Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
يقول: اللهمّ إنا نشكوا إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من
الطمع، فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد ثم أرسل إلى الرجل فصلّى ركعتين ثم
استلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تذكر؟
قال: إن أمنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها وإلاَّ اقتصرت على نفسي ففيها لي
شغل شاغل، قال: فأنت آمن على نفسك، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله استرعاك أمر عباده
وأموالهم فجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجر وأبواباً من الحديد وحراساً معهم
سلاح ثم سجنت نفسك منهم وبعثت عمالك في جبابة الأموال وجمعها وأمرت أن لا يدخل
عليك من الناس إلاَّ فلان وفلان ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف إليك ولا أحد إلاَّ وله
في هذا المال حق، فلما رآك النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن
لا يحجبوا دونك تجني الأموال وتجمعها قالوا: هذا خان الله فما لنا لا نخونه فأتمروا ألا
يصل إليك من علم أخبار الناس إلاَّ ما أحبوه، ولا يخرج لك عامل إلاَّ خونوه عندك وعابوه
حتى تسقط منزلته عندك، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم،
وكان أوّل من صانعهم عاملك بالهدايا والأموال ليبقوا بذلك عمالك على ظلم رعيتك، ثم
فعل ذلك ذوو المقدرة والأموال من رعيتك ليصلوا إلى ظلم من دونهم فامتلأت بلاد الله بغياً
وفساداً وصار هؤلاء القوم شركاءك وأنت غافل، فإن جاء متظلم حيل بينك وبينه، وإن أراد
رفع قضيته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك ووقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم، فإن جاء
ذلك المتظلم وبلغ بطانتك خيره سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك فلا يزال
المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث ويدفعه فإذا جهد وخرج ظهر لك وصرخ بين
يديك فضرب ضرباً مبرحاً يكون نكالاً لغيره وأنت تنظر فلا تنكر فما بقاء الإسلام على هذا،
قال: فبكى المنصور بكاء شديداً وقال: ويحك كيف أحتال لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين إن
للناس أعلاماً يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم في دنياهم وهم العلماء وأهل الديانة
فاجعلهم بطانتك يرشدوك وشاورهم يسددوك، فقال: قد بعثت إليهم فهربوا مني، فقال:
خافوا أن تحملهم على طريقتك ولكن افتح بابك وسهّل حجابك وانصر المظلوم واقمع الظالم
وخذ الفيء والصدقات على وجوهها وأنا ضامن عنهم أنهم يأتونك ويساعدونك على صلاح
الأمة، ثم أذن بالصلاة فقام يصلي وعاد إلى مجلسه ثم طلب الرجل فلم يجده.
وصايا نبوية: رويناها من حديث الهاشمي يبلغ بها النبي وَلِّ أنه قال: ((أَيُّهَا النَّاسُ أَقبَلُوا
عَلَى ما كُلِّفْتُمُوهُ مِنْ إصْلاح آخِرَتِكُمْ وَأَعْرِضُوا عَمَّا ضمنَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ وَلا تَسْتَعْمِلُوا
جَوَارِحِ غُذِيَتْ بِنِعْمَتِهِ فِي التَّعَرُّضِ لِسَخَطِهِ بِمَعْصِيَتِهِ وَاجْعَلُوا شُغْلَكُمُ الْتِمَاسَ مَغْفِرَتِهِ وَاضْرِفُوا
هِمَمَكُمْ إلى التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إِنَّهُ مَنْ بَدَأَ بِنَصِيبِهِ مِنَ الدُّنْيَا فَاتَهُ نَصِيبُهُ مِنَ الآخِرَةِ وَلاَ يُذْرِكُ
مِنْهَا ما يُرِيدُ، وَمَنْ بَدَأَ بِنَصِيبِهِ مِنَ الآخِرَةِ وَصَلَ إِلَيْهِ نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا وَأدْرَكَ مِنَ الآخِرَةِ ما
یُرِیدُ)) .
وصية منظومة من ذي علم في الاعتذار: [الوافر]

٣٦٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
من التَّقْصِيرِ عُذْرَ أخٍ مُقِرْ
إذا اغْتَذَرَ الصَّديقُ إليك يَوْماً
فصُنْهُ عن عتابك واغْفُ عنه
فإن العَفْوَ شيمةُ كل حُرِّ
وصايا إلهية: يقول الله تعالى: يا ابن آدم إذا ذكرتني شكرتني وإذا نسيتني كفرتني، أنفق
أنفق عليك أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحرّكت بي شفتاه لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع
له أمنين، إن خافني في الدنيا لم يخف في الآخرة وإن أمنني في الدنيا لم يأمن في الآخرة،
أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي، أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا دعاني، يقول
الله لأهون أهل النار عذاباً لو أن لك ما في الأرض من غنى كنت تفتدي به؟ قال: نعم، قال:
فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلاَّ الشرك،
الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار إن هذا دين ارتضيته
لنفسي لا يصلحه إلاَّ السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه، يا موسى: إنك لن
تتقرب إليّ بشيء أحب إليّ من الرضى بقضائي، ولن تعمل عملاً أحفظ لحسناتك من النظر
في أمورك، يا موسى: لا تتضرّع إلى أهل الدنيا فأسخط عليك ولا تجد بدينك لدنيا فأغلق
أبواب رحمتي، يا موسى: قل للؤمنين التائبين أبشروا وقل للمؤمنين المخبتين اجتنبوا
وأحسنوا، أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
بشر، من رجا غيري لم يعرفني ومن لم يعرفني لم يعبدني ومن لم يعبدني فقد استوجب
سخطي ومن خاف غيري حلّت به نقمتي، يا موسى: خف ثلاثة: خفني وخف نفسك وخف
من لا يخافني. يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان ولا أبالي. يا ابن
آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم إنك لو أتيتني
بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة، إذا قال العبد: بسم
الله الرحمن الرحيم، يقول الله: ذكرني عبدي، وإذا قال: الحمد لله رب العالمين، يقول الله :
حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: ملك يوم
الدين، يقول الله: مجدني عبدي وفوّض إليّ عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين،
يقول الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط
الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، يقول الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما
سأل، فإذا قال آمين، يقول الله: قد أجبت. الإخلاص سرّ من أسراري استودعته قلب من
أحببت من عبادي، إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا يعني عينيه لم يكن له جزاء عندي إلاّ
الجنة .
قال رسول الله وَ﴾: ((يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَان رِجَالٌ يَحْمِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ وَيَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ
جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ أَلْسنَتُهُمْ أَخْلَّى مِنَ العَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذُثَابِ))، يقول الله: أبي
يفترون أم عليّ يجترئون فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيران،
قال رسول الله وَّلة: يجاء يوم القيامة بابن آدم كأنه بدج فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول الله
أعطيتك وخوّلتك وأنعمت عليك فماذا صنعت؟ فيقول: جمعته وثمرته وتركته أكثر ما كان

٣٦٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
فارجعني، فيقول: أرني ما قدمت فيقول: يا رب جمعته وثمرته وتركته أكثر ما كان فارجعني
آتك به، فإذا عبد لم يقدّم خيراً فيمضى به إلى النار. يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى
وأسدّ فقرك، وإن لا تفعل أملأ يديك شغلاً ولم أسد فقرك. يا ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي
من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك وقصرت من حرصك وحيلك وابتغيت الزيادة
من عملك وإنما تلقى الندم لو قد زلّت بك القدم وأسلمك الأهل والحشم وانصرف عنك
الحبيب وأسلمك القريب فلا أنت إلى أهلك عائد ولا في عملك زائد فاعمل ليوم القيامة يوم
الحسرة والندامة. وقال الله: إنما أتقبل الصلاة ممّن تواضع بها لعظمتي ولم يستطل على
خلقي ولم يبت مصراً على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل
والأرملة ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس أكلؤه بعزّتي وأستحفظه ملائكتي، أجعل له
في الظلمة نوراً وفي الجهالة علماً، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة. يا موسى إني
أعلمك خمس كلمات هن عماد الدين ما لم تعلم أن قد زال ملكي فلا تترك طاعتي، وما لم
تعلم أن خزائني نفدت فلا تهتم برزقك، وما لم تعلم أن عدوّك قد مات فلا تأمن فاجئته ولا
تدع محاربته، وما لم تعلم أني قد غفرت لك فلا تعب المذنبي، وما لم تدخل جنتي فلا تأمن
مكري. قال رسول الله وَالر: قال موسى: يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعك به، قال: يا
موسى قال لا إله إلاَّ الله، قال موسى: يا رب كل عبادك يقول هذا، قال قل: لا إله إلاَّ الله،
قال: لا إله إلاَّ أنت إنما أريد شيئاً تخصني به، قال: يا موسى لو أن السموات السبع
وعمارهن والأرضين السبع في كفة ولا إلا إلاّ الله في كفة مالت بهن لا إله إلاَّ الله، يقول الله
لمحمد ◌َل#: يا محمد أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلاَّ صليت عليه عشراً ولا يسلم
عليك أحد إلاَّ سلمت عليه عشراً. وقال الله: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، وللمتجالسين
فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتزاورين فيّ يقول الله عزّ وجلّ، يا دنيا اخدمي من خدمني وأتعبي يا
دنيا من خدمك. وقال الله إن عبداً أصححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه
خمسة أيام لا يفرّ إليّ لمحروم.
وقال رسول اللّه وَلقوله((إن الله سيخلص رجلاً من أمّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة
فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول له أتنكر من هذا شيئاً
أظلمتك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: فلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول:
بلى إن لك عندي حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلاَّ الله
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه
السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم قال: فيوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت
السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء)).
وقال رسول الله وَل *: ((يُوقَفُونَ - يعني الملائكة - بَيْنَ يَدَي الله وَيَشْهَدُونَ - يَعْنِي لِلْعَبْدِ
بِالعَمَلِ الصَّالِحِ المُخْلِصِ اللَّهِ - فيقولُ الله لَهُمْ: أَنْتُمُ الحَفَظَةُ عَلَى عَمَلِ عَبْدِي وَأَنَا الرَّقِيْبُ عَلَى
مَا فِي قَلْبِهِ إِنَّهُ لَمْ يُرِذْنِي بهذا العَمَلِ وَأَرَادَ بِهِ غَيْرِي فَعَلَيْهِ لَعْتَتِي)). وقال رسول الله وَّ: ((إنَّ الله

٣٦٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إلى العِبَادِ لِيَقْضِي بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَائِيَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يُذْعَى بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ
القُرْآنَ وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ فَيَقُولُ الله لِلْقَارِىء: ألَمْ أَعَلْمْكَ مَا أَنْزَلْتُهُ عَلَى
رَسُولِي؟ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ،َ قَالَ: فماذا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قال: كنتُ أَقومُ به آنَاءَ اللَّيْلِ وَآناءَ
النَّهَارِ فِيَقُولُ الله لَهُ: كَذَبْتَ وتقولُ الملائكةُ له كذبتَ، ويقولُ الله: إنما قرأتَ لِيقالَّ فلانٌ
قارِىءٌ فقد قيلَ ذلكَ. وَيُؤْتِى بصاحبِ المَالِ فيقولُ الله لَهُ: أَلَمْ أَوَسِّغْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ
تَحْتَاجُ إِلى أحَدٍ؟ قال: بَلَى يا ربِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قالَ كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ
وَأَتَصَدَّقُ فيقولُ الله لَهُ: كذبت، وتقولُ له الملائكة: كذبتَ، ويقول الله لَهُ: بل أردت أن يقالَ
فلانٌ جَوَادٌ فَقِيلَ ذلكَ. وَيُؤْتِى بِالَّذِي قُتِلَ في سبيلِ الله فيقولُ الله: فيماذا قُتِلْتَ؟ فيقولُ: أمِرْتُ
بالجهادِ في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلْتُ، فيقول الله له: كذبتَ، وتقول له الملائكةُ: كذبتَ،
ويقولُ الله له: بل أردتَ أن يقالَ فلان جَرِيٌ فقد قِيلَ ذلك. ثم ضَرَبَ رسول اللهِوَّ ه على
ركبة أبي هريرة وقال: يا أبا هريرة أولئكَ الثلاثةُ أوّلَ مَنْ تُسَعَّرُ بهمُ النارُ يومَ القيامة)) فكان أبو
هريرة إذا حدّث بهذا الحديث يغشى عليه. يقول الله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلً
صَلِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَأْ﴾ [الكهف: ١١٠]: [الرمل]
كم تَمَنَّيْتُ فأحْسَنْتُ المَقَالْ
فإذا واسَيْتُ يوماً سائلاً
وإذا قَاتَلْتُ يوماً كافراً
وإذا ما صُمْتُ يوماً صائفاً
وإذا صليتُ والناسُ معي
وأنا في خُلْوَتي أَنْقُرُها
عَمَلي عُجْبٌ وصُنْعٌ ورِيَا
فاهْجُروني واطْرُدُوني عنكمُ
نسأَلُ الله تعالى توبة
وفعلتُ الخَيْرَ جَهْراً ليُقَالْ
أطْلُبُ الشُّكْرَ عليها ليُقَالْ
أَطْلبُ الذِّكْرَ عليه ليُقالْ
أشتكي الجُوعَ عَشِيّاً ليقالْ
أَتَأَنَّى في صلاتي ليقالْ
حيث لا أخْشَى عليها أن يقالْ
يا لها من عثَرَاتٍ لا تُقَالْ
إن أحمالي وأوزاري ثِقَالْ
خالص الصدق له لا ليقال
وصية اعتبار لأحد الأبرار: بلغني أن عمر بن عبد العزيز شيع جنازة فلما انصرفوا تأخر
عمر وأصحابه ناحية عن الجنازة فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين جنازة أنت وليّها
تأخرت عنها وتركتها فقال: نعم ناداني القبر من خلفي يا عمر بن عبد العزيز ألا تسألني ما
صنعت بالأحبة؟ قلت: بلى، قال: حرقت الأكفان ومزقت الأبدان ومصصت الدم وأكلت
اللحم، قال، ألا تسألني ما صنعت بالأوصال؟ قلت بلى قال: نزعت الكفين من الذراعين
والذراعين من العضدين والعضدين من الكتفين والوركين من الفخذين والفخذين من الركبتين
والركبتين من الساقين والساقين من القدمين ثم بكا عمر ثم قال: ألا إن الدنيا بقاؤها قليل
وعزيزها ذليل وغنيها فقير وشابها يهرم وحيّها يموت فلا يغرّنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة
إدبارها، فالمغرور من اغترّ بها، أين سكانها الذين بنوا مدائنها وشققوا أنهارها وغرسوا
أشجارها وأقاموا فيها أياماً يسيرة غرتهم بصحتهم فاغتروا وبنشاطهم فركبوا المعاصي، إنهم

٣٦٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
كانو والله في الدنيا مغبوطين بالأموال على كثرة المنع عليه محسودين على جمعه، ماذا صنع
التراب بأبدانهم والرمل بأجسادهم والديدان بعظامهم وأوصالهم؟ كانوا في الدنيا على أسرة
ممهدة وفرش منضودة بين خدم يخدمون وأهل يكرمون وجيران يعضدون، فإذا مررت فنادهم
إن كنت منادياً ومرّ بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم واسأل غنيهم ما بقي من غناه واسأل
فقيرهم ما بقي من فقره، واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا
بها ينظرون، واسألهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها
الديدان؟ محت الألوان وأكلت اللحمان وعفرت الوجوه ومحت المحاسن وكسرت الفقار
وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء، وأين حجابهم وقبابهم وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم
ومكنونهم؟ والله ما فرشوا فراشاً ولا وضعوا هناك متكأ ولا غرسوا لهم شجراً ولا أنزلوهم من
اللحد قراراً، أليسوا في منازل الخلوات والفلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليس هم
في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة، فكم من ناعم وناعمة أصبحوا
ووجوههم بالية، وأجساد لهم من أعناقهم نائية، وأوصالهم متمزقة، وقد سألت الحدقات
على الوجنات وامتلأت الأفواه دماً وصديداً، وذبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت
أعضاءهم، ثم لم يلبثوا والله إلاَّ يسيراً حتى عادت العظام رميماً قد فارقوا الحدائق وصاروا
بعد السعة إلى المضائق، قد تزوّجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم، وتوزعت الورثة
ديارهم وتراثهم، فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناضر فيه المتنعم بلذته، يا ساكن
القبر غداً ما الذي غرّك من الدنيا هل تعلم أنك تبقى أو تبقى لك، أين دارك الفيحا ونهرك
المطرد؟ وأين ثمرتك المحاضرة ينعها؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك؟ وأين بخورك؟ وأين
كسوتك لصيفك وشتائك؟ أما رأيته قد نزل به الأمر فما يدفع عن نفسه دخلاً وهو يرشح عرقاً
ويتلمظ عطشاً يتقلب في سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السماء وجاء غالب القدر
والقضاء، جاء من الأمر الأجل ما لا يمتنع منه، هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد
وغاسله، يا مكفن الميت وحامله، يا مخليه في القبر وراجعاً عنه، ليت شعري كيف كنت
على خشونة الثرى؟ ليت شعري بأي خديك تبدى البلى؟ وأي عينيك إذن سالا؟ يا مجاور
الهلكات صرت في محل الموتى، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي
من الدنيا وما يأتيني به من رسالة ربي؟ ثم تمثل: [الطويل]
كما اغْتَرَّ باللَّذات في النوم حالمُ
تُسَزُّ بما يَفْنَى وتُشْغَلُ بالمُنَى
ولَيْلُكَ نومٌ والرَّدَى لك لازمُ
نهارُك يا مَغْرُورُ سهو وغَفْلَةٌ
كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ
وتعمل شيئاً سوف تكرهُ غِيَّهُ
ثم انصرف فما بقي بعد ذلك إلاَّ جمعة، ومات رضي الله عنه. ومن نظمنا في ذلك:
[الرمل]
ومَضَى العُمْرُ وجاء الأجَلُ
شَابَ فؤادي وشَبَّ الأمَلُ
عَسْكَرُ المَوْتَى لنا منتظرٌ
فإذا صِرْنا إليهم رَحَلوا

٣٦٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
أنَّني بعدهم مشتغلُ
ليت شِغري ليت شِغري هل دَرَوا
غافلٌ عماله أَنْتَقِلُ
في فنون اللَّهُو أَقْنَى طَرَباً
ولنا في هذا المعنى أيضاً: [الكامل]
ضمّتْ لنا آرامُنا الآراما
يا واقفين على القُبُورِ تَعَجَّبُوا
تحت التراب مُوَسّدِين أكُفّهم
لا يُوقَظُون فيخبرون بما رَأوْا
فكأَنَّ ذاك العيش كان مَنَامَا
من قائمين كيف صاروا نِيَامَا
قد عاينوا الحسنات والأجْرَاما
لا بدّ من يوم تكون قيامَا
ورأيت على قبر أبياتاً وهي على لسان صاحبه: [الخفيف]
قَصَّرَ بي عن بلوغه الأجَلُ
أمْكَنَهُ في حياته العَمَلُ
كُلِّ إلى مثله سَيَنْتَقِلْ
أيها الناسُ كان لي أَملُ
فلْيَتَّق الله رَبَّهُ رَجُلٌ
ما أنا وحدي نُقِلْتُ حيث تَرَوْا
ورأيت أيضاً مكتوباً على قبر: [الرجز]
يَا مَنْ بِدُنْيَاهُ اشْتَغَلْ
ولَمْ يَزَلْ فِي غَقْلَةٍ
المَوْتُ يأتي بَغْتَةٌ
وغَرَّهُ طُولُ الأَملْ
حَتَّى دَنَا منه الأجَلْ
والقَبْرُ صُنْدُوقُ العَمَلْ
ورأيت مكتوباً على قبر أم ابن البسيلي وكان ابنها من أصدقائي وقد علاه وشيّده وأنفق
على بنائه مالاً كثيراً، فكتب شخص من أصحابنا أبياتاً عليه لبعضهم يخبر عن صورة الحال
وهي : [الوافر]
بَنَوْا تلك المقابر بالصّخُور
أرى أهل القُصُور إذا تُوُفُّوا
على الفقراء حتى في القُبُور
أَبَوْا إلاَّ مباهاةً وفَخْراً
فإن يَكُنِ الشَّفَاضُلُ في ذُراها
فإن العَدْلَ منها في القُعُور
لما علموا الغَنِيَّ من الفَقير
لَعَمْرُ أَبِيهِمُ لو أبرزوهم
ولا عرفوا الإناث من الذُّكُور
ولا عرفوا العَبيدَ من المَوَالي
ولا البَدَنَ المُنَغَّمَ في الحَرِير
ولا البَدَنَ المُلبَّسَ ثَوْبَ صُوفٍ
فما فَضْلُ الغَنِيِّ على الفَقِير
إذا ما مات هذا ثُمَّ هذا
وكان على قبر مكتوباً بمدينة سلا منقطع التراب بيتان على لسان صاحب القبر: [مجزوء
الكامل]
ولقد نَظَرْتَ كما نَظَرْتُ
فانْظُزْ لنفسك سَيِّدي
وصية سنية من ذي همة علية: [البسيط]
لا تَضْرَعَنَّ لمخلُوقٍ على طمَعٍ
ولقد نَظَرْتُ فما اعْتَبَرْتُ
قبل الحصول كما حَصَلْتُ
فإن ذاك مُضِرٍّ منك بالدِّينِ
فإنما هو بَيْنَ الكاف والنُّونِ
واسْتَرْزِقِ اللَّهَ رزقاً من خزائنه

٣٦٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وفي هذا المعنى قال أبو حازم الأعرج لعض الخلفاء وقد سأله الخليفة: ما بالك يا أبا
حازم؟ فقال: الرضى عن الله والغنى عن الناس: [البسيط]
إذا يُحارِسُ أهْلَ المال حُرَّاسُ
للناس مالٌ ولي مالان ما لهما
وما لي اليأسُ مما يملكُ الناسُ
مالي الرِّضَى بالذي أصبحتُ أملكُهُ
قال له خاله هشام بن عبد الملك لما ولي البحرين: ما طعامك يا أبا حازم؟ قال: الخبز
والزيت، قال: أفلا تسأمهما؟ قال: إذا سأمتهما تركتهما حتى أشتهيتهما .
وصية: إلهية مذكرة ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكِسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]: [الطويل]
فما استطعت من مَعْرُوفِهِ فتَزَوَّدِ
وما هذه الأيّامُ إلاَّ مُعَارة
تموتُ ولا ما يُحدِثُ الله في غَدِ
فإنك لا تَذْري بأية بَلْدَةٍ
ذراعَيْنِ من قُرْبِ الأحبَّةِ يَبْعُدِ
يقولون لا تَبِعُذْ ومن يَكُ بُعْدُهُ
وصية من امرأة من ولد حسان بن ثابت: [الطويل]
فَتَّى ذَاقَ طَعْمَ العَيْشِ منذ قُرِیبٍ
سَلِ الخَيْرَ أهْلَ الخَيْرِ قُدْماً ولا تَسَلْ
وصية مجنون عاقل قالها عند خليفة غافل: حجّ هارون الرشيد راجلاً من أجل يمينه
حين حنث فقعد يستريح في ظل ميل فمرّ به بهلول المجنون وكان في الركب فقال له: يا أمير
المؤمنين: [مجزوء الوافر]
أليس الموتُ يأْتِيكًا
هَبِ الدُّنْيَا تُوَاتِيكًا
دَعِ الدُّنْيالشَانـيكا
ألا يا طالـب الدنيا
وظَلُ الميل يكفيكا
إلى كم تطلب الدنيا
وصية حكيم في صفة الحميم: قيل لخالد بن صفوان: أيّ الإخوان أحبّ إليك؟ قال:
الذي يغفر زلتي ويسدّ خلتي ويقيل علتي. وكتب رجل إلى صديق له: إني وجدت المودة
منقطعة ما كانت الحشمة منبسطة وليس يزيل سلطان الحشمة إلاَّ المؤانسة، ولا تقع المؤانسة
إلاَّ بالبرّ والملاطفة. بتنا ليلة عند أبي الحسين بن أبي عمرو بن الطفيل بإشبيلية سنة اثنتين
وتسعين وخمسمائة وكان كثيراً ما يحتشمني ويلتزم الأدب بحضوري، وبات معنا أبو القاسم
الخطيب وأبو بكر بن سام وأبو الحكم بن السراج وكلهم قد منعهم احترام جانبي الإنبساط
ولزموا الأدب والسكون، فأردت أعمل الحيلة في مباسطتهم فسألني صاحب المنزل أن يقف
على شيء من كلامنا فوجدت طريقاً إلى ما كان في نفسي من مباسطتهم فقلت له: عليك من
تصانيفنا بكتاب سميناه الإرشاد في خرق الأدب المعتاد فإن شئت عرضت عليك فصلاً من
فصوله فقال لي: أشتهي ذلك، فمددت رجلي في حجره وقلت له: كبسني ففهم عني ما
قصدت وفهمت الجماعة فانبسطوا وزال ما كان بهم من الانقباض والوحشة وبتنا بأنعم ليلة في
مباسطة دينية. إفصاح بغالب الأحوال ممّن يعدّ من الأبدال: قال الحسن البصري: ما أعطى
رجل شيئاً من الدنيا إلاَّ قيل له خذه ومثله من الحرص. وقال: أشدّ الناس صراخاً يوم القيامة

٣٦٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
رجل سنّ ضلالة فاتبع عليها، ورجل سيىء الملكة، ورجل فارغ استعان بنعم الله على
معاصيه .
وصية: يا وليّ راقب إيمانك وأضف إلى حسن صورته زينة العلم فإذا زينته به ظهر
بصورة لم يكن عليها من الحسن، فإذا أعجبك فأضف إليه زينة العمل بالعلم فتزيد حسناً إلى
حسن، فإذا تعشقت بصورة العمل لما ترى من حسنها ربما أدّاك ذلك إلى أن تحمل النفس
فوق طاقتها فزيّن العمل بالرفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، وقد قيل: ما أضيف
شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم، وإذا سبّك إنسان فانظر فيما سبّك به فإن كان ما سبّك
به صفة فيك فلا تلمه فما قال إلاَّ حقاً وَلِمْ نفسك وأزل عنها تلك الصفة المذمومة واشكره
على ما ظهر منه فلقد بالغ في نصحك وإن لم يقصده ولكن الله أنطقه فارع له ذلك، وإن سبّك
بما ليس فيك فخذ ذلك منه تذكرة وتحذيراً يحذرك بما ذكره أن تذكره لئلا تتصف به فيما
تستقبله من زمانك فقد نصحك على كل حال فإن صدق فيما قال فقل: غفر الله لي ولك
وللمسلمين، وإن كذب فيما قال فقل: غفر الله لك فلقد نبهتني على أمر ربما لولا تنبيهك
وقعت فيه وأنشده: [الطويل]
هَنِيئاً مَرِيئاً غير داءٍ مُخَامِرٍ
لعَزَّةَ من أعراضنا ما اسْتَحَلَّتِ
كانت لي كلمة مسموعة عند بعض الملوك وهو الملك الظاهر صاحب مدينة حلب
رحمه الله غازي ابن الملك الناصر لدين الله صلاح الدين يوسف بن أيوب فرفعت إليه من
حوائج الناس في مجلس واحد مائة وثمان عشرة حاجة فقضاها كلها وكان منها أين كلمته في
رجل أظهر سرّه وقدح في ملكه وكان من جملة بطانته وعزم على قتله وأوصى به نائبه في
القلعة بدر الدين أي دمور أن يخفي أمره حتى لا يصل إلي حديثه فوصلني حديثه فلما كلمته
في شأنه طرق وقال: حتى أعرف المولى ذنب هذا المذكور وأنه من الذنوب الذي لا تتجاوز
الملوك عن مثله فقلت له: يا هذا تخيلت أن لك همة الملوك وأنك سلطان والله ما أعلم أن في
العالم ذنباً يقاوم عفوي وأنا واحد من رعيتك، وكيف يقاوم ذنب رجل عفوك في غير حدّ من
حدود الله إنك لدنيّ الهمة، فخجل وسرّحه وعفا عنه وقال لي: جزاك الله خيراً من جليس
مثلك من يجالس الملوك، وبعد ذلك المجلس ما رفعت إليه حاجة إلاَّ سارع في قضائها لفوره
من غير توقف كانت ما كانت.
يا وليّي احبس نفسك عن القليل من الذمّ تأمن كثيره فإن النفس فيها لجاجة، إذا نوزعت
صدعت وإذا سكت عنها انقمعت. قال الأحنف ابن قيس في هذا المعنى: من لم يصبر على
كلمة أسمع كلمات وربّ غيظ قد تجرّعته مخافة ما هو أشدّ منه. يا وليّ والله ما عاقبت أحداً
يجب عليّ أدبه في حال غضبي فإذا ذهبت عني حالة الغضب والغيظ ورأيت المصلحة له في
الأدب أذبته، وأما ما يرجع إليّ فأعفو عنه عن طيب نفس وعدم إقامة على دغل وحقد وأبذل
جهدي في إيصال خير إليه، وأسارع إلى قضاء حوائجه، وما أدري أني أقرضت أحداً قرضاً
وفي نفسي أني أطلبه منه فلا أطلبه وإن جاء به وأرى حاجتي إليه آخذه منه ولا أعلمه، وإن

٣٦٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
علمت أنه ضيق على نفسه فيه أنظرته إلى ميسرة، هذا فيما يختص بنفسي، وحكم العيال
حكم الجار الأقرب له حق يطلبه أنا مأمور بإيصاله إليه إذا قدرت عليه. يا وليّي أعلم أن
الحاكم لا بدّ إذا أرضى أحد الخصمين أن يسخط الآخر وأنت حاكم والخصمان في مجلس
قلبك الملك والشيطان فأرض الملك وأسخط الشيطان فإنه يقول للإنسان: اكفر فإذا كفر قال :
﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦].
واعلم أن الدين أقوى منه وأحصن والعدل أقوى عدة يتخذها الحاكم لقتال من يسخطه
من الخصمين فإنه يقاتل هواه فيه ولا سيما إن كان المبطل حميمه وصاحبه، وإذا أردت أن لا
تخاف أحداً فلا تخف أحداً تأمن من كل شيء إذا أمن منك كل شيء. مررت في سفري في
زمان جاهليتي ومعي والدي وأنا ما بين قرمونة وبلمة من بلاد الأندلس وإذا بقطيع حمر وحش
ترعى وكنت مولعاً بصيدها وكان غلماني على بعد مني ففكرت في نفسي وجعلت في قلبي
أني لا أوذي واحداً منها بصيد وعندما أبصرها الحصان الذي أنا راكبه هشّ إليها فمسكته عنها
ورمحي بيدي إلى أن وصلت إليها ودخلت بينها وربما مرّ سنان الرمح بأسنمة بعضها وهي في
المرعى فوالله ما رفعت رؤوسها حتى جزتها ثم أعقبني الغلمان ففرّت الحمر أمامهم وما
علمت سبب ذلك إلى أن رجعت إلى هذا الطريق أعني طريق الله فحينئذٍ علمت من نظري في
المعاملة ما كان السبب وهو ما ذكرناه فسرى الأمان في نفوسهم الذي كان في نفسي لهم،
فكف عن ظلمك واعدل في حكمك ينصرك الحق ويطيعك الخلق وتصفو لك النعم وترتفع
عنك التهم، فيطيب عيشك ويسكن جأشك، وملكت القلوب وأمنت محاربة الأعداء وأخفى
وذك في نفسه من أظهر لك العداوة في حسّه لحسد قام به، فهو حبيب في صورة بغيض .
ومن منشور الحكم والوصايا: قال بعضهم: العدل ميزان الباري ولذلك هو مبرّأ من كل
زيغ وميل. وقال بعضهم في وصية ملك إذا حسنت سيرته وصلحت سريرته صيّر رعيته جنداً،
وإن أوّل العدل أن يبدأ الرجل بنفسه فيلزمها كل خلة زكية وخصلة رضية في مذهب سديد
ومكسب حميد، ليسلم عاجلاً ويسعد آجلاً، وإن أوّل الجور أن يعمد إليها فيجنبها الخير
ويعوّدها الشرّ، ويكسبها الآثام ويلبسها المذام، ليعظم وزرها ويقبح ذكرها. وقال بعضهم:
من بدأ بنفسه فساسها أدرك سياسة الناس، أصلحوا أنفسكم تصلح لكم آخرتكم، أصلح
نفسك لنفسك تكن الناس تبعاً لك، أحسن العظات ما بدأت به نفسك وأجريت عليه أمرك،
من رضي عن نفسه سخط الناس عليه، من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم دينه كان
لمجده أهدم، خير الآداب ما حصل لك ثمره وظهر عليك أثره، ومن تعزّز بالله لم يذلّه
سلطان، ومن توكل عليه لم يضرّه شيطان، ليكن مرجعك إلى الحق ومنزعك إلى الصدق
فالحق أقوى معين والصدق أفضل قرين، ومن لم يرحم الناس منعه الله من رحمته، ومن
استطال بسلطانه سلبه الله من قدرته، إن العدل ميزان الله وضعه للخلق ونصبه للحق فلا تخالفه
في ميزانه ولا تعارضه في سلطانه، استغن عن الناس بخلتين: قلة الطمع وشدّة الورع، من
طال كلامه سئم ومن قلّ احترامه شتم.
الفتوحات المكية ج٨ - م٢٤

٣٧٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
ودخلت على بعض الصالحين بسبتة على بحر الرقاق وكان قد جرى بيني وبين السلطان
من الكلام ما يوجب وحرّ الصدر ويضع من القدر فوصل إليه الخبر فلما أبصرني قال لي: يا
أخي ذل من ليس له ظالم يعضده، وضلّ من ليس له عالم يرشده، يا أخي الرفق الرفق،
فقلت له: ما دام رأس المال محفوظاً أعني الدين، فقال: صدقت وسكت عني. لا تحاج من
يذهلك خوفه ويملكك سيفه فرب حجة تأتي على مهجة وقرصة تؤدي إلى غصة وإياك
واللجاج فإنه يوغر القلوب وينتج الحروب. عيّ تسلم به خير من نطق تندم عليه. واقتصر من
الكلام بما يقيم حجتك ويملكك حاجتك، وإياك وفضوله فإنه يزل القدم ويورث الندم، عيّ
يزري بك خير من براعة تأتي عليك.
وصية نبوية: قال رسول الله وَ ل﴿ الرجل يوصيه: ((أَقْلِلْ مِنَ الشَّهَوَاتِ يَسْهُلْ عَلَيْكَ الفَقْرُ،
وَأَقْلِلْ مِنَ الذُّنُوبِ يَسْهُلْ عَلَيْكَ المَوْتُ، وَقَدِّمْ مَالَكَ أَمَامَكَ يَسُرَّكَ اللحاقُ بهِ، واقنعْ بما أوتِيتَهُ
يَخِفّ عليكَ الحسابُ، ولا تتشاغلْ عمّا فُرِضَ عليكَ بما قد ضُمِنَ لك إنه ليس بفائتكَ ما قُسِمَ
لكَ، ولستَ بِلاحِقٍ ما زُوِيَ عَنْكَ، وَلا تَكُ جَاهِداً فيما يصبحُ نافذاً وَاسْعَ لملكِ لا زوالَ لَهُ في
منزلٍ لا انتقالَ عنه)).
ومن الوصايا النبوية أيضاً: قال رسول الله وَله: ((ما سَكَنَ حبُّ الدنيا قلبَ عبد إلاَّ التاطَ
منها بثلاث: شُغْلٍ لا ينفكُ عناهُ، وَفَقْرٍ لا يُذْرَكُ غناه، وَأَملِ لا ينال منتهاه، إنَّ الدنيا والآخِرَة
طالبتانِ ومطلوبتان، فطالبُ الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكملَّ رزقه، وطالبُ الدنيا تطلبه الآخرةُ
حتى يأخذَ الموتُ بعنقه، ألا وإنَّ السعيدَ من اختارَ باقيةً يدومُ نعيمها على فانيةٍ لا يَنْفَدُ عذابها،
وَقَدِّمُ لما يقدم عليه فيما هو الآن في يديه قبلَ أن يخلفه لمن يسعدُ بإنفاقهِ وَقَدْ شَقِيَ هُوَ بجَمعِهِ
واحتکارِهِ)).
ومنها أيضاً: قال رسول الله وَلّ: ((كأنّ الموتَ على غيرنا كُتِبَ وَكَأَنَّ الحَقَّ فيها على
غيرنا وجَبَ، وَكَأَنَّ الذين نُشَيِّعُ مِنَ الأمواتِ سَفْرٌ، عمّا قليل إلينا راجعون، نُبَوْتُهُمْ أجْدَاثَهُمْ
ونأكلُ تراثهم كأنَّا مُخَلَّدُونَ بعدهم، نَسِينا كلَّ واعظةٍ وأَمِنَّا كلَّ جائحة، طُوبَى لمن شغلهُ عَيْبُهُ
عن عيوبِ النَّاسِ، طُوبَى لمن أنفقَ مالاً اكتسبهُ من غير مَعْصِيَةٍ، وجالسَ أهلَ الفقه والحكمة
وخَالطَ أهَل الذلَّة والمسكنة، طُوبَى لمن ذلّتْ نفسُهُ وحسنت خليقتهُ وطابت سريرتهُ وَعَزَلَ عن
الناسِ شَرَّهُ، طُوبَى لمن أنفقَ الفَضْلَ مِن مالهِ وأمسكَ الفضلَ من قولِهِ وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ ولم
تَسْتَهْوِهِ البِذْعَةُ)) .
ومن مواعظه ◌َّر: قيس بن عاصم المنقري روينا من حديث الهاشمي قال رسول
اللهِ وَّ: ((يا قَيْسُ إنَّ مع العزّ ذلاً، وإِنَّ مع الحياة موتاً، وإنَّ مع الدنيا آخرة، وإنَّ لكل شيء
حسيباً وعَلَى كلٌّ شَيْءٍ رقيباً، وإنَّ لكلِّ حسنةٍ ثواباً ولكلِّ سيئة عقاباً، وإن لكلِّ أجَلِ كتاباً إنه لا
بدّ يا قيسُ مِن قرينِ يُذْفَنُ معكَ وهو حَيٍّ وتدفنُ معهُ وأنتَ ميتٌ، فإنْ كانَ كريماً أكرمَك وإن كانَ
لئيماً أسلمكَ، ثم لا يحشر إلاَّ معكَ ولا تبعث إلاَّ معه، ولا تسأل إلاَّ عنه، فلا تجعله إلاَّ صالحاً،
فإنه إن كانَ صالحاً لم تأنس إلاَّ بهِ وإن كانَ فاحشاً لم تستوحشْ إلاَّ منه وَهُوَ فِعْلُكَ)) .

٣٧١
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
ومن وصاياه وَّه: قال رسول الله وَله: ((أيها الناسُ توبوا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا
بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْتَكُمْ وبينَ رَبَّكُمْ تَسْعَدُوا، وأكثروا الصَّدَقَةَ
تُرْزَقُوا، وأمروا بالمعروف تخصبوا، وانْهَوْا عن المنكر تُنْصَرُوا، ويا أيُّهَا النّاسُ إنَّ أَكْيَسَكُمْ
أكثرُكُمْ للموتِ ذكراً، وأَخْزَمَكُمْ أحْسَنُكُمْ لَهُ استعداداً، ألا وإنَّ مِنْ علاماتِ العَقْلِ النَّجافِيَ عن
دار الغرورِ والإنابةَ إلى دارِ الخلود، والتزوّدَ لسكنى القبور والتأهُّبَ ليوم النُّشُورِ)).
ومنها أيضاً عنه وَ له: قال رسول الله وَ الَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ معالمَ فانتهوا إلى
مَعَالِمِكُمْ، وإنَّ لكم نهايةً فانتهوا إلى نِهَايَتِكُمْ، إنَّ المؤمنَ بين مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أجلِ قد مَضَى لا
يَذْرِي ما الله صانعٌ فيه، وبينَ أجلٍ قد بقيَ لا يدري ما الله قاضٍ فيهِ، فَلْيَأْخُذِ العَبْدُ لِنفسهِ من
نفسهِ ومن دنياهُ لآخرتهِ، ومن الشبيبة قبلَ الكِبرِ، ومن الحياة قبّل الموت، فَوَالَّذِي نفسُ محمدٍ
بيده ما بعدَ الموتِ مِنْ مستعتبٍ ولا بعدَ الدنيا دارٌ إلاَّ الجنة أو النار)).
وممّا ورد عنه ◌َّ ر في خصال الإيمان: ما حدثنا به أبو عبد الله محمد بن قاسم بن
عبد الرحمن بن عبد الكريم التميميّ بالمسجد الأزهر بعين الخيل من مدينة فاس سنة إحدى
وتسعين وخمسمائة من لفظه وأنا أسمع وأسنده إلى رسول الله بَ ل ر معنعناً قال: قال رسول
اللهِ وَالثّ: ((لا يُكْمِلُ عَبْدُ الإِيمانَ حَتَّى يَكونَ فِيهِ خَمْسُ خِصالٍ: التَّوكلُ على الله وَالتَّقْوِيضُ إلى
الله، وَالتَّسلِيمُ لأمْرِ الله، وَالرِّضى بِقضاءِ الله، وَالصَّبرِ على بلاءِ الله، إِنَّه مَنْ أَحَبَّ وَأَبْغَضَ الله
وَأَعْطَى لله وَمَنَعَ اللهَ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ)). وقد ثبت عنه وََّ أنه قال: ((الإِيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ
شُغْبَةً أَدْناها إِماطةُ الأَذَى عَنِ الطَّريقِ وَأَرْفَعُها قَولُ لا إله إلا الله)).
وصية نبوية محمدية: قال رسول الله وَله: ((لا خَيْرَ في العيشِ إِلاَّ لِعالِمِ نَاطقٍ أو مُسْتمع
واعٍ. يا أيها النَّاسُ إِنَّكم في زمان هدنةٍ وإنَّ السَّيْرَ بِكُم سَرِيعٌ، وَقَدَ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ كَيْفٌ
يُبْلِيَانِ كُلَّ جَديدٍ وَيُقَرِّبانِ كُلَّ بَعِيدٍ وَيَأْتيانِ بِكِلٌّ مَوْعُودٍ، فَقَالَ لَهُ المِقْدادُ: وما الهدنةُ يا رَسُولَ
الله؟ فقال وََّ: دَارُ بلاءٍ وَانْقطاع، فإِذا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الأُمورُ كِقطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ
بِالقرآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَعٌ وَشَاهِدٌ مُصَدِّقٌ، فَمَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إلى الجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَه
سَاقَهُ إِلى النَّارِ، وَهُوَ أَوْضَحُ دَلِيلٍ إلى خَيْرِ سَبِيلٍ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ
حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَإنَّ العَبْدَ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ وَخْلُولٍ رَمْسِهِ يرَى جَزاءَ ما أَسْلَفَ وَقِلَّةَ غَنَاءِ مَا
خَلَفَ، وَلَعَلَّهُ مِنْ باطلٍ جَمَعَهُ وَمِنْ حَقِّ مَنَعَهُ)).
وصية نبوية بتذكرة: قال رسول الله وَّر: ((إنَّ العَبْدَ لا يُكْتَبُ فِي المُسْلِمِينَ حَتَّى يَسْلَمَ
النَّاسُ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ، وَلا يَنَالُ دَرَجَةَ المُؤْمِنِينَ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ وَلا يُعَدُّ مِنَ المُثَّقينَ حَتَّى
يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حذَراً ممّا بِهِ البَأْسُ. أيُّها النَّاسُ إِنَّه مَنْ خَافَ البَيَاتَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَذْلَجَ فِي السَّيْرِ
وَصَلَ، وَإِنَّمَا تَعْرِفونَ عَواقبَ أَعْمَالِكُمْ لَوْ قَدْ طُوِيتْ صَحائفُ آجالِكُم، إِنَّ نِيَّةَ المُؤْمنِ خَيْرٌ مِنْ
عَمَلِهِ، وَنِيَةُ المُنَافِقِ شَرِّ مِنْ عَمَلِهِ)).
وصية فيها بشرى للمنقطعين إلى الله: قال رسول الله وَل ◌َ: (مَنِ انْقَطَعَ إلى الله كَفَاهُ كُلَّ
مُؤْنَةٍ فِيها، وَمَنِ انْقَطَعَ إلى الدُّنْيَا وَكَلَهُ الله إليها، وَمَنْ حَاوَلَ أمْراً بِمَعَصِيةِ اللّهَ كَانَ أَبْعَدَ لَهُ مِمّا

٣٧٢
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
رَجَا وَأَقْرَبَ مِمّا اتَّقى، وَمَنْ طَلَبَ مَحَامِدَ النَّاسِ بِمَعاصِي الله عَادَ حَامِدُهُ مِنْهُم ذامّاً، وَمَنْ أَرْضى
النَّاسَ بِسَخَطِ الله وَكله الله إليهم، وَمَنْ أَرْضى الله بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ الله شَرَّهُم، وَمَنْ أَحْسَنَ
فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ كَفَاهُ الله مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَضْلَحَ الله عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ
عَمِلَ لِآخِرِتِهِ كَفَاهُ الله أَمْرَ دُنياهُ)) .
وصية نبوية خبرية: قال رسول الله وَّ: ((رَحِمَ الله عَبْداً تَكَلَّمَ فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ، إِنَّ
اللّسانَ أَمْلِكُ شَيْءٍ لِلإِنْسَانِ، أَلاَ وَإِنَّ كَلامَ العَبدِ كُلَّهُ عَلَيْهِ إِلَّ ذِكْراً للَّهِ أو أمراً بِمَعْرُوفٍ أو نَهْياً
عَنْ مُنكرٍ أو إِصلاحاً بَيْنَ مُؤْمِنِين، فَقَالَ لَّهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ : يَا رسولَ الله أَنْؤاخذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟
قَالَ: وَهَلْ يُكَبُّ النَّاسُ عَلى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إلاَّ حصائدٌ أَلْسِنَتِهِم؟ فَمَنْ أَرَادَ السَّلامَةَ فَلْيَحْفَظُ
ما جَرَى بِهِ لِسَانُهُ وَلْيَحْرُسْ ما انْطَوَى عَلَيْهِ جِنَاتُهُ، وَلْيُحْسِنْ عَمَلَهُ وَلْيُقْصِرْ أَمَلَهُ)).
وصية نبوية أيضاً: قال رسول الله وَّه: ((لا تَسُّبُوا الدُّنْيَا فَنِعْمَتْ مَطِيَّةُ المؤمنِ عليها يَبْلُغُ
الخَيْرَ وَبِها يَنْجُو مِنَ الشرّ إِذَا قَالَ العَبْدُ لَعَنَ الله الدنيا قَالتِ الدُّنيا: لَعَنَ الله أَعْصَانَا لِرَبِّهِ)) قلنا من
هنا. قال قتادة رضي الله عنه: ما أنصف أحد الدنيا ذمّت بإساءة المسيء فيها ولم تحمد
بإحسان المحسن فيها، وفي عكس هذا يقول بعضهم في الدنيا: [الطويل]
له عن عَدُوِّ في ثِيَابِ صَدِيقٍ
إذا امْتَحَنَ الدُّنْيا لَبِيبٌ نَكَشَّفَتْ
هذا إنما يريد الحياة الدنيا التي لا يقصد بها الآخرة وقد ذمّ الله ذلك.
وصية نبوية: قال رسول الله وَّمَ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ فَإِنَّكم ◌ِنْ ذَكَرِ تُمُوهُ في ضِيقٍ
وَسَّعَهُ عليْكُمْ وَرَضِيتُم بِهِ فَأَجِرْتُمْ، وَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ فَي غِنَى بَغَّضَهُ إِليكمْ فَجُدْتُمْ بِهِ فَأَثْبِتُمْ إِنَّ المنايا
قَاطعاتُ الآمالِ وَاللَّيالي مُدْنِياتُ الآجالِ، وإِنَّ المرءَ بَيْنَ يَوْمَينِ: يَوْمُ قَدْ مَضَى أُخْصِيَ فِيهِ عَمَلُهُ
فَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَيَوْمٌ قَدْ بَقِيَ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ لا يَصِلُ إليه)).
وصية بتذكرة: قال رسول الله وَّمَ: ((إِنَّ الرِّزقَ مَقْسُومٌ لَنْ يَعْدُوَ امْرُؤْ مَا كُتِبَ لَهُ فَأَجْمِلُوا
في الطَّلَبِ، وَإِنَّ العُمُرَ مَحْدُودٌ لَنْ يُجَاوِزَ أَحَدٌ مَا قُدِرَ لَهُ، فَبَادِرُوا قَبْلَ نَفَادِ الأَجَلِ، وَالأعمالُ
مُخْصاةٌ لَنْ يُهْمَلَ مِنْها صَغِيرَةٌ وَلا كَبِيرَةً، فَأَكْثِرُوا مِنْ صَالِحِ العَملِ، أَيُّها النَّاسُ إِنَّ في القُنُوعِ
لَسِعَةٌ وَإِنَّ فِي الاقْتِصَادِ لَبُلْغَةٌ، وَإِنَّ فِيَ الزُّهْدِ لَرَاحَةٌ، وَلِكُلِّ عَمَلِ جِزَاءٌ وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ)) .
وصية بذكرى لبيب واعتبار: قال رسول الله وَّ: ((أَمَا رَأَيْتَ المَأْخُوذِينَ عَلى الغرّةِ
المُزْعِجِينَ بَعدَ الطُّمأنينةِ الَّذِينَ أَقَامُوا على الشُّبُهَاتِ وَجَنَحُوا إلى الشَّهواتِ حَتَّى أَتَتْهُمْ رُسُلُ
رَبِّهِم فَلا ما كَانُوا أَملوا أَذْركُوا وَلا إلى ما فَاتَهم رَجِعُوا، قَدِمُوا عَلى ما عَمِلُوا وَنَدِمُوا على ما
خَلَّقُوا، وَلَمْ يُغْنِ النَّدَمُ وقد جَفَّ القَلَمُ، فَرَحِمَ الله امرأَ قَدَّمَ خَيْراً، وَأَنْفَقَ قَصْداً وَقَالَ صِدْقاً
وَمَلَكَ دَوَاعِي شَهَوَاتِهِ وَلَمْ تَمْلِكُهُ وَعَصى أَمْرَهُ نَفْسُهُ فَلَمْ تُهْلِكْهُ)) .
وصية وبيان: قال رسول الله وَله: ((أيُّها الناس: لا تُعْطُوا الحِكْمَةَ غَيْرَ أَهلِها فَتَظْلِموها،
وَلا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهم، وَلا تُعاقِبُوا ظَالِماً فَيَبْطُلَ فَضْلُكُم، وَلا تُرَاؤُوا النَّاسَ فَيَخْبِطَ
عملكم، ولا تَمْنَعُوا المَوْجُودَ فيقلّ خَيْرُكم، أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الأَشْيَاءَ ثَلاثَةٌ: أَمْرٌ اسْتبانَ رُشَدُهُ
فَاتَّبِعوه، وَأَمْرٌ اسْتَبَانَ غِيُّهُ فَاجْتَنِبُوه، وَأَمْرٌ اخْتَلَفَ عَلَيْكُمْ فَرُدُّوه إلى الله، أَيُّها النَّاسُ: أفلا

٣٧٣
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
أُنْبِئُكم بِأَمْرَيْنِ خَفِيفٌ مؤنتهما عَظِيمٌ أجْرُهما لَمْ يُلْقَ الله بِمِثْلِهما: الصَّمْتُ وَحُسْنُ الخُلُقِ)) .
وصية نبوية: قال رسول الله وَلَّ: إِنَّما يُؤْتِىِ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ إِحْدَى ثلاثٍ: إما مِنْ
شُبهةٍ في الدِّينِ ارتَكَبُوها، أَوْ شَهْوةٍ لِلذَّةِ أَثْروها، أَوْ غَضْبةٍ لِحَمِيَّةٍ أَعْمَلوها، فَإِذا لاحتْ لكم
شُبْهةٌ فَاجْلُوهَا بِاليَقِينِ، وَإِذا عَرَضَتْ لكم شَهْوَةٌ فَاقْمَعُوها بِالزُّهْدِ، وَإِذا عَنَتْ لكم غَضْبَةٌ
فَادْرؤوها بِالعَفْوِ، إِنَّه يُنادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ: مَنْ لَهُ أَجْرٌ علىِ اللهِ فَلْيَقُمْ فَيَقُومُ العافونَ عنِ
النَّاسِ، أَلَمْ تَرَ إلَى قوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
وصية فيها تذكرة غافل: قال رسول الله وَله: ((يَقُولُ الله تعالى: يَا ابْنَ آدَم تُؤْتَى كُلَّ يَوْم
بِرِزْقِكَ وَأَنْتَ تَحْزَنُ، وَيَنْقُصُ كُلُّ يَوْم مِنْ عُمُرِكَ وَأَنْتَ تَفْرَحُ، أَنْتَ فيما يَكْفِيكَ، وَأَنْتَ تَطْلُبُ
ما يُطْغِيكَ لا بِقليلٍ تَقْنِعُ وَلا مِنْ كَثِيرٍ تَشْبَعُ)).
وصية تحريض على الاتصاف بصفة يحمدها من عباده: قال رسول الله مَالله وقد قيل له :
يا رسول الله من أولياء الله الذين ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]؟ فقال:
((الَّذِينَ نَظَرُوا إلى باطنِ الدُّنيا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إلى ظَاهِرِها، وَاهْتَمُوا بِأَجَلِ الدُّنيا حِينَ اهْتَمَّ
الناسُ بِعاجِلِها، فَأَماتُوا منها ما خَشَوْا أن يُمِيتَهم، وَتَرَكُوا منها ما عَلِمُوا أَنْ سَيَتْرُكُهُمْ، فما
عَرَضَهُمْ مِنْ نَائِلها عَارِضٌ إلَّ رَفَضُوهُ، ولا خَادَعَهُم مِنْ رِفْعَتِها خَادِعٌ إلَّ وَضَعُوهُ، خَلِقَتِ الدُّنيا
عِنْدَهم فما يُجَدِّدُونِها، وَخَرَّبَتْ بَيْتَهُم فما يُعَمِّرُونِها، وَمَاتَتْ في صُدُورهم فَمَا يُخْيُونَها بَل
يَهْدِمُونها فَيَبْنُونَ بها آخِرَتَهُم وَيَبِيعُونَها فَيَشْتَرونَ بها ما يَبْقَى لَهُمْ، وَنَظِرُوا إلى أَهْلِها صَرْعَى قد
حلّت بهم المثلاتُ فما يَرونَ أماناً دُونَ ما يَرجونَ ولا خَوفاً دُونَ ما يَحْذَرُونَ)).
وصية أيضاً نبوية: قال رسول الله وَّه: ((إِنَّما أَنْتم خَلَفٌ مَاضين وَبَقِيَّةٌ مُتَقَدِّمين، كانوا
أَكْثَرَ مِنْكُم بَسْطَةً وَأَعْظَمَ سَطْوَةً، أُزْعِجُوا عنها أَسَكَنَ مَا كَانُوا إليها وَغَدَرَتْ بهم أَوْثق ما كَانُوا
بها فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُم قوّةُ عَشِيرةٍ ولا قُبِلَ منهم بَدَلُ فِذْيَةٍ، فَأَرْحِلُوا أَنْفُسَكُم بِزَادٍ مُبْلِغٍ قَبْلَ أَنْ
تُؤْاخَذُوا عَلىَ فَجْأَةٍ وَقَدْ غَفِلْتُم عنِ الاستعدادِ ولا يُغني الندمُ وقد جفّ القلمُ)) .
وصية بموعظة وذكرى: قال رسول الله وَلّر: ((كُنْ في الدّنيا كأنَّك غَرِيبٌ أو عابرُ سبيلٍ
وَعُدَّ نَفْسَكَ في الموتى، وَإِذا أَضْبحتَ فَلا تُحَدِّثْها بِالمساءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فلا تُحَدِّثْها بِالصَّبَاحِ،
وَخُذْ مِنْ صَخَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ شَبَائِكَ لِهَرَمِكَ، وَمِنْ فَرَاغِكَ لِشُغْلِكَ، وَمِنْ حَياتِكَ لِوَفَاتِكَ،
فَإِنَّكَ لا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَدا)).
وصية نبوية نافعة: قال رسول الله وَلَهُ: ((لا يَشْغَلَنَّكُم دُنْيَاكُمْ عَنْ آخِرَتِكُم، ولا تُؤثروا
أَهْوَاءَكم على طَاعَةِ رَبْكم، ولا تَجْعَلُوا إِيمانَكُم ذَرِيعةً لِمَعاصِيكُمْ، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُم قَبْلَ أَنْ
تُحَاسَبُوا، وَمَهْدوا لها قَبْلَ أَن تُعَذَّبُوا، وَتَزوّدوا للرحِيلِ قَبْلَ أن تزعجوا، فَإِنَّما هو مَوْقِفُ عَدْلٍ
وَاقْتِضَاءُ حَقِّ وَسُؤالٌ عَنْ وَاجِبٍ، وَلَقَدْ بَلَغَ في الإِعذارِ مَنْ تَقَدَّمَ في الإِنذارِ)).
وصية نبوية خبرية بما ينبغي أن يقبل عليه ويعرض عنه: قال رسول الله وَله: ((يَا أيها
النَّاسُ أقبلوا على ما كُلّفْتُمُوهُ مِنْ صلاحِ آخِرِتِكُمْ وَأَعْرِضُوا عمّا ضُمِنَ لَكُمٍ مِنْ أَمْرِ دُنياكم، وَلا
تَسْتَعْمِلوا جَوَارحاً غُذِيَتْ بِنِعْمَتِهِ في التعرّضِ لِسَخَطِهِ بمَعْصيتِهِ، وَاجْعَلُوا شُغْلَّكُمْ بِالْتِماسِ

٣٧٤
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
مَغْفِرَتِهِ، وَاصْرِفُوا هِمَمَكُم إلى التقرّبِ إليه بِطاعتِهِ، إنه من بَدَأْ بِنَصِيبِهِ مِنَ الدُّنْيَا فَاتَهُ نَصِيبُهُ مِنْ
الآخِرَةِ وَلا يُذْرِكُ منها ما يُرِيدُ، وَمَنْ بَدَأَ بنصيبه من الآخِرَةِ وَصَلَ إليه نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنيا وَأَدْرَكَ
مِنَ الآخِرَةِ ما يُرِيدُ)».
وصية نبوية فيما ينبغي أن يترك من الفضول: قال رسول الله وَالَ: «إِيَّاكُمْ وَفُضُولَ
المَطْعَم فإن فُضُولَ المَطْعَمِ يَسِمُ القَلْبَ بِالقَساوةِ وَيُبْطِىءُ بِالجِوارِحِ عن الطَّاعَةِ وَيُصِمُّ الهِمَمَ عَنْ
سَماع المَوْعِظَةِ، وَإِيَّكم وَّفُضُولَ النَّظَرِ فإنه يُبَذِّرُ الهَوَى وَيُولِّدُ الغَّقْلَةُ، وَإِيَّاكَ وَاسْتِشْعارَ الطَّمَعِ
فإنه يَشْرِبُ القَلْبَ شِدَة الحرصِ وَيَخْتِمُ على القُلُوبِ بِطابِعٍ حُبِّ الدُّنيا فَهُوَ مِفْتَاحُ كُلِّ سَيْئَةٍ
وَسَبَبِ إِحْبَاطِ كُلِّ حَسَنَةٍ)) .
وصية نبوية بما يرجى ويتقى: قال رسول الله ◌َّهَ: ((إِنَّما هُوَ خَيْرٌ يُرْجَى أو شَرِّ يُتَّقَى
وَبَاطِلٌ عُرِفَ فَاجْتُنِبَ وَحَقْ تُيُقْنَ فَطُلِبَ وَآخِرَةٌ أَظَلَّ إِقْبالهاَ فَسُعِيَ لها، وَدُنْيَا أُزِفَّ نَفَادُها
فَأُعْرِضَ عَنها، وَكَيْفَ يَعْمَلُ للآخِرَةِ مَنْ لا يَنْقَطِعُ عَنِ الدُّنيا رَغْبَتُهُ ولا تَنْقَضِي فيها شَهْوَتُهُ؟ إِنَّ
العَجَّبَ كُلَّ العَجَبِ لَمَنْ صَدَّقَ بِدَارِ البقاءِ وهو يسعى لِدارِ الفناءِ وَعَرَفَ أنَّ رِضا الله في طَاعَتِهِ
وَهُوَ يَسْعَى فِي مُخَالَفَتِهِ».
وصية نبوية: قال رسول الله وَّه: ((حَلُوا أَنْفُسَكُم بِالطَّاعَةِ وَأَلْبِسُوهَا قِنَاعَ المَخَافَةِ
وَاجْعَلُوا آخِرَتَكُم لأنْفُسِكُم وَسَعْيَكُمْ لِمُسْتَقَرَكم وَاعْلَمُوا أَنَّكُم عَنْ قَلِيلِ رَاحِلُونَ وَإِلى الله
صَائِرُونَ، وَلا يُغْنِي عَنْكُم هنالك إلاَّ صالِحُ عَمَلٍ قَدَّمْتُمُوهُ أَوْ حُسْنُ ثَوَابٍ حِزْتُمُوهُ، إِنَّكم إِنَّما
تُقْدِمُونَ على ما قدمتم وَتُجَازونَ على ما أَسْلَفْتُمَ، ولا تَخْدَعَنَّكُمٍ زَخَارِفُ دُنيا دَنِيَّةٍ عَنْ مراتبٍ
جناتٍ عليَّةٍ، فَكَأن قَدْ كُشِفَ القِنَاعُ وَارْتَفَعَ الازْتِيابُ، وَلَاقَى كَلِّ امْرىءٍ مستقرّهُ وَعَرَفَ مَثْواهُ
وَمَقِیلَهُ)) .
وصية نبوية في التحذير عن المكر والخداع: قال رسول الله وَالثّر: ((لا تَكُونُوا ممّن
خَدَعَتْهُ العَاجِلَةُ وَغَرَّتْهُ الأمنيةُ وَاسْتَهْوَتْهُ الخِدْعَةُ، فَرَكَنَ إلى دَارِ سَرِيعةِ الزَّوالِ وَشِيكةِ الانتقالِ،
إِنَّه لَمْ يَبْقَ مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ فِي جَنْبٍ ما مَضَى إلاَّ كَإِنَاخَةِ رَاكبٍ، أوَ صَرِّ حَالبٍ، فَعلَاَمَ تَعْرجونَ
وَماذا تَنْتَظِرُونَ؟ فَكَأَنْكُمْ وَاللهُ بِمَا قَدْ أَضِبَحْتُمْ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا كَّأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَمَا تَصِيرُونَ إِلَيهِ مِنَ
الآخِرَةِ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ، فَخُذُوا الْأَهْبَةَ لِأُزُوفِ النَّقْلَةِ، وَأَعِدُوا الزَّادَ لِقُرْبِ الرّحْلَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ
امْرِىءٍ عَلَى مَا قَدَّمَ قَادِمٌ وَعَلى مَا خَلَفَ نَادِمٌ» .
وصية نبوية في ذمَ انبساط الأمل ونسيان الأجل: قال رسول الله وَلّهِ: ((أَيُّهَا النَّاسُ بَسِيطُ
الأَمَلِ متقدم حُلُول الأَجَلِ وَالمَعَادُ مِضْمَارُ العَمَلِ، ومُغْتَبِطْ بِمَا اخْتَقَبَ غَانِمٌ وَمُبْتَئِسٌ بِمَا فَاتَهُ مِنَ
العَمَلِ نَادِمٌ، أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وَالبَأْسََ غِنَّى وَالقَتَاعَةَ رَاحَةٌ وَالعُزْلَةَ عِبَادَةٌ وَالعَمَلَ كَثْرٌ
وَالدُّنْيَا مَعْدِنٌ، وَالله مَا يَسُرّنِي مَا مَضَى مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ بِأَهْدَابِ بُرْدِي هَذَا وَلَما بَقِيَ مِنْهَا أَشْبَهُ
بِمَا مَضَى مِنَ المَاءِ بِالماءِ وَكُلُّ إِلَى نَفَادٍ وَشِيك وَزَوَالِ قَرِيبٍ، فَبَادِرُوا أَنْتُمْ فِي مَهَلِ الأَنْفَاسِ
وَحِدَّةِ الأخْلَاسِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذْ بِالكَظْمِ وَلا يُغْنِي النَّدَمُ)) .
وصية نبوية وتعريف: قال رسول الله وَّهِ: («تَكُونُ أُمَّتِي فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْبَاقٍ أَمَّا

٣٧٥
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
الطَّبَقُ الأَوَّلُ فَلا يَرْغَبُونَ فِي جَمْعِ المَالِ وَادَخَارِهِ وَلاَ يَسْعَوْنَ فِي اقْتَنَائِهِ وَاحْتِكَارِهِ إِنّمَا رِضَاهُمْ
مِنَ الدُّنْيَا سَدّ جَوْعَةٍ وَسَتْرُ عَورَةٍ وَّغِنَاهُمْ فِيهَا مَا بَلَغَ الآخِرَةَ فَأُولَئِكَ الذين ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وَأَمَّا الطَّبَقُ الثَّانِي: فَيُحِبُّونَ جَمْعَ المَالِ مِنْ أَطيَبٍ سَبِيلِهِ وَصَرْفِهِ فِي
أَحْسنِ وُجُوهِهِ يَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَهِمْ وَيَبِرُونَ بِهِ إِخوانَهُمْ وَيُواسُونَ بِهِ فُقَرَاءَهُمْ وَلَعَضٍُ أَحَدِهِمْ
عَلَى الَرّصِفِ أسْهَلُ عَلَيْهِ مِنْ أنْ يَكْسَبَ دِرِهَماً مِنْ غَيرِ حِلّه وَأَنْ يَضَعَهُ فِي غَيْرٍ وَجْهِهِ وَأَن يَمنعَهُ
مِنْ حقّهِ أَوْ أَنْ يَكُونَ خَازِناً لَهُ إِلَى حِينٍ مَوْتِهِ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ إِنْ نُوقشوا عُذِّبُوا وَإِنْ عُفِي عَنْهُمْ
سَلِمُوا، وأمّا الطَّقُ الثَّالثُ: فَيُحِبُّونَ جِمعَ المَالِ مِمّا حَلَّ وَحَرُمَ وَمَنْعَهُ مِمّا افْتُرِضَ أَوْ وَجَبَ،
إِنْ أَنَفَقُوهُ أنفقوهُ إِسْرَاناً وَبِدَاراً، وَإِنْ أَمْسَكُوهُ أَمْسَكُوهُ بُخلاً واحتِكَاراً، أولئِكَ الَّذِينَ مَلَكَتِ
الدُّنْيَا أَزِمَّةَ قُلُوبِهِمْ حَتَّى أَوْرَدَتْهُمُ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ)).
وصية نبوية في التحذير من ضعف اليقين وما أشبه ذلك: قال رسول الله وَ له: ((إنَّ مِنْ
ضَعْفِ اليقِينِ أَنْ تُرْضِي النَّاسَ بِسَخَطِ الله وَأَنْ تَحْمَدَهُم عَلَى رِزْقِ الله وَأَنْ تَذمّهُم عَلَى مَا لَمْ
يُؤْتِكَ الله، إِنَّ رِزْقَ الله لاَ يَجرُّهُ حِرْصُ حَرِيص وَلا يَرِدّهُ كَرَاهِيةُ كَارِهِ، إِنَّ الله تَبَارَكَ اسْمُهُ جَعَلَ
الرَّوحَ وَالفَرَحَ فِي الرَّضَى وَاليَقِينِ، وَجَعَلَ الهَمَّ وَالحُزْنَ فِي الشَّكْ وَالسَّخَطِ، إِنَّكَ لَمْ تَدَعْ شَيْئاً
تَقَرُّباً إلَى الله إِلاَّ أَجْزَلَ لَكَ الثَّوَابَ عَلَيْهِ، فَاجْعَلْ هَمَّكَ وَسَعْيَكَ لِآَخِرَةٍ لاَ يَنْفَدُ فِيهَا ثَوابُ
المَرْضِي عَنْهُ وَلاَ يَنْقَطِعُ فِيهَا عِقَابُ المَسْخُوطِ عَلَيْهِ)) .
وصية نبوية تحرض على أخلاق سنية مرضية: قال رسول الله وَله: ((لَيْسَ شَيْءٌ
يُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلاَّ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ لَكُمْ، ولاَ شَيْءٍ يُقَرّبُكُمْ مِنَ الجَنَّةِ إِلاَّ وَقَدْ دَلَلتُكُم عَلَيْهِ، إنَّ
رُوحَ القِدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهِ لَنْ يَمُوتَ عَبْدٌ حَتَى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلاَ
يَحْمِلَّنكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرّزْقِ عَلَّى أَنْ تَطْلبُوا شَيْئاً مِنْ فَضْلِ الله بِمَعْصِيتِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُنَالُ مَا عِنْدَ الله إلاَّ
بِطَاعَتِهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ امرىءٍ رِزْقاً هُو يأتِيهِ لاَ مَحَالَةَ، فَمَنْ رَضِيَ بِهِ بُورِكَ لَهُ فَوَسِعَهُ، وَمَنْ لَمْ
يَرْضَ بِهِ لَمْ يُبَارَكُ لَهُ فِيهِ وَلَم يَسَعْهُ، إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الرَّجُلَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ)).
وصية نبوية مفصلة: قال رسول الله وَ ل﴿: ((إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلاءِ وَمَنْزِلُ قَلْعَةٍ وَعَنَاءٍ، قَدْ
نُزِعَتْ عَنْهَا نُفُوسُ السُّعَدَاءِ، وَانْتُزِعَتْ بالكُرِهِ مِن أَيَدِي الأشْقِيَاءِ، وَأَسْعَذَ النَّاسِ بِها أَرْغَبُهُم
عَنْهَا وَأَشْقَاهُم بِها أَرْغَبُهم فِيها، هَي الغَاشَّةُ لِمَنِ انْتَصَحَهَا، والمُغْوِيَةُ لِمَنْ أَطَاعَهَا، وَالخَائِرةُ
لِمَنْ انقَادَ لَهَا، وَالفَائِزُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا، وَالَالِكُ مَنْ هَوَى فِيها، طُوبَى لِعَبْدِ اتَّقَى فِيهَا رَبَّهُ
وَنَاصَحَ نَفْسَهُ وَقَدَّمَ تَوَبَتَهُ وَأَخَرَ شَهْوَتَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْفِظَهُ الدُّنيا إلى الآخرةِ فَيُصْبِحَ فِي بَطْنِ
مُوحِشَةٍ غَبْرَاء مُدْلَهِمَّةٍ ظلِماً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزِيدَ فِي حَسَنَةٍ وَلاَ يَنْقُصَ مِنْ سَيئةٍ. ثُمَّ يُنْشَرُ فَيُحْشَرُ
إِمَّا إِلى جَنَّةٍ يَدُومُ نَعِيمُهَا أَوْ نَارِ لاَ يَنْفَكُّ عَذَابُهَا)) .
وصية نبوية في الأهبة للرحلة: قال رسول الله وَّ: ((شَمِرُوا فَإِنَ الأَمْرَ جَدٍّ، وَتَأْهَبُوا فَإنَّ
الرَّحِيلَ قَرِيبٌ، وَتَزْوَدُوا فَإِنَّ السَّفَرَ بَعِيدٌ، وَخَفِفُوا أَثْقَالَكُم فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ عَقَبَةٌ كَؤُودٌ لاَ يَقْطَعُهَا إلاَّ
المُخَفِّفُونَ. أَيُّها النَّاسُ: إِنَّ بِيْنَ يَدَي السَّاعَةِ أُمُوراً شِدَاداً وَأُهوالاَ عِظَاماً وَزَماناً صَعْباً، تَتَمَلَّكُ
فِيهِ الظَّلَمَةُ وتَتَصَدَّرُ فِيهِ الفَسَقَةُ، فَيُضْطَهَدُ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيُضَامُ النَّهونَ عَنِ المُتْكَرِ،

٣٧٦
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
فَأَعِدوا لِذَلِكَ الإِيْمَانَ وَعَضُوا عَلَيهِ بِالنَّواجِذِ، والجؤوا إِلى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَأَكْرِهُوا عَلَيْه
النَّفُوسَ، وَاصْبِرُوا عَلَى الضَّراءِ تُفْضُوا إِلى النَّعِيمِ الدَّائِم)) .
وصية نبوية وترغيب: قال رسول الله وَالَ: ((ارْغَبْ فِيمَا عِنْدَ الله يُحِبّكَ الله، وَازْهَدْ فِيمَا
فِي أَنْدِي النَّاسِ يُحِبّكَ النَّاس، إِنَّ الزَّاهِدَ فِي الدَّنْيا يَرْبَحُ قَلْبُهُ وَبَدَنُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، لِيَجِيبَنَّ
أقْوَامٌ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُمْ حَسَنَاتٌ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيُؤْمَرُ بِهِم إِلى النَّارِ فَقِيلَ: يَا نَبِيّ الله أَيُصَلُّونَ؟
قَالَ: كَانُوا يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَأْخُذُونَ وَهْناً مِنَ اللَّيْلَ لَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا لاَحَ لَهُمْ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا
وَثَبُوا عَلَيْهِ)).
وصية نبوية تحرض على صفات سنية: قال رسول الله وَالَرَ: ((أَيُّها النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الدَّارَ
دَارُ التِوَاءِ لاَ دَارُ اسْتِوَاء، ومَنْزِلُ تَرَحِ لاَ مَنْزِلُ فَرَحِ، فَمَنْ عَرَفَهَا لَمْ يَفْرَحْ لِرَخَاء وَلَمْ يَحْزَنْ
لِشَقَاء، أَلاَ وَإِنَّ الله خَلَقَ الدُّنْيَاَ دَارَ بَلَوَى وَالآخِرَةَ دَّارَ عُقْبَى، فَجَعَلَ بَلْوَى الدُّنْيا لِثَوَابِ الآخِرَةِ
سَبَباً وَثَوابَ الآخِرَةِ مِنْ بَلْوَى الدّنْيَا عِوَضَاً، فَيَأْخُذُ لِيُعْطِي وَيَبْتَلِي لِيَجْزِي، وَإِنهاَ لَسرِيعَةُ
الذَّهَابِ وَشِيكَةُ الانقلاب، فاحْذَرُوا حلاوَةَ رضاعها لمرارَةِ فِطَامِها، واهْجُرُوا لذيذ عاجِلها
الكَرِيهِ آجِلِها، وَلاَ تَسْعَوا فِي عُمْرَانِ دَارٍ قَدْ قَضَى خِرَابَها وَلاَ تُواصِلُوهَا وَقَدْ أَرَادَ الله مِنْكُمُ
اجْتِنَابَهَا، فَتَكُونُوا لِسُخْطِهِ مُتَعَرَضِينَ وَلِعُقُوبَتِهِ مُسْتَحِقِينَ)).
وصية نبوية بما يرضي الله من الأخلاق: قال رسول الله وَله: ((أَيُّها النَّاسُ اتَّقُوا الله حَقَّ
تَقَاتِهِ وَاسْعَوْا فِي مَرْضَاتِهِ، وَأَنْقِنُوا مِنَ الدُّنْيَا بِالفَنَاءِ وَمِنَ الآخِرَةِ بِالبَقَاءِ، وَاعْمَلُوا لِمَا بَعْدَ
المَوْتِ، فَكَأَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ، وَكَأَنَّ الآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ. أَيَّها النَّاسُ إِنَّ مَنْ فِي الدّنْيَا ضَيْفٌ وَمَا فِي
يَدِهِ عَارِيَة وَإِنّ الضَّيْفَ مُرْتَحِلٌ، وَالعَارِيَةَ مَرْدُودَةٌ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا البرُ
وَالفَاجِرُ، وَالآخِرَةُ وَعْدٌ صَادِقٌ يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، فَرَحِمَ اللهِ امْرَأَ نَظَرَ لِنَفْسِهِ وَمَهْدَ لِرَمْسِهِ،
مَا دَامَ رَسَنُهُ مُرْخَى وَحَبْلُهُ عَلَى غَارِبِهِ مُلقَى، قَبْل أَنْ يَنْقِدَ أَجَلُهُ فَيَنْقَطِعَ عَمَلُهُ)).
وصية أيضاً نبوية: قال رسول الله وَّر: ((إِنّ الدّنْيَا قَد ارْتَحَلَتْ مُذْبِرَةً وَالآخِرَة قَدْ تَجَمَّلَتْ
مُقْبَلَةً، أَلاَ وَإِنَّكُمْ فِي يَومٍ عَمَلٍ لَيْسَ فِيهِ حِسَابٌ، وَيُوشِكُ أَنْ تَكُونُوا فِي يَوْمِ حِسَابٍ لَيْسَ فِيهِ
عَمَلٌ، وَإِنَّ اللهَ يُعْطِي الدُّنْيا مَنْ يُحِبُّ وَيَبْغُضُ، وَلاَ يُعْطِي الآخِرَةَ إِلَّ مَنْ يُحِبُ، وَإِنَّ لِلدُّنْيَا
أَبْنَاءَ وَلِلْآخِرَةِ أَبْنَاءً، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، إِنَّ شَرّ مَا أَتَخَوَّفُ
عَلَيْكُمْ اتَّبَاعُ الهَوَى وَطُولُ الأَمَل، فَاتْبَاعُ الهَوَى يَصْرِفُ بِقُلُوبِكُمْ عَنِ الحَقْ، وَطُولُ الأَمَلِ
يَصْرِفُ هِمَمَّكُمْ إِلَى الدُّنْيَا وَمَا بَعْدَهُمَا لِأَحَدٍ خَيْرٌ مِنْ دُنْيَا وَلاَ آخِرَةٍ».
وصية نبوية بموعظة تذكر الموت وتؤذن بالرحيل: قال رسول الله وَلّ: ((مَا مِنْ بَيْتٍ إلاَّ
وَمَلَكُ المَوتِ يَقِفُ عَلَى بَابِهِ فِي كُلِّ يَومٍ خَمْسَ مَرّاتٍ، فَإِذَا وَجَدَ الإنْسَانَ قَدْ نَفَدَ أُكُلُهُ وَجَاءَ
أَجَلُهُ أَلْقَى عَلَيْهِ غَمَّ المَوتِ فَغَشِيَتْهُ كَرَبَّاتُه وَغَمَرَتْهُ عَكَرَاتُه، فَمَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّاشِرَةُ شَعْرَهَا
وَالضَّارِبَةُ وَجْهَهَا وَالْبَاكِيَةُ لِشَجْوِهَا وَالصَّارِخَةُ بِوَيلِهَا فَقُولُ مَلَكُ المَوتِ عَلَيْهِ السَّلامِ: وَيْلَكُمٍ
مِمَ الفَزَعُ وَفِيمَ الجَزَعُ؟ مَا أَذْهَبْتُ لِوَاحِدٍ مِنْكُم رِزْقاً وَلاَ قَرَّبْتُ لَهُ أَجَلاَ وَلا أَتَيْتُهُ حَتَّى أُمِرْتُ وَلاَ

٣٧٧
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
قَبْضْتُ رُوحَهُ حَتَّى أَسْتَأْمَرْتُ، وإِنَّ لِي فِيكُم عَودَةً ثُمّ عَودَةً ثُمّ عَودَةً حَتَّى لاَ أُبْقِي مِنْكُمْ أحَداً.
قال النبيّ وََّ: فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه لَوْ يَرَونَ مَكَانَهُ وَيَسْمَعُونَ كَلاَمَهُ لَذُهِلُوا عَنْ مَيتِهِم
وَلَبَكُوا عَلَى نُفُوسِهِم حَتَّى إِذَا حُمِلَ المَيتُ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَ رُوحُه فَوْقَ النَّعْشِ وَهُو يُنَادِي: يَا
أَهْلِي وَيَا وَلَدِي لاَ تَلْعَبَنَّ بِكُم الدُّنيا كَمَا لَعِبَتْ بِي جَمَعْتُ المَالَ مِنْ حِلْهِ وَمِنْ غَيْرِ حِلْهِ ثُمَّ
خَلَّقْتُّه لِغَيرِي فَالمَهْنَةُ لَهُ والتَّبِعَةُ عَلَيّ فَاحْذَرُوا مِثْلَ مَا حَلّ بِي)).
وصية من زاهد تحوي على فوائد: روينا عن الشبلي أنه قال في وصيته: إن أردت أن
تنظر إلى الدنيا بحذافيرها فانظر إلى مزبلة فهي الدنيا، وإذا أردت أن تنظر إلى نفسك فخذ كفاً
من تراب فإنك منها خلقت وفيها تعود، ومتى ما أردت أن تنظر ما أنت فانظر إلى ما يخرج
منك في دخولك الخلاء، فمن كان حاله كذا فلا يجوز له أن يتطاول أو يتكبر على من هو
مثله. وقال بعضهم: من كانت همته ما يدخله في جوفه فقيمته ما يخرج منه. وكتب إبراهيم
بن أدهم إلى أخ له: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله من لا تحل
معصيته ولا يرجى غيره ولا يدرك الغنى إلاَّ به فإنه من استغنى عزّ وشبع وروى وانتقل عندما
أبصر قلبه عمّا أبصرت عيناه من زهرة الدنيا فتركها وجانب شبهها، فارض بالحلال الصافي
منها أي ما لا بدّ منه من كسرة يشدّ بها صلبه، وثوب يواري به عورته. وأغلظ ما يجده
وأخشنه والسلام. وقال رسول الله وَّ: ((حَسْبُ ابنِ آدمَ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ)) وروي أن عمر
بن عبد العزيز رضي الله عنه جيء إليه قبل الخلافة بحلة بثلاثة ألف درهم فاستحسنها، ثم
جيء إليه في خلافته بثوب ليشتريه فيلبسه بثلاثة دراهم فقال: عسى خشن من هذا فإن هذا
رقيق. فانظر يا أخي أين هذا من ذاك رضي الله عنه. مثل هذا يلي أمور عباد الله. وكتب ابن
السماك إلى أخ له وقد سأله أن يصف له الدنيا: أما بعد فإن الله حفها بالشهوات ثم ملأها آفات
مزج حلالها بالرزيات وحرامها بالتبعات فحلالها حساب وحرامها عقاب.
وصية مختار بإجارة من استجار: كتب إلينا أبو حفص عمر بن عبد المجيد من روايته :
أن الله تعالى نادي موسى بن عمران: لا تخيب من قصدك، وأجر من استجار بك. قال:
فبينما موسى عليه السلام في سياحته إذا بجارح يطرد حمامة فلما رآه الحمام نزل على كتفه
مستجيراً به، ونزل الجارح على الكتف الآخر، فلما همّ به الجارح نزل الحمام على كمّه فناداه
الجارح بلسان فصيح: يا ابن عمران إني قاصدك فلا تخيبني ولا تحل بيني وبين رزقي، وناداه
الحمام: يا ابن عمران إني أنا مستجير بك فأجرني، فقال موسى: ما أسرع ما ابتليت به، ثم
مد يده ليقطع من فخذه قطعة للجارح وقاء لهما وحفظاً لما عهد إليه فيهما فقال له: يا ابن
عمران أنا رسول ربك أرسلني إليك ليرى صحة ما عهد إليك: [الطويل]
إذا أنت لم تَفْعَلُ فما أنت سَامِعُ
أيا سَامِعاً ليس السَّمَاعُ بنَافِعِ
فما أنت في يوم القيامة صَانِعُ
إذا كُنْتَ في الدنيا عن الخَيْرِ عاجزاً

٣٧٨
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
وكان ابن السماك يقول: لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض، وكن اليوم
مشغولاً بما أنت عليه مسؤول غداً، وإياك والفضول فإن حسابها يطول: [البسيط]
أن الذي هو رِزْقي سوف يَأْتيني
إني عَلِمْتُ وخَيْرُ العِلْم أنْفَعُهُ
ولو قعدتُ أتاني لا يُعَيِّيني
أَسْعَى له فيُعْچِينِي تَطَلُّبُهُ
وصية تتضمن علامة باقتراب القيامة: قال علي بن أبي طالب: سئل رسول الله وَل عن
أشراط الساعة فقال: ((إذا رأيت الناسَ قد ضَيَّعوا الحَقّ، وأماتوا الصلاة، وأكثروا القذف،
واستحَلّوا الكذبَ، وأخذوا الرشوة، وشَيَّدوا البنيانَ، وأعْظَمُوا أرباب الأموال، واسْتَعْمِلُوا
السفهاء واستحلّوا الدماء، فصار الجاهل عندهم ظريفاً والعالم ضعيفاً، والظلم فخراً
والمساجد طرقاً، وتكثر الشرط، وحليت المصاحف، وطولت المنارات، وخربت القلوب من
الدين، وشربت الخمور، وكثر الطلاق وموت الفجأة، وفشا الفجور وقول البهتان، وحلفوا
بغير الله، وائتمن الخائن، وخان الأمين، ولبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، فعندها قيام
الساعة)) هذا حديث حسن.
وصية بالتأهب للموت بموعظة في رؤيا: كان أمير المؤمنين المنصور ذات ليلة نائماً
فانتبه مرعوباً ثم عاود النوم فانتبه كذلك فزعاً مرعوباً ثم راجع النوم فانتبه كذلك فقال: يا ربيع
قال الربيع قلت: لبيك يا أمير المؤمنين قال: لقد رأيت في منامي عجباً قال: ما رأيت جعلني
الله فداك؟ قال: رأيت كأن أتياً أتاني فهينم بشيء لم أفهمه فانتبهت فزعاً ثم عاودت النوم
فعاودني يقول ذلك الشيء ثم عاودني بقوله حتى فهمته وحفظته وهو : [الطويل]
وعَرَى منه أهْلُهُ ومَنَازِلُهْ
كأني بهذا القَصْرِ قد بَادَ أهْلُهُ
إلى جَدَثٍ تُبْئَى عليه جَنَادِلُهْ
وصار رئيسُ القَوْم من بعد بَهْجَةٍ
وما أحسبني يا ربيع إلاَّ قد حانت وفاتي وحضر أجلي، ومالي غير ربي، قم فاجعل لي
غسلاً ففعلت فقام فاغتسل وصلَّى ركعتين وقال: أنا عازم على الحج فهيىء لنا آلة الحج
فخرجنا وخرج حتى إذا انتهى إلى الكوفة ونزل النجف فأقام أياماً ثم أمر بالرحيل فتقدمت
نوابه وجنده وبقيت أنا وهو بالقصر وشاكريته بالباب فقال لي: يا ربيع جئني بفحمة من
المطبخ وقال لي: اخرج وكن مع دابتي إلى أن أخرج فلما خرج وركب رجعت إلى المكان
أطلب شيئاً فوجدت قد كتب على الحائط بالفحمة: [مجزوء الرجز]
وطُولُ عَيْشِ ما يَضُرّة
المَرْءُ يَهْوَى أن يعيش
بعد حُلْوِ العَيْشِ مُرُّهْ
تَفْنَى لذاذتُهُ ويبقى
ما يرى شيئاً يَسُرُّهْ
وتُصَرَّفُ الأيامُ حتى
وقائل الله دَرُّهْ
كم شامتٍ بي إن هلكتُ
وصية باعتراف عارف في أشرف المواقف: وقف مطرف وبكر بن عبد الله بعرفة
والفضيل بن عياض فقال مطرف: اللهم لا تردهم اليوم من أجلي، وقال بكر: ما أشرفه من

٣٧٩
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
موقف وأرضاه لأهله لو لا أني فيهم، ورفع الفضيل رأسه إلى السماء وقد قبض على لحيته
وهو يبكي بكاء الثكلى ويقول: واسوأتاه منك وإن عفوت.
تنبيه على الحياء من الله: روينا عن الشيخ عبد الرحمن ابن الأستاذ في كتاب ابن باكويه
الشيرازي عن أبي الأديان قال: ما رأيت خائفاً إلاَّ رجلاً واحداً كنت بالموقف فرأيت شاباً
مطرقاً منذ وقف الناس إلى أن سقط القرص فقلت: يا هذا أبسط يديك بالدعاء فقال لي: ثم
وحشة، فقلت له: هذا يوم العفو من الذنوب، قال: فبسط يده ففي بسطه يديه وقع ميتاً.
وصية نبوية بالصدقة: قال رسول الله وَ لجر: ((أَتَى سائلٌ امرأةً في فَمِها لُقْمَةٌ فَلَفَظَتْها
فَنَاوَلَتْها إِيَّاهُ فَلَمْ تَلْبَثْ أنْ رُزِقَتْ غُلاماً فَلَمَّا تَرَغْرَعَ جَاءَ ذِئبٌ فَاخْتَمَّلَهُ فخرجت تَعْدُو فِي أَثَرِ
الذّئبٍ وَهِيَ تَقُولُ: ابني ابني فأمر الله مَلَكاً الْحَقِ الذئبَ فَخُذْ الصَّبِيَّ مِنْ فِيهِ وَقُلْ لِأُمّه: إِنَّ اللهَ
يُقْرئكِ السلامَ وَقُلْ: هذه لُقْمَةٌ بِلُقْمَةٍ».
وصية بر بحضور مجالس الذكر: قال عمار بن الراهب: رأيت مسكينة الطفاوية في
منامي بعد موتها فقلت: مرحباً يا مسكينة مرحباً فقالت: هيهات يا عمار ذهبت المسكنة وجاء
الغنى الأكبر، قلت: هيه قالت: ما تسأل عمّن أبيح لها الجنة بحذافيرها تظل فيها حيث تشاء،
قال قلت: وبم ذاك؟ قالت: بمجالس الذكر والصبر على الحق، قال عمار: وكانت تحضر
معنا مجلس عيسى بن زادان بالإبلة تنحدر من البصرة حتى تأتيه قاصدة قال عمار قلت : يا
مسكينة فما فعل عيسى بن زادان رحمه الله؟ قال: فضحكت وقالت: [الخفيف]
بالأباريق حوله الخُدَّامُ
قد كُسي حُلَّةَ البَهَاء وطافتْ
فَلَعَمْري لقد بَرَاكَ الصِّيَّامُ
ثم حُلْي وقيل يا قارىء أقرا
وصية: ونصيحة كتبت بها إلى السلطان الغالب بأمر الله كيكاؤس صاحب بلاد الروم
بلاد يونان رحمه الله جواب كتاب كتب به إلينا سنة تسع وستمائة : بسم الله الرحمن الرحيم،
وصل الاهتمام السلطاني الغالب بأمر الله العزي أدام الله عدل سلطانه إلى والده الداعي له
محمد بن العربي فتعين عليه الجواب بالوصية الدينية والنصحية السياسية الإلهية على قدر ما
يعطيه الوقت ويحتمله الكتاب إلى أن يقدر الاجتماع ويرتفع الحجاب، فقد صحّ عن رسول
الله ◌ََّ أنه قال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) قَالُوا: لمن يا رسول الله؟ فقال: ((لله وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ
المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) وأنت يا هذا بلا شك من أئمة المسلمين وقد قلدك الله هذا الأمر وأقامك
نائباً في بلاده ومتحكماً بما توفق إليه في عباده، ووضع لك ميزاناً مستقيماً تقيمه فيهم،
وأوضح لك محجة بيضاء تمشي بهم عليها وتدعونهم إليها، على هذا الشرط ولاك وعليه
بايعناك، فإن عدلت فلك ولهم وإن جرت فلهم وعليك، فاحذر أن أراك غداً بين أئمة
المسلمين من أخسر الناس ﴿ أَعْمَلَا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْهُمْ فِى الْخَيَوِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَخْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾
[الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] ولا يكون شكرك لما أنعم الله به عليك من استواء ملكك بكفران النعم
وإظهار المعاصي وتسليط الثواب السوء بقوّة سلطانك على الرعية الضعيفة فإن الله أقوى

٣٨٠
الباب الموفي ستين وخمسمائة/ في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك والواصل ...
منك، فيتحكمون فيهم بالجهالة والأغراض وأنت المسؤول عن ذلك، فيا هذا قد أحسن الله
إليك وخلع خلع النيابة عليك، فأنت نائب الله في خلقه وظلّه الممدود في أرضه، فأنصف
المظلوم من الظالم، ولا يغرنك أن الله وسع عليك سلطانك وسوى لك البلاد ومهدها مع
إقامتك على المخالفة والجور وتعدي الحدود، فإن ذلك الاتساع مع بقائك على مثل هذه
إقامتك على المخالفة والجور وتعدي الحدود، فإن ذلك الاتساع مع بقائك على مثل هذه
الصفات إمهال من الحق لا إهمال، وما بينك وبين أن تقف على أعمالك إلاَّ بلوغ الأجل
المسمّى، وتصل إلى الدار التي سافر إليها أباؤك وأجدادك، ولا تكن من النادمين فإن الندم في
ذلك الوقت غير نافع، يا هذا ومن أشدّ ما يمرّ على الإسلام والمسلمين وقليل ما هم رفع
النواقيس والتظاهر بالكفر وإعلاء كلمة الشرك ببلادك ورفع الشروط التي اشترطها أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذمة من أنهم لا يحدثون في مدينتهم ولا
ما حولهم كنيسة ولا ديراً ولا قليه ولا صومعة راهب، ولا يجددون ما خرب منها، ولا
يمنعون كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يأوون جاسوساً ولا
يكتمون غشاً للمسلمين ولا يعلمون أولادهم القرآن ولا يظهرون شركاً ولا يمنعون ذوي
قرباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا
الجلوس، ولا يتشبهون بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا
فرق شعر، ولا يتسمون بأسماء المسلمين ولا يتكنون بكناهم، ولا يركبون سرجاً ولا يتقلدون
سيفاً، وأن لا يتخذوا شيئاً من سلاح، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمور،
وأن يجروا مقام رؤوسهم وأن يلزموا زيّهم حيث ما كانوا، وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم
ولا يظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في طريق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم
ولا يضربوا بالناقوس إلاّ ضرباً خفياً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من
حضرة المسلمين، ولا يخرجوا سعايين، ولا يرفعوا مع أمواتهم أصواتهم، ولا يظهروا النيران
معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، فإن خالفوا شيئاً ممّا شورطوا
عليه فلا ذمّة لهم، وقد حلّ للمسلمين منهم ما يحلّ من أهل المعاندة والشقاق، فهذا كتاب
الإمام العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد ثبت عن رسول الله وَليل أنه قال: ((لا تُبْنَى
كَنِيسَةٌ فِي الإسْلامِ وَلا يُجَدَّدُ ما خَرِبَ مِنْهَا)) فتدبر كتابي ترشد إن شاء الله ما لزمت العمل به
والسلام. ثم أوقعت له بشعر عملته في الوقت أخاطبه به وهو: [الطويل]
فأنت لهذا الدِّين ◌ِزٌّ كما تُدْعَى
إذا أنْتَ أعْزَزْتَ الهُدَى وَتَبِعْتَهُ
وإن أنت لم تَحفلْ به وأهَنْتَهُ
فلا تأخُذِ الألقابَ زُوراً فإنكم
يقال لعزّ الدين أعزَزْتَ دِينَهُ
فإن شهد الدينُ العزيزُ بعِزّكم
وإن قال دين الله كنت بملكه
فأنت مُذِلُّ الدِّينِ تَخْفُضُهُ وَضْعًا
لتُسْأَلُ عنها يوم يَجْمَعُكُمْ جَمْعًا
ويسأل دين الله عن عزّكم قَطْعا
تَكُنْ مع دين الله في عزّهِ شَفْعَا
ذليلاً وأهلي في ميادينه صَرْعَى