Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
على كُرْسِيِّهِ وكذا البَنَاتُ
أزاهِرُهُ البَنُونُ إذا تراهم
وليس يُخِيفُهُمْ إلا البَيَاتُ
إذا خافوا يُؤَمِّنُهُمْ صباح
يدعى صاحبها عبد الودود. قال الله تعالى في أصحاب هذه الحضرة: ﴿يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
[المائدة: ٥٤] وقال: ﴿فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وفي الحديث الصحيح: ((إذا أحَبَّ
الله عَبْدَهُ كَانَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ)) وقواه ثابتة له لا تزول، وإن كان أعمى أخرس فالصفة
موجودة خلف حجاب العمى والخرس والطرش فهو ثابت المحبة من كونها وداً، فإن هذه
الصفة لها أربعة أحوال لكل حال اسم تعرف به وهي: الهوى والود والحب والعشق، فأوّل
سقوطه في القلب وحصوله يسمى هوى من هوى النجم إذا سقط، ثم الود وهو ثباته، ثم
الحب وهو صفاؤه وخلاصه من إرادته فهو إرادة محبوبه، ثم العشق وهو التفافه بالقلب مأخوذ
من العشقة اللبلابة المشوكة التى تلتف على شجرة العنبة وأمثالها، فهو يلتف بقلب المحب
حتى يعميه عن النظر إلى غير محبوبه .
تنبيه : وكيف لا يحب الصانع صنعته ونحن مصنوعاته بلا شك فإنه خالقنا وخالق
أرزاقنا ومصالحنا أوحى الله إلى بعض أنبيائه: يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك
من أجلي فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك. يا ابن آدم إني وحقي لك
محب فبحقي عليك كن لي محباً والصنعة مظهرة علم الصانع لها بالذات واقتداره وجماله
وعظمته وكبرياءه، فإن لم يكن فعلى من وفيمن وبمن؟ فلا بد منا ولا بد من حبه فينا فهو بنا
ونحن به كما قال رَّ في ثنائه على ربه: «فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَلَهُ» وهذه حضرة العطف والديمومة:
[الوافر]
ولولا الفَقْرُ ما عُبِدَ الجَوادُ
فلولا الحُبُّ ما عُرِفَ الوِدَادُ
فمن وُدِّي عليه الاعْتِمَادُ
فنحن به ونحن له جميعاً
بها قد شاءها فمَضَى العِنَادُ
إذا شاء الإلهُ وُجُودَ عَيْنِ
ونعت الكون ذاك المستفادُ
فكنّا عِندَ (كُنْ)) من غير بُطْءٍ
فعَيْنُ الحُبِّ عَيْنُ الكَوْنِ منه
وعينه وأظهره الودادُ
فلم يزل يحب فلم يزل ودوداً، فهو يوجد دائماً في حقنا، فهو كلّ يوم في الشأن؛ ولا
معنى للوداد إلا هذا، فنحن بلسان الحال والمقال لا نزال نقول له: افعل كذا أفعل كذا، ولا
يزال هو تعالى يفعل ومن فعله فينا نقول له: افعل أترى هذا فعل مكره ولا مكره له تعالى الله
عن ذلك علواً كبيراً بل هذا حكم الاسم الودود منه، فإنه الغفور الودود ذو العرش المجيد
الذي استوى عليه بالاسم الرحمن، فإنه ما رحم إلا صبابة المحب وهي رقة الشوق إلى لقاء
المحبوب، ولا يلقاه إلا بصفته وصفته الوجود فأعطاه الوجود، ولو كان عنده أكمل من ذلك
ما بخل به عليه كما قال الإمام أبو حامد في هذا المقام: ولو كان وادّخره لكان بخلاً ينافي
الجود وعجزاً يناقض القدرة، فأخبر تعالى أنه الغفور الودود أي الثابت المحبة في غيبه، فإنه
عز وجل يرانا فيرى محبوبه فله الابتهاج به والعالم كله إنسان واحد هو المحبوب، وأشخاص

٣٨٢
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
العالم أعضاء ذلك الإنسان، وما وصف المحبوب بمحبة محبه وإنما جعله محبوباً لا غير. ثم
إن من رزقه أن يحبه كحبه إياه أعطاه الشهود ونعمه بشهوده في صور الأشياء، فالمحبون له
من العالم بمنزله إنسان العين من العين، فالإنسان وإن كان ذا أعضاء كثيرة فما يشهد ويرى منه
إلا العينان خاصة فالعين بمنزلة المحبين من العالم، فأعطى الشهود لمحبيه لما علم حبهم فيه
وهو عنده علم ذوق ففعل مع محبيه فعله مع نفسه، وليس إلا الشهود في حال الوجود الذي
هو محبوب للمحبوب، فما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، فما خلقهم من بين الخلق إلا
لمحبته، فإنه ما يعبده ويتذلل إليه إلا محب، وما عدا الإنسان فهو مسبح بحمده لأنه ما شهده
فيحبه، فما تجلى لأحد من خلقه في اسمه الجميل إلا للإنسان وفي الإنسان في علمي فلذا ما
فني وهام في حبه بكليته إلا في ربه أو فيمن كان مجلى ربه، فأعين العالم المحبون منه كان
المحبوب ما كان، فإن جميع المخلوقين منصات تجلي الحق، فودادهم ثابت فهم الأوداء
وهو الودود والأمر مستور بين الحق والخلق بالخلق والحق، ولهذا أتى مع الودود الاسم
الغفور لأجل الستر فقيل: قيس أحب ليلى فليلى عن المجلى، وكذلك بشر أحب هنداً وكثير
أحب عزة، وابن الذريح أحب لبنى، وتوبة أحب الأخيلية، وجميل أحب بثينة، وهؤلاء
كلهم منصات تجلى الحق لهم عليها وإن جهلوا من أحبوه بالأسماء، فإن الإنسان قد يرى
شخصاً فيحبه ولا يعرف من هو ولا يعرف اسمه ولا إلى من ينتسب ولا منزله، ويعطيه الحب
بذاته أن يبحث عن اسمه ومنزله حتى يلازمه ويعرفه في حال غيبته باسمه ونسبه فيسأل عنه إذا
فقد مشاهدته، وهكذا حبنا الله تعالى نحبه في مجاليه. وفي هذا الاسم الخاص الذي هو ليلى
ولبنى أو من كان ولا نعرف أنه عين الحق فهنا نحب الاسم ولا نعرف أنه عين الحق، فهنا
نحب الاسم ولا نعرف العين، وفي المخلوق تعرف العين وتحب وقد لا يعرف الاسم ويأبى
الحب إلا التعريف به أي بالمحبوب، فمنا من يعرفه في الدنيا ومنا من لا يعرفه حتى
يموت محباً في أمر ما فينقدح له عند كشف الغطاء أنه ما أحب إلا الله وحجبه اسم
المخلوق كما عبد المخلوق هنا من عبده، وما عبد إلا الله من حيث لا يدري، ويسمى
معبوده بمناة والعزى واللات، فإذا مات وانكشف الغطاء علم أنه ما عبد إلا الله فالله يقول:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أي حكم ﴿أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وكذلك كان عابد الوثن لولا ما
اعتقد فيه الولهة بوجه ما عبده إلا أنه بالستر المسدل في قوله تعالى: ﴿اَلْغَفُورُ الْوَدُورُ﴾ [البروج:
١٤] لم يعرفه وليس إلا الأسماء ولذلك قال المعبود الحقيقي في نفس الأمر لما أضافوا
عبادتهم إلى المجالي والمنصات: قل سموهم فإذا سموهم عرفوهم وإذا عرفوهم عرفوا
الفرق بين الله وبين من سموه كما تعرف المنصة من المتجلي فيها فتقول هذه مجلى هذا
فيفرّق: [مخلع البسيط]
فإن تكن فيه كُنْتَ أَنْتَا
فهكذا الأمر إنْ عقلنا
فأنت ما أنت حين أَنْتَا
مِنَصَّةُ الحَقّ أنت حَقّاً
وقد علمت الذي عَبَدْتَا
فقد مَلَكْتَ الذي أَزْدَّا

٣٨٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
سوى الذي أنت قد علمتا
فليس ليلى وليس لبنى
تشهده منك أنت أَنْتَا
إن كنت في حُبِّه بصيراً
سواه فالكل أنت أنتا
فما أحَبَّ المُحِبُّ غَيْراً
فما أعجب القرآن في مناسبة الأسماء بالأحوال ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ
١٥
فَعَالٌ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] فهو المحب وهو فعال لما يريد، فهو المحبوب لأن
المحبوب فعال لما يريد بمحبوبه، والمحب سامع مطيع مهيأ لما يريد به محبوبه لأنه المحب
الودود أي الثابت على لوازم المحبة وشروطها والعين واحدة، فإن الودود هنا هو الفعال لما
يريد، فانظر في هذا التنبيه الإلهي ما أعجبه ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل.
المجد * حضرة المجد
يدعى صاحبها عبد المجيد والقرآن المجيد وهو كلامه تعالى فهو عينه: [مجزوء الخفيف]
حَضْرَةُ الزّهُو والصَّلَفْ
جَضْرَةُ المَجْدِ والشّرَفْ
بَخرِهَا الكلِّ يَغْتَرِفْ
فذووا مَجْدِنا فَمِنْ
عَيْنُهُ قام يَنْصَرِفْ
فإذا ما تَمَجَّدَتْ
خادمُ العزّ قد وَقَفْ
لقُصُورٍ له بها
وَهَبَتْهُ حُكْمَ النَّصَفْ
فتَحَلَّى بحِلْيَةٍ
وبه قام فالْتَخَف
وَهَبَتْهُ نَصِيفَهــا
ـوّن في عيننا صَدَفْ
نحن للجوهر المكــ
إذا قال المصلي: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يقول الحق: مجدني عبدي أي
جعل لي الشرف عليه كما هو الأمر في نفسه، فانظر إلى هذا الاعتراف وهو الحق الذي له
المجد بالأصالة والكلام كلامه بلا خلاف فإنه القرآن، وقال عن نفسه إنه يقول عند ﴿ملِكِ
يَوْمِ الدِّينِ﴾ ((مَجّدني عَبْدي)) وهو تنبيه إلهي من الله على أن الأمر إضافي، فإنه إذا لم يكن
هناك من يشرف عليه كوناً ثابتاً أو عيناً كائنة فعلى من يشرف ويتمجد فما أعطاه المجد إلا
وجود العبد، فما قال الحق في قوله ((مَجَّدني عبدي)) إلا حقاً: [الوافر]
فتَمْجيدي له المَجْدُ التَّلِيدُ
فلو زُلْنا لزال المَجْدُ عَنْهُ
كذا قال الإلهُ لِيَ المَجِيدُ
تَوَلَّدَ عن وجود القول مني
وقلناه بعلم واعتقادٍ
فكان هو المُرّادَ بعَيْنِ قولي
له حُكُمُ الشَّحكُّمِ في وجودي
فجاء لشُكْرنا منه المَزِيدُ
كما قد كان في الأصل المُرِيدُ
هو الفَعَّالُ فينا ما يُريدُ

٣٨٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
وُجُودَ له فحَقٌّقْ ما أريدُ
وليس يريد إلا كُلَّ ما لا
فكون الكائنات هو الوجودُ
فليس يريد عيني حال كوني
بأن مُرَادَهُ أبداً فَقِيدُ
فقد شَهِدَتْ إرادتُهُ عليه
فلما قال: ((مجدني عبدي)) عند قول المصلي: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ علمنا أنه قال:
أعطاني عبدي المجد والشرف على العالم في الدنيا والآخرة لأني جازيت العالم على أعمالهم
في الدنيا والآخرة، فيوم الدين هو يوم الجزاء، فإن الحدود ما شرعت في الشرائع إلا جزاء،
وما أصابت المصائب من إصابته إلا جزاء بما كسبت يده مع كونه يعفو عن كثير، قال تعالى:
﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيَّدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وكذلك ما ظهر
من الفتن والخراب والحروب والطاعون فهو كله جزاء بأعمال عملوها استحقوا بذلك ما ظهر
من الفساد في البرّ من خسف وغير ذلك وقحط ووباء وقتل وأسر، وكذلك في البحر مثل هذا
مع غرق وتجرّع غصص لزعزع ريح مثلفة قال تعال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ وهو ما ذكرناه ومن
جنس ما قرّرناه ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ أي بما عملوا ﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى
عَمِلُواْ﴾ [الروم: ٤١] وهذا عين الجزاء وهو في الدنيا هو، فيوم الدنيا يوم الجزاء ويوم الآخرة هو
يوم الجزاء غير أنه في الآخرة أشد وأعظم لأنه لا ينتج أجراً لمن أصيب، وقد ينتج في الدنيا
أجراً لمن أصيب وقد لا ينتج، فهذا هو الفرقان بين يوم الدينا ويوم الآخرة، وقد تعقب
المصيبة لمن قامت به توبة مقبولة، وقد يكون في الدنيا حكم يوم الآخرة في عدم قبول التوبة
وهو قوله في طلوع الشمس من مغربها أنه لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت
في إيمانها خيراً، فلا ينفع عمل العامل مع كونه في الدنيا فأشبه الآخرة، وكذلك أيضاً
المصاب في الدنيا تكفر عنه مصيبته من الخطايا ما يعلم الله ومصيبة الآخرة لا تكفر، وقد
يكون هذا الحكم في يوم الدنيا فأشبه الآخرة أيضاً وهو قوله في حق المحاربين الذين يحاربون
الله ورسوله من قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ونفيهم من مواطنهم
﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَّا وَلَهُمْ فِ آَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] على تلك المحاربة
والفساد جزاء لهم، فما كفر عنهم ما أصابهم في الدنيا من البلاء. فانظر ما أحكم القرآن وما
فيه من العلوم لمن رزق الفهم فيه، فكل ما هم فيه العلماء بالله ما هو إلا فهمهم في القرآن
خاصة فإنه الوحي المعصوم المقطوع بصدقه الذي ﴿لَّا يَأِْهِ اٌلْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ فتصدقه
الكتب المنزلة قبله ﴿وَلَا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ [فصلت: ٤٢] ولا ينزل بعده ما يكذبه ويبطله فهو حق
ثابت، وكل تنزل سواه في هذه الأمة وقبلها في الأمم فيمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه
فيعثر صاحبه على آية أو خبر صحيح يبطل له ما كان يعتمد عليه من تنزيله وهو قول
الجنيد، علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة أن يشهد له بذلك بأنه حق من عند الله ويأتيه من
خلفه أي لا يعلم في الوقت بطلانه لكن قد يعلمه فيما بعد فهو نظير قوله في القرآن ﴿لَّا
يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] فأي مجد أعظم من
هذا المجد الذي اعترف به العبد لربه بأن شهد له بأنه الملك في يوم الدين والخلق ملكه الذي

٣٨٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
تظهر فيه أحكامه؟ ثم إنه قد علمنا بالخبر الصدق أن أعمال العباد ترجع عليهم فلا بد أن يرجع
عليهم هذا المجد الذي مجدوا الحق به فيكون لهم في الآخرة المجد الطريف والتليد، فرجوع
أعمالهم عليهم اقتضته حقيقة قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّمُ﴾ [هود: ١٢٣] بعدما كانت
الدعاوى الكيانية قد أخذته وأضافته إلى الخلق، فمن رجوع الأمر كله إليه رجعت أعمال العباد
عليهم فالعبد بحسب ما عمل، فهو المقدس إن كان عمله تقديس الحق، وهو المنزه بتنزيهه
والمعظم بتعظيمه، ولما لحظ من لحظ من أهل الكشف هذه الرجعة عليه قال سبحاني فأعاد
التنزيه عليه لفظاً كما عاد عليه حكماً، وكما قال الآخر في مثل هذا: أنا الله فإنه ما عبد إلا ما
اعتقده، وما اعتقد إلا ما أوجده في نفسه، فما عبد إلا مجعولاً مثله فقال عندما رأى هذه
الحقيقة من الاشتراك في الخلق قال: أنا الله فأعذره الحق ولم يؤاخذه فإنه ما قال الأعلى كما
قال من أخذه الله تعالى: ﴿نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾ [النازعات: ٢٥] وأما من قالها بحق أي من قال ذلك
والحق لسانه وسمعه وبصره فذلك دون صاحب هذا المقام، فمقام الذي قال أنا الله من حيث
اعتقاده أتم ممن قالها بحق فإنه ما قالها إلا بعد استشرافه على ذلك فعلم من عبد والفضل في
العلم يكون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الحياء * حضرة الحياء
[نظم: البسيط]
وإن سِرِّي لذاك الفَتْحِ فَتَّاحُ
إِنّ الحَيَاءَ لِبَابِ الله مِفْتَاحُ
وَجْهٌ جميلٌ علاه النُّورُ وَضَّاحُ
فإن فَتَحْتَ ترى نوراً يضيء به
عيناك صُورَتَهُ صُبْحٌ ومِصْباحُ
كأَنَّهُ ظَلامُ اللَّيْلِ إِنْ نَظَرَتْ
يدعى صاحبها عبد الحيّ أو عبد المستحيي. ورد في الخبر: ((إِنَّ اللّه حَيِيٍّ)) لكن للحياء
موطن خاص فإن الله قد قال في الموطن الذي لا حكم للحياء فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِي أَن
يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٦] أي لا يترك ضرب المثل بالأدنى والأحقر عند الجاهل فإنه
ما هو حقير عند الله، وكيف يكون حقيراً من هو عين الدلالة على الله فيعظم الدليل بعظمة
مدلوله، ثم إن رسول الله ◌َ* نطق من هذه الحضرة بقوله: ((الحَيَاءُ مِنَ الإيمانِ والإيمانُ
نِصْفٌ صَبْرٌ وَنِصْفٌ شُكْرٌ وَاللّه هُوَ الصَّبُورُ الشَّكُورُ)) ومن هذه الحضرة من اسمه المؤمن شكر
عباده على ما أنعموا به على الأسماء الإلهية بقبولهم لآثارها فيهم وصبر على أذى من جهله
من عباده، فنسب إليه ما لا يليق به، ونسبوا إليه عدواً بغير علم كما أخبرنا عنهم فصبر على
ذلك، ولا شخص أصبر على أذى من الله لاقتداره على الأخذ، فهو المؤمن الكامل في إيمانه
بكمال صبره وشكره، ومن أعجب شكره أنه شاكر عباده على ما هو منه، ثم إنه تعالى من
حيائه أنه يؤتى بشيخ يوم القيامة فيسأله ويقرّره على هناته وزلاته فينكرها كلها فيصدقه ويأمر به
إلى الجنة، فإذا قيل له سبحانه في ذلك يقول: إني استحييت أن أكذب شيبته، فأما تصديقه
من كون الحياء من الإيمان وهو المؤمن فإنه صدق من قبوله لما خلق الله فيه من المعاصي
الفتوحات المكية ج٧ - ٢٥٣

٣٨٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
والذنوب، وكل ما خلق الله فيه لولا قبوله ما نفذ الاقتدار فيه، وأما قوله وَله وهو الحياء لا
يأتي إلا بخير والله حيي فأتاه من حيائه بخير، وأي خير أعظم من أن يستر عليه ولم يفضحه
وغفر له وتجاوز عنه، وأن العبد إذا قامت به هذه الصفات الإلهية فمن هذه الحضرة تأتيه
ومنها يقبلها، فإنه لكونه على الصورة الإلهية يقبل من كل حضرة إلهية ما تعطيه لأن لها وجهاً
إلى الحق ووجهاً إلى العبد، وكذلك كل حضرة تضاف إلى العبد مما يقول العلماء فيها تضاف
إلى العبد بطريق الاستحقاق والأصالة وإن كنا لا نقول بذلك، فإن لكل حضرة منها أيضاً
وجهين: وجهاً إلى الحق ووجهاً إلى العبد، فانتظم الأمر بين الله وبين خلقه واشتبه فظهر في
ذلك الحق بصفة الخلق وظهر الخلق بصفة الحق، ووافق شنّ طبقة فضمه واعتنقه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فظهر في ذلك التعانق والتوافق لام الألف فكان ذلك العقد
والرباط وأخذ العهود والعقود بين الله وبين عباده فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾
[البقرة: ٤٠] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
السخي * حضرة السخاء
[نظم : الكامل]
إن السَّخيَّ هو الذي يعطي على
لا زائدٌ فيه ولا نَقْصٌ لذا
قَدْرِ الذي يحتاجُه المَخْلُوقُ
قد عُيِنَتْ فيه عليه حُقُوقُ
[نظم: البسيط]
ليس السَّخِيُّ الذي يعطي مجازفة
وليس نَعْت الذي كان الوجود به
وإنما سُقْتُهُ لله حين أتَتْ
فكن به عالماً فمِنْ حَقِيقَتِهِ
فإن صورته في طَيٍّ صورتنا
إن السَّخِيَّ الذي يعطي على قَدَرٍ
لكنه من نُعُوتِ الخلق والبَشَرِ
به النصوصُ التى جاءتك في الخَبَرِ
أن لا يَقُومَ به شيءٌ من الغِيْرِ
وإن سُورَتَهُ تُزْبي على السُّوَرِ
يدعى صاحبها عبد السخي، وهي من حضرات العطاء والسخاء العطاء بقدر ما يحتاج
إليه المعطى إياه، فلا يكون إلا عن سؤال إما بلسان حال أو بلسان مقال، وإذا كان بلسان
المقال فلا بد من لسان الحال وإلا فليس بمحتاج، وحضرات العطاء كثيرة منها الوهب
والجود والكرم والسخاء والإيثار وهو عطاء الفتوة، وقد بيناه في هذا الكتاب في باب الفتوة،
وفي كتاب مواقع النجوم في عضو اليد الذي ألفناه بالمرية من بلاد الأندلس سنة خمس
وتسعين وخمسمائة عن أمر إلهي وهو كتاب شريف يعني عن الشيخ في تربية المريد، ثم
نرجع فنقول: الوهب في العطاء هو لمجرد الإنعام وهو الذي لا يقترن به طلب معارضة ﴿إِنّاً
تُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا نُرِدُ مِنْكُرْ جَزَّهَ وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] فهو موصل أمانة كانت بيده، والكرم
عطاء بعد سؤال، والجود عطاء قبل السؤال، والسخاء عطاء بقدر الحاجة، والإيثار عطاؤك ما
أنت محتاج إليه في الحال وهو الأفضل، وفي الاستقبال وهو دون المعطي في الحال، ولكل

٣٨٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
عطاء اسم إلهي إلا الإيثار فالله تعالى وهاب كريم جواد سخي، ولا يقال فيه عز وجل مؤثر،
وقد قررنا أنه عالم بكل شيء فكيف يكون السخاء عطاء عن سؤال بلسان الحال وهو القائل
عز وجلّ: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥] فما ترك لمخلوق ما يحتاج إليه من حيث ما هو
مخلوق تام. فاعلم أن ثم تماماً وكمالاً فالتمام إعطاء كل شيء خلقه وهذا لا سؤال فيه ولا
يلزم إعطاء الكمال ويتصوّر السؤال والطلب في حصول الكمال فإنها مرتبة، والمرتبة إذا
أوجدها الحق في العبد أعطاها خلقها وما هي من تمام المعطي إياه ولكنها من كماله، وكل
إنسان وطالب محتاج إلى كمال أي إلى مرتبة ولكن لا يتعين فإنه مؤهل بالذات لمراتب
مختلفه، ولا بد أن يكون على مرتبة ما من المراتب فيقوم في نفسه أن يسأل الله في أن يعطيه
غير المرتبة لما هو عليه من الأهلية لها فيتصور السؤال في الكمال وهو مما يحتاج إليه السائل
في نيل غرضه، فإنه من تمام خلق الغرض أن يوجد له متعلقه الذي يكون به كماله، فإن تمامه
تعلقه بمتعلق ما وقد وجد، فإن أعطاه الله ما سأله بالغرض فقد أعطاه ما يحتاج إليه الغرض
وذلك هو السخاء فإن السخاء عطاء على قدر الحاجة، وقد يعطيه الله ابتداء من غير سؤال
نطق، لكن وجود الأهلية في المعطي إياه سؤال بالحال كما تقول: إن كل إنسان مستعد لقبول
استعداد ما يكون به نبياً ورسولاً وخليفة وولياً ومؤمناً لكنه سوقة وعدوّ وكافر، وهذه كلها
مراتب يكون فيها كمال العبد ونقصه، قال رَّ﴿١: ((كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرُونَ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ
النّساءِ إِلَّ مَرْيَم بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةٍ فِرْعَوْنَ)) وكل شخص ما عدا هؤلاء مستعدٌ بإنسانيته
لقبول ما يكون له به هذا الكمال، فبالأهلية هو محتاج إليه وللحرمان وجد السؤال بالحال
فحضرة السخاء فيها روائح من حضرة الحكمة، فإن الله عز وجلّ ما منع إلا لحكمة ولا أعطى
إلا لحكمة، وهو الحكيم العليم في المنع والعطاء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الطيب * حضرة الطيب
[نظم: الكامل]
ولذا له الأوصافُ والأسماءُ
طَابَتْ بِطِيبِ الطَّيْبِ الأشْيَاءُ
ما عندها سُوءٌ ولا أسْواءُ
أسماؤه الحُسْنَى التي قد عُيْنَتْ
[نظم: البسيط]
ما طيب الطيب إلا كون خالقنا
من ذاقه ذاق طَعْمَ الشَّهْدِ فيه كما
إن قال ما هو هذا العلمُ قلت له
ولا تَرُدَّ الذي قالوه إنَّ له
ما طيب الذكر إلا طيب نشأتنا
سميته طيباً وفيه إجمالٌ
من لم يَذُقْ ما له علمٌ ولا حالُ
إن الشيوخ بهذا القول قد قالوا
وجهاً صحيحاً إليه القوم قد مالوا
في صورة الحقّ والأعمال أموالُ
يدعى صاحبها عبد الطيب، فالطيب من يميز الخبيث من الطيب فيجعل ﴿وَالَّيِّبَتُ
لِلطَّيِِّينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَنِ﴾ [النور: ٢٦] من كونه طيباً ويجعل ﴿اٌلْخَيْئَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيِثُونَ

٣٨٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
لِلْخَبِثَتِ﴾ [النور: ٢٦] من كونه حكيماً فإنه هو الجاعل للأشياء والمميز بين الأشياء والأحكام،
فيجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم فلا تزال أمه هاوية دائماً،
وعليون للطيبين فلا يزال يعلو دائماً، وكل عالٍ وكل هاوٍ إنما يطلب ربه، فالهاوي عارف بربه
في جهة خاصة تلقاها من الرسول لما سمعه يقول: (لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلِ لَهَبَطَ عَلَى الله)) وهنا سرّ لو
بحثت عليه ظفرت به، فاقتضى مزاج الخبيث واستعداده أنه لا يطلب ربه إلا من هذه الجهة
وهو الخبيث وجهنم البعيدة القعر فهو يهوي فيها يطلب ما ذكرناه، والطيب الصاعد عارف
بربه في جهة خاصة تلقاها من الرسول لما سمعه يقول عن الله ﴿سَيِحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:
١] فاقتضى مزاج الطيب واستعداده أنه لا يطلب ربه إلا من هذه الجهة وهو الطيب والعلوّ لا
نهاية له إلا الله كما الهوى لا نهاية له إلا الله، والذي لا يتقيد بصفة كأبي يزيد يطلبه في
الإحاطة بجميع الجهات الست لأنه ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] فيطلبه في العلوّ والهوي
واليمين والشمال والخلف والأمام، وكل هذا الجهات فهي عين الإنسان ما ظهرت إلا به
وفيه، فهو الذي حدر به بالإحاطة فأكمل الأناسي من لم يحكم عليه جهة دون جهة ودونه من
حكمت عليه جهة خاصة، فالكامل له الظهور في كل صورة، وغير الكامل هو بما تقيد به
بها، فقوله: لا صفة له يعني لا تقييد له بأمر خاص بل له العموم بالظهور فإنه ما يمكن أن
يخلو معلوم عن حدّ في نفسه، وأعلى الحدود الإطلاق وهو تقييد فإنه قد تميز بإطلاقه عن
المقيد كما تميز مقيد عن مقيد، فالخلق وإن كان له السريان في الحق فهو محدود بالسریان،
والحق وإن كان له السريان في الخلق فهو محدود بالسريان، وهذا كان مذهب أبي مدين
رحمه الله، وكان ينبه على هذا المقام بقوله الأمي العامي: سرّ الحياة سري في الموجودات
كلها فتجمدت به الجمادات ونبتت به النباتات وحييت به الحيوانات، فكل نطق في تسبيحه
بحمده لسر سريان الحياة فيه، فهو وإن كان رحمه الله ناقص العبارة لكونه لم يعط فتوح
العبارة فإنه قارب الأمر ففهم عنه مقصوده، وإن كان ما وفاه ما يستحقه المقام من الترجمة
عنه، فهذا معنى الطيب وأنه من أسماء التقييد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
المحسان * حضرة الإحسان
[نظم: ](١)
وهو في التَّحْقِيقِ إِنْسانُ
حَضْرَةُ المحسانِ إحْسانُ
ما يُقال فيه نَيْسَانُ
ولذا من الشُهورله
[نظم: البسيط]
فأنت صاحب إحسان وإيمانٍ
إذا رَأَيْتَ الذي بالفعلِ تَعْبُدُهُ
(١) النظم مختل (على الرمل).

٣٨٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
إياه فاعمَلْ على إحسانه الثاني
وإنْ جهلتَ ولم تَعْلَمْ برؤيتكم
لكي يقابل إحساناً بإحسان
وإنما جَمَعَ الرحمُنُ بينهما
والكل من عنده إن كنت تعرفُهُ
ولست أعرفُه إلا إنّ أغناني
قولاً وفعلاً وهذا الأمرُ أغياني
طال انتظاري لما يأتيه من قبلي
يدعى صاحبها عبد المحسن، وإن شئت عبد المحسان. قال جبريل عليه السلام الرسول
اللهِ الَُّ: مَا الإِحْسَانُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إنْ لا تَرَاهُ
فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) وفي رواية: ((فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) فأمره أن يخيلِه ويحضره في خياله على قدر
علمه به فيكون محصوراً له وقال تعالى: ﴿مَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠] فمن
علم قوله: ((إنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) وعلم قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ
عَرَفَ رَبَّهُ)) وعلم قوله تعالى: ﴿وَفِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقوله: ﴿سَيُرِيهِمْ ءَايَتِنَا
فِى الْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] علم بالضرورة أنه إذا رأى نفسه هذه الرؤية فقد رأى ربه
بجزاء الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه إلا الإحسان وهو أنك تراه حقيقة كما أريته
نفسك، فالصورة الأولى الإلهية في العبادة مجعولة للعبد من جعله فهو الذي أقامها نشأة
يعبدها عن أمره عز وجلّ له بذلك الإنشاء، فجزاؤه أن يراه حقيقة جزاء وفاقاً في الصورة التي
يقتضيها موطن ذلك الشهود، كما اقتضى تجليه في الصورة الإلهية المجعولة من العبد في
موطن العبادة والتكليف، فإن الصور تتنوّع بتنوّع المواطن والأحوال والاعتقادات من
المواطن، فلكل عبد حال ولكل حال موطن، فبحاله يقول في ربه ما يجده في عقده،
وبموطن ذلك الحال يتجلى له الحق في صورة اعتقاده والحق كل ذلك والحق وراء ذلك،
فينكر ويعرف وينزه ويوصف، وعن كل ما ينسب إليه بتوقف، فحضرة لإحسان رؤية وشهود،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الدهر * حضرة الدهر
[نظم: المجتث]
الذَّهْرُ عَيْنُ الزمان
ومالديه أمان
فليس إلا العَيَان
فإن يكن عَيْنَ قَلْبي
[نظم: الطويل]
إذا كان دَهْرِي عَيْنَ رَبِّي فإنه
وما سَبَّهُ إلا جهولٌ بِقَدْره
ولو كان عَلاّماً به وبفعله
وكان لذاك العلم صَاحِبَ مَشْهَدٍ
فسبحان من أحياه بعد مماته
قديم وما دهري يُحَدُّ بأزمان
ذليلٌ فقيرٌ ذو جفاء ونُقْصانِ
لجُوزي بما به بخل عَذْنانٍ
يراه عَيَاناً ذا بيان وتبيانٍ
ونَعَّمَهُ منه لَهِيبٌ ببركان

٣٩٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
يدعى صاحبها عبد الدهر. وقال رسول الله وَ له: ((لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ))
فجعل الدهر هوية الله، فصدق القائلون في قولهم وما يهلكنا إلا الدهر فإنه ما يهلكهم إلا الله،
فإنهم جهلوا في قولهم: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا أي نحيى فيها ثم نموت، وصدقوا
في قولهم بعد ذلك: وما يهلكنا إلا الدهر فصدقوا فإن الدهر هو الله وجهلوا في اعتقادهم فإنهم
ما أرادوا إلا الزمان بقولهم الدهر، فأصابوا في إطلاق الاسم وأخطؤوا في المعنى، وهم ما
أرادوا إلا المهلك فأصابوا في المعنى، ووافقوا الاسم المشروع توفيقاً من الله، ولم يقولوا
الزمان أو ربما لو قالوا الزمان لسمى الله نفسه بالزمان كما سمى نفسه بالدهر، والدهر عبارة عما
لا يتناهى وجوده عند مطلقي هذا الاسم أطلقوه على ما أطلقوه، فالدهر حقيقة معقولة لكل
داهر، وهو المعبر عنه بحضرة الدهر وهو قولهم: لا أفعل ذلك دهر الداهرين، وهو عين أبد
الآبدين، فللدهر الأزل والأبد أي له هذان الحكمان، لكن معقولية حكمه عند الأكثر في الأبد
فإنهم أتبعوه الأبد فلذلك يقول القائل منهم: دهر الداهرين، وقد يقول بدله، أبد الآبدين فلا
يعرفونه إلا بطرف الأبد لا بطرف الأزل، ومن جعله الله فله حكم الأزل والأبد فاعلم ذلك.
ومن هذه الحضرة ثبت حكم الأزل والأبد لمن وصف به وأن عين العالم لم يزل في
الأزل الذي هو الدهر الأوّل بالنسبة إلى ما نذكره ثابت العين، ولما أفاده الحق الوجود ما طرأ
عليه إلا حالة الوجود لا أمر آخر، فظهر في الوجود بالحقيقة التي كان عليها في حال العدم،
فتعين بحال وجود العالم الطرف الأوّل المعبر عنه بالأزل وليس إلا الدهر، وتعين حال وجود
العالم بنفسه وهو زمان الحال وهو الدهر عينه، ثم استمرّ له الوجود إلى غير نهاية فتعين
الطرف الآخر وهو الأبد وليس الدهر، فمن راعى هذه النسب جعله دهوراً وهو دهر واحد،
وليس إلا عين الوجود الحق بأحكام أعيان الممكنات أو ظهور الحق في صور الممكنات،
فتعين أنّ الدهر هو الله تعالى كما أخبر عن نفسه على ما أوصله إلينا رسوله وَلا فقال لنا لما
سمع من يسب الدهر لكونه لم يعطه أغراضه فقال: ((لا تَسُبُّوا الذَّهْرَ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)) لأنه
المانع وجود ما لكم في وجوده غرض، ولهذا سمي بالمانع. وله حضرة في هذا الباب في
هذا الكتاب مذكورة، فتوليد العالم إنما هو للزمان وهو الدهر ﴿يُولِجُ اٌلَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾
[الحج: ٦١] فيتناكحان فيلد النهار جميع ما يظهر فيه من الأعيان القائمة بأنفسها وغير القائمة
بأنفسها من الأجسام والجسمانيات والأرواح والروحانيات والأحوال، فيظهركل روحانيّ
وجسماني من كل اسم رباني، ويظهر كل جسم وروح من الاسم الرب لا من الاسم الرباني.
﴿وَيُؤْلِحُ اٌلْنَّهَارَ فِ الَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] فيتناكحان فيلد الليل مثل ما ولد النهار سواء على حد ما
مضى، وهذا المعبر عنه بالليل والنهار سدنة الدهر والإيلاج والتكوير والغشيان وهو قوله.
﴿يُكَوِّرُ اَلَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّْلِ﴾ [الزمر: ٥] من كور العمامة ﴿وَيُغْشِى أَلَّيْلَ
فَيَشْفَعُوْ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فهذه مقاليد الدهر الذي ﴿لَُّ مَقَالِيهُ السَّمَوَتِ﴾ وهو الناكح
﴿وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣] وهو المنكوح، فمن علا من هذين الزوجين فله الذكورية وهو السماء،
ومن سفل من هذين الزوجين فله الأنوثة وهو الأرض ونكاحهما المقلاد، والإقليد الذي به

٣٩١
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
يكون الفتح فيظهر ما في خزائن الجود وهو الدهر، فهكذا وجد العالم عن نكاح دهري زماني
ليلي ونهاري، فإن علا ماء الناكح ماء المنكوح أذكر فظهرت الأرواح الفاعلة، وإن علا ماء
المنكوح ماء الناكح أنثى فظهرت الجثث الطبيعية القابلة للانفعال المنفعلة: [مخلع البسيط]
فهكذا كانت الأمُورُ
فكل أمر يخصه اسْمٌ
ثم إلى الله بعد هذا
فكلّ جسْم له ظلامٌ
إذا انْطَوَى ظلُّه ويَخْفَى
لم يعدم الله عين شيء
فخَلْقُهُ لم يَزَلْ جديداً
لولا وجود النّكَاحِ فيه
ولا لأسمائه احتكامٌ
فأنْجُمْ منه طالعاتْ
كأنها طالباتُ ثَارٍ
فالكونُ في ليلٍ أو نهارٍ
وأظهرتْ حُكْمَها الذُّهورُ
كان له الكون والصدورُ
تصير في سيرها الأمُورُ
وكل روح لديه نُورُ
في ذاته ذلك النفورُ
أبداه لكنه يَبُورُ
في كلّ أوقاته يَثُورُ
ما كان للعالم الظُهُورُ
ولا لأعيانها نُـشُورُ
وأنْجُمُ عنده تَغُورُ
وطالب الثَّار ما يَجُورُ
على الذي قلتُه يدورُ
الصاحب * حضرة الصحبة
[نظم: البسيط]
الصاحبُ الحقُّ ليس الصَّاحِبَ الدَّاعي
وإن صاحبها يَبْغي مصاحبتي
[نظم: الرمل]
صُحْبَةُ الرحمن فيها أدبّ
يتمنَّاه الذي يصحبُهُ
عجباً فيه وفي رؤيته
بَذَلَ المجهودَ كي يُبْصرَهُ
لو دَرَى الإنسانُ من غيرته
ولو تَحَكَّمَ في بُزئي وأوجاعي
ويَدَّعي أنه مني كأسماعي
فاصحب الرحمن لا تَصْحَبْ سواه
أن يراه فيَرَى فيه مُنَاه
ما لعَبْدِ فيه إلا ما نواه
وأبى ذلك في الحَقِّ عَمَاه
أنه حقّاً على هذا بَنّاه
يدعى صاحبها عبد الصاحب. قال رسول الله وَ﴿ في دعائه ربه: ((أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي
السَّفَرِ)) وقال تعالى مصدقاً له فيما سماه به من الصاحب: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤]
فهو الصاحب على كل حال مع العبد في أينيته: [مجزوء الخفيف]
وفي الأرض يَخْكُمُ
فهُوَ الله في السَّمَاء
فاخذَروا منه واعْلَمُوا
وإذا كان هكذا
عادل ليس يَظْلِمُ
أنه عالمٌ بِكُمْ

٣٩٢
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
وذلك أن الله تعالى حد حدوداً لعباده عقلية وشرعية معللة وغير معللة، فما عقلت علتة
منها سميناها عقلية، وما لم تعقل علته سميناها تعبداً وعبادة شرعية، فهو مع عباده المكلفين
يحفظ عليهم أنفاسهم في حدوده، وهو مع من ليس بمكلف ينظر ما يفعل معه المكلفون بأن
لا يتعدّوا حدوده، فهو مع كل شيء بهذه المثابة في الدنيا، وأما في الآخرة فما هو معهم إلا
لحفظ أنفاسهم ولما يوجده فيهم فإنهم محل الانفعال لما يريد إيجاده، فلا يزال يوجد له
تعالى ولهم فله من حيث ما يسبحه الموجود بحمده في شيئية وجوده فإنها النعمة الكبرى،
فتسبيحه: الحمد لله المنعم المفضل، وأما كونه يوجد لهم فلما يحصل لهم من المنفعة بسبب
ذلك الموجود وما يليق به فيعود نفعه عليهم ويعود تسبيحه عليه تعالى هكذا دائماً. ثم إن
العالم لا يزال مسافراً أبداً فالله صاحبه أبداً فهو بعينه يسافر من حال إلى حال ومن مقام إلى
مقام، والحق معه صاحبه وللحق الشؤون كما قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]
فالحق أيضاً له من شأن إلى شأن، فشؤون الحق هي أحوال المسافرين يجدد خلقها لهم في
كل يوم زمان فرد فلا يتمكن للعالم استقرار على حال واحدة وشأن واحد لأنها أعراض
والأعراض لا تبقى زمانين مطلقاً، فلا وجود لها إلا زمان وجودها خاصة، ثم يعقبها في
الزمان الذي يلي زمان وجودها الأمثال أو الأضداد، فأعيان الجواهر على هذا لا تخلو عن
أحوال ولا خالق لها إلا الله، فالحق في شؤون أبداً فإنه لكل عين حال، فللحق شؤون ولنا
أحوال، فالصحبة دائمة غير منقطعة وشؤون حاكمة إلى غير نهاية ولا بلوغ غاية، وذلك من
المرتبة التي صح لنا فيها أولية الظهور، ثم استمرّ السير وتمادى السفر والانتقال من بلد إلى
بلد، ومن مكان إلى مكان، ومن مكانة إلى مكانة لكل موجود من العالم.
فلنعين من ذلك ما يختص بهذا النوع الإنساني فأوجده بكله ظاهر صورته وباطنها أجزاء
العالم فظهر بعينه في كونه بعد أن كان يدور في أطوار العالم من عالم الأفلاك والأركان،
ولكن مختلف الأحوال مفترق الأجزاء غير معين بهذا الشيء الخاص، فالتأمت أجزاؤه والحق
صاحبه في كل حال من أحوال تنقلاته، وكيف لا يصحبه وهو خالق تلك الأحوال التي ينقله
فيها والأطوار؟ فأظهر عينه مجموعاً لم يبقَ منه شيئاً في غير ذاته، ثم جعل ما جعل فيه
يستحيل من صورة إلى صورة وهو أيضاً سفر ويمده بمثل ما زال عنه وسافر أو بضده لتبقى
عين جمعيته، فصار الإنسان منزلاً من منازل الوجود يسافر منه ويسافر إليه، وليس لكل مسافر
إليه إذا وصل ونزل به سوى جائزته ليلة واحدة وهي الزمن الفرد ويرحل ولا يرد عليه حال من
الأحوال إلا والحق صاحب لذلك الوارد، فيتعين على هذا المحل الذي هو الإنسان في كل
نفس عند ورود كل حال كرامتان: كرامة وضيافة لذلك الوارد بحسب مكانته من ربه وما تعطيه
حقيقته، والإنسان قادر على إجازته والقيام بحرمته وكرامته وضيافته، ولسرعة ارتحاله تكون
المسارعة إلى أداء جائزته، والكرامة الأخرى المتعينة عليه كرامة صاحبه الواصل معه وهو الله
الصاحب في السفر، فينظر بأي اسم إلهيّ وصل، فذلك الاسم الإلهيّ هو صاحبه، فينظر ما
يستحقه ذلك الاسم الإلهي من الجلال والتعظيم والتمجيد والتحميد فيكرمه ويضيفه بها فتلك

٣٩٣
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
كرامته، ويبادر إلى ذلك في الزمان الواحد لأن الإنسان مجموع والرحلة سريعة، فيعين لك
واحد أعني للحال الوارد وللصاحب معه وهو الاسم الإلهي الذي يحفظه من نفسه ما يستحق
أن يقوم بما يتعين للحق عليه من الكرامة، ويعين من نفسه أيضاً حقيقة أخرى مناسبة للوارد
تقوم بخدمته إلى أن يرحل عنه، فالإنسان منزل ومناخ للمسافرين من الأحوال وهو في نفسه
مسافر أيضاً، فله مع الله صحبة دائمة لسفره، وله تلقي كل وارد عليه من الله مع صاحبه من
الأسماء الإلهية، فيتعين عليه في كل نفس خمسة حقوق يطالب بالقيام بها: حق الوارد عليه،
وحق صاحبه، وحق المسافر عنه في تسفيره، وحق صاحبه، والحق الخامس حق الله تعالى
وهو صاحبه الملازم له في سفره فإنه الصاحب في السفر كما هو الخليفة في الأهل، فما خلق
الله أتعب خاطر ولا قلب من أهل الكشف والحضور العارفين بالله من أهل الله أهل الشهود
لهذه الأمور، فيتخيل من لا معرفة له بالأمور أن العارف في راحة، لا والله بل هو أشد عذاباً
من كل أحد، فإنه لا يزال في كل نفس يطلب نفسه مطلوباً من أجل ما أشهده الله ما أشهده
بأداء هذه الخمسة الحقوق، ولولا أن الله يعفو عن كثير برحمته التي وسعت كل شيء وأن من
رحمة الله أعطى الله هذا العبد من الاتساع وكثرة الوزعة والخدام ما يستعين بهم على أداء هذه
الحقوق ما قدر الإنسان على أداء شيء منها، ولا يطالب بهذه الحقوق كلها إلا من أشهده الله
عين ما ذكرناه كما قال: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:
٣٧]. كما يعين في الإنسان الواحد في إنزال القرآن أنه بلاغ من وجه وإنذار من وجه وإعلام
بتوحيد من وجه وتذكرة لما نسيه من وجه، والمخاطب بهذا كله واحد العين وهو الإنسان قال
تعالى: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ﴾ فهو بلاغ له من كونه من الناس ﴿ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ﴾ من كونه على قدم
غرور وخطر فيحذوا﴿ وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ أي يفعل ما يريد ما ثم آخر يرده عن إرادته
فيك ويصده ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] بما أشهدهم به على نفسه أنه ربه ليقوم بما
يجب على المملوك من حق سيده الذي أقر له بالملك، ولهذا العبد إذا اشتراه الإنسان من
غيره، فمن شرطه أن يقرّ العبد لبايعه بالملك ولا يسمع مجرد دعواه في أنه مالك له، ولا
يقوم على العبد حجة بقول سيده ما لم يعترف هو بالملك له، ويغفل عن هذا القدر كثير
من الناس فإن الأصل الحرية واستصحاب الأصل مرعي، وبعد الاعتراف بالملك صار
الاسترقاق في هذه الرقبة أصلاً يستصحب حتى يثبت الحرية إن ادّعاها هكذا هو الأمر قال
تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ◌َظُهُورِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بٌَ﴾
[الأعراف: ١٧٢] فثبت الاسترقاق الله عليهم، فطولبوا بالوفاء بحق العبودية لهذا الإقرار فهو
قوله: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] فإن التذكر لا يكون إلا عن علم متقدم منسي
فيذكره من يعلم ذلك، فالله مع الخلق هو الصاحب المجهول لغيبتهم عن شهود هذه
الصحبة فلا يطالبون بحق ما يختص به، والذي يشهده إيماناً أو عياناً يطالب بذلك، فالعالم
المحجوب للغيبة يخاف من المعاصي، والعارف للشهود يخاف من الكفر وهو الستر يقول:
سدل الحجاب بعد الكشف، نسأل الله عصمة واقية وهي الشهود الدائم فإنه مباح له جميع ما

٣٩٤
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
يتصرّف فيه من هذا حاله، فإنه إذا كان العبد المذنب في عقب ذنبه يعلم أن له رباً يغفر الذنب
ويأخذ بالذنب علم إيمان وقد أبيح له ورفع الحجر عنه في تصرّفه، فما ظنك بصاحب الشهود
الذي يرى من يفعل به وفيه وما ينفعل وصدور الأعيان من حضرة من تصدر فافهم وتأمّل
ترشد﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فإني ما ترجمت لك إلا عن شرع مستقر ودين كالصباح
الأبلج ﴿لَا رَيْبَ فِهِ هُدًى لِلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الخليفة * حضرة الخلافة
[نظم: البسيط]
لذا تَحَمَّلْتُ ما فيها من الضَّرَّرِ
إنّ الخِلافَةَ سِرُّ الله في البَشَرِ
فلا أخاف ولا أخْشَى من الغِيَرِ
أنا الخليفه ما عندي سوى نفسي
[نظم: البسيط]
خليفةُ الحَقّ في الأكوان من ظَهَرا
فكان من قد أتى نَصُّ الكتاب به
وكان يجهل في الأعيان رُثْبَته
فلو تراه وقد خرّت ملائكةٌ
ومن أَبَى نزلتْ في الحال رُتْبَتُه
بصورة الحَقّ مَلْكاً كان أو بَشَرا
ابْناً وجَدّاً وهذا كله ذُكِرَا
وكان حقاً ولم يلحق به غِيَرًا
لذاته سُجَّداً لقلت ذا سحرا
ولم يَزَلْ خاسئاً مثل الذي كَفَرَا
يدعى صاحبها عبد الخليفة، قال رسول الله وَّ في دعائه ربه في سفره: ((أَنْتَ
الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ)) وقد مضى فيه القول ((وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ)) فسماه خليفة لما استخلفه أي
بين أنه الخليفة أي الذي يخلف المسافر في أهله فهو خليفة بالنظر إلى المفارق أهله بسفره
وهو صاحب للمقيمين أهل هذا المسافر، فنحن نتكلم فيه من حيث إنه خليفة فهو القائم على
كل نفس فإن ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] فسافروا عن أهليهم فاستخلفوا الحق
فيهم ليقوم عليهم بما كان يقوم به عليهم صاحبهم وأوفى، فمن هذه الحضرة أيضاً جعل الله
الخلفاء في الأرض واحداً بعد واحد لا يصح ولاية اثنين في زمان واحد، قال رََّ ((إِذَا بُوبِعَ
لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخرَ مِنْهُمَا)). ولا نشك أن النبي ◌َّ أخبرنا أن الله هو خليفة المسافر في
أهله بجعله لا بجعل المسافر بخلاف الوكالة، وسترد حضرة الوكالة إن شاء الله، فما جعل
الحق نفسه خليفة في أهل المسافر إلا وله حكم ما هو عين الحكم الذي له فيهم من كونه إلهاً
لهم وخالقاً ورباً ورازقاً، وكونهم مألوهين له ومخلوقين ومرزوقين ومربوبين، فما عين الله
للرجل أو القائم في أصله من الحقوق التي لهم عليه، فإن الله يتكفل لهم بذلك ما دام مسافراً
غائباً عن أهله، وما يفعله معهم من الإنعام وغير ذلك مما لا يجب على الرجل لأهله عليه فهو
من حضرة أخرى لا من حضرة الخلافة، بل من حضرة الوهب أو الكرم أو الجود أو غير

٣٩٥
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
ذلك، ومما يجب للأهل على القائم بهم مما هو خارج عن مؤنتهم حفظ الأهل وصيانته
والغيرة عليه، فمن خلف غائباً بسوء في أهله فقد أتى باباً من أبواب الكبائر فإنه انتهك حرمة
الخليفة في الأهل وغره حمله وإمهاله، وما علم سر الله في ذلك من خير يعود على الغائب
فإنه مؤمن وما يقضي الله لمؤمن بقضاء إلا وله فيه خير، وكذلك هذا المنتهك من حيث إنه
انتهك حرمة الغائب فله فيه خير التبديل لكونه مؤمناً، ومن حيث إنه منتهك حرمة الخليفة
فأمره إلى الله لا أحكم عليه بشيء إلا أنه في محل الرجاء والخوف من غير ترجيح، ألا ترى
إلى موسى عليه السلام كيف قال: ﴿يِنْسَمَا خَفْتُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وهذا خطاب
خارج عمن استخلفه في قومه وهو هارون فسماهم خلفاء وما استخلفهم لكنه لما تركهم خلفه
وسار إلى ربه سماهم بهذا الاسم، فاجعل بالك لما تقتضيه هذه الحضرة بما نبهتك عليه،
والله الموفق لا رب غيره.
الجميل * حضرة الجمال
[نظم: البسيط]
هو الذي تعرفُ الأكوانُ قِيمَتَهُ
إنّ الجَميل الذي الإحسانُ شِیمَتُهُ
يرى الوجود فيبدي فيه حِكْمَتَهُ
إذا يراه الذي فينا يُحَبّبه
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الجميل. قال رسول الله مطار للرجل الذي قال له يا
رسول الله إني أحب أن يكون نعلي حسناً وثوبي حسناً فقال له وَّه: ((إنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُ
الجَمَال)) خرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، وفي حديث عنه وَّ: ((الله أَوْلَى مَنْ
تُجُمِّلَ له)) ومن هذه الحضرة أضاف الله الزينة إلى الله وأمرنا أن نتزين له فقال: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ﴾
[الأعراف: ٣١] وهي زينة الله عند كل مسجد يريد وقت مناجاته وهي قرة عين محمد الحلو وكل
مؤمن لما فيها من الشهو، فإن الله في قبلة المصلي وقد قال: ((اغبُدِ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ))، ولا شك
أن الجمال محبوب لذاته، فإذا انضاف إليه جمال الزينة فهو جمال على جمال كنوره على نور
فتكون محبة على محبة، فمن أحب الله لجماله وليس جماله إلا ما يشهده من جمال العالم
فإنه أوجده على صورته، فمن أحب العالم لجماله فإنما أحب الله وليس للحق منزه ولا مجلى
إلا العالم، وهنا سرّ نبوي إلهي خصصت به من حضرة النبوة مع كوني لست بنبي وإني
الوارث : [البسيط]
إلاّ أنا والذي في الشَّرْعِ نَتْبَعُهُ
إنّي خُصِصْتُ بِسِرْ ليس يَعْلَمُهُ
للّهِ نَثْبَعُهُ فيما يُشَرِّعُهُ
ذاك النبيُّ رسول الله خَيْرُ فَتّى
فأوجد الله العالم في غاية الجمال والكمال خلقاً وإبداعاً فإنه تعالى يحب الجمال وما ثم
جميل إلا هو فأحب نفسه ثم أحب أن يرى نفسه في غيره، فخلق العالم على صورة جماله
ونظر إليه فأحبه حب من قيده النظر، ثم جعل عز وجل في الجمال المطلق الساري في العالم
جمالاً عرضياً مقيداً يفضل آحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل، وراعى الحق

٣٩٦
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
ذلك على ما أخبر نبيه ◌َ # فقال المؤمن لرسول الله ◌َّ ر الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب
الذي خرجه مسلم في صحيحه: ((إنَّ الله جَمِيلٌ)) فهو أولى أن تحبه إذ وقد أخبرت عن نفسك
أنك تحب الجمال وأن الله يحب الجمال، فإذا تجملت لربك أحبك وما تتجمل له إلا باتباعي
فاتباعي زينتك هذا قوله وَّرَ. قال الله تعالى: ﴿قُلٌّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل
عمران: ٣١] أي تزينوا بزينتي يحببكم الله فإن الله يحب الجمال، فأعذر الله المحبين بهذا الخبر
لأن المحب لا يرى محبوبه إلا أجمل العالم في عينه، فما أحب إلا ما هو جمال عنده لا بد
من حكم ذلك، ألا ترى إلى قوله: ﴿أَفَنَ زُيِنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَءَهُ حَسَنَّاً﴾ [فاطر: ٨] فما رأى
سوء العمل حسناً وإنما رأى الزينة التي زين له بها، فإذا كان يوم القيامة ورأى قبح العمل فرّ
منه فيقال له: هذا الذي كنت تحبه وتتعشق به وتهواه فيقول المؤمن: لم يكن حين أحببته بهذه
الصورة ولا بهذه الحلية، أين الزينة التي كانت عليه وحببته إليّ ترد عليه فإني ما تعلقت إلا
بالزينة لا به، لكن لما كان محلها كان حبي له بحكم التبع، فيقول الله لهم: صدق عبدي لولا
الزينة ما استحسنه فردوا عليه زينته فيبدل الله سوءه حسناً فيرجع حبه فيه إليه ويتعلق به، فما
قال الحق هذا القول أعني زين له سوء عمله إلا ليلقن عبده الحجة إذا كان فطناً، فلا ينبغي
للمؤمن الكيس أن يهمل شيئاً من كلام الله ولا كلام المبلغ عن الله، فإن الله تعالى يقول فيه :
﴿وَمَا يَنِقُ عَنِ الْمَوَقَ﴾ [النجم: ٣] وقد ذم قوماً اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وهم في هذا الزمان
أصحاب السماع أهل الدف والمزمار نعوذ بالله من الخذلان: [البسيط]
لكنَّما الدينُ بالقرآن والأدَبِ
ما الدِّينُ بالذُّفِّ والمزمار واللَّعِبِ
ذاك السماعُ وأذْنَاني من الحُجُبِ
لما سمعتُ كتابَ الله حَرَّكني
حتى شهدتُ الذي لا عَيْنَ تُبْصِرُهُ
إلا الذي شاهد الأنوار في الكُتُبِ
يوم الخميس بلا كَدٍّ ولا نَصَبٍ
هو الذي أنزل القرآن في خَلَدي
إلى فؤادي فنادَتْني علی کَثَبٍ
إلا عناية ربّي حين أرسلها
أنت الإمامُ الذي تُرْجَى شفاعَتُهُ
لولاك ما عبدوا نجماً ولا شَجَراً
في المذنبين وأنت السرّ في النَّصَبِ
ولا أتَوْا ما أتوا به من القُرَبِ
فإن كلام المبلغ عن الله ما جاء به إلا رحمة بالسامع، وهو إن كان فطناً كان له، وإن
كان حماراً كان عليه، ولما كان الجمال يهاب لذاته والحق لا يهاب شيئاً وقد وصفه
العالم ◌َليل بأنه جميل والهيبة تجعل صاحبها أن يترك أموراً كان في نفسه في وقت حديث
النفس أن يفعلها مع محبوبه عند الاجتماع به واللقاء، فتمنعه هيبة الجمال مما حدثته به نفسه،
وقد وصف الله نفسه بالحياء من عبده إذا لقيه فقام الحياء لله مقام الهيبة في المخلوق، فما
اقتضى من حال العبد أن يؤاخذه به الله ولما لقيه استخيى منه فترك مؤاخذته، ولذلك قال فيمن
أخذ منهم أنهم ﴿عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُولُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فأرسل الحجاب بينهم وبينه فلم يروه،
فلو كانت الرؤية لكان الحياء القائم بالحق مقام الجمال في الخلق، فالحكم واحد والعلة
تختلف، فحقق هذه الحضرة وتزين وتجمل تارة بنعتك من ذلة وافتقار وخشوع وخضوع

٣٩٧
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
وسجود وركوع، وتارة بنعته عز وجلّ من كرم ولطف ورأفة وتجاوز وعفو وصفح ومغفرة
وغير ذلك مما هو الله ومن زينة الله التي ما حرمها الله على عباده، فإذا كنت بهذه المثابة أحبك
الله لما جملك به من هذه النعوت وهو الحب الذي ما فيه منة لأن الجمال استدعاه كالمغفرة
للتائب والمغفرة لغير التائب، فالمغفرة للتائب ما فيها منة فإن التوبة من العبد استدعت المغفرة
من الله، والمغفرة لغير التائب منة محضة قال تعالى في مغفرته الواجبة: ﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ
يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وغير المتقي والتائب يطلب رحمة الله ومغفرته من
عين المنة، فتجمل إن أردت أن ترتفع عنك منة الله من هذا الوجه الخاص، ويكفيك حكم
الامتنان بما وقفت إليه من التجمل بزينة الله، فإن ذلك إنما كان برحمة الله كما قال: ﴿فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والله يقول الحق هو يهدي السبيل.
المسعر * حضرة التسعير
[نظم : الكامل]
ليُبَيْنَ الأحوالَ والأوقَاتًا
إنّ المُسَعِّر رَتَّبَ الأقْواتَا
فينا ويُخيي جُودُهُ أمْواتا
فيُميتُ أحياءً يشاهد فعله
عند الصُّدور لما نرى أشْتَاتا
ويَرُدّنا بعد اجتماع نفوسنا
من جُودِهِ في كَوْننا إنْباتا
والله أنْبَتَنَا بأرض وُجُودِهِ
يدعى صاحبها عبد المسعر، وهي تحكم على حضرة الأرزاق التي تتملك ويدخلها
البيع والشراء، فتعين هذه الحضرة مقادير أثمانها التي هي عوض منها ولا يعلم قدر ذلك إلا
الله فإنها من حضرة ضرب الأمثال لله، وقد نهينا عن ذلك فقال: ﴿فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] قيل لرسول الله وَلَه: سعر لنا فقال ◌َله: ((إنَّ اللهَ هُوَ المُسَعْرُ
وَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ عَلَيَّ طَلِبَةٍ))، فإن الوزن بين الشيئين بالقيمة مجهول لا
يتحقق فما بقي إلا المراضاة بين البائع والمشتري ما لم يجهل أمر السوق بالوقت والزمان
وأحوال الناس في ذلك، فإن الأحكام والأسعار تختلف باختلاف الأوقات لما يختلف من
الأحوال بسلطان الأوقات: [البسيط]
فكُلّ وَقْتٍ له حالٌ يُعَيِّنُهُ
وليس يعرفهُ إلا مُوَقِّتُهُ
وكلّ حال له حُكُمْ وتَرْتِيبُ
وليس ينفعُ في التسعير تهذيبُ
ولما قال رسول الله وَّةٍ: ((إنَّ الله هُوَ المُسَعِّرُ)) علمنا أنه: [الكامل]
فهو المُسَعْرُ حُكْمُهُ ما يُقْرَرُ
يُغْلي ويُرْخِصُ سُوقَهُ مُتَبَذِّلٌ
من مثل هذا فالمقام يُحَيْرُ
وهو الكبيرُ فكونه متكبِّراً
وبحكمنا هذا ألا تَتَبَصَّرُوا
لو لم يكن هذا لكان بحكمنا
هذا الذي جئنا به فتَفَكَّرُوا
ما حكمة تَعْنُو الوجوهُ لعَيْنها
فأخبر أنه ألسنة العالم في أثمان الأشياء التي تدخل في حكم البيع والشراء، فمن سام

٣٩٨
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
فليعرف من يسم، ولا تسم على سوم أخيك، ولا تبع على بيعه، كما نهيت أن تخطب على
خطبته لأن الخطبة من باب الشراء والبيع لأنها شراء استمتاع بعضو وبيعه، فلهذا لا بد من
الصداق وهو القيمة والثمن والعوض، فالبيع والشراء معاوضة: [الخفيف]
فله البَيْعُ والشّراءُ جميعاً
وبه ينطقان لو عَقَلُوهُ
وإلينا عن رُسْلِهِ نَقَلُوهُ
حَكَمَ الكشفُ والدليلُ بهذا
إِنَّ اللَّهَ أُشْغَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم﴾ [التوبة: ١١١] فوقع البيع بين الله
وبين المؤمن من كونه ذا نفس حيوانية وهي البائعة، فباعت النفس الناطقة من الله وما كان لها
مما لها به نعيم من مالها بعوض وهو الجنة والسوق المعترك فاستشهدت فأخذها المشتري إلى
منزله وأبقى عليها حياتها حتى يقبض ثمنها الذي هو الجنة، فلهذا قال في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءُ
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] ببيعهم لما رأوا فيه من الربح حيث انتقلوا إلى
الآخرة من غير موت، وقبض الحق النفس الناطقة إليه وشغلها بشهوده وما يصرّفها فيه من
أحكام وجوده، فالإنسان المؤمن يتنعم من حيث نفسه الحيوانية بما تعطي الجنة من النعيم
ويتنعم بما يرى مما صارت إليه من النعيم نفسه الناطقة التي باعها بمشاهدة سيدها فحصل
للمؤمن النعيمان، فإن الذي باع كان محبوباً له، وما باعه إلا ليصل إلى هذا الخبر الذي وصل
إليه وكانت له الحظوة عند الله حيث باعه هذا النفس الناطقة العاقلة، وسبب شرائه إياها أنها
كانت له بحكم الأصل بقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ [الحجر: ٢٩] فطرأت الفتن والبلايا وادعى
المؤمن فيها فتكرم الحق وتقدس ولم يجعل نفسه خصماً لهذا المؤمن ، فإن المؤمنين إخوة
فتلطف له في أن يبيعها منه وأراه العوض، ولا علم له بلذة المشاهدة لأنها ليست له فأجاب
إلى البيع فاشتراها الله تعالى منه، فلما حصلت بيد المشتري وحصل الثمن تصدق الحق بها
عليه امتناناً لكونه حصل في منزل لا يقتضي له الدعوى فيما لا يملك وهو الآخرة للكشف
الذي يصحبها. وقد مثل هذا الذي قلناه رسول الله وّل حين اشترى من جابر بن عبد الله بعيره
في السفر بثمن معلوم واشترط عليه البائع جابر بن عبد الله ظهره إلى المدينة فقبل الشرط
المشتري فلما وصل إلى المدينة وزن له الثمن فلما قبضه وحصل عنده وأراد الانصراف أعطاه
بعيره والثمن جميعاً. فهذا بيع وشرط، وهكذا فعل الله، سواء اشترى من المؤمن نفسه بثمن
معلوم وهو الجنة واشترط عليه ظهره إلى المدينة وهو خروجه إلى الجهاد، فلما حصل هناك
واستشهد قبضه الثمن ورد عليه نفسه ليكون المؤمن بجميعه متنعماً بما تقبله النفس الناطقة من
نعيم العلوم والمعارف، وبما تعمله الحيوانية من المأكل والمشرب والملبس والمنكح
والمركب وكل نعيم محسوس، ففرحت بالمكانة والمكان والمنزلة والمنزل، فهذا هو المال
الرابح والتجارة المنجية التي لا تبور، جعلنا الله وإياكم ممن حصل له رتبة الشهداء في عافية
وسلامة ومات موت السعداء ففاز بالأجر والنور والالتذاذ بالنعيمين في دار المقامة والسرور
فإنها تجارة لن تبور، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٣٩٩
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
القريب الأقرب * حضرة القربة والقرب والقرب
[نظم: مجزوء الرمل]
عَبْدُهُ إن كُنْتَ تَذْري
أقْرَبُ الخَلْقِ إِلَيْهِ
مثل ما يعلمُ جَهْري
إنه يعلمُ سرّي
ولْتُقِمْ في الله عُذْري
لا تَقُلْ إنّك إنّي
من وجودي مثل سَخري
إنني عبد قريبٌ
كُزْبَةً من ضِيقٍ صَدْري
إنه نَفَّسَ عني
[نظم: الرمل]
وهي بالذات لأهل الفَتَرَاتِ
حضرةُ الأقْرَب أعْلَى الحضراتِ
قيل فيه إنه ذو عَثَراتِ
فهي قُربّ فيه بُعْدٌ للذي
يدعى صاحبها عبد الأقرب وعبد القريب. فإنه عز وجل أقرب إلينا من حبل الوريد.
وقال تعالى: ﴿فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقال: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾
[سبأ: ٥٠] فهو القريب بنزوله من العرش إلى السماء الدنيا كما أخبر ◌َليل وهو أقرب فإنه معنا
أينما كنا، فهو المسمى بالقريب الأقرب فهو أقرب إلينا منا لأن حبل الوريد منا والحبل
والوصل فهو أوصل، فإنه ما كان الوصل إلا به فبه نسمع ونبصر ونقوم ونقعد ونشاء ونحكم،
وهذه الأحكام ليست لحبل الوريد فهو أقرب إلينا من حبل الوريد، فإن غاية حبل الوريد منا
الذي جاء له ما للعروق من الحكم في أنها مجرى الحياة وسكك الدماء. ثم إنه تعالى شرع
القرب فينا لكوننا مخلوقين على صورته فأنزلنا منزلة الأمثال والمثلان ضدان والضد في غاية
البعد ممن يضاده مع كونه في غاية القرب للاشتراك في الصفات الذاتية النفسية، فلما تحقق
العبد بالتعريف الإلهي هذا البعد عن الله شرع له تعالى طرق القربة إليه إلى أن كان مع هذا
البعد سمعه وبصره وجميع قواه بفعله ما شرع له أن يفعل فهو لذله وافتقاره ضد. وهو
بالصورة لكونه مثلاً ضد، فصح بالذلة والافتقار إضافة الفعل إليه فيما شرع له، فتقرب إليه بما
نسب إليه من الفعل، فقرب القرب الذي أخبر الحق أنه جميع قواه وأعضائه بهويته وأقرب من
هذا فلا يكون، فإنه أثبت عين العبد بإعادة الضمير عليه من قوله: ((سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ وَيَدَهُ
وَرِجْلَهُ)) وأثبت أنه ما هو هو، فإنه ليس هو هو إلا بقواه فإنها من حده الذاتي كما قال: ﴿وَمَا
رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فالصورة والمعنى معاً له تعالى فلك الكل إذ
كان عين الكل، فما في الكون إلا هو سبحانه وتعالى عنه في منازل أسمائه الحسنى لأنه ما ثم
عمن تسبحه وتنزهه إلا عنه: [مجزوء الرمل ]
وله الجُثَّةُ والقَلْبْ
فله القُرْبَةُ والقُزب
فله الظاهرُ والقَلْبْ
وله ما نحن فيه
حالة الراحة والكَزن
يقلب الأمر إليه

٤٠٠
الباب الثامن والخمسون وخمسمائة/ في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب العزة
غَضَبُ الحَقِّ كُرُوبي
فاجْتَهِذْ إن كنت تَبْغي
فإذا فرغت فانْصَبْ
هذه آية مَنْ في
فإذا زلنا فأمر
فبه يَخْيَى وُجُودي
وبها السُّرُورُ فَاغْجَبْ
سورة العبد المُقَرّب
وإلى ربك فارغَبْ
حُكْمِهِ بِي يَتَقَلَّبْ
واحدٌ ما فيه مَذْهَبْ
وبه نَلْهُو ونَلْعَبْ
وبه والله نَشْرَبْ
وبه نَأكُلُ خُبْزاً
عَيْنَهُ فمن تقرّبْ
فَرَحاً بكَوْنِ عَيْني
وهو عينُ كل مَطْلَبْ
وإلى من كان قُـزبـي
فإذا ما جئت منه
فهو الطالبُ حَقّـاً
إنني أطمعُ فَاعْلَمْ
فإليه لا تشغب
وأنا فلست أكْذِبْ
في الذي عندي مِنَ أَشْعَبْ
ولما شرع الله القرب ما شرعها إلا من هذه الحضرة، وسبب وجود الشرع الدعوى،
فعمت الشريعة المدعي وغير المدعي، وكل واحد يحشر يوم القيامة على نيته ويختص بنحلته
وملته، والقرب كلها عند العاقل العالم تعب لا راحة فيها تعمّ إلا من رزقه الله شهود العامل،
ولا بد من تعب القابل الحامل فهو وإن كانت الأمور ترجع إلى الله تعالى فإن العبد ولا بد
محل ظهورها وهو الذي ترجع إليه آلامها فهو المحس لها: [مجزوء الخفيف]
حَضْرَةٌ كلّها نَصَبْ
حَضْرَةُ القُرْبِ والقُرَبْ
إن تأمّلْتَها تَشَبْ
فــأمُورُ الوَرَى بـهـا
كلما قلتُ قد كفى
قال لا تَفْعَلِ انْتَصبْ
قُلْتَهُ فيه لم تُصِبْ
أنت أخطأتَ في الذي
يقتضيه حكمُ النَّسَبْ
هكذا الأمرُ دائماً
ـلهُ فلا بُدَّ من سَبَبْ
فاهْجُر أن شئتَ أو فَصِـ
إذ عن الشوق لم تَغِبْ
فعن الكَدِ لا تَنِي
قد قرأنا من الكُتُبْ
هكذا جاء في الذي
المعطي * حضرة العطاء والإعطاء
[نظم: البسيط]
وفي الغطاء عَيْنُ الِهِبَاتِ
عينُ العطاء كَشْفُ الغطاء
فإنها تعالتْ وجَلَّتْ
عن أن تجيءَ بالمُحدَثاتِ
وما صِفَاتى غير سمَاتي
فما حديثي غير حُدُوثي
عني فذاك عينُ سُبَاتي
فإن تكن تُريدُ انتقالي