ ابنَهُ وَكان في مَعْزل یا بنيَّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين . قال سآوِي إلى جَبل يَعْصِمني من الماء ، قال لا عاصمَ اليوم مِنْ أمْرِ الله إلا مَن رَحِمَ ، وحالَ بينهما المَوْجُ فكان من المُغْرَقِين ﴾. وهذا الابن هو (( يام)) أخو سام وحام ويافث ، وقيل اسمه كنعان . وكان كافراً عمل عملاً غير صالح ، فخالف أباه في دِينه ومَذْهَبه ، فهلك مع من هلك . هذا وقد نجًا مع مع أبيه الأجانبُ في النَسَب ، لمَّا كانوا موافقين في الدِّين والمذهب . ﴿وقيل يا أرضُ ابْلَعِي ماءِك ويا سماءُ أَقْلعي، وغيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمر ، واستَوَتْ على الجُودِيِّ ، وقيل بُعْداً للقوم الظالمين ﴾ . أي لما فرغ من أهل الأرض، ولم يبق بها(٣) أحد ممن عبد غير الله عز وجل ، أمر الله الأرض أن تبتلع (٤) ماءها، وأمر السماء أن تُقلع أي تمسك عن المطر ، وغِيضَ الماءِ ﴾ أي نقص عما كان ﴿وقُضي الأمر ﴾ أي وقع بهم الذي كان قد سبق في عِلمه وقَدَره ، من إحلاله بهم ما حلّ بهم . (١) سورة الحاقة ١١، ١٢ . (٢) (( ط )): بالأرض. (٣) ((ط)): منها. (٤) ((أ)) : تبلع. - ١٠٥ - وقيل بُعداً للقوم الظالمين﴾ أي نودِي عليهم بلسان القدرة: بعْداً لهم من الرحمة والمغفرة . كما قال تعالى: ﴿ فكذَّبوه فأنجيناه والذين معه في الفُلك وأغرقنا الذين كَذَّبوا بآياتنا إنهم كانوا قوماً عَمين﴾(١) . وقال تعالى: ﴿ فكذَّبوه فنجَّيناه ومن معه في الفُلْك وجعلناهم خلائفَ وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ، فانظر كيف كان عاقبة المُنْذَرِين﴾(٢) . وقال تعالى: ﴿وَنَصَرْناه من القومِ الذين كذَّبوا بآياتنا إنهم كانوا قومَ سَوْء فأغرقناهم أجمعين﴾(٣) . وقال تعالى: ﴿ فأنجيناه ومن معه في الفُلك المشحون . ثم أغرقنا بَعْدُ الباقين . إنَّ في ذلك لآيَةً وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾(٤). وقال تعالى: ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آيةً للعالمين﴾(٥) . وقال تعالى: ﴿ ثم أغرقنا الآخرين﴾(٦). وقال : ﴿ ولقد ترَكْنَاها آيةً فهل من مُدَّكر . فكيف كان عذابي ونُذُر . ولقد يسَّرنا القرآن للذكر ، فهل من مُدَّكر﴾(٧) . وقال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئاتهم أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً . فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً. وقال نوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ على الأرضِ من الكافرين دَيَّاراً. إنك إن تَذَرْهُم يُضِلُّوا عِبَادَك ولا يَلِدُوا إلا فاجراً كَفَّاراً ﴾(٧). وقد استجاب الله تعالى - وله الحمد والمنة - دعوته ، فلم يَبْق منهم عينٌ تطْرِف ! وقد روى الإِمامان أبو جعفر ابن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم في تفسيرهما (١) سورة الأعراف ٦٤ . (٢) سورة يونس ٧٣. (٣) سورة الأنبياء ٧٧ . (٤) سورة الشعراء ١١٩ - ١٢٢ . (٥) سورة العنكبوت ١٥ . (٦) سورة الشعراء ٦٦ . (٧) سورة القمر ١٥ - ١٧ . (٨) سورة نوح ٢٥ - ٢٧ . - ١٠٦ - من طريق يعقوب بن محمد الزهري ، عن فائد مولى عبيد(١) الله بن أبي رافع ، أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله عَ لّه قال: ((فلو رحم الله من قوم نوح أحداً لرحم أمَّ الصبي!)). قال رسول الله عَ ليه: ((مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة ــ يعني إلا خمسين عاماً - وغرس مائة سنة الشجرَ ، فعظُمت وذهب كلّ مذهب ، ثم قطعها ثم جعلها سفينةً ، ويمرون عليه ويسخرون منه ، ويقولون تعمل سفينة في البر ! كيف تجري ؟ قال : سوف تعلمون . فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أمُّ الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً . فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي! ))(٢). وهذا حديث غريب . وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد وغير واحد شبيه لهذه القصة . وأحْرى بهذا الحديث أن يكون موقوفاً متلقى عن مثل كعب الأحبار . والله أعلم . والمقصود أن الله لم يُبْقِ من الكافرين دَيَّاراً . فكيف يزعم بعض المفسرين أن عوج بن عنق ــ ويقال ابن عناق - كان موجوداً من قبل نوح إلى زمان موسى ، ويقولون كان كافراً متمرداً جباراً عنيداً . ويقولون كان لغير رِشْدة ، بل ولدته أمه بنت آدم من زنا ، وأنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه في عين الشمس ، وأنه كان يقول لنوح وهو في السفينة : ما هذه القَصْعَة التي لك ؟ ويستهزئ به . ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلثا ، إلى غير ذلك من الهذَيانات التي لولا أنها مسطَّرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس(٢) لما تعرَّضنا لحكايتها ، لسقاطتها وركاكتها . ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول . (١) الأصل: عن قائد مولى عبد الله. محرفة . وما أثبته من الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨٤/٧ . (٣) الأصل : وأيام النام . محرفة . (٢) تاريخ الطبري ١٨٦/١. - ١٠٧ - أما المعقول : فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولدَ نوح لكفره ، وأبوه نبي الأمة وزعيم أهل الإِيمان ، ولا يهلك وج بن عنق ، ويقال عناق ، وهو أظلم وأطفَى على ما ذكروا ؟ وكيف لا يرحم الله منهم أحداً ولا أم الصبي ولا الصبي ، ويترك هذا الدّعي (٢) الجبار العنيد الفاجر، الشديد الكافر ، الشيطان المريد على ما ذكروا ؟! وأما المنقول فقد قال الله تعالى: ﴿ ثم أغرقنا الآخرين﴾ وقال: ﴿ ربِّ لا تَذَرْ على الأرض من الكافرين دَیَّاراً ﴾ ٠ ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي عَ ل أنه قال: ((إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن)). فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هو إلا وحيّ يوحَى﴾ أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ، أي لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى يوم إخباره بذلك وهلم جراً إلى يوم القيامة . وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه . فكيف يُتْرك هذا ويُذهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب ، الذين بَدَّلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأَوَّلوها ووضعوها على غير مواضعها ؟ فما ظنك بما هم يستقلّون بنقْله أو يؤتمنون عليه [ وهم الخونة والكذبة عليهم لعائن الله التابعة إلى يوم القيامة ] (٢) وما أظم أن هذا الخبر عن عوج بن عناق إلا اختلافاً من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء . والله أعلم . ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده ، وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام والاستكشاف . ووجه السؤال : أنك وعدتني بنجاة أهلي معي وهو منهم وقد غرق ؟ (١) ((أ)) : المدعي. (٢) من ((أ)). - ١٠٨ - فأجيب بأنه ليس من أهلك ، أي الذين وُعِدت بنجاتهم . أي إِنَّا قلنا لك: وأهلك إلا من سبق عليهم القولُ منهم ﴾ فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأنه سيغرق بكفره ، ولهذا ساقته الأقدار إلى أن انحاز عن حَوْزة أهل الإِيمان ، فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان . ثم قال تعالى : ﴿ قيل يا نوح اهبط بسلامٍ منا وبركاتٍ عليك وعلى أمم ممن معك وأُمَمُ سنمتِّعُهُم ثم يمِسُّهم منا عذابٌ أليم ﴾ . هذا أمّ لنوح عليه السلام لمَّا نَضب الماء عن وجه الأرض ، وأمكن السعيُ فيها والاستقرار عليها ، أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجوديّ ، وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور ، ﴿ بسلامٍ منا وبركات ﴾ أي اهبط سالماً مباركاً عليك ، وعلى أمم ممن سيولد بعد ، أي من أولادك ، فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلاً ولا عَقِباً سوى نوح عليه السلام . قال تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾، فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ، ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم : سام ، وحام ، ويافث . قال الإِمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن، عن سَمُرة، أن النبي عَّم قال: ﴿ سام أبو العرب ، وحام أبو الحبش ، ويافث أبو الروم﴾(١) . ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي ، عن يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عُرُوبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة مرفوعاً نحوه . وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وقد روي عن عمران بن حُصين عن النبي عَ لِّ مثله. قال: والمراد بالروم هنا الروم الأُوَّلُ وهم اليونان المنتسبون إلى رومي ابن لبطي بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام . ثم روى من حديث من إسماعيل بن عيّاش ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد (١) مسند أحمد ٩/٥. وتاريخ الطبري ٢٠٩/١ . والطبقات الكبرى لابن سعد ٤٢/١ ( ط صادر). - ١٠٩ - ابن المسيَّب ، أنه قال : ولد لنوح ثلاثة : سام ويافث وحام ، وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة : فولد سام : العرب وفارس والروم ، وولد يافث : الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج ، وولد حام : القبط والسودان والبربر . قلت : وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا إبراهيم بن هانئ وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا : حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرَّهَاوِيّ ، حدثني أبي عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيَّب ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((ولد لنوح: سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم . وولد ليافث : يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم . وولد لحام : القبط والبربر والسودان)). ثم قال : لا نعلم یُروی مرفوعاً إلا من هذا الوجه تفرد به عن محمد بن یزید ابن سنان عن أبيه ، وقد حدّث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه . ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلاً ولم يسنده ، وإنما جعله من قول سعيد . قلت : وهذا الذي ذكره أبو عمر ، هو المحفوظ عن سعيد قوله : وهكذا روي عن وهب بن منبّه مثله والله أعلم . ويزيد بن سنان أبو فروة الرَّهاوي ضعيف بمرة ولا يعتمد عليه . وقد قيل إن نوحاً عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الأولاد إلا بعد الطوفان ، وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذي غرق ، وعابر مات قبل الطوفان . والصحيح أن الأولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة. وقد ذكر أن ((حاماً)) واقع امرأته في السفينة ، فدعا عليه نوح أن تشّوه خلقة نطفته ، فولد له ولد أسود وهو كنعان بن حام جد السودان . وقيل بل رأى أباه نائماً وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه ، فلهذا دعا عليه أن تغيَّر نطفته ، وأن يكون أولاده عبيداً لإخوته(١) ! (١) ليس هذا بصحيح ، فإن اختلاف الألوان إنما هو من آيات الله سبحانه ودلائل قدرته ، وليس عقوبة لجنس من البشر ، كما قال سبحانه: ﴿ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴾. كما لا يصح ما ذكره قبل هذا من المفاضلة بين الأجناس . - ١١٠ - وذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير من طريق علي بن زيد بن جُدْعان عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس أنه قال : قال الحواريون لعيسى بن مريم : لو بعثتَ لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها . قال : فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب ، فأخذ كفَّا من ذلك التراب بكفه ، وقال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا كعب حام بن نوح . قال : وضرب الكثيب بعصاه وقال : قم بإذن الله . فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب . فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكتَ ؟ قال لا ، ولكن مت وأنا شاب ، ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شِبت ! قال : حدِّثنا عن سفينة نوح . قال : كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، وكانت ثلاث طبقات : فطبقة فيها الدواب والوحش ، وطبقة فيها الإِنس ، وطبقة فيها الطير . فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل ، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة ، فأقبلا على الروث . ولما وقع الفأر يخرز السفينة بقرضه ، أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام : أن اضرب بين عينَيْ الأسد ، فخرج من منخره سِنّور وسنورة فأقبلا على الفأر . فقال له عيسى : كيف علم نوح عليه السلام أن البلاد قد غرقت ؟ قال : بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت . قال : ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها ، فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان ، فمن ثم تألف البيوت . قال : فقالوا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا ؟ قال : كيف يتبعكم من لا رزق له ؟ قال : فقال له : عُد بإذن الله . فعاد تراباً . وهذا أثر غريب جداً(١) . وروى علباء بن أحمر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان مع نوح في (١) بل هو رواية كاذبة عن ابن عباس ، لا سند لها وهو موضوع مختلق ، وإن كان الطبري قد رواه في تاريخه ١٨٧/١ ( ط ليدن) . - ١١١ - السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم ، وأنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوماً ، وإن الله وجَّه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوماً ، ثم وجهها إلى الجودِي فاستقرت عليه ، فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الأرض ، فذهب فوقع على الجيف فأبطأَ عليه ، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين ، فعرف نوح أن الماء قد نضب ، فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين ، فأصبحوا ذات يوم وقد تبَلْبَلَتْ ألسنتهم على ثمانين لغة ، إحداها العربية ، وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبِّر عنهم . وقال قتادة وغيره : ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب فساروا مائة وخمسين يوماً واستقرت بهم على الجودي شهراً . وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم . وقد روى ابن جرير خبراً مرفوعاً يوافق هذا ، وأنهم صاموا يومهم ذلك . وقال الإِمام أحمد : حدثنا أبو جعفر ، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شبيل ، عن أبي هريرة قال. مر النبي عَ له بأناس من اليهود وقد صاموا يومَ عاشوراء ، فقال ما هذا الصوم ؟ فقالوا : هذا اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من الغرق ، وغرق فيه فرعون ، وهذا اليوم(١) استوت فيه السفينة على الجُودِيّ ، فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكراً لله عز وجل . فقال النبي عَِّ: ((أنا أحقُّ بموسى وأحق بصوم هذا اليوم))(٢). وقال لأصحابه: (( من كان منكم أصبح صائماً فليتمَّ صومه ، ومن كان منكم قد أصاب من غَداءٍ(٣) أهله فليتمَّ بقية يومه)) (٤) . وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر ، والمستغرب ذكر نوح أيضاً . والله أعلم . (١) المسند : وهذا يوم . (٢) المسند ٣٥٩/٢، ٣٦٠ وبعده: فأمر أصحابه بالصوم. (٣) وقعت في البداية والنهاية المطبوعة: من غد أهله . محرفة . (٤) هذا حديث آخر بنفس السند أورده الإمام أحمد في مسنده ٣٥٩/٢ . - ١١٢ - وأما ما يذكره كثير من الجهلة أنهم أكلوا من فضول أزوادهم ، ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها ، وطحنوا الحبوب يومئذ ، واكتحلوا بالإِثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعد ما كانوا في ظلمة السفينة . فكل هذا لا يصحّ فيه شيء ، وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بني إسرائيل لا يُعتمد عليها ولا يقتدى بها . والله أعلم . وقال محمد بن إسحاق : لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان - أرسل ريحاً على وجه الأرض ، فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض ، فجعل الماء ينقص وبغيض ويُذْبر ، وكان استواء الفلك [ على الجودي ](١) فيما يزعم أهل التوراة - في الشهر السابع لِسَبْع عشرة ليلة مضت منه وفي أول يوم من الشهر العاشر رئيت رءوس الجبال . فلما مضى بعد ذلك أربعون يوماً فتح نوح كوَّةَ الفلك التي صنع فيها ، ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه ، فأرسل الحمامة فرجعت إليه ولم يجد لرجلها موضعاً ، فبسط يده للحمامة فأخذها وأدخلها ، ثم مضت سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع ، فرجعت حين أمْسَتْ وفيها ورق زيتونة ، فعلم نوح أن الماء قد قلّ عن وجه الأرض . ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه ، فعلم نوح أن الأرض قد برزت ، فلما كملت السَّنَة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنين ، برز وجه الأرض ، وظهر البّ وكشف نوح غطاءَ الفُلْك . وهذا الذي ذكره ابن إسحق هو بعينه مضمون سياق التوراة التي بأيدي أهل الكتاب . وقال ابن إسحق : وفي الشهر الثاني من سنة اثنين في ست وعشرين ليلة منه قيل يا نوحُ اهبطْ بسلامٍ منا وبركاتٍ عليك وعلى أُمم ممن معك وأُمَمٌ سنمتعهم ثم يَمسُّهم منا عذابٌ أليم ﴾ . وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحاً قائلاً له : اخرج من الفلك أنت (١) من ((أ)). - ١١٣ - وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك ، وجميع الدواب التي معك، ولينموا وليكثروا(١) في الأرض . فخرجوا وابتنى نوح مَذْبحاً لله عز وجل وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير فذبحها قرباناً إلى الله عز وجل ، وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الأرض . وجعل تذكاراً لميثاقه(٢) إليه القوسَ الذي في الغمام، وهو قوس قُرَح الذي روي عن ابن عباس أنه أمانٌ من الغرق . قال بعضهم : فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتَر ، أي أن هذا الغمام لا يوجد منه طوفان كأول مرة . [ الذين أنكروا الطوفان ] وقد أنكرت طائفة من جهلة الفُرس وأهل الهند وقوعَ الطوفان ، واعترف به آخرون منهم وقالوا : إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا . قالوا : ولم نزل نتوارث الملك كابراً عن كابر ، من لدن كيومرث ـ يعنون آدم - إلى زماننا هذا. وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عبَّاد النيران وأتباع الشيطان . وهذه سَفْسطة منهم وكفرٌ فظيع وجهل بليغ ، ومكابرة للمحسوسات ، وتكذيب لرب الأرض والسموات . وقد أجمع أهل الأديان الناقلون عن رسل الرحمن ، مع ما تواتر عند الناس في سائر الأزمان ، على وقوع الطوفان ، وأنه عمَّ جميع البلاد ، ولم يُبق الله أحداً من كفرة العباد ، استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم ، وتنفيذاً لما سبق في القَدر المحتوم . ذكر شيء من أخبار نوح نفسه عليه السلام قال تعالى: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾(٣). قيل : إنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله . وقال الإِمام أحمد : حدثنا أبو أسامة ، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد ابن أبي بُردة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((إن الله ليرضى عن (١) ((ط)): وليكبروا . (٢) ((أ)): وجعل تذكار الميثاق. (٣) سورة الإسراء ٣ . - ١١٤ - العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها))(١) . وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث [ أبي ](٢) أسامة . والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية ، فإن الشكر (٣) يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر : يَدِي ولساني والضميرَ المحجْبَا أفادتكم النّعْماء منى ثلاثة ذكر صومه عليه السلام قال ابن ماجة : باب صيام نوح عليه السلام : حدثنا سهل بن أبي سهل حدثنا سعيد بن أبي مريم ، عن ابن لهيعة (٤)، عن جعفر بن ربيعة ، عن أبي فِرَاس ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((صام نوحٌ الدهرَ إلا يومَ عيد الفطر ويوم الأضحى)) (٥) . وهكذا رواه ابن ماجة عن طريق عبد الله بن لهيعة بإسناده ولفظه . وقد قال الطبراني : حدثنا أبو الزِّنْباع رَوْح بن فرج ، حدثنا عمر بن خالد الحراني ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي قتادة ، عن يزيد بن رباح أبي فراس ، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله عَ لّه يقول: ((صام نوحٌ الدهرَ إلا يوم الفطر والأضحى ، وصام داود نصف الدهر ، وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر ، صام الدهر وأفطر الدهر)). ذكر حَجِّه عليه السلام وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا أبي ، عن زَمْعة - هو ابن أبي صالح - عن سلمة بن دهران(٦)، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: حج رسول الله عَّه فلما أتى وادي عُسْفان قال: ((يا أبا بكر أيّ واد هذا؟)) قال: هذا وادي عسفان. قال: ((لقد مرَّ بهذا نوح وهود وإبراهيم على (١) مسند أحمد ١١٧/٣ وتابعه في حديث آخر ١٠٠/٣. (٣) ((أ)): الشكور . (٤) وقعت في طبعتنا الثانية محرفة : عن أبي لهيعة . (٢) سقطت من (( ط)) . (٥) سنن ابن ماجة كتاب الصيام باب ما جاء في صيام نوح عليه السلام حديث رقم ١٧١٤ . وقال في (٦) ((ط)): وهرام. الزوائد : في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف . - ١١٥ - بُكْران (١) لهم حُمْر خطمهم الليف، أَزْرِهم العَبَاء وأرديتهم النِّمار (٢) يحجُّون البيت العتيق)). فيه غرابة (٣) ذكر وصيته لولده عليه السلام قال الإِمام أحمد : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن الصَّقْعب بن زهير ، عن زيد بن أسلم - قال حماد : أظنه عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله عَ ليه فجاء رجل من أهل البادية عليه جبةُ سِيجانَ(٤) مَزْرورة بالديباج فقال: (( ألا إنَّ صاحبكم هذا قد وَضع كلَّ فارسٍ ابنَ فارس ، أو قال : يريد أن يضع كل فارس ابن فارس ، ورفع كلّ راع ابن راع)). قال: فأخذ رسول الله عَ ليه بمجامع جبته وقال: (( ألا أرى عليك لباسَ من لا يعقل!؟)) ثم قال: ((إن نبي الله نوحاً عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه : إني قاصٌّ عليك وصية (٥)، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا إله إلا الله ، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله . ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حَلْقة مُبْهمة (٦) قصَمَتْهُنَّ (٧) لا إله إلا الله، وسبحان (٨) الله وبحمده . فإن بها صِلات (١) البكران : النوق الفتية . (٢) الثمار : برود من صوف . (٣) روى ابن الجوزي في كتابه ((مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن)) عن عروة بن الزبير أن نوحاً صلى الله عليه وسلم حج البيت قبل الغرق . انظر سبل الهدى والرشاد للصالحي ٢٤٣/١ بتحقيقنا وفيه روايات أخرى . (٤) السيجان : جمع ساج وهو الطيلسان الأخضر . (٥) ((أ)): الوصية. (٦) المبهمة : المصمتة . (٧) كذا في مسند أحمد ١٧٠/٢ وهو الصواب. وقد وقع في طبعتينا السابقتين وفي البداية والنهاية المطبوعة : فضمتهن . وهذا تحريف نقلته كافة الطبعات المزورة ! وكذلك كل خطأ وقع ! (٨) الطبعة السابقة: وبسبحان الله. وهو تحريف وما أثبته من المسند ١٧٠/٢. - ١١٦ - كل شيء، وبها يُرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكِبْر)) قال: قلت - أو قيل - يا رسول الله: هذا الشرك قد عَرَفْناه ، فما الكِبْر ؟ أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شِرَا كان حسنان؟ قال: ((لا)) قال: هو أن يكون لأحدنا حُلَّة يلبسها ؟ قال: ((لا)) قال: هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: ((لا)) قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: (( لا)) قلت - أو قيل - يا رسول الله فما الكِبْر؟ قال: ((سفه الحق وغَمْص(١) الناس)). وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه . ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان ، عن محمد بن إسحق، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله عَ ليه قال: ((كان في وصية نوح لابنه: أوصيك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين .. ))، فذكر نحوه . وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد ، عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن إسحق ، عن عمرو بن دينار ، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن النبي عَ بِّ بنحوه. والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، كما رواه أحمد والطبراني . والله أعلم . ويزعم أهل الكتاب أن نوحاً عليه السلام لما ركب السفينة كان عمره ستمائة سنة . وقدمنا عن ابن عباس مثله ، وزاد : وعاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة ، وفي هذا القول نظر . ثم إن لم يمكن الجمع بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض . فإن القرآن يقتضي أن نوحاً مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون . ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك ؟ فإن كان ما ذكر محفوظاً عن ابن عباس - من أنه بعث وله أربعمائة وثمانون سنة ، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة - فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة . (١) كذا في ((أ)) موافقاً لمسند أحمد ١٧٠/٢ وفي غير ((أ)): وغمط . وهما بمعنى. - ١١٧ - وأما قبره عليه السلام : فروى ابن جرير والأزرقي عن عبد الرحمن بن سابط أو غيره من التابعين مرسلاً ، أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام . وهذ أقوى وأثبت من الذي يذكره كثير من المتأخرين ، من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح ، وهناك جامع قد بني بسبب ذلك فيما ذكر . والله أعلم . - ١١٨ - قصة هود عليه السلام وهو هود بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام . ويقال إن هوداً هو عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، ويقال هو ابن عبد الله بن رباح بن الخلود(١) بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام . ذكره ابن جرير . وكان من قبيلة يقال لها عاد بن عوص بن سام بن نوح . وكانوا عرباً يسكنون الأحقاف - وهي جبال الرمل - وكانت باليمن بين عمان وحضرموت ، بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر ، واسم واديهم مغيث . وكانوا كثيراً ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام ، كما قال تعالى : ﴿ ألم تر كيف فَعل ربك بعادٍ . إرم ذات العِماد﴾ أي عاد إرم وهم عاد الأولى . وأما عاد الثانية فمتأخرة كما سيأتي بيان ذلك في موضعه . وأما عاد الأولى فهم عاد ﴿ إرم ذات العماد. التي لم يُخلق مثلها في البلاد ﴾ أي مثل القبيلة، وقيل مثل العُمد . والصحيح الأول كما بيناه في التفسير . ومن زعم أن (( إرم )) مدينة تدور في الأرض ، فتارةً في الشام، وتارة في اليمن ، وتارة في الحجاز ، وتارة في غيرها ، فقد أبعد النُّجْعة ، وقال ما لا دليل عليه ، ولا برهان يعوَّل عليه ، ولا مُسْتَند يركن إليه . وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الأنبياء والمرسلين قال فيه: ((منهم أربعة من العرب، هود، وصالح، وشُعيب، ونبيُّك يا أبا ذر)) . ويقال إن هوداً عليه السلام أول من تكلم بالعربية ، وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها ، وقال غيره : أول من تكلم بها نوح وقيل آدم وهو الأشبه ، وقيل غير ذلك . والله أعلم . (١) الأصل والمطبوعة: ابن رباح بن الجارود. وما أثبته من تاريخ الطبري ٢٣١/١ (ط ليدن). - ١١٩ - ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام ، العرب العاربة ، وهم قبائل كثيرة : منهم عاد ، وثمود ، وجُرهم ، وطَسم ، وجَدِيس ، وأميم ، ومَذْين ، وعِمْلاق ، وعبيل ، وجاسِم ، وقحطان ، وبنو يقطن ، وغيرهم . وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل . وكان إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة وكان قد أخذ كلام العرب من جُرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى ، ولكن أنطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان . وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله ◌ُ له . والمقصود أن عاداً - وهم عاد الأولى - كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان . وكانت أصنامهم ثلاثة : صدا وصمودا وهرا . فبعث الله فيهم أخاهم هوداً عليه السلام فدعاهم إلى الله ، كما قال تعالى بعد ذكر نوح ، وما كان من أمرهم في سورة الأعراف: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُوداً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غَيْرُه أفلا تتقون . قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا النراك في سفاهةٍ وإنا لنظنك من الكاذبين . قال يا قوم ليس بي سفاهةٌ ولكني رسولٌ من رب العالمين. أَبلِّغُكم رسالاتِ ربي وأنا لكم ناصحٌ أمين . أوَعَجِبْتُم أن جاءكم ذِكْرٌ من ربكم على رجلٍ منكم لِيُنْذِركم واذكروا إذ جعلكم خُلَفَاءَ من بعدٍ قوم نوح ، وزادكم في الخلق بَسْطَةً ، فاذكروا آلاءَ الله لعلكم تُفْلِحون. قالوا أجئتنا لنعبدَ الله وحده ، ونَذَر ما كان يَعْبُدُ آباؤنا؟ فأُتنا بما تعِدُنا إنْ كنتَ من الصادقين . قال قد وَقع عليكم من ربِّكم رِجْسٌ وَغَضَبٌ ، أتجادلونني في أسماءٍ سَمَّيْتُموها أنتم وآباؤكم ما نَزَّل الله بها من سلطان ؟ فانتظِرُوا إني معكم من المنتظِرِين . فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطَعْنَا دابرَ الذين كذَّبُوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين﴾(١). وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود: ﴿ وإلى عادٍ أخاهم هوداً ، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مُفْتَرُون . يا قوم لا أسألكم عليه (١) سورة الأعراف ٦٥ - ٧٢ . - ١٢٠ -