Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
يكون نفعها بأمر زائد على إزالة الضرر وتحقيق الأمر في النفع وصول صاحب الغرض إلى نيل
غرضه والغرض إرادة، فالغرض لا متعلق له أبداً إلاَّ بالمعدوم حكماً أو عيناً. أما قولي حكماً
من أجل تعلق الغرض بإعدام أمر ما وهو إلحاق ذلك الأمر الوجودي بالعدم، فحكم الإعدام
فيه في حال وجوده غير محكوم عليه به، فإذا حكم عليه به فلا يحكم عليه به حتى يلحق ذلك
الأمر الوجودي بالعدم فلهذا قلنا حكماً، فإن تعلق الغرض بإيجاد أمر ما فإن المراد معدوم بلا
شك عيناً، فإذا وجد زال الغرض بالإيجاد وتعلق بدوام ذلك الموجود إن كان مراداً له فالفرار
من كل أمر مهلك نفع عند الخائف لينجو ممّا يحذر منه ويخاف، فإذا وقع النفع وهو عين
النجاة والفوز تفرّغ المحل منه وقامت به أغراض في إيجاد ما يكون له بوجوده منفعة أي شيء
كان فتعطيه إياه هذه الحضرة: [الخفيف]
لَيْلَةَ الصَّفْحِ بالمُنَى عُودي
حَضْرَةُ النَّفْعِ حَضْرَةُ الجُودِ
ما يراه من كل مَشْهُودِ
كان حَدّاً أَوْ غَيْرَ مَحْدُودِ
فنعيمُ المُحِبِّ ليس سوى
رؤيةٌ تَنْعَمُ النفوسُ بها
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
النور * حضرة النور
[نظم: البسيط]
النُّورُ نُورانِ نُورُ العِلْم والعَمَلِ
طلبتُ شخصاً عسى أخْظَى برؤيتهِ
ولم أُعَرْجْ على كَوْنٍ أمرُّ به
حتى مررتُ بشخص لست أعرفه
فقلت ما ذا فقالوا الحَقّ قلت لهم
ونُورُ مُوجِدِنَا الموصوفِ بالأزَلِ
من حضرتي صاعداً لعِلَّةِ العِلَلِ
حُبّاً ولا كان ذاك الكون في أمَلي
فلم يزل مُؤْنسي فيه ولم يَزَلِ
هذا الذي كنت أبْغِيهِ مَعَ النَّحَلِ
يدعى صاحبها عبد النور، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]
وقال في معرض الامتنان: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وما يمشي إلاّ
بنفسه فعين نفسه قد يكون عين نوره، وليس وجوده سوى الوجود الحق وهو النور فهو يمشي
في الناس بربه وهم لا يشعرون كما قال: ((إذا أحَبَّ الله عَبْداً كَانَ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ)) وذكر
في هذا الخبر جميع قواه وأعضائه إلى أن قال: ((وَرِجْلَهُ الَّتِي يَسْعَى بِهَا)) وما مشى في الناس
إلا برجله في حال مشيه بربه فهو الحق ليس غيره، فأزال بنوره ظلمة الكون الحادث، فإنه ما
حدث شيء لأن عين الممكن ما زال في شيئية ثبوته ماله وجود، وإنما ذلك حكم عينه في
الوجود الحق فقال تعالى لنبيه وَ له: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] فهو
قوله فيمن لا يعلم ﴿ كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ الظَّلُمَتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ليس بخارج منها وهو ما بقي من
الممكنات في شيئية ثبوتها لا حكم لها في الوجود الحق، ولا بدّ أن يبقى منها ما لا حكم له
في الوجود الحق لأن الأمر لا نهاية فيه فلا يفرغ، فكل عين ظهر لها حكم في الوجود الحق،

٤٢
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة، في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
فإن ثم عيناً ما ظهر لها حكم في الوجود الحق فهي في الظلمات حتى تظهر فيبقى غيرها
كذلك من لا يعلم حتى يعلم فيلحق بأصحاب النور ولا بدّ أن يبقى من لا يعلم، فنور الوجود
ينفر ظلمة العدم، ونور العلم ينفر ظلمة الجهل.
ثم لتعلم أن الأنوار وإن اجتمعت في الإضاءة والتنفير فإن لها درجات في الفضيلة، كما
أن لها أعياناً محسوسة كنور الشمس والقمر والنجم والسراج والنار والبرق وكل نور محسوس
أو منور وأعياناً معقولة كنور العلم ونور الكشف، وهذه أنوار البصائر والأبصار، وهذه الأنوار
المحسوسة والمعنوية على طبقات يفضل بعضها بعضاً فنقول: عالم وأعلم ومدرك وأدرك،
كما تقول في المحسوس: نير وأنور؛ أين نور الشمس من نور السراج؟ كما أيضاً يتفاضلون
في الإحراق فإن الإضاءة محرقة مذهبة على قدر قوّة النور وضعفه، وقد ورد حديث السبحات
المحرقة والسبحات الأنوار الوجهية هنا نقول إنه بالحجب قيل هذا العالم فإذا ارتفعت
الحجب لاحت سبحات الوجه فذهب اسم العالم، وقيل هذا هو الحق وهذا لا يرتفع عموماً
فلا يرتفع اسم العالم لكن قد يرتفع خصوصاً في حق قوم ولكن لا يرتفع دائماً في البشر لما
هو عليه من جمعية الوجود، وما ارتفع إلاَّ في حق العالين وهم المهيمون الكروبيون وهذا
يكون في البشر في أوقات: [الطويل]
إذا كان غَيْنَ العَبْدِ فالعَبْدُ باطِنٌ
وإن كان سَمْعَ الحَقِّ فالحَقُّ سامعُ
وأنت وعَيْنُ الحَقّ للكل جامعُ
فما الأمر إلاَّ بين فَرْضٍ ونَفْلِهِ
فحَقْ وَخَلْقٌ لا يزالُ مؤبَّداً
إذا كان عَيْنَ العَبْدِ فاللَّيْلُ حالك
فما أنت إلاَّ بين شرق ومغربٍ
فمُغْطٍ وُجُودَ العَيْن وقتاً ومَانِعُ
وإن كان عَيْنَ الحَقّ فالنورُ ساطعُ
فشَمْسُكَ في غرب وبَذْرُكَ طالعُ
وأما النور الذي على النور فهو النور المجعول على النور الذاتي، فالنور على النور هو
قوله: ﴿نُورُ عَلَى نُورِّ يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ، مَن ◌َشَآءُ﴾ [النور: ٣٥] وهو أحد النورين، والنور الواحد من
النورين مجعول بجعل الله على النور الآخر فهو حاكم عليه، والنور المجعول عليه هذا النور
متلبس به مندرج فيه، فلا حكم إلاَّ للنور المجعول وهو الظاهر، وهذا حكم نور الشرع على
نور العقل : [الوافر ]
وليس له سوى ما يَضْطَفِيهِ
فليس له سوى التَّسْلِيم فيهِ
بعلم في القيامة تَرْتَضِيهِ
فإن أَوَّلْتَهُ لم تَخْظَ مَنه
فتحشر في ظلمة جهلك ما لك نور تمشي به، ولا يسعى بين يديك فترى أين تضع
قدميك ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] ولكن جعلناه يعني الشرع الموحي به
نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وهو قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾ [الأنعام:
١٢٢] جعلنا الله من أهل الأنوار المجعولة آمين.

٤٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
الهادي * حضرة الهدي والهدى
[نظم: مجزوء الخفيف ]
حَضْرَةُ الهَدْي والهُدَى
تَرَكّتْني بنُورها
وهو فَخْرِي ومَذْهَبِي
تَرْكَ حالي كذا سُدَى
لست أبغي من سَيِّدي
حضرةٌ كلُّها هُدَى
حالكَ اللَّوْنِ أسْوَدَا
أن أراني مُسَوَّدا
تنقضي بل لنا ابْتِدَا
ما لنا المُدَّةُ التي
نُورُ عيني لما بَدَا
أنا للكل إذْ بَدَا
كان حَقّاً مُوَحِّدَا
أمْرُهُ فيه أَلْحَدَا
لم يَنَلها سوى الذي
فإذا ما انْتَهَى به
يدعى صاحبها عبد الهادي. قال الله تعالى لنبيه وَّله لما ذكر له الأنبياء عليهم السلام:
﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] وهدى الأنبياء عليهم السلام وهو ما
كانوا عليه من الأمور المقرّبة إلى الله، وفي الدعاء المأثور سؤاله ◌َّه: هدى الأنبياء وعيشة
السعداء وهدى الله هو الهدى أي بيان الله هو البيان، وما لله لسان بيان فينا إلاّ ما جاءت به
الرسل من عند الله، فبيان الله هو البيان لا ما يبيّنه العقل ببرهانه في زعمه، وليس البيان إلاَّ ما
لا يتطرّق إليه الاحتمال، وذلك لا يكون إلاَّ بالكشف الصحيح أو الخبر الصريح، فمن حكم
عقله ونظره وبرهانه على شرعه فما نصح نفسه، وما أعظم ما تكون حسرته في الدار الآخرة
إذا انكشف الغطاء ورأى محسوساً ما كان تأوّله معنى فحرمه الله لذة العلم به في الدار الآخرة
بل تتضاعف حسرته وألمه، فإنه يشهد هنالك جهله الذي حكم عليه في الدنيا بصرف ذلك
الظاهر إلى المعنى ونفي ما دلّ عليه بظاهره، فحسرة الجهل أعظم الحسرات لأنه ينكشف له
في الموضع الذي لا يحمد فيه ولا يعود عليه منه لذة يلتذ بها، بل هو كمن يعلم أن بلاء واقع
به فهو يتألم بهذا العلم غاية التألم، فما كل علم تقع عنده لذة ولا يقوم بصاحبه التذاذ،
فحضرة الهدى تعطي التوفيق وهو الأخذ والمشي بهدي الأنبياء، وتعطي البيان وهو شرح ما
جاء به الحق عن كشف لا عن تأويل، فيفرق بين ضرب الأمثال فإنها محل التأويل إذ الأمثال
لا تراد لعينها وإن كان لها وجود وإنما تراد لغيرها فهي موضوعة للتأويل، ولا تضرب إلاَّ
العالم بها، فإن المقصود منه حصول العلم في من ضربت في حقّه، فينزل المضروب عليه
المثل منزلة المثل للنسبة لا بدّ من ذلك فلا بدّ للمثل به أن يكون له وجود في الذهن فاعلم
ذلك : [الوافر ]
وذاك هو الطريقُ المُسْتَقِيمُ
فَهَذْيُ الحَقِّ هَذْيُ الأنبياء
فما في الكَوْن إِلاَّ مُسْتَقِيمُ
عليه الرَّبُّ والأكوان طُرًّا
وشخصّ عالمٌ لَيْثْ رَحِيمُ
فشَخْصْ جاهلٌ فَظُّ غليظٌ
وكل له مقام معلوم، وليس المطلوب إلاَّ السعادة ولا سعادة أعظم من الفوز والنجاة

٤٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
ممّا يؤدي إلى نقص الجد ولو كنت به ملتذاً، وإن ذوقك الحسرة لما يفوتك هنا تجدها وفي
القيامة، وأما في الجنة فيذهب الله بها عنك ولكن تعلم من هو أعلى منك قدر ما فاتك،
وترزق أنت القناعة بحالك وما أنت فيه والرضا، فلا أدنى همّة ممّن يعلم أن هناك مثل هذا،
ولا يرغب في تحصيل العالي من الدرجات، هذا رسول الله وَير قد سأل أمته أن يسألوا الله له
في الوسيلة طلباً للأعلى لعلوّ همته، ألا تراه عند موته وَّر كيف قال لما خيّر الرفيق الأعلى
فقيده بالأعلى وإن علم المحروم في الجنة ما فاته فلا يكترث له لعدم ذوقه، وكل من تعلقت
همته في الدنيا بطلب الأعلى ولم يحصل ذلك ذوقاً في الدنيا ولا كشف له فيه فإنه يوم القيامة
يناله ولا بدّ، ويكون فيه كالذائق له هنا لا فرق، وما بين الشخصين إلاَّ ما عجل له هنا من
ذلك، فالمحروم كل المحروم من لا يعلق همته هنا بتحصيل المعالي من الأمور، ولكن لا بدّ
مع التمني من بذل المجهود، وأما إن تمنى مع الكسل والتثبط فما هو ذلك الذي أشرنا إليه :
[مجزوء الخفيف]
تَرَكَّتْ أمْرَنَا سُدَى
حَضْرَةُ الْهَدْيِ والهُدَى
لإله تَفَرَّدا
قالتِ الأمْرُ كُلُهُ
وامتناعاً وسُؤْدَدا
ليس المُمَجَّد عِزَّةً
في وُجُودي تَوَخَّدا
بوُجُودي من وُجُودِهِ
قد بدا منه ما بدا
وبعيني وكَوْنِهِ
بكياني مُوَحِّدا
فيه كنت لم أكن
فبكوني تَمَجَّدَا
فإذا ما تَمَجَّدَا
فإنه لا يحمد ولا يمجد إلاَّ بأسمائه، ولا تعقل مدلولات أسمائه إلاَّ بنا، فلو زلنا نحن
ذهناً ووجوداً لما كان ثم ثناء ولا مثن، ولا مثنى عليه، فبي وبه كان الأمر وكمل، ومع هذا
فهو غنيّ عن العالمين إذا لم يطلب كمال الأمر فهو الكامل لنفسه وعينه وكونه لأنه واجب
الوجود لنفسه لا تعلق له بالعالم لذاته، وإنما كان التعلق من حيث أعيان الممكنات لأنها
تطلب نسباً تظهر بها عينها، وما ثم موجود تستند إليه هذه النسب إلاَّ واحد وهو الله الواجب
الوجود لنفسه تعالى، فافتقرت إليه إضافات النسب، وافتقرت الممكنات إلى النسب فافتقرت
إليه، فهي أشدّ فقراً من النسب، فصحّ غناه عن العالم لذاته وعينه، ولذلك تقول في التقسيم
العقلي: إن الوجود طلب الكمال والمعرفة طلبت الكمال ولم تجد من بيده مطلوبها إلاَّ الحق
سبحانه فافتقرت إليه في ذلك، فأوجد الحادث الذي هو عين الممكن فكمل الوجود أي كمل
أقسام الوجود في العقل، وكذلك تعرف إلى العالم فعرفوه بمعرفة حادثة فكملت المعرفة به
في التقسيم العقلي، وكل معرفة وعلم بقدر العالم والعارف إلاّ أنه في الجملة لم يبق كمال إلا
ظهر فيه بإحسان الله ورحمته بالسائل في ذلك، ولما ظهر العالم من البرّ الرحيم لم يعرف غيرِ
الإحسان والرحمة فهو على صورة الإحسان والرحمة، فهو مفطور على أن لا يكون منه إلاَّ
إحسان ورحمة ولكن بقي متعلقها فيرحم ويحسِّن لنفسه أوّلاً ولا يبالي كان في ذلك إحسان

٤٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
للغير أو لم يكن، فإن الأصل على هذا خرج حيث أحب أن يعرف، فخلق الخلق فتعرف
إليهم فعرّفوه، وقد علم أن منهم من يتألم ولكن ما راعى إلاَّ العلم به لا من يتألم منهم،
فالنعيم وجود والعذاب فقد ذلك النعيم لا أنه أمر وجودي، فالعالم كله بر رحيم بنفسه لا بدّ
من ذلك فإنه من الجود صدر: [مجزوء الرمل]
ليس في العَالَم إلاَّ
فإذا ما كنت عَبْـ
وإذا ما كُنْتَ رَبّاً
وصراطي بين لهُذَ
ذاك مَذْيُ الأنْبِيَاء
فنَعِيمُهُ وُجُو
فانْظُروا فيما ذَكَرْ
من هو البَرُّ الرَّحِيمْ
ـداً فنَعِيمهُ المُقِيمْ
فعذابُـه الأليمْ
يْنِ صِراطْ مُسْتَقِيمْ
وهُدَى الله القَوِيمْ
دٌ وعذابُهُ عَدِيمْ
نَاقهو العليمُ الحَكِيمْ
فالهدى التبياني ابتلاء وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى
يَُيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وقوله وََّ: ((ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدَى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا
الجَدَلَ)) وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلٍْ﴾ [الجاثية: ٢٣] والهدى التوفيقي وهو الذي يعطي
السعادة لمن قام به وهو قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص:
٥٦] وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وهذا هو هدى الأنبياء، فالهدى التوفيقي هدى
الأنبياء عليهم السلام ﴿فَيَهُدَهُمُ أُقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] وهو الذي يعطي سعادة العباد ﴿وَمَا
تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] والهدى بمعنى البيان قد يعطي السعادة وقد لا يعطيها إلاّ أنه يعطي
العلم ولا بدّ فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
البديع * حضرة الإبداع
[الرمل]
فتَعَالَتْ حيث عَزَّتْ أن تُنَالْ
حَضْرَةُ الإبداعِ لا مِثْلَ لها
فاخذَرِ الرَّمْيَ بها قبل الزَّوَالْ
كلما قلت لها هادي مني
ليس هذا من مقالات الرِّجالْ
فأجابَتْنْي جواباً شافياً
ذو كمالٍ لجمالٍ وجَلالْ
إنما الله إله واحدٌ
قلت ماذا قال لي السِّخرُ الخَلالْ
كلما نَطَّقَني الذِّكْرُ به
يدعى صاحبها عبد البديع، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [الأنعام: ١٠١] وهو ما
علا وما سفل، وأنت المميز للعالي والسافل لأنك صاحب الجهات فهو بديع كل شيء،
وليس الإبداع سوى الوجه الخاص الذي له في كل شيء وبه يمتاز عن سائر الأشياء فهو على
غير مثال وجودي إلاّ أنه على مثال نفسه وعينه من حيث إنه ما ظهر عينه في الوجود إلاَّ بحكم
عينه في الثبوت من غير زيادة ولا نقصان، فمن جعل العلم تصوّر المعلوم فلا بدّ للمعلوم من

٤٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
صورة في نفس العالم، وأما نحن فلا نقول إن العلم تصوّر المعلوم على ما قاله صاحب هذا
النظر، وإنما العلم درك ذات المطلوب على ما هي عليه في نفسه وجوداً كان أو عدماً، ونفياً
أو إثباتاً، وإحالة أو جوازاً أو وجوباً ليس غير ذلك، وإنما يتصوّر العالم المعلوم إذا كان
العالم ممّن له خيال وتخيّل، وما كل عالم يتصوّر ولا كل معلوم يتصوّر إلاّ أن الخيال له قوّة
وسلطان فيعمّ جميع المعلومات ويحكم عليها ويجسدها كلها، وهو من الضعف بحيث لا
يستطيع أن ينقل المحسوس إلى المعنى كما ينقل المعنى إلى الصورة الحسية، ومن ضعفه أنه
لا يستقل بنفسه، فلا بدّ أن يكون حكمه بين اثنين بين متخيل اسم مفعول ومتخيل اسم فاعل
معاً، فالابتداع على الحقيقة إنشاء ما لا مثل له بالمجموع وبهذا قال الله تعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةٌ
ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] فمجموع ما ابتدعوه من العبادة ما كان الحق شرع ذلك لهم، فلا بديع
من المخلوقات إلاَّ من له تخيّل وقد يبتدع المعاني ولا بدّ أن تنزل في صورة ماديّة وهي
الألفاظ التي بها يعبر عنها فيقال: قد اخترع فلان معنى لم يسبق إليه، وكذلك أرباب الهندسة
لهم في الإبداع اليد الطولى، ولا يشترط في المبتدع أنه لا مثل له على الإطلاق، إنما يشترط
فيه أنه لا مثل له عند من ابتدعه، ولو جاء بمثله خلق كثير كل واحد منهم قد اخترع ذلك الأمر
في نفسه ثم أظهره فهو مبتدع بلا شك وإن كان له مثل، ولكن عند هذا الذي ابتدعه لا سبيل
إلاَّ ابتداع الحق تعالى فإنه قال عن نفسه: إنه ﴿بَدِيعُ﴾ أي خلق ما لا مثل له في مرتبة من
مراتب الوجود لأنه عالم بطريق الإحاطة بكل ما دخل في كل مرتبة من مراتب الوجود،
ولذلك قال في خلقة الإنسان: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] لأن الذكر له تعالى وهو
للمذكور منا مرتبة من مراتب الوجود بخلاف المعلوم. ومراتب الوجود أربعة: عيني وذهني
ورقمي ولفظي، فالعيني معلوم، واللفظي راجع إلى قول القائل في ذكره ما ذكره فللشيء
وجود في ذكر من ذكره فلم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً فحدث الإنسان لما حدث ذكره مثل
قوله: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فوصف الذكر بالحدوث وإن كان
كلامه قديماً ولكن الذكر هنا هو التكلم به لا عين الكلام، فالكلام موصوف بالقدم لأنه راجع
إلى ذات المتكلم إذا أردت كلام الله والمتكلم به ما هو عين الكلام، وقد يكون المتكلم به
معنى وقد يكون غير معنى، ثم إنه ذلك المعنى قد يكون قديماً وقد يكون حادثاً، فالمتكلم به
أيضاً لا يلزم قدمه ولا حدوثه إلاَّ من حيث إسماع المخاطب فإنه سمع أمراً لم يكن سمعه قبل
ذلك فقد حدث عنده كما حدث الضيف عند صاحب المنزل وإن كان موجوداً قبل ذلك،
ولكن في مثل هذا تجوز وهو قولك حدث عندنا اليوم ضيف وأنت تريد عين الشخص وما
حدث الشخص وإنما حدث كونه ضيفاً عندك، وضيفيته عندك لا شك أنها حدثت لأنها لم
تكن قبل قدومه عليك، فعلى الحقيقة إتيان الذكر على من أتى عليه هو حادث بلا شك، لأن
ذلك الإتيان الخاص لم يكن موصوفاً بالوجود، وإن كان الآتي أقدم من إتيانه لا من حيث
إتيانه بل من حيث عينه، فأصل كل ما سوى الله مبتدع والله هو الذي ابتدعه، ولكن من
الأشياء ما لها أمثال، ومنها ما ليس لها أمثال أعني وجودية، هكذا بحكم العين لا الوجود في

٤٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
نفسه فما في الوجود إلاَّ مبتدع وفي الشهود أمثال، والعلم يقتضي الوجه الخاص في كل
موجود ومعلوم حتى يتميز به عن غيره فكله مبتدع وإن وقع الاشتراك في التعبير عنه، كما
تقول في الحركة تقول إنها حركة في كل متحرك فيتخيل أنها أمثال وليست على الحقيقة أمثال
لأن الحركة من حيث عينها واحدة أي حقيقة واحدة حكمها في كل متحرك فهي عينها في كل
متحرك بذاتها فلا مثل لها فهي مبتدعة مهما ظهر حكمها، وهكذا جميع المعاني التي توجب
الأحكام من أكوان وألوان فافهم، فإن لم تعرف كون الحق بديعاً على ما ذكرته لك فما هو
بديع من جميع الوجوه لأن الجوهر القابل جوهر واحد من حيث حدّه وحقيقته ولا تتعدد
حقيقته بالكثرة، والمعنى الموجب لها حكماً ما لا يتعدد من حيث حقيقته فهو بحقيقته في كل
محكوم عليه بحكمه فما ثم مثل، فالبياض في كل أبيض والحركة في كل متحرك فافهم ذلك،
فكل ما في الوجود مبتدع الله فهو البديع .
وانظر في قوله تعالى تجده ينبه على هذا الحكم أعني حكم الابتداع ﴿ وَنُنِشِئَكُمْ فِ مَا لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١] من باب الإشارة أي لا يعلم له مثال، وما ثم إلاّ العالم وهو المخاطب
بهذا وهو كل ما سوى الله، فعلمنا أن الله ينشىء كل مُنشأ فيما لا يعلم إلاَّ إن أعلمه الله ﴿وَلَقَدْ
عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] أنها كانت على غير مثال سبق كما هو الأمر في
نفسه، وكذلك قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] وبدأنا على غير مثال فيعيدنا على غير
مثال، فإن الصورة لا تشبه الصورة ولا المزاج المزاج، وقد وردت الأخبار الإلهية بذلك على
ألسنة الأنبياء عليهم السلام وهم الرسل، وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين الحق وإنما هو
ما ظهر في الوجود الحق، إذ لو كان عين الحق ما صح كونه بديعاً كما تحدث صورة المرئي
في المرآة ينظر الناظر فيها فهو بذلك النظر كأنه أبدعها مع كونه لا تعمل له في أسبابها ولا
يدري ما يحدث فيها، ولكن بمجرد النظر في المرآة ظهرت صور هذا أعطاه الحال، فما لك
في ذلك من التعمّل إلاَّ قصدك النظر في المرآة ونظرك فيها مثل قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا
أَرَدْنَهُ﴾ وهو قصدك النظر ﴿أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾ وهو بمنزلة النظر ﴿فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وهو
بمنزلة الصورة التي تدركها عند نظرك في المرآة ثم إن تلك الصورة ما هي عينك لحكم صفة
المرآة فيها من الكبر والصغر والطول والعرض ولا حكم لصورة المرآة فيك فما هي عينك ولا
عين ما ظهر ممّن ليست أنت من الموجودات الموازية لنظرك في المرآة، ولا تلك الصورة
غيرك لمالك فيها من الحكم، فإنك لا تشك أنك رأيت وجهك ورأيت كل ما في وجهك ظهر
لك بنظرك في المرآة من حيث عين ذلك لا من حيث ما طرأ عليه من صفة المرآة، فما هو
المرئيّ غيرك ولا عينك، كذلك الأمر في وجود العالم والحق أي شيء جعلت مرآة أعني
حضرة الأعيان الثابتة أو وجود الحق. فإما أن تكون الأعيان الثابتة لله مظاهر فهو حكم المرآة
في صورة الرائي فهو عينه وهو الموصوف بحكم المرآة فهو الظاهر في المظاهر بصورة
المظاهر، أو يكون الوجود الحق هو عين المرآة فترى الأعيان الثابتة من وجود الحق ما يقابلها
منه، فترى صورتها في تلك المرآة ويترائى بعضها لبعض ولا ترى ما ترى من حيث ما هي

٤٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
المرآة عليه، وإنما ترى ما ترى من حيث ما هي عليه من غير زيادة ولا نقصان، كما لا يشك
الناظر وجهه في المرآة أن وجهه رأى وبما للمرآة في ذلك من الحكم يعلم أن وجهه ما رأى
فهكذا الأمر، فانسب بعد ذلك ما شئت كيف شئت: [البسيط]
والحَقُّ مُبْتَدِعْ لما بدا فَظَهَرْ
فالكُلُّ مُبْتَدَعْ في عَيْنِ مُوجِدِهِ
وكَوْن إبداعه لما أَتَى فِتَظَرْ
فالعينُ ثابتةٌ والذات ثابتةٌ
منها ومنه فبالمجموع كان أَثَرْ
فما بَدَتْ صُوَرٌ إلاَّ لها صُوَرٌ
الوارث * حضرة الورث
[نظم: الطويل]
من الحُبِّ والشَّوْقِ المُبَرِّح والوُدّ
أنا وارثٌ والحَقُّ وارثُ ما عندي
مُقيمٌ على ما تعلمون من العَهْدِ
عهدت الذي قد هِمْتُ فيه وإنني
إذا ما تَراءَى البرقُ من جانب الحِمَى
أقول له أهلاً وسهلاً ومرحباً
فيذهب بالأبصار عند خُفُوقه
وقد زادني مَسْرَاهُ وَجْداً إلى وَجْدٍ
بمن قد أتى من غير قَصْدٍ ولا وَعْدِ
فيا ليت شِغري من يقوم له بَغْدي
يدعى صاحبها عبد الوارث، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠]
فورثها ليورثها من يشاء من عباده فهو في هذه المسألة كالموصي فهو مورث لا وارث، وما
هو وارث إلاّ إذا مات من عليها فإنه قد وقعت الفرقة بين المالك والمملوك فهو الوارث لهما
فهو قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠] ولم يقل ومن فيها لأن الميت من حيث
جسمه فيها لا عليها، فإذا نزهت الحق عن خلقه الأشياء لنفسه وإنما خلقها بعضها لبعضها فقد
فارقها من هذا الوجه وفارقته وتميز عنها وتميزت عنه فراقاً ما فيه اجتماع، فأنت وارث والحق
موروث منه وهو قوله: ﴿يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وهو الذي أطلعه الله
على هذا العلم الذي فرّق به بين الخالق والمخلوق، فخلق الخلق للخلق لا لنفسه، فإن
المنافع إنما تعود من الخلق على الخلق والله هو النافع الموجد للمنافع وإن كان خلقنا لنعبده،
فمعناه لنعلم أنا عبيد له فإنا في حال عدمنا لا نعلم ذلك لأنه ما ثم وجود يعلم فهو سبحانه
الحيّ الذي لا يموت، مع أنه يتميز عن خلقه بما هو عليه من صفات الجلال والكبرياء الذي
لا نعقله إلاَّ منا، فما نعلم إلاَّ جلال الحادثات وكبريائها لا غير، ولا تنسب إليه ما نحن عليه
ممّا حمده الحق أو ذمه فينا فإن ذلك كله محدث والمحدثات لا نصفه بها، وإنما نصفه
بإيجادها، وما أوجده لا يقوم به، فالكبرياء والجلال الذي ننسبه إليه غير معلوم لنا، فإنه لا
يقبل جلالنا ولا كبرياءنا، وجميع ما نحن عليه من الصفات وصف نفسه بها ثم نزّه نفسه عنها
فقال: ﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾، وهي المنع ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فأخذنا هذه الصفات
التي كنا نصفه بها بعد تنزيهه عنها بحكم الورث لأنه قد وصف نفسه بها ووصفناه بها فقام
التنزيه بعد ذلك مقام الورث لنا فهو يرثنا بالموت ونحن نرثه بالتنزيه: [السريع]

٤٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
من كُلِّ ما أَظْهَرَهُ في الوُجُوذ
فكُلُّ وَصْفٍ فعلينا يَعُوذُ
ونحن من إحسانه في مَزِيدْ
فالجُودُ لله على خَلْقِهِ
فإنه المَوْلَى ونحن العَبِيدْ
كان له قَلْبٌ وكان الشَّهِيدْ
فنحن بالحَقِّ كما هو بنا
وإن في ذلك ذِكْرَى لمن
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الصبور * حضرة الصبر
[نظم : الكامل]
إلا به فهو الذي لا يَضْجَرُ
عَبْدُ الصَّبُورِ هو الذي لا يَصْبِرُ
صَمْتٍ فِتُبْصِرُهُ بِه يَتَضَرَّرُ
يشكي إليه ويشتكي بالحال في
[نظم: المجتث]
وإنني لَصَبُورُ
حَبَسْتُ نَفْسي لرَبِّي
كما عَلِمْتَ خَبِيرُ
وإنَّ رَبِّي بحالي
فالقَوْلُ صِدْقٌ وزُورُ
فإنْ أقُلْ فيه قَوْلاً
فيما أقول بَصِيرُ
وإنني لَصَدُوقٌ
مالي عليه نَصِيرُ
مالي إليه دَليلٌ
عبد الصبور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] فوصف نفسه بأنه
يؤذى ولم يؤاخذ على أذاه في الوقت من أذاه فوصف نفسه بالصبور، لكنه ذكر لنا من يؤذيه
وبما ذا يؤذيه لنرفع عنه ذلك مع بقاء اسم الصبور عليه ليعلمنا أنا إذا شكونا إليه ما نزل بنا من
البلاء من اسم ما من الأسماء أن تلك الشكوى إليه لا تقدح في نسبة الصبر إلينا، فنحن مع
هذه الشكوى إليه في رفع البلاء عنا صابرون كما هو صابر مع تعريفنا وإعلامه إيانا بمن يؤذيه
وبما يؤذيه لننتصر له وندفع عنه ذلك وهو الصبور، ومع هذا التعريف فنحن الصابرون مع
الشكوى إليه، فلا أرفع ممّن يدفع عن الله أذى ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ﴾ [محمد: ٧] فمن كان
عدوّاً لله فهو عدوّ للمؤمن، وقد ورد في الخبر: ((لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ أَصْبَرَ عَلَى أَذِى مِنَ الله)) لكونه
قادراً على الأخذ وما يأخذ ويمهل باسمه الحليم وعلى الحقيقة فما صبر على أحد وإنما صبر
على نفسه أعني على حكم اسم من أسمائه، لأن الأذى إنما وقع بالنطق، وما أنطق من نطقٍ
بما يقع به الأذى إلاَّ الذي أنطق كل شيء وهو الله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَاً
قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] والجلود عدل، فإن الله قبل شهادتهم على
من أقامها عليهم، وقال المنطقون: ﴿أَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] وأمثال ذلك، وكذبوا الله
وشتموه وسبّوه مختارين ذلك مع علمنا بأنهم محبورون في اختيارهم منطقون بما أراده لا بما
رضيه، إلاَّ أن الدقيقة الخفية أن الله نطقهم أي أعطاهم قوّة النطق التي بها نطقوا وبقي عين ما
الفتوحات المکیة ج٨ - م٤

٥٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
نطقوا به وما قالت الجلود إلاّ أنها منطقة ما تعرضت بالاعتراف إلى ما نطقت به، فإن ذلك إذا
وقع بالاختيار دون الاضطرار والكره نسب إلى من وقع منه نسبة صحيحة: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ
اُلسَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] أي بيّنا له وخلقنا له الإرادة في محله، والتعلق نسبة لا تتصف بالوجود
فتكون مخلوقة لأحد فتعلقت بأمر ما متعين ممّا فيه أذى لله ورسوله، وممّا يسمّى به شاكراً أو
كفوراً فهو تعلق خاص مع كون الناطق غافلاً عن استحضار هذه النسب كلها وردها إلى الله
بحكم الأصل فإنه لو استحضرها ما نطق بها إذ لا ينطق بها إلاَّ جاهل أو غافل.
ثم إنه من الحجة البالغة لله في هذا أنه ما وقع في الوجود من ممكن من الممكنات إلاَّ ما
سبق بوقوعه العلم الإلهي فلا بدّ من وقوعه، وما علم الله معلوماً من المعلومات إلاَّ بما هو عليه
ذلك المعلوم في نفسه، فإن العلم يتبع المعلوم ما يتبع الوجود الحادث يعني حدوث الوجود
يتبع العلم والعلم يتبع المعلوم، وهذا المعلوم الممكن في حال عدمه وشيئية ثبوته على هذا
الحكم الذي ظهر به في وجوده، فما أعطى العلم لله إلا المعلوم فيقول له الحق: هذا منك لا
مني لولم يكن في عينك الثبوتية على ما علمتك به ما علمتك ﴿فَلِلَّهِ الْمُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]
فلو شاء لكنه لم يشأ ولا تحدث له عزّ وجلّ مشيئة لأنه ليس بمحل للحوادث مع أن المشيئة تابعة
للعلم فهي تابع التابع، فلهذا الأمر الذي قررناه بقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[الأحزاب: ٥٧] وقال في الصحيح: ((شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَتْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ
يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ ذُلِكَ)) وذكر الحديث. فقوله: ((ولم يَكُنْ يَنْبغي له ذلك)) لما له عليه تعالى من فضل
إخراجه من الشر الذي هو العدم إلى الخير الذي بيده تعالى وهو الوجود، والله يقول في مكارم
الأخلاق: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. فأحكام الأسماء الحسنى لذاتها
وتعيين تلك الأحكام بكذا دون كذا مع جواز كذا لما أعطاه الممكن المعلوم من نفسه، فمن هنا
نسب الأذى إلى المخلوق واتصف الحق بالصبر على أذى العبد، وعرف أهل الاعتناء من
المؤمنين بذلك صورة الشاكي بهم ليدفعوا عنه ذلك الأذى فيكون لهم من الله أعظم الجزاء كما
قررناه قبل، فهذه حضرة عجيبة فقد ذكرنا مائة حضرة، كما اشترطنا على أن الحضرات الإلهية
تكاد لا تنحصر لأنها نسب، وقد ذكر منها أن لله ثلاثمائة خلق هذه التي ذكرنا من تلك الثلاث
مائة وكل اسم إلهي فهو حضرة، ومن أسمائه ما نعلم ومنها ما لا نعلم، ومنها ما نجوز إطلاق ما
نعلم عليه ومنها ما لا نجوزه لما يقتضي في العرف من سوء الأدب فسكتنا عنه أدباً مع الله، لكن
جاء في القرآن من ذلك شيء بطريق التضمن، وأسماء الأفعال التي ما بنى منها أسماء كثيرة،
وجاء أسماء أشياء نسب إليها حكم ما هو لله ولم يتسم الله بها، ونسب ذلك الحكم إليها مثل
قوله: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] والواقي إنما هو الله، والسربال هنا نائب علق به
الذكر في الحكم ونسب الوقاية إليه وليس الواقي إلاّ الله، ولكن ما يطلق على الله اسم السربال
{ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ
بل كل ما يفتقر إليه هو اسم من أسمائه تعالى لأنه قال: ﴿
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: ١٥] ولما كان الله يحب الوتر لأنه وتر وجئنا بمائة حضرة فجئنا
بالشفعية أوترناها بحضرة الحضرات لتكون مائة وواحدة فإن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل
القرآن ونحن أهل القرآن فإنه علينا أنزل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٥١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
حضرة الحضرات الجامعة للأسماء الحسنى
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] ﴿قَلِ أُدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ
الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] فاعلم أن أسماء الله منها معارف كالأسماء
المعروفة وهي الظواهر، ومنها مضمرات مثل كاف الخطاب وتائه تاء المتكلم ويائه وضمير
الغائب وضمير التثنية من ذلك وضمير الجمع مثل: ﴿ ◌َحْنُ نَزَّْنَا﴾ [الإنسان: ٢٣] ونون الضمير في
الجمع مثل: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ [الإنسان: ٢٣] وكلمة أنا وأنت وهو، ومنها أسماء تدل عليها الأفعال
ولم يبن منها أسماء مثل: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] ومثل: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِمْ﴾ [البقرة: ١٥]
ومنها أسماء النيابة هي لله، ولكن نابوا عن الله منابه مثل قولنا: ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾
[النحل: ٨١] وكل فعل منسوب إلى كون ما من الممكنات إنما ذلك المسمّى نائب فيه عن الله
لأن الأفعال كلها لله سواء تعلق بذلك الفعل ذم أو حمد، فلا حكم لذلك التعلّق بالتأثير فيما
يعطيه العلم الصحيح، فكل ما ينسب إلى المخلوق من الأفعال فهو فيه نائب عن الله، فإن
وقع محموداً نسب إلى الله لأجل المدح فإن الله يحب أن يمدح، كذا ورد في الصحيح عن
رسول الله وقّ وإن تعلق به ذمّ لم ننسبه إلى الله أو لحق به عيب مثل المحمود قول الخليل:
﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وقال في المرض إذا مرضت ولم يقل أمرضني وما أمرضه إلاَّ
الله فمرض كما أنه شفاه، وكذلك: ﴿فَأَرَدِثُ أَنْ أَعِبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] فكنى العالم العدل الأديب
عن نفسه إرادة العيب. وقال في المحمود: فأراد ربك في حق اليتيمين، وقال في موضع
الحمد والذمّ: ﴿فَأَرَدْنَآ﴾ [الكهف: ٨١] بنون الجمع لما فيه من تضمن الذمّ في قتل الغلام بغير
نفس، ولما فيه من تضمن الحمد في حق ما عصم الله بقتله أبويه فقال: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ وما أفرد ولا
عين، هكذا حال الأدباء ثم قال: ﴿وَمَا فَعَلَئُهُ﴾ يعني ما فعل ﴿عَنْ أَمْرِئَّ﴾ [الكهف: ٨٢] بل الأمر
كله لله، فإذا كنى الحق عن نفسه بضمير الجمع فلأسمائه لما في ذلك المذكور من حكم
أسماء متعددة، وإذا ثنى فلذاته ونسبة اسم خاص، وإذا أفرد فلاسم خاص أو ذات وهي
المسمّى إذا كنى بتنزيه فليس إلاَّ الذات، وإذا كنى بفعل فليس إلاَّ الاسم على ما قررناه،
وانحصر فيما ذكرناه جميع أسماء الله لا بطريق التعيين فإنه فيها ما ينبغي أن يعين وما ينبغي أن
لا يعين، وقد جاء من المعين مثل الفالق والجاعل ولم يجىء المستهزىء والساخر وهو الذي
يستهزىء بمن شاء من عباده ويكيد ويسخر ممّن شاء من عباده حيث ذكره ولا يسمّى بشيء
من ذلك ولا بأسماء النواب ونوابه لا يأخذهم حصر، ولكن انظر إلى كل فعل منسوب إلى
كون من الأكوان فذلك المسمّى هو نائب عن الله في ذلك الفعل كآدم والرسل خلفاء الله على
عباده ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠] فلننبه من ذلك على يسير يكون خاتمة هذا
الباب لنفيد المؤمنين بما فيه سعادتهم، لأن السعادة كلها في العلم بالله تعالى فنقول: إن من
الأفعال ما علّق الله الذمّ بفاعله والغضب عليه واللعنة وأمثال ذلك، ومن الأفعال ما علّق الله
المدح والحمد بفاعله كالمغفرة والشكر والإيمان والتوبة والتطهير والإحسان وقد وصف نفسه
بأنه يحب المتصفين بهذا كله، كما أنه لا يحب الموصوفين بالأفعال التي علّق الذم بفاعلها مع

٥٢
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزّة
قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] والأمر كله لله. وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَاَلْأَمْرُ﴾
[الأعراف: ٥٤] فأخبر أنه يحب الشاكرين والمحسنين والصابرين والتّابين والمتطهرين والذين
اتقوا ولا يحب المسرفين ويغفر لهم، ولا يحب المفسدين ولا الظالمين، وما جاء في القرآن
من صفة من لا يحبه عزّ وجلّ، فالأدب من العلماء بالله أن تكون مع الله في جميع القرآن، وما
صحّ عندك أنه قول الله في خبر وارد صحيح، فما نسب إلى نفسه بالإجمال نسبناه مجملاً لا
نفصله، وما نسبه مفصلاً نسبناه إليه مفصلاً وعيناه بتفصيل ما فصل فيه لا نزيد عليه، وما أطلق
لنا التصرّف فيه تصرفنا فيه لنكون عبيداً واقفين عند حدود سيدنا ومراسمه: [السريع]
فنَبْتَغي بالشُّكْرِ منه المَزِيدْ
فإِنَّه الرَّبُّ ونحن العَبِيد
أوّلها حالُ حُصُولِ الوُجُود
الكَوْنِنَا بالفَقْر في فَاقَةٍ
وبعد ذا اسْتِمْرَارُهُ دائماً
لأنه سبحانه فاعلٌ
ولا يُرِيدُ الحَقُّ إلاَّ الذي
وما يزيدُ الله في عِلْمِهِ
ونَتْسُبُ الجُودَ إليه لما
فكلُّ خَيْرنا لنا حادثٌ
بنا نَعِمْنا لا به فانظروا
إلى مقامات الفَنَا في الشّهُودُ
يفعلُ في أعياننا ما يُريدُ
أعطاه في الشَّحْقِيقِ حَالَ العَبِيدْ
فجُودُهُمْ منهم عليهم يَعُوذ
له من الخَيْر الذي لا يَبِيدْ
نَعيمنا منا فما نَسْتَزيدْ
في قولنا فنحن عَيْنُ الحُدُود
فما نعمنا إلاَّ بحادث، فبنا نعمنا لأنه يستحيل تنعمنا به، ويستحيل قيام الحوادث به،
فتنعمه وابتهاجه بذاته وكماله فإنه الغنيّ عن العالمين، فما رأى راء سوى نفسه لا رؤية علم
ولا رؤية حسّ، فانظر ماذا ترى وانظر من ذا يرى، وانظر ما يحصل عن كل رؤية في نفس
الرائي، فإن اقتضى ذلك الحاصل حكم رضى رضي، وإن اقتضى حكم سخط وغضب سخط
وغضب كان ذلك الرائي من كان ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله فقد أسخطوا الله وأغضبوه فعاد
وبال ذلك الغضب على من أغضبه، فلولا شهود ما أغضبه ما غضب وما أسخطه ما سخط وما
أرضاه ما رضي، فإن الأصل التعري والتنزيه عن الصفات، ولا سيما في الله إذا كان أبو يزيد
يقول: لا صفة لي فالحق أولى أن يطلق عن التقييد بالصفات لغناه عن العالم لأن الصفات إنما
تطلب الأكوان، فلو كان في الحق ما يطلب العالم لم يصحّ كونه غنياً عمّا هو له طالب.
واعلم أن هذه الحضرة الجامعة للحضرات تتضمن ملك الله وليس ملك الله سوى
الممكنات وهي أعياننا فنحن ملكه وبناء كان ملكاً وهو القائل: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
[البقرة: ١٠٧] وقول رسول الله وَّر في الثناء على الله: ((إنَّهُ رَبُّ كُلُّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ)) فجاء بلفظة
((شيء)) وهي تنطلق على الأعيان الثابتة والوجودية، فما وجد منها فهو متناه، وما لم يوجد فلا
يوصف بالتناهي. ثم انظر في الخبر الإلهي الثابت الصحيح قوله: ((لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ)) وما
له آخر لأن الأمر لا يتناهى فلا يظهر الآخر إلاَّ فيما وجد ثم يوجد آخر فيزول عن ذلك حكم
الآخر وينتقل إلى هذا الذي وجد هكذا إلى ما لا يتناهى، وقد يتناهى الأمر في نوع خاص

٥٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
كالإنسان، فإن أشخاص هذا النوع متناهية لا أشخاص العالم، ولا يتناهى أيضاً خلق أشخاص
النوع الإنساني بوجه آخر لا يعثر عليه كل أحد وهو في قوله تعالى: ﴿بَلَّ هُمْ فِ لَبْسٍ مِّنْ خَلْقِ
جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] فعين كل شخص يتجدد في كل نفس لا بدّ من ذلك، فلا يزال الحق فاعلاً في
الممكنات الوجود، ويدل على ذلك اختلاف الأحكام على الأعيان في كل حال، فلا بدّ أن
تكون تلك العين التي لها هذه الحال الخاص ليست تلك العين التي كان لها ذلك الحال الذي
شوهد مضيه وزواله فيما شوهد من ذلك، ثم قال: ((وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ)) وهو ما تبصرون وما لا
تبصرون، وجاء بلو وهي كلمة امتناعٍ لامتناع أي لو وقع هذا لكان الحكم فيه كما قرّره ثم
قال: ((كَانُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذُلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً)) وهو الصحيح لأن ذلك
عين ملكه فما زاد شيء في ملكه بل يقبل الزيادة ملك الوجود، وهو إنما أراد ملك الثبوت
فالنقص والزيادة في الوجود ثم قال: (وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ
قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذُلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا)) وكيف ينقص منه والكلِ عين ملكه. ثم قال:
(لَوَ أَنَّ أَوَّلَّكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ سَأَلُوا فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذُلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً) لأن المعطى والمعطى إياه ما هو سوى عين ملكه، فما
خرج شيء عن ملكه إلاَّ أن ملكه منه ما هو موصوف بالوجود ومنه ما هو موصوف بالثبوت،
فالثبوت والوجود منه لا بدّ أن يكون متناهياً، والثابت لا نهاية له وما لا نهاية له لا يتصف
بالنقص لأن الذي حصل منه في الوجود ما هو نقص في الثبوت لأنه في الثبوت بعينه في حال
وجوده إلاَّ أن الله كساه حلة الوجود بنفسه، فالوجود لله الحق وهو على ثبوته ما نقص ولا
زاد، فما كسي منه حلة الوجود كأنه تعين وتخصّص وحده ممّا لا يتناهى حد المخيط إذا
غمسته في اليمّ، فانظر ما يتعلق به، فإنا نعلم أن المثال صحيح فإنا نعلم أن من الأعيان الثابتة
ما يتصف بالوجود، كما نعلم أن المخيط قد تعلق به من اليمّ في الغمس، ونسبة ما تعلق من
الماء بالمخيط من اليمّ ما هو في الدرجة مثل ما اكتسى من الأعيان الثابتة حلة الوجود لأن اليمّ
محصور يأخذه العدد والتناهي لوجوده والأعيان الثابتة لا نهاية لها وما لا يتناهى لا يأخذه حد
ولا يحصيه عدد مع صحة المثال بلا شك، وهكذا مثل الخضر لموسى بنقر الطائر في البحر
بمنقاره وهو على حرف السفينة فقال له الخضر: تدري ما يقول هذا الطائر؟ وكان الخضر قد
أعطي منطق الطير فكان نقره كلاماً عند الخضر لا علم لموسى بذلك، وكان الخضر قد ذكر
لموسى عليه السلام أنه على علم علمه الله لا يعلمه موسى، وموسى على علم علمه الله لا
يعلمه خضرٍ مع العلم الكثير الذي كان عند كل واحد منهما فقال: ما نقص علمي وعلمك من
علم الله إلا بقدر ما نقر هذا الطائر، ومعلوم أنه قد حصل شيئاً من الماء في نقره، كذلك
حصل بما علمه موسى والخضر من العلم شركه مع الله في ذلك القدر، فعلمنا من علم الله
شيئاً مما يعلمه الله فحقق ما حصل لك وما بقي ولم يحصل لك فوقع التشبيه الصحيح من
جهة ما حصل لا من جهة ما لم يحصل، لأن الذي لم يحصل من اليمّ متناه، والذي لم
يحصل من العلم لموسى والخضر غير متناه، فلذلك جاء ضرب المثل من جهة ما حصل

٥٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزّة
خاصة، فإنا لا نشك في أنه حصل شيء في نفس الأمر إلاَّ أن حصول المعاني في النفوس بأي
نوع كان حصولها لا يتصف من حصلت منه، ومن كان موصوفاً بها أنه نقص منه بقدر ما
حصل عند المتعلم منه بل هو عنده كما هو عند من حصل له، وإنما لما ظهر ذلك المعنى في
محلين كأنه وقع فيه الاشتراك. وفي المثال المحسوس ما يؤيّد هذا وهو أخذ النور من السراج
بالفتائل فتتقد به فتائل لا تتناهى ولا ينتقص منه شيء وإنما حصل ذلك باستعداد القابل أن
يقبل، واستعداد المأخوذ منه أن لا يمتنع، والسراج سراج على حاله وقد ملأ العالم سرجاً
كذلك العلم والتعلم، فإذا كان المحسوس بهذه السعة وعلى هذه الحقيقة فما ظنك بالمعاني؟
ثم لتعلم أن لنا أحكاماً في حضرة الحق تضاف إليها بها من موالاة وعبادة وسؤال وغير ذلك
ممّا لا يحصى كثرة إذا تتبع الإنسان أحوال نفسه مع ربه، ولهذا وصف نفسه بأن له أسماء
وأخلاقاً وهي معلومة عند علماء الرسوم ألفاظها ومعانيها، وعند أهل الله الاتصاف بها حتى
أطلق عليهم منها أعيان أسمائها كما قال عن نبيه وَ له: ﴿بِالْمُؤْمِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
ووصف نفسه بأنه أحسن الخالقين وخير الشاكرين وخير الناصرين، وكل ذلك اتصف به أهل
الله على السنة المشروعة والطريقة الإلهية الموضوعة، فاتخذوا ذلك قربة إلى الله، فالله يجعلنا
من أهله، فإنا من هذه الأهلية إلهية واليناه، ومن كونه مجيباً لما يطلبه منه عباده حين ينادونه
سألناه، ومن كونه نزل إلينا في ألطافه الخفية وسأل منا أموراً وردت بها الأخبار الإلهية بالسنة
الشرائع بادرنا إلى ذلك وقبلناه، ومن كونه إذا تقربنا إليه بنوافل الخيرات وأحبنا فكان سمعنا
وبصرنا وجميع قوانا بهويته كنا، ومن كونه خلقنا دون جميع صور العالم على صورته وما بقي
اسم ورد إلاَّ وظهرنا به حتى أضيف إلينا وسعناه، ومن كونه أعطانا الانفعال عنا والتأثير في
الأكوان علمنا ما حصل لنا من ذلك منه وحققناه. ومن استنادنا إلى ذات موجدة لها غنى عنا
ولنا إليها افتقار ذاتي لإمكاننا عرفناه، ومن كون هذا الأمر الذي استندنا إليه له نسبة إلينا بها
ظهرت أعياننا بما نحن عليه من جميع ما يقوم بنا ونتصف به علمناه، وبتجليه في صورة كل
شيء من العالم في قوله: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] خشعنا له وشهدناه،
ومن اسمه الظاهر في المظاهر فلا فاعل في الكون إلاَّ هو رأيناه، ومن كونه يطلب آثار عباده
وما يكون منهم وإن كان ذلك خلقاً له كما قال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ
وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] طالعناه، ومن كونه وصف نفسه بصفات المحدثات تنزلاً لنا آمنا
بذلك القول إذ نسبه إلى نفسه واعتقدناه، ومن كونه أوحى إلى رسوله وَ لّ أن يقول لنا: ((اغبُدِ
الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) وَ((إِنّ الله فِي قِبْلَةِ المُصَلِّي إِذَا هُوَ نَاجَاهُ)) تخيلناه. ومن قوله: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاحٌّ الِْصَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَّهَ كَوَّكَبٌ دُرِىٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ
مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ يَكَادُ زَيْهَا يُضِّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورُ عَلَى نُورِّ﴾ [النور: ٣٥]
شبهناه. ومن كونه قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١١٥] ومع هذا أمرنا باستقبال جهة
خاصة سمّاها القبلة جعل نفسه لنا فيها فقال عليه السلام: ((إِنَّ الله فِي قِبْلَةِ المُصَلِي)) وأمرنا
باحترامها وأن نستقبلها في مجالسنا وأداء صلواتنا وأن لا نستقبلها بغائط ولا بول فإن اضطررنا

٥٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
إلى هذه القاذورات انحرفنا عنها قليلاً قدر الطاقة واستغفرنا الله مثلناه. ومن كونه قال له رسول
اللهِ وَّ عند سفره عن أهله: ((أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ)) وأمرنا أن نتخذه
وكيلاً وكلناه. ومن كونه أقرب إلينا من حبل الوريد ولكن لا نبصره كبرناه. ومن كونه أمرنا أن
نعظم شعائر الله لدلالتها عليه وحرمات الله عظمناه. وعن ملابسته إيانا في حركاتنا وسكناتنا
مع شهودنا إياه فيها أجللناه. ومن أمره إيانا في الإهلال بالحج بتوحيده نفينا الشريك عنه
تعالى وأثبتناه. وبتهليله في قولنا: لا إله إلاَّ الله هللناه. ومن دعائه بأمره لنبيه وَّ في قوله:
﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجْ﴾ [الحج: ٢٧] الآيات لبيناه. ومن كونه ظهر فينا بنا وإلينا عنا وكان أقرب
إلينا منا كما أخبرنا آمنا بذلك كله ثم قال: إنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] صدقناه
ونزهناه. وبقوله: قال الله في غير موضع من كتابه ووعده ووعيده وتجاوزه عن سيئاتنا في
خطابه وإضافة الكلام إليه صدقناه. ومن كونه أمرنا أن نعلمه ونصب الأدلة لنا محررة على
الوصول إلى العلم به والبحث عنه لنتبين أنه الحق في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىّ
أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] لنستدل بما ذكره عليه طلبناه. ولما علمنا أنه ما طلبنا ولا طلب منا أن
نطلبه إلاّ ولا بدّ أن نجده إما بالوصول إليه أو بالعجز عن ذلك وعلى كلا الأمرين فوجدناه.
فلما ظفرنا به في زعمنا وأردنا أن نقرّه على ما وجدناه تحول سبحانه لنا في غير الصورة التي
ظفرنا به فيها ففقدناه ومن قوله: ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠] علمنا بتقييد القرض
بالحسن أنه يريد أن نرى النعمة منه وأنها نعمته فعلى هذا الحد من المعرفة بالإنعام والنعم
أقرضناه. ولما ظهر لنا سبحانه عند صور المتجلي في صور العالم لنحكم عليه بما تعطيه
حقائق ما ظهر فيها من الصور وقد ظهر في صور تقتضي الملل وأخبر وَّر أن الله لا يمل حتى
تملوا فأشار أن ملل الإنسان ملله فأثبته للإنسان ونفاه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾
[الأنفال: ١٧] ومع هذا التعريف مللناه. وبما أطلعنا عليه من أسراره في عباده واطلع على أسرار
عباده بما أطلعوه عليه من ذلك من هذه النسبة لا من كونه عالماً بها من غير نسبة اطلاعنا إياه
عليها كاشفناه. ومن كونه غيوراً كما ذكره رسول الله وّر في حديث الغيرة في خبر سعد: ((إِنَّ
اللَّه غَيُورٌ وَمِنْ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ)) سترناه. ومن قوله: ﴿تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَكُمْ صَدَقَنَّ﴾
[المجادلة: ١٣] ومن كونه من ورائنا محيطاً حجبناه. ومن كونه أنزل نفسه منا منزلة السرّ وأخفى
مع شدّة ظهوره بكونه صورة كل شيء وقال: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] علمنا أنه يريد الإخفاء
فأخفيناه. ومن كونه يقول في نزوله: هل من داع دعوناه، وهل من تائب ومن سائل ومن
مستغفر وأمثال هذا نازلناه. ومن كونه أعلمنا أنه معنا أينما كنا بطريق الشهود والحفظ
صاحبناه. ومن كونه أظهرنا بكل صورة ظهر بها لا نزيده عليها في الحال الذي يظهر به في
عباده وافقناه. ومن كونه صادق القول فقال: ﴿نَسُواْ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٦٧] مع علمه بأن العالم منا
اَللَّهُ الصََّمَدُ (لَـ
يعلم أنه هوية كل شيء نسيناه. ومن كونه أنزل: ﴿قُلّ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الـ
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ ﴿1﴾ [الإخلاص] نسباً له عند قول
اليهود لمحمد وَلو: انسب لنا ربك فنسبناه. ومن كونه سمّى نفسه لنا بأسماء تطلب معانيها

٥٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
تقوم به ما هي عين ذاته من حيث ما يفهم منها مع اختلافها وصفناه. ومن كونه سمّى نفسه
بأسماء لا يفهم منها معان تقوم به بل يفهم منها نسب وإضافات كالأول والآخر والظاهر
والباطن والغنيّ والعليّ وأمنال ذلك نعتناه ومن قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنََّ﴾
[الأنبياء: ٢٢] فنبه على العلة وحدناه. ومن كونه في عماء وعلى عرش استوى وجعلنا على
أحوال نطلب بها نزول الذكر إلينا وهو كلامه والصفة لا تفارق الموصوف فإذا نحن لضعفنا
نزلناه فإذا نزل إلينا لما طلبناه له بقلوبنا أنزلناه. ولما أنزلناه في آنية مخصوصة معينة عينها
سبحانه لنفسه حصرناه. وباستمرار بقائه بالأين الذي أنزلناه به مع الأنات وصفنا بأنا مسكناه.
ومن كونه حياً وسمّى نفسه المحيي وجعلنا بلداً ميتاً دعوناه إلى إحيائه وسقيناه. ولما عرضنا
هذه الصفات التي نسبنا إليه مع ما تقرر عندنا من ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]
و﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] وكل تسبيح ورد عن الله تعالى وعن
رسوله و # أنكرناه. ولما أَيَّهَ بنا من مكان قريب وبعيد لحكمة يريد ظهورها فينا أجبناه. وبما
استعمله منا في ابتلائنا أعلمناه. ومن كونه عند عبده في لسانه إذا مرض وقلبه والتجائه
واضطراره إليه عدناه. وباستسقاء الظمآن الذي تخيل السراب ماء فلما جاءه لم يجده شيئاً
سقيناه. وباستطعام الجائع أطعمناه. وإلى كل ملمة ونازلة مهمة ليرفعها عن الضعفاء دعوناه
وبقولنا في دعائنا إياه عن أمره اغفر لنا وارحمنا وانصرنا أمرناه وبقولنا: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَِّينَآَ
أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا
طَاقَةً لَنَا بِهٌِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] نهيناه. وبقولنا إنه لن يعيدنا كما بدأنا كذبناه. وبقولنا إن له صاحبة
وولداً شتمناه. وبتكذيبه وشتمه آذيناه. وباستفهامه إيانا عن أمور يعلمها أخبرناه. وبتلاوتنا
كلامه العزيز بالنهار حدثناه. وبه في ظلام الليل سامرناه. وفي الصلاة عندما نقول ويقول
ناجيناه. وعند سفرنا في أهلنا استخلفناه. وعند طلبه منا نصرة دينه نصرناه. وإذا لم نطلب
سواه شاهداً وغائباً واعتمدنا عليه فى كل حال حصلناه. وبمحاسبتنا نفوسنا وهو السريع
الحساب سابقناه. وبأسمائنا التي أدخلتنا عليه وأعطتنا الحظوة لديه كالخاشع والدليد والفقير
قابلناه وبكونه سمعنا سمعناه وبصرنا أبصرناه ورأيناه. وبما أوجدنا له بلام العلة عبدناه. وفي
اعتمارنا الذي شرع لنا زرناه. وفي بيته الذي أذن فينا بالحج إليه قصدناه وأملناه. ولنيل جميع
أغراضنا أردناه، وذلك لما نسب إلى نفسه من الأسماء الحسنى دون غيرها من الأسماء وإن
كانت أسماء له في الحقيقة إلاَّ أنه عراها عن النعت بالحسنى.
فهو عزّ وجلّ الله من حيث هويته وذاته: الرحمن بعموم رحمته التي وسعت كل شيء
الرحيم بما أوجب على نفسه للتائبين من عباده، الرب بما أوجده من المصالح لخلقه الملك
بنسبة ملك السموات والأرض إليه فإنه رب كل شيء ومليكه القدوس بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ
حَقَ قَدْرِهِتَ﴾ [الأنعام: ٩١] وتنزيهه عن كل ما وصف به، السلام بسلامته من كل ما نسب إليه ممّا
كره من عباده أن ينسبوه إليه المؤمن بما صدق عباده وبما أعطاهم من الأمان إذا وفوا بعهده.
المهيمن على عباده بما هم فيه من جيمع أحوالهم ممّا لهم وعليهم. العزيز لغلبه من غالبه إذ

٥٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
هو الذي لا يغالب وامتناعه في علو قدسه أن يقاوم الجبار بما جبر عليه عباده في اضطرارهم
واختيارهم فهم في قبضته. المتكبر لما حصل في النفوس الضعيفة من نزوله إليهم في خفيّ
ألطافه لمن تقرب بالحد والمقدار من شبر وذراع وباع وهرولة وتبشيش وفرح وتعجب
وضحك وأمثال ذلك الخالق بالتقدير والإيجاد. البارىء بما أوجده من مولدات الأركان.
المصوّر بما فتح في الهباء من الصور وفي أعين المتجلي لهم من صور التجلي المنسوبة إليه ما
نكر منها وما عرف وما أحيط بها وما لم يدخل تحت إحاطة. الغفار بمن ستر من عباده
المؤمنين. الغافر بنسبة اليسير إليه. الغفور بما أسدل من الستور من أكوان وغير أكوان. القهار
من نازعه من عباده بجهالة ولم يتب. الوهاب بما أنعم به من العطاء لينعم لا جزاء ولا ليشكر
به ويذكر الكريم المعطي عباده ما سألوه منه. الجواد المعطي قبل السؤال ليشكروه فيزيدهم
ويذكروه فيثيبهم. السخي بإعطاء كل شيء خلقه وتوفيته حقه. الرزاق بما أعطى من الأرزاق
لكل متغذ من معدن ونبات وحيوان وإنسان من غير اشتراط كفر ولا إيمان. الفتاح بما فتح من
أبواب النعم والعقاب والعذاب. العليم بكثرة معلوماته. العالم بأحدية نفسه. العلاّم بالغيب
فهو تعلق خاص والغيب لا يتناهى والشهادة متناهية إذا كان الوجود سبب الشهود والرؤية كما
يراه بعض النظار، وعلى كل حال فالشهادة خصوص، فإن من يقول: إن العلة في الرؤية
استعداد المرئي فما ثم مشهود إلاَّ الحق وما وجد من الممكنات وما لم يوجد، وبقي المحال
معلوماً غيباً لم يدخل تحت الرؤية ولا الشهادة. القابض بكون الأشياء في قبضته والأرض
جميعاً قبضته وكون الصدقة تقع بيد الرحمن فيقبضها. الباسط بما بسطه من الرزق الذي لا
يعطى البغي بسطه وهو القدر المعلوم وأنه تعالى يقبض ما شاء من ذلك لما فيه من الابتلاء
والمصلحة. ويبسط ما شاء من ذلك لما فيه من الابتلاء والمصلحة الرفع من كونه تعالى بيده
الميزان يخفض القسط ويرفعه فيرفع ليؤتي الملك من يشاء ويعزّ من يشاء ويغني من يشاء
الخافض لينزع الملك ممّن يشاء ويذلّ من يشاء ويفقر من يشاء بيده الخير وهو الميزان فيوفي
الحقوق من يستحقها، وفي هذه الحال لا يكون معاملة الامتنان فإن استيفاء الحقوق من بعض
الامتنان أعمّ في التعلّق. المعزّ المذلّ فأعزّ بطاعته وأذلّ بمخالفته وفي الدنيا أعزّ بما أتى من
المال من أتاه وبما أعطى من اليقين لأهله وبما أنعم به من الرياسة والولاية والتحكم في العالم
بإمضاء الكلمة والقهر، وبما أذل به الجبارين والمتكبرين، وبما أذلّ به في الدنيا بعض
المؤمنين ليعزّهم في الآخرة ويذلّ من أورثهم الذلة في الدنيا لإيمانهم وطاعتهم. السميع دعاء
عباده إذا دعوه في مهماتهم فأجابهم من اسمه السميع فإنه تعالى ذكر في حدّ السمع فقال:
﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] ومعلوم أنهم سمعوا دعوة
الحق بآذانهم ولكن ما أجابوا ما دعوا إليه، وهكذا يعامل الحق عباده من كونه سميعاً. البصير
بأمور عباده كما قال لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] فقال لهما: ﴿لَا
تَخَافَآ﴾ [طه: ٤٦] فإذا أعطى بصره الأمان فذلك معنى البصير لا أنه يشهده ويراه فقط فإنه يراه
حقيقة سواء نصره أو خذله أو اعتنى به أو أهمله. الحكم بما يفصل به من الحكم يوم القيامة

٥٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
بين عباده، وبما أنزل في الدنيا من الأحكام المشروعة والنواميس الوضعية الحكمية كل ذلك
من الاسم الحكم العدل بحكمه بالحق وإقامة الملة الحنيفية ﴿قَالَ رَبِّ اعْكُرُ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:
١١٢] فهو ميل إليه إذ قد جعل للهوى حكماً من اتبعه ضلّ عن سبيل الله. اللطيف بعباده فإنه
يوصل إليهم العافية مندرجة في الأدوية الكريهة فأخفى من ضرب المثل في الأدوية المؤلمة
المتضمنة الشفاء والراحة لا يكون فإنه لا أثر لها في وقت الاستعمال مع علمنا بأنها في نفس
استعمال ذلك الدواء ولا نحس بها للطافتها، ومن باب لطفه سريانه في أفعال الموجودات
وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ولا نرى الأعمال إلاَّ من المخلوقين،
ونعلم أن العامل لتلك الأعمال إنما هو الله، فلولا لطفه لشوهد الخبير بما اختبر به عباده،
ومن اختباره قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] فنرى هل ننسب إليه حدوث العلم أم لا؟ فانظر
أيضاً هذا اللطف ولذلك قرن الخبير باللطيف فقال: ﴿اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] الحليم
هو الذي أمهل وما أهمل. ولم يسارع بالمؤاخذة لمن عمل سوءاً بجهالة مع تمكنه أن لا
يجهل وأن يسأل وينظر حتى يعلم العظيم في قلوب العارفين به. الشكور لطلب الزيادة من
عباده ممّا شكرهم عليه وذكرهم به من عملهم بطاعته والوقوف عند حدوده ورسومه وأوامره
ونواهيه وهو يقول: ﴿لَيِنِ شَڪَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فبذلك يعامل عباده، فطلب منهم
بكونه شكوراً أن يبالغوا فيما شكرهم عليه العلي في شأنه وذاته عمّا يليق بسمات الحدوث
وصفات المحدثات. الكبير بما نصبه المشركون من الآلهة ولهذا قال الخليل في معرض
الحجة على قومه مع اعتقاده الصحيح، إن الله هو الذي كسر الأصنام المتخذة آلهة حتى جعلها
جذاذاً مع دعوى عابديها بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] فنسبوا الكبر
له تعالى على آلهتهم فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ وهنا الوقف ويبتدىء
﴿هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] فلو نطقوا لاعترفوا بأنهم عبيد وأن الله هو
الكبير العليّ العظيم الحفيظ بكونه ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] فاحتاط بالأشياء ليحفظ
عليها وجودها فإنها قابلة للعدم كما هي قابلة للوجود، فمن شاء سبحانه أن يوجده فأوجده
حفظ عليه وجوده، ومن لم يشأ أن يوجد وشاء أن يبقيه في العدم حفظ عليه العدم فلا يوجد
ما دام يحفظ عليه العدم، فإما أن يحفظه دائماً أو إلى أجل مسمّى. المقيت بما قدر في
الأرض من الأقوات وبما أوحى في السماء من الأمور، فهو سبحانه يعطي قوت كل متقوّت
على مقدار معلوم. الحسيب إذا عدّد عليك نعمه ليريك منته عليك لما كفرت بها فلم يؤاخذك
لحلمه وكرمه وبما هو كافيك عن كل شيء لا إله إلاَّ هو العليم الحكيم الجليل لكونه عزّ فلم
تدركه الأبصار ولا البصائر، فعلا ونزل بحيث أنه مع عباده أينما كانوا كما يليق بجلاله إلى أن
بلغ في نزوله أن قال لعبده: ((مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُذْنِي وَجِعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي وَظَمِثْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي))
فأنزل نفسه من عباده منزلة عباده من عباده فهذا من حكم هذا الاسم الإلهي. الرقيب لما هو
عليه من لزوم الحفظ لخلقه فإن ذلك لا يثقله وليعلم عباده أنه إذا راقبهم يستحيون منه فلا
يراهم حيث نهاهم ولا يفقدهم حيث أمرهم. المجيب من دعاه لقربه وسماعه دعا عباده كما

٥٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
أخبر عن نفسه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]
فوصف نفسه بأنه متكلم إذ المجيب من كان ذا إجابة وهي التلبية. الواسع العطاء بما بسط من
الرحمة التي وسعت كل شيء وهي مخلوقة فرحم بها كل شيء وبها أزال غضبه عن عباده
فانظر فهنا سر عجيب في قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقوله: ﴿كُلُّ
شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ [القصص: ٨٨] الحكيم بإنزال كل شيء منزلته. وجعله في مرتبته ﴿وَمَنْ
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرً كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وقد قال عن نفسه إن بيده الخير وقال مَّل
له: ((وَالخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ)) فلم يبق منه شيئاً: ((وَالشَّرَّ لَيْسَ إِلَيْكَ)). الودود الثابت حبّه في عباده
فلا يؤثر فيما سبق لهم من المحبة معاصيهم فإنها ما نزلت بهم إلاَّ بحكم القضاء والقدر السابق
لا للطرد والبعد ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فسبقت المغفرة للمحبين
اسم المفعول. المجيد لما له من الشرف على كل موصوف بالشرف فإن شرف العالم بما هو
منسوب إلى الله أنه خلقه وفعله فما هو شرفه بنفسه، فالشريف على الحقيقة من شرفه بذاته
وليس إلاَّ الله الباعث عموماً وخصوصاً، فالعموم بما بعث من الممكنات إلى الوجود من
العدم وهو بعث لم يشعر به كل أحد إلا من قال: بأن للممكنات أعياناً ثبوتية وإن لم يعثر على
ما أشرنا إليه القائل بهذا. ولما كان الوجود عين الحق فما بعثهم إلاَّ الله بهذا الاسم خاصة، ثم
خصوص البعث في الأحوال كبعث الرسل والبعث من الدنيا إلى البرزخ نوماً وموتاً ومن
البرزخ إلى القيامة وكل بعث في العالم في حال وعين فمن الاسم الباعث فهو من أعجب اسم
تسمّى الحق به تعريفاً لعباده. الشهيد لنفسه بأنه لا إله إلاَّ هو ولعباده بما فيه الخير والسعادة
لهم بما جاؤوا به من طاعة الله وطاعة رسوله وبما كانوا عليه من مكارم الأخلاق، وشهيد
عليهم بما كانوا فيه من المخالفات والمعاصي وسفساف الأخلاق ليريهم منة الله وكرمه بهم
حيث غفر لهم وعفا عنهم وكان مآلهم عنده إلى شمول الرحمة ودخولهم في سعتها إذ كانوا
من جملة الأشياء، وأن تلك الأشياء المسماة مخالفة لم يبرزها الله من العدم إلى الوجود إلاَّ
برحمته فهي مخلوقة من الرحمة، وكان المحل الذي قامت به سبباً لوجودها لأنها لا تقوم
بنفسها وإنما تقوم بنفس المخالف، وقد علمت أنها مخلوقة من الرحمة ومسبحة بحمد خالقها
فهي تستغفر للمحل الذي قامت به حتى ظهر وجود عينها لعلمها بأنها لا تقوم بنفسها الحق
الوجود الذي ﴿لَّ يَأْتِيهِ الْبَطِلُ﴾ وهو العدم ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ [فصلت: ٤٢] فمن بين
يديه من قوله: لما خلقت بيديّ، ومن خلفه لقول رسول الله وَّ: ((لَيْسَ وَرَاءَ الله مَرْمَى))
فنسب إليه الوراء وهو الخلف فهو وجود حق لا عن عدم ولا يعقبه عدم بخلاف الخلق فإنه
عن عدم ويعقبه العدم من حيث لا يشعر به، فإن الوجود والإيجاد لا ينقطع، فما ثم في العالم
من العالم إلاَّ وجود وشهود دنيا وآخرة من غير انتهاء ولا انقطاع، فأعيان تظهر فتبصر الوكيل
الذي وكله عباده على النظر في مصالحهم، فكان من النظر في مصالحهم أن أمرهم بالإنفاق
على حد معين فاستخلفهم فيه بعدما اتخدوه وكيلاً فالأموال له بوجه فاستخلفهم فيها،
والأموال لهم بوجه فوكلوه في النظر فيها فهي لهم بما لهم فيها من المنفعة وهي له بما هي

٦٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لربّ العزّة
عمية من تسبيحه بحمده، فمن اعتبر التسبيح قال: إن الله ما خلق العالم إلاَّ لعبادته، ومن
ر عى لمنفعة قال: إن الله ما خلق العالم إلاَّ لينفع بعضه بعضاً أوّل المنفعة فيهم للإيجاد
في وجد المحال لينتفع بالوجود من لا يقوم من الموجودات إلاَّ بمحل وأوجد من لا قيام له
بنفسه لينتفع به من لا يستغني عن قيام الحوادث به ولا يعرى عنها، فوجود كل واحد منهما
موقوف على صاحبه من وجه لا يدخله الدور فيستحيل الوقوع. القويّ المتين: هو ذو القوّة
لما في بعض الممكنات أو فيها مطلقاً من العزّة وهي عدم القبول للأضداد فكان من القوّة خلق
عالم الخيال ليظهر فيه الجمع فين الأضداد لأن الحسّ والعقل يمتنع عندهما الجمع بين
الضدين والخيال لا يمتنع عنده ذلك، فما ظهر سلطان القوي ولا قوته إلاَّ في خلق القوّة
المتخيلة وعالم الخيال فإنه أقرب في الدلالة على الحق فإن الحق هو الأوّل والآخر والظاهر
والباطن، قيل لأبي سعيد الخراز: بم عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الضدين ثم تلى هذه الآية،
وإن لم تكن من عين واحدة وإلاَّ فما فيها فائدة فإن النسب لا تنكر، فإن الشخص الواحد قد
تكثر نسبه فيكون أباً وابناً وعماً وخالاً وأمثال ذلك وهو هو لا غيره، فما حاز الصورة على
الحقيقة إلاَّ الخيال، وهذا ما لا يسع أحداً إنكاره، فإنه يجده في نفسه ويبصره في منامه فيرى
ما هو محال الوجود موجوداً، فتنبه لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
الوليّ : هو الناصر من نصره فنصرته مجازاة ومن آمن به فقد نصره، فالمؤمن يأخذ نصر الله
من طريق الوجوب فإنه قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] مثل وجوب الرحمة
عليه سوءاً قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ
تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وأين هذا من اتساعها؟ فنصرة الله تشبه رحمة الوجوب
وتفارق رحمة الامتنان الواسعة فإنه ما رأينا فيما أخبرنا به تعالى نصرة مطلقة وإنما رأيناها
مقيدة إما بالإيمان وإما بقوله: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ﴾ [محمد: ٧] وهنا سرّ من أسرار الله تعالى
في ظهور المشركين على المؤمنين في أوقات فتدبره تعثر عليه إن شاء الله فما ورد حتى نؤمن
به إلاَّ أن الإيمان إذا قوي في صاحبه بما كان فله النصر على الأضعف والميزان يخرج ذلك.
وقولي هذا ما كان لقوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ﴾ [العنكبوت: ٥٢] فسمّاهم مؤمنين ولكن
تحقق في إيمانهم بالباطل أنهم ما آمنوا به من كونه باطلاً، وإنما آمنوا به من كونهم اعتقدوا فيه
ما اعتقد أهل الحق في الحق، فمن هنا نسب الإيمان إليهم وبما هو في نفس الأمر على غير
ما اعتقدوه سمّاه الحق لنا باطلاً لا من حيث ما توهموه. الحميد: بما هو حامد بلسان كل
حامد وبنفسه وبما هو محمود بكل ما هو مثنى عليه وعلى نفسه، فإن عواقب الثناء عليه
تعود. المحصي: كل شيء عدداً من حروف وأعيان وجودية، إذ كان التناهي لا يدخل إلاَّ في
الموجودات فيأخذه الإحصاء فهذه الشيئية شيئية الوجود، وفي قوله: ﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾.
[الجن: ٢٨]. المبدىء: هو الذي ابتدأ الخلق بالإيجاد في الرتبة الثانية وكل ما ظهر من العالم
ويظهر فهو فيها، وما ثم رتبة ثالثة فهي الآخر والأولى للحق فهو الأوّل فالخلق من حيث
وجوده لا يكون في الأوّل أبداً، وإنما له الآخر والحق معه في الآخر فإنه مع العالم أينما كانوا