Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ثم قال: ((أَبْدَأُ بما بَدَأ الله به))، فبدأ بالصفا وهذا
عين ما أمرتك به لإزالة حيرة التخيير ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ومن ذلك المعارف في العوارف من الباب ٤٠١ قال: عطايا الحق كلها عند العارف إنما
هي معارف بالله جهلها غير العارف وعرفها العارف. وقال: ما عرفها العارف دون غيره إلاَّ لكونه
أخذها من يد الله لما سمع الله يقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] و﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]. وقال: عوارف الحق مننه ونعمه على عباده فما أطلعك منها على
شيء إلاَّ ليردك ذلك الشيء منك إليه فهو دعاء الحق في معروفه لما رأى عندك من الغفلة عنه
فتحبب إليك بالنعم. وقال: عطايا الحق كلها نعم إلاَّ أن النعم في العموم موافقة الغرض.
ومن ذلك إثبات الحكم من غير علم من الباب ٤٠٢ قال: ثبت بالشرع المطهر حكم
الحاكم بالشاهد واليمين، وقد تكون اليمين فاجرة والشهادة زوراً فلا علم مع ثبوت الحكم.
وقال: الحاكم مصيب للحكم فهو صاحب علم لأن الله ما حكم إلاَّ بما علم وهو الذي شرع
له أن يحكم فيما غلب على ظنّه فهو عنده غلبة ظن وعند الله علم. وقال: الحاكم من ولاه الله
الحكم من غير طلب ومن أخذه عن طلب فما هو حاكم الله وهو مسؤول. وقال: قال
النبي وَّ: ((إِنَّا لاَ نُوَلِّ أَمْرَنَا هُذَا مَنْ طَلَبَهُ)) بمثل هذا ثبتت خلافته، والخلافة أمر زائد على
الرسالة فإن الرسالة تبليغ والخلافة حكم بقهر. وقال: تولية الوالي بعد موته نيابة ما هي
ولاية، ومن ولاه الناس فهي ولاية الحق وهو الخليفة الإلهيّ فكن عتيقياً أو عثمانياً ولا تكن
عمرياً فيما فعل فإنه ترك الأمر شورى.
ومن ذلك التساوي في المناوي من الباب ٤٠٣ قال: من ناواك فهو عند نفسه قد
ساواك وقد لا يكون له هذا المقام. وقال: إذا ابتلاك الحق بضرّ فاسأله رفعه عنك ولا تقاومه
بالصبر عليه، وما سمّاك إلاَّ لكونك حبست نفسك عن سؤال غير الحق في كشف الضر الذي
أنزله بك. وقال: ما قصّ عليك أمر أيوب عليه السلام إلاَّ لتهتدي بهداه إذا كان الرسول سيد
البشر يقال له: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُّ فَبِهُدَئُهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] فما ظنك بالتابع؟ وقال:
جاع بعض العارفين فبكى فقيل له في ذلك فقال: إنما جوّعني لأبكي هذا هو العارف.
ومن ذلك من أنصف لم يتصف من الباب ٤٠٤ قال: المحقق لا صفة له لأن الكل لله
فلا تقل إن الحق وصف نفسه بما هو لنا ممّا لا يجوز عليه فهذا سوء أدب، وتكذيب الحق
فيما وصف به نفسه بل هو عند العارف الأديب صاحب تلك الصفة من غير تكييف، فالكل
صفات الحق وإن اتصف بها الخلق فهي مستعارة ما هو فيها بطريق الاستحقاق عند
المحجوب بالطريق التي لا تجوز على الحق، وما عرف المسكين أن الذي لا يجوز على
الحق إنما هي تلك النسبة التي نسبتها بها إلى الخلق لا عين الصفة. وقال: ما ثم صفة إلاَّ
إلهية وهي للمخلوق معارة كما أنه معار في الوجود. وقال: نحن عندنا ودائع الله أودعنا إيانا
فمتى ما طلب ودائعه رجعنا إليه إذ نحن عين الودائع، فافهم من أودع ومن استودع وما
الوديعة .

١٨٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك من لا يقله مكان لا يقيده زمان من الباب ٤٠٥ قال: كل من شأنه الحصر
فالظروف تحويه وإن جهل. وقال: أين قوله وَيّ: ((إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً)) وذكرها من
قوله أو استأثرت به في علم غيبك، ولا أحصي ثناء عليك، وما الثناء عليه إلاَّ بأسمائه، فمن
حيث ما هي دلائل عليه فهو محصور لكل اسم اسم فإنه يدل عليه وعلى المعنى الذي جاء
له. وقال: كما لا يلزم من الفوق إثبات الجهة كذلك لا يلزم من الاستواء إثبات المكان .
وقال: العارف كما لا يزيد في الرقم لا يزيد في اللفظ بل يقف عندما قيل من غير زيادة وهي
العبادة .
ومن ذلك الإنسان رداء الرحمن من الباب ٤٠٦، قال: ما تردّى الرحمن برداء أحسن
من الإنسان ولا أكمل لأنه خلقه على صورته وجعله خليفة عنه في أرضه ثم شرع له أن
يستخلفه على أهله. وقال: لولا أن الحق أعطاه الاستقلال بالخلافة ما قال له عن نفسه تعالى
آمراً: ﴿فَتَّخِذْهُ وَّكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ولا قال له وََّ: ((أَنْتَ الخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ وَالصَّاحِبُ فِي
السَّفَرِ)) وهو وََّ القائل: ((إِنَّ الله أَدَّبَنِي فَأَحْسَنَ أَدَبِي)) وقال: الرداء للتجمل فله الجمال فلا
أجمل من الإنسان إذا كان عالماً بربه. وقال: العالم عند الجماعة هو إنسان كبير في المعنى
والجرم يقول الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] فلذلك قلنا في المعنى وصدق، وما نفى العلم عن الكل وإنما
نفاه عن الأكثر والإنسان الكامل من العالم وهو له كالروح لجسم الحيوان وهو الإنسان
الصغير، وسمّي صغيراً لأنه انفعل عن الكبير وهو مختصره لأن كل ما في العالم فيه فهو وإن
صغر جرمه ففيه كل ما في العالم.
ومن ذلك مزلة الأقدام في بعض أحكام العقول والأحلام من الباب ٤٠٧ قال: العارف
من عبد الله من حيث ما شرع لا من حيث ما عقل من طريق النظر. وقال: العقل قيد موجده
والشرع والكشف أرسله وهو الحق. وقال: للهوى في العقل حكم خفي لا يشعر به إلاَّ أهل
الكشف والوجود. وقال: أثر الأوهام في النفوس البشرية أظهر وأقوى من أثر العقول إلاَّ من
شاء الله. وقال: من رحمة الله بنا أنه رفع عنا المؤاخذة بالنسيان والخطأ وما نحدث به أنفسنا
فلو أخذنا بما ذكرنا لهلك الناس. وقال: ما سميت العقول عقولاً إلاَّ لقصورها على من عقلته
من العقال فالسعيد من عقله الشرع لا من عقله غير الشرع.
ومن ذلك من أحب اللقاء اختار الفناء على البقاء من الباب ٤٠٨ قال: من أحب
الموت أحب لقاء الله فإن أحدنا لا يرى الله حتى يموت بهذا جاء الخبر الصادق. وقال: من
مات في حياته الدنيا فهو السعيد الخاص وقال: لقاء الحق على الشهود فناء. وقال: انظر إلى
حكمة الشارع في حديث الدجال في قوله: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَرَى رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ)) يعني هذا
الموت المعهود الذي يعرفه الناس وهو خروج الروح من جسم الحيوان فيزول عنه التكليف.
وقد عرفنا أنا نرى ربنا يوم القيامة إذا بعثنا فما رأيناه إلاّ بعد موتنا عن هذه الحياة الدنيا وهذا
من جوامع الكلم الذي أعطاه الله، وإنما نبهنا على هذا لئلا يقول القائل لا نرى الحق إلاَّ بعد

١٨٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
مفارقة هذا الهيكل ما أراد ذلك الشارع وإنما أراد نفي الرؤية في الحياة الدنيا خاصة فنرى
الحق بعد الموت كما قال الشارع. وقال: إنما كان اللقاء كفاحاً لتحقق التقابل لأنه السيد
ونحن العبيد فنراه مقابلة من غير تحديد ولا تشبيه لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]
كما نرى الصفات من غير تحديد فافهم.
ومن ذلك أين رحمة الرحماء من رحمة الاعتناء من الباب ٤٠٩ قال: رحمة الرحماء
جزاء فهي على صورة ما رحموا وقدرها ومرتبتها جزاء وفاقاً. وقال: رحمة الاعتناء ما رحم به
الرحماء من رحموه. وقال: رحمة الاعتناء فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على
قلب بشر. وقال: رحمة الاعتناء الزيادة على الحسنى. وقال: رحمة الرحماء رحمة الأسماء
فإن الرحماء بحكم الأسماء الإلهية رحموا وهي التي حكمت عليهم، وإنما يرحم الله من عباده
الرحماء لعلمه بأن رحمتهم بمن رحموه حكم أسمائه تعالى فما جازاهم إلاّ على قدر الاسم
الذي رحموا به .
ومن ذلك ما معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩] من الباب ٤١٠ قال: لا يكون
قرب أقرب من القوسين إلاَّ من كان قربه قرب حبل الوريد منه وهو القرب العامّ، ومن عرف
هذا القرب كان من المقربين وعرف سرّ الحق في وجوده وموجوداته على التنزيه. وقال:
﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩] لما هو عليه من الراحة حيث رآه عين
﴿ فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَّ
كل شيء ﴿وَرَتِجَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] لما رآه عين الرزق الذي يحيى يتناوله كما قال سهل وقد سئل
عن القوت فقال الله ﴿وَحَنَتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] أي ستر ينعم به وحده لما علم أن كل أحد ماله
من الله تعالى مثل هذا المشهد، وهؤلاء هم الذين هم ﴿فِي جَنَّتٍ وَنَهَرٍ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ
مُقْنَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ -٥٥] لأنهم كل ما همّوا به انفعل لهم، وقال: قوله: ﴿أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩]
يعني أدنى ممّا تمناه العبد أو يتمناه، وهذا أبلغ في المعنى في قوله: ﴿أَوْ أَدْنَ﴾ وقال: إذا قرأت
القرآن فاجتمع عليه فإنه قرآن، وإذا قرأته من كونه فرقاناً فكن بحسب الآية التي أنت فيها في
جميع قراءتك. وقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] فإن القرآن
جمع والجمعية تدعوه للحضور فهي معينة له بخلاف الفرقان فالقرآن يحضره والفرقان يطرده.
ومن ذلك مركب الأعمال براق العمال من الباب ٤١١ قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ﴾
[فاطر: ١٠] والموجودات كلها كلمات الله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿ وَالْعَمَلُ
الصَّْلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] إلى ما انتهت إليه همته وما تعطيه حقيقة العمل الرافع له، ورفعة
الله لا تدرك ولا تعرف فلا حدّ لها فاعلم يقال يوم القيامة لصاحب القرآن: اقرأ وارق فإن
منزلك عند آخر آية تقرأ فدرجات الجنة على هذا على عدد آي القرآن. وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فهو العامل فإلى أين تصعد العمال؟ وقال: العارف من عمل في غير
معمل فهو يبذل المجهود وهو على بينة من ربه إن الله هو العامل لما هو العبد له عامل ولولا
ذلك ما كان التكليف، فلا بدّ من نسبة في العمل للعبد فالنسبة إلى الخلق والعمل للحق فهو
تشريف العبد أعني إضافة العمل إليه سواء شعر بذلك العبد أو لم يشعر.

١٨٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك استفهام العالم العالم من الباب ٤١٢ قال: إنما استفهم العالم ليتميز به من
في قلبه ريب ممّن ليس في قلبه ريب فيعلم العالم من غير العالم لإقامة الحجة. وقال: ما
اختبر الله العالم إلاَّ ليعلم ما هو به عالم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ﴾ [النساء: ١٣٦]
هذا ذاك من وجه فهذا مؤمن كلف أن يؤمن بما هو به مؤمن. وقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ
لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] استفهام لا إنكار مقام رسول الله وَلّر يعطي ما ذهبنا إليه. وقال: ما أثنى
على من أثنى عليه إلاَّ لجهله بالمراتب وعلمه أيضاً بها ولكن ما يعلم ما له منها إلاَّ بتعريف من
الله. وقال: من الاستفهام ما يكون إيهاماً وهو استفهام العالم عمّا هو به عالم. وقال: من
استفهمك فقد شهد لك بالعلم بما استفهمك عنه. وقال: قد يقع الاستفهام من العالم لإقامة
الحجة في الجواب فيقول له: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ﴾ [المائدة: ١١٦] ومن هنا أيضاً كانت الحجة البالغة لله
على عبده .
ومن ذلك الذكرى بشرى من الباب ٤١٣ قال: الذكرى بشرى المذكرة بالوراثة وهي في
حق المعتنى به بشرى بالقبول، وفي حق غير المعتنى به بشرى بالحرمان، أهل العناية يبشرهم
ربهم برحمة منه ورضوان، وأهل الحرمان فبشرهم بعذاب أليم لأن كل واحد أثر في بشرته ما
بشر به قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ, مُسْوَدًا﴾ [النحل: ٥٨] وقال: البشرى للبشر
فإنه ما يكلم إلاَّ من وراء حجاب ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾
[الشورى: ٥١] وقال: ما عرف مقدار البشر إلاَّ من عرف معنى ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾
[ص: ٧٥] وقال: من خلق برفع الوسائط مع المباشرة فلم يكن ذلك إلاّ في البرزخ، وأما في
الطرفين فلا فإن الطرف الحسيّ يحيله العقل والطرف العقلي لا يشهده الحسّ. وقال: البشرى
مختصة بالمؤمن وهو يبشر الكافر والكافر لا حظ له في البشرى الإلهية برفع الوسائط .
ومن ذلك من غار أغار من الباب ٤١٤ قال: من غيرة الله حرم الفواحش فجعلها له
حراماً محرماً فتخيل من لا علم له أن ذلك إهانة وهو تعظيم إذ هو من شعائر الله وحرماته والله
يقول: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اَللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّدٍ،﴾ [الحج: ٣٠] ﴿وَمَن يُعَظِمْ شَعَكَبِرَ اللّهِ
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وقال: قول النبيّ بَّ: ((إنَّ سَعْدَاً لَغَيُورٌ وَأنا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ
وَالله أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ)) فجعل الفواحش حراماً محرماً كما حرّم مِكة
وغيرها. وقال: حرّم رسول الله وَّوَ التفكّر في ذات الله، وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾
[النساء: ٢٨] فالتحريم دليل على التعظيم. وقال: ما أمرك الله إلاَّ بما هو خير لك وهو عند الله
عظيم، وما نهاك إلاّ عمّا هو تركه خير لك لعظيم حرمته عنده مآل الناس في الآخرة إلى رفع
التحجير ﴿وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُوْلَى جَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٤-٥] يعني هناك
﴿فَتَرَضَ﴾ [الضحى: ٥].
ومن ذلك أهون العقاب ضرب الرقاب من الباب ٤١٥ قال: المقصود من ضرب
الرقاب إزالة الحياة الدنيا فبأي شيء زالت فهو ذاك. وقال: المقصود من ضرب الرقاب ظهور
الحياة التي أخذ الله بأبصارنا عنها فبأيّ شيء حصل فهو ذاك، وإن كانت الحياة الدنيا ما ذهبت

١٨٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
وليس يعرف ذلك إلاَّ أهل الكشف والوجود فإن الميت له خوار. وقال: لا يصحّ ضرب
الرقاب حتى تملك فمن ضربها بغير ملك استقيد منه وملكت رقبته فيه يملكها وليّ الدم فقد
عتق في الدنيا وهو رقيق في الأخرى. وقال: أنت حرّ فلا ترد نفسك مملوكاً لمثلك وحق
النفس أعظم عليك من حق مثلك .
ومن ذلك العدم ما هو ثم فافهم من الباب ٤١٦ قال: ما ثم إلا الله والممكنات فالله
موجود والممكنات ثابتة فما ثم عدم. وقال: لولا أن الأعيان مشهودة للحق ما كان وجود ما
وجد منها بأولى من عدمه ووجود غيره وما شهد إلاَّ ما هو ثم. وقال: ليس شيء أدخل في
حكم النفي من المحال ومع هذا فثم حضرة تقرّره وتصوّره وتشكّله وما يقبل التصوير
والتشكيل إلاَّ ما هو ثم فالمحال ثم. قال: العدم المطلق ما لا تعقل فيه صورة وما هو ثم فإنه
ما ثم إلاّ ثلاثة: واجب ومحال وممكن، ووجوب وإحالة وإمكان، وكل ذلك معقول وكل
معقول مقيد وكل مقيد مميز وكل مميز مفصول عمّن عنه تميز فما ثم معدوم لا يتميز فما ثم
عدم. وقال: الأحوال عند المتكلمين لا موجودة ولا معدومة، ومعلوم أنه ما ثم إلاَّ محل
وحال أي ما ثم إلاَّ من يقبل اللون مثلاً واللون فما هو المتلون وما ثم إلاَّ من يقبل الحياة
والحياة فما هو الحي وما ثم إلاَّ من يقبل الحركة والحركة فما هو المتحرك.
ومن ذلك ما يجمع الظهر والبطن والحد والمطلع من الباب ٤١٧ قال: ما من شيء إلاَّ
وله ظاهر وباطن وحد ومطلع، فالظاهر منه ما أعطتك صورته، والباطن ما أعطاك ما يمسك
عليه الصورة، والحدّ ما يميزه عن غيره، والمطلع منه ما يعطيك الوصول إليه إذا كنت تكشف
به وكل ما لا تكشف به فما وصلت إلى مطلعه. وقال: لا فرق بين هذه الأمور الأربعة لكل
شيء وبين الأربعة الأسماء الإلهية الجامعة الاسم الظاهر وهو ما أعطاه الدليل، والباطن وهو
ما أعطاه الشرع من العلم بالله والأول بالوجود والآخر بالعلم ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]
فالضمير يعود على الضمير الأول في هو الأول فالأمر من غيب إلى غيب وضمير هو الأول
يعود على هو على كل شيء وذلك الضمير يعود على الله وهو الاسم والاسم يطلب المسمّى
فاللَّه الأول وهو بكل شيء الآخر وهو الأوّل الظاهر وهو على كل شيء الباطن فاعلم.
ومن ذلك سواء السبيل في طلب الحق بالدليل من الباب ٤١٨ قال: لا سبيل إلى العلم
بالله بدليل نظري ولا يوصل إلى العلم بالله إلاّ بتعريف الله فالعلم بالله تقليد. وقال: الكشف
أعظم في الحيرة من برهان العقل عليه بخلاف التعريف. وقال: هو النور فله إحراق ما سواه
فلا يكشف أي لا يدرك بالكشف قيل لرسول الله وَ له: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»
وبالبرهان فلا يعلم إلاَّ وجوده ففي أي صورة يتجلى حتى يرى. وقال: وعد قوماً برؤيته وذكر
عن قوم أنهم محجوبون فما هو محجوب هو مرئي للجميع لكنه لا يعلم. وقال: بالعقل يعلم
ولا يرى وبالكشف يرى ولا يعلم، وهل ثم حالة أو مقام يجمع بين الرؤية والعلم؟ وقال :
رؤيته مثل كلامه ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾
[الشورى: ٥١] فهو الحجاب وهو الرسول وهو الوحي.

١٨٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك رؤية الأهوال في الأحوال من الباب ٤١٩: قال صاحب محاسن المجالس :
الأعمال للجزاء والأحوال للكرامات والهمم للوصول، وليس الكرامات سوى خرق العوائد
في العموم وهي في الخصوص عوائد فلذلك تهول عند العامة. وقال: العاقل يهوله المعتاد
وغير المعتاد ولذلك قال في المعتاد: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] وقال:
من نظر إلى الأمور كلها معتادها وغير معتادها بعين الحق ما هاله ما يرى ولا ما بدا مع تعظيمه
عنده فإنه من شعائر الله ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وقال: كل
ما في الكون آية عليه ولا يحصل في اليد منه شيء.
ومن ذلك تنبيه لا تضاهي النور الإلهيّ من باب ٤٢٠ قال: الحق لا يضاهى لأنه ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] إنما الله إله واحد فأين المضاهي؟ وقال: صفات التشبيه
مضاهاة مشروعة فما أنت ضاهيت. وقال: العقل ينافي المضاهاة والشرع يثبت وينفي،
والإيمان بما جاء به الشرع هو السعادة فلا يتعدى العاقل ما شرع الله له. وقال: العاقل من
هجر عقله واتبع شرعه بعقله من كونه مؤمناً. وقال: أكمل العقول عقل ساوى إيمانه وهو
عزيز. وقال: لو تصرف العقل ما كان عقلاً فالتصريف للعلم لا للعقل وقال: [البسيط]
وللنُّهَى في وُجُودِ الكَوْنِ أحكامُ
للعَقْلِ لُبّ وللألباب أحلامُ
للخَوْضِ فيه وأيام وأعوامُ
تمضي اللَّيالي مع الأنفاس في عَمَهٍ
إلاَّ القُصُور وإِقْدَامٌ وإيهامُ
وما لنا منه من عِلْمٍ ومعرفةٍ
فكلُّ ما نحن فيه فهو أَوْهامُ
العلمُ بالله نَفْيُ العلمُ عنك به
وقال: العاقل من قال لعقله أعقل أنه لا يعقل فمتى عقلت جهلت .
ومن ذلك منازل الأدباء من السماء والعرش والعماء من الباب ٤٢١ قال: العالم
الأديب ينزل الحق حيث أنزل نفسه لا يزيد عليه ولكن لا بدّ أن يعرف الزمان فإن زمان استوائه
على العرش ما هو زمان نزوله إلى السماء ولا زمان كينونته في العماء. وقال: الحكم الذي
يصحب الحق ولا يحكم عليه زمان خاص ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] فهو في
العرش مع الحافين به، وفي تلك الحالة هو في النزول مع أرواح العروج والنزول، وفي تلك
الحال هو في السماء يخاطب أهل الليل، وفي تلك الحال هو في الأرض أي موجود غير الله
يوصف بهذه الصفات: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكٌّ لَا إِلَهَ إلَّا هُوَّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦].
ومن ذلك إلحاق الأصاغر بالأكابر من الباب ٤٢٢ قال: قالت: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾
فأعادت الضمير من إليه على الخبير ﴿قَالُواْ﴾ لما عندهم من أحكام المواطن ﴿ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن
كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] وإن كان حقاً، وما كان قد قرع أسماعهم ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ
كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] والمسمع محمد وَّ حق في صورة محمدية ﴿قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]
لما حصره المهد، وانظر إلى ما أعطت قوة إشارتها إلى الحق في قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمٌ﴾ [المائدة: ١٧] هو عين قوله: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ﴾
[المائدة: ١١٦] خاصة أتاني الكتاب ضمّ حق إلى حلق حرف جاء لمعنى: ﴿وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ [مريم:

١٨٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
٣٠] فإن المخبر الحق ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ زيادة صورة عيسوية في الحق ﴿أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ في
المهد وغيره ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوةِ﴾ فصليت هو الذي يصلي عليكم ﴿ وَالزَّكَوَةِ﴾ الاسم القدوس
﴿مَا دُمْتُ حَيَّا﴾ [مريم: ٣١] حياة الأبد ﴿وَبَرَّا بِوَالِدَتِ﴾ [مريم: ٣٢] من عرف نفسه عرف ربه،
فتدبر هذه الإشارات وانظر إلى ما وراء هذه الستارات.
ومن ذلك من ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ما هو ميت ولا حي من كل من له
فيّ من الباب ٤٢٣ قال: من خلق الموت والحياة لا ينعت بهما فقد كان ولاهما ما هو ذو
حياة فافهم. وقال: له الأسماء ما له الصفات فهو المعروف بالاسم لا بالصفة ولذلك ما ورد
بالصفة كتاب ولا سنّة وورد قرآناً ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَآءُ الْمُسْنَى فَأَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وورد:
﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فتنزه عن الصفة لا عن الاسم، ورد في
السنة: ((أَنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً) وقال: لله الرجوع فإنه التواب وإليه الرجوع لأن التوبة إلى
الله ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣]
وقال: لا ترجع إليه حتى يرجع إليك لأنه الأول فإذا رجعت إليه رجع عليك رجوعاً ثانياً فهو
الآخر فهو الأول والآخر ظهر وبطن ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٧] ليتوبوا.
ومن ذلك التشحير في التشمير من الباب ٤٢٤ قال: التشحير يزيل ما في الذهب من
تراب المعدن في التشحير، ذلك عين الابتلاء يزيل ما يضاف إلى القديم من صفات الحدوث
وما في الحادث من صفات القدم. وقال: هو المعدن وأنت الذهب فأنت المخلص منه وفيه
تكونت وهو الذي يمدّك وبعد انفصالك عنه أوجد غيرك مثلك لا يزال الأمر هكذا. وقال :
أنت المعدن وهو الذي يخلص منك بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وأنت لك
أمثال. وقال: تشحير الطبيعة من حيث نفس الإنسان رياضة ومن حيث هيكله مجاهدة،
فبالرياضة تهذبت أخلاقه وسهل انقياده، وبالمجاهدة قل فضوله فظهر له ما فيه من الأصول
والفروع فعلم بالمجاهدة من هو ولمن هو وهذه هي السبل ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن ذلك من هرب من السلم إلى الحرب من الباب ٤٢٥ قال: من علم أن الهداية إلى
سبيل الله في الجهاد هرب إلى السلم من الحرب فإن الله أمره بالطلب. وقال: لا يجنح إلى
السلم إلاّ من كان مشهوده ضعفه أو من كانت العين مشهوده وقال: الأسماء لها الحكم فأي
اسم حكم لك أو عليك فأنت له وهو اسم من أسماء الله تعالى فهو ربك ولذلك كثرت
الإضافات فقيل: عبد الله عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الكافي عبد الباقي عبد الكبير
بلغت الأسماء ما بلغت، وكذلك الكنايات قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ
عِبَادِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] ﴿إِنَّنِيّ ◌َنَا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] وهو الواقي فهو نون الوقاية وهو ضمير الياء
فهذه إضافة الشيء إلى نفسه .
ومن ذلك الحجاب حجاب من الباب ٤٢٦ قال: حجبة الملك حجابه ليرى به بمن
تتعلق أبصار الرعايا هل بالحجبة أو تعديها بطلب رؤية الملك؟ فالحجبة ابتلاء من الله. وقال :

١٨٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الرسل حجبة وهم يدعون إلى الله لا إلى أنفسهم. وقال: الملائكة حجبة بين الله وبين الرسل
بعد إسنادنا والمقصود من الرواية علو الإسناد وكلما قلّ علا وقد عرفنا بذلك فقال: ﴿أَدْعُوّا
إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ فزال الملك ﴿أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّى﴾ [يوسف: ١٠٨] فزال الرسول. قال أبو يزيد:
حدثني قلبي عن ربي فعنه أخذ هذا نص الكتاب أيها المنكر. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ
اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ وحياً بما يلقي الله برفع الوسائط، أو من وراء حجاب ما
يكلمك به في صورة التجلي حيث كان ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] من جنسك وغير
جنسك .
ومن ذلك ما يجب على المخلوق من أداء الحقوق من الباب ٤٢٧ قال: تتنوع الحقوق
التنوع المخلوقات عند العامة. وقال: تتنوع الحقوق لتنوع الأسماء الإلهية عند الخاصة من
عباد الله. وقال: تختلف الأحكام لاختلاف الأسماء سمك البحر حلال فإذا قلت في سمكة
منها خنزير البحر حرمت هذا حكم الاسم، سئل مالك عن خنزير البحر فقال: حرام، قيل
له: فإنه سمك قال: أنتم سميتموه خنزيراً وقال: الميتة حرام ما دام اسم الواجد ينسحب
عليك فإذا زال وقيل هذا مضطر حلّت لك، فانظر بأي اسم سمّاك به الحق فأنت لذلك الاسم
فأنت لك لأنك الواجد وأنت المضطر فما خرجت عنك فحكمك فيك منك، فإذا كنت ولا بدّ
في حكم الأسماء فكن في حكم الأسماء الإلهية يكن لك الشرف.
ومن ذلك كرم الكرم لأصحاب الهمم من الباب ٤٢٨ قال: من تكرم على العفو
والصفح بالوجود فعفا وصفحٍ والعفو والصفح كرم فالعفو منه كرم الكرم. وقال: مسيءٍ
المسيء ﴿وَجَزَّقُاْ سِئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] والمسيء من أتى بما يسوء وإن كان جزاء إلاّ
أن هذا الاسم مقصور على الخلق دون الحق أدباً أدّبنا به الحق. وقال: الإحسان الله فهو
المحسن المحسان، وإن عاقب فهو المحسن في حق العقوبة لأنه أوجدها فأحسن إليها في
إيجادها، فما في العالم إلاَّ إحسان، فأنت المحسن فيما ظهر عنك وإن كان وجوده عن
الحق. وقال: إذا كان الحق يدك فقد أوجد بك كما تقول أوجد بقدرته وخصّص بإرادته
ومشيئته، فأنت أولى أن تكون آلته فإنه الصانع وهذا هو المشهود ما تشهد الأفعال الإلهية إلاَّ
منا أعني العالم .
ومن ذلك ﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩٦] لا يبعد من الباب ٤٢٩ قال: الكل
عند الله فله البقاء في العدم كان أو الوجود. وقال: هو يأخذ الصدقات فما نفد من عندك إلاّ
بأخذه منك لو لم يأخذ ما نفد منك فما ثم إلاَّ أنت وهو فإما عندك وإما عنده وأنت عنده فما
عندك عنده، فما أخذ منك شيئاً فما نفد عنك. وقال: ما في يمينك ما هو في شمالك فنفد
عن شمالك وأنت أنت ذو اليمين والشمال ما شمالك ولا يمينك غيرك فصدق ما عندكم ينفد
فإن الشمال ما تعرف من بعض الناس ما تتصدق به اليمين، ورد في الخبر في الرجل الذي هو
أقوى من الريح: ((إِنَّهُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فَيُخْفِيهَا عَنْ شِمَالِهِ)) ففرق بين اليمين والشمال
والذات واحدة .

١٨٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك من أسنى الذخائر تعظيم الشعائر من الباب ٤٣٠ قال: الشعائر ما دقّ وخفي
من الدلائل، وأخفاها وأدقها في الدلالة الآيات المعتادة فهي المشهودة المفقودة والمعلومة
المجهولة فانظر ما أعجب هذا. وقال: ما يقوم بحق العظيم إلاّ من عظمه باستمرار الصحبة لا
من عظمه عند ما فجئه ذلك تعظيم الجاهل. وقال: الرؤية حجاب لما يسقط بها من تعظيم
المرئي عند الرائي. وقال: من عاين الخلق الجديد لم يزل معظماً للشعائر الإلهية. ومن عاين
تنوع التجلي في كل تجلِّ لم يزل معظماً لله أبداً لأنه اختلف عليه الأمر في عين واحدة.
وقال: لما كان الحكم للأحوال لذلك من شاهدها لم يزل معظماً فإنها تتجدد عنده في كل
لحظة فهو في ابتداء أبداً .
ومن ذلك الإسلام والإيمان مقدمتا الإحسان من الباب ٤٣١ قال: الإيمان له التقدم
والإسلام تالٍ وإلا لم يقبل، فهذا شفع قد ظهر والختام للوتر فأوتره الإحسان فأوّل الأفراد
الثلاثة. وقال: حضرة الفرد الذات والصفات والأفعال وأريد بالصفات الأسماء فهذه ثلاثة.
وقال: الإيمان تصديق فلا يكون إلاَّ عن مشاهدة الخبر في التخيّل فلا بدّ من الإحسان
والإسلام انقياد والانقياد لا يكون إلاَّ لمن علم أن يد الحق بناصيته فانقاد طوعاً فإن لم يحسّ
أي يشعر انقاد كرها، والإحسان أن تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وقال: [الخفيف]
ما جَزَا مَنْ رآك إلاَّ تَراهُ
وهو الحَقُّ ليس ثَمَّ سوَاهُ
من رَأَيْنَا فهو وما هو ما هُوْ
فهو الرائي إذْ رَأَيْتَ كما هو
ومن ذلك الضنائن خواتن من الباب ٤٣٢ قال: نفوس العارفين حور مقصورات في
خيام كنفه ضنائن مصانون في العوائد يعرفون وينكرون. وقال: عنهم تكون الانفعالات الإلهية
في الأكوان فهي لهم كالولادة لأهل الرجل، ورد في الخبر: (بِهِمْ تُنْصَرُونَ)) فولدوا النصر،
(وَبِهِمْ تُمْطَرُونَ)) فولدوا الغيث، ((وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ)) فولدوا الرزق. فسم عبد النصير
وعبد المغيث وعبد الرزاق وهكذا ما بقي. وقال: الكد على العائلة والسعي على الأهل
وأوجبه نفسك ثم زوجك ثم ولدك ثم خادمك هذا عين قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [الرحمن:
٢٩] فلنفسه لما يسبح بحمده وخلقه لعبادته وفي شأن أهله لما تمسّ حاجتهم إليه ولما تولد
عنهم لذلك بعينه فتدبر ما أنعم الله عزّ وجلّ به عليك.
ومن ذلك إثبات العلة نحلة من الباب ٤٣٣ قال: العلة وإن اقتضت المعلول لذاتها فلها
التقدم بالرتبة وإن ساوقها المعلول في الوجود فما ساوقها في الوجوب الذاتيّ النفسيّ فإذا
عقلت هذا فلا تبال إلاَّ أن يمنعك الأدب. وقال: ما هرب من هرب إلى القول بالشرط إلاَّ من
الخوف من مساوقة الوجود وما علم أن الموجود له حكم الوجود سواء تأخر أو تقدم بخلاف
الوجوب النفسيّ فإنه له وليس لك فكان الله فيه ولا شيء معه فيه ولا يكون بخلاف الوجود،
فلو قلت: كان الله ولا شيء معه لم تقل وهو الآن وهو ولا شيء لوجود الأشياء، وفي
الوجوب الذاتيّ تقول في كل حال: كان الله ولا شيء وهو الآن ولا شيء فقد علمت الفارق
فقل شرطاً أو علة أن تمنع شرعاً .

١٩٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك حب الجزاء عن حب الاعتناء من الباب ٤٣٤ قال: حب المخلوق خالقه
محصور بين حب الله الذي أوجب له أن يحبه وحب جزاء محبته فهو محفوظ عليه وجوده.
وقال: علامة المحبة اتباع المحبوب فيما أمر ونهى في المنشط والمكره والسراء والضراء.
وقال: دليل المحبّ الحمد لله المنعم المفضل، ودليل المحبوب الحمد لله على كل حال،
كان رسول الله وَ لَّ يقول في السراء: ((الحَمْدُ للَّهِ المُنْعِم المُفْضِلِ)) ويقول في الضراء: ((الحَمْدُ
لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)) هذا هو الثابت عنه ذكره مسلم في الصحيح. وقال: حب الاعتناء بالجزاف
عطاء بغير حساب ولا هنداز، وحب الجزاء بالميزان ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ
بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقال: الحب خلوص الولاء فهو للأولياء من العموم
والخصوص. وقال: حب الاعتناء منه وحب الجزاء عنه، فإن حب الجزاء عرفناه بالتعريف
وحب الاعتناء عرفناه بالوجود والتصريف.
ومن ذلك قد تحرّك النعمة أصحاب الظلمة من الباب ٤٣٥ قال: إنما سكن أصحاب
الظلم ولم يتحركوا لأنهم لا يرون حيث يضعون أقدامهم فيخافون من مهواة يقعون فيها
فسكونهم اضطرار. وقال: إذا تحرّك أهل الظلم فلجسيم النعمة فإنهم ما يحركهم إلاَّ عظيم ما
أردفهم الله به من نعمه حتى أغفلتهم عن شهود ظلمتهم. وقال: هل تعرف من هم أصحاب
الظلم الناظرون في العلم بالله بالدليل النظري؟ والمهواة الشبهة فما يحركهم مع هذا إلاَّ نعمة
الإيمان فانتقلوا إلى التقليد فتحركوا بنور الشرع المطهر فأبصروا محجة بيضاء لا ترى فيها
عوجاً ولا أمتاً، ولا تخاف فيها دركاً ولا تخشى.
ومن ذلك عموم الخطاب لمن طاب من الباب ٤٣٦ قال: ليس في خطاب الله
خصوص بل دعوته تعم فإن المدعو واحد كما هو الداعي واحد. وقال: إذا دعا بالأسماء كثر
الدعاة كثر المدعون كثرة الأعضاء من الإنسان الواحد، يقول رسول الله وَ له: ((إنَّ لِنَفْسِكَ
عَلَيْكَ حَقّاً وَلِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقَاً فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ)) وكذا جميع قواك الظاهرة والباطنة فأنت
الكثير وأنت الواحد، وكذلك الداعي بعينه وأسمائه فافهم. وقال: أنت نسخة منه وبك كمني
عنه فقال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧] وقال: ﴿فَلَمّ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ
اللَّهَ قَنَّلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] فالسيف آلة لك وأنت والسيف آلة له. وقال: ما أجهل بالله من يقول:
إن الله لا يخلق بكذا فالله تعالى يقول في نبيه إنه رميت إلاَّ أنه نفى الرمي عنه وأثبته فقال:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَهَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىَّ﴾ فالرِمي وقع منه بَل بقول الله وإيصاله إلى أعين
الكفار حتى ما بقيت عين لمشرك خاص إلاَّ وقع من التراب في عينه فلهذا ليس للمخلوق،
فالعجب من بعض الناس أنه يكفر بما هو به مؤمن.
ومن ذلك التسبيحِ تجريح من الباب ٤٣٧ قال: المنزّه لا ينزّه فإنه إن نزّه فقد نزّه عن
التنزيه فإنه ما له نعت إلاّ هو فيشبه فالتسبيح تجريح فسبحه على الحكاية فإنه سبح نفسه وعلى
ما أراد بذلك فهو تسبيح الأدباء العارفين به سبحانه. وقال: عدم العدم وجود وكذلك تنزيه
المنزّه عما هو به موصوف. وقال: أهل التسبيح إذا أشهد أحدهم من سبّحه قال: سبحاني فما

١٩١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
سبح إلاَّ نفسه. وقال: تسبيحه في زعمه ربه يفضحه الشهود فاستعجل بالتعريف في هذه الدار
فقال: سبحاني فأنكر عليه من هو على حالته التي كشف له عنها. وقال: إن طلب منك الدليل
فقل إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أردها عليكم.
ومن ذلك التحميد تقييد من الباب ٤٣٨ قال: كلامك محصور فإنك محاط بك فإذا
أثنيت فقد قيدت بثنائك من أثنيت عليه وحصرته، وله الإطلاق فأطلقه من ثنائك مع بقاء الثناء
عليه لا بدّ من ذلك وقل كما قال رسول الله وَّر: ((لا أُخْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ)) بعد بذل المجهود:
(أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) يقول رسول الله وَّر في الصحيح في حديث الشفاعة: «فَأَحْمَدُهُ
بِمَحَامِدَ لا أَعْلَمُهَا الآنَ)) يعطيها في الموطن إن فهمت. وقال: كلمات الله لا تنفد فالثناء عليه
منه لا يقف عند نهاية. وقال: يختلف الثناء على الله تعالى لاختلاف حال المثني، فإن حال
السراء ما هو حال الضراء، فاختلف الثناء على الله تعالى فيقول في وقت: الحمد لله المنعم
المفضل، وفي وقت: الحمد لله على كل حال، وفي وقت: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وفي
وقت: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وفي وقت: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وفي
وقت: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له وليّ من الذلّ،
وفي وقت: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، وفي وقت: الحمد لله الذي خلق
السموات والأرض، وفي وقت: الحمد لله فاطر السموات والأرض، وفي وقت: الحمد لله
وسلام على عباده الذين اصطفى، وفي وقت: الحمد لله سيريكم آياته، وفي وقت: الحمد لله
رب العالمين.
ومن ذلك التأويل لأهل التهليل من الباب ٤٣٩ قال: لما تنوعت مواطن التهليل ظهر
حكم التأويل، فلكل تهليل حال ولسان ورجال ومقام. وقال: التهليل قولك: لا إله إلاَّ الله
فنفيت وأثبت. وقال: إن نظرت وتحققت ما نفيت فما هو إلاَّ عين ما أثبت، ولولا أن الله
يجازي بالقصد ما عظم جزاء التهليل. وقال: دليل ما ذهبنا إليه قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأ
إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] فانظر هل عبدوا شيئاً إلاَّ بعدما نسبوا إليه الألوهة؟ فما عبدوا إلاَّ الله لا
تلك الأعيان الحجة قوله: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] وهو العلم كله ولم يقل انسبوهم فإنه لو
قال لهم انسبوهم لنسبوهم إليه بلا شك.
ومن ذلك الله أكبر ممّن أو عمّن من الباب ٤٤٠ قال: لولا ما خلق من خلق على
صورته ما قال الله أكبر لما في هذه الكلمة من المفاضلة، فما جاء أكبر إلاَّ من كونه الأصل
فعليه حذى الإنسان الكامل. وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾
[غافر: ٥٧] لما نسوا صورتهم فصحت المفاضلة وليس إلاَّ أن السموات والأرض هما الأصل
في وجود الهيكل الإنساني ونفسه الناطقة، فالسموات ما علا والأرض ما سفل فهو منفعل
عنهما والفاعل أكبر من المنفعل وما أراد الجرم لقوله: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[غافر: ٥٧] وقال: ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَِّنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن حوّاء خلقت من آدم وآدم خلق من
الأرض، فكما أن له درجة على حوّاء للأرض عليه درجة فهو الأمّ لحوا وهو ابن للأرض

١٩٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
والأرض له أم ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِهِ، كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ [القصص:
١٣] لذلك تضغطه عندما يدفن فيها مثل عناق الأم وضمّها ولدها إذا قدم عليها من سفر فهو
ضم محبة. ﴿وَمِنْهَا تُخْرِيحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] وهو البعث.
ومن ذلك ما هو لك ما يتملك من الباب ٤٤١ قال: ما هو لك هو يطلبك فلا تتعب
فإن طلبته تعبت وملكك. وقال: ما هو لك ما هو لك وإنما هو لمن جاء من عنده. وقال: الله
لك والله لا يملك. وقال: ما أشدّ حيلة الإنسان ما اقتنع في العلم بالله بما أخبره الله بما هو
عليه في نفسه فنظر وتأوّل عسى يخرج عن الملك بما يملكه في اعتقاده ممّا أوجده بنظره
ليكون هو في المالك فإنه من ملكه مملوكه فما ملكه إلاَّ نفسه لأنه صنعه وخلقه فأحبه
والمحبوب مالك فلذلك أقرّ بالملك صاحب النظر لمن اعتقده، فهو المالك المملوك والخالق
المخلوق فافهم.
ومن ذلك من المكرمات تعظيم الحرمات من الباب ٤٤٢ قال: لما عظم الحرم عند
بعولتهن صانوهن وغاروا عليهن وهو خير له، فإن صحة النسب تصون الأهل عن الريب فلا
يدخله ريب فيما ولد على فراشه: ((الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ)) وقال: جعل الله الأرض
فراشاً ومنها خلق آدم على صورته وقد ورد: ((أَنَّ الوَلَدَ سِرُّ أَبِيهِ)) وقال: لولا هذه الحكمة
المطلوبة لاكتفى بالمهاد ولم يذكر الفراش. وقال: ما خلق الله الألفاظ حين عينها بالذكر
سدى فإن ذلك حرف جاء لمعنى وهو ما قلنا ولا يقتصر وقال فيها: ﴿وَأَنْبَّنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ
بَهِيجِ﴾ [ق: ٧] فأولدها توأمين ولذلك جاء: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] حين
ربت وهو الحمل وألقت الماء فنسب الإنبات إليه وإلى الأرض فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ
نَّبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] مصدر نبت فما قال إنباتاً ونسب الولد لوالده فإن له عليه ولادة بوضعه في
الرحم، وينسب إلى الأم لأن لها عليه ولادة بخروجه من بطنها، فانظر إلى ما أعطاه الفراش
وجعل الله بينه وبين خلقه نسباً ولم يكن سوى التقوى من الوقاية ورد: ((اليَوْمَ أَضَعُ نَسَبَكُمْ
وَأَرْفَعُ نَسَبِي أَيْنَ المُتَّقُونَ؟)) ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
ومن ذلك من اعتني به صغيراً وضيع كبيراً من الباب ٤٤٣ : قال: يحيى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ
الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ [مريم: ١٢] و﴿لَمْ نَجْعَل لَُّ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]، وسلّط عليه الجبار عدوه
فقتله وما حماه الله منه ولا نصره باقتراح بغى على باغ. وقال: أراد بقاه حياً فقتله شهيداً فأبقى
حياته عليه فما مات من قتله أعداء الله في سبيل الله فجمع لهم بين الحياتين ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ
يُقْتَلُ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَخْيَّةٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩] وإن كان الموت أشرف فإنه صفة
الأشرف ﴿إِنَّكَ مَبِّتُ وَإِنَّهُم ◌َّبِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] فالأكابر لا يتميزون بخرق العوائد فهم مع الناس
عموماً في جميع أحوالهم بظواهرهم. وقال: الاعتناء بالصغير رحمة به لضعفه فإذا كبر وكّل
إلى نفسه فإن بقي في كبره على أصله من الضعف صحبته الرحمة، وإن تكبّر عن أصله وادّعى

١٩٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
القوّة المجعولة فيه بعد ضعفه أضاعه الله في كبره برد الضعف إليه فاستقذره وليه وتمنى
مفارقته، وفي ضعف صغره كان يشتهي حياته ويرغب في تقبيله ولا يستقذره.
ومن ذلك لا تضيع الأجور عند أهل الدثور من الباب ٤٤٤ : قال: يجبر الحاكم
صاحب الوفر على إعطاء ما تعين عليه من الحق لغيره، ألا ترى إلى من جحد شيئاً من الزكاة
ثم عثر عليه المصدّق أخذ منه ما جحد وشطر ماله عقوبة له. وقال: يبلغ المتمني بتمنيه مبلغ
صاحب المال فيما يفعل فيه من الخير من غير كد ولا نصب ولا سؤال ولا حساب وهم في
الأجر على السواء مع ما يزيد عليه من أجر الفقر والحسرة، و﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ
عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] وتمنيه من عمله. وقال: ما يراد المال للاكتناز وإنما خلقه الله للإنفاق
فمن اكتنزه ولم يعط حق الله منه الذي عيّنه له حمي عليه في نار جهنم فيكوى به جبينه فإنه
أوّل ما يقابل منه السائل فيتغير منه إذا رآه مقبلاً إليه وجنوبهم ثم يعطيه جانبه إعراضاً عنه كأنه
ما رآه وظهورهم ثم يوليه ظهره حتى لا يقابله بالسؤال فصار بالكي عين المكان الذي اختزنه
فيه فهو خزانته وما ثم رابع لما ذكرناه.
ومن ذلك قطب الرحى يديرها من هو أميرها من الباب ٤٤٥: قال: ما تدور الرحى إلاَّ
على قطبها وقطبها فيها فهو عينها الثابت الذي لا يقبل الحركة والانتقال في حال الدور.
وقال: بالأمر تدور ولولا القطب ما دارت فهو الأمير وما القطب غيرها فالأمر الأمر
والمأمور. وقال: القطب يعلم بالقوّة ولا يشهد ويشهد ولا يتميز عند من يشهده مع علمه أنه
يشهده في الجملة المشهودة، هكذا العلم بالله عليه تدور رحى الوجود فهو يعلم ولا يشهد
ويشهد ولا يميز. وقال: من لم يعرف الله بمثل هذه المعرفة فما عرفه، فما عرفه أحد في
شهوده ولا شهده أحد في العلم به .
ومن ذلك من أبى أن يكون من النقباء من الباب ٤٤٦ قال: النقيب من استخرج كنز
المعرفة بالله من نفسه لما سمع قوله عزّ وجلّ: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ آَلَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾
[فصلت: ٥٣] وقوله: ﴿وَفِيّ أَنفُسِكُمْ أَفَلَ بُّصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقول رسول الله وَّرَ: (مَنْ عَرَفَ
نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وقال: من أبى أن يكون له مثل هذه المعرفة لم يكن من النقباء. وقال لما علم
أن بين الدليل والمدلول وجهاً رابطاً زهد في العلم بالله من حيث نظره في الدليل وليس سوى
نفسه وكان ممّن عرف نفسه بالله، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أصحاب النظر مثل أبي
حامد ولكن لنا في ذلك طريقة غير طريقتهم، فإن الذي ذهبوا إليه في ذلك لا يصحّ، والذي
ذهبنا إليه يصحّ وهو أن نأخذ العلم به إيماناً ثم نعمل عليه حتى يكون الحق جميع قوانا فنعلمه
به فنعلم عند ذلك نفوسنا به وبعد علمنا به، وهذه طريقة أهل الله في تقدم العلم بالله .
ومن ذلك من المحال أن يعمّ الحال من الباب ٤٤٧ قال: الأمزجة مختلفة والنفوس
تابعة للمزاج، والنفوس هي القابلة للواردات، والواردات تردّ بالأحوال، فمن المحال أن يعمّ
حال واحد بل لكل وارد حال يخصّه، ولهذا عين ما يسكر الواحد يصحى الآخر وما عمّ سكر
ولا صحو. وقال: الحال من حيث عموم الاسم يعمّ وهي أحوال تتميز بآثارها في النفوس
الفتوحات المكية ج٨ - م١٣

١٩٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
تدرك عقلاً وحساً. وقال: الغضب الإلهيّ والرضى من الأحوال فما ثم إلاَّ من اتصف بالحال
مغضوباً عليه كان أو مرضياً عنه، ويقال في المحدث أنه دخل تحت حكم الحال ويلزم الأدب
في ذلك الجناب. وقال: لسان الحال أنزل: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ ولسان الحقيقة: ﴿وَمَّ أَنَأْ
بِظَلَّمِ لِلْعِيدِ﴾ [ق: ٢٩].
ومن ذلك التفويض تعريض من الباب ٤٤٨ قال: لا شك ولا خفاء أن من ألقى زمامه
بيدك وفوّض أمره إليك وإن لم يتكلم فقد خاطبك بأفصح الألسنة أن تسلك به طريق الصلاح
والأصلح لما جبلت عليه النفوس من دفع المضار وجلب المنافع. وقال: قد ثبت في الخبر
أنه ليس شيء أحب إلى الله من أن يمدح وهو لا يتضرر بالذمَ وأنت تتضرر لأنك تألم ﴿ فَإِنَّهُمْ
يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَّ وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] وقال: لولا ما امتلأ أنا
العبد ما فاض وإنما ضاق عنه فألقى كله على غيره فسمّى هذا تفويضاً. وقال: الرجل من
أعطي التحكيم ووسعه ومع هذا ترك التصريف إلى الحق فيه وفي ملكه، ومثل هذا لا يكون
مفوّضاً.
ومن ذلك المعروف الأقربون أولى بالمعروف من الباب ٤٤٩ قال: الأقربون إلى الله
أولى بالمعروف وهو الحق لصحة النسب وقربه، وهو المعروف في كل عقد، وإن اختلفت
العقائد جملة فالمقصود بها واحد وهو قابل لكل ما ربطته به وعقدت عليه فيه، وفيه يتجلى
لك يوم القيامة وهي العلامة التي بينك وبينه. وقال: ما العجب ممّن عرفه وإنما العجب في
ذلك الموطن ممّن أنكره. وقال: صاحب العقد لا يعرفه إلاَّ بما عقده خاصة فقيل لهم: أوفوا
بالعقود والعالم لا عقد له فما له ما يوفى به فله من الأعين بعدد ما للحق في التجلي من الصور
وهي لا تتناهى، فأعين العارفين غير متناهية، فتحدث الأعين بحدوث الصور أو تحدث
الصور بحدوث الأعين.
ومن ذلك القبول إقبال عند الرجال من الباب ٤٥٠ قال: من قبل ما جئت به إليه فذلك
عين إقباله عليك فلا تقف مع قبول الوجه فإن إقبال الوجه يفنيك ويعدمك، وإقبال القبول
يبقيك ويقربك. وقال: من لم يفهم ما قلته فلينظر في حديث السبحات لو كشفها لأحرقت
سبحات الوجه ما أدركه بصر الخلق من الخلق فإن بصر الحق يدرك الآن ولا حرق والمحبوب
يكون الحق بصره فيدرك به لا يبصر الحق فإن بصر الحق يدرك الحق والحق في بصر الخلق
لا يدرك الحق ولكن يدرك به الخلق، والسبحات هي المحرقة وما هي إلاَّ سبحات العين عند
النظر فإنه لولا النور ما ثبتت الرؤية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] فذاته بصره.
وقال: الأمر نسب ولولا النسب ما كانت العلاقة والنسب.
ومن ذلك حسن القول من الطول من الباب ٤٥١ قال: أحسن القول ما تشابه من الكلام
فاشترك فيه الحادث والقديم، فالله الرؤوف الرحيم والنبيّ ◌َّ﴿ بالمؤمنين رؤوف رحيم.
وقال: لولا التشابه ما عقلنا من كلام الله شيئاً ولا وقفنا منه على معنى. وقال: المحكم في
المتشابه التشابه فمن تأوّله فقد أزاله عن الاشتراك وهو مشترك فقد زاغ من تأوّله عن طريق

١٩٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
٠
الحق. وقال: علامة من علم أحسن القول الاتباع لما دلّ عليه ذلك القول فيقابل الطول
بالطول ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقال: حسن القول يهدي إلى الحق
وإلى طريق مستقيم، ويقف بك على المعاني الغامضة فيوضحها لك.
ومن ذلك الإنصاف في عبادة الإله المضاف من الباب ٤٥٢ قال: إذا أضاف الحق نفسه
إلى شيء من خلقه فانظر إلى عبادة ما أضاف نفسه إليه فقم بها أنت فإنك النسخة الجامعة وما
عرفك الحق بهذه الاضافة الخاصة إلاّ لهذا. وقال: مثال الإله المضاف ﴿ وَإِلَهُكُمْ﴾ [البقرة:
١٦٣] ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى﴾ [طه: ٥٠] ﴿رَبُّ الْشْرِقِ وَالْغْرِبِ﴾ [المزمل: ٩] ﴿رَّبِّ السَّمَوَتِ﴾ [النبأ: ٣٧]
﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ﴾ [الدخان: ٨] ﴿رَبُّ الْشَرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فعطف وما أظهر
الإضافة كما فعل في غير ذلك ما فعله سدى، فاعبد ربك على ما قلته لك في كل إضافة حتى
يأتيك اليقين، وإذا أتاك اليقين انجلى لك الأمر وعرفت شرف الإضافة، ما عبد أحد الإله
المطلق عن الإضافة فإنه الإله المجهول.
ومن ذلك السبحات لأرباب اللمحات من الباب ٤٥٣ قال: لا دليل أدل من الشيء على
نفسه، فمن لم يثبت عند ظهوره له فالقصور منه وهو قد وفى، من كان حقيقته العجز وعجز
فقد وفى فالوفاء من الطرفين. وقال: لمح البصر كالبرق يضرب فيظهر ويظهر ويزول فلو بقي
أهلك. وقال: إنما تحرق سبحات الوجه الدعاوى أنك أنت فلا يبقى إلاَّ هو فإنه ما ثم إلاَّ هو
فهو إبانة لا إحراق. وقال: وجه الشيء حقيقته و﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهٌ﴾ [القصص: ٨٨]
فالشيء هنا ما يعرض لهذه الذات فإن كان للعارض وجه فما يهلك في نفسه وإنما تهلك
بنسبته إلى ما عرض له، فالضمير الذي في وجهه يعود على الشيء ويعود على الحق فأنت
بحسب ما تقام فيه فإنك صاحب وقت.
ومن ذلك المصطفى من جني عليه فعفى من الباب ٤٥٤ قال: للنفس حق فإذا جنى
عليها وعفوت فأنت الظالم المصطفى وهو الأوّل من الثلاثة لم يأخذ لها حقّها ممّن ظلمها
وعاد أجرها على الله. وقال: إذا درس الذنب فقد عفا أثره فلم يبق له عين ولا أثر ولا سيما
﴿اَلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: ٩٨] والعفو يطلبونه. وقال: المصطفى هو المختار ولكن ممّن
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] وما ثم حثالة ولا كناسة، النفوس نفايس فيختار
الأنفس ويبقى النفيس. وقال: المصطفون هم الذين ورثوا الكتاب وهو القرآن المحفوظ من
التحريف والزيادة، فلو حفظت سائر الكتب لورثت، فمن كوشف منها على ما ثبت أنه إلهيّ
ورثه وحكم به على بصيرة. وقال: الورث لا يكون إلاَّ بعد الموت فالكتاب محمدي، فإن
العلماء ورثة الأنبياء، والكتاب هو الموروث والشيء الذي مات هو صاحبه وقد مشى إلى
الله. وقال: من ظلم ما حكم، ومن اقتصد ما اعتضد وقنع واكتفى، ومن سبق حاز الأمر
وظفر، فكن من شئت من هؤلاء.
ومن ذلك صفات الأوداء التبري من الأعداء من الباب ٤٥٥ قال: إذا تبرأ العارف ممّن
صحّت عداوته لله فليحذر من تبريه فإنه ما تبرأ إلاَّ من اسم إلهيّ يجب عليه تعظيمه. وقال: إن

١٩٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
تبرأ بتبرء الله استراح فيكون الله المتبرىء لاهو كما يلعن بلعنة الله ويغضب بغضب الله ويرضى
برضى الله وهو في هذا كله لا صفة له من نفسه. قال أبو يزيد البسطامي: لا صفة لي لا تصحّ
البراءة من الأعداء إلاَّ لله ولرسله عليهم السلام، ومن كوشف على الخواتم ومن سواهم فما
لهم التبري، وإنما لهم أن لا يتخذوهم أولياء يلقون إليهم بالمودة لا غير. وقال: لو تبرأ الله
من عدوّه ما رزقه ولا أنعم عليه ولا نظر إليه. وقد أخبر أنهم آكلون من شجرة الزقوم فمالؤون
منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم وهم العطاش، فلو تبرأ منه الله ما
كان للعدوّ وجود لأنه غير حافظ عليه وجوده، ومتى لم يحفظ عليه وجوده هلك وذهب
عينه، وهو عزّ وجلّ القائل: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيُّظُ ﴾ [سبأ: ٢١] وقال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ.
حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥].
ومن ذلك التقاعس عن التنافس من الباب ٤٥٦ قال: أصحاب الهمم يتنافسون في
السباق إلى أسماء الكرم والجود الإلهي ليقاموا بها فيدعون بها. وقال: لا يكون التنافس إلاّ
في النفائس، ولا نفائس إلاَّ الأنفس، ولا أنفس من الأنفس إلاَّ الأنفاس. وقال: من تقاعس
عن التنافس فيما ينبغي أن يتنافس فيه فهو كسلان مهين لا همة له ولا نفس. وقال: ليس
الطيب إلاَّ أنفاس الأحبة لولا أعرافهم ما فاح المسك لمستنشق، وما وقع التنافس بين أهله في
المسابقة إلاَّ مهب أرواح هذه الأعراف. وقال: ما يعرف مقدار الأنفاس وطيبها وما يعطى من
المعارف الإلهية إلاَّ البهائم، ألا تراها تشم كل شيء وتشم بعضها بعضاً عند اللقاء ولا تمرّ
بشيء إلاَّ تميل برؤوسها إليه فتشمه .
ومن ذلك متى تثبت الخلق في مشاهدة الحق من الباب ٤٥٧ قال: لا يثبت الخلق عند
المشاهدة وقت التجلي إلاّ إذا كان الحق بصره والحق نور والإدراك لا يكون إلاَّ بالنور وقال:
إذا رأيت العارف قد ثبت عند التجلي ولم يصعق ولا فني ولا اندك جبل هيكله فتعلم أنه حق
وله علامة وهي أنه إذا كان هذا حاله لا يراه خلق إلاَّ صعق إلاَّ أن يكون مثله. وقال: إذا رأيت
من يغشى عليه في حاله ويتغير عن هيئته التي كان عليها أو يصعق أو يصيح أو يضطرب أو
يفنى فتعلم أنه خلق ما عنده من الحق شمة، فإن كان صادق الحركة فغايته أن يكون جبل
موسى إن كان في مقام الأوتاد، وإما موسوي الورث إن كان ناظراً عن أمر إلهيّ لطلب
شوقي .
ومن ذلك معارج الأنفاس للإيناس من الباب ٤٥٨ قال: للأنفاس الإلهية معارج تعرج
عليها إلى المكروبين من عباد الله تأتيهم من تحت أرجلهم لأنهم طالبون لها فهي من
أكسابهم، فلهذا كانت من تحت أرجلهم وهي من الروابع السفلية الطالبة العلوّ. ولهذا تعرج.
وقال: الحبل الذي لو دلي لهبط على الله قاله رسول الله ◌َلل منه تعرج هذه الأنفاس تطلبنا.
وقال: الأنفاس العلوية تعرج إليها الأرواح البشرية فتخترق السموات العلى إلى السدرة
المنتهى إلى النور الأجلى إلى المورد الأحلى إلى الموقف الأسنى إلى المكانة الزلفى إلى
الجنة المأوى إلى المستوى الأعلى إلى العقل الأسمى إلى حجاب العزّة الأحمى إلى الأسماء

١٩٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الحسنى بالمقام الأبهى والمحل الأزهى إلى أن دنا من قاب قوسين أو أدنى فهنالك يبلغ
المنى .
ومن ذلك الأجور بور من الباب ٤٥٩ قال: من علم أن العالم يتحدد في كل زمان فرداً
ومقداره من أوله إلى آخره في عين واحدة يعقل ما مضى وما أتى وهي لا موجودة فتنعدم،
فإنها ما هي واجبة الوجود ولا معدومة فتوجد، فهي تبع في الوجود لما تقع عليه العين أو يدل
عليه العقل، علم أن الأجور تبور لكن هذه العين ما لها هذا العلم في كل عين بل هي في أكثر
الأعين ﴿فِى لَيْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] وقالٍ: كل عمل للعبد أجره فيه على الله لا يبور فإن
الله هو ليس غيره ﴿مَن وُجِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥].
ومن ذلك كشف المعرفة في ترك الصفة من الباب ٤٦٠ قال: ما ثم إلاَّ عين واحدة لها
نسب مختلفة تسمّى عند قوم أسماء وعند قوم نعوت وصفات وأحوال، فمن قال بوجودها فما
ذاق للعلم طعماً، ومن نفى أحكامها في هذه العين فكذلك، وسواء كان المسمّى بها حادثاً أو
غير حادث، بل هي في غير الحادث أشدّ إحالة منها في الحادث. وقال: لا يقال بترك الصفة
فإنه ما هي ثم فتتركها إلاَّ أن تريد حكمها فتفرده لله فيكون الحق عين ما ينسب إلى الخلق من
الصفات ويتميز الخاص من العباد من غير الخاص بالعلم بذلك، فيعلم من يسمع بالحق أن
الحق هو السمع والسميع، وهو من المتكلم المكلم والكلام فمنه وإليه فأين أنت ومن أنت؟
وقال: إذا كان الأمر على ما قرّرناه فالجاهل به من هو ما نرى إلا أمراً آخر قد بدا أوقع الحيرة
إن ثبت فهو أيضاً العالم ما هو الحق كما قلنا.
ومن ذلك من لا يفهم لا يفهم من الباب ٤٦١ قال: الإفهام لا يقع إلاَّ بعد العلم
والقدرة على التوصيل، والعلم بالقابل من غير القابل، والعلم لا يكون إلاّ بعد الإعلام
والتعلّم. وقد علم العارف من يعلم ومن يتعلم فقد علم أنه ما هو الذي فهم فعلم أنه لا يفهم
مع ثبوت أن زيداً أعلم عمراً أمراً ما فعلمه عمرو، فإن كان له اقتدار على التوصيل إلى غيره
أفهم غيره وإلاَّ فلا، فلا يلزم من حصول العلم الإفهام. وقال: لهذا قلنا إن الأمر بينك وبينه،
فمنه الاقتدار ومنك القبول، وبالأمرين ظهر ما ظهر، فالأمر توليد فما ثم إلاَّ والد وولد، ومن
ذلك الأولى طرح لو ولولا . قال: أداة لو امتناع لامتناع فهي دليل عدم لعدم فإذا أدخلت عليها
لا وهو أداة نفي عاد الأمر امتناع الوجود وهذا من أعجب ما يسمع، فإن الأولى أن يكون
الحكم في الامتناع والعدم أبلغ لكون الداخل أداة نفي والنفي عدم، فأعطى الوجود وأزال عن
أداة لو وجهاً واحداً من أحكامها وهو قولهم لامتناع. وقال: ما العجب في دخول هذه
الأدوات على المحدثات وإنما العجب في دخولها في كلام الله ونفوذ حكمها ودلالتها في الله
هذا هو العجب العجاب. وقال: قد ثبتت نسبة الكلام إلى الله وقد ثبت أن الذي سمعناه في
تركيب هذه الحروف هذا التركيب الخاص والنسبة الخاصة أنه كلام الله فقد حصل فيه هذه
الأدوات فجرى عليه حكمها فهل ذلك من جهتنا أو ما هو الأمر إلاَّ كذلك؟
ومن ذلك أسمائي ستور بهائي من الباب ٤٦٢ قال: لولا الأسماء ما خفنا ولا رجونا

١٩٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ولا هبنا ولا عبدنا ولا سمعنا ولا أطعنا ولا خوطبنا ولا خاطبنا المسمّى، ولولا الأحكام التي
لها وهي الآثار ما علمت الأسماء فهي ستور إليها والجمال على المسمّى. وقال: أحكام
الأسماء جمل الأسماء وكساها البهاء، والأسماء جملت المسمّى وكسته البهاء، وبنا تعينت
الأسماء، فنحن كسوناه صورة البهاء، وفيه ظهرت الأسماء، فبه قام البهاء فإنه المسمّى وقال :
ما اختلفت أسماء الأسماء إلاَّ لاختلاف معانيها ولولا ذلك ما تميزت لنا فهي عنده واحدة
وعندنا كثير .
ومن ذلك أعين العارفين إلى عليين من الباب ٤٦٣ قال: لا تكون الأعين ناظرة إلاَّ إلى
موضع كتابها، فمن كان كتابه في عليين فنظره إلى عليين، ومن كان كتابه في سجين فعينه
مصروفة إلى سجين، فالكتاب يقيده بالخاصية. وقال: إنما شرع الله قراءة الكتب في الدار
الآخرة ليعلم العبد المصطفى قدر ما أنعم الله عليه به، والهالك ليعذر من نفسه فيعلم أنه جنى
على نفسه. وقال: لولا شهادة المرء على نفسه بما شهدت به جلوده وجوارحه ما ثبت كتاب
ولا كان حكم، فالاعتراض شهادة المعترف على نفسه فيما فيه هلاكه. وقال: النفوس من
ذاتها تدفع ما يضرّها وتسعى في تحصيل ما ينفعها فكيف شهدت بما فيه هلاكها حين
اعترفت؟ وقال: ما عذب من اعترف فإن الكرم لا يقتضيه والجوارح رعية ما هي الوالي
فشكت بالوالي .
ومن ذلك الانتها إلى سدرة المنتهى من الباب ٤٦٤ قال: السدرة المنتهى عروقها دون
السماء وأصلها في السماء وفروعها عليون، فتنتهي إليها أعمال العباد الصالحة والطالحة، فإذا
مات الإنسان وقبضت روحه قرنت بعملها حيث انتهى عمله من السدرة، فالذي لا تفتح لهم
أبواب السماء عمله في عروق هذه السدرة، والذين يفتح لهم أبواب السماء عملهم في موضع
ثمر هذه السدرة، ولهذا لا يجوع السعيد ولا يعرى للورق والثمر اللذين في الفروع، والشقي
يجوع ويعرى لعدم التمر والورق في العروق وعدم الورق علم مدرج في مثال. ومن ذلك
عوارف آناء الليل في أطراف النهار قال: الصباح والمساء أطراف النهار، فالمساء ابتداء الليل
والصباح انتهاء الليل، والنهار ما بين الانتهاء والابتداء، والليل ما بين الابتداء والانتهاء،
والعوارف الإلهية هي ما يعطي الحق في تجليه لعباده، فأمرنا بالتسبيح آناء الليل وأطراف
النهار، وما تعرض لذكر النهار في هذا الحكم لأنه قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِى النََّارِ سَبْحًا طَوِيلاً﴾ [المزمل:
٧] أي فراغاً فالنهار لك والليل وأطراف النهار له، فإذا كنت له في الليل وأطراف النهار كان
لك هو في النهار، فعطايا الليل وأطراف النهار جزاء التسبيح، وعطايا النهار جزاء الاشتغال،
والفراغ إلى الحق في آناء الليل وأطراف النهار، فما ثم من الله للعبد إلاّ جزاء والابتداء للعبد،
فإن النفس إذا أكلت من كسبها لها إدلال كما أن لها انكساراً في الهبة فلهذا كان الجزاء عاماً
لأنه على الصورة ولا انكسار ينبغي لها، ومن ذلك الدعاء من الوعاء قال: لا يكون الوعاء
وعاء حتى يكون فيه ما يعي عليه، وإذا امتلأ لا يكون فيه غير ما امتلأ به، فلهذا يدعو الإنسان
فإنه ملآن بما يدعو به، فإذا دعا فرغ أنيته فملأها الله بما أجابه به ممّا دعاه فيه وزيادة، فما

١٩٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
شرع الدعاء إلاَّ لتفريغ المحل ممّا ملأه الحق به، ولهذا ما ثم إلاَّ من يدعو ويبتهل وقال: انظر
إلى الكأس إذا كان ملآن بالماء ثم فرغته أو فرغت منه ما فرغت ما يخرج منه شيء في حين
خروجه إلاَّ عمر موضعه الهواء فهذه بشرى بسرعة إجابة الله من دعاه.
ومن ذلك آداب الحق ما نزلت به الشرائع قال: لما كان الأمر العظيم يجهل قدره ولا
يعلم ويعزّ الوصول إليه تنزلت الشرائع بآداب التوصل فقبلها أولو الألباب لأن الشريعة لب
العقل والحقيقة لب الشريعة فهي كالدهن في اللب الذي يحفظه القشر فاللب يحفظ الدهن
والقشر يحفظ اللب، كذلك العقل يحفظ الشريعة والشريعة تحفظ الحقيقة، فمن ادّعى شرعاً
بغير عقل لم يصحّ دعواه فإن الله ما كلف إلاَّ من استحكم عقله، ما كلف مجنوناً ولا صبياً ولا
من خرف من الكبر، ومن ادّعى حقيقة من غير شريعة فدعواه لا يصحّ، ولهذا قال الجنيد:
علمنا هذا يعني الحقائق التي يجيء بها أهل الله مقيد بالكتاب والسنّة أي أنها لا تحصل إلاَّ
لمن عمل بكتاب الله وسنة رسوله وذلك هو الشريعة. وقال: ((إِنَّ الله أَذَّبَنِي فَحَسَّنَ أَدَبِي)) وما
هو إلاَّ ما شرع له، فمن تشرع تأذّب ومن تأذب وصل.
ومن ذلك عين القلب في القلب قال: خلق الله الإنسان مقلوب النشأة فآخرته في باطنه
ودنياه في ظاهره وظاهره مقيد بالصورة، فقيده الله بالشرع، فكما لا يتبدّل لا يتبدّل وهو في
باطنه يتنوّع ويتقلب بخواطره في أي صورة خطر له كما يكون عليه في نشأة الآخرة، فباطنه
في الدنيا صورة ظاهره في النشأة الآخرة، وظاهره في الدنيا باطنة في النشأة الآخرة لهذا جاء:
﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] فالآخرة مقلوب نشأة الدنيا والدنيا مقلوب نشأة الآخرة،
والإنسان هو الإنسان عينه، فاجهد أن تكون خواطرك هناك محمودة شرعاً، فتجمل صورتك
في الآخرة وبالعكس.
ومن ذلك مراتب الحق عند الخلق قال: إذا أراد العبد أن يعلم مرتبته عند ربه ومنزلته
وقدره فلينظر في نفسه قدر ربه عنده ورتبته ومنزلته، وما يعامله به في حياته الدنيا من طاعة
ومعصية وموافقة ومخالفة وطلب علم وترك، فعلى ذلك الحد منزلته عند ربه، فميزانك بيدك
فإن شئت أرجح الميزان وإن شئت أخسره لا تلم إلاَّ نفسك. وقال: إذا كان عملك عن أثر
إلهيّ مشروع خرجت عن هوى نفسك ولو وافقت الهوى، وتكون ممّن نهى النفس عن
الهوى، وهنا نكتة ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] والجنة ستر والإيواء ستر، فإن النهي
عن الهوى لا يكون إلاَّ من أديب أو من مستور عنه الحق في الأشياء، فإنه لو كان صاحب
كشف لكان هواه ما ارتضاه الله وأراد أمضاه، فلا ينهى النفس عن الهوى من هذه صفته. ومن
ذلك اتساع فضاء الفضاء قال: كل ما هو العالم فيه فضاء فلا شيء أوسع من فضاء الفضاء،
وبقي عين ما ظهر فيه الفضاء هل هو من حكم الفضاء أم لا؟ فمن جهل الأعيان الثابتة لم
يجعل العين التي ظهرت فيها أحكام الفضاء من أحكام الفضاء، ومن علم أن أعيان
الموجودات لها ثبوت في حال عدمها وتميز بجميع ما هي عليه جعل حكم الفضاء على تلك
الأعيان فجرى عليها بالإيجاد فأوجدها، فكما جرى حكم الفضاء على كل ما في الوجود من

٢٠٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الأعيان بما هي عليه من التصريف كذلك جرى حكم الفضاء على الأعيان الثابتة بما ظهر من
وجودها .
ومن ذلك من تعبّد الخلق فقد برىء منه الحق قال: ما أحسن الخبر النبويّ في إشارته
بقوله {وَ﴾: ((العَبْدُ مَنْ لاَ عَبْدَ لَهُ)) ففهم منه المحجوب أنه من لا عبد له قام بأمور نفسه فهو
عبد نفسه، وما مقصود الحق في ذلك إلاَّ أن العبد من ليس له وجه إلى ربوبية وسيادة أصلاً.
فإذا ملك العبد أمراً ما فله سيادة على ما ملك، فالعبد على الحقيقة من لا ملك له لأن
المملوك ذليل تحت تصرّف المالك ولا يقدر على دفع تصرّفه فيه ولا يكون هذا إلاَّ بملك
الرقبة، فإن ملك التصريف دون الرقبة فهو مالك للتصريف لا مالك الرقبة، كالذي يستأجر
أجيراً على فعل يفعله فعبده التصرّف لا المتصرّف وهو المسمّى أجيراً، فالأجير خادم أجرته
فهو خادم نفسه، وذلك العبد فإنه لا عبد له فما له سيادة على أحد والعارف عبد الله وأن ملكه
التصريف ولا بدّ من ذلك فما له سيادة، فإن الرقبى الله والعمرى للعبد.
ومن ذلك الرؤية حجاب وهي الباب قال: ليس للمعرفة باب إلاّ الرؤية فإنه لا شيء
أوضح منها إلاَّ أنها حجاب على قدر المرئي وذلك لسبب وهو الشبه، فإن الرائي أي راء كان
ما يرى في المرئي إلاَّ صورته حقاً كان أو خلقاً، فلا يعرف قدر المرئي إلاَّ إن عرف ما رأى،
وأن الذي سمّاه مرئياً إنما هو مرئي فيه ما هو مرئي والمرئي صورته فما طرأ عليه غريب يستعد
للعمل معه بقدره إلاَّ أن ثم نكتة وهي أن المحل الذي رأى صورته فيه كست تلك الصورة
المرئية حالاً لم يكن لها إذ لم يكن لها المجلى، فلا بدّ أن يعامل ما رأى بما ينبغي لهذا
الحكم فتحقق .
ومن ذلك لا يرى السكينة إلاَّ من حقق تمكينه، قال: كل مدرك بقوّة من القوى الظاهرة
والباطنة التي في الإنسان فإنه يتخيل، وإذا تخيله سكن إليه فلا يقع السكون إِلاَّ لمتخيل من
متخيل، وجميع العقائد كلها تحت هذا الحكم في الخبر الصحيح: ((اعْبُدِ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فلهذا
كانت عقائد والعقائد محلها الخيال، وإن قام الدليل على أن الذي اعتقده ليس بداخل ولا
خارج ولا يشبه شيئاً من المحدثات، فإنه لا يسلم من الخيال أن يضبط أمراً لأن نشأة الإنسان
تعطي ذلك، والحكم تابع لذات الحاكم بقبول ما يعطيه المحكوم عليه، وليس المحكوم عليه
هنا إلاَّ المتخيل وهو المعتقد، فانظر ما أخفى وأقوى سريان الخيال في الإنسان، فما سلم
إنسان من خيال ولا وهم، وكيف يسلم ولا خروج للعقل عن هذه الإنسانية؟ فلو انعدمت
انعدم هذا الحكم فهو يوجد ما وجدت.
ومن ذلك قوّة اللطيف وضعف الكثيف قال: لا شيء ألطف من الخواطر والأوهام
وهي الحاكمة على الكثائف لضعف الكثيف وقوّة سلطان اللطيف، الدليل لنا صفرة الوجل
وحمرة الخجل، والتغيّر بالخوف والمخوف من حلوله ما له عين وجودية، وقد أحدث
الخوف في جسم الخائف حركة الهرب وطلب الستر والمدافعة، وما وقع شيء إلاَّ عين
الخوف وهو لطيف، فإذا حلّ به ما يخاف منه فلا بدّ من قوّة سلطان الخوف عليه وإن كان