Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
في البلايا والفتن، وما تنطوي عليه من الرزايا والمحن، ما جاء في الكتاب المحكم:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] وهو العالم بما يكون منهم فأفهم من يعلم، وإذا فهمت
فاكتم، فإذا علمت فافهم وإذا فهمت فاكتم، وإذا كتمت فالزم وتأخر ولا تتقدم، فإذا قدمت
فاحذر أن ترى في الحشر تندم، إذا سئلت فقل لا أعلم ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦]
وما ثم العالم في أوقات يتجاهل وعن الجاهل يتغافل، وعن الانتهاض في المؤاخذة يتكاسل،
وفي مثل هذا يقع التفاضل، والله ليس بغافل فإنه معنا في جميع المحافل، فأين تذهبون إن هو
إلاَّ ذكر للعالمين، ولتعلمن نبأه بعد حين، العلن ما انتشر، والسرّ ما ظهر، وما هو أخفى من
السر ما لا يعلم من الأمر، وما هو إلاَّ العلم بالله، وهذا منزل الحائر الأوّاه، ما تأوّه حتى توله
وما توله حتى تأله، حار عقله وما أفاده، نقله تقابلت الأقوال وتضادت الصور والأحوال، فآية
تشبيه تقابلها آية تنزيه، وقد يجمع الحكم بهما آية واحدة لمن أراد الفائدة مثل قوله: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهي آية تحوي على التنزيه والتشبيه، عند كل مقرّب وجيه،
وذي فطنة نبيه، فإن انتهى إلى السميع البصير فقد سقط على الخبير، الفتنة اختبار في البصائر
والأبصار، الأمر ما بين محسوس ومعقول، أعطته بالوجود دلائل العقول، وإن شئت ما بين
موهوم وهو المتخيل وهو أمر ما عليه معوّل: [البسيط]
كالأجْرِ ما بين مَوْهُوبٍ ومَنْقُولٍ
فالأمْرُ ما بين مَوْهُومٍ ومَعْقُولِ
إلاَّ كصاحب وَجْهِ فِيهِ مَقْيُولٍ
فإنني لست في أسماءِ مُنْشِئِهِ
ولا وَحَقِ الهَوَى مَا هُوْ بِمَمْلُولٍ
وقائلٍ ليس في إدراكه مَلَلٌ
فالبصر للعبرة والبصرة للحيرة، إذ كانت ما ترى غيره لما تحققت به من الغيرة، إذا
منحت بالشهود وحصلت من طريق الوجد الوجود، فإن فانها هذا المقام فإن رؤياها أضغاث
أحلام، حيل بينها وبين المبشرات فنقول بالفرقان لا بالقرآن في السور والآيات، وهذا القدر
کاف إذ هو دواء شاف .
ومن ذلك سرّ تنوّع الإرادة وحكم العادة من الباب ١٢٧ : تنوّعت الإرادة لتنوّع المراد،
وحكم بالعادة في خرق المعتاد، ليس العجب من عبد العليم إلاَّ تنوّع إرادة القديم، ربط
بمشيئته لو وهي تو إذا تنوع الواحد فليس بواحد، ولا بدّ من أمر زائد، بل أمور كثيرة وهذا
لمن يفهم شعيره، دقت عن الفهم لما ينطوي عليه من العلم، لو شاء الله كذا وما يشاء، ولو
شاء لصحّ المشاء، ولو حرف امتناع لامتناع، فكيف يستطاع ما لا يستطاع، إذا صحّ التنوّع
ظهر الجنس وهذا خلاف ما يقتضيه القدس، وما يعطيه دليل العقل في النفس، حقيقة الإرادة
ما استقرّ في العادة، وإن جاء خرق المعتاد فهو أيضاً للإرادة مراد، فلا تنظره من حيث
الشخص وعليك فيه بالبحث والفحص، تعثر على الظاهر فيه لا بل على النص، أهل الاعتبار
هم أهل الاستبصار، لكن لا بدّ من حكم الأغيار، لولا النهر ما امتازت أحكام العدوتين، ولا
حكم بالفرقتين، الأرض واحده ما ثم عين زائده، جاء النهر ففصل وإن كان لم يقطع فما
وصل، لكنه ستر حين جرى وما هذا حديث يفترى، بل هو أبين من الغزاله على من ناله،

١٠٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
يعرفه أهل الرفع والخفض فإنه ما استقرّ إلاَّ على الأرض، فالأرض من تحته في اتصال والعين
تشهد حقيقة الانفصال، فلا بدّ من عبور ولهذا قلنا بتنوّع الأمور، أعطت جرية الماء الأرض
حكماً لم تكن عليه، وما استند هذا الحكم إلاَّ إليه، فلو ارتفعت الأنواء وذهب الماء لزال
البين وظهر البين، وصدق ما حكم به العلم العين، فقف مع الإرادة وإن تنوّعت، ولا تبرح
من العادة وإن تصدّعت.
ومن ذلك ما ينتجه التجلي في الأكوان في كل زمان من الباب ١٢٨ : للتجلي الإلهي
في الأكوان أحكام بحسب الأزمان، فتنوّع الأشكال لتنوّع الأحوال، كثر الحق بالصور وظهر
بالزمان الغير، من أسماء الزمان الدهر فنطقت الغيرة بأن الله هو الدهر، وما ثم إلاَّ من يفتقر
إليه ولهذا حكمنا بأنه عين العالم وإن كان لديه، تجلّى في صورة الفلك فدار وفي صورة
الشمس فأنار، وفي صورة الليل فأظلم وفي العالي والسافل فأنجد وأتهم، وما تجلى إلاَّ إلى
عينه فما أدركته عين سوى كونه، فأدرك نفسه بنفسه فهو لعقله كما هو لحسّه مع ثبوت قدسه،
أعطى الحدثان من الحكم ما لم يثبت في العلم، فإن دليل العقول قد يخالف ما صحّ عندها
من المنقول، فالويل العقلي إن قبلته، والويل الإلهي إن لم تقبله وتركته، ثم إنه لا يقبل إلاّ
بالإيمان وإن لم يشهد له العيان، فارتفاع الريب في العلم بالغيب براءة من العيب، وما في
القلب من الشوب، إياك واتباع المتشابه أيها الواله، فما يتبعه إلاَّ الزائغ، وما يترك تأويله إلاَّ
العاقل البالغ، فإن جاءه من ربه ذلك الشفا فهو المعبر عنه بالمصطفى، والمصطفون عند أولي
الألباب ثلاثة بنص الكتاب: ظالم لنفسه في أبناء جنسه، والثاني: مقتصد وعليه المعتمد، فإنه
حكيم الوقت بعيد من المقت، والثالث: سابق بالخيرات إلى الخيرات، ﴿فِهِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ
فَبِأَتِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٠، ٧١] ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، وكيف وفي
نعمائك نتقلب، فاعلم والزم .
ومن ذلك سرّ الإقناع وما يقع به من الانتفاع من الباب ١٢٩ : الإقناع ارتفاع، وبه يقع
الانتفاع، من أقنع هنا خضع، ولا يقنع في الآخرة إلاّ من خشع، خاشعين من الذل إلى واهب
الكل، ينظرون من طرف خفيّ إلى إله قاهر عليّ، فلو راقبوه في دنياهم آمنوه في أخراهم،
أقنع الأكياس رؤوسهم في الدنيا مع الاتصاف بالخشوع الذي يناقض القنوع، فأعزّهم الله في
العقبى، وأورث خشوعهم أبناء الأولى، من ارتفع سقط وهنا وقع الغلط، وجهل السقط،
اقنع رأسك أيها الإنسان، وانظر إلى الجنان، والحاكم الرحمن يصلح بين الأخوان ﴿ وَأَصْلِحُواْ
ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] فإن الله يصلح بين عباده، في يوم إشهاده على رؤوس أشهاده، فما
يرى الخير إلاَّ من أمن الضير، قد يكون في الآخرة الإقناع للأعزه، ولمن ظهر بأحسن بزه،
وقد يكون للظالم الجائر، الواله الحائر، وبالسمات يفرق بين الأشخاص يوم التنادي ولات
حين مناص، تعوّذوا بالله من هول ذلك المقام، فإن فيه تسفيه الأحلام، ولو سفه العقل من
كان يؤمن بالنقل، فالعقل ما عنده سفه، ولكن تنبه في الإنسان حاكم على صورته وهو
الهوى، ومن أجله وقعت البلوى، وإليه يرجع السفه، ودع عنك كلام من موّه العقل عن

١٠٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
السفاهة منزّه، وما هو بعاقل حتى يتنبه، لكن العاقل قد يغفل عن استعمال عقله لاستحكامه
في نقله، ومن حكم عليه هواه مشى في رضاه، والعقل محجوب في بيته إلى وقته، فإذا احتدّ
البصر، وانكشف الغطاء، وجاء العطاء، استدعى هناك صاحب الهوى عقله وترك نقله،
فوعزّة العزيز ما نفعه، وتركه لمن صرعه، حاصداً ما زرعه.
ومن ذلك سرّ الموت الأحمر بالمقام الأخضر من الباب ١٣٠: ذبح النفوس أعظم في
الألم من الذبح المحسوس، مخالفة الآراء أعظم في الشدّة من مقابلة الأعداء، مجانبة
الأغراض غاية الأمراض، من فاز بمخالفة النفس سكن حظيرة القدس، من نهى النفس عن
الهوى كانت جنة المأوى، لا ينهاها إلاَّ من خاف مقام ربه، وخاف عقوبة ذنبه، والتزم الوفاء
وتميز في أهل الصفاء، وقام بما كلف فقبل وما عنف، ولقد رأيت هذه الليلة في واقعتي ما
شيب سالفتي، وقد نظمت ما رأيته، وفي هذا الباب كتبته، وفي النوم قلته: [السريع]
لا بدّ من جورٍ ومن عَسْفٍ
لا بُدَّ من خَوْفٍ ومن شِدَّهُ
في حكمه يمشي إلى خَلْفٍ
في حلب من حكم جائر
ينزل من قلعتها راجلاً
كأنه الحَجَّاجُ في حُكْمِهِ
يَجُورُ في الخلق بأحكامه
من غير نُسْكٍ لا ولا عَطْفٍ
يَخكُمُ بالقَهْر وبالعُنْفِ
يفرّق الإلفّ من الألفِ
قد نَزَعَ الرحمُنُ من قلبه
في صورة الحَجَّاج أبْصَرْتُهُ
بالواحد الرّحمُنِ من شَرِّهِ
رَحْمَتَهُ وقَدْرُ ذا يكفي
لا بل هو الحَجَّاجُ فَاسْتَكْفِ
ما خَابَ من بالله يَسْتكفي
لكن عسى الله أن يجعل سطوته على أهل العناد من أهل الإلحاد، وكانت عليه غفارة
حمراء وهو يتمايل تمايل سكرى، فأرجو لكونه فاضلاً أن يكون عادلاً، فإنه نزل راجلاً وبيده
عصاه، يستعين بها على من خالف أمر الله تعالى وعصاه، جعله الله تأويلاً صادقاً، ولسان حق
ناطقاً، فتعوّذنا حين انتبهنا من شر ما رأينا كما أمرنا وَل* ونقلنا، وتحوّلنا كما علم.
ومن ذلك الاضطرار افتقار من الباب الأحد والثلاثين ومائة: الاضطرار صفة المخلوق
فارتفعت عنه الحقوق، له الحق لا عليه فلا يلتفت إليه، الالتفات إلى من بيده أزمة الأمور
ويعلم ما في الصدور، وبيده مقاليد السموات والأرض وميزان الرفع والخفض، فيؤتي الملك
من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء فيعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء
قدير ولم يضف الشرّ إليه وهو الحكيم الخبير و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١] لا يبدّل القول لديه فحكم به عليه، فلا يعرف المضطرّ إلاَّ من أطعم القانع
والمعتر، اضطرار لا إجبار والمخلوق جبر في اختبار، المخلوق مجبور في اختياره مختار في
حال اضطراره، لولا التردّد ما ظهر الاضطرار، وإن لم يحكم على صاحبه افتقار، ما كل
اضطرار يكون معه الافتقار، الإفتقار يطلب المستند وما قال بخلاف ذلك أحد، والمضطرّ في
حكمه مع ما سبق في علمه، فلا يحكم حكم إذا عدل وما ظلم إلاَّ بما علم، ولا سيما مع

١٠٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ارتفاع التهم، من العلم صفته فالعدل شيمته، فحكمه بالعلم حكم المضطرّ في الحكم، ما في
الكون إلاَّ العلم، لكن بقي الفهم، إذا علم الجائر أنه جائر، فليس بجاهل ولا غافل، ما حكم
إلاَّ بما وجد، ولا أمضى إلاَّ ما شهد، وما بقي إلاَّ أن يعتقد أنه الحكم الإلهي، أو لا يعتقد
بهذا تميزت النحل وافترقت الملل، فمن ناظر إلى الحكم الإلهي في الأصول، ومن ناظر إلى
الحكم الإلهي في الشرع المنقول، وكل واحد وقف مع دليله على سواء سبيله، وفرّق بين
عقده وقيله، فمن قائل بمقيله، ومن قائل برحيله، فالناس بين حال ومرتحل ومنفصل، وآخر
في انفصاله متصل .
ومن ذلك السيادة عبادة من الباب ١٣٢ : السيد خادم فهو في العبادة قائم ففرق بين
السادات والعبيد من يقول بالمراد والمريد، السيد أحق باسم العبودة من الغير لأن بيده جميع
الخير، له النفوذ والقصد، والأمر من قبل ومن بعد، يحكم في عبده لعبده، فهو يحكم عبده،
لو حكم لنفسه لبقي في قدسه، وأين السيادة مع العبادة؟ [مجزوء الخفيف]
قال لي أنت مَالِكي
كُلَّما قلتُ سَيِّدي
عَلَيَّ مَسَالكي
سَدَّ والله كَوْنُ عَبْدي
في جميع المَداركِ
مالنا عنه صارفٌ
فِعْلِهِ بالمُشَاركِ
لستُ في عينه ولا
ليس يُذْعَى بالمالكي
فهو المالكُ الذي
يعتني بالمَمَالكِ
وأنا الخادمُ الذي
من سبيل المَهَالك
قلت يا رَبِّ عِضْمَةٌ
مِنَ أهْلِ الأرائك
قال سمعاً فأنت عندي
لا من أهلِ الدَّرائك
في سُرُورٍ وغِبْطَةٍ
لا تكن من الملوك فإن الملك مملوك، وحصلت شمسه في الدلوك، واغترّ السالك
بالسلوك، لانتظامه في أهل الأقراط والسلوك، من ملكت يمينه فقد عرق جبينه، من صحّت
سيادته صحّ تعبه وكثر والله نصبه، هم لازم وغمّ دائم لأنه حاكم، لا يحكم في عبده إلاَّ
بحاله، فهو الضعيف في شدّة محاله، لين في عنف وقوّة في ضعف، ولو ترك خدمة عبده
انعزل وكان ممّن عصى المرتبة فزل، فما خدم سيد سوى نفسه لو خدم أبناء جنسه .
ومن ذلك سرّ الدعابة صلابة من الباب ١٣٣ : إذا مزحت فقلّل ولا تعلّل، من التزم
الحق في مزحه سعى في فلاحه، ما أصاب علياً رضى الله عنه ما أصابه إلا من الدعابة، لذا
قال له أبو هريرة وقد رجم على كعبه بالحصبا وما تأبى: لذا أخّروك وما أمروك، فإن صحّت
الرواية ففي هذا كفاية، مازح العجوز وذا التغيّر ولا تقل إلاَّ الخير، ما فعل بعيرك الشارد من
أحسن مزاج العوائد، فأجابه ذلك الإنسان فقال قيده يا رسول الله الإيمان وقال يا أبا عمير، ما
فعل النغير بعطف وتبسم، وما حجبه المنصب عن التلطف بالصغير والتهمم، وقال: إن
العجز لا يدخلن الجنة يعرفها بما لله عليها من المنة، لردّه عليها شبابها وخلعه سبحانه عليها

١٠٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
جلبابها، فإن لم يكن المزاح هكذا وإلاَّ فهو أذى، والأذى من الكريم محال، ولا سبيل إلى
هذا القول بحال، لولا صلابة الدين ما كان من المازحين، لأنه يذهب بالهيبة والوقار عند
المطموسي الأبصار، ألا تنظر إلى رب العباد في قصة هناد، حين أخرجه واستدرجه، إلى أن
قال له: أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟ فأضحكه وهذا القول كان المقصود من الله به ولهذا ما
أهلكه بل أعطاه وخوّله وملكه، فسرت هذه الحقيقة في كل طريقة، وظهرت في كل شيمة
وخليقة، فعمّت الوجود وحكمت على الشاهد والمشهود، فلو لم تكن من جملة النعم ما
صحّ بها النعيم، ولا اتصف بها النبي الكريم، ولا ظهر حكمها في المحدث والقديم، ولكن
يا أيها الإنسان لا تقل بالتطفيف في الميزان ولا بالخسران، بل اعتدل ولا تنحرف، وعند
مقامك فقف ولا تنصرف .
ومن ذلك سرّ الرخاوة غشاوة من الباب ١٣٤ : إذا استرخت الطبقة الصلبة التي في
البصر حصل الضرر، فالرخاوة غشاوة كما أنك لا تفرط في القساوة، واسكن من القرى
ساوه، فإن السعادة فيما ساواه لا فيمن ناواه، ولا تقل المثلان ضدان، فإن لكل مقام مقالاً،
ولكل علم رجالاً، ولكل مشرب حالاً، فإما ملحاً أجاجاً وإما عذباً زلالاً، الشدة والرخا هما
في الريح زعزع ورخا، فالزعزع عقيم والرخا كريم، تسعى في صلاح البال وهي محمودة في
المال، تجري بأمر من أمرها رخاء حيث أصاب لا يعقبها مصاب، الرخاوة في الدين من
الدين، ولهذا امتن الله عليه أن جعل نبيه من أهل اللين فقال: ﴿فَيِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ﴾ [آل
عمران: ١٥٩] وبهذا فضلهم ولو كان فظاً غليظاً في فعله وقوله لا نفضوا من حوله، فهم مع
العفو واللين لا يقبلون، فكيف مع الشدة والفظاظة لن يزالوا مدبرين، لا تكن حلواً فتشترط
ولا مراً فتقعى، فتكون شبيهاً بالأفعى، يتّقى ضيرها مع أنه يرجى خيرها، فإنها من عقاقير
الترياق الذي يرد النفس ولو بلغت التراق، وقيل من راق والتفت الساق بالساق، فانظر إلى
هذا الخير وما تحوى عليه من الضير، فما قام خيرها بشرها ولا ذهب حلوها بمرّها، بل لكل
حال مكان وزمان وإخوان، وماض ومستقبل وآن وإنفاق من إمكان، كالسماع في الحكم عند
أولي الفهم، فيحتاج سماع الألحان إلى مكان وزمان وإمكان وإخوان، فهذه أربعة أركان،
والمكان ما يشهد فيه اللطف، والإمكان ما يجود به الكف، والإخوان ما يكون منهم في
أمان، والزمان ما تأمن فيه السلطان، فأمانك زمانك، والله الموفق وهذا دعاء المحقق، فإياك
وعجلة المحقحق .
ومن ذلك سرّ الإحياء في الحيّ والوفاء في الليّ من الباب ١٣٥ : الغيث غوث فيه نشر
الرحمة من وليّ النعمة، لا يقنط من رحمة الله إلاَّ من ضلّ عن الطريق وتاه، بالماء حياة
الأحياء لما فيه من سرّ الإحياء، جعل الله من الماء كل شيء حيّ فكان عرشه على الماء قبل
الاستواء، ثم استوى عليه وأضاف وأحاط به إليه، فهو بكل شيء محيط من مركب وبسيط،
بعلم وجيز وبسيط ووسيط، استوى عليه اسم الرحمن، وعمّ حكمه الإنس والجان، فظاهر
ومستور من خلف كلة وستور، وعروس تجلى في أرفع منصبة وأحسن مجلى، ولولا لولا ما

١٠٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ظهر الأولى ولا نزل ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَىَ أَيَحْسَبُ آلْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى﴾ [القيامة: ٣٤ -٣٦]
فمن نظر واهتدى، وباع الضلالة بالهدى، عجل بالفدى من أجل تحكم الأعدا.
ومن ذلك سرّ من استحيى من الأموات والأحياء من الباب ١٣٦ : من استحيى أمات
وما أحيى لا يحيى إلاَّ الحيا، فإنه من صفات الأحياء، ولكن لمن كان له حياء، إن الله لا
يستحي من الحق وذلك ليس من صفات الخلق من لا يكون إلاَّ ما يريد لا يستحي من العبيد،
فإن استحى في حال ما فلطلب الاسم المسمّى وهو المحيي كما هو العلي، الحيا في الأموات
من أعجب السمات، بالحيا قصر الطرف، وبه استتر المعنى بالحرف، الحيا حبس
المقصورات في الخيام لئلا تدركهن أبصار الأنام، ولولا الاسم الغيور ما اتخذت الأبنية
والقصور، لولا التكليف ما ظهر فضل العفيف، القوّة مخصوصة باللطيف فكيف يحجبه
الكثيف، لولا قوّة الأرواح ما تحرّكت الأشباح، ولولا حركة الأشباح ما وصلت إلى آمالها
الأرواح، فما كل سراح فيه انفساح.
ومن ذلك سرّ الرفق رفيق من الباب ١٣٧: صحبة الرفيق الأعلى أولى: ﴿ وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ
لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤] الرفيق بعبده أرفق وهو عليه أشفق، أرق الناس أفئدة اليمنيون وهم
السادة العلماء الأميون، اختار الرفيق من أبان الطريق، وهو بالفضل حقيق خير فاختار ورحل
عنا وسار ليلحق بالمتقدم السابق، ويلتحق به المتأخر اللاحق، فلعلمه بأنه لا بدّ من الاجتماع
اختار الخروج من الضيق إلى الاتساع، ألا ترى نداه في الظلمات ولم يكن من الأموات،
وإنما خاف الفوات، أن لا إله إلاَّ أنت كنت حيث كنت، فاستجاب له فنجاه من الغم، وقذفه
الحوت من بطنه على ساحل اليم، فأنبت عليه اليقطين لنعمته ولنفور الذباب عن حوزته، فهذا
العزل الرقيق من إشفاق الرفيق.
ومن ذلك سرّ الاستحقاق يردّ الاسترقاق من الباب ١٣٨ : الحرّ إذا كان من أهل الكرم
تسترقه النعم، وعلى مثل هذا عمل أصحاب الهمم، الإنسان عبد الإحسان لا بل عبد
المحسان، من تعبدته العلل ففي مشيته قزل، من ذاق طعم العبوديه تألم بالحريه، الحرية
محال والعبودة رأس المال، على كل حال، الرب رب والعبد عبد وإن اشتركا في العهد، لا
تقل بئس الخطيب من أجل الضمير، فقد جمع بينهما محمد رَّ وهو السراج المنير، فبه
اقتدينا فاهتدينا ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ولا سيما إذا ثبت أنه ما في الوجود
إلاَّ الله العين، وإن تكثرت في الشهود فهي أحدية في الوجود، ضرب الواحد في الواحد
ضرب الشيء في نفسه فما يعطي غير جنسه، فإن ضربته في غير عينه فما يزيد ما أضفته إليه
في كونه.
ومن ذلك سرّ ذكر الحادث أمن من الحوادث من الباب ١٣٩ : ذكر المخلوق ما يصحّ
قدمه ولو ثبت لاستحال عدمه، فالحادث لا يخلو عن الحوادث، لو حلّ بالحادث الذكر
القدیم، لصحّ قول أهل التجسیم القدیم، لا يحلّ ولا یکون محلاً ولو کان محلاً لکان محلاً،
لا يوصف بغبر وصفه وهل يعرف المسك إلاَّ من عرفه، أو يضم المعنى سوى حرفه، ذكر

١٠٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
القرآن أمان ويجب به الإيمان، أنه كلام الرحمن مع تقطيع حروفه في اللسان، ونظم حروفه
فيما رقمه باليراع البنان، فحدثت الألواح والأقلام وما حدث الكلام، وحكمت على العقول
الأوهام بما عجزت عن إدراكه الأفهام، ولو نيل بالإلهام لكان العالم به هو العلاّم.
ومن ذلك سرّ ذكر القديم مزاجه من تسنيم من الباب ١٤٠ : الذكر القديم ذكر الحق
وإن حكى ما نطق به الخلق، كما أن ذكر الحادث ما نطق به لسان الخلق، وإن تكلم بالقرآن
الحق، من وقف مع المعنى ما تعنى، إذا كان الحق لسان العبد فالذكر قديم، ومزاجه بالعبد
من تسنيم، لأنه العلي الأعلى والنزول بالعبد أولى، هو العين الذي يشرب بها المقرّب وبها
في كل صورة يتقلب، الشارب حقيق في شربه من الرحيق، فإن كان الرحيق المختوم الذي
مزاجه من تسنيم فهو ظهور المحدث بصفة القديم، فبه يتكلم وعنه يترجم، فقل ما تشاء وما
تشاء إلاَّ ما يشاء، فله المنة والطول وبه القوّة والحول، الفريضة إذا عالت مالت، لا يعرف
الحق إلاَّ من كان قواه، ولا يكون قواه إلاَّ من قواه، بالذوق تعرف نسبة التحت إلى الله تعالى
والفوق مع تنزّهه عن الجهات وما تقضي به الشبهات .
ومن ذلك سرّ الاعتبار في الاستبصار من الأبصار من الباب الأحد والأربعين ومائة:
لولا الحواس ما ثبت القياس، ولولا البصر ما صدق من اعتبر، الاعتبار جواز من أين إلى أين
وانتقال من عين إلى عين، ومن كون إلى كون، وعدم لا من عدم، إلى كون الاعتبار تعجب
من الاقتدار، بالفلك المدار ظهرت الدهور والأعصار، وبالشمس ظهر الليل والنهار من خفايا
الأمور، والمد والجزر في الأنهار والبحور، أمن القمر مدّه وجزره أم من غير ذلك؟ فكيف
أمره؟ هو عبد مأمور مثل سائر الأمور، مدّه ماد الظلّ ونزله منزل الوبل والطلّ، لا شك أن
الأمور معلولة والكيفية من الله مجهولة، والنفوس على طلب العلم به مجبولة، انفرد بعلم
العلل، فأصل الأبد من الأزل.
ومن ذلك سرّ الأفكار متعلق الأغيار من الباب ١٤٢ : حلّت المثلات بأهل التفكّر في
المحدثات، لا بدّ من وجه جامع بين الدليل والمدلول في قضايا العقول، وإذا لم يدرك
بالدليل فما إلى معرفته من سبيل، وقد دعانا إلى معرفته وما دعانا إلاَّ بصفته، فلا بدّ من صفة
تتعلق بها المعرفة، وما ثم في العقل إلاَّ صفة تنزيه، وفي النقل ما ثم إلاَّ مثل ذلك مع صفة
تشبيه، فعلى ما هو المعول على الآخر أو الأوّل الأول لا يتبدل والآخر في كل صورة
يتحوّل، فكما أنه ﴿فِيَّ أَبِّ صُوَرَقٍ مَّا شَآءَ رََّّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] كذلك في أي صورة ركبته في
المعتقد، فيظهر فيها وما عتبك فله التجلي بالجيم ولك التحلي بالحاء المهملة بصفة القديم،
فبالأفكار تبدو عيون الأغيار، وبالأذكار تذهب الآثار وتطمس الأنوار.
ومن ذلك الفتى لا يقول متى من الباب ١٤٣ : الفتى ابن الوقت مخافة المقت، لا يتقيد
بالزمان كما لا يحصره المكان، لا تصحب من إذا قلت له باسم الله قال لك أين تذهب؟ ليس
للفتى من الزمان إلاَّ الآن لا يتقيد بما هو عدم بل له الوجود الأدوم، زمان الحال لا ينقال لا
فتى إلاَّ علي لأنه الوصي والولي، الفتيان رؤساء المكانة والأمكان لهم الحجة والسلطان،

١٠٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
والدليل والبرهان، عليهم قام عماد الأمر، وهم على قدم حذيفة في علم السرّ، لهم التمييز
والنقد وهم أهل الحل والعقد، لا ناقض لما أبرموه ولا مبرم لما نقضوه، ولا مطنب لما
قرضوه، ولا مقوض لما طنبوه، إن أوجزوا أعجزوا، وإن أسهبوا أتعبوا، إليهم الاستناد
وعليهم الاعتماد.
ومن ذلك ما عتى من زعم أنه فتى من الباب ١٤٤ : هو صاحب الفتوح ما عنده
جموح، سهل الهوى والانقياد ومع هذا فهو مع من زاد بزاد، وبغير زاد، الفتى هو الكليم
وأين رتبة كلام الحق إياه من اتباعه الخضر بطلب التعليم، انظر إلى هذا الإنصاف وما يختصّ
به من الأوصاف ما تجبر ولا عتى، ولهذا صحّ له اسم الفتى، الفتى من لا يزال للعلم طالباً
ومن الجهل هارباً، لولا ما شاهد في الكلام ألسنة الأنام ما كلم ولا اتبع مخلوقاً ليتعلم، هو
عرف ما هنالك فتعشق بذلك، قال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَن
تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٨] أي لم تذق خطاب الحق
بلساني، ولا رأيته في كياني.
ومن ذلك إدراك الغرر من النظر من الباب ١٤٥ : الفراسة رياسة، ما حار وما ظلم من
تفرس وحكم، يستخرج خفايا الأسرار بما عنده من الأنوار، يعرف الماء في الماء ولا يخفى
عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ليس بقائف بل هو العارف، وليس بعارف ولا زاجر
وإن أتى بالزواجر، يعرف الأوّل من كل شيء، فيكشف بها كل خبء، يفور من بصره النور
ولا يبور، هو بالإيمان مشروط وبحكمه مربوط، يمدّه المؤمن بما شاء من أسمائه عند أنبائه،
فلا يبطىء ولا يخطىء، له النفوذ والمضاء، وله الحكم والقضاء، وله الإمساك إن شاء ولا
مضاء، فإن شاء لم يقض وإن شاء قضى بما يكون وهو كائن وما قد مضى، نوره لا يحتاج
إلى مدد، ولا انقضاء مدد، ولا استبصار بأحد، سورته من القرآن: ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
اللَّهُ الضَمَدُ ﴿ لَمْ يَلِذْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ ()﴾ [الإخلاص]
فِعْلُ سورة الإخلاص ما له مناص.
ومن ذلك الخلق تحقق لا تخلق من الباب ١٤٦ : مكارم الأخلاق أدلة على كرم
الأعراق، التصوّف خلق والمعرفة تحقق، الصوفي رباني والعارف وحداني، والعالم إلهيّ
والواقف طالب والحكيم ناصب، الخلق العظيم عند الكظيم، الغصن إذا حركته الريح مال،
والإناء إذا زاد على وسعه سال، الإناء بما فيه ينضح، وعلى ظاهره يرشح، فلا يفرح الإنسان
حتى يرى ما به ينصح، من نصح فقد أفصح ودلّ على المقام الأرجح، إذا وزنت فأرجح وإذا
وليت فأسجح: [الوافر]
فلسنا بالجِبَالِ ولا الحِدِيدِ
مُعَاوِيَ إننا بَشَرٌّ فأَسْجِخْ
السماحة ملاحة، بها يظهر جمال الإنسان في معاملة الأعيان من الأكوان، من صرف
خلقه مع ربه فقد علم من في قلبه وقلبه.
ومن ذلك: لولا الأعيان ما ظهر الغيران من الباب ١٤٧ : الغيور سريع النفور، فيخطىء

١٠٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
أكثر ممّا يصيب، وهو من شأن في كل يوم عصيب، لما حاز جميع الأسماء ظهر منه الاعتداء
لا يحتمل المزيد وإن كان من جملة العبيد، يفنى ويبيد إذا سمع تشبيه القرب الإلهيّ منه بحبل
الوريد، مقامه الوحده وإن طالت المده، ينفر من صفات الحق لعلمه بأنه خلق، لا يقول
بالامتزاج وإن كان خلقه من نطفة أمشاج، لا يقول بالنتاج وهو النمام كالزجاج، تميل به
الأرواح في هبوبها لتدنيه من محبوبها، فيأبى الميل وهي تغلبه فتحكم عليه بما لا يقتضيه
منصبه ولا يعطيه مذهبه، فلا يزال لمجاري الأقدار في حال اضطرار لا اختيار، وربك يخلق
ما يشاء ويختار، فترى الغيران يحار، عجبت وقد علم أن الحق أغير منه فكيف لا يأخذ عنه
ومن غيرته حرم الفواحش وهي من الحقائق الدواهش، فلا تجمعه بين الشكلين ولا بقوله في
رضاه بأخذ الميلين، فرق بين النكاح والسفاح حتى تتميز الأرواح، وجعل حكم هذا المفتاح
في انضمام الأشباح، والزنى لا بدّ منه وقد قال لصاحبه: استتر به وصنه، وهو يعلم به ويراه
وقدره وقضا به ومع ذلك نهاه، وإن استتر عن أبناء جنسه فما استتر عمّن هو أدنى إليه من
نفسه ونفسه، وهو خالق الحركات المنهي وقوعها إليه يرجع جميعها، ثم يفرح بتوبة عبده
منها فكيف لا ينزّه محل عبده عنها، فلا يخلق إلاَّ ما يسره وإن كانت المعاصي لا تضرّه، كما
أن الطاعات ما تنفعه ومع هذا العلم فلا أرى العالم إلاَّ يفرّقه ويجمعه.
ومن ذلك شهود الغير لا خير ولا مير من الباب ١٤٨ : ما عنده خير ولا مير، من ترك
الغير الغير ما له مستند إلاّ إليه فلا يزال نصب عينيه، لقد افترى من قال إن الله لم يقل: ﴿أَلَّ
يَعْلَم ◌َنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] يا ليت شعري بعد نفسه لمن يرى، هل يرى إلاَّ الغير الذي أصله
خير، فإن الحق أصله ومنه كان فصله، فأوجده على صورته وحياه بسورته، أشدّ ما ظهر من
الصدق حكم الخلق على الحق، فلا يحكم عليه إلاّ بما يعطيه، ولا يقضي فيه إلاَّ ما يقتضيه،
فيمضيه بحكمه يتصرّف وإليه محبة، تعرف أهل الاستبصار يعلمون أنه ما قام بالخلق افتقار،
ولا يتصف باضطرار ولا باختيار، بل هو على ما هو عليه، ويقبل من كرمه ما أضيف إليه،
فأبت الأسماء إلاَّ التصرّف، وأبت الأعيان من الخلق إلاَّ التظرّف، فمكنتها من التصريف في
أعيانها، وتخيّلت أنها جادت عليها بأكوانها، وما علمت بأن الجود كان على نفسها بظهور
عقلها وحسّها، فلولا کرم الخلق ما انفعل للحق، ولما کان ذا أصل کریم یحکم فیه الحکیم،
إيثاراً له على ذاته ليظهر فيها حكم صفاته أو سماته، فهو أصل الجود حيث انفعل للوجود،
حتى اتصف بأنه موجود، فظهر فيه الاقتدار ووصف بالافتقار والاضطرار، فقبل هذا الوصف
تظرفاً وطلب من الحق تعرفاً، لما رأى حاجة الأسماء إليه وتعولها عليه، والأمر عند أهل
النظر الفكري بعكس ما ذكرناه وما بيناه حين سردناه، وليس التحقيق الحق إلاَّ فيما أشرنا إليه
وأوردناه، وهذا أنفس علم يكون وهو الذي قيل به للشيء كن فكان، يكون به كل مكون.
ومن ذلك ما هي أسباب التولي الإلهيّ من الباب ١٤٩ : نحن أسبابه وإهابه ومنا أعداؤه
وأحبابه، فمن خرج مضطرّاً وكان وجهه مكفهراً، فهو العدو المبين وهو الذي إذا حدث
يمين، ومن خرج طيب النفس مطيعاً حاز الأمر جميعاً، فهو البلد الأمين والمخلوق في أحسن

١١٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
تقويم، والظاهر بصورة القديم، فهذا سبب حصول العالم في القبضتين وخلق الدارين وتعيين
النجدين، فإما شاكراً وإما كفوراً، وإما ساخطاً متضجراً، وإما راضياً صبوراً، فتولّى الله العالم
إظهاراً لملكه وانخراطاً في سلكه، وتولاه بأسمائه الحسنى وأحلّه منه المحل الأسنى، وجعل
قربه منه قاب قوسين أو أدنى، هذا غاية قرب الخلق من الحق، وجعل قربه من العبيد أقرب
من حبل الوريد، وهذا غاية قرب الحق من الخلق، فالأمر بين قربين، وما جعل الله لرجل في
جوفه من قلبين، لكنه جعل لكل قلب وجهين، لأنه خلق من كل زوجين اثنين، فبنى الجمع
على الشفع، فلم يكن وتريته سوى وترية الكثير، وبهذا نطق الكتاب المنير، فما شهد عليه
سواه وما انتهك أحد من المخلوقين حماه، ولا ينبغي ذلك فكل شيء سوى وجهه هالك،
وما ثم سوى حتى نقول بالسوا العين واحدة والأحكام ناقصة وزائدة، فاطلب على ما أشرت
إليه تحصل على الفائدة، فهذه أسرار لا بل هي أنوار ما عليها غبار، وإن عميت عنها
الأبصار، وتعالت عن مدارك الاعتبار وحكم الأغيار، وإليه الإشارة بنعم عقبى الدار، وأنت
الدار وعليك المدار.
ومن ذلك ولاية البشر عين الضرر من الباب ١٥٠ : ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾
[البقرة: ٣٠] يؤمن به من كل خيفة، أعطاه التقليد ومكنه من الإقليد فتحكم به في القريب
والبعيد، وجعله عين الوجود وأكرمه بالسجود، فهو الروح المطهر والإمام المدبر، شفع
الواحد عينه وحكم بالكثرة كونه، وإن كان كل جزء من العالم مثله في الدلالة، ولكنه ليس
بظل فلهذا انفراد بالخلافة وتميز بالرسالة، فشرع ما شرع واتبع واتبع، فهو واسطة العقد
وحامل الأمانة والعهد، حكم فقهر حين تحكم في البشر، فظهر النفع والضرر، فأوّل من
تضرّر هو كما ذكر، ثم إنه لم يقتصر حتى آذى الحق وسبّه وأعطاه قلبه وعلم أنه ربه فأحبه،
ولما حسده وغبطه أغضبه وأسخطه، ثم بعد ذلك هداه وأرضاه واجتباه، فلولا قوّة الصورة ما
عتى، ولا لرجوعه إلى الحق سمّي فتى، فظهر بالجود في إزالة الغرض وأزال بزواله المرض،
وقام الأمر على ساق وحصل القمر في اتساق، ﴿وَلْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴿٢٩َ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾
[القيامة: ٢٩، ٣٠] إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فإن السلطان ناطق خالق والقرآن ناطق
صامت، فحكمه حكم المائت، لا يخاف ولا يرجى ولا يطرد ولا يزجى، وما استند
الصديقون إليه، ولا عول المؤمنون عليه، إلاَّ لصدق ما لديه، فالقرآن أحق بالتعظيم من
السلطان، لأنه الكلام المجيد الذي ﴿لَّ يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ
حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: ٤٢] لا رادّ لأمره، ولا معقب لحكمه، يصدق في نطقه، ويعطي الشيء
واجب حقه، فهو النور، والسلطان قد يجور.
ومن ذلك نصرة الملك في حركة الفلك من الباب الواحد والخمسين ومائة: حركات
الأفلاك مخاض لولادة الأملاك، أطت السماء وحق لها أن تئط، وغطّت وحقيق لها أن تغط،
ما فيها قيد فتر ولا موضع شبر، إلاَّ وفيه ملك ساجد لربه حامد، فهم في الأفلاك كما هي في
بطون الأمهات الأجنة، ولهذا سمّوا بالجنة، فهم المسبحون في بطون الأمهات إلى أن يحيي

١١١
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الله من أمات، فعند ذلك تقع لهم الولادة، والخروج إلى عالم الشهادة، وقد أشبه بعضهم
بعض الحيوان ممّا ليس بإنسان فولد ورجع إلى بطن أمه إلى يومه، وتميز بهذا القدر عن قومه
كجبريل وغيره بما أنزلهم به من خيره وضيره، ولا تلد إلاَّ عن انشقاق، وذهاب عين
بالإنفاق، فتبدل الأرض ولا تبدل السماء إلاَّ أنه ينكشف الغطاء.
ومن ذلك الأخبار في الأخبار من الباب ١٥٢ : الأخبار تعرب عن الأسرار والأخبار
تشهد للمؤمن بالإيمان والبهتان والدليل خبر الهدهد فيما أخبر به سليمان قال: ﴿سَنَنظُرُ
أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اُلْكَذِبِينَ﴾ [النحل: ٢٧] فإن شهد له العيان أو الضرورة من الجنان وقع
الإيمان، وإن كذبه ألحقه بالبهتان، فالأخبار محك ومعيار تشهد لها الآثار الصادقة والأنوار
الشارقة، لو كان مطلق الإيمان يعطي السعادة لكان المؤمن بالباطل في أكبر عبادة، فمن آمن
بالباطل أنه باطل فهو حَالٍ غير عاطل، فله السعد الأعمّ والعلم الوافر الأتمّ، فإنه لا يلزم من
العلم بشيء الإيمان به والعلم بكل شيء، ألا تراه قد زاد في ذلك حكماً بأمره ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى
عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وما زاده إلاّ التعلق بما هو عليه ذلك المعلوم والتحقق.
جَ عَلَّمَ اُلْقُرْءَانَ ﴾
ومن ذلك خبر الإنسان كلام الرحمن من الباب ١٥٣: ﴿الرَّحْمَنُ
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
أين ينزل من الإنسان؟ هل في النفس أو في الجنان؟ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَنَ
وهو الفرقان: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ليجمع له بين ما يثبت على حال واحدة وبين ما يقبل
الزيادة والنقصان ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ وهما ما ظهر وما قام على ساق فعلى حكمت
بذلك القدمان ﴿ وَالسَّمَآَ رَفَعَهَا﴾ في البنيان لما لها من الولاية والحكم في الأكوان فهي السقف
المرفوع على الأركان ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ للنقصان والرجحان ﴿أَلَّ تَطْغَوْاْ فِى الْمِيزَانِ﴾ لكم
بالرجحان وعليكم بالنقصان ﴿وَأَقِيمُواْ أَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ وهو الاعتدال مثل لسان الميزان
والكفتان ﴿وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾ وهو الموزون من الأعيان ﴿ وَاُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ من أجل
المشي والمنام ﴿فِيَهَا فَلَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ﴾ لحصول المنافع ودفع الآلام ﴿وَالْحَبُّ ذُو
اَلْعَصْفِ وَالرَّتْحَانُ﴾ وهو ما يقوت الإنسان والحيوان ﴿فَأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أيها الإنس
والجان وقد غمركما الإنعام والإحسان ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارٍ﴾ ﴿وَخَلَقَ
الْجَانَ مِن مَارِجِ مِّن ثَّارٍ﴾ فالإنسان ما يفخر إلاَّ بالجان، وبما في الجان من الضلال كان
الصلصال، وهو الثناء الذميم على من خلق في أحسن تقويم، فيبقى الإنسان على التقديس،
ويأخذ صلصاله إبليس، فيرجع أصله إليه ويجور وباله عليه، والجياد على أعراقها تجري
ونجومها في أفلاكها تسبح وتسري ﴿رَبُّ الْشَرِقَيْنِ﴾ في ظاهر النشأتين ﴿وَرَبُّ الْغَرِبَنِ﴾ في باطن
الصورتين ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١ -١٨] يا هذان.
ومن ذلك سرّ المفتاح في أخبار الأرواح من الباب ١٥٤ : تنزلت الأرواح بتوقيعات
السراح من الفتاح إلى أخواتها من الأرواح المحبوسة في هذه الأشباح، فمن استعجل تسرح
بفكره وعقله، ومنهم من تسرّح بكشفه لما عمل على ما ثبت عنده في نقله، وما عدا هذين من
الثقلين بقي رهين المحبسين، حتى يأتي قابض الأرواح بالمفتاح، ولهذا انطلقت الألسنة

١١٢
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
الفصاح، أنه من باب استراح، وهيهات أين الاستراحة وأنى تعقل الراحة؟ وهو ينتقل إلى
حبس الصور الذي هو قرن من نور، لأنه نفر ظلام الأجسام بالأجساد وزال عنها بسرعة
التقليب في الصور البقاء على الأمر المعتاد، فلا يزال في الصور حبيساً لأنه لا يزال رئيساً
مدبراً سؤوساً، فإن كان من السعداء أو الورثة من العلماء أو الأنبياء فلهم السراح التام في عين
الأجساد والأجسام مثل ما يراه الإنسان في المنام، فيرى نفسه وهو عين واحدة في أمكنة
متعددة، والعقول تحيل أن يكون الجسم في مكانين فكيف بهذين؟ الخيال قد حكم به، فانتبه
إذا كان المخلوق في قوته الإمكان فيما أحاله دليل عقل الإنسان، فما ظنك بخالق هذا الخلق
وهو الواحد الحق؟ ألا تراه يتجلّى في الصور فيعرف وينكر، وهو هو ليس سواه والذي يراه
يطلب أن يراه، فلو عرف معرفته ما طلب رؤيته فإنه لم يشهد إلاَّ هو، ولو علم أنه هو لم يقل
بعد ذلك ما هو هو، ما رأيت وأنت فيما تمنيت واشتهيت.
ومن ذلك توجيه الرسل لإيضاح السبل من الباب ١٥٥: جاءت الرسل بهداية السبل،
وثم سبل لا تظهر إلاّ بالجهاد إلى عين الفؤاد، إن كان الجهاد عن رؤية فقد بلغت المنية، فإن
الله مع المحسنين كما هو مع المتقين، إن رأينا وجهه فله في كل شيء وجهه ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ
أَتَّقَواْ﴾ والمتوقى يباشروا فيه ﴿وَّالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] فهو صاحب العين الباقية،
الإحسان عيان وفي منزل كأنه عيان، وليس إلاَّ الخيال فتعمل في تحصيل هذه الخلال ﴿ وَالَّذِينَ
جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فبلغنا أملنا وتمّم بمشاهدته عملنا، وقسم عليه
الصلاة والسلام سبيله على ثلاثة أقسام: إحسان وإيمان وإسلام، والمعلم السائل والمخاطب
القائل، فعلمه في السرّ ما يقول في الجهر نزل به على قلبه من عند ربه فبدأ بالإسلام، وقرن به
عمل الأجسام، من تلفظ بشهادتين وصلاة وزكاة وحج وصيام وثنى بالإيمان وهو ما يشهد به
الجنان من التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشرّه والبعث الآخر إلى الدار
الحيوان، وثلث بالإحسان وهو إنزال المعنى الروحاني منزلة المحسوس في العيان، وليس إلاّ
عالم الخيال الحاكم بالوجوب والوجود في الممكن والمحال، وفي كل ما يحققه إذا أجابه
يصدقه والحاضر يتعجب من تصديق بلا برهان، وذهل عن العلم الضروري الذي في الإنسان
وما علم الحاضر من السائل كما لم يعلم ما أتى به من المسائل، فأعلم الرسول من هو السائل
والمسؤول، وأنهم المقصودون بذلك السؤال في صورة الخيال.
ومن ذلك فضل البشر على سائر الصور من الباب ١٥٦ : بالصورة علا وفضل، وبها
نزل وسفل، إذا جار وما عدل، فحاز المقام الأدنى في الآخرة والأولى، فالعالي يقول:
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤] والأعلى يقال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴾
[الضحى: ٥] العالي يقول: ﴿رَبِّ أَشْرَعْ لِ صَدْرِى وَبَيِّرْ لِّ أَمْرِى﴾ [طه: ٢٥، ٢٦] والأعلى تقرّر عليه
الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ [الشرح]
وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ
النعم: ﴿أَلَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرََ
العالي يدعو: ﴿وَأَجْعَل لَّىِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ﴾ والأعلى يقال له ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ يعني في
المقربين، والأسفل في أسفل سافلين، بالطين والماء المهين، وإن تساووا في النشأة العنصرية

١١٣
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
بالقرار المكين، والتنقل في الأطوار والانحصار خلف الأسوار، بالكل والبعض والإبرام
والنقض، والتقويض والبناء والقالة بالثناء، فمحمد ومذمّم ومؤخّر ومقدم، وما فضل القديم
إلاَّ المخلوق في أحسن تقويم، فهو العالم لا بل هو العلاّم، مصباح الظلام، معين الأيام،
الإمام ابن الإمام، المؤتى جوامع الكلم وجميع الأسماء والكلام، فأفصح وأبان، لما علمه
البيان، ووضع له الميزان، فأدخله في الأوزان، وزان وما شان، لما ظهرت للملأ الأعلى
طيلته جهلت قيمته، ونظر إلى الأضداد فقال بالفساد، وغاب عن القبضة البيضاء وحميد
الثناء، بما أعطي من علم الأسماء، ولم يكن الملأ الأعلى سمع بالصورة التي أعطته السورة،
فحمل الخلافة على من تقدم من القطان في تلك الأوطان فلو علم أنه خليفة الحق لأذعن
وسلم وما اعترض ولا نطق، ثم ظهر في بنيه ما قاله من المقاله.
ومن ذلك نزول الأملاك من الأفلاك في الأحلاك من الباب ١٥٧ : إنما جعلت النجوم
مصابيح لما بيدها من المفاتيح، فكل مصباح مفتاح ولكل مفتاح اسم إلهيّ فتاح، إنما تفتح
المغالق لإظهار ما وراءها من الحقائق، والأنوار تظهر للأبصار ما سترته الأحلاك، وهو ما في
الأمر من الاشتراك، فلذلك قلنا: إن المصباح المفتاح، فإذا تنزلت الأملاك على قلوب
النساك، أوحت إليها ما أوحت، وأمطرت أنواءها بعدما أصحت، فمنها ما أمست ومنها ما
أضحت، ولا يحوز المجد الشامخ إلاَّ أصحاب البرازخ، وهم ما بين المساء والصباح من
عالم الأجساد والأرواح، فالليل زمان النيل والنهار زمان جر الذيل، لا يظهر حكم الخيلاء إلا
في الصباح والمساء، حركات محدودة وأنفاس معدودة، وصدور منشرحة منسرحة وأبواب
مفتحة، لا يعرف ما تحوي عليه إلاَّ القائم بين يديه، فإذا وهبه ما لديه عول عليه، فلا يدخله
فيه ريب وكان ممّن قيل فيه أنه يعلم الغيب، الأملاك ذو الأبناء وهم تلامذة أوّل الآباء، أين
المنزلة من المنزلة؟ فالبنون ما عندهم من العلم إلاَّ ما نقل إليهم الملأ الأعلى ممّا استفاده من
أبيهم بقدر الفهم، فالملأ الأعلى وسائط، وبيننا وبين أبينا روابط، فبضاعتنا ردّت إلينا وبها
نزلوا علينا، فما في أيدينا سوى مال أبينا، وللملأ الأعلى أجر أداء الأمانة والتنزّه عن الخيانة،
فإنهم من أولي العصمة، وممّن اكتسب من أبينا الرحمة، أين ذلك الانقباض وفظاظة
الاعتراض؟ من هذا اللطف الخفي والإبلاغ من المبلغ الحفي، والحمد لله المنعم المفضل،
والشكر للمحسان المجمل.
ومن ذلك ترك الأغيار من الأغيار من الباب ١٥٨: التروك وإن كانت عدماً فهي نعوت
فالزم السكوت، الأمر بالشيء نهي عن ضده وهو ترك، وهذا شرك الترك على جهة القربة من
صفات الأحبة في الترك، ملك المتروك فأنت من الملوك وإن كنت المملوك، من ترك الغير
فقد رأى أنه غير وما لغير عين فقد شهد على نفسه بأنه جاهل بالكون، وإذا ثبت أن ثم الجاهل
ثبت أن الغير حاصل لا بدّ من حلّ وعقد، فلا بد من رب وعبد، فقد ثبت الجمع وتعين
الشفع، لا يترك الأغيار إلاَّ الأغيار، وأما الحق فلا يترك الخلق، لو تركه من كان يحفظه
ويقوم به ويلحظه، فمن التخلق بأسماء الحق الاشتغال بالله وبالخلق، لو تركت الأغيار لتركت
الفتوحات المكية ج٨ - م٨

١١٤
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
التكليف الذي وردت به الأخبار، ولو تركته لكنت معانداً، وعاصياً أمر المكلف أو جاحداً،
ما كلفت إلاَّ ما تقدر على خلقه، فخلق الخلق أوجب الثبوت في حقّه، لأن الخلق الإلهيّ
اختيار وخلق المكلف ما كلف به اضطرار، وهذا فيه ما فيه لناظر يستوفيه .
ومن ذلك النصرة شهرة من الباب ١٥٩ : النصرة عناد فهو إلحاد، نصرة القوي محال
فانظر في هذا الحال: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وهو القوي له المتين بكم، وأنتم
الأقوياء به في مذهبكم، ما عندكم متانة فأنتم أهل أمانة، وإن لم تنصروه يخذلكم، وإن
خذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، فنصرته من جملة ما أخذه عليكم من عهده، فيا أهل
العهود أوفوا بالعقود، ما أمركم بنصره إلاَّ ولكم اشتراك في أمره، فمن قال لا قدرة لي ويعني
الاقتدار فقد ردّ الأخبار، وكان ممّن نكث والحق تكليف الحق بالعبث، لما طلب النصرة من
خلقه وجعلها من واجب حقّه، أثبت أن له أعداء، وأن لديه أولياء وأوداء، فأحالنا علينا بما
أوجده لدينا، فقلنا مستند هذا التقابل أين؟ فوجدناه في أسماء العين، فما من اسم الإله حكم
وفي أسمائه التقابل، وما في أسمائه تماثل، لكن فيها خلاف فلا بدّ فيها من الائتلاف،
فالناصر محاصر ومحاصر، فأنت تطلبه بالنصر في عين ما طلبكم فيه من النصر، فتعين من
هذا الفرض أنكم كذرية بعضها من بعض، فما انفرد أحد بالقوّة والاقتدار فانظر نزول الواحد
القهار، في لا حول ولا قوّة إلا بالله، وفي طلبه النصرة ثبوت الاشتباه.
ومن ذلك نصرة البشر تستدعي الغير من الباب ١٦٠ : ما أوجدك إلاَّ لتنصره على من
خلق لمن نظر فيه، وتحقق قبولك لاقتداره نصرته، وبك ثبتت إمرته، أقوى النصرة النصرة
من المعدوم، فإن فيها معونة الحيّ القيوم، من انتصر بالعدم أثبت أن ماله في القوّة تلك
القدم، نصرة العبد بالحق أحق لتعقلها بموجود فهي أوفق وأليق، إذا قلنا: ﴿فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقد طلبنا النصرة من موجود هو رب العالمين، لكن هنا نكته لمن كان
له لفته، من نصرك بما أحدثه فما نصرك إلاَّ بك وعليك، فكل شيء مستند إليك، وله القوّة
والحول ومنه المنة والطول، فإذا كلفت فاثبت، وإذا خوطبت وأنت تعلم بما خوطبت
فاسكت، فقد حار أهل الاعتبار في رفع هذه الأستار.
ومن ذلك نصرة الملك حركة الفلك من الباب الواحد والستين ومائة : بوجود المدد
الملكي وظهور الأثر الفلكي، كانت النصرة ورجعت على الأعداء الكره، أقدم حيزوم لنصرة
دين الحيّ القيوم، ولما فيه من تقوية القلوب عند أهل الإيمان بالغيوب، وما كان عند أهل
الغيب إيماناً كان لأهل الشرك عياناً، وذلك الشهود خذلهم ﴿فَلَمْ تَفْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَهُمْ﴾
[الأنفال: ١٧] قتلهم بالملك للأمر الذي أوحاه في السماء وأودعه حركة الفلك، فما انحجب عن
المؤمن لإهانته، كما أنه ما كشفه المشرك لمكانته، لكن ليثبت ارتياعه، ويتحقق انصداعه
واندفاعه، فخذله الله بالكشف وهو من النصر الإلهيّ الصرف، نصر به عباده المؤمنين على
التعيين، فإنه أوجب سبحانه على نفسه نصرتهم فردّ عليهم لهم كرتهم فانهزموا أجمعين
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] والمؤمن الإله الحق، وقد نصره الخلق.

١١٥
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
ومن ذلك أصدق المقال ما كان بالحال من الباب ١٦٢ : أصدق المحامد حمد الصفة
عند أهل المعرفة، كل وصف منهم ولهذا يحتاج إلى دليل حتى يعلم، ووصف الصفة هو
العلم المحكم، فهذا هو حمد الحال على كل لسان ومقال، من أثنى على نفسه بالكرم توقف
السامع فيه حتى يتكرم، فإذا كان العطاء ارتفع الغطاء، الأحوال مواهب من الواهب، فمن
وهبك ما يستحقه عليك فهو عنده أمانة ردّها إليك، ومن وهبك ما تستحقه فقد جار في الهبة
إن رأيت أنها عارية لديك، فارفع الستر عسى ينكشف لك الأمر، انظر إلى هذا الخلاف أين
طلب الوكالة من الإنفاق بحكم الاستخلاف، هو الآمر بقوله: ﴿فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]
وأمر، وهو القائل: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم ◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] فظهر كما أنه بالوكالة
استتر، فعلى ماذا نعوّل وماذا نؤمل؟ تجاذبتني قوى الأضداد لما قام بينها من العناد، وما
حصل في التعب إلاَّ أهل الإيمان من العباد، فإنه أوجب عليهم الإيمان بكل ما ورد ممّا شهد
وما لم يشهد، فما زلنا في حكم الأحوال في الآن والمآل، الحال له الوجود الدائم وهو
الحكم الثابت اللازم، وما عدا الحال فهو عدم، وما له في الوجود قدم.
ومن ذلك خبر الإنسان أخبار الرحمن من الباب ١٦٣ : إن الله عند لسان كل قائل وهو
القائل، فانتبه لقوله: ((كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَلِسَانَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ)) وما تكلم إلاَّ القائل
في الشاهد وهو الإنسان وفي الإيمان الرحمن، فمن كذب العيان كان قوي الإيمان، ومن تردّد
في إيمانه تردّد في عيانه، فلا إيمان عنده ولا عيان، فما هو صاحب مكان ولا إمكان ومن
صدق العيان وسلم الإيمان كان في أمان، ومن قال إن الأمر سيان وما هما ضدان، فهو
صاحب كشف أو برهان، اللسان ترجمان الجنان، وكذلك البنان، والكل الإنسان، والجنان
متسع الرحمن وهو له بمنزلة المكان، فما وسع الربّ إلاَّ القلب فأنت ترجمان الحق إلى
جميع الخلق، فأين الكذب وما ثم ناطق إلاَّ الحق الخالق، نطق الكتاب نطقه وهو خلقه لا
خلقه هو الذكر المحدّث لما حدث، وقد كان له الوجود وعين المخاطب مفقود.
ومن ذلك أخبار الأرواح استرواح من الباب ١٦٤ : الروح واسطة وهو بين الرسول
البشري والمرسل رابطه، يوحي به إليه إذا نزل بالوحي عليه، وقد أمر بالأدب معه حتى
يجمعه، لأنه ما عجل به حتى كشفه، وما نطق به حتى عرفه، فقيل له في هذا الأمر اكتم السرّ
حتى لا يعلم الملك ما جيء به عليك ولك، فتأدب وبالأدب تتقرب، فأهل البساط أدباء،
وأهل الأسرار أمناء، فمن قال من الرجال اقعد على البساط وإياك والانبساط فما عنده خبر بما
هو الأمر عليه، ولا حضر يوماً في بساط الحق بين يديه ليحصل ما لديه، البساط الإلهي له
الهيبة بالذات فأين الالتفات؟ ما هو محل الزلات ولا حلول الآفات، ولا عنده منع وهات،
إنما هو سكون وخمود، وتحصيل وجود الأرزاق فيه أذواق الشهود بمنزلة الخدود، وهو عن
نفسه في حالة المفقود، لولا الشاهد والمشهود وحكم اليوم الموعود، ما قتله أصحاب
الأخدود بالنار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، فأين نضج الجلود؟
ومن ذلك الترسل توسل من الباب ١٦٥ : من فتح باب المراسلة فقد أراد المواصلة،

١١٦
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
فمن أتى قدسه فلا يلومن إلاَّ نفسه، كيف يرجع بالملائمة على نفسه والمرسل ليس من
جنسه، والأنس لا يقع إلاَّ بالجنس، فالسؤال إنما هو في الأنس بالرسول لأنه من جنس
المرسل إليه، ولذلك يعتمد عليه ويشتاق إليه إذا لم يره لديه، إذا كان الرسول حسن الصورة
فذلك إشارة إلى المرسل إليه وتعريف بجمال المكانة والسورة، فحصلت البشرى للرسول
وإدراك البغية بنزول جبريل عليه في صورة دحية صورة الرسول تنبىء عن صورة المرسل عند
من أرسل إليه، ولهذا يعلم ذلك إذا حضر الرسول بين يديه فيعمل بحسب ما يرى، وما هذا
حديث يفترى، أين صورة مالك من صورة رضوان؟ وأين النار من الجنان؟ أين السهل من
الحزن؟ وأين إمساك الغيب من إرسال المزن؟ وأين الفرح من الحزن؟ وشتان بين القبح
والحسن، فالعبارة بالحال أفصح من المقال، ولكن متى يا فتى ذا كان المرسل حكيماً وكان
المرسل إليه عليماً؟ فما كل مرسل حكيم، ولا كل مرسل إليه عليم.
ومن ذلك الإبلاغ عن نفث الروح في الروع من الباب السادس والستين ومائة: النفث
في الروع من الروح من وحي القدوس السبوح، من تلك الحضرة وروده وفيها تعين وجوده،
وهو عين الإلهام ما هو مثل وحي الكلام، ولا وحي الإشارة والعبارة، وما ثم إلاَّ ملهم وهو
الخاطر، الخاطر من السحاب الماطر، فلا يعوّل إلاَّ على الخاطر الأول، فإنه الحق المبين،
والصادق الذي لا يمين، وبمثل هذا الخاطر يحكم الزاجر، ولهذا يصيب ولا يخطىء،
ويمضي ما يقول ولا يبطىء، إذا استبطأ الزاجر عند السؤال فما هو من أولئك الرجال، حال
السؤال حال ما يحكم به المسؤول فيكون ما يقول، إن وقع منه التواني إلى الزمن الثاني، فسد
حاله ولم يصدق مقاله، وإن صدق فذلك أمر اتفق، والأوفاق ما لها ذلك التحقيق، عند
العلماء بهذا الطريق، والنفث لا يكون له مكث، فحلوله انتقاله ووروده زواله.
ومن ذلك نزول الملك على الملك من الباب ١٦٧ : ليس الملك إلاَّ من خدمه الملك،
الملك لا ينزل معلّماً وإنما ينزل معلَّماً، فإن الرحمن علم القرآن، وهو البري من الاشتراك،
فقد علمت لم تنزلت الأملاك، يقول الرسول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ [الأنعام: ٥٠] وما
ينزل به الملك على ما تعرض بالذكر لمن يوحي وهو الملك، لأنه الملك، والملك لا يفتقر
ولهذا لا يحتقر، هو المؤيد المنصور، والذي تدور عليه الأمور فله الظهور، وإن غفل عن
طلب ذلك فإنه المطلوب لأنه المالك تقصده الأسماء كما يقصده الأبناء، فكل اسم إلهيّ عليه
وافد، وكل خبر كوني عليه وارد، فيقف على ما في الملك من الآثار، ويعلن له بما فيه من
الأسرار، فهو نور الأنوار والفلك المدار، الذي عليه المدار، تخلق بالواحد القهار، الوارد في
الأخبار: ((إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخِرَ منهما)) للمنازعة التي جرت بينهما.
ومن ذلك سرّ البنوّة بين الصديقية والنبوّة من الباب ١٦٨ : الولد قطعة من الكبد، قد
كان سارياً فيه، فلهذا كان سر أبيه، فهو في المنزل الأقرب المعنوي بين الصديق والنبيّ، فهو
الوليّ ما هو صديق ولا نبيّ، دليله في البشر مسألة موسى وخضر، جاء في الآي من السور،
فمن علم ما علم، وحكم من المقام الذي منه حكم، علم صاحب القدم، قال له الكليم:

١١٧
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
علمني، وقال له الحبيب: استغفر لي، انظر إلى هذه التكملة المحمدية وتنبيهها على هذه
المنزلة العلية مع كونه بعث عامة فأكبر الطوام هذه الطامة، فمن هنا يعلم أن الحجاب المنيع
والستر الرفيع قد لا يكون في التشريع، قد فضل الرسل بعضهم على بعضٍ مع الاشتراك فيما
شرعوه من السنة والفرض، فما يكون الفضل إلاَّ عن أمر زائد لا يعرفه إلاَّ الختم أو الفرد أو
الإمام الواحد، وهو عن غير هؤلاء محجوب مع أنه لكل شخص مطلوب، ومن خرج عن
هؤلاء لا يهتدون بمناره ولا يصطلون بناره ولا يبصرون بأنواره، بل ينكرونه إذا سمعوه ولا
يحصلونه فيما جمعوه، فإن عين لهم رموا به وجه من عينه ويقولون هذا من تزيين الشيطان
الذي زينه .
ومن ذلك المحتاج من خوصم فحاج من الباب ١٦٩ : من احتجّ عليك بما سبق، فقد
حاجك بحق، ومع هذا فهي حجة لا تنفع قائلها، ولا تعصم حاملها، ومع كونها ما نفعت
سمعت، وقيل بها وإن عدل في الشرع عن مذهبها فإنه ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾
[الأنبياء: ٢٣] ولكن أكثر الناس لا يشعرون فإن مثل هذه المسألة تكون إشعاراً فلا يأتي الآتي بها
جهاراً، ولو جهر بها كانت علماً، وأبدت حكماً، ونفحت فهماً، وأورثت في الفؤاد كلماً،
يتنصر جرحه ولا يندمل، وبه يتأمل كل متأمل، ستره مسدل وبابه مقفل، ومعربه معجم،
وموضحه مبهم، دونه تطير البهم وتخر القمم، لما يؤديّ إليه من درس الطريق الأمم الذي
أجمع على صحته الأمم، وإن كان الصراط المستقيم الذي عليه الرب الكريم يتضمن الخير
والشرّ، والنفع والضرّ والفاجر والبرّ ﴿مَّا مِن دَآئَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وهو البرّ الرحيم .
ومن ذلك من تغنى استغنى من الباب ١٧٠ : ليس منا من لم يكن بالقرآن يتغنى، من
حيره تحييراً لقد حاز مقاماً كبيراً، نعم العبد من قام به كابن أمّ عبد أصغى إليه الرسول لما
وجد عنده السول، فحمده على ذلك وأثنى، بما كان به في ليله يتغنى، فطوبى له من عبد
متهجد، في محرابه لربه يتعبد، يتلو كلامه، ويخاف آثامه، وينادي علامه، أعداد الهول يوم
القيامة، الحبر العلامه، من جعل الحق أمامه، كنيف وقد ملى علماً، وحشي حكمة وحكماً،
وغفر له بدعوة رسول الله وَّر مغفرة عزماً، أمرنا بأخذ القرآن عنه، لما عرف الأمر منزلته
منه، فما لنا لا نكون ذلك الشخص، حتى يشملنا هذا النص، وإن كان قد فقد قائله، فما فقد
حامله وقابله، فكل شخص من هذه الأمة، إذا كان له مثل تلك الهمة، كان المخاطب بذلك
الحمد، فليبذلوا في ذلك الجهد، حتى يفوزوا بهذا الجد، فعليكم بالتعرّض لنفحات جوده،
ليخصكم بما خصّ به أهل العناية من عبيده.
ومن ذلك من تكلف ما تصوّف، من الباب الأحد والسبعين ومائة: التكلف، إذا كان
من طريق البنية، فلا يؤثر في البغية، فإن كان من طريق القلب ففيه استهانة بالرب، وهو أولى
بالإيثار عند المقرّبين والأبرار، في قيام الليل وصيام النهار من الأغيار، فمن عبد الله بالتكلف
فما هو من أهل التصوّف، التصوّف خلق وغير الصوفي في التخلق، والعالم بالله في التحقق،

١١٨
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
فله الخلق من جهة صفاته، وله التحقق من شهود ذاته، إذا كان الرسول ◌َ﴾ من رآه فقد رآه
وهو هو ليس سواه، فما ظنك برب العزّة ومذلّ الأعزة؟ ومن أسمائه العزيز الكريم الحكيم،
وما حاز الصورة إلا من خلق في أحسن تقويم، فأيّ دخول هنا الشيطان الرجيم، فإن تجلى
الشيطان في الصورة صحّت المقالة المذكورة، وهي أنه عين كل موجود إذ كان هو نفس
الوجود، فحكمه خارج عن حكم النبيّ للمقام العلي، وهذا هو القول الذي عليه يعوّل، ودع
عنك من تأوّل المعلوم أن رحمته وسعت الموجود والمعدوم.
ومن ذلك التلفيق من التحقيق من الباب ١٧٢ : التلفيق ضم عين إلى عين لإيجاد صورة
في الكون، لولا ما لفق الأركان، ما ظهر المعدن والنبات والحيوان، ثم ضم الرحمن الحق
إلى الحيوانية النطق، فكان منه الإنسان، الكامل منه والناقص، الإنسان الحيوان وهذا من
تلفيق الرحمن، فأقامه أمامه وأعطاه الخلافة والإمامه، وصيّره الحبر والعلامه، خصّه بالأسماء
وأنزله إلى الأرض من السماء، وقد كان أنبته من الأرض نباتاً، وجعل من نشأته أحياء
وأمواتاً، فما أحسّ منه فهو الحيّ وما لم يحسّ منه فهو الميت، وهذا نعت هذا البيت، عمره
بالقوى وأسكنه العقل والهوى، ثم قال له لا تتبع الهوى فهوى ﴿ وَعَصَّ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىُ ثُمَّ أَجْتَبَهُ
رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢،١٢١] وما تركه سدى. فأغاظ الله به الأعداء، وأفرح به
الملائكة والأوداء، فتلقى من ربه الكلمات، وكانت له من أعظم الهبات، فتحقق بحقائق
المحبة، ورجع إلى ما كان عليه من المنزلة والقربة، وهذا حكم سار في الذريّة، أعطته هذه
البنية، فما ثم إلاّ من همّ ولمّ، وإن كان الموجود الأتم، فاعلم إن كنت تعلم.
ومن ذلك الحكمة نعمة من الباب ١٧٣ : من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وكان
الله به لطيفاً خبيراً، لطيفاً من حيث إنه علمه من حيث لم يعلم، فعلم وما علم أن الله هو
المعلم، والحجب له في علمه وتعلمه، وحجبه عن ذلك بقلمه، فظهر له في صورة القلم،
وقال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمْ﴾ [العلق: ٣] فاختبره فكان خبيراً، وكان الله على كل شيء قديراً، فمن
سأل الحكمة فقد سأل النعمة، ومن أعطى الحكمة فقد أوتي الرحمة، فإن سرمد العذاب بعد
ذلك هذا المالك فما هو ممّن عمّت وجوده الرحمة، ولا كان عند أهل الكشف والوجود من
أهل الحكمة، فإن قال بالرجوع إليها وحكم بذلك عليهم وعليها، فذلك الحكيم العليم
المسمّى بالرؤوف الرحيم، وهو الشديد العقاب لأنه لشدته في ذلك أعقب أهل النار حسن
المآب.
ومن ذلك الكيميا تقدير عند الخبير من الباب ١٧٤ : الكم تقدير موجود ومتوهم، فمن
فاز به نال قلب الأعيان، وتحكم كما يشاء في الأكوان، في عالم الأرواح والأبدان، فهو
صاحب الإكسير الذي حاز علم التدبير والتقدير، بكلمة ينير الأجسام المظلمة، انظر إلى كلمة
((كن)) في الوجود، كيف ألحقت المعدوم بالموجود، ولا تتوجه هذه الكلمة على الموجود
بالعدم، فإنه ليس لها في الردّ إلى العدم قدم، لأنها كلمة وجودية تطلبها الربوبية والعبودية،
لحصول الأعيان في الأكوان، ولهذا يقال فيمن عدم قد كان، فالعدم لمن انعدم نفسي

١١٩
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
والوجود كرم إلهيّ امتناني، فالذي ذهب إليه بعض أهل الكلام في هذه الأقسام من انعدام
العرض لنفسه لا الأجسام ليكون الخالق خالقاً على الدوام، وأما أهل الحسبان فقالوا بتجدّد
جميع الأعيان في كل زمان، وما خصّوا عيناً من عين ولا كوناً من كون، ومن علم أن
المتحيزات كلها قامت من الأعراض جمع بين المذاهب والأغراض.
ومن ذلك سرّ الطلب من الأدب من الباب ١٧٥ : لا يتأدب مع الله حق الأدب إلا من
تحقق بالطلب، ما أوجدك إلاّ لتسأل فأنت الفقير الأذل، فتسأله العزّة والغنى لتحوز عموم
الثنا، فكل ما يثنى عليك به فهو الثناء المحمود، فأنت الذليل الفقير الفقيد، وأنت العزيز
الغني الحميد، فما ثم هجا بالنظر إليك، وما هنا جفا جفاه الحق عليك، فإنه تعالى كما قال
عن نفسه: لست برب جاف، وهذا القول كاف، ولا يليق بالجناب الإلهيّ من الثناء الأمثل
العزيز الحميد، لا بكل ما يثنى به على العبيد، فالعبد له عموم الثناء بما يحمد وما يذمّ به من
جميع الأسماء، وللحق من هذا الثناء الخصوص، بذا وردت النصوص، القالة أن يد الله
مغلولة قالة معلولة، ومن قال إنه فقير فهو الكفور، وهذا في العبد ثناء حميد، فهو أكمل في
الوجود، ثم إنه قد يذمّ بما به يحمد على حسب ما يعتقده القائل، ويقصد كالبخل بالدين
والمال والحرص على طلب الفاني، والعلم والعمل الذي يستعذبه في المآل، فتأمل ما أنعم
الله به وتفضل.
ومن ذلك الندب أدب من الباب ١٧٦ : الندب أثر، والأدب في سلوك الأثر، من اتبع
هواه ما بلغ مناه، لا بدّ أن يبلغ ما تمناه ولو اتبع هواه، فإن رحمة الله واسعة وهي للكل
جامعة، لا تحكم عليها دار، ولا يختص بها قرار من قرار، الموجودات كلها أبناؤها فكيف
يقوض بناؤها؟ فما ثم إلاَّ إحسانها وآلاؤها، هي الأم أدرجت نعماءها في تأديبها أبناءها،
فعقوبتها أدب لا يشعر به من الأبناء إلاَّ العلماء، فكن في أمان لعموم الإيمان، فإنه قد ورد
الإيمان بالحق كما ورد بالباطل، فجيد كل مؤمن حال غير عاطل ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] فاعبد ربك حتى يأتيك اليقين، فإنك إذا تيقنت علمت بمن آمنت،
فالأدب جماع الخير لاشتقاقه من المأدبة، وأعظم المتنعمين بها ﴿ يَنِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ
مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبٍَ﴾ [البلد: ١٥ - ١٦].
ومن ذلك أعزّ الأحباب الأصحاب من الباب ١٧٧ : قيل: من أحب الناس إليك
وأعزّهم لديك؟ قال: أخي إذا كان صاحبي وصديقي، وكان في كل ما أنا فيه رفيقي : [الوافر]
صديقي من يُقاسِمُني هُمُومي
ويَرْمي بالعَدَاوة من رَمَاني
أصحاب النبيّ عليه الصلاة والسلام فازوا بالمقام العلي هنا وفي دار السلام، أعلى
درجات القربة التحقق في الإيمان بالصحبة، لا يبلغ أحدنا مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ولا يصلح أن
يكون وصيفه، نحن الإخوان فلنا الأمان، وهم الأصحاب فهم الأحباب، فمن رأى الصحبة
عين الأتباع من أهل الحقائق ألحق اللاحق بالسابق، فغاية السابق تعجيل الرؤية لحصول
البغية، ولكن ما لها بالسعادة استقلال، فيما أعطاه الدليل وصححه السبيل، وكم شخص رآه

١٢٠
الباب التاسع والخمسون وخمسمائة/ في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة
وشقي والذي تمناه بعدم اتباعه ما لقي، فما أعطته رؤيته وقد فاتته بغيته، فما ثم إلاَّ الاقتداء
وما يسعدك إلاَّ الاهتداء، فتعجل النعيم الصاحب فهو أقرب الأقارب.
ومن ذلك أعزّ الأقارب المقارب من الباب ١٧٨ : للمقارب الحنان من الرحمن لأن
المقارب من الأقارب، ما تعلقنا بهذا السبب إلاَّ لما أثبته الرحمن من النسب، فلما جعل تعالى
بيننا وبينه نسبا وأعلمنا أنه التقوى اتخذناه سببا، فأتقيناه به منه كما أخبر وَل عنه فقال:
((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) فقلنا له: أخذنا هذا عنك، فهو صاحب الحجة والآتي إلينا بالمحجة، له
المحجة البيضا والحجة الغرّا، أمته المتطهرون وهم الغرّ المحجلون، تحجيلهم دليلهم، لو
كان لغيرهم هذا النعت المخصوص من الطهور ما اختصّت هذه الأمة المحمدية بهذا النور،
فإنه قال وَله: ((ما تُعْرَفُ هذِهِ الأمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ مِنْ سَائِرِ الأمَم إلاَّ بِهِ)) فانتبه فوردت الأخبار
المنصوصة بطهارة هذه الأعضاء المخصوصة، فأسبغناها طهوراً فجعل لنا بذلك غرراً وألبسها
نوراً، فكان لهم بذلك التمييز والتعريف المقام الشريف والتشريف، فمن أسبغ طهوره تمّم الله
له نوره، ومن ثنى وثلث فرح بذلك أكثر من صاحب الواحدة إذا تحنث، فصاحب الواحدة هو
المقارب، وصاحب الاثنين والثلاثة من غير زيادة معدود في الأقارب، وإنما ظهر
الرسول ولي بجميع الصور لبعثته إلى جميع البشر، ومنهم الرابح والخاسر المغبون، والعالي
في ذلك والدون.
ومن ذلك قول العارف: ((من وحد ألحد)) من الباب ١٧٩: إنما قيل: ((من وحّد ألحد))
من أجل ((مَنْ)) فإنها تطلب العدد، يؤيد هذا التعريض كونها قد تأتي للتبعيض، ولا نشك أنه
كلمة حق من قول في مقعد صدق، فإنه من وحد مال إلى الحق وتوحد، إذ الملحد هو المائل
في لغة القائلِ، فإذا ألحد العبد ومال بلغ ما أمله من الآمال، وفي الكلام المقبول: من ألحد
فقد أخلد إلاَّ أنه لما ألحد فهو لما قصد الإلحاد اللغوي لا بدّ منه ولا محيص لمخلوق عنه،
ألا ترى إلى أصحاب الأعراف لما لم يبلغوا في هذا الاتصاف حدّ الإنصاف، كيف وقفوا بين
الجنة والنار، فلا هم مع الأشرار ولا مع المصطفين الأخيار، فكانوا يخلصون إلى دار القرار
أو إلى دار البوار، فلولا التلبيس ما حصلوا بين نعم وبئس، فنعم عقبى الدار للأبرار، وبئس
عقبى الدار للفجار، اعتدلت كفتا ميزانهم فهذا كان من شأنهم، فلولا ما تفضل الحق عليهم
فيما كلف الخلق به يوم القيامة من السجود إليه ما برحوا عليه، فلما سجدوا فيمن سجد
رجحت كفة حسناته فسعد، فانفك من أسر السور ولحق بدار السرور.
ومن ذلك من أشرك ملك من الباب ١٨٠ : الشرك في الألوهة مذموم وصاحبه محروم،
والشرك في نعت العبيد بين ذميم وحميد، والمتصف به بين مرحوم ومحروم، فما ثم اسم
لغير الحق عند من علم الأمر وتحقق، فأسماء الخلق أسماء الحق فماذا تخلق بما هو تحقق،
والله ما افتريت عليه، ولا نسبت شيئاً إليه، ولا وصفته بوصف ولا أدرجت معناه في حرف،
فهو سمّى نفسه لنا بما سمّاها، فجميع الأسماء إلى ربك منتهاها، ففرح وتبشبش وغضب وما
بشّ ومل وتعجب وذهب مع عبيده كل مذهب وهو القديم وأنا المحدث فما ثم اسم حدث.