Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك من رحل حلّ من الباب الأحد والثمانين ومائة: عمّ الوجود وجوده، فمنه
وفيه يرحل ويحلّ عبيده، فرحلة من يصطفيه إنما هي منه وإليه، وفيه الرب الكريم على
الصراط المستقيم، فأثبت أمراً هو عليه وما ثم سواه، فانظر من يصل إليه، إنما جعل يده
بناصيتك ابتغاء عافيتك، وهذا من كرمه وسابقة قدمه، فما ثم إلاَّ مستقيم وعلى منهج قويم،
لكونه بيد الكريم فلقد فزت بحظ عظيم: ﴿يَأَيُهَا الْإِنِسَنُ مَا غَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيِ﴾ [الانفطار: ٦]
ذكره بالحجة وأبان له عن المحجة، ليقول كرمك غرني والكريم لا يضرّني، وهو الغيور على
اسمه والمبقي في قلب عبده رسمه لسابق علمه .
ومن ذلك من حلّ لم يرحل من الباب ١٨٢ : الحال المرتحل من يكرّر تلاوة ما أنزل،
فانتهاؤه عين ابتدائه وبهذا حاز جميع أسمائه، فما حلّ إلاَّ رحل وما رحل إلاَّ حلّ، فرحيله
حلوله وحلوله رحيله والكل سبيله، ولا يصحّ ذلك إلاَّ في الحروف فإنها ظروف، فمن تكرّر
له المعنى في تلاوته فما تلاه حق تلاوته، وكان دليلاً على جهالته، ومن زادته تلاوته علماً
وأفادته في كل مرة حكماً، فهو التالي لمن هو في وجوده له تالي. ثم انظر في اعتنائه بعبده
حين أعلمه بأنه في تلاوته عند مناجاته على قدمه فيقول العبد: ((الحمد لله رب العالمين))
فيقول الله: ((حَمدني عَبْدي))، فجعل نفسه لعبده تالياً إذا أقام عبده لكلامه عزّ وجلّ تالياً،
وقسم الأمر بينه وبينه ليميز من كونه فإن ثم من يقول بأحدية الكون في العين فلهذا فصل
ليتبين ويتعين .
ومن ذلك ما ينكشف من الساق عند الفراق من الباب ١٨٣ : كشف الساق كما يؤذن
بالشدة كذلك يؤذن بسرعة انقضاء المدّة، مع كل زعزع رخاء وعند انتهاء الشدائد يكون
الرخاء، من عزّ هان ومن افتقر استدان، إهانته تركه زهداً لا بل ترك طلبه قصداً، من استدان
من غير حاجة مهمة فهو ناقص الهمة، من حكمت عليه معرفته فقد تنقصه همته، مع غناه عن
القرض وقد أقامه سبق العلم مقام الفرض، فدخل تحت حكمه لقوّة سلطان سابق علمه ﴿وَإِن
مِن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] والفرض شيء وهو خازنه، فلا بدّ من ظهور أثره في
بشره جاء ذلك في خبره، كشفت الحرب عن ساقها وعقدت عليها أزرة أطواقها، فاشتدّ اللزام
وكانت نزال لما عظم القيام، وجاء ربك في ظلل من الغمام، والملائكة للفصل والقضاء
والنقض والإبرام، وعظم الخطب واشتدّ الكرب، وماج الجمع بحكم الصدع ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ
وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] ثم إلى النعيم المصير.
ومن ذلك العلم والمعرفة بالذات والصفة من الباب ١٨٤ : المعروف الذات والمعلوم
الصفات، من عرف نفسه عرف ربه، ما وسع القلب ربه حتى علم قلبه، العلم ما علم
بالعلامه، فالعالم علامه، فلا تعلم ذات إلا مقيدة وإن أطلقت، هكذا عرفت الأشياء
وحققت، فالإطلاق تقييد في الأرباب والعبيد، والتحديد لباس وفي التحديد الالتباس،
فاحذر من اللبس فإنه من أخفى ما يكون في النفس، أين علم المريد والناس في لبس من خلق
جديد، الخلق مع الأنفاس وهو فيها في خلع ولباس، ولا يشعر بذلك إلا قليل من الناس،

١٢٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
المعرفة أحدية المحتد والعلم ثنوي المشهد، العلم يتعلق بالإله، والمعرفة تتعلق بالرب
وتنفي الاشتباه، بالمعرفة يزول الاشتراك وفيها يقع الارتباك، الذات مجهوله فلا تقل فيها علة
ولا معلوله، ولا يصح أن تكون لحق محققه، ولا لشرط مشروطه، ولا لدليل مدلوله، وجه
الدليل يربط الدليل بالمدلول، والذات لا ترتبط، وقد خاب من اشترط ووقع في الغلط.
ومن ذلك مراتب الأحبة فى منزل المحبة من الباب ١٨٥ : الأحباب أرباب والمحبوب
خلف الباب، المحب رب دعوى فهو صاحب بلوى، لولا دعوى المحبة ما وقع التكليف،
ولولا المحبة ما طلبنا الجزاء من اللطيف، المحبوب إن شاء وصل وإن شاء هجر، فإذا ادّعى
محبة محبه اختبر، فالمحب في الاختبار والحبيب مصان من الأغيار، ولهذا لا تدركه الأبصار
وهو يدرك الأبصار، للأحبة منزل في المحبة، فحبيب جنيب وحبيب قريب، فالمحب إذا كان
ذا جنابه فما هو من القرابه، وإذا لمن يكن جنيباً كان قريباً، قرب الحبيب بالاشتراك في
الصفة، وجنابته في عدم الاشتراك فيها كما أعطت المعرفة، تقرّب إليّ بما ليس لي لما طلب
القرب الوليّ، والذي ليس له الذلة والافتقار فهو الغنيّ العزيز الجبار، والمتكبر خلف باب
الدار، انظر إلى ما أعطاه الاشتراك والدعوى من البلوى هو في النزوح بالجسم الصوري
والعقل والروح، ولهذا لا يتجلى لمن هذه صفته إلاّ القدوس السبوح، فالنزيه للعين لا يقول
بالاشتراك في الكون.
ومن ذلك إيضاح السبيل في إلحاق محمد بالخليل من الباب ١٨٦ : اللهمّ صلٌ على
محمد كما صلّيت على إبراهيم في العالمين، لمن هو في هذه الحال من الأبرار ومن
المقربين، أين هذه العلامة من قوله: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) وأنه يفتح باب الشفاعة دون
الجماعة للجماعة، ومن الجماعة الخليل بذلك المقام المحمود الجليل، كان لآدم السجود
ولمحمد المقام المحمود، بمحضر الشهود، يا ليت شعري هل تقوم الخُلّةُ بكون رسالة محمد
التي تعمّ كل مّة؟ وبما أوتي من جوامع مناهج الأدلة، ولا ينال الخَلَّةَ إلاَّ من سدّ الخَلَّة،
محمد صاحب الوسيلة في جنته، وما نالها إلاّ بدعاء أمته، وأين أمته منه في الفضيلة؟ ومع
هذا بدعائهم نال الوسيلة، والمدعو له أرفع من الداع، فلتكن لما أورده من الصلاة على
محمد كالصلاة على إبراهيم الحافظ الواعي، ونحن المؤمنون العالمون بسيادته وخصوصية
عبادته، وأين المقام المحمود من مقام السجود؟ سجد المقرّبون والأبرار لبناء قائم من التراب
والأحجار، فالمجد الطريف والتليد فيمن اختصّ بالمقام الحميد.
ومن ذلك الشوق والاشتياق للعشاق من الباب ١٨٧ : الشوق يسكن باللقاء، والاشتياق
يهيج بالانتقاء، لا يعرف الاشتياق إلاَّ العشاق، من سكن باللقاء قلقه فما هو عاشق عند أرباب
الحقائق، من قام بثيابه الحريق كيف يسكن؟ وهل مثل هذا يتمكن؟ للنار التهاب وملكة فلا بدّ
من الحركة، والحركة قلق فمن سكن ما عشق، كيف يصحّ السكون وهل في العشق كمون،
هو كله ظهور ومقامه نشور، العاشق ما هو بحكمه وإنما هو تحت حكم سلطان عشقه، ولا
بحكم من أحبه هكذا تقتضي المحبة، فما حبّ محبّ إلاَّ نفسه، أو ما عشق عاشق إلاَّ معناه

١٢٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
أو حسّه، لذلك العشاق يتألمون بالفراق، ويطلبون لذة التلاق، فهم في حظوظ نفوسهم
يسعون، وهم في العشاق الأعلون، فإنهم العلماء بالأمور، وبالذي خباه الحق خلف الستور،
فلا منة لمحب على محبوبه فإنه مع مطلوبه به، وما له مطلوب ولا عنده محبوب ومرغوب،
سوى ما تقرّ به عينه ويبتهج به كونه، ولو أراد المحب ما يريده المحبوب من الهجر هلك بين
الإرادة والأمر، وما صحّ دعواه في المحبة ولا كان من الأحبة، ففكر تعثر.
ومن ذلك الاحترام والاحتشام من الباب ١٨٨ : لا تقع منفعة من غير محترم فاحترم،
ولا تنفع هبة إلاَّ من محتشم عندك فاحتشم، فمن قام بالخدمة وطرح الحرمة والحشمة، فقد
خاب وما نجح، وخسر وما ربح، الخادم في الإذلال لا في الإدلال، ما للخادم وللدلال
وماله وللسؤال، إن لم يكن الخادم كالميت بين يدي الغاسل لم يحل من مخدومه بطائل، إذا
دخل الخادم على مخدومه واعترض ففي قلبه مرض، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌُّ
بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] وهم لا يشعرون ولا يعلمون، من رمى حرمته قلبك فما هو
ربك، فجنب خدمته وصحبته حتى تجد حرمته، فإذا وجدتها فارجع إليه، هكذا أجمع أهل
الله فيما عوّلوا عليه، ذكر ذلك القشيري في رسالته في احترام الشيخ ومواصلته بالحرمة تنال
الرغائب في جميع المذاهب، من حسن ظنّه بحجر انتفع به في مذهبه.
ومن ذلك الإيقاع للسماع من الباب ١٨٩: الإيقاع أوزان والله وضع الميزان، الوجود
كله موزون فلا تكن المحروم المغبون، وما ننزله إلا بقدر معلوم وهو عين الوزن المفهوم، له
الاسم الحكيم في الحديث والقديم، فالميزان حاكم وبه ظهرت المقاسم، ومن جملتها
الإيقاع للسماع، فلهذا هي حركة السامع فلكيه إذا كانت صادقة عن فناء ملكيه، فإن كانت
نفسيه فليست بقدسيه، وعلامتها الإشارة بالأكمام والمشي إلى خلف وإلى قدام، والتمايل من
جانب إلى جانب والتصرّف بين راجع وذاهب، ومن هذه حاله فما سمع ولا أثر فيه الموقع
بما وقع، فمثل هذا أجمع الشيوخ على حرمانه بين إخوانه، فمن ادّعى سماع الإيقاع في
الأسماع وماله وجود فهو من أهل الحجاب والمحجوب مطرود، هل ظهر عن ((كن)) إلا
الوجود؟ وهذا سار في كل موجود، ولذلك قرن الإعدام بالمشيئة فلا تبع بالنسيئة .
ومن ذلك ما هو السماع الذي عليه الإجماع من الباب ١٩٠ : السماع الذي عليه
الإجماع ما كان عن الإيقاع الإلهيّ والقول الرباني، فلا ينحصر في النغمات المعهودة في
العرف فإن ذلك الجهل الصرف، الكون كله سماع ولكن عند صاحب الأسماع، من قام به
الطرش لم يفرح يوماً بالدهش، ولا كان عنه كون ولا ظهر منه عين، ما أشبه الليلة بالبارحه
عند صاحب السماع بالقلب والجارحه، أنت الليلة وهو البارحة، فأين من له لفقد مثل هذا
نفس نائحه، فعذبها عدم النسب، وشغلها بتقييد اللهو والطرب عن هذا النسب، فإن النسب
هو القربى في الإلهيين والرّبانيين، فالسماع المطلق لمن تحقق بالحق، فإنه ما خصّ بكن كوناً
من كون، ولا توجهت على عين دون عين، فالكل قد سمع بما قد صدع، فمن قيد السماع
بالأوزان والتلحينات المقسمة بالميزان، فهو صاحب جزء لا صاحب كل وهو على مولاه

١٢٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
كل، مولاه أوّل زاهد فيه ولهذا لا يصطفيه، كيف يقيد المطلق من ادّعى أنه بالحق تحقق، من
سرى في الوجود تقييده صحّ إيمانه وعلمه وكشف وتجريده وتوحيده.
ومن ذلك كرامة الله بأوليائه في أسمائه من الباب الأحد والتسعين ومائة: من تصرف في
أسمائه كان من أوليائه، الأسماء بحكم العبيد، ولهذا صحّ التخلق بها في الوجود، لا بل
التحقق المقصود من فك المعمى لم ينظر الأسماء من حيث دلالتها على المسمّى، فإن ذلك
لا يتخلق به بل يتحقق به المتنبه للأسماء دلالتان ولها تعلقان: التعلق الواحد دلالتها على
المسمّى الواحد الذي يجتمع فيه الأسماء كلها من غير أمر زائد، والدلالة المطلوبة ما تتميز به
الأسماء من المعاني كما تميزت بالألفاظ والمباني، فالمباني كالعالم والعليم والعلاّم،
والألفاظ مثل هذا، وكالخالق والقادر في الأحكام، فانظر في هذه الأقسام فإذا علمتها فأنت
الإمام المقدم على جميع الأنام والملائكة الكرام، هذا علم أبيك فاجعله قوتك فإنه لن
يفوتك، فكل كرامة لا تتصل بالقيامة فما هي كرامة، واحذر من الاستدراج في المزاج.
ومن ذلك ما للأنام من الإكرام من الباب ١٩٢ : الإكرام الإلهي في الأنام الرؤية
والمشاهدة والكلام، الرؤية هي المنية، والمشاهدة رؤية الشاهد وهي ترجع إلى العقائد، فهي
تعرف وتنكر والرؤية لا يدخلها إنكار فتبصر، والكلام ما أثر ولا يدخله انقسام، فإذا دخله
الانقسام فهو القول وفيه المنة الإلهية والطول، القرآن كله قال الله وما فيه تكلم الله وإن كان قد
ورد فيه ذكر الكلام ولكن تشريفاً لموسى عليه السلام، ولو جاء بالكلام ما كفر به أحد لأنه من
الكلم فيؤثر فيمن أنكره وجحد، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]
كيف سلك به نهجاً قويماً؟ فأثر فيه كلامه وظهرت عليه أحكامه، فإذا أثر القول فما هو لذاته
بل هو من الامتنان الإلهيّ والطول، ففرّق بين القول والكلام، تكن من أهل الجلال والإكرام،
كما تفرّق بين الوحي والإلهام، وبين ما يأتي في اليقظة والمنام.
ومن ذلك من رأى السعادة في العادة من الباب ١٩٣ : حكمة العادة في علم الشهادة
إثبات الإعادة أن الإيمان بها يعطي السعادة، العادة عود الحق إلى الخلق، وإن اختلفت الصور
ففيه إثبات الغير، فلا تجريح فإنه العلم الصحيح، لا تكرار في الوجود وإن خفي في الشهود،
فذلك لوجود الأمثال ولا يعرفه إلاَّ الرجال، لو تكرّر لضاق الطاق ولم يصحّ الاسم الواسع
بالاتفاق، وبطل كون الممكنات لا تتناهى، ولم يثبت ما كان به تباهى، من قال بالرجعة بعدما
طلق فما طلق، وكان صاحب شبهة فيما نطق أنه به تحقق، وإن لم يكن كذلك فهو أخرق،
وكلامنا مع العاقل العارف بهذه المعاقل، فإنه عن العلم بمثل ما ذكرناه ليس بغافل، الطلاق
الرجعي رحمة بالجاهل الغبي، ولو قلنا في الرجال بالرجعة في الطلاق، خرقنا في ذلك ما
جاء به أهل الله من الاتفاق، فإنه نكاح جديد ولذلك يحتاج إلى شهود أو ما يقوم مقام
الشهود، من حركة لا تصحّ إلا من مالك غير مطلق وكذا هو عند كل محقق، فمذهب أهل
الأسرار لا تكرار مع ثبوت العادة والإيمان بالإعادة، ولكن كما شرحناه وبيناه للناظر
وأوضحناه، وبه عند كل ذي إذن أفصحناه، فإذا علمت فتصرف في العبارات كيف شئت، فما

١٢٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
يعلم كما بدأكم تعودون إلاَّ من علم وننشئكم فيما لا تعلمون، فمن آمن ببعض وكفر ببعض
فهو الكافر حقاً والجاهل الظالم نفسه صدقاً.
ومن ذلك الإعجاز في الصدق والإيجاز من الباب ١٩٤ : أريت في الواقعة الجامعة
حقيقة الإعجاز في النطق بالصدق، فاصدق في نطقك تكن المعجز فأسهب بعد ذلك أو
أوجز، فإن الغاية في الإعجاز المبالغة في الإسهاب والإيجاز، فما من آية إلاَّ هي أكبر من
أختها وإن تولدت عنها وقامت لها مقام بنتها، فقد يكون في الشاهد الولد أعظم في القدر من
الوالد، وأما في الغائب فهو غير صائب إلاَّ في موضع واحد وهو ما تولد عندك من معرفتك
بربك عند معرفتك بنفسك وإن كان ليس من جنسك، فذلك العلم لهذا العلم كالولد وهو
أعظم قدراً من الوالد عند كل أحد، وما سوى هذا وأمثاله في الغائب فليس بصائب، فلا تقس
الغائب على الشاهد في كل موطن فإنه مذهب فاسد، يرحم الله أبا حنيفة ووقاه من كل خيفة،
حيث لم ير الحكم على الغائب وهو عندي من أسد المذاهب، وأحوط من جميع الجوانب.
ومن ذلك رتبة وحي المنام من الكلام من الباب ١٩٥ : النبوّة في المبشرات مخبوءة،
فمن لا مبشرة له لا نبوّة له وإن لم تكن نبوّة مكملة، وإن كانت بالمقام الرفيع وهو التشريع،
ولكن إذا تحقق الرائي لديه من يوحي بذلك إليه حينئذٍ يعول عليه فإن أوحى به الرسول فله أن
يقتصر بذلك على نفسه ويقول، فإن تحقق عند السامع حقّه وثبت عنده صدقه تعين في ذلك
اتباعه وحرم عليه قِرَاعُه، فإن كان ناسخاً لحكم ثبت بخبر الواحد فالأخذ به معين عند
الواجد، وبقي النظر والتكملة في المقلد له، فإن كانت العدالة على السواء فصاحب الرؤيا
أولى بمحجة الاهتداء، فحكم وحي المنام بشرائطه حكم اليقظان بالدليل النقلي والبرهان،
وهو بمنزلة الصاحب في السماع والتابع إياه بمنزلة الأتباع، فإن كان الموحي بذلك الحق
تعالى أو الملك إليه فتناوله بحسب الصورة التي نزل بها عليه، ولا يتخذ ذلك شرعاً يتعبده
وإن كان يحمده، وهذه فائدة سرجها متوقدة من شجرة مباركة من تشاجر الأسماء ويكفيك
هذا الإيماء، فاعمل بحسبه واعلم قدر منصبه .
ومن ذلك نظم السلوك في مسامرة الملوك من الباب ١٩٦ : الذي يختاره الملك
المسامرته ويصطفيه بسامره بالاسم الذي يتجلى له الملك فيه، فهو بحكم تجليه في تحليه،
فيتنوّع السمر كما تتنوّع في العقود الدرر، وعلى هذه الصورة يكون الخبر والحديث، فتارة في
القديم وتارة في الحديث، فإذا كان السمر في تدبير الملك كان بحكمه وتحت سلطان اسمه
فيتخيل في الملك أنه مخدوم وهو بما يحتاج الرعايا إليه عليه محكوم، وإن لم يكن كذلك
فليس بملك ولا مالك، وقد يكون السمر في شأن المنازع وتعيين المدافع، وما يصرفه في
ملكه في صبيحة ليلته من المضار والمنافع، فاختصاص المسامرة بالاسم الضار والاسم
النافع، فما له حديث إلاَّ في الحدوث، لا يصحّ من النديم الحديث في القديم، ولهذا قال في
كلامه تعالى: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] مع علمنا بقدمه وهو عين
كلمه، فكثره ووحده وقسمه وأفرده، وأنزله وأحدثه وناجى به المسامر وحدثه، فمن

١٢٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
المسامرين المستغفرون، ومنهم التائبون الحامدون الراكعون الساجدون، فلا يزالون في هذا
رغبة في المثوبة والأجر حتى ينصدع الفجر، ولذا يبكر بالصبح ويغلس في أوّل ما يتنفس.
ومن ذلك المسافر منافر من الباب ١٩٧ : السفر قطعة من العذاب لما يتضمنه من فراق
الأحباب، فالمسافر منافر في سفر الأكوان والنزوح عن الأوطان، الرحمن ينزل كل ليلة من
عرشه إلى سمائه بجميع أسمائه، وفي القيامة ينزل بعرشه إلى فرشه، وقد قيل في السفر
للمسافر خمس فوائد: [الطويل]
تَفَرُّجُ هَمِّ واكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ
وعِلْمٌ وآدابٌ وصُخْبَةُ مَاحِدٍ
لا هم إلاَّ هم الوحيد لما هو عليه من التفريد، ففي وجود الخلق مؤانسة الحق،
واكتساب المعيشة ما يأتي إليه به الأرسال من أعمال العمال، وعلم في سرّ قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾
[محمد: ٣١] فافهم. وآداب ما يأتون به من جميع الخير طلباً لحسن المآب، وصحبة ماجد مثل
الداعي والسائل والمستغفر والتائب وهو القاصد، فصحّ ما نظمه الشاعر في السفر للمسافر،
فالسفر صفة الحق ولا يطلق إلاَّ على الخلق، فهو في الحق نزول وفي الخلق عروج ورحيل.
ومن ذلك الثلاثة نفر في السفر من الباب ١٩٨ : الحق والملك والغمام اثنان الله ثالثهما
والسلام، فالركب المحفوظ بعين الله ملحوظ، الواحد شيطان لبعده عن الجماعة، والاثنان
شيطانان لعدم الناصر وتوقع ما تقوم به الشناعة، والثلاثة نفر وهم أهل الأمان غالباً في السفر،
التثليث من أجل المحدث والمحدث والحديث، ما كفر القائل بالثلاثة وإنما كفر بقوله :
﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] فلو قال: ثالث اثنين لأصاب الحق وأزال المين: ((ما
ظَنُّكَ بِاثْنَين الله ثالثهما؟)) يريد أن الله عزّ وجلّ حافظهما يعني في الغار في زمان هجرة الدار
من أصعب أحوال الإنسان فراق الأوطان، فمن كان وطنه العدم في القدم كانت غربته
الوجود، وإن حصل له فيه الشهود، فهو يحن إلى وطنه ويغيب عند شهود سكنه، والفناء حال
من أحوال العدم عند من فهم الأمور وعلم، فما يطلب أهل الله إلا لأجل الفناء عن الوجود،
وأما بعض العبيد فلما فيه من الجود كما أن منزل الحق التوحيد فيفنيهم عند الشهود لحصول
التفريد، والله على ما نقول شهيد. وقد قال أهل اللسان إنه الآن على ما عليه كان نعني من
التنزيه ونفي التشبيه .
ومن ذلك الحالُّ ما حلّ وحالَ من الباب ١٩٩ : الحال ما حال فالوجود كله حال، لا
يصحّ الثبات على شأن واحد لما تطلبه المحدثات من الزوائد، فالأمر شؤون فلا يزال يقول
لكل شيء كن فيكون، ثم إنه عندما يكون يستحيل فتظهر وفي وطنها تقيل، ما لها قوّة على
فراق السكن ولا النزوح عن الوطن، فترجع إلى العدم في الزمن الثاني من غير تواني، فهو
وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَبِ﴾
يخلق وهي تنفق؛ الوجود كله تعب، ولذا قال له: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ
[الشرح: ٧-٨] فما فرغ إلاَّ اشتغل، ولا انقضى عمل إِلاَّ استعمل، وكان في العدم صاحب راحه
لأنه في موطن الاستراحه، إذا كان الرحمن ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فما ظنك
بالأكوان ما قال بأن العدم هو الشرّ إلاَّ من جهل الأمر إنما ذلك العدم الذي ما فيه عين ولا

١٢٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
يجوز على المتصف به كون وليس إلا المحال فذلك العدم هو الشرّ المحض على كل حال،
وأما العدم الذي يتضمن الأعيان فذلك عدم الإمكان فهي أعيان تشهد وتشهد فهي الشاهد
والمشهود في حال العدم والوجود، فإلى الأحوال هو المآل إليه، حن الإنسان ومال، ومن
هنا يثبت شرف الذوق والحال.
ومن ذلك مقام المنزلة في البسملة من الباب الموفي مائتين: المكانة أمانة فلا تجرحها
بالخيانة، فإن الله أمر بأدائها إلى أهلها، فقبولها عرض وأداؤها فرض، وما يقبلها إلاّ من
جهلها، والقابل لها بطريق الجبر مضطرّ، فعذره مقبول وليس بالظلوم الجهول، والقابل لها
بالاختيار مدخل نفسه تحت حكم الاضطرار فيعود مملوكاً وقد كان مالكاً وكان ناجياً فعاد
هالكاً، قال رسول الله وَله في الإمامه أنها ندامة يوم القيامه، وذلك الأمير المختار لا من
أخذها بحكم الاضطرار، فمن أعطيها أعين عليها ومن طلبها وكله الله إليها، وإن كانت منزلتها
رفيعه فحجبها منيعه، فإن وليت فاستقل ولا تشتغل، فإن جبرت ولا بدّ فاحفظ العهد وأوف
بالعقد، فالعالم برتبتها إذا وليها حذر لأن مقامها خطر، فإياك وإياها وتحفظ من منتهاها.
ومن ذلك المكانة أمانة من الباب الواحد ومائتين: إنما يصحب صاحبها الملل ويقوم به
الكسل، لما فيها من مراعاة الحقوق وهو أمر يصعب على المخلوق، فاعتزل عن صحبة ما
يورث الملل، والملل سببه الجهالة بالخلق الجديد ولذة المزيد، فالملول جهول وفيه أقول :
[البسيط]
أُوصِيكَ أُوصِيكَ لا تَصْحَبْ أخا مَلَلٍ
لأن ذلك أَمْرٌ ليس يَعْرِفُهُ
وإنّ ذلك أمْرٌ ليس يجهلُه
إن الملالةَ لا تُعطيك صُورَتَها
فما يَمَلُّ جوادٌ من جَدّى أبداً
إن كان وَاجِدَ مالٍ فهو يَبْذُلُهُ
ليس الملالةُ في النُّعْمَى إذا وَرَدَتْ
فكل جُودٍ فإفلاسٌ يُحَقّقُهُ
لو كانَ يُعْطِيكَ ما تحتاجُ راحَتُه
إن الكريم الذي يعطيك حاجَتَهُ
الحَقُّ مُرٍّ ولا يَخْلُو لذائقه
ولا تَقُلْ إنه من نَعْتِ ذِي الأَزَلِ
إلاَّ الذي لم يَقُلْ في الحَقّ بالعِلَلِ
إلاَّ الذي قال خَلْقُ الخَلْقِ بِالحِيَلِ
إلاَّ المَلامَ فَكُنْ منها على وَجَلٍ
إن الكريم على الإنعام ذو حِيَلٍ
وما أرى لك في الإفلاس من مَلَلِ
إن الملالةَ في الإفلاس تظهرُ لي
فَقْدُ الجَوادِ له فانْظُرْهُ في مَهَلٍ
إليه لاتَّصَفَ المعلومُ بِالبَخَلِّ
وذا مقالٌ أنا منه على خَجَلٍ
إلاَّ إذا كان ذا حُكُم على الدُّوَلِ
ومن ذلك الشطح من الفتح من الباب ٢٠٢: من شطح عن فنا شطّح، وهذا من أعظم
المنح، إلاّ أنه يلتبس على السامع، فلا يعرف الجامع من غير الجامع، ولهذا الالتباس جعله
نقصاً بعض الناس، من باب سدّ الذريعة لما فيها بالنظر إلى المخلوق من الألفاظ الشنيعة،
التي لا تجيزها لهم الشريعة، فمن تقوى في هذا الفتح، وعلم من نفسه أنه ليس بشاطح، لم
يظهر عليه شيء من الشطح، فلا يظهر الشطح، من صاحب هذا الوصف، إلاّ إذا كان في

١٢٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
حاله ضعف، إلا أن نبين ذلك عند الواصل والسالك، ألا ترى إلى ما قال صاحب القوّة
والتمكين في إنفاذ الأمر: ((أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ )) فانظر إلى أدبه في تحليه، كيف تأدب مع
أبيه، وما ذكر غير إخوته، فالأديب من أخذ بأسوته، فإن ربه أدّبه، ومن أدّبه الحق أنزل الناس
منازلهم لما تحقق .
ومن ذلك الطالع ضليع لا ظالع من الباب ٢٠٣: الطالع يتأخر لأنه به تعثر، والضليع
تقدم ليكون في الصف المقدم، ألا ترى المسمّى بالأوّل كيف رغب في الصف الأوّل، وحكم
فيه بالاقتراع لما فيه من الاعتلاء والارتفاع، فالظالع يدافع المنازع، فهو علم في رأسه نار لما
يأتي به من الأخبار، فيستفهمه من ورد عليه لينظر فيما أتى به إليه، كان طالع موسى الجبل
وطالع الخليل النور الذي أفل، فأعقب ذلك الأفول الحق كما أعقب اندكاك الجبل الصعق،
فما أصعق الكليم إلاَّ الذي دّ الجبل العظيم، فما أفاق الكليم من صعقته إلاّ لما بقي عليه من
أداء نبوته، وإن كان الإنسان أقوى من الجبال ولا سيما إذا كان من الأبدال، وقد صحّ ذلك
بالخبر النبويّ عن الله العليّ، ولكن قد ثبت عنه في الكتاب المكنون، أن خلق السموات
والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فدخل تحت هذا المقال ما في
الأرض من الجبال، فسلم تسلم وافهم الأمر واكتم.
ومن ذلك الإياب ذهاب من الباب ٢٠٤: الذهاب إليه إحالة منه عليه، من أمرك في
يديه فأنت لديه، ما برحنا منه حتى نسأل عنه، هو المشهود في كل عين والشاهد كل كون،
فهو الشاهد والمشهود لأنه عين الوجود، فمن عرفه سمّاه وما وصفه، ما ورد خبر بالصفات
لما فيها من الآفات، ألا ترى إلى من جعله موصوفاً كيف يقول: إن لم يكن كذلك كان
مؤوفاً، وما علم أن الذات إذا قام كمالها على الوصف فإنه حكم عليها بالنقص الخالص
الصرف، من لم يكن كماله لذاته افتقر بالدليل في الكمال إلى صفاته، وصفاته ما هي عينه فقد
جهل القائل أن الصفة كونه، فأين تذهبون ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] ﴿إِن يَشَأْ
يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] أيها الناس وقد أذهبهم بما وقع بهم من الالتباس.
وَأَلْصُّبْحِ إِذَا نَنَفَسَ﴾
ومن ذلك التنفيس تقديس من الباب ٢٠٥: ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
[التكوير: ١٧ - ١٨] إنه للرحمن الناصر، الذي ليس في نصره بقاصر، الناصر المؤتمن الآتي من
قبل اليمن، نصر بالصبا لما فيها من الميل والحنان، وهو النفس الذي في الإنسان، لذلك ورد
في الأخبار أنه كناية عن الأنصار، في الهبوب إلى المحبوب تنفس المكروب، ما ثم إلاَّ
تنفيس لذلك هو تقديس، وإن كان يتضمن في الكرب فإنه من جملة القرب، والحقيقة تعطي
ذلك لاختلاف الأغراض، وما في القلوب من الأمراض، مصائب قوم عند قوم فوائد، فكل
ما زاد عليه فهو من الزوائد، لا يعرف الزائد إلاَّ الواحد، وأما واحد الكثرة فلا يعرف بالزائد
لأن عین کثرته واحد .
ومن ذلك الأسرار في الإصرار من الباب ٢٠٦: الإصرار الإقامة والأسرار مكتمة إلى
يوم القيامة، لولا حضور الأغيار ما كانت الأسرار، السرّ ما بينك وبينه وما هو أخفى ما يستر

١٢٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
عنك عينه، فلا يعلم الأخفى إلاَّ الله الواحد، والسرّ يعلمه الزائد، وما زاد فهو إعلان وزال
عن درجة الكتمان، لا تودع سرّاً، إلاَّ من كان مصراً، فإنه يقيم على الود، ويفي بالعهد،
ويصدق في الوعد، ويستوي عنده القبل والبعد، لأنه في الآن وهو حقيقة الزمان، من أعجب
ما يعتقده أهل التوحيد، وصفه بالقريب البعيد، قريب ممّن هو بعيد عمّن هو أقرب من حبل
الوريد إلى جميع العبيد، ومع هذا يقال للإنسان هل امتلأت؟ فيقول: هل من مزيد؟ مَنْ جهنم
طبيعته عصمته شريعته .
ومن ذلك الاتصال ليس من مقامات الرجال من الباب ٢٠٧ : [السريع]
وليس هذا من مَقَامِ الرِّجَالِ
كُلُّ اتْصَالٍ مُعْلَمْ بِالْفِصَالٍ
وأيضاً: [السريع]
أثْبَتَ بالأغْيار عَيْنَ الكَمَالْ
ما شَفَعَ الوَاحِدَ إلاَّ الذي
فما له عن نَقْصِهِ من زَوَالْ
من لم يَكُنْ في ذاته كاملاً
فذاته تشبه ذات الظّلالْ
وكل من يَكْمُلُ من غيره
وجِسْمِهِ الأَكْثَفِ في كل حَالْ
يَفْتَقِرُ الظلُّ إلى نُورِهِ
وأين عَيْنُ الجسم حتى يرى
فاعتبروا ما قلتُه إنني
ما كُلُّ عِلْم عند أهل الحِجَى
عيني له ظِلاً وهذا مُحَالْ
ما قلتُه إلاَّ لضَرْبِ المِثَالْ
يُذْرَى به يدخلُ تحت المَقَالْ
إنما يتصل الأجنبيّ وما يقول به إلاَّ الغبي، نفى الكتاب المنزل المثلية وإنما الأعمال
بالنية، فانظر إذا ما ورد أيّ شيء قصد.
ومن ذلك التفصيل في الإجمال جمال من الباب ٢٠٨: من فصل بينك وبينه أثبت
عينك وعينه، ألا تراه تعالى قد أثبت عينك وفصل كونك بقوله، إن كنت تنتبه: كنت سمعه
الذي يسمع به، فأثبتك بإعادة الضمير إليك ليدل عليك، وما قال بالاتحاد إلاَّ أهل الإلحاد،
وأما القائلون بالحلول فهم من أهل التفصيل، فإنهم أثبتوا حالاً ومحلاً وعيّنوا حراماً وحلاً،
فمن فصل فنعم ما فعل، ومن وصل فقد شهد على نفسه أنه فصل، لأن الشيء لا يصل نفسه
بنفسه إلا إذا كان الشيء أشياء وكان ذا أجزاء، وإنما الواحد كيف يصحّ فيه انقسام، وما ثم
على عينه أمر زائد فالفصل لأهل الوصل.
ومن ذلك من راضه فقد أغاضه من الباب ٢٠٩ : يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي،
فغيض الماء وارتفعت الأنواء، وقضي الأمر وظهر في النجاة السر، واستوت سفينة نوح عندما
أقلعت السماء وشرقت يوح، على جوديّ الجود لتتم كلمة الوجود، بوالد ومولود إلى اليوم
الموعود، فإنه لو انقطع الأصل لانقطع النسل، التواصل سبب التناسل، فإن كان عن نكاح
فهو مع المطهرين من الأرواح، وإن كان عن سفاح فهو ممّن قصد بإيجاده الصلاح، وإن كان
الكل عباده في عالم الغيب والشهادة، فكل قد علم صلاته وتسبيحه وإن لم نفقه تسبيحه،
فإني مؤمن بأن كل عين مسبح بحمده في كل كون.
الفتوحات المكية ج٨ - م٩

١٣٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك التحلية صفة أهل الألوية من الباب ٢١٠: التخلق بمكارم الأخلاق دليل على
كرم الأعراق، التحلية طواعية ما تحلّى من أدبر وتولى، من خصّ بالتحلي فهو دليل على
صحة التحلي، المشاركة في الصفات دليل على تباين الذوات، بالشرك عرف الملك والملك
زال الإفك بالشرك، التوحيد في الإله من حيث ما هو إله لا من حيث الأسماء فإنها للعبيد
والإماء، بها يكون التحقق وهي المراد بالتخلق، قد قال في الكتاب الحكيم عن رسوله
الكريم: إنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال سبحانه عن نفسه في كلامه القديم:
﴿﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] فقد عرفنا بأنه وصف نفسه بما وصفنا، فلولا صحة
القبول منا ما أخبر بذلك عنا، وخبره صدق وقوله حق، فبمثل هذا الاشتراك كان الأملاك،
وما من ذرة في الكون إلاَّ ولها نصيب من هذه العين.
ومن ذلك المِنَصَّة لمن عرف ما نصه من الباب الأحد عشر ومائتين: الخلق مجلى
الحق، فإذا نظرت فاعلم من تنظر كما علمت من ينظر، فإن نظرت في كونه بعينه فاحذر من
بينه، وإن نظرت بغير عينه فقد فزت بعظيم بينه فبينه فصله ووصله ولهذا دلّ عليه عينه، على
هذا وقع الاصطلاح عند الشرّاح، فهو من الأضداد كالجون في البياض والسواد وكالقرء في
الطهر والحيض المعتاد، المنصات للأعراس والملوك فهي للتفرقة بين المالك والمملوك،
نظم السلوك في السلوك، والتعب والراحة في الدلوك، والميل في الجور والعدل.
ومن ذلك الانفراد لأهل الوداد من الباب الثاني عشر ومائتين: الخلوة بالمحبوب هو
المطلوب، والانفراد معه غاية الدعة والخروج من الضيق إلى السعة، لا يفرح بهذا الانفراد إلاّ
أهل المحبة والوداد، ما هو منفرد من هو بحبيبه متّحد: [الرمل]
إِنْ يَشَأْ شِئْتُ وإِنْ شِئْتُ يَشَا
رُوحُهُ رُوحِي ورُوحِي رُوحُهُ
توحدت الإرادة بين الأحباب، وإن تعدّدت الأعيان فإلى واحد المآب، الأمر عند أهل
التحقيق في صادق وصديق، الصادقان يفترقان لأنهما مثلان والمثلان ضدان، والضد مدافع
فلا تنازع، دخلت على بعض الشيوخ من أهل العناية والرسوخ بمدينة فاس فأفادني هذه
المسألة وقال: احذر من الالتباس.
ومن ذلك ليس من الملة من قال بالعلة من الباب ٢١٣ : الحق عند أهل الملة لا يصح
أن يكون لنا علة لأنه قد كان ولا أنا فلماذا تتعنى؟ من كان علة لم يفارق معلوله كما لا يفارق
الدليل مدلوله، لو فارقه ما كان دليلاً ولا كان الآخر عليلاً، الشفا من أحكام العلل في الأزل،
ما قال بالعلة إلاَّ من جهل ما تعطيه الأدلة، الأمر المحكم المربوط في معرفة الشرط
والمشروط، عليه اعتمد أهل التحقيق في هذا الطريق، القول بالعلة معلول بواضح الدليل،
أحكام الحق في عباده لا تعلل، وهو المقصود بالهمم والمؤمل، لو صحّ أن يؤمل مؤمل سواه
ما ثبت أنه الإله وقد ثبت أنه الإله فلا يؤمل سواه، كما أنه عزّ وجلّ قد أمل من عباده ما أمل،
فهو يريد الآخرة الآجلة ونحن نريد الدنيا العاجلة .
ومن ذلك من أغيظ انزعج ومن خوصم احتجّ من الباب ٢١٤: ما ظهر الشتاء والقيظ

١٣١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
إلاَّ بنفس جهنم من الغيظ، أكل بعضها بعضاً، فأقرضها الله فينا قرضاً، فأصاب المؤمن هنا
من حرورها وزمهريرها ما يحول في القيامة بينه وبين سعيرها، فجازت من أقرضها في الدنيا
بالخمود عنه عند جوازه على الصراط إلى محل السرور والاغتباط، نارها لا يقاوم نور المؤمن
وهو الشاهد العدل المهيمن، حاج آدم موسى وهو داء الأيوسى، الرجوع إلى القضاء والقدر
منازعة البشر، الأدباء الأعلام يثبتون القضايا والأحكام، ويعتقدون القضا ويحاسبون أنفسهم
: ما مضى، ويخافون من الآتي أن يكون ممّن لا يواتي، فيطلبون الصون ويسألون من الله
العون .
ومن ذلك المشاهدة مكابدة من الباب ٢١٥: المشاهدة رؤية الشاهد لا أمر زائد،
فارتفعت الفائدة عن أهل المشاهدة، فعليك بطلب الرؤية في كل معتقد كما ينبغي لك أن
تكون مؤمناً بكل ما ورد: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ،
وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلٌ﴾ [النساء: ١٣٦] فإن له الأمر من بعد ومن قبل، فالمشاهد لا يزال
في الدنيا يكابد، فإذا حصل في الآخرة بين يديه ردُّ ما جاء به إليه، فأنكره في تجليه وجهله في
تدليه، وتعوّذ به منه وهو لا يشعر أنه يأخذ عنه، عصمنا الله من هذه الجهالة وجعلنا ممّن
عرف شؤونه وأحواله، فميز تحوّله حين جهله من جهله .
ومن ذلك المكاشفة مواصفة من الباب ٢١٦: من كشف عرف، ومن اتصف وقف،
الشهود تقليد والكشف علم صرف، من اعتقد شهد معتقده، ومن علم عرف مصدره ومورده،
ليس الصدور والورود من صفة أهل الشهود، هو مخصوص من العلماء من الرسل والأنبياء
والأولياء، لولا الكشف ما علم الوليّ مقام المشرع النبيّ، مع عدم الذوق لتخصيص النبيّ
بالفوق، لا يلزم من الإيمان القول بالجهة فلا يلزم الشبهة، الجهة ما وردت والفوقية الإلهية قد
ثبتت، كشف ما نزل بالخلق بيد الحق، فالله الكاشف وأنت المكاشف، له تعالى العمل ولك
التعمّل، فاحذر أن تعمل في غير معمل، وأن تطمع في غير مطمع، وكن ممّن عرف فجمع.
ومن ذلك اللوائح منائح من الباب ٢١٧: من لاحت له بارقة من مطالبه فقد أبصر
بنورها جميع مذاهبه، فهو يعلم كيف يتصرّف، وبمن تعرّف، فإن شاء تصرّف وإن شاء لم
يتصرّف، على أن أهل التصوّف هم أرباب التشوّف، فهم يطمعون في كل مطمع وينزعون فيه
كل منزع، هم أهل المنح وهم أهل الطرف والآداب والملح، أثنى رسول الله وَلله على
أصحاب المنيحة وجعلها من أفضل مديحه، لما فيها من الخير والرحمة والشفقة على الغير،
ولا سيما إن كان من أهل الفاقة والاحتياج ومن تعبدته الحواج، اللوائح كشوف من
المعروف، منح من شاء من عباده ما شاء من إرفاده هي من سني الهبات، وهي واهبة ما ستراه
الجهل من العلوم النافعة من خاف البيات.
ومن ذلك التلوين تمكين من الباب ٢١٨: التلوين شأن المحدثات وتنوّعهم في صور
الكائنات، هي آثار الحق في عالم الخلق، التلوين خلق جديد فلا يزال في مزيد، التلوين دليل
واضح على التمكين، نزل في سورة الرحمن أنه عزّ وجلّ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]

١٣٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
والشؤون لا تنحصر فلا تقتصر، واليوم مقداره النفس فراقب الصبح إذا تنفس بما تنفس،
واحذر من الليل إذا عسعس، فإنه فيه أبلس من أبلس، في الثلث الآخر من الليل البركه لوجود
الحركه، الحركة تكوين فهي تلوين، ومع السكون لا يكون كن فيكون، له ما سكن في الليل
والنهار وما أحسنه في الاعتبار، لأن ما تحرّك فيه مشاركة الأغيار، الدعوى حركة فهي هلكة،
والسكون سلب فهو قرب وقلب، ولا تلوين إلاَّ بالحركات فلهذا يحوي على جميع البركات،
لا تصغ إلى قول من قال وفصل كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل، من تخلق فقد تحقق.
ومن ذلك الغيرة حيرة من الباب ٢١٩ : من غار حار، الغيرة ضيق وصاحبها متصف
بالاشتياق والشوق، من فهم من الفوق الجهة فهو صاحب شبهة، الشوق يسكن باللقاء
والاشتياق يهيج بالالتقاء، الغيرة به منوطة وعن غيره مسقوطة، من لم يعرف أن ثمّ غَيْرَهُ لم
يتصف بالغيرة، ولا جعل الغيرة حيرة، كيف يغار من يحار، لا تثبت قدم لصاحب الحيرة مع
إيمانه بالغيرة، بالغيرة تثبت الحدود وبها وقع التحجير في الوجود، من غار على الله فهو
جاهل بالله، فهو الغيور الذي لا يغار عليه، فإن الحصر عليه محال ولا يثبت لديه، من غار
عليه فقد حده ومن حده جعل عينه ضده أو ندّه، من غيرته حرم الفواحش فسلم ولا تناقش.
ومن ذلك الحرّ حرّ وإن مسّه الضرّ، والعبد عبد ولو مشى على الدُّرّ من الباب ٢٢٠: ما
في الوجود حرّ دون تقييد فالكل عبيد، من تقيد بطلب الحقوق فهو مخلوق، ولكن بوجه
مخصوص دلّت عليه النصوص، إن الله لا يملّ حتى تملوا، فارحلوا إن شئتم أو فحلوا، قيد
نفسه في عقدكم فقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وفي هذا إشارة تفسدها العبارة،
العبودية فينا حقيقة، والحريّة فينا لا تعطيها الطريقة، أين الحريّة مع الطلب؟ فالمحروم من حرم
الأدب الذي قيل فيه إنه حرّ، ما غضب حتى مسّه الضرّ، من اتصف بالتأذي فحكمه حكم
المتغذي، من كان المدح أحب إليه فقد عرفنا ما هو عليه، توسط النهر من قال إن الله هو الدهر،
ليس في أمان ولا من أهل الإيمان من اعتقد أن الدهر الذي ذكره الشرع هو الزمان.
ومن ذلك تلطيف الكثيف من الباب الأحد والعشرين ومائتين: من تلطف التحق وانتقل
من رتبة الباطل إلى رتبة الحق بالحق، لولا الكثيف والنور ما وجد الظل، وقد وجد فتعين
المثل، عن المثل انتفت المماثلة، فانظر من الذي ماثله النور من الصفات، والظلّ على صورة
الذات، ولا يكون المثل في الظلّ إلاَّ بالشكل، من نظر إلى ظلّه عرف أن حكمه في الحركة
والسكون من أصله، فتحرّك بحركته لا بتحريكه، لأنه لا يقبل التحريك في سلوكه، إن
تعددت الأنوار تعددت صور الظلال فكثرت الأغيار، فلكل نور ظل من الجسم الواحد هكذا
تراه في الشاهد، كلما كثف الجسم تحقق الظل، وأصل كل وابل الطلّ، كلما قرب النور من
الجسم الكثيف عظم الظلّ فلم يتحقق المثل، وكلما بعد صغر فحقر.
ومن ذلك فتح الأبواب لأهل الحجاب من الباب ٢٢٢: العمى حجاب فإنه فائدة في
فتح الباب، إنما تفتح الأبواب إذا كانت عين الحجاب، حينئذٍ ينفع فتحها ويتنفس صبحها،
ولا فاتح إلا الله فلا تعتمد في فتحها على سواه، يتعلق الخوف بما خلف الباب والباب سبب

١٣٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
من جملة الأسباب، قد يفتح الباب بالعذاب، وقد يفتح ببركة سماوية يحصل بها الاستعذاب،
والباب واحد ما ثم أمر زائد ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا
سُكِّرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥] لا عمى إلاّ عمى القلوب التي في
الصدور، ولكن في الصدور، وأما الورود فشاهد ومشهود، ومن كان في هذه أعمى فهو في
الآخرة أعمى، ما جار القائل في قوله وما اعتدى، كما نحن اليوم كذلك نكون غداً، هذا قول
العارف الزاهد المسمّى بعبد الفرد لا بعبد الواحد.
ومن ذلك الإمامة علامة من الباب ٢٢٣: الإمامة علامة وهي برزخ بين العطب
والسلامة، فمن عدل غنم ومن جار ما سلم، من أقسط نجا ومن قسط كان على رجا،
صاحب البيعة في نعمة المنعة، فلا يوصل إليه ولا يقدر عليه، فهو المنصور والواقف على
السور، فإذا عزل سئل، وإذا سئل نصر أو خذل، وما دام في سلطانه فلا سبيل إلى خذلانه،
فالقائم بالحق إذا نطق صدق، والقائم بالسيف وإن عدل فهو صاحب حيف، لأن الأصل
معلول فصاحبه مخذول، ولا يقوم بالسيف المسلول إلاّ الرسول، فلا تفرح بالترهات وهيهات
هيهات، الأصل الفاسد يحرم الفوائد، المقتصد يستبد، والظالم حاكم، والسابق لاحق يفوز
بالسبق لأنه سبق ومن سعد لم يبعد .
ومن ذلك الطلول الدوارس رسوم الأوانس من الباب ٢٢٤ : عفت الديار وطمست
الآثار، برحيل الأحباب إلى حسن المآب، أثر الحبائب جوار الواهب، وتخلف العاشق يكابد
المضايق، يقطع العلائق وطرح العوائق، فما ينفك من عائق إلاَّ يظهر لعينه عابق، ما دام في
محل الأنفاس ومحبس الالتباس، فإذا دعاه الجليل إلى الرحيل جاء سراحه واتقد مصباحه،
فظهر له الحجاب المستور بهذا النور فلحق بالأحباب، وقيل له هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك
بغير حساب فاز بمطلوبه من اتصل بمحبوبه، ولقد نجا من إلى الله التجا، فعمرت الديار
بسكانها ولحق بالوجوب عين إمكانها فبقي محب ومحبوب وزال طالب ومطلوب.
ومن ذلك القابض عارض من الباب ٢٢٥ : ما خرج عن الملك شيء حتى يحكم فيه
القبض، وإنما يقال ذلك بالفرض السموات والأرض جميعاً فرضته ومن فيهما، وهما بالدليل
الواضح قبضته، فما تتصرّف فيه الأفعال بماض ومستقبل وحال بل هو القابض لا بالحكم
العارض، ما خرج شيء عنه فالكل به وإليه ومنه الطيّ ليّ، ومطل الغنيّ ظلم والاستناد إليه
غنم، لا يقال مطل فيمن كان أداؤه إلى أجل، ولو كان أغنى الناس وهنا وقع الالتباس، الحق
له الغنى ومن أقرضه بلغ المنى، ودع اللجاج فما هو محتاج، أنت من جملة خزائنه فما خرج
الشيء عن معادنه، فما أعطى إلاَّ من خزانته لما أعطته حقيقة مكانته، وحصلت أنت على
الأجر إن فهمت الأمر.
ومن ذلك الباسط قاسط من الباب ٢٢٦ : المقسط والقاسط استويا في العدول على ما
تعطيه الأصول، فإن كل واحد منهما مائل فهو عادل، ولذا سمّي القاسط جائراً ولم يكن
للعادل مغايراً، فالصفة واحده فكيف حرم الفائده، بأن الصبح لذي عينين لما هداه النجدين،

١٣٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
وأقيم المكلف في الوسط، فمنهم من أقسط ومنهم من قسط، فالمقسط أخذ ذات اليمين
فارتفع إلى عليين، والقاسط أخذ ذات الشمال فنزل إلى سجين، فما عدل بكل واحد سوى
طريقه، وطريقه ما خرج عن حكم تحقيقه، فالطريق ساقة وقادة إما إلى شقاء وإما إلى سعادة،
فاعرف الطريق واختر الرفيق تنج من عذاب الحريق.
ومن ذلك الفناء في الفناء من الباب ٢٢٧ : أكرم العرب أنتنهم عَذِرَة إذا كان له ما يجود
به وإلاَّ كانت المعذرة، ما يكثر الورّاد إلاَّ على أرباب الأرفاد الأجواد، البخيل بابه مغلق
والجواد جوده مطلق، إذا فنى الكريم عن جوده في حال جوده فهو الدليل على صحة وجده
ووجوده، لا تقل في الجواد أنه بخل إذا منع من سئل، منع الجواد الناصح عطاء، وكشف
الجاهل بالأمر غطاء، فإن الجواد العالم عطاؤه نعمه ومنعه لحكمه، فلا يتهم رب الكرم،
كيف يتهم الفاني أنه بخيل بالفاني، وهو إذا آمن باللقاء فما جعل أعطيته إلاَّ في خزانة البقاء،
من نقل ماله من خزانته إلى خزانته كيف يقال بعلوّ منزلته في الجود ومكانته، فما حزن من ماله
اختزن فلا كريم إلاَّ القديم.
ومن ذلك الباقي يلاقي من الباب ٢٢٨: عظمت بالكرم مكانتي وما خرج شيء من
خزانتي، لو لم يكن إلاّ الثناء فما ثم بيع ولا شراء، لا يقال في التاجر إلاَّ بار وفاجر، ولا
يوصف بالكرم فما في الوجود إلاَّ تاجر لمن فهم، ما شيء أحب إلى الله من أن يمدح وما
يمدح إلاَّ بما منح، فما جاد الكريم إلاَّ على ذاته بما يحمده من صفاته، وانتفع العير بالعوض
بحكم العرض، وإن سعى الكريم في إيصال الراحة للمعطي ونفعه فلجهله بعطائه ومنعه، فمن
كرم وجاد وتخيّل أن له فضلاً على العباد فما جاد، فإن الإحسان تبطله المنة مع طلب
الامتنان، والمنة أذى فاعلم ذا .
ومن ذلك الجامع واسع من الباب ٢٢٩: لو لم يكن في الجامع اتساع ما كان جامعاً
بالإجماع، قلب المؤمن جامع للواسع، فغاية اتساعه على مقداره، واتساعه على قدر أنواره،
فتجول الأبصار على قدر ما تكشف له الأنوار، ويكون السرور على قدر ما يحصل لك من
الكشف بذلك النور ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] فقد عمّ الرفع والخفض،
فصاحب البصر الحديد يدرك به ما يريد، ولهذا إرادة المحدث قاصره ودائرته ضيقة متقاصره،
ألا تراه ألبسه على ما قلناه في الخبر " («فيها ما لا عَيْنٌ رأتْ ولا أُذُنْ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على
قَلْبٍ بشر))، وهي جنة محصورة والأمور فيها مقصورة، فكيف بمن لا يأخذه حصر ولا يسعه
قصر؟ كيف ينضبط شانه أو يحدّ مکانه من مكانه؟ عينه جهل ولو عرف كونه.
ومن ذلك الطارق مفارق من الباب ٢٣٠: الطارق هو الآتي ليلاً يبتغي نيلاً، الصائد
نهاراً وليلاً تفاؤلاً باسمهما ليجمع بينهما، فيقطع النهار صياماً والليل قياماً، فما قصدهما
بالذكر دون سائر الطير، إلاَّ لما يكون فيهما من الخير ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّلُ ﴿ قُِ الَّلَ إلَّا فَلِيلًا﴾
[المزمل: ١- ٢] ﴿إِنَّ لَكَ فِ النََّرِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] ثم أتمّوا الصيام إلى الليل تحصلوا على

١٣٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
جزيل النيل، النهار معاش والليل رياش، فليكن قوتك في معاشك الله ورياشك زينة الله، كذا
قال سهل وهو للسيادة أهل، قيل له: ما القوت؟ قال: الله، قيل له: إنما سألناك عن الغذاء،
قال: الله، قيل له: الذي يقوم به هذه البنية؟ قال: ما لكم ولها داع الدار إلى بانيها إن شاء
عمرها وإن شاء خربها، وما تقوم إلاّ بالله، فالعارف يقول في هذا الغذا ألغ ذا.
ومن ذلك الحكيم له التحكيم من الباب الأحد والثلاثين ومائتين: يعلم ما تعطيه
المواطن في الظواهر والبواطن، لأنه الثابت القاطن، يعطي كل ذي حق حقّه اقتداء بربه الذي
أعطى كل شيء خلقه، فالعارف بسرّه وقلبه من تأسّى بربه، العدل من شيمه، والقبول
والإقبال من كرمه، لا يتعدّى الحكيم ما رتبه القديم العليم، من عرف الحكم تحكّم، ومن
يعرف الحكم حكم، هو القاضي وإن لم يلي، وهو النبيّ وإن دعي بالولي، إشارة الوليّ في
اللفظ لي، ومن كان له فقد بلغ أمله، فما حكم به الوليّ في الخلق أمضاه الحق، وإن ردّه
الحاكم الجائر فقد ردّ كلام الواحد القاهر، فلا يلتف إلى ردّه فإنه من صدق وعده، وهو لا
يخلف الميعاد فلا بدّ من ردّ أهل الإلحاد العقد الصحيح أن كل ما سوى الله ريح، كان بعض
مشايخنا يقول من باب الإشارة: فسخّرنا له الريح، الريح تهب ولا تثبت فاثبت .
ومن ذلك الفوائد في الزوائد من الباب ٢٣٢: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] تزدد
حكماً، من علم يرجع إليه فتوكل في تحصيله عليه، إنما سميت بالزوائد لأنه ما زاد على
الواحد فهو زائد، وکل زائد واحد فما زاد عليه سوى نفسه، فقل بالشخص لا بنوعه وجنسه،
فإن راعيت أحدية الكثرة فقد نبهناك على ذلك غير مرة، زوائد الحروف عشرة كالمقولات
الجامعة بين العلل والمعلومات وقد أودعناها باب النفس بفتح الفاء من هذا الكتاب بين إيجاز
وإسهاب، وحروف الزوائد أسلمني وتاه، فانظر ما أحسن هذا الجمع بالله ما أحس ما جمع
ولقد قال فصدع، تاه المعروف والعارف فأين المعارف؟ تاه المعروف من التيه وتيه العارف
بحيرته فيه، أسلم العارف لنفسه فأراد أن يلحقه بجنسه فلما تحقق علم أنه ما يلحق فأسلمه بأن
قال: لا أحصي ثناء عليك فهذه بضاعتك رددناها إليك.
ومن ذلك الإرادة مستفادة من الباب ٢٣٣ : الإرادة صفة اختصاص فلها المباص
والمناص، ولهذا وصف نفسه بالمقدم والمؤخر، وتسمى بالأوّل والآخر، وقد كان ولا شيء
معه فهو السابق، وهو الذي يصلي علينا فهو اللاحق، فالمنحة الإلهية والإفادة لا تكون إلاَّ لأهل
الإرادة، والقائل في حدّ الإرادة بترك ما عليه العادة جهل من قائله، فإنه ما ثمّ عادة لأنها من
الإعادة وما في الوجود إعادة، من أغاليط النفس القول برجوع الشمس وما رجعت ولا نزلت
ولا ارتفعت، هي في فلكها سابحة غادية رائحة، غدوّها ورواحها حكم البصر وما يعطيه في
الكرّة النظر، قرأ ابن مسعود: ((والشمس تجري لا مستقرّ لها))، وقرأ غيره: ﴿لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ﴾
[يس: ٣٨] وكل ذلك صحيح لمن تأمل، فيا أيها الطالب تأمل: [مجزوء الرجز]
ياليت شغري مالها
لها قَرَارٌ مالها
بذلكم أوخَى لها
لا شَكَّ أن رَبَّنـا

١٣٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ما زُلْزِلُوا زِلْزَالَها
لو عرفوا مَقَرَّها
من أرضِها أثْقَالَها
أخرَجَتِ الشمسُ لنا
جَرَّتْ به أذيالـهــا
من كُلِ نُورٍ حَسَنِ
قد قيل أيضاً مالها
تيهاً وعجباً ولذا
حتى رأى مَقَالَها
ما قال شخصٌ مالها
قد قالها من قالها
فيالها من قَالَةٍ
كمارأت ضلالها
رأيت فيها هَذْيَها
فلا تـقــلــوا مالها
ضَلالُها حَيْرَتُها
ومن ذلك المراد منقاد من الباب ٢٣٤: من كان سهل القياد خيف عليه الفساد، وأمن
من العناد، وما وثق به السيد ولا العباد، كل من أخذ بزمامه قاده، إما إلى شقاوة أو سعاده،
فمن طرفه طموح فهو اللين الجموح، ما يسعد المنقاد إلاَّ بالإنفاق، فما الانقياد من مكارم
الأخلاق، وإنما قيل في المراد منقاد في طريق العارفين والعباد، لأن قائدهم الحق وهو القائد
المشفق، فهانت عليه التكاليف وتصرّف بالتذاذ في جميع التصاريف، فسلك الطريق بلذة
مستلذة، فالمراد منقاد لما به يراد، فمن أغاليط القوم ما رفعوه عن المراد من اللوم، حيث كان
سهل الانقياد فألحقوه بالأجواد، فحكم العلم تغنم وتسلم.
ومن ذلك المريد من يجد في القرآن ما يريد من الباب ٢٣٥: كان شيخنا أبو مدين
يقول: المريد من يجد في القرآن كل ما يريد، ولقد صدق في قوله الشيخ العارف لأن الله
يقول: ﴿َّا فَرَّطَّنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فقد حوى جميع المعارف، وأحاط بما في
العلم الإلهيّ من المواقف، وإن لم تتناهى فقد أحاط علماً بها وبأنها لا تتناهى، فاسترسل
عليها علمه وأظهرها عن التتالي حكمه، إلى غير أمد بل لأبد الأبد، فالمريد المكين من يقول
لما يريد: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فمن لم يكن له هذا المقام فما هو مريد والسلام، من
كانت إرادته قاصرة وهمته متقاصرة، لا يتميز عن سائر العبيد فهذا معنى المريد، فإن احتجبت
بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فما أصبت، العلام من ينتقل من مقام إلى
مقام، ذلك حكم الدار، وأين دار البوار من دار القرار؟ .
ومن ذلك من أهمّه نفوذ الهمة من الباب ٢٣٦: صاحب الهمة لا تنفذ له همّة، لأن
همّه فيما أهمّه، هو بحكم الدار فلا يزال يبحث عن الآثار، ويتلقى الركبان ويسأل عمّا كان،
ويعرف أن لنفود الهمّة داراً تختص بها، وهنا يعتصم بحبلها وسببها، إذا كانت الهمّة عاليه لا
يظهر لها أثر في الفانيه، فإنها تفنى بفنائها وترحل عن فنائها، وتعلّقت بالباقية وتعمّلت
الأسباب الواقيه، فمشهوده اللمة وفيها يصرف حكم الهمّة، فلا يزال يسعى في نجاته ويرقي
في كل نفس في درجاته، إلى أن ينتهي في الترقي إلى الواحد العليّ، وليس بعد الواحد بما
يعطيه الطريق الأمم إلاَّ الثاني أو العدم، والعدم محال والثاني ضلال، فما بقي الشاهد إلاَّ
الواحد، فعليه اعتكف وعنه لا تنصرف.

١٣٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك الاغتراب تباب من الباب ٢٣٧ : الغربة مفتاح الكرب ولولاها ما كانت
القرب، القريب هو الغريب وهو الحبيب، ولا يقال في الحبيب إنه غريب، هو للمحب عينه
وذاته وأسماؤه وصفاته، لا نظر له إليه فإنه ليس شيئاً زائداً عليه، ما هو عنه بمعزل وما هو له
بمنزل، قيل لقيس ليلى: من أنت؟ قال: ليلى، قيل له: من ليلى؟ قال: ليلى، فما ظهر له
عين في هذا البين، فما بقي اغتراب فإنه في تباب، فقد عينه وزال كونه، العشاق لا يتصفون
بالشوق، والاشتياق الشوق إلى غائب، وما ثم غائب من كان الحق سمعه كيف يطلبه؟ ومن
كان لسانه كيف يعتبه؟ فأين تذهبون وما ثم أين عند من تحقق بالعين؟ .
ومن ذلك الشاكر ماكر من الباب ٢٣٨: كيف يمدح بالشكر من شكره عين المكر؟ من
أوصل حقاً إلى مستحقه فقد أدى إليه واجب حقه، فعلى ما وقع الشكر ولا فضل لعدم البذل،
فلو صح البذل لثبت الفضل، ولو ثبت الفضل لتعين الشكر، ولو تعين الشكر لزال المكر، فلا
بذل فلا فضل، فمن شكر مكر، لذا قرن الله الزيادة بالشكر لما فيها من المكر، فناط به الزياده
وخاطب بذلكم عباده فقال: ﴿لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:
٧] وما قال لأنقصنكم، فالشكر للمزيد في حق الحق والعبيد، فإذا شكر الحق زاد العبد في
عمله، وإذا شكر العبد زاده الحق فوق أمله بقول الله يخاطب عباده: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى
وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦] وهي جزاء الشكر فلا تأمن المكر.
ومن ذلك الغرام اصطلام من الباب ٢٣٩: نار المحبة لا تخمد، ودمعها لا ينفد،
وقلقه لا يبعد، وحرقه لا يبرد، في التراب ينام وإن كان صاحب اصطلام، فإن الغرام رغام،
الذلّة بالمحب صاحب الغرام منوطة، والمسكنة به مشروطة، ونفسه أبداً مقبوضة غير
مبسوطة، وعقده براحات الأماني أنشوطة، يسرع إليها الانحلال، وهي وإن كانت مقيمة في
زوال، فهي كالظل إذا فاء وكالقاصر المشية إذا شاء، الاصطلام نار لها اضطرام، تشعلها
الأهواء إلاّ أنه تطفئها بتواليها الأنواء، فتحلقها بالرغام فلذلك حكمنا بالاصطلام على
المنعوت بين المحبين بالغرام.
ومن ذلك الراغب طالب من الباب ٢٤٠: كم بين الرغبة عنه والرغبة فيه، عبد مصطفى
عبد لا يصطفيه، عناية أزلية بسعادة أبدية، وخذلان سبق وكل ذلك حق، أحق ما قال العبد
وكلنا لك عبد، فجمع بين المطرود والمجتبى، ومن أطاع ومن أبى، في عبودية القصاص لا
في عبودة الاختصاص، عبد يصلح الله بينه وبين خصمه فيسعده، وعبد يأمر به إلى النار بعدله
وحكمه فيبعده، مع القول بعدم الاستحقاق ومفارقة الوفاق، وكلاهما عاصيان وما هما سيان،
يا ليت شعري لم كان ذلك عاص ناج وعاص هالك عبدان لمالك واحد، وما ثمّ أمر زائد، إن
كان لعمارة الدار فلماذا يخرج بالشفاعة ولا يبقى مع الجماعة؟ ما ذاك إلاّ لما قيل في بعض
الأشعار: ماء ونار ما التقيا إلاّ لأمر كبار.
ومن ذلك قول العلّم: ((لا رهبانية في الإسلام)) من الباب الأحد والأربعين ومائتين:
الراهب يترك بحكم الحق وما انقطع إليه، ولم يكفره بل سلم له ما هو عليه، ما ذاك إلاَّ

١٣٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الإنفراده وانتزاحه عن عباده، فأنبأنا هذا الدليل الواضح أن التكليف شرع للمصالح، فلو دخل
مع الجماعة في العمل لألحقه في الحكم بمن أسر وقتل، فلا تتعرّضوا لأصحاب الصوامع
فإن نفوسهم سوامع، ترى أعينهم عند السمع تفيض من الدمع، ما لهم علم بما هم عليه
الناس من الالتباس، تجنبوا الحيف وتدرّعوا بالخوف، وتركوا نجداً واستوطنوا الخيف،
لمعرفتهم بضعفهم وعدم قوّتهم، فاختاروا السهل من الأرض، وقالوا هذا هو الفرض، فإن
الحق أمر في الدين بالرفق، فمن رفق بنفسه فقد وفاها ما عين الحق لها، وما جار عليها وما
خذلها، فمن وهب سلم وما عطب.
ومن ذلك التوصل توسل من الباب ٢٤٢: الفضيلة عند من ابتغى إلى الله الوسيلة في
التعمّل، وإن لم يعمل تحصيل ما لديه مع كونه ما وصل إليه، ما تحصل نتيجة العمل لمن لم
يعمل إلاَّ لمن اجتهد ولم يكسل، وأما مع الكسل فما وصل ولا توصل، ابذل المجهود وما
عليك أن لا تتصف بالوجود، أنت الواجد وإن لم تعرف عند الذائق المنصف، لما لم يعمل
جهل الميزان فجهل ما وجده لعدم معرفة الأوزان، وما علم ما حصل له بذل المجهود من
الوجود، فهو علم ذوق لا يؤكل إلاَّ من فوق، ولو أكل من تحت رجله لوزنه من العمل
بمثله، فعلم قدره وعرف أمره، فالتعمّل من إقامة الكتب وبه تحصل الرتب.
ومن ذلك الوجد فقد من الباب ٢٤٣: الوجد فجأة فتح الباب، فإن كان عن تواجد فهو
حجاب، من لم يجد لم يجد لا بل من لم يجد لم يجد، دليل الكرم البذل وبرهان العدل
إعطاء الفضل، وهو الأتمّ عند أصحاب الهمم، فما أعطى الله إلاّ الفضل الذي قال فيه :
﴿﴿وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ولهذه الآثار استحال عليه الإيثار، فعطاء الله كله فضل
وهو أعلى البذل، من آثر على نفسه فهو الخاسر وإن نجا، فإنه ترك الأولى عندما وقع إليه
الالتجاء لو كان مؤمناً لعلم أنه قد باع نفسه من الله والمبيوع لمن اشتراه، وحق الله أحق من
حق الخلق، لكن الدعوى أوقعته في هذه البلوى، فسميّ مؤثراً وميّز مؤثراً، والجار أحق
بصقبه والصدقة مضاعفة في رحمه ونسبه .
ومن ذلك من شهد وجد من الباب ٢٤٤: ما حصل على الوجود إلاَّ من زهد في
الموجود، من رأى للكون عيناً مستقلة فهو صاحب علة وليس بصاحب نحلة، ما قال بالعلل
إلاَّ القائل بأن العالم لم يزل، فأنى للعالم بالقدم، وما له في الوجوب النفسيّ الوجوديّ قدم،
إنما له الرتبة الثانية وهي الباقية الفانية، لو ثبت للعالم القدم لاستحال عليه العدم، والعدم
ممكن بل واقع عند العالم الجامع، لكن أكثر العبيد في لبس من خلق جديد، فما عرف تجدّد
الأعيان إلاَّ أهل الحسبان، وأثبت ذلك الأشعريّ في العرض، وتخيّل الفيلسوف فيه أنه
صاحب مرض، فجهله بسواد الزنجيّ وصفرة الذهب، وذهب به مثل هذا المذهب.
ومن ذلك من عنت فقد وقت من الباب ٢٤٥: الوقت سيف ومنه الخوف كل الخوف،
زمانك حالك وفي إقامتك ارتحالك : [الطويل]
بِقَوْمٍ قُعُودٍ والقِلاعُ تَطِيرُ
فسَيْرُكَ يا هذا كسَيْرِ سفينةٍ

١٣٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
المسافر بمركبه جاهل بمذهبه، رحله ريح بالمكان الفسيح، رأسه في الماء ورجلاه في
الهواء، فمشيه مقلوب وهو المطلوب، لولا قلبه ما مشى ولولا قلبه ما وشى، إلاَّ لراحة قلبه
وما علم ما احتقبه من ذنبه، لو كتم العبد سراً ما قيل له لقد جئت شيئاً إمراً، ولا جئت شيئاً
نكراً، ولا أقام لذلك عذراً، حتى قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] فلو
ترك السرّ مخزوناً ما كان الكليم مفتوناً إن هي إلاَّ فتنتك عن ذوق مع شدة الشوق.
ومن ذلك لا تهب لما تغلب من الباب ٢٤٦ : من هابك غلبته ومن استضعفك قوّيته،
الهيبة خيبة ولا تكون إلاَّ مع الغيبة، الظهور للحضور ما طاب من هاب، ومن هاب لم يلتذ
بوصال الأحباب، بل هو في عذاب، جمعه كفرقه وحقّه في حقّه لا تهاب خوفاً من الذهاب،
لو كان للمهابة حكم ما تجلّى، ولا رؤي عبد بأسمائه تحلّى، ولا قيل في عبد إنه بربه تخلّى،
ولا دنا ولا تدلى، ولا نزل إلى قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَى﴾ [النجم: ٢٩] ما ثمّ سوى عينك فلا
تكن جاهلاً بكونك، لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاَّ الحق، فقد الحق الخلق
بالحق، قال: أين هذا التعالي وما ثمّ أعلى من الله المتعالي، فالنزول علوّ والبعد دنوّ.
ومن ذلك الأنس في اليأس من الباب ٢٤٧ : العذاب الحاضر تعلق الخاطر، من يئس
استراح وخرج من القيد وراح الأنس بالمشاكل والمشاكل مماثل، والمثل ضد والضدية بعد،
والأنس بالقرب فما ثمّ أنس ليس في الأنس خير لما فيه من إثبات الغير، من أنس بنفسه فقد
جعلها أجنبية، وهذا غاية النفس الأبية، ومن تغرب عن نفسه جهل في جنسه واستوحش في
أنسه، الأنس بالأنس لا يكون إلاَّ لمغبون والكتاب المكنون لا يمسّه إلاَّ المطهرون، وما ثمّ
إلاَّ الجنة وهم منا في أجنة، فهم أهل الكمون وعما نالهم كالبطون، هو أعلم بكم إذ أنشأكم
من الأرض بأبيكم وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ببنيكم فأين التزكية مع هذه التخلية؟ .
ومن ذلك من جلّ ملّ من الباب ٢٤٨: الاستبلال لا يرد إلاَّ على الاعتلال، ومن قال
بالحلول فهو معلول، وهو مرض لا دواء لدائه، ولا طبيب يسعى في شفائه، مريض الكون إذا
بلّ أعلّ، فإن الحدوث له لازم به وقائم، فمرضه دائم لا يزال على فراشه ملقى، ومن سهام
نوائب زمانه غير موقى، فلا يزال غرضاً مائلاً وهدفاً نائلاً، فهو الصحيح العليل والكثيب
المهيل، علته صحيحه وألسن عباراتها بالحال عنها فصيحه، فإن كان الحق قواه فقد برىء من
علته وقوّاه فإن الحق سمعه فانجبر صدعه وإنه بصره فقد نفذ نظره، وإنه لسانه فقد فهم بيانه،
وإنه رجله فقد استقام ميله، وإنه يده فما يطلب من يعضده، فمن عرف هذه النحل فقد برىء
من جميع العلل، فالله شفاؤه وهو داؤه، فالمتكبر مقصوم ومن كان الحق صفته فهو معصوم.
ومن ذلك من تجمّل استعمل من الباب ٢٤٩: المتجمل مؤتمن ولهذا يغتبن، يظهر
الجمال وإن كان كاسف البال، التجمّل مروّة ولا يكون إلاَّ من أهل الفتوّة، من ألحق البنوة
بالنبوّة فقد ضاعف الله سموّه، العلوّ زيادة في الواجب في أصحَ المذاهب، الهيبة من آثار
الجمال على كل حال، الجمال محبوب وهو أعزّ مصحوب، من صحبه الجمال لم يزل في
اعتلال، من زاد شهوده في غلته زاد في علته، إن الله جميل يحب الجمال، فلا تضربوا لله

١٤٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الأمثال، وإنما ضرب الله تعالى لنفسه الأمثال لأنه يعلم ونحن لا نعلم، ومن أعلمه الله فليكتم
لئلا يجرأ فيأثم، فاستعذ بالله من المغرم والمأثم كما استعاذ به من ثمّ.
ومن ذلك ما مال من اتصف بالكمال من الباب ٢٥٠ : الكمال في البرزخ وهو المقام
الأشمخ، لو مال ما تصف بالاعتدال، مرج البحرين بينهما برزخ لا يبغيان، ومن البغي ما هو
طغيان، من بغى طغى من بغي عليه لينصرّنه الله ولو بعد حين، فاعبد ربّك حتى يأتيك اليقين،
فإذا أتاك جاء النصر فترمي الباغي بشرر كالقصر، كأنها جمالات صفر فتخرج من المكان
الأضيق إلى المنزل الأفيح، والشذى الأعطر الأفوح، فعطر النادي ذلك الشذا، وقال
المنادي: من ذا؟ فقال: هذا الذي بغي عليه قد نزل الحق إليه فأكرمه بنزوله وشرّف محله
بحلوله فوسعه، وقد ضاق عنه المتسع وكان الفضاء الأوسع، فعملنا من خفيّ حكمته أنّ قلب
المؤمن أوسع من رحمته، مع أنه من الأشياء التي وسعته، ومن الأمور التي جمعته، فما
وسعه إلاَّ بها وكماله بسببها .
ومن ذلك من طاب غاب من الباب الأحد والخمسين ومائتين ٢٥١ : من سمع طاب
ومن طاب غاب، والغائب آيب، فإنه في أوبته إلى ربه ذاهب، فإنه تركه في الأهل خليفة
شفقة عليهم وحذراً وخيفة، وما خاف عليهم إلاَّ منه لأنه ما يصدر شيء إلاَّ عنه، إذا كان
السيد راعي الغنم فما جار وما ظلم، وما ينال منها إلاَّ ما يقوته وقوته ما يفوته، قوته آثار
أسمائه في عباده وبها عمارة بلاده، فحراثة وزراعة وتجارة وبضاعة لذلك وصف باليدين
وأظهر في الكون النجدين، فالواحدة بائعة والأخرى مبتاعة، إلى قيام الساعة، ولكلّ يد طريق
هذا هو التحقيق، فإن حكم المشتري ما هو حكم البائع، وهذا ما لا شك فيه من غير مانع ولا
منازع، آيبون تائبون وهو التوّاب وإليه المآب.
ومن ذلك من حضر نظر من الباب ٢٥٢: الحضور أين وما ثم سوى عين، عين لا
يحصرها ظرف ولا يسعها حرف، نزل لها بذاتها عليها وما يخرج منها، وينزل يعرج إليها،
وهذه عبارات تطلب الأينية وتثبت البينية، وهذا هو بعينه اعتقاد الثنوية، وأنت تقول: الأمر
واحد وقد كذبك الشاهد، فالعروج والنزول يطلب الطريق، وليس هذا في الإلهيات منهج
التحقيق، وقد ورد فلا بدّ من معرفة ما قصد، فإن القول الإلهيّ حق وكلامه صدق، ولا بدّ
من أذن واعية لهذه الداعية، وما خاطب بها إلاَّ الحاضر فهو الناظر، فإن كان السامع غير
القائل فلا بدّ أن يصيب ويخطىء، وإن كان عين القائل فصوابه يسرع ولا يبطىء، بل كلامه
عين جوابه فهو المتكلم السامع في أحبابه.
ومن ذلك من فكر سكر من الباب ٢٥٣: الفكرة سكرة إلاَّ أن شرابها ممزوج وخلقها
مخدوج، وليس الخداج إلاّ من المزاج، وهذا شراب الأبرار ومعاطاة الفجار، عيناً يشرب بها
عباد الله يفجرونها تفجيراً، وتفجيرهم إياها عين المزاج لمن كان بما قلته خبيراً، فلو جرت
من غير تفجير من كونه على كل شيء قدير، لكان شراب المقربين الآتي من تسنيم على البار
المنعم بالتنعيم، فبين المقرّب والبار ما بين الأعين والآثار، الآثار تدل والعين تشهد ولا تمل،