Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والعشرون وخمسمائة
إلا ما يسوءكم ما ينظر إليه منكم هذا الذكر جاء بلفظ الزاد وورد الأمر به، فأعلمنا أنا قوم
سفر نقطع المناهل بالأنفاس رحلة الشتاء والصيف لنطعم من جوع ونأمن من خوف، لأنه
ما زاد على وقايتك فما هو لك وما ليس لك لا تحمل ثقله فتتعب به، وأقلّ التعب فيه
حسابك على ما لا يحتاج إليه فلماذا تحاسب عليه؟ هذا لا يفعله عاقل ناصح لنفسه، فما ثم
عاقل لأنه ما ثم إلا من يمسك الفضل ويمنع البذل والمسافر وماله على قلة، فإنه ما من منهلة
يقطعها ولا مسافة إلا وقطاع الطريق على مدرجته من الجنة والناس. ويدخل في الجنة
الخواطر النفسية فتقطع بهذا المسافر عن معالي الأمور وأصغر المسافات وأقربها أشقها عليه
وهو ما بين النفسين، فمن كانت مسافاته أنفاسه كان في أشق سفر، لكنه إذا سلم عظمت
أرباحه وأمن الخسارة في تجارته، فإنهم في سفر تجارة منجية من عذاب أليم بضائعهم الإيمان
والجهاد، فالإيمان بضاعة تعم النفائس المضنون بها، والجهاد يعم جميع ما جهزنا الله به من
بضائع التكليف، والرسل عليهم السلام هم السماسرة في البيع والشراء، والصحف والكتب
المنزلة هي الوثائق المكتوبة بين البائع والمشتري، وأخبر الله تعالى أنه اشترى من المؤمنين
أنفسهم يعني الأنفس الحيوانية هي التي اشتراها من النفوس الناطقة المكلفة بالإيمان وأموالهم
وهو شرى البرنامج فالمشتري بالخيار عند حضور البضائع، فإن وافقت ما في البرنامج مضى
البيع وصح الشراء، وإن لم يوافق فالمشتري بالخيار إن شاء وإن شاء، فإن هلك في سفره في
الطريق كان في كيس البائع لا في كيس المشتري، وهذ السوق نفاق إلا أن الطريق خطر جداً
لكثرة القطاع فيه، فقطاع طريق السفر في المعقولات الشبه، وقطاع طريق السفر في
المشروعات التأويل لا سيما في المتشابهات، ولا يخلو المسافر أن يكون في هذين الطريقين
أو في أحدهما، فمن لا تأويل له ولا شبهة فليس بمسافر بل هو في المنزل من أوّل قدم فيمرّ
عليه المسافرون وهو ما يعرض الله عليه من أحوال عباده، فهو كتاجر الدكان تأتيه البضائع من
كل جانب، كما هم أهل مكة تجبى إليهم ثمرات كل شيء رزقاً من لدنه سبحانه وأكثرهم
لا يعلمون ذلك، فتاجر الدكان لا يحتاج إلى زاد لأنه يسافر إليه ولا يسافر، وليس إلا
العارفون ترد عليهم الأنفاس ثم تخرج عنهم تلك الأنفاس فهي لهم كعرض المتاع على تاجر
الدكان فيأخذ منها ما شاء ويترك ما شاء، لأن الأنفاس قد ترد على العارف بما هو محمود،
وهي البضائع التي لا عيب فيها المثمنة خيار المتاع ونقاوته ومذموم وهي البضائع المعيبة التي
نقص ما فيها من العيب ما كانت تستحقه من الثمن لو سلمت منه، وهي البضائع الوخش شرّ
المتاع، فانظر أي تاجر تريد أن تكون.
ثم إن المسافرين من التجار الذين أمرهم الله بالزاد الذي لا يفضل عنهم بعد انقضاء
سفرهم منه شيء بل يكون على قدر المسافة فهم على ثلاثة أصناف: صنف منهم يسافر براً،
وآخر يسافر بحراً، وآخر يسافر براً وبحراً بحسب طريقه، فمسافر البحر بين عدوّين نفس الطريق
وما فيه، ومسافر البر ذو عدو واحد، والجامع بينهما في سفره ذو ثلاثة أعداء، فمسافر البحر
أهل النظر في المعقولات ومن النظر في المعقولات النظر في المشروعات، فهم بين عدوّ شبهة
الفتوحات المكية ج٧ - م١٦

٢٤٢
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثاني والعشرون وخمسمائة
وهو عين البحر، وبين عدوّ تأويل وهو العدوّ الذي يقطع في البحر، ومسافر البرّ المقتصرون
على الشرع خاصة وهم أهل الظاهر، والمسافر الجامع بين البرّ والبحر هم أهل الله المحققون
من الصوفية أصحاب الجمع والوجود والشهود، وأعداؤهم ثلاثة: عدوّ برهم صور التجلي،
وعدوّ بحرهم قصورهم على ما تجلى لهم أو تأويل ما تجلى لهم لا بد من ذلك، فمن سلم من
حكم التجلي الصوري ومن القصور الذي يناقض المزيد ومن التأويل فيما تجلى لهم فقد سلم
من الأعداء وحمد طريقه وربحت تجارته وكان من المهتدين، فهذا وأمثاله يعطيه هذا الذكر وهو
ذكر الالتباس من أجل ذكر التقوى لما في ذلك من تخيل تقوى الله، ولهذا أبان الله عن تلك
التقوى ما هي وفصل بينها وبين تقوى الله فقام في تمام الآية: ﴿وَأَتَّقُونِ يَكَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾
[البقرة: ١٩٧] وجعل المجاور لهم في تقوى الله ليس عليكم جناح برفع الحرج والسؤال فيما
تزودوه في سفرهم من التقوى فإنه فضل على تقوى الله فإن الأصل تقوى الله فقال: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِنْ زَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وهو التجارة مع علمك بأنه زاد
التقوى، وهذا القدر كافٍ فإن المجال فيه واسع، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والعشرون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ الْخَبَرَتِ وَهُمْ
٦٠
﴿وَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَقُلُوبُهُمْ وَحِلَّةً أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ (
[المؤمنون: ٦٠، ٦١ ]
لَهَا سَبِقُونَ
[نظم: البسيط]
وإنّها عندما تلقاه في خَجَلٍ
إن القُلُوبَ مع الخَيْرات في وَجَلٍ
لكونه خُلِقَ الإنسانُ من عَجَل
فيسرعُ العَبْدُ في مرضاة سَيِّدِهِ
فما يُرَى أبداً يمشي على مَهَلٍ
فالطّبْعُ يسرعُ والأفكارُ تُسْعِدُهُ
أَزْبَى على أحد أَزْبَى على رَجُلٍ
إن السِّبَاقَ لَمِنْ شَأْنِ الرجال فمن
قال الله تعالى في الورثة: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِذْنِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾
[فاطر: ٣٢] فالضمير من هو يعود على السبق الذي يدل عليه اسم الفاعل. اعلم أن السبب
الموجب لوجلهم قول الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وجعل هنا ما بمعنى الذي ثم
جاء بأتوا بعد ما وكلامه صدق فأدركهم الوجل إذ قطعوا أنهم لا بد أن يقوم بهم الدعوى فيما
جاؤوا به من طاعة الله، فيكشف الله لهم إذا خافوا ووجلوا من ذلك، وتبديل الله لفظة ما التي
بمعنى الذي بلفظه ما النافية مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَىَّ﴾
[الأنفال: ١٧] هكذا يكون كشفه هنا للوجل ما يؤتون الذي أتوا به ولكن الله تعالى أتى به
فأقامهم مقام نفسه فيما جاؤوا به من الأعمال الصالحة، ثم نظروا في ذكرهم للتعليل وهو قوله
تعالى: ﴿أَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فيما أتوا به مع كون الله وصفهم بأنهم الذي أتوا
به، فانظر ما أدق نظرهم في السبب الذي جعل في قلوبهم الوجل، ثم تمموا الذكر كما

٢٤٣
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والعشرون وخمسمائة
علمهم الله أولئك إشارة إلى هؤلاء الذين ﴿يُسَرِعُونَ فِ الْخَرَتِ﴾ [المؤمنون: ٦٠] والإسراع لمن
أتى هرولة فافهم، فهم يسارعون في الخيرات بالحق وهم لها سابقون أي يسبقونها ويسبقون
إليها فالخيرات ثلاثة: خيرات يكون السباق والمسارعة فيها، وخيرات يكون السباق بها،
وخيرات يكون السباق إليها وهي قوله: ﴿سَابِقُوَأْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [الحديد: ٢١] و﴿وَسَارِعُواْ إِلَى
مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
والسرعة في السباق لا بد منها لأن السباق يعطي ذلك وهو فوق السعي فإتيانهم بسرعة
والزائد على السعي ما هو إلا هرولة وهي نعت إلهي، وإذا انفرد الحق بنعت كان له فما يأخذه
العبد إلا معار الكون الحق لا يشارك في شيء أضافه إلى نفسه، وما لم يذكر بإضافة إلى الله
فلك فيه التصرف إن شئت أضفته إلى الله تعالى وإن شئت أضفته إليك، فإن تقدم لك إضافة
ذلك إلى الله حرم عليك أن تضيفه بعد ذلك إلى نفسك، فإن صورته في ذلك صورة ما أضافه
الحق إلى نفسه، فسواء كان ذلك منه ابتداء أو قال ذلك على لسان عبده، فإن الله عند لسان
كل قائل بما يقول كما هو قائم على كل نفس بما كسبت، فأنت الكتاب المشار إليه في قوله:
﴿وَلَدَيْنَا كِنَبٌ يَنَطِقُ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٦٢] وأنت الناطق فإنه الفصل المقوّم لك في حدك وما
أحسن قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٢] حيث عرفنا بأننا الكتاب الذي ينطق بالحق
وشرفنا بأنا لديه ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فلنا البقاء بما نحن لديه على هذه الصفة التي
وصفنا الله بها من النطق بالحق، فإنا بالله ننطق والله يقول على لسان عبده ما ينطقه به :
﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلْ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وهو القائل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾
[البقرة: ٢٨٦] وقد وسعت الحق الذي ضاق عنه الأرض والسماء وهو سبحانه لا يثقله شيء
وإنما نعته بالتكليف لأنه على كل حال محل جلال للحق به ينطق ويسمع ويبصر ويسعى
ويبطش، فقبول الزائد تكليف والوسع في إعطاء كل شيء حقه: [مجزوء الرجز]
إن لم تَكُنْ فلا يَكُنْ
فكُنْ به حتى يَكُنْ
فأنت خَلّقٌ له
وأنت مخلوقٌ بكُنْ
إنّ الحَديثَ لم يَسَغْ
إلا الحَدِيثَ المُسْتَكِنْ
فما اسْتَكَانُوا للَّذي
قال اسْتَكِينُوا فَاسْتَكَنْ
وَهُوَ لنا نِعْمَ السَّكّنْ
فللاله ما سَكَّنْ
فالحمد لله على ما أولى، وله الحمد في الآخرة والأولى، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل .
الباب الثالث والعشرون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾
[النازعات: ٤٠]
[نظم: الوافر]
مَقَامُ الرَّبّ ليس له أمانُ
يدلُ عليه ما يعطي العَيَانُ

٢٤٤
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثالث والعشرون وخمسمائة
إذا ما خفْتَهُ حالاً أمانُ
فخَفْهُ لأنه خَطَرّ وفيه
يضيقُ لهَوْلِهِ منك الجَنَانُ
فأنت هو المُعاتَبُ والزّمانُ
فَرَبُّ الدار ليس له مكانُ
ونَفْسَكَ فانْهَهَا عن كل أمْرٍ
فلا تُغْتِبْ زماناً أنت فيه
ولا تَغْمُز مكاناً لست فيه
ومُؤْنِسُكَ التَّعَطُّفُ والحنانُ
فأنت كهو فأنت له جليسٌ
وفيها الخُلْدُ والحُورُ الحِسَانُ
لذاك يقال منزلُنا الجِنَانُ
اعلم أيدنا الله وإياك أن المقام الإلهي الرباني ما وصف به نفسه ولما علمه وَ# حين
أعلمه لذلك استعاذ به منه فقال: وأعوذ بك منك. اعلم أن كل مقام سيد عند كل ذي اعتقاد
إنما هو بحسب ما ينشئه في اعتقاده في نفسه، ولهذا قال الله مقام ربه فأضافه إليه وما أطلقه،
وما تجد قط هذا الاسم الرب إلا مضافاً مقيداً لا يكون مطلقاً في كتاب الله فإنه رب بالوضع
والرب من حيث دلالته أعني هذا الاسم هو الذي يعطي في أصل وضعه أن يسع كل اعتقاد
يعتقد فيه ويظهر بصورته في نفس معتقده، فإذا كان العارف عارفاً حقيقة لم يتقيد بمعتقد دون
معتقد، ولا انتقد اعتقاد أحد في ربه دون أحد لوقوفه مع العين الجامعة للاعتقادات، ثم إنه إذا
وقف مع العين الجامعة للاعتقادات كلها فيه، فيخاف أن يكون هذا القدر الذي اعتقده واحد
مثل كل ذي اعتقاد في الرب، فيتخيل أنه مع الرب وهو مع ربه لا مع الرب مع كونه بهذه
المثابة في تسريحه وعدم تقييده وقوله به في كل صورة اعتقاد وإيمانه بذلك فلا يزال خائفاً
حتى يأتيه البشرى في الحياة الدنيا بأن الأمر كما قال، فهذا حد إطلاق العبد في الاعتقاد، ولو
لم يكن الحق له هذا السريان في الاعتقادات لكان بمعزل ولصدق القائلون بكثرة الأرباب :
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] في كل معتقد إذ هو عين كل معتقد. ثم نصب
الله لهذا العارف دليلاً من نفسه بتحوّله في نفسه في كل صورة وقبوله في ذاته عند إنشاء كل
صورة ينشها هذا المعتقد في قوله تعالى: ﴿فِيَ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رََّّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] نظر إشارة
لا تفسير، فلولا قبولك عند تسويتك وتعديلك لكل صورة ما ثبت قوله: ﴿فِي أَمِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ
رَكَّبَكَ﴾ وقد صح وثبت هذا القول، فعلمنا أن له التجلي في صور الاعتقادات فلا ينكر، فكل
من لم يعرف الله بهذه المعرفة فإنه يعبد رباً مقيداً منعزلاً عن أرباب كثيرة إذا اتصف نفسه لم
يدرِ أي رب هو الرب الحقيقي في نفس الأمر من هؤلاء الأرباب الذي في نفس كل معتقد،
ونهي النفس في هذا الذكر عن الهوى هو النهي عن تقييده بمعتقد خاص عن معتقد فإنه عابد
هوى، ثم تمم الذكر في حق العارف الذي ﴿خَفَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ كما قلنا ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَ﴾
[النازعات: ٤٠] كما شرحنا ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] يقول مقامه ستر هذا العلم بالله
الذي حصل له فإنه مهما ظهر عليه كل صاحب اعتقاد مقيد أنكره عليه وجهله إن كان ذا نظر،
وربما كفره إن كان ذا إيمان فلا يعرف ﴿مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ إلا من خاف مقام ربه غيره فلا
يعرفه : [الطويل]
شُخَيْصٌ له في رَبّه الحَصْرُ والقَيْدُ
فكُنْ في أمان أن يقولَ بِقَوْلِكُمُ

٢٤٥
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع والعشرون وخمسمائة
فذاك هو المَكْرُ الإلهيُّ والكَيْدُ
فمن يَعْتَقِدْ في الله ما قد شَرَخْتُهُ
له البَدْءُ فيما شاءه الحَقُّ والعَوْدُ
وكيف يَرَى التقييدَ من هو مُطْلَقٌ
فإطلاق العبد قبوله لكل صورة يشاء الحق أن يظهر فيها فما ظنك بخالقه الذي له
المشيئة فيه وهو سبحانه في تحوّله في الصور لذاته غير مشيء لذلك، فإن المشيئة متعلقها
العدم وهو الوجود فلا يكون مشاء لمشيئته بل لم يزل في نفسه كما تجلى لعبده فمشيئته إنما
تعلقت بعبده أن يراه في تلك الصورة التي شاء الحق أن يراه فيها، فإذا رآها العبد التبس بها
وركبه الحق فيها وهو قوله من باب الإشارة ﴿فِيّ أيّ صُورَةٍ﴾ من صور التجلى ﴿مَا شَآءَ رَّكْبَكَ﴾
[الانفطار: ٨] هذا في باب المعارف والاعتقادات، وفي باب الخلق في أي صورة من صور
الأكوان ما شاء ركبك: [الرجز]
فَخَفْ مقامَ الرَّبِّ إِنْ أَضَفْتَه
ولا تَخَفْ منه إذا عَرَفْتَهُ
أَظْلَقْتَهُ إن شئتَ أو أَضَفْتَهُ
فلا يخافُ الرَّبَّ غَيْرُ مُقَيّدٍ
فكُنْ به الموصوفَ إِن وَصَفْتَهُ
ولا تَزِدْ في الكشف إِن كَشَفْتَهُ
فذا هو الإنصاف إنْ أَنْصَفْتَهُ
فإنّه عَيْنُ الذي تشهدُه
لا تَقْتصِرْ على الذي أُشْهِذْتَهُ
فكن به ولا تكن أيضاً به
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والعشرون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ ◌ٌلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبٍِ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]
[نظم: الوافر]
وأَشْجَارَ المِهَاد لنا يَرَاعُ
ولو أن البحَارَ لنا مِدَادٌ
وحَرَّكَنَا لذلكمُ السَّماعُ
وجاء صَرِيفُها في اللَّوْحِ يَسْعَى
وساوى القَاعَ في المَجْدِ اليَفَاعُ
لما نَفِدَتْ له كلماتُ رَبِّي
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ
أَتْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اَللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهٌ﴾
[النساء: ١٧١] ليست كلمات الله سوى صور الممكنات وهي لا تتناهى، وما لا يتناهى لا ينفد
ولا يحصره الوجود، فمن حيث ثبوته لا ينفد فإن خزانة الثبوت لا تعطي الحصر فإنه ليس
لاتساعها غاية تدرك، فكلما انتهيت في وهمك في اتساعها إلى غاية فهو من وراء تك الغاية،
ومن هذه الخزانة تظهر كلمات الله في الوجود على التتالي والتتابع أشخاصاً بعد أشخاص،
وكلمات أثر كلمات، كلما ظهرت أولاها أعقبتها بالوجود أخراها، والبحار والأقلام من جملة
الكلمات، فلو كانت البحار مداداً ما انكتب بها سوى عينها وبقيت الأقلام والكلمات الحاصلة
في الوجود ما لها ما تكتب به مع تناهيها بدخولها في الوجود، فكيف بما لم يحصره الوجود

٢٤٦
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع والعشرون وخمسمائة
من شخصيات الممكنات فهذا حكم الممكن، فما ظنك بالمعلومات التي الممكنات جزء
منها؟ وهذا من أعجب ما يسأل عنه مساواة الجزء والبعض للكل في الحكم عليه بعدم
التناهي مع معقولية التفاضل بين المعلومات والممكنات، ثم إنه ما من شخص من الأشخاص
من المعلومات ولا من الممكنات إلا واستمراره لا يتناهى، ومع هذا يتأخر بعضه عمن
تقدمه، فقد نقص عن تقدمه وفضل عليه من تقدمه وكل واحد لا يتصف في استمراره
بالتناهي، فقد وقع الفضل والنقص فيما لا يتناهى، ووجود الحق ما هو بالمرور فيتصف
بالتناهي وعدم التناهي فإنه عين الوجود، والموجود هو الذي يوصف بالمرور عليه، فالذي
لا يتناهى المرور عليه وهو في عينه من حيث إنه موجود متناه لأنه على حقيقة في عينه متميز
بها عمن ليست له تلك الحقيقة التي بها يكون هو وليست إلا عين هويته فهو الموجود، ولا
يتصف بالتناهي، ولا يوصف أيضاً بأنه لا يتناهى لوجوده، فمن حيث إنه ينتهي هو لا ينتهي
بخلاف حكم المحدثات في ذلك، ولا يعلم المحدثات ما هي إلا من يعلم ما هو قوس
قزح، واختلاف ألوانه كاختلاف صور المحدثات، ثم أنت تعلم أنه ماثم متلوّن ولا لون مع
شهودك ذلك كذلك شهودك صور المحدثات في وجود الحق الذي هو الوجود فتقول ثم
ما ليس ثم لأنك لا تقدر أن تنكر ما تشهد وأنت تشهد كما لا تقدر أن تجهل ما أنت تعلمه
وأنت تعلم، والمعلوم في هذه المسألة خلاف المشهود، فالبصر يقول ثم والبصيرة تقول
ماثم، ولا يكذب واحد منهما فيما يخبر به، فأين كلمات الله التي لا تنفد وما ثم إلا الله،
والواقف بين الشهود والعلم حائر لتردده بينهما، والمخلص لأحدهما غير حائر منحاز لمن
يخلص إليه كان ما كان : [مجزوء الرجز]
والحَقُّ مُغْطِ ذا وذا
ولا تَكُنْ عن كلّ ما
ومن يكن يعرفُ ذا
فخُذْ به هذا وذا
أعْطَاكَهُ مُنْتَبِذَا
يكن إماماً جَهْبَذَا
لا بدّ أن يقولَ ذا
فكلُّ من يقول ذا
يَضْرِفُهُ عن ذا وذا
بينهمـا يَبْدُو الذي
وقال أقوامٌ بذا
ـيَاءَ حَقّاً هكذا
وقال أقوامٌ بذا
فهكذا فلْتَغْرِفِ الأشْـ
فالوجود كله حروف وكلمات وسور وآيات، فهو القرآن الكبير الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيِّهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] فهو محفوظ العين فلا يتصف بالعدم لأن العدم نفي
الشيئية والشيئية معقولة وجوداً وثبوتاً وما ثم رتبة ثالثة، فإذا سمعت نفي شيئية فإنما ينفي
النافي عن شيئية الثبوت شيئية الوجود خاصة، فإن شيئية الثبوت لا تنفيها شيئية الوجود،
فقوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] هو شيئية الوجود لأنه جاء بلفظ تك وهي حرف وجودي
فنفاه بلم، وكذلك ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] والذكر وجود فاعلم ذلك، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل.

٢٤٧
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الخامس والعشرون وخمسمائة
الباب الخامس والعشرون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌّ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]
[نظم: البسيط]
فحُكْمُها يومٍ فَضْلِ الحُكُمْ خُسْرَانُ
إذا تَعَدَّثْ حُدُودَ الله أكوانُ
غيرُ الإله ولا يَذْريه ميزانُ
فإنْ تَجَدَّدَ حكمٌ ليس يعرفُه
عنايةٌ من إِلّهِ الحَقّ فُزْقَانُ
فذاك وجودّ إلهيٍّ أتاك به
فيه لما ظهرتْ في الكون أعيانُ
لولا الوجودُ ولولا سِرُّ حِكْمَتِهِ
هو الوجودُ ولكن ليس يَعْرِفُهُ
وكيف يَذْري الكَمالَ الحَقَّ نقصانُ
اعلم أيدنا اللّه وإياك بروح القدس الروح الأمين: [الرمل]
والذي يعرفُها لا يُضْرَفُ
إن الله حدوداً تُغْرَفُ
عندها في كل حال يَقِفُ
وبحقّ الحقّ لا تَنْحَرفُوا
ولذا أهلُ التعدِّي عرفوا
وادَّعَوْا أنهم قد كَشَفُوا
عن مراد الله حين اعْتَرَفوا
من كلام الله عنه فَقِفُوا
ناظراً في حكمها مُنَّئداً
فانْظُروا فيها عليها وقِفُوا
تَجِدُوا السرَّ لديها علناً
ولهذا انتهكوا حُزْمَتَها
ظلموا أنْفُسَهُم فانْحَجَبُوا
والترجّي واقعٌ حيث أتى
عند ما قلتُ به واتَّصفُوا
أنه عند الذي ظُنَّ به
بالترجّي مثل ما يَشَّصفُ
فَلْتِظُتُوا الْخَيْرَ منه ولْتَفُوا
حدود الله أحكامه في أفعال المكلفين، فلا يتعدى منها حد إلا لحد آخر لغير حد إلهي
لا يتعداه، ونفس تعديه إليه عين تعديه فيه، فيحكم في الأمور بغير حكم الله لا بد من ذلك
فانظر ما أعجب هذا، وأحكام الله التي هي حدوده وجوب وحظر وكراهة وندب وإباحة،
فكل متصرف بحركة وسكون فلا بد أن يكون تصرفه في واجب أو محظور أو مندوب أو
مكروه أو مباح لا يخلو من هذا، فإن كان تصرفه في واجب عليه فعله بترك فقد تعدى حدود
الله بتركه ما وجب عليه فعله فإن تركه على أنه ليس بواجب عليه فعله فقد تعدى في ذلك
تعدي كفر، ولا بد أن يحكم فيه بغير حكم الله وينتقل فيه إلى حكم آخر من حكم الله لكن في
غير هذا العين، فأباح ترك ما أوجب الله عليه فعله وترك ما حرم الله عليه تركه، وإن قال
بوجوب الترك فيما قال الشرع فيه بوجوب الفعل فهذا تعدٍ عظيم فاحش واتباع هوى مضل عن
سبيل الله، فالتعدي بالفعل والترك معصية والتعدي بالاعتقاد كفر، ومن قلب أحكام الله فقد
كفر وخسر، وثم تعدٍ آخر لحدود الله وهو قلب الحقائق ويسمى المتعدي جاهلاً وتعديه جهلاً
وهي الحدود الذاتية للأشياء، وإنما أضيفت إلى الله لأن العلم بها إنما حصل لنا من جانب الله

٢٤٨
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الخامس والعشرون وخمسمائة
حيث أعطانا من القوة التي هي قوة العقل والنظر ما نصل بها إلى العلم بهذه الحدود، ولأن
الأمور التي نحدها ما هي بأمر زائد على ما ظهر في المظاهر المعقولة والمحسوسة وما ظهر
إلا الحق، وذلك الظاهر في العقل أو الحس هو الذي نحده وليس إلا الله فهي حدود الله .
وقد تشترك المحدودات في أمور وتتميز بأمور، فما تميزت به من الفصول فهو حدها المميز
لها عن الذي شاركها، وما وقع به الاشتراك والتميز كله حد لها، فمن تعدى هذه الحدود فقد
ظلم نفسه بظلم يسمى جهلاً وقلباً للحقائق، وقلب الحقائق إما أن يقلبها عينها كلها وإما أن
يقلبها من حيث فصولها المقومة لها، وكيف ما كان فقد تعدى حدود الله وجهل، فحد الخالق
بما هو حد للمخلوق، فقلب الأمر في عينه كله، وقد حد الإنسان بالفصل المقوم للفرس فقد
غلط وجهل بعضاً وعلم بعضاً فأولئك هم الجاهلون حقاً كما هو في تعدي الأحكام، أو
ما جاء به الشارع إذا آمن ببعض وكفر ببعض هو الكافر حقاً وغلب الكفر على الإيمان، فإن
ذهاب الفصل المقوم من المحدود عين ذهاب ماله من نصيب الاشتراك، فإن حيوانية الإنسان
ما هي عين حيوانية الفرس بالنظر إلى شخصية ذلك المحدود، فلهذا يذهب الكل لذهاب
البعض، وقد قال الله تعالى لنبيه وَله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] و﴿إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ
تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. وأما قوله في هذ الذكر: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وذلك لأنا ما عرفنا من القوى الموجودة في الإنسان إلا قدر ما أوجد فيه،
وربما في علم الله عنده أو في الإمكان قوى لم يوجدها الله تعالى فينا اليوم، حتى لو قيل
للفرس عن القوة التي تميز بها الإنسان عنه أنكرها، وفي طريق الله ما يقوله أهل الطريق في
إثبات المقام الذي فوق طور العقل وهي قوة يوجدها الله في بعض عباده من رسول ونبيّ وولي
تعطي خلاف ما أعطته قوة العقل، حتى أن بعض العقلاء أنكر ذلك والشرع أثبته، ونحن نعلم
أن في نشأة الآخرة قوى لا تكون في نشأة الدنيا ولا يحكم بها عقل هنا ولا تنال إلا بالذوق
عند من أوجدها الله فيه وتحصل لبعض الناس هنا، فلا تعلم نفس ما أخفي لها فيها من قرة
أعين، وفي الجنة ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخرج عن طور
العقل بتعيين أمر ما، وما خرج عن طور العقل بالإمكان إذ لا حكم للعقل فيما يعنيه الله من
الأمور إلا الإمكان خاصة أو ما تتحير فيه، فلهذا جاءت كلمة لعل وهي كلمة ترج، وكل ترج
إلهي فهو واقع فلا بد منه، فهذا هو الأمر الذي يحدثه في النشأة، وأما في الأحكام فمعلوم في
العلم الرسمي إلى يوم القيامة فإن الرسول وَ# لما قرّر حكم المجتهد لا يزال حكم الشرع
ينزل من الله على قلوب المجتهدين إلى انقضاء الدنيا، فقد يحكم اليوم مجتهد في أمر لم
يتقدم فيه ذلك الحكم واقتضاه له دليل هذا المجتهد من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس
جلي، فهذا أمر قد حدث في الحكم إذا تعداه المجتهد أو المقلد له فقد ظلم نفسه، فهذا
وأمثاله مما يعطيه هذا الذكر، وهذا القدر من الإشارة في هذا الذكر كافٍ إن شاء الله، فإن هذا
الذي يعطيه هذا الذكر فيه تفصيل كثير وتمثيل نبهناك على المأخذ فيه، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .

٢٤٩
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السادس والعشرون وخمسمائة
الباب السادس والعشرون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَلَوْلَا أَنْ تَبَّنْشَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]
[نظم: البسيط]
في الدِّين وهو رُكُونٌ فِيهِ خُسْرَانٌ
إنّ الرُّكُونَ إلى الأغيار حِرْمَانُ
ضِعْفَيْن قلبي وإيمان وإحسانُ
نَاطَ العَذَابَ به شرعٌ يحقّقُهُ
فكيف من حالُهُ زُورٌ وبُهْتانُ
هذا لمن قد رأى في ذاك مصلحةٌ
ولو تُقَطَّعُ أوصالٌ وأركانُ
الله يعلمُ أنّي لا أقول به
كالشكّ والشّرْكِ يقضي فيه برهانُ
على الذي قاله في الله سلطانُ
والله ما كان ذاك الحكمُ إلا لنا
بأن قائله ذو عِصْمَةٍ وله
أنزل الله تعالى في مثل هذا بل في هذا: ﴿قُلْ يَكَيُهاَ الْكَفِرُونَ﴾ إلى آخر السورة وهي
سورة تعدل ربع القرآن إذا قسم أرباعاً، كما أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن إذا قسم
أثلاثاً، كما أن إذا زلزلت تعدل نصف القرآن إذا قسم قسمين. اعلم أن هذا الذكر يطلعك
كشفاً على أعضاء التكليف منك وهي ثمانية أعضاء: القلب والسمع والبصر واللسان واليد
والبطن والفرج والرجل، وما ثم تاسع وهي على عدد الجنات الثمانية، فيدخل العبد في
عبادته من أي أبواب الجنة شاء، وإن شاء من الأبواب كلها في الزمن الواحد الفرد كأبي بكر
الصديق رضي الله عنه دخل منها كلها في يوم واحد، وكما أنه في كل عضو عمل يخصه
فلكل عمل نتيجة تخصه من الكون تسمى كرامة ينتجها حال ذلك العمل تناسب الكرامة العضو
المكلف، وحال العمل الذي يختص بذلك العضو ويقع في عمل كل عضو تفصيل، وله أيضاً
أعني العمل نتيجة تخصه من الحق تسمى منزلاً ينتجه مقام ذلك العمل يناسب ذلك المنزل
عند الله العضو المكلف، وتفاصيل المقام الذي يختص بذلك العضو يفصل المنازل على
اختلافها، وقد بينا ذلك كله في كتاب مواقع النجوم لنا وهو كتاب يقوم للطالب مقام الشيخ
يأخذ بيده كلما عثر المريد ويهديه إلى المعرفة إذا هو ضلّ وتاه، ويعرفه مراتب الأنوار من هذا
الذكر المقسمة على الأعضاء التي يهتدي بها وهي نور الهلال والقمر والبدر والكوكب والنار
والشمس والسراج والبرق، وما يكشف بنور كل واحد من هذه الأنوار من الصفات التي
تحصر الأسماء الإلهية، والذات كالحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر،
والذات المنعوتة بهذه الصفات فلكل صفة نور من هذه الأنوار ويعرف الموازنات بين الأشياء
الموزونة والمناسبات فلا يخفى عليه شيء فإنه نور كله وهو دعاء النبي وَّ فقال: ((وَاجْعَلْنِي
نُوراً)) وتعرف من هذا الذكر أرباب القوى وهي ثمانية القوى الخمسة الحسية والقوى العاقلة
والفكرة والخيالية، وما عدا هذه القوى فكالسدنة لهذه الثمانية، كما أن هؤلاء الثمانية وإن
كانوا أمهات ففيها ما منزلتها من غيرها منزلة السادن ومنزلة الأقليد، وما زال التفاضل في

٢٥٠
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السابع والعشرون وخمسمائة
الأنواع معلوماً، وكل ما ذكرناه في مواقع النجوم فإنه بعض ما يعطيه هذا الذكر، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والعشرون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَأَصْبِرُ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَِّ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاَ
عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]
[نظم: البسيط]
فما مضى طَبَقّ إلا بدا طَبَقُ
للّه قَوْمٌ وَفَوْا بما له خُلِقوا
إلا إذا رُزِقْتَ مثل الذي رُزِقُوا
فاصْبِرْ مع القوم نفساً ليس تَشْكُرُها
فيها روائحُ مِسْكِ نَشْرُهُ عَبقُ
من انكسار ومن ذُلِّ ومَثْرَبَةٍ
مواطناً وبها الأقوامُ قد نَطَقوا
فلا يَغُرَّنَّكَ أوصافي فإن لها
اعلم أيدنا الله وإياك بما أيدهم به من الروح القدسي أن لله عباداً كانت أحوالهم
وأفعالهم ذكراً يتقرب به إلى الله، وينتج من العلم بالله ما لا يعلمه إلا من ذاقه، فمن
حبس نفسه مع هذا الذكر لحق بهم فإنه كل ما أمر الله به نبيه ◌َة ونهاه عنه هو كان عين
أحوالهم وأفعالهم، مع كون هذه الطائفة الذي نزل فيهم هذا القرآن من أصحاب
رسول الله 18 فما نالوا ما نالوه إلا باتباعه وفهم ما فهموا عنه، ومع هذا عاتب الله تعالى
نبيه ◌ّ فيهم حتى كان رسول الله وَّل إذا لقي أحداً منهم أو قعد في مجلس يكونون فيه
لا يزال يحبس نفسه معهم ما داموا جلوساً حتى يكونوا هم الذي ينصرفون وحينئذٍ
ينصرف رسول الله م14، وكان ◌َّلر إذا حضروا لا تعدو عيناه عنهم، ويقول إذا جاؤوا إليه
أو لقيهم مرحباً بمن عاتبني الله فيهم، ولما عرفوا بذلك كانوا يخففون الجلوس مع
رسول الله وَل18، والحديث لما علموا من تقييده بهم وصبره نفسه معهم، فمن لزم هذا
الذكر فإنه ينتج له معرفة وجه الحق في كل شيء، فلا يرى شيئاً إلا ويرى وجه الحق فيه
فإنهم ما دعوا ربهم بالغداة والعشيّ الذي هو زمان تحصيل الرزق في المرزوقين كما
قال: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بُكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] وهو الصبوح والغبوق عند العرب فكان
رزق هؤلاء بالغداة والعشيّ ما يحصل لهم من معرفة الوجه الذي كان مرادهم لأنه قال:
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ [الكهف: ٢٨] يعني بذلك الدعاء بالغداة والعشي وجه الحق لما علموا أن
﴿ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فطاعوا ما يبقى وآثروه على ما يفنى، فإذا
تجلى لهم وجه الحق في الأشياء ولهذا الذاكر بهذا الذكر لم تعد عيناه عن هذا الوجه
ولا يتمكن أن تعدو عيناه عنه لأنه بذاته يقيد كل ناظر إليه، وإنما جاء بالنهي في هذا
الذكر لأنهم ليسوا عين الوجه بل هم المشاهدون للوجه، فمن كان منهم قد حصل له
تجلي الوجه وبقي معه هذا الذكر فإنما يريد بقاء شهود ذلك الوجه دائماً لما يعرف من

٢٥١
في هيخيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السابع والعشرون وخمسمائة
حال الممكن، وما ينبغي لجلال الله من الأدب معه حيث لا يحكم عليه بشيء، ولا بد
وإن حكم هو بذلك على نفسه، هذا هو الأدب الإلهيّ. ومن لم يبد له بعد ذلك الوجه
المطلوب فيطلب بدعائه ذلك الوجه المراد له، وعلى كل حال فلا تعد عينا
رسول الله وَليل عنهم إلى غيرهم ما داموا حاضرين، ومن هنا قال رسول الله وَّل في صفة
أولياء الله: ((هُمُ الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ الله)) لما حصل لهم من نور هذا الوجه الذي هو مراد
لهؤلاء، فإن الذي يتجلى له هذا الوجه لا بد أن يكون فيه أثر معلوم له ولا بد فمنه جليّ
بحيث أن يراه الغير منه، ومنه خفي بحيث أن لا يراه منه إلا أهل الكشف أو لا يراه أحد
وهو الأخفى، إلا أنه له في نفسه جلي لأنه صاحب الشهود، وحكم غير الأنبياء في مثل
هذه الأمور خلاف حكم الأنبياء فإن الأنبياء وإن شاهدوا هؤلاء في حال شهودهم للوجه
الذي أرادوه من الله تعالى بدعائهم وأنهم من حيث إنهم أرسلوا لمصالح العباد لا يتقيدون
بهم على الإطلاق، وإنما يتقيدون بالمصالح التي بعثوا بسببها، فوقتاً يعتبون مع كونهم في
مصلحة مثل هذه الآية ومثل آية الأعمى الذي نزل فيه: ﴿عَسَ وَتَوٌَّ﴾ [عبس: ١]، فإن
رسول الله ◌َّ ما أعرض عن الأعمى الذي عتبه فيه الحق إلا حرصاً وطمعاً في إسلام
من يسلم لإسلامه خلق كثير، ومن يؤيد الله به الدين، ومع هذا وقع عليه العتب من
٥) فَأَنْتَ لَمُ تَصَدَّى﴾
حقيقة أخرى لا من هذه الجهة فمن ذلك قوله: ﴿أَمَّا مَنْ أَسْتَغْنَى
[عبس: ٥و٦] فذكر الصفة ولم يذكر الشخص، والغنى صفة إلهية فما حادت عين
رسول الله وَله إلا إلى صفة إلهية لتحققه وَلو بالفقر، فأراد الحق أن ينبهه على الإحاطة
الإلهية، فلا تقيده صفة عن صفة فليس شهوده وَلّ لغنى الحق في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
اُلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] بأولى من شهوده وَّ لطلب الحق في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَ
وَالْإِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وأين مقام الغنى من هذا الطلب؟ وقوله: ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهُ
قَرْضًّا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠] فغار عليه سبحانه أن تقيده صفة عن صفة بل كان يظهر لأولئك
من البشاشة عل قدر ما يليق بهم، ويظهر للأعمى من الفرح به على قدر ما تقع به
المصلحة في حق أولئك الجبابرة، فإن التواضع والبشاشة محبوبة بالذات من كل أحد
فإنها من مكارم الأخلاق، وما زال الله يؤدّب نبيه بَلّ حتى تحقق بالأدب الإلهي فقال:
((أَذَّبَنِي الله فَأَحْسَنَ أَدَبِي))، فإن الله له نسبة إلى الأغنياء كما له نسبة إلى الفقراء، فالعارف
ينبغي له أن لا يفوته من الحق شيء في كل شيء فما أحسن تعليم الله عباده، فنحن إذا
فتح الله أعين بصائرنا وأفهامنا علمنا أن تعليم الله نبيه وَل# الآداب مع المراتب أنا أيضاً
مرادون بذلك التعليم، وننظره في النبيّ ◌َّ كالمثل السائر: «إياك أعني فاسمعي
يا جارة»، وإن كان هو ◌َّ المقصود الله بالأدب فنحن أيضاً المقصودون لله بالتأسي به
والاقتداء ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فكل خطاب خاطب به
نبيه * مؤدّباً له فلنا في ذلك الخطاب اشتراك لا بد من ذلك، فانظر يا وليّ في هذا
الذكر ماذا نتج من الخير الكثير، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٢٥٢
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن والعشرون وخمسمائة
الباب الثامن والعشرون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَجَزَُّؤُاْ سَفِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَاْ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُؤُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]
[نظم: البسيط]
عُزْفِيَّةٌ والتي التشريعُ بَيَّنَهَا
إن القَبِيحَ لأقْسامٌ مُقَسَّمَةٌ
عن الجزاء لأن السُّوءَ عَيَّنَها
فمن عفا عن مُسيءٍ نفسُه أَنِفَتْ
الله بالصفة العلياء زَيَّنَها
فلا تكن بمَحَلٌ للقبيح لأن
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ اَلْمُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وإن كان له جميع الأسماء التي
يفتقر كل فقير إلى مسماها، ولا فقر إلا إلى الله فإنه يقول: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى
اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] ومع هذا فلا يطلق عليه من الأسماء إلا ما يعطى الحسن عرفاً وشرعاً،
ولذلك نعت أسماءه بالحسنى وقال لنا ادعوه بها ثم قال وصية لنا: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُِّدُونَ فِّ
أَسْمَتْبِهِ،﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي يميلون في أسمائه إلى ما ليس بحسن، وإن كان في المعنى من
أسمائه لكن منع أن يطلق عليه لما ناط به عرفاً أو شرعاً بأنه ليس بحسن وهنا قال: ﴿سَيِّئَةٌ
مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فالسيئة الأولى سيئة شرعية صاحبها مأثوم عند الله، والسيئة الثانية
الجزائية ليست بسيئة شرعاً وإنما هي سيئة من حيث إنها تسوء المجازى بها كالقصاص فيما
لك أن تعفو عنه بهذا الشرط، فلما رأى أهل الله أنه تعالى أطلق على ذلك اسم سيئة وقال
مثلها، ومن اتصف بشيء من ذلك فيقال فيه إنه مسيء على حد ما سمى تلك سيئة سواء
فأنف أهل الله أن يكونوا محلاً للسوء فاختاروا العفو على الجزاء بالمثل نفاسة وتقديس نفس
عن اسم لم يطلقه الله على نفسه كما أطلق الحسن ونبه على الزهد والترك للأخذ عليها بقوله :
﴿وَجَزَّوُاْ سَبِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ ولم يقل وجزاء المسيء فإن المسيء هو الذي يجازى بما أساء لا السيئة،
فإن السيئة قد ذهب عينها وهي لا تقبل الجزاء ولو كانت موجودة، فإنها لو قبلت الجزاء لزال
عينها، مثال ذلك أن الجرح الحاصل في الذي تعدي عليه فجرح إذا اقتص من الذي جرحه
مثل ما تعدى عليه صار الآخر المجازى مجروحاً وما برىء الأوّل من جرحه، فلو قبلت
السيئة جزاء لزال عينها منه ولا يزول، فلم يبقَ الجزاء إلا عين المكلف، فإن كانت السيئة فعل
المكلف لا مفعوله فقد ذهب عين الفعل بذهاب زمانه فلا يقبل الجزاء لأنه قد انعدم فلم يبقَ
إلا المحل المسيء، فأنزل المسيء منزلة السيئة وسمي بها وأضيف الجزاء إلى السيئة،
فللمسيء حكم السيئة ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] هذا
من أقوم القيل، وإن كان القيل الإلهي كله قويما ولكن فيه قويم وأقوم بالنسبة إلينا لأنا قد
قدمنا ما من شيء يكون فيه كثرة أمثال إلا ولا بد فيه من التفاضل حتماً لأنه لا شيء فوق
أسماء الله الحسنى، ومع هذا تتفاضل بالإحاطة وعدم الإحاطة، وينزل اسم إلهيّ عن اسم
إلهيّ، ويعلو اسم إلهيّ على اسم إلهيّ، فالجزاء بالأمثال أبداً، وما خرج عن الوزن والمقدار

٢٥٣
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب التاسع والعشرون وخمسمائة
بالرجحان لا بالنقص فذلك خارج عن الجزاء، ولهذا يرجع الحق عليه بعدما كان له بخلافه
في الخير والحسن، فإن الرجحان فيه فضيلة يثنى عليه بها، وما أحسن قول رسول الله وَالم
في صاحب التسعة فاسمع الوليّ وقد حكم له بالقصاص: ((أَمَا إنّهُ إنْ قَتَلَهُ كَانَ مِثْلَهُ» يعني قوله
﴿وَجَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَيِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فسمي قاتلاً بلا شك فتركه وعفا وهذا من السياسة، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل .
الباب التاسع والعشرون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]
[نظم: البسيط]
إنّ الوِفَاقَ لَمِنْ طِيبِ الأصول لِمَا
فمن أبَى فلخُبْثٍ في طبيعته
له بما في غيوب الطبْعِ من عَجَب
كمن دعاه رسول الله حين دَعَا
وجاءه غيره بشَطْرٍ ما كسبتْ
ولو أكون لما قلنا بقولهما
وبَادَرَ الأمْرَ لم ينظر إلى أحد
أَتَى به الله مما شاءه وَشَرَعْ
يَذْريه من يفتح الأبواب حين فَرَغْ
من صُنْعِهِ في الذي أبداه حين صَنَعْ
فجاءه بالذي قد كان قَبْلَ جُمَغْ
يداه والكل فيما في يديه طَمِغْ
وقلت عبد دعاه ربُّه فسَمِغ
ولا لمن ضَرَّ في تأخيره ونَفَعْ
اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أن هذا الذكر كان لنا من الله عز وجل لما دعانا الله
تعالى إليه فأجبناه إلى ما دعانا إليه مدّة، ثم حصلت عندنا فترة وهي الفترة المعلومة في
الطريق عند أهل الله التي لا بد منها لكل داخل في الطريق، ثم إذا حصلت الفترة إما أن يعقبها
رجوع إلى الحال الأوّل من العبادة والاجتهاد وهم أهل العناية الإلهية الذين اعتنى الله عز وجل
بهم، وإما أن تصحبه الفترة فلا يفلح أبداً، فلما أدركتنا الفترة وتحكمت فينا رأينا الحق في
الواقعة فتلى علينا هذه الآيات: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّىَ إِذَا
أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ﴾ [الأعراف: ٥٧] الآية ثم قال: ﴿ وَالْبَلَدُ اُلَّيِّبُ
يَخْرُجُ نَبَاتُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] فعلمت أني المراد بهذه الآية وقلت: ينبه بما تلاه علينا
على التوفيق الأوّل الذي هدانا الله به على يد عيسى وموسى ومحمد سلام الله على جميعهم،
فإن رجوعنا إلى هذا الطريق كان بمبشرة على يد عيسى وموسى ومحمد عليهم السلام بين
يدي رحمته وهي العناية بنا ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧] وهو ترادف التوفيق
﴿سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧] وهو أنا ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] وهو ما ظهر
علينا من أنوار القبول والعمل الصالح والتعشق به، ثم مثل فقال: ﴿كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] يشير بذلك إلى خبر ورد عن النبي وَّ في البعث أعني حشر
الأجسام: مِنْ أَنَّ الله ((يَجْعَلُ السَّمَاءَ تُمْطِرُ مِثْلَ مَنِيٌّ الرِّجَالِ)) الحديث، ثم قال: ﴿ وَاَلْبَلَدُ الَِّبُ
يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِهِ﴾ وليس سوى الموافقة والسمع والطاعة لطهارة المحل، والذي خبث

٢٥٤
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب التاسع والعشرون وخمسمائة
وهو الذي غلبت عليه نفسه والطبع وهو معتنى به في نفس الأمر لا يخرج إلا نكداً مثل قوله :
((إِنَّ لله عِبَاداً يُقَادُونَ إِلَى الجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ)) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا﴾
[الرعد: ١٥] فقلنا طوعاً يا إلهنا.
واعلم أن الله تعالى لما خلق هذه النشأة الإنسانية لعبادته وأنشأها ابتداء في ضعف
وافتقار فكانت عبادتها ذاتية، وما زالت على ذلك إلى أن رزقها الله القوّة وأظهر لها الأسباب
الموجبة للقوّة إذا استعملتها واحتجب الحق من ورائها فلم تشاهد إلا هي وغابت عن الحق
تعالى فلم تشهده فناداها سبحانه من خلف تلك الأسباب بما كلفها به من الأعمال، وسمى
تلك الأعمال عبادة لتتنبه بذلك على أصلها فإنها لا تنكر عبوديتها لأن العبودة لها ذاتية ذوقاً،
وبقي لمن مع معاينتها الأسباب التي تجد عندها دفع ضروراتها فهي تقبل عليها طبعاً وترى
الذي دعاها إليه غيباً، فتعلم أن ثم ظاهراً وباطناً وغيباً وشهادة وتنظر في نفسها فتجدها مركبة
من غيب وشهادة، وأن الداعي منها إلى الحاجة غيب منها، فإن تقوّت عليها مناسبة الغيب
على الشهادة كانت البلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، فسارعت إلى إجابة الداعي وهي
من النفوس الذين ﴿يُسَرِعُونَ فِ الْخَيَرَتِ وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] لأنها رأت الأسباب
مختلفة، وأي سبب حضر منها أغناها عن سبب آخر فعلمت أنها مفتقرة بالذات إلى أمر
ما غير معين فتعتمد عليه وهي قد شاهدت الأسباب وعلمت قيام بعضها عن بعض وتستغني
ببعضها عن بعض، ويغيب في وقت فلا يقدر عليه ويحضر في وقت، فخطر لها ما خطر
لإبراهيم الخليل عليه السلام إني ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ورأت أيضاً أنها تخلق
بعض أسبابها الموجبة استعمالها لدفع ضروراتها بما تتكلفه من الأعمال الموجبة لوجود ذلك
السبب الذي تركن إليه فأنفت أن يتعبدها من له في وجوده افتقاراً إليها فأشبهها، فأرادت
الاستناد إلى غنى لا افتقار له لعزة نفسها وشموخ أنفها وما جعل الله في طبعها من طلب العلوّ
في الأرض والشفوف على الجنس فقالت: أجيب هذا الداعي الغائب حتى أرى ما هو فلعله
عين ما أطلبه، فامتثلت أمر ما دعاها إليه وعملت عليه فأشرقت أرضها بنور ربها فكانت البلد
الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، ونفس أخرى على النقيض منها رجحت الشهادة على
الغيب وأعمتها الحاجة عن اختلاف الأسباب وقيام كل سبب عن الآخر وقالت: لعل هذا
الغيب الذي دعاني إليه يكون مثل الشهادة كثيرين يغني الواحد منهم عن الآخر فأبقى على
حالتي ولا أتعب ذاتي في مظنون فتثبطت عن إجابة الداعي، ثم إن الله بحكمته في وقت قطع
عنها الأسباب كلها واضطرها، فلما لم تجد سبباً تستند إليه ظاهراً جنحت إلى ذلك الغيب
الذي دعاها لعل بيده فرجاً يخرجها من الضيق الذي تجده فأجابته مضطرة وهو البلد الذي
خبث فلا يخرج نباته إلا نكداً قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ فنبه على موضع انقطاع
الأسباب ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ يعني الأسباب ﴿إِلََّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] فكان هو السبب الذي
ينجي، فلما نجاه الله وأغاثه واستقل قال: هذا أيضاً من جملة الأسباب التي يقوم بعضها عن
بعض فيما نريده فجعله واحداً من الأسباب وهو المشرك فما خرج إلا نكداً، ولهذا سارع في

٢٥٥
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الموفي ثلاثين وخمسمائة
الرجعة إلى السبب الظاهر فتميز الفريقان، وإنما كان فريقان في العالم بهذه المثابة لما حكم به
الأصل، فإن الأصل فيه جبر واختيار، فبالاختيار لم يزل يسقط من الخمسين صلاة عشراً
عشراً حتى انتهى إلى خمسة، وبعدم الاختيار أثبتها خمسة وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [قَ: ٢٩]
وكان المجبر له ما أعطاه المعلوم فلم يتعدَّ علمه فيه، والذين يلجؤون فيه إلى الله في حال
الاضطرار الكلي استنادهم من حيث لا يعلمون إلى هذا الأصل في الحكم، والفريق الآخر
استناده إلى حكم الاختيار في أنه تعالى ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] فأهل الضرورة في
الرجعة أحق، وأهل الاختيار في الرجعة أوفق وأسعد، فالذي خرج نكداً له من الأحوال
الإلهية قوله تعالى: ما تردّدت في شيء أنا فاعله تردّدي في قبض نسمة المؤمن يكره الموت
وأكره مساءته ولا بد له من لقائي، يقول: لا بد أن أميته على كره مني وهو المعلوم الذي
جعلني في هذا لأني علمت منه وقوع هذا، فلولا حصول العلم عنده من الممكنات كما هي
في أنفسها عليه ما صح تردّد ولا فعل ما فعله أو بعض ما فعله على كره، فانظر فيما أعطاه
هذا الذكر من العلم القريب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الموفي ثلاثين وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]
[نظم: البسيط]
سترت نفسي عن مِثْلي وأشكالي
الجَهْلُ بِالله عَيْنُ الجَهْل بي ولذا
على الذي قال لا تُخْطِرْهُ بالبَالِ
وقد علمتُ بأن الله يَنْظُرُني
لِمَ فعلتم فقلنا له الحكمُ للحال
فما الجوابُ إذا قال الجليلُ لنا
هلَّ حَفِظْتَ وجودي حِفْظَ أمثالي
وأنت تدريه ربّ القيل والقال
الحال موهبة وأنت وَاهِبُها
فلا تَلُمْني ولُمْ من أنت تعرفُه
اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الجهل بالله إنما كان من جهلك بك، فإن الله ما جعل
دليلاً على العلم به إلا علمك بك فجعل الآية في نفسك، وقال النبي ◌َّ المترجم عنه: (مَنْ
عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وما أحسن ما قال تعالى: يستخفون من الناس فإنهم مجبولون على
النسيان، ولا يستخفون من الله الذي لا يضل ولا ينسى، وكان الأولى لو صح عكس القضية،
إلا أنه لا يصح أن يستخفي شيء عن الله، والسبب الموجب للاستخفاء عن الناس ما علموا
منهم من الحب في ظهور التحكم فيهم بقدر الحال والاستطاعة، وبما فيهم من حب الثناء
الحسن وطلب المحمدة، فإذا اطعلوا على هذا الذي أشرنا إليه من العمل سقطت حرمة العامل
من قلب الذي يراه وقام عليه لسان الذم منه، وسبب ذلك الجنسية ومع كونه يعلم أن الله يحيط
به علماً، لكن يرى هذا العامل أن الأسماء الإلهية تتحاور فيه في حال هذا العمل ولا سيما

٢٥٦
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والثلاثون وخمسمائة
الاسم الحليم والصبور، ويعلم أن الاختفاء منه محال فلا بد من إتيان ما أتى به، فإن كان
مؤمناً أتاه على كره فأشبه قبض الحق بالموت نسمة المؤمن على كره فيجد في مثل هذا اتساعاً
يجول فيه، حتى أنه ربما قال: فلي سوية الحق في ذلك، ولا يقول مثل هذا إلا غير أديب،
ألا تراه يقول تعالى في تمام هذه الآية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] ينبه أن
هذا العمل الذي هو فيه قد أحطت علماً به من نفسي من حيث كرهت أشياء لا بد من أني
أوجدها وأحببت أشياء، وإنما قال ذلك لإقامة عذر عبده المؤمن فإنه ما يكره فعل
ما يستخقي منه ويستخفي بسببه إلا المؤمن بأن هذا لا يجوز عمله شرعاً، فالإحاطة من الله
بالأشياء مثل الذوق فينا، وهو أن نعلم الأشياء منك أي أنك قد اتصفت بها ذوقاً، وكثير بين
من يكون ذلك المعلوم حاله وبين من لا يكون فإنه ما هو منه على علم صحيح، وقوله من
أنه مما لا يرضى من القول وهو الجهر بالسوء من القول فإن الله لا يحب الجهر بالسوء من
القول فإن الحكم بكونه سوءاً ما علم لا من القول، إذ لولا القول ما وصل علمه إلينا،
فالقول بالسوء بطريق التعريف أنه سوء قول خير يحب الجهر به لأنه تعليم حتى لا يجهر به
عند الاستعمال إذا قضى الله على المكلف استعمال هذا فما في الكون حكم ظاهر في عمل إلا
وله مستند إلهي يستند إليه، وذلك المستند إليه إن كان خيراً زاد له في الأعطية أضعافاً
مضاعفة، وإن كان شراً شفع فيه ذلك المستند وأقام عذره عند الله، فلهذا كان مآل العباد
المكلفين إلى الرحمة التي وسعت كل شيء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الأحد والثلاثون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَمَا تَكُنُ فِ شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ
تُفِيضُونَ فِيءٍ﴾ [يونس: ٦١]
[نظم: البسيط]
وشأنُ ما هو فيه الحَقُّ من شاني
العبدُ في الشَّانِ والرحمُنُ في الشان
في شأنه فأجازي الشأن بالشانِ
فينبغي لي أن أَفْنَى مَدَى عُمُرِي
لعلمنا أنه عَيْني وإِنْسَاني
لولاه ما نَظَرَتْ عيني إلى أحد
وما نسيتُ بل النسيانُ أنساني
إني لأنْسَى وجودي عند رؤيته
هذا هجير لزمته سنين كثيرة حتى ما كنت أسمى إلا به مما كنت مستهتراً به متحداً،
ورأينا له بركات لا أحصيها وهو الذي اطلعت منه على المراقبة، فكنت رقيباً على نفسي نيابة
عن الله حين أمرها أن تكون على وصف خاص معلوم في الشرع المطهر المنزل على لسان
المعصوم وَلّره، ورقيباً على آثار ربي فيما يورده على قلبي وفي جميع حركاتي وسكناتي،
ورقيباً أيضاً على ربي بموازنة حده المشروع في عباده، فكنت أقيم الوزن بين أمره ونهيه وبين
إرادته لأرى مواقع الخلاف ممن خالف والوفاق ممن وافق، وما جعلني في ذلك إلا ما شيب

٢٥٧
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والثلاثون وخمسمائة
رسول الله وَلَّ وما هو عندي إلا قوله: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] فإذا وافق الأمر
الإرادة كانت الاستقامة كما أمر وحصل الوفاق، وإذا لم يوافق الأمر الإرادة وقع ما حكمت به
الإرادة ولم يكن للأمر حكم في المأمور، وعلمنا عند ذلك ما هو الأمر الإلهي الذي
لا يعصى ومن هو المخاطب، وما هو الأمر الإلهي الذي يعصى في وقت فلم نجده إلا الأمر
بالواسطة، وهو على الحقيقة أمر لفظي صوري، فهو صيغة أمر لا حقيقة أمر، وأن المأمور
بالأمر الإلهي الذي لا يعصى إنما هو المخاطب عين الممكن الذي توجه من الحق عليه
الإيجاد بأن يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ولا بد، فهذا هو الأمر الذي لا يعصيه
المخاطب أصلاً، وإنما الإنسان المكلف هو محل ظهور هذا المكوّن، كما أن المكوّن محل
التكوين فيقول للشهادة كن فتكون الشهادة وما لها محل إلا لسان الشاهد وهو القائل فنسب
الشهادة إلى من ظهرت فيه ليس له فيها تكوين، وإنما التكوين فيها لله في هذا المحل
الخاص، وهكذا جميع أفعال المكلفين، وكون ذلك الفعل طاعة أو معصية ليس عينه وإنما
هو حكم الله فيه، فكنت أشاهد تكوين الأشياء في ذاتي وفي ذات غيري أعياناً قائمة ذاكرة لله
مسبحة بحمده مع كونها ينطلق عليها اسم معصية وطاعة، فطلبت من الله مسمى المعصية هل
له عين وجودية أو لا عين له؟ وهل بينه وبين مسمى الطاعة فرقان أم الحكم سواء؟ فإن الله
لا يأمر بالفحشاء وما يتكوّن شيء إلا عن أمره فهل للمعصية تكوين أم لا؟ فاطلعنا على أن
مسمى المعصية إنما هو ترك والترك لا شيء ولاعين له فوجدناها مثل مسمى العدم، فإنه اسم
ليس تحته عين وجودية، فإن الشأن محصور في أمر لا يفعل أو نهي لا يمتثل وغير ذلك
ما هو ثم. فإذا قيل لي: أقم الصلاة فلم أفعل فعصيت وخالفت أمر الله فما تحت قولي لم
أفعل وخالفت إلا أمر عدمي لا وجود له، وكذلك في النهي إذا قيل لي لا تفعل كذا مثل قوله
تعالى: ﴿وَلَ يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] فلم أمتثل نهيه، ومدلول لم أمتثل عدم
لا عين له في الوجود لأنه نفي فاغتبت، ومعنى فاغتبت أي ظهر في محلي عين موجودة
أوجدها الحق بالأمر التكوينيّ وهو القول الموجود في لساني على طريق خاص يسمى الغيبة،
فامتثل ذلك المقول في لساني أمر سيده وموجده بالإيجاد، وما أضيف إليّ منه إلا كوني لم
أمتثل نهيه، فانتفى عن محلي الامتثال، فما أخذت في الوجهين إلا بأمر عدمي وهو ترك الأمر
والنهي، ولابد لي في كل نفس أن أكون في شأن وذلك الشأن ليس لي، فإن الشأن الظاهر في
وجودي إنما هو الله وهو قوله: ﴿كُلَّ يَوْرٍ هُوَ فِي شَأْذٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] وفينا تظهر تلك الشؤون
وأعياننا أيضاً من تلك الشؤون، والله شهيد على ما يخلق منا وفينا، وقوله: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾
[يونس: ٦١] هو ما جعل فينا من الإرادة الاختيارية في عين الجبر فإنا محل لما يخلق فينا،
فالمكلف مجبور في اختياره، ثم خلق فينا المعنى الذي أوجب حكمه علينا أن نكون به
مفيضين في ذلك الشيء المعبر عنه بالشأن، وما عرفنا بهذا الشهود منه إلا لنعلم صورة الأمر
حتى نكون من أمرنا على بينة من ربنا، فإن ما أمر نبيه وَلو إلا بطلب الزيادة من العلم، فإن
العلم بالأمور سبب الحياة المزيلة لموت الجهالة والحياة نعيم، فالعالم والناصح نفسه من
الفتوحات المكية ج٧ - م١٧

٢٥٨
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثاني والثلاثون وخمسمائة
لا ينسى الله في شؤونه ويكون مراقباً له تعالى عند شهوده فيرى ما يصدر عنه فيه وفي غيره
في السماء والأرض والملأ الأعلى والأسفل، ثم يرى أنه جميع ما رأى من شؤونه بهوية
الحق لا بصفة الحق، فرأى هويته تعالى عين صفته فما رآه إلا به، هذا أعطته هذه المراقبة،
وهذا هو حكم الدهر الذي نهينا عن سبه فإن الله هو الدهر ليس غيره: [مجزوء الخفيف]
ودَعِ الدَّهْرَ يَخْكُمُ
خُذْ من الدَّهْرِ ما صَفَا
الَعليُّ المُقَدَّمُ
إنّما الدهرُ ربُّنا
مُفْصِحْ لا يُعْجِمُ
حاكم بالذي يَرَى
ـيء يكون المُكلَّمُ
كلَّما قال كُنْ لشـ
أنا بالأمر أعلَمُ
فتَأْذَّبْ ولا تَقُلْ
راجعٌ فلتسلموا
فإلى الله أمرنا
وهو للأمر أخكَمُ
فهو بالأمر أعلمُ
فقد بان لك الأمر بارتفاع الحجب وعرفت الحجب ومسمى الوفاق والخلاف، وعلمت
من رأى وبمن رأيت ومن أنت وما هو طريق الوجود، فإنه سبحانه لا يقال فيه أن له ماهية وإن
سئل عنه بما فالجواب بصفة التنزيه أو صفة الفعل لا غير ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل .
الباب الثاني والثلاثون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا قَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]
[نظم: البسيط]
شَمْسٌ وآثارها فالحُكْمُ للشَّمْسِ
أو أشْرَقَتْ لا بعين الحِسِّ والنّفْسِ
وعَصْرُنا لانضمام العقل والحِسُ
وذلكم لارتفاع الشكّ واللَّبْسِ
لكي يُفَرَّقَ بين العلم والحَذْسِ
ذهابَ من أعدم الأشياء بالحِسَّ
كأنها خرجتْ من ظُلْمَةِ الرَّمْسِ
وعاد مطلعُها للعرش والكُزسي
مُؤَيَّدٍ بين حَصْرِ الجَهْرِ والهَمْسِ
وليس يحفظُ أكواني سوى الخَمْسِ
إن الصّلاة لها وَقْتٌ تُعَيْنُهُ
فانظر إليها بعين القلب إن شَرَقَتْ
فظُهْرُنا لزوال الشمس في فَلَكِ
ومغربٌ لغروب الحقّ عن نظري
إن الأُفُولَ دليلٌ يُسْتَدَلُّ به
ثم العشاءُ إذا ما حمرةٌ ذهبتْ
وعندما انفجرتْ أنوارُها وبَدَتْ
وعاد مغربُها شرقاً بها فزَهَتْ
ناجَيْتُهُ في شهود لا انقطاعَ له
وهذه خمسةٌ فى العَدّ حافظة
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وليست سوى هذه
الخمس الموقتة المعينة المكتوبة، وكما أن الخمسة تحفظ نفسها وغيرها الذي هو العشرون

٢٥٩
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثاني والثلاثون وخمسمائة
وهو ثاني عقد العشر من العشرة والعشرة أول العقود، وأقل ما يكون العقد بين اثنين، فكذلك
الصلاة قسمها الحق نصفين: نصفاً له ونصفاً لعبده وجعلها بين تحريم وتحليل، فإذا شرع فيها
العبد لم يصرف ذاته إلى غيرها من الأعمال بخلاف غيرها من الأعمال المشروعة فحفظت
نفسها حتى تسمى صلاة، فإن في الصلاة شغلاً وحفظت غيرها وهو المصلي ليبقى عليه اسم
المصلي وحكمه، فلهذا شرعها الله خمسة فعين الوقت، فإن قال قائل بالوتر أنه زائد على
الخمسة فتكون ستاً قلنا فما زاد إلا من يحفظ نفسها وهي الستة وهي أول عدد كامل فما زاد
إلا بما يناسب في الحفظ، فلذا قال السائل: «هل علي غيرها يعني الخمس؟ قال: ((لاَ إِلاَّ أَنْ
تَطْوَّعَ)) وجمع له في الصلاة بين الجهر والسر أعني في القراءة، وجمع له أيضاً بين القول
والفعل والحال والهيئات في الحركات من قيام وركوع وسجود وجلوس، وأثنى على من أتى
بهن لم يضيع من حقهن شيئاً بالدوام عليها والخشوع فيها، وأعطاها الليل والنهار حتى يعمّ
الزمان بركتها، وقد بينا من أسرارها ما شاء الله في باب الصلاة من هذا الكتاب، وكذلك بينا
أيضاً من شأنها في كتاب التنزلات الموصلية لنا .
ثم إن الله شرع طهارة لها مائية وترابية فإن النشأ الإنساني لم يكن إلا من تراب كآدم
وماء كبني آدم فقال: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠] ومن ماء ومن طين وهو خلط الماء
بالتراب. فجعل الطهارة للصلاة بما منه خلقنا، فطهارتنا منا من ماء وهو الوضوء وتراب وهو
التيمم، فنحن نور على نور بحمد الله، وما كتب الله هذه الصلاة إلا على المؤمنين، وليس
المؤمن سوى المصدق بأحدية الكثرة الإلهية لما هي عليه من الأسماء الحسنى والأحكام
المختلفة من حيث إن كل اسم إلهي يدل على الذات وعلى معنى ما هو المعنى الآخر الذي
يدل عليه الاسم الآخر فله أحدية العين فهو مؤمن أيضاً بأحدية العين، كما هو مؤمن بأحدية
الكثرة، فمن لم يكن له هذا الإيمان وإلا فليس هو المؤمن الذي كتب الله عليه هذه الصلاة،
وإنما كتبها على المؤمن دون العالم لعموم الإيمان، فإن المؤمن هو عين المقلد لأنه المصدق
بالخبر لما تعطيه حقيقة الخبر من الاحتمال فأبقى الخبر على أصله، فالعالم من علمه بالأمور
على ما هي عليه أن لا يزيل الخبر عن احتماله بالنظر إلى ذات الخبر، فهو عالم بصدق هذا
الخبر المعين لأن الخبر وإن اقتضت ذاته الاحتمال فإنه لا بد أن يكون في نفسه موصوفاً بأحد
الاحتمالين: إما صدق وإما كذب، ولا يعرف ما هو عليه من هذين الوصفين إلا بدليل، فهذا
هو حظ العالم فقد صدق به العالم أنه صدق لا كذب أعني هذا الخبر المعين، وقلده في هذا
التصديق المؤمن، فالمؤمن العالم قام له دليل العلم على أن المخبر صادق، وأن هذا الخبر
المعين صدق فهو مؤمن بلا شك، وأعطى العالم نفسه الأمان أن ينقلب العلم جهلاً، وصدق
المقلد العالم فيما أخبره به من صدق هذا الخبر فاشترك الكل في نعت الإيمان. فلو كتبها الله
على العلماء دون المؤمنين لما وجبت على المقلدين، والعلماء لهم صفة الإيمان فكتب على
الوصف العام، ولولا الحق تعالى ما نزل إلى عباده ما وصفهم تعالى بالعلم به ولا بالإيمان
فهم أحق بالعلم به من علمه به، فإن علم الخلق به علم اضطرار وافتقار ذاتي لما تعطيه ذات

٢٦٠
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث والثلاثون وخمسمائة
الممكن من الاستناد إلى المرجح، فبنزوله إلينا عرفناه فهو يظهر بنا، ولا يتمكن لنا أن نظهر
به، فيجمع سبحانه بين نعت السادات والعباد، ولا يتمكن للعباد أن يكونوا أرباباً في أنفسهم
وإن ظهروا بنعوت سيدهم، وإنما كلامنا في نفس الأمر لا فيما يجدونه في أوقات، فما هو له
تعالى فمعلوم من القسمة، وما هو للعبد فمعلوم، وما وقع فيه الاشتراك فما هو الله فهو الله في
عين الاشتراك، وما هو للعبد فهو للعبد في عين الاشتراك فهو في نفس الأمر معين، وإن وقع
الاشتراك فليس إلا في الألفاظ الدالة على الاشتراك، وأما في نفس الأمر فلا اشتراك بوجه من
الوجوه فإن كل واحد على نصيبه المعين له، وإن لم يكن الأمر كذلك اختلطت الحقائق، وإن
كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَا هِمْ﴾
[الانشقاق: ٢٥] وقليل ما هم، وقليل أيضاً ما هم، فكل مصل أدى صلاته لوقتها ولم يطلع ولا
أنتج له معرفة بسرّ القدر الذي قد أومأنا إليه في هذا الكتاب في مواضع كثيرة مختلفة بطرائق
عجيبة، فما صلّى الصلاة لوقتها وذلك أن الله ما شرع هذه العبادات لإقامة نشأة صورتها
الظاهرة بل لما تدل عليه وتعطيه من جانب الحق من المعرفة به، وإن لم تكن الصورة قد نفخ
القائل فيها روحاً تحيى به، ولا ينفخ فيها روحاً إلا بإذن ربه كما قال: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اُلِطِينِ
كَهَيْئَةِ الَّيْرِ﴾ فقد شارك كل مصوّر وما تعلق به ذم كما تعلق بالمصوّرين فإنه ما صوّره عليه
السلام، إلا بإذن الله، ثم قال: ﴿فَتَنْفُغُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠] فزال من هيئة
الطائر وعاد طائراً، فكذلك عمل العبد إذا عمله بالإيمان من حيث إن الحق أمره بذلك
العمل، فقد أذن له في إنشاء تلك الصورة فقد شارك المنافق كما شارك المصوّرين من خلق
من الطين كهيئة الطير، فإن المنافق ما أذن الله له أن ينشىء صورة العمل على ذلك الحد، وما
أمر الله بإنشاء صور الأعمال إلا للمؤمنين، فلما وقع الاشتراك في ظاهر الصورة بين المؤمن
والمنافق نفخ المؤمن بإيمانه فيها روحاً فعادت حياة لا تشاهد سوى منشئها وهو هذا المؤمن
فيجدها يوم القيامة حياة تشفع له وتأخذ بيده، والمنافق يجدها ميتة فيقال له أحيها فلا يستطيع
وهي حية في نفس الأمر ولكن بإحياء الحق، وقد أخذ الله ببصر هذا المنافق عن إدراك
حياتها، كما أخذ الله بأبصارنا عن إدراك حياة المسمى جماداً ونباتاً مع علمنا أنه حي في نفس
الأمر إيماناً فإنه مسبح بحمد الله ولا يسبح إلا حي ناطق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والثلاثون وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿وَ إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]
[نظم: الكامل]
هذا هو الحَقُّ الذي لا يُجْحَدُ
إنّ الدُّعَاءَ حجابُ من لا يشهدُ
وهو الذي في كل حال يُشْهَدُ
وهو القريبُ بعِلْمِه وبعَيْنه
من قبل ذا أعطاك هذا المشهد
لكنه لمّا دعاك دَعَوْتَهُ