Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد عشر وخمسمائة
قسم إلى الحق الصرف، وقسم إلى الطبيعة الصرف، وظهر بينهما برزخ ظهر فيه عالم ما هو
ولا واحد من هذين القسمين، فرأى ما يستحقه الحق فأعطاه حقه ولو لم يعطه فهو له، ورأى
ما تستحقه الطبيعة فأعطاها حقها ولو لم يعطها فهو لها، فإن الطبيعة ليست بمجعولة بل هي
لذاتها في العقل لا في العين كما هو الحق لذاته في العقل والعين، فإن اجتمع الحق والطبيعة
في العقل فقد افترق الحق من العقل وتميز في العين فإن الحق له الوجود العينيّ والعقليّ.
والطبيعة لها الوجود العقليّ ما لها وجود عيني، وذلك ليكون الحكم في الخلق بين الوجود
والعدم، فيقبل العدم من حيث الطبيعة ويقبل الوجود من جانب الحق، فلهذا يتصف كل
ما سوى الله بقبول العدم والوجود، فكان الحكم فيه للعدم كما كان فيه الحكم للوجود، ولو
لم يكن الأمر على ما ذكرناه لاستحال على المخلوق قبول العدم في وجوده أو قبول الوجود
في عدمه، فهكذا ينبغي أن تعرف الحقائق ولا سبيل إليها إلاَّ بعدم الصرف عن الآيات، وانظر
إلى ما حرم الله من تكبر في الأرض بغير الحق وهذا من العلم الذي أنتجه هذا الذكر لصاحبه
وأمثاله ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] فللطبيعة القبول وللحق الوهب
والتأثير فهي الأمّ العالية الكبرى للعالم الذي لا يرى العالم إلا آثارها لا عينها، كما أنه
لا يرى أيضاً من الحق إلا آثاره لا عينه، فإن الأبصار لا تدركه والرؤية ليست إلا بها فهو
المجهول الذي لا يعلم سواه، وهو المعلوم الذي لا يمكن لأحد الجهل به وإن لم يعمل
ما هو : [مخلع البسيط]
لاح لنا في الوجود خَلْق
فبين حَقِّ وبين طَبْعِ
والطّبْعُ طَبْعٌ والحقُّ حَقْ
ليس بحَقّ ولا بطَبْعٌ
فكل خَلْقِ تراه وَفْقْ
والخَلْقُ كالوَفْقِ إِن نَظَرْناً
الباب الأحد عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿ وَأَنَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾
[البقرة: ٢٨٢ ]
[نظم: المتقارب]
كما قال من أمْره فَارِقَا
ومن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ له
ونور الهدى هادياً سائقا
فيعلمُ منه ضلال الهُدَى
ويظهرُ في شرقه غارباً
ويَطْلَعُ في غربه شَارِقًا
على كل شَخْص به فائقا
ويُضبح في كل علم له
فكان لفَتْق الهُدَى راتقاً
لنَقْسِمَهُ بين أبنائه
ونُبْصرَهُ في مناجاتِه
فينشئها مثله نشأةً
وكان لرَتْق الهُدَى فَاتِقَا
فيَزْقَوا به جبلاً حَالِقًا
إذا قام فيها به ناطقا
يكون بها في الوَرَى خالقا

٢٢٢
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد عشر وخمسمائة
فيعلمه خالقاً رازقا
ويَخْزُن في أرضها قُوتَهَا
اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أن المتقي بمجرّد تقواه قد حصل في الفرقان إذ لو لم
يفرق ما اتقى : [البسيط]
والأَمْرُ ما بين محبوبٍ ومَكْرُوهِ
فالأمْرُ ما بين مَحْمُودٍ ومَذْمُوم
يَكُنْ وقايَتَكُم في كُل مَأْلُوهِ
فكُنْ وقايَتَهُ في كل مكروهِ
وكُنْ به بين تنزيه وتَشْبيهِ
واجْعَلْهُ في كل محبوب وقايتكم
مُشَبِهُ الحقّ لا يدري وأَذْرِيهِ
مُنَزَّهُ الحَقِّ لا يدري بذاك ولا
به فهذا الذي قد قُلْتُهُ فِيهِ
فمن يُنَزْهُهُ عنه يُشَبْهُهُ
وذلك أن الإنسان لا يخلو أن يجعل معبوده مثلاً أو ضداً أو خلافاً وعلى كل وجه، فقد
فرق بين الله وبين العالم، فهذا الفرقان الذي تعطيه التقوى لا بد أن يكون فرقاناً خاصاً، وليس
سوى الفرقان الذي يكون في عين القرآن فإن القرآن يتضمن الفرقان بذاته، وإنما نسب الجعل
إلى هذا الفرقان لأن التقوى أنتجه، فإما أن يكون جعله ظهوره لمن اتقاه مع كونه لم يزل
موجود العين قبل ظهوره، أو يكون جعله خلقه فيه بعد أن لم يكن، وما هو إلاَّ الظهور دون
الخلق فإنه أعقبه بقوله: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] أي يستر والستر ضد الظهور، فلا
يخلو العبد في تقواه ربه أن يجعل نفسه وقاية له عن كل مذموم ينسب إليه، أو يجعل ربه وقاية
له عن كل شدة لا يطيق حملها إلا به وهو لا حول ولا قوّة إلا بالله وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فيلتقي به شدائد الأمور التي هي محبوبة لله مكروهة طبعاً، كما تجعل
نفسك وقاية له تنفي بها عنه كل مذموم شرعاً محمود محبوب طبعاً فينتج لك كونه وقاية لك
علم كل شدة، فتتجلى لك أسماؤها الإلهية كلها بتفاصليها وأنواعها وهذا من الفرقان، وينتج
لك كونه وقاية له كل مذموم ومكروه فتتجلى لك أسماؤه الإلهية كلها بتفاصيلها وأنواعها وهذا
من الفرقان، فيحمدك الله في الحالتين فإن الله لا يعطي العلم إلا من يحب، وقد يعطي الحال
من يحب ومن لا يحب فإن العلم ثابت والحال زائلة، ولولا الفرقان الذي في عين التقوى
ما أنتج التقوى فرقاناً فإن الشيء لا ينتج إلا مثله ولا يكون إلا ذلك، ولهذا كان العالم على
صورة الحق، فمن غلب عليه طبعه كان شبهه بأمه أقوى من شبهه بأبيه، ومن غلب عليه عقله
كان شبهه بأبيه أقوى من شبهه بأمه لأن العالم بين الطبيعة والحق وبين الوجود والعدم، فما هو
وجود خالص ولا عدم خالص، فالعالم كله سحر يخيل إليك أنه حق وليس بحق، ويخيل
إليك أنه خلق وليس بخلق، إذ ليس بخلق من كل وجه وليس بحق من كل وجه، فإنا
لا نشك في المسحور، فيما يراه أن ثم مرئياً ولا بد كما قال: ﴿يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِخِرِهِمْ أَّا تَعَى﴾
[طه: ٦٦] فالسعي مرئي بلا شك، وبقي الشأن فيمن هو الساعي، فإن الحبال على بابها ملقاة
في الأرض والعصي فيعلم قطعاً أن الخلق لو تجرّد عن الحق ما كان، ولو كان عين الحق
ما خلق، ولهذا يقبل الخلق الحكمين، ويقبل الحق أيضاً الحكمين، فقبل صفات الحدوث
شرعاً وقبل صفات القدم شرعاً وعقلاً فهو المنزه المشبه، وقبل الخلق الحكمين وهما أنه

٢٢٣
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثاني عشر وخمسمائة
جمع بين نسبة الأثر له في الحق بما أعطاه من العلم به كما ذكرناه في غير موضع، وبين نسبة
الأثر فيه من الحق وهو أنه أوجده ولم يكن شيئاً، أي لم يكن موجوداً، فالفرقان لم يزل في
نفس الأمر ولكن ما ظهر لكل أحد في كل حال من الأحوال: [البسيط]
في كُلّ حال من الأحوال فرقانُ
أتى بذلك تَشْريعٌ وبُزْهَانُ
وهذا الفرقان الذي أنتجه التقوى لا يكون إلا بتعليم الله ليس للنظر الفكريّ فيه طريق غيره،
فإن أعطاه الله الإصابة في النظر الفكريّ فما هو هذا العلم الخاص فإن الطريق تميز العلوم المشتبهة
بالصورة المختلفة بالذوق وأتوا به متشابهاً فاعلم ذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿كَمَا نَضِحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]
[نظم: الخفيف]
بَدَّلَ الله للعذاب جُلُودَا
كلّما أنْضَجَ اللَّهِيبُ جُلُودا
أوْرَثَ القَوْمَ في الجحيم خُلُودا
أبداً ينتهي القضاءُ إليه
عندما ينقضي السؤالَ شُهُودَا
جُعَل الله منهُمُ وعَلَيْهِمُ
ملكوا الفَوْزَ والنعيم الجَديدا
فإذا أدَّتِ الشهادةَ فيهم
يقول الله تعالى إخباراً عنهم: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنْطَفَنَا اللَّهُ﴾
[فصلت: ٢١] أي بالشهادة عليكم لأنهم شهداء عدول مقبولون القول عند الله، وكانوا في الدنيا
غير راضين بما كانت النفس الناطقة الحيوانية تصرّفهم فيه زمان حكمها وأمارتها عليهم،
وعلى جميع جوارحهم من سمع وبصر ولسان ويد وبطن وفرج ورجل وقلب، وإنما سميت
الجلود بهذا الاسم لما هي عليه من الجلادة لأنها تلتقي بذاتها جميع المكاره من جراحة
وضرب وحرق وحرّ وبرد، وفيها الإحساس وهي مجن النفس الحيوانية لتلقي هذه المشاق،
فما في الإنسان أشد جلادة من جلده ولهذا غشاه الله به فنضجه سبب في عذاب النفس
المكلفة والجلد متنعم في ذلك العذاب الحسوس قال بعض المحبين: [المجتث]
سَلِيمَ طَرْفِ سقِيم
فهل سَمعْتُم بصَبُ
مُنَعَّم بعَذابِ
معذَّبَ بنّعِيم
هذا الهجير هو هجير الخائفين من مكر الله يزجرون به نفوسهم الأمّارة بالسوء عسى
تنزجر ويأبى الخرق إلا اتساعاً، وسبب ذلك ما ذكره الله عن نفسه من اختيار مشيئته بين
المغفرة والعذاب فهو غير قاطع بأحد الأمرين، ثم إنه يرى الأسماء الإلهية تتقابل في حقه، ثم
يرى أسماء الفضل تترجح عدداً وقوّة على أسماء العدل والانتقام، ويرى أن التقابل بين هذه
الأسماء إنما يقع بميدان الرحمة التي وسعت كل شيء، فجرأهم ذلك على ما ارتكبوه من
المخالفات وتعدوه من الحدود وانتهكوه من المحارم، فلو قطعوا بالمؤاخذة على ما صدر
منهم إن ماتوا عن غير توبة كما ذهبت إليه طائفة ما فعلوا ما لا يرضي سيدهم، ثم رأوا أنهم

٢٢٤
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثاني عشر وخمسمائة
في عذاب الحياة الدنيا لا يصبرون تحت حكمه وينفرون منه طبعاً ولا يقبلونه إلا جبراً فيجعله
الخائف لنفسه موعظة وذكرى، فإن كان قوي الإيمان غر متبحر في التأويل خائضاً في بحر
الظاهر لا يصرفه للمعاني الباطنة صارف انتفع بالذكرى وإن لم تقم به هذه النعوت وأمثالها
وتأوّل تردى وأردى من اتبعه وكان من الذين اتبعوا أهواءهم، وكان أمر من هذه صفته فرطاً
فينتج له هذا الذكر من الأحوال العصمة، ومن الأسماء الإلهية الاسم الظاهر والأوّل، ومن
المعارف معرفة الشهود وقبول الحق صور التجلي الظاهرة ويتحقق بالتقوى كل التحقق، فيعلم
العلم المجهول الذي لا يصل إليه كل أحد وهو العلم بسرائر المحسوسات والحواس
والإحساس والمحس، وإنما جهله الأكثرون لما نقوله، وذلك أن النفوس مجبولة على حب
إدراك المغيبات واستخراج الكنوز وحل الرموز وفتح المغاليق والبحث عن خفيات الأمور
ودقائق الحكم، ولا ترفع بالظاهر رأساً فإن ذلك عندها في زعمها أبين من فلق الصبح،
فالنهار عندها لا يخفى على أحد، فصاحب هذا الهجير يبدو له من العلم في هذه الظواهر
ما لا يخطر بخاطر أحد أن ذلك الذي أدركه صاحب الكشف لهذا العلم يحمله ظاهر ذلك
الأمر ولا صورته، فإذا نبه عليه صاحب هذا العلم والكشف عند ذلك يعظم قدره وتظهر
حكمته وكثرة خيره، ويعلم عند ذلك أنه ما كان يحسبه هيناً هو عند الله عظيم، وهذا كله من
الاسم الإلهيّ الظاهر الذي له التقدم في الأمور، والخير كله إنما هو في الأوائل. ألا ترى أن
الخاطر الأوّل هو الإلهيّ الصادق الذي لا يخطىء أبداً، فله العصمة والمضا، وفيه يظهر
القدر والقضا، وكذلك النظرة الأولى والمسموع الأول والحركة الأولى، وهو الذي يعطي
علوم الزجر للزاجر، وهي لا تخطىء أبداً بل الصحة تصحبها، فالأوائل هي الظواهر
السوابق، وكل ما جاء بعد الخاطر الأوّل فهو حديث نفس يجيء على أثره، فللخاطر الأوّل
التمهيد والتوطئة، وهي تعطي العقول التشوق إلى ما وراءها، فالفطن المصيب النحرير لا يزول
عن الأمر الظاهر الأوّل الذي ورد عليه حتى يستوفي جميع حقائقه وما تعطيه صورته ويقف على
خفيات غيوبه، فإذا حصله وقبله علماً حينئذٍ ينتقل إلى ما يرد عليه في أثره الذي هو باطن، فإن
جهل الظاهر كان بالباطن أجهل فإن الدليل عليه، وإن فرط في تحصيل الأوّل كان في تحصيل
الآخر أشد تفريطاً لأن من الحرص على تحصيل العلم بالخاطر الآخر تحصل الأوّل، فأوّل الأمر
خوف والرجاء يتلوه، فإن تقدّمه الرجاء فقد فاته الخوف، فإن الماضي لا يسترجع، فالتقدّم
للخوف وقد وفاته وذهب عنه ومن له برده والرجاء في المحل قد منعه سلطانه، فالمؤمن من
تساوى خوفه ورجاؤه بحيث إنه لا يفضل واحد صاحبه عنده لأنه استعمل كل شيء في محله،
وأوّل نشىء الإنسان ضعف، ولضعفه يتقدمه الخوف على نفسه، ثم تكون له القوّة بعد هذا
الضعف فيأتيه الرجاء بقوّته، فإنه يتقوّى نظره في العلوم والتأويلات، فيعظم رجاؤه في جناب
الحق، ولكن العاقل لا يتعدّى به موطنه، فإذا خطر له من قوّة الرجاء ما يوجب استعمال
الخوف عند العاقل العارف عزل الرجاء عن الانفراد بالحكم وأشرك معه الخوف فذلك المؤمن،
فلا يزال كذلك إلى أن تكمل ذاته الكمال الذي ينتهي إليه أولياء الله في الورث النبويّ في هذا

٢٢٥
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثالث عشر وخمسمائة
الزمان المحمديّ الذي أغلق فيه باب نبوة التشريع ورسالته، وبقي باب حكم الاختصاص
بالعلوم الإلهية والأسرار مفتوحاً يدخل عليه أهل الله، وأوّل داخل عليه أهل هذا الذكر جعلنا الله
ممن استوى خوفه ورجاؤه في الحياة الدنيا إلى حين موته عند الاحتضار فيغلب رجاؤه على
خوفه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿كَهِيعَصَ ﴿﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِنَّ﴾ [مريم: ١و٢]
[نظم: الكامل]
أقول له يا رَبِّ رَبَّ مُحَمَّدٍ
إذا ذكرتني رحمة الرّبّ لم أزل
فأَعْلُو بهذا الذِّكْر في كل مَشْهَدِ
لأن لها التَّأْكِيدَ أن كان رَبَّهُ
على كل حال بين هادٍ ومُهْتَدي
فأرسَلَهُ الرحمن للخَلْقِ رحمةً
قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَزْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وأوحى إليه تعالى أن
الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً وإنما بعثك رحمة، وقال تعالى في عبده خضر: ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ
مِنْ عِندِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] فقدم الرحمة على العلم وهي الرحمة التي في الجبلة ثم قال:
﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَّا عِلْمًا﴾ فأعطاه هذا العلم من أجل قوله لدنا الرحمة المبطونة في المكروه،
وبهذه الرحمة قتل الغلام، وخرق السفينة، وبالرحمة الأولى أقام الجدار، فلا يفرق بين هاتين
الرحمتين إلا صاحب هذا الذكر، فإن الرحمة هي التي تذكره ما هو يذكرها، فتعطيه بذكره
حقيقة ما فيها لأنها تطلب منه التعشق بها فإنه لا ظهور لها إلا به فهي حريصة على مثل هذا.
واعلم أن هذا الذكر تعريف إلهيّ بوجوب حكم الرحمة فيمن تذكره من عباده سبحانه
وتعالى، وجاء زكريا لا لخصوص الذكر وإنما ساقته عناية العبد فإنها ما ذكرته إلا لكونه عبداً
له تعالى في جميع أحواله، فأيّ شخص أقامه الله في هذا المقام فبرحمته به أقامه لتذكره رحمة
ربه عنده تعالى، فحال عبوديته هو عين رحمته الربانية التي ذكرته فأعلمت ربها أنها عند هذا
العبد، فأيّ شيء صدر من هذا الشخص فهو مقبول عند الله تعالى، ومن هذا المقام يحصل له
من الله ما يختص به مما لا يكون لغيره وهو الأمر الذي يمتاز به ويخصه، فإنه لا بدّ لكل
مقرّب عند الله من أمر يختص به. وقد أشار الشرع في التعريف بهذا فقال: إنه ما من أحد من
المؤمنين إلا ولا بد أن يناجي ربه وحده ليس بينه وبينه ترجمان فيضع كنفه عليه وهو عموم
رحمته به، فذلك محل تحصيل ما يختص به كانت القيامة لهذا العبد حيث كانت لأنه من عباد
الله من تعجل له قيامته فيرى ما يؤول إليه أمره في الدار الآخرة وهي البشرى التي للمؤمن في
الحياة الدنيا، وقد رأيناها ذوقاً، وكان لنا فيها مواقف منها في ليلة واحدة مائة موقف بأخذ
ورجوع لو قسمت تلك الليلة على قدر الوقوف ما وسعته وذلك بمدينة فاس سنة ثلاث
وتسعين وخمسمائة أشاهد في كل موقف من اتساع الرحمة ما لا يمكنني النطق به، وكان
ذلك لاتساع ذكر الرحمة فكيف بذكر الرحمن إذا حصل للعبد ولا يحصل إلاَّ للعبد الجاني،
الفتوحات المکیة ج٧ - ١٥٣

٢٢٦
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الرابع عشر وخمسمائة
وأما غير الجاني فهو عين رحمة الله في خلقه به يرحم الله الخلق كافرهم ومؤمنهم ومشركهم
وموحدهم، وبه يرزق عباده في الدنيا، وبه يقع النصر وينزل المطر وتخصب الأرض وتكثر
الرسل ويعظم الخير، وهو المعصوم بالشهود في عين الجنايات، فيظهر عليها بحكم القضاء
والقدر الحاكم في الطرفين خلق وحق إن فهمت فلا يظهر فيك ولا منك إلا عينك، ولا
يحكم بعلمه فيك إلا ما أعطيته من العلم بك، وهنا زلت الأقدام، ونكصت على أعقابها
الأفهام، وتحكم على الأحلام سلطان الأوهام، وللأوهام الحكم الغالب التام والدوام، والله
ما يوجد إلا عند ظن العبد به فليظن به خيراً، والظن من بعض وزعة الوهم وهو الذي يعطي
العذاب المعجل والنعيم المعجل، فظن خيراً تلقه، وبعض الظن إثم، فوالله لولا الظن
ما عصى الله مخلوق أبداً، ولا بد من العصيان وهو حكم الله في الفعل أو الترك، فلا بد من
الظن، فمن رحمة الله بخلقه أن خلق الظن فيهم وجعله من بعض وزعة الوهم، ولا يتمكن
تحصيل العلم لأحد في أمر أصلاً من حيث ما يحكم به على المشهود لا من حيث الشهود
فإنك لا تقدر على زوال ما شهدت، وهكذا جميع تعلق باقي القوى، ولكن بقي الحكم على
ما تعطيه هل يحصل به العلم أو الظن؟ فعند صاحب هذا المقام لا يحصل إلا بالظن خاصة،
وأما غيره فيجعل ذلك علماً لعدم ذوقه لهذه الحال، ففرق بين ما تعطيه القوة وبين ما يحكم
به على ذلك المعطي بها هل يحكم بالظن أو بالعلم؟ فالأمر في نفسه شبهة في عين الدليل،
وإن لم يكن الأمر هكذا لم يتميز رب من عبد ولا حق من خلق، إن فهمت فهذا بعض
ما ينتجه لك هذا الذكر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى الَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]
[نظم: المتقارب]
فإنّ إِلهَ الوَرَى حَسْبُهُ
ومَنْ يَتَوَكَّلْ على رَبِّهِ
يراه به دائماً رَبُّهُ
وإن كان في كل أخواله
على ما يُرَادُ به قَلْبُهُ
فذاك الوليُّ الذي لم يَزَلْ
اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن هذا الذكر يعطي صاحبه أنه هو إذ لا يكتفي إلا به لأن
النبي ◌َ ◌َّ يقول: (لَيْسَ وَرَاءَ الله مَرْمَى)) فما كان من حجاب فما هو إلا بينك وبينه ما هو وراءه
فإنه الأوّل وأنت الآخر وهو قبلتك فلا يكون له منك إلا المواجهة، ثم أرسل بينك وبينه
حجب الأسباب والنسب والعادات وجعلها صوراً له من حيث لا تشعر فمن قال هي هو
صدق، ومن قال ما هي هو فللاختلاف الذي يراه فيها فيصدق فإنه يحجبه عن العلم به
اختلاف الصور، فكما يقطع أن هذه الصورة ليست هذه الصورة أي هذا السبب ما هو هذا
السبب يقطع أنها ما هي هو، وذهل عن حقيقة الحجاب أو كونها، وإن اختلفت فهي واحدة
في السببية أو الحجابية كذلك هي عينه وإن اختلفت وإن لم يكن الأمر هكذا وإلا فلا تصح

٢٢٧
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الخامس عشر وخمسمائة
المواجهة، ألا ترى الأعمى إذا واجهته وكافحته لا يقدح عماه وكونه لا يراك وأنت تراه عن
حكم المواجهة بينكما مع كون الأعمى يرى الظلمة بلا شك وأنت عنده في عين تلك الظلمة
التي يراها فيدركك ظلمة لأنه يواجهك فيقول: رأيت فلاناً اليوم مواجهة ويصدق مع كونه
أعمى، فما وراء الله مرمى وما وراءك له مرمى، لأن الصورة الإلهية بك كملت وفيك شهدت
فهو حسبك كما أنت حسبه، ولهذا كنت آخر موجود وأوّل مقصود، ولولا ما كنت معدوماً
ما كنت مقصوداً فصح حدوثك، ولولا ما كان علمك به معدوماً ما صح أن تريد العلم به،
فهذا من أعجب ما في الوجود أن يكون من أعطاك العلم بنفسه لا يعلم نفسه إلا بك، لأن
الممكنات أعطت العلم بأنفسها الحق، ولا يعلم شيء منها نفسه إلا بالحق، فلهذا كان
حسبك لأنه الغاية التي إليها تنتهي وأنت حسبه لأنه ما ثم بعده إلا أنت ومنك علمك وما هي
إلا المحال وهو عين العدم المحض الذي التبست بظله كما التبست بضوء الوجود النور
فقابلت الطرفين بذاتك، فإن نسب إليك العدم لم تستحل عليك هذه النسبة لظلمته عليك،
وإن نسب إليك الوجود لم يستحل لضوئه فيك الذي به ظهرت لك، فلا يقال فيك موجود فإن
ظل العدم الذي فيك يمنع من هذا الإطلاق أن تستحقه استحقاق من لا يقبل العدم، ولا يقال
فيك معدوم لأن ضوء الوجود الذي فيك يمنع من هذا الإطلاق أن تستحقه استحقاق من
لا يقبل الوجود، فأعطيت اسم الممكن والجائز لحقيقة معقولة تسمى الإمكان والجواز،
وحصل اسم الموجود للواجب بالذات لحقيقة تسمى الوجود وهي عين الموجود، كما أن
الإمكان عين الممكن من حيث ما هو ممكن لا من حيث هو ممكن ما وحصل اسم المعدوم
للمحال وهو الذي لا يقبل الوجود لذاته لحقيقة تسمى العدم المطلق وهو الإحالة، فأنت
جامع الطرفين ومظهر الصورتين وحامل الحكمين، لولاك أثر المحال في الواجب وأثر
الواجب في المحال، فأنت السد الذي لا ينخرم ولا ينقصم، فلو كان للعدم لسان لقال إنك
على صورته، فإنه لا يرى منك إلا ظله كما كان للوجود كلام فقال إنك على صورته، فإنه
رأى فيك صورته فعلمك بك لنوره وجهلك العدم المطلق لظله، فأنت المعلوم المجهول
وصورة الحق سواء فتعلم من حيث رتبتك لا من حيث صورتك، إذ لو علمت من حيث
صورتك لعلم الحق والحق لا يعلم، فأنت من حيث صورتك لا تعلم فالعلم بك إجمال
لا تفصيل، فقد عرفتك ما يعطيك هذا الذكر من العلم بالله إن عقلت، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل، والهادي من يشاء إلى صراط مستقيم.
الباب الخامس عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]
[نظم: الكامل]
فاسْكُنْ إذا ما يَبْتَليكَ بِحُكْمِهِ
الافْتِتَانُ هو البلاءُ بِعَيْنِهِ
منه فأنت مُعَيَّنّ في عِلْمِهِ
واسْتَغْفِرِ الرَّبَّ الكريمَ بِسَجْدةٍ

٢٢٨
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الخامس عشر وخمسمائة
يُؤْتَّى الذي فهم الذي من فَهْمِهِ
واخذَزْ من الفِكْرِ الدقيقِ فإنما
فاخذَرْ من العقل الذي في زَعْمِهِ
عَبْدُ الدَّليلِ بِكَيْفِهِ وبِكْمُهِ
فلذاك قلتُ بكَيْفهِ وبِكَمْهِ
الشأنُ فوق عقولنا وعُيُّوننا
إنّ العلوم لديه وهو مقيَّدٌ
إنّ الشريعة قَسَّمَتْهُ بِكَيْلها
لما كان داود عليه السلام في دلالة اسمه عليه أشبه بني آدم بآدم في دلالة اسمه عليه
صرّح الله بخلافته في القرآن في الأرض كما صرح بخلافة آدم في الأرض، فإن حروف آدم
غير متصلة بعضها ببعض، وحروف داود كذلك، إلا أن آدم فرق بينه وبين داود بحرف الميم
الذي يقبل الاتصال القبلي والبعدي فأتى الله به آخراً حتى لا يتصل به حرف سواه، وجعل
قلبه واحداً من الحروف الستة التي لا تقبل الاتصال البعدي، فأخذ داود من آدم ثلثي مرتبته
في الأسماء، وأخذ محمد ◌َّ ثلثيه أيضاً وهو الميم والدال، غير أن محمداً متصل كله،
والحرف الذي لا يقبل الاتصال البعدي جعل آخراً حتى يتصل به ولا يتصل هو بشيء بعده
وهو قوله وَّ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَا خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله))
فيتصل به ولا يتصل هو بأحد، فناسب محمد آدم عليهما الصلاة والسلام من وجهين: الأول
مناسبة النقيض بالاتصال بآدم وآدم له الانفصال كداود، والميم من آدم كالدال من محمد،
فجاءتا آخراً لذلك أعني في آخر الاسم منهما، والثاني مناسبة النظير التي بين آدم ومحمد في
كون الحق ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] وأعطى محمداً بَّر جوامع الكلم وعمت
رسالته كما عم التناسل من آدم في ذريته، فالناس بنو آدم والناس أمة محمد وَ ل من تقدم منهم
ومن تأخر لأنه قال رَّ: ((آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَخْتَ لِوَائِي)) فنظر آدم إلى داود دون ولده لما ذكره
فاستقل عمره فأعطاه من عمره ستين سنة وهو عمر محمد رّيّ فلما وصل من عمره إلى الميم
من اسمه رأى صورة محمد وّلّ في الميم فرجع عن داود لأنه قد فارق رؤية الألف والدال
فرجع في عطيته التي أعطاها داود من عمره فدخل تحت لواء محمد وَله. فأما تصريح الحق
بالخلافتين على التعيين في حقهما فقوله تعالى في خلافة آدم عليه السلام: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِی
الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] يريد آدم وبنيه وأمر الملائكة بالسجود له. وقال تعالى في داود عليه
السلام ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ﴾ ثم قال فيه ما لم يقل في آدم: ﴿ وَلَا تَنَّعِ اَلْهَوَى﴾
[ص: ٢٦] وسبب ذلك لما لم يجعل في حروف اسمه حرفاً من حروف الاتصال جملة واحدة،
فما في اسمه حرف يتصل بحرف آخر من حروف اسمه، فعلم أن أمره فيه تشتيت لما كان
لكل إنسان من اسمه نصيب، فكان نصيبه من اسمه ما فيه من التشتيت فأوصاه تعالى أن
لا يتبع الهوى لانفراد كل حرف من اسمه بنفسه، ثم إن له إلى الفردية وجوهاً في حركاته فهي
ثلاثة وحروفه خمسة فهو فرد من جميع الوجوه، فلولا أنه قابل لما وقعت فيه الوصية من الله
ما وصاه، ولما علم ذلك داود بما أعلمه الله بطريق التنبيه في نهيه إياه أن لا يتبع الهوى ولم
يقل هواك أي لا تتبع هوى أحد يشير عليك واحكم بما أوحيت به إليك من الحق فإن الهوى
ما له حكم إلا بالاتصال، وحروف اسم داود لا تقتضي الاتصال فعصمه الله من وجه خاص،

٢٢٩
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس عشر وخمسمائة
فلما وصاه الحق تعالى استغفر ربه أي طلب الستر من الله الحائل بينه وبين الهوى المضل
ليتصل به فيتصف به فيؤثر في الحكم الذي أرسل به رجع إلى الله في ذلك وسقط إلى الأرض
اختياراً قبل أن تسقطه الأهواء وتؤثر فيه تأثيرها في الجدران القائمة، فكان ركوعه رجوعاً إلى
أصله من نفسه فهو عين الستر الذي طلبه في استغفاره، فلما جاء الهوى لم يجد شيئاً منتصباً
قائماً يرده عن مجراه فيؤثر فيه فراح عنه ولم يصبه وعصمه الله وستره، وليس الابتلاء مما
يحط درجة العبد عند الله، بل ما يبتلي الله إلا الأمثل فالأمثل من عباده، ﴿فَيُضِلُ﴾ بالتأويل
في ذلك ﴿مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٤] ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ
وَتَهْدِى مَن تَشَةٍ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فنفس الأنبياء نفس
واحد، فمن عباد الله من سترهم الله عن الذنوب فلم تدركهم ولم ترهم، ومن عباد الله من
يسترهم الله عن المؤاخذة عن الذنب وكل له مقام معلوم [المتقارب].
بِحُكْم الهَوَى ضَلَّ عن نَفْسِه
فلو أن داودَ في حُكْمِهِ
قد اخَتَارَهُ الله من قُدْسِه
ولكنّه سَيّدٌ مُنَجَّبْ
تبرز فيه على جنسِه
له الضَّوْءُ من ذاته ظاهرٌ
بها بل رجوعاً إلى أُسّه
فما خَرَّ عن زَلَّةٍ قد أتى
وفي وُدّه الداء من شَمْسه
فداودُ في ذاتـه وُدّه
وأشْبَه يوسُفَ في حَبْسِه
فأَشْبَهَ يعقوبَ في حُزْنه
واعلم أنه لولا الابتلاء لقال من شاء ما شاء، فأصل الابتلاء وسببه الدعوى، ومن
الابتلاء ما يكون في غاية الخفاء مثل قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] ومنه
ما يكون في غاية الجلاء مثل قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ﴾ [محمد: ٣١]
ونبلو أخباركم ولا يعرف مثل هذا إلا من يعرف الجلي والخفي ولماذا يرجع؟ وهل ثم خفي
لنفسه أو هو خفي بالنسبة فإنا نعلم أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض وهو المعلوم، وكل
ما في الطبيعة من الأسرار فإن صورها أرض الأرواح ولا في السماء وهو المعلوم، وكل
ما في الأرواح التي بين الطبيعة والعما وهي التي تشرق هذه الأرض بأنوارها فاعلم ذلك،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيرَتُهُ وَأَمْوَلُ أَقْتَفْتُمُوهَا وَنَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
حَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمَّيِ﴾ [التوبة: ٢٤] ففروا إلى الله
[نظم: البسيط]
ليس الإلهُ الذي بالكَشْفِ تُدْرِكُهُ هو الإِلْهُ الذي بالفِكْرِ تَذْرِيهِ

٢٣٠
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السادس عشر وخمسمائة
الكَوْنِ فِكْرِكَ لا تَعْدُوهُ رُتْبَتُهُ
الحكم بالفكر في الأشياء مختلفٌ
يراه في كَشْفِه في كل مُعْتَقَدٍ
جَلَّ الإِلهُ فلا عقلٌ يحيطُ به
جل الإلهُ فلا كَشْف يحيطُ به
وهو الذي في جميع الكون تدركُه
إذا تَدَلَّى لعبد جاء يقصده
من كلّ خَيْرٍ ومن علمٍ ومعرفةٍ
وقد يكون ولكن فيه ما فِيهِ
والحكمُ بالكشف لا تُذْرَى مَبَانِيهِ
وليس يُنْكِرُ مَعْنَى من مَعَانِيهِ
وليس يُذْرَى سواه فانْظُروا فيه
وليس شيء من الأكوان يَخوِيهِ
وليس يُذْرَكُ إلا من تَجَلِّيهِ
أعطاه ما ليس يُذْرَى في تَدَلِيهِ
فمَنْ يعادلُه أو مَنْ يُدَانِيهِ
اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الخير في هذا المنظوم يريد به الحكمة وهو الخير
الكثير والعلم ما يدركه من التركيب، والمعرفة ما يدركه في المفردات، هذه آية جاءت إلينا
يوم جمعة بعد الصلاة في المقابر بإشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة فبقيت فيها سكران
ما لي تلاوة في صلاة ولا يقظة ولا نوم إلا بها ثلاث سنين متوالية أجد لها حلاوة ولذة
لا يقدر قدرها، وهي من الأذكار المفرقة بين الله وبين الخلق تفريق تمييز، فهو تفريق في
جمع وفرقان في قرآن، فيجمع بهذا الذكر بين القرآن والفرقان، فكل من له عليك ولادة من
أي نوع وفي أي صورة كان من ظاهر وباطن واسم إلهي وكياني فهو أبوك، وكل من لك عليه
ولادة من أي نوع كان وفي أي صورة كان من ظاهر وباطن واسم إلهي وكياني فهو ابنك، فقد
يكون ابنك في هذا الذكر عين أبيك فيكون له عليك ولادة ولك عليه ولادة، وهو المقام الذي
أشار إليه الحلاج بقوله: [مجزوء الرمل]
إن ذا من عُجُــوبـاتي
وَلَدَتْ أُمّي أباها
وكل ما قابلك من الأمثال وداخلك من الأشباه ومازجك أو قارب من الأنداد وكان
عديلاً لك في الوراثة بحيث لو وزنتما في العلم الموروث من الكتاب ما رجح عليك وزناً
ولا رجحت عليه فهو أخوك ولكن من الاسم الظاهر، فأبوكما واحد ظاهراً لا غير، وليس
للاسم الباطن هنا حكم، فإن الباطن يمنع أن تكونا أخوين لأب واحد وأم واحدة، فإن
المزاج الواحد لا يجمع اثنين في الكون، والتجلي لا يكون عنه اثنان فإن الأمر أوسع من
ذلك، فكل واحد له واحد من أم وأب فالطبيعة لا تلد توأمين، والوالد لا يلقي في كل
نكاح ماءين، كما لا يكون في العالم الواحد في زمن واحد شأنان، وكل من ثناك وجوده،
وانفعل لك فيما تريده، وكنت فيه خلاقاً، وإليه إذا غاب عنك مشتاقاً، وجمعتكما الرحمة
الواحدة والمودة الثابتة، وسكنت إليه وسكن إليك، وأعطاك من نفسه التحكم فيه، وظهر
فيه اقتدارك فهو زوجك تحبه طبعاً وتتحد به ويكون ملكاً لك شرعاً، وكل ما تعتضد به في
أمورك من الأسماء الإلهية والتجلي والكون من أرواح قدسية وعقول ندسية، تؤيدك في
الشدائد، وتأتيك بالتحف والزوائد، فهو عشيرتك وكل من تميل إليه فيميل إليك لميلك،

٢٣١
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السادس عشر وخمسمائة
ويحضره ديوان نيلك، ويقف عند فعلك فيه وقولك، ويتحكم فيه سلطان طولك، وتصل
في اقتنائه نهارك بليلك، فذلك هو مالك الذي اقترفته من الأموال الظاهرة والباطنة والمعنوية
والمحسوسة من ثابت كالعقار، ومن غير ثابت كالعروض والدرهم والدينار، وكل منقول
لا يقرّ به قرار، فالثابت كالمقام وغير الثابت كالحال، وكله مال لأنه مال وإليه المآل، بعد
الرحلة عنه والانفصال، ولكن إذا آل إليه أمرك رأيته في غير الصورة التي عليها فارقته، وكل
أمر تطلب الخروج عنه ليكون ذلك الخروج سبباً لتحصيل ما يكون عندك أنفس منه فتطلب
به النفاق في الأسواق، ويقوم لك فيه الجمع بين التلاق والفراق، والنكاح والطلاق، ظاهراً
وباطناً فذلك التجارة التي تخشى كسادها، وتخاف فسادها، فاستبطنت مهادها، واستوطأت
قتادها، وأعددت لها إعدادها، وحصلت لها إن كنت تأجر سفر زادها، لتنجيك من عذاب
أليم، وتوفيك الربح والحق الجسيم، وكل من اتخذته محلاً، وكنت به محلى، وجعلته
حرماً لك وحلاً، فذلك مسكنك الذي ترضاه، ومنزلك الذي تقصده وتتوخاه، فقال لك
الحق فيما أنزله إليك، ووفد به رسوله الأمين عليك، إذا لم تر وجه الحق في كل
ما ذكرته، وتعشقت به لعينه، وتعرف أنه من عنده ما هو عينه، وآثرته مع هذا الحجاب
على ما دعاك الحق إليه من الزهد فيه، إذا فقدت فيه وجه الحق، فتعلم أن الله ما أراد منك
إلا أن تعرفه فيما أمرك بالزهد فيه والرغبة عنه وأحببته حب عين وصورة كون وكان أحب
إليك من الله الجامع للرغبة فيه والرغبة عنه فإنه المعطي المانع، والضار النافع، وأحب
إليك من رسوله الوافد عليك المعرف بما هو حجاب عن المقصود، وستر بين العابد
والمعبود، مع علمك بما أعلمك أنه ما خلقك إلا لتعبده، وتؤثره على ما تراه فيه
وتقصده، وأحب إليك من جهادك في سبيل الله الذي يجمع لك بين الحياتين فلا تعرف
للموت طعماً، ولا للحصر حكماً، فتربصوا كلمة تهديد ووعيد، حتى يأتي الله بأمره،
فتعرف عند ذلك خيره من شره، وحلوه من مرّه، وتذوق شهده من صبره، ثم نصح في
الإنزال على لسان الإرسال بالفرار إلى الله من هذه الحجب والتدبر لما جاءت به من عند الله
الصحف والكتب مع إرخاء الطنب لتخلو بالمقصورات في الخيام، وتفتض أبكاراً لم
يطمثهن إنس قبلك ولا جان، فتحصل من المعارف في تلك العوارف، ما لا يصفه
واصف، ولا يتمكن أن يقف عنده واقف، لورود ما هو أعلى وأنفس من كل محل أقدس،
وإن كان الفكر والتجلي في عدم الإحاطة بالمدرك بهما سيان، وهما من هذا الوجه مثلان
فبينهما فرقان بين لا خفاء به إن صاحب الفكر يحكم عليه في محصوله الدخل، وتتمكن
منه الشبه، وتزلزله عما كان بالأمس يعتمد عليه، ويركن إليه، والتجلي للعارف ليس كذلك
بل هو في نعيم متجدد، وفي شهود لخلق جديد ما هو منه في لبس، وهو الجامع في
الالتذاذ بين اليوم والأمس، فلا يزال في لذة موجودة لصورة إلهية مشهودة لا يعطيه الفناء
عن جميع لذاته لأنها من لذاته وجدت لوجوده، فاجتمعا في شهوده، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .

٢٣٢
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب السابع عشر وخمسمائة
الباب السابع عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَنْ لَّا مَلْجَاً مِنَ
اَللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨] وهذا ذكر الاضطرار والفرج بعد الشدة
[نظم: المديد]
فشقيٍّ من تَضِيقُ عَلَيْهُ
إنّ أرْضَ الله واسعةٌ
معه إنّ الرجوعَ إليه
سَبَبُ الضّيقِ الخلافُ فِكُنْ
يَقِفِ التحقيقُ بين يَدَيْهْ
مَنْ يَقِفْ ولا يخالفُه
كل ما في علمه ولَدَيْهُ
ثم يُغطيه لتَوْبَته
جاءه المطلوبُ في عَلَمَيْه
فإذا أفْنَى حَقِيقَتَهُ
ليكونَ الحكمُ من حُكْمَيْه
عند جَمْعٍ حين جاء لها
ما لنا منهم سوى وَلَدَيْهْ
كلّ ما في الكون من ولدٍ
لأخ بالكَشْف من أبَوَيْهْ
فأخ بالشّزع فتبته
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] فلو كان واحد ما ضاقت
عليه الأرض لأن الضيق إنما يقع بالشريك، ولهذا لا يغفر الله أن يشرك به فإنه يخرج عنه
ما هو له، ولذلك أغضب المشرك الحق غضباً أورثه ذلك الغضب مكاناً ضيقاً لما في
الغضب من الضيق، فحصل له مع أمثاله من المشركين كونهم مقرّنين في الأصفاد، فليس
اتساع الأرض إلا لمن انفرد بها، فلما انقسمت بين ثلاثة قسمة مشاعة ضاق الفضاء
الرحب، ولولا وجود الفردية في الثلاثة لهلكوا فما نجاهم إلا ما في الثلاثة من الأحدية
الواردة على الاثنين، وأما لو كانوا أربعة أو اثنين، ما نجوا ولا تاب الله عليهم، فإن الله وتر
يحب الوتر، والثلاثة وتر فأبقى عليهم من المحبة ما تاب بها عليهم، وإذا رحم الله الشفع
إنما يرحمه بآحاده فيخلو به واحداً واحداً على انفراده حتى لا ينال رحمته إلا الواحد، فما
يرحم الله عباده شفعاً وإنما يرحمهم إما في الفردية أو في الأحدية غير ذلك لا يكون وبعد
ذلك يفعل ما يريد. وإنما وقع الكلام على الواقع، فما تكثر الأعداد ولا تظهر إلا بآحادها،
فلو زالت الآحاد منها لما كان في العالم شفع ولا عدد، ولهذا لم يتكرر تجل قط على
شخص ولا في شخصين، فلولا ما قال ثلاثة ما صح لهم ذوق الضيق في الاتساع لما في
الثلاثة من الشفعية، ولما صح لهم ذوق الاتساع بالرحمة بالتوبة لما في الثلاثة من الأحدية
التي بها كانت فرداً وهي أوّل الأفراد فلها الأولية فهي أقرب إلى الأحدية فأسرعت الرحمة
إليهم، فلو كانوا خمسة لكانوا أبعد من الأحدية وأكثر ضيقاً لتضاعف الشفعية، وهكذا الأمر
طلعت الأفراد ما طلعت وهو الذي ينفي كثرة المدة في النار في العذاب لأهلها حتى يقطعوا
كل شفع يكون في فرديتهم انتهوا إلى ما انتهوا إليه، فغاية إقامتهم في العذاب ثمانية

٢٣٣
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب السابع عشر وخمسمائة
وتسعون دهراً، ثم يتولاهم الاسم الرحمن بعد ذلك وهم نازلون في الشقاء من ثمانية
وتسعين إلى اثنين بعدد كل شفع بينها، وفي كل فردية رحمة تكون لمن له حظ فيها في هذه
الدار فيفتر عنه بقدر ذلك، وأما أهل الشفع فلا يفتر عنهم العذاب وهم فيه مبلسون إلى
الغاية التي ذكر الله من شفعية وهي الثمانية والتسعون. فالوتر الذي يكون بعد الشفع هو
الذي يأخذ بثأر الوتر الذي قبله إذ شفعه من ظهر بين الوترين كالثالث بين الاثنين والرابع
فيأخذ بثأر الواحد الذي شفعته الاثنان وكالخامس بين الأربعة، والستة يأخذ بثأر الثالث
الذي شفعته الأربعة لينتقم له، فإن الوتر في اللسان الذي جاءت به هذه الشريعة المحمدية
هو طلب الثأر، وهكذا حكم كل فرد حتى تنتهي إلى تسعة وتسعين، فإذا وقف الأمر هناك
وانحصر في الاسم الرحمن تولاه الله بالاسم الأعظم لأن به تمام المائة، فعمّ درجات الجنة
ودركات النار، ولم يتوله الاسم الأعظم المتممّ إلا من الاسم الرحمن فهو حاجب
الحجاب، فليس له منازع بين يدي الاسم الأعظم فيؤول الأمر إلى شمول الرحمة في
الدارين لساكنيهما وما قال من المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُنَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]
إلا من كان في مقام الفردية منهم، فإذا قالها صاحب الشفعية فإنما ذلك لحصره بين الواحد
الذي شفعه بوجود معبوده، والواحد الذي يفرد هذا الشفع في استقباله، فمن أي وجهة رد
إليها وجهه هذا الشفع ولم ير إلا واحداً فنظر إلى نفسه فلم ير إلا أحديته فقال عند ذلك:
﴿مَا تَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فصدرت هذه الكلمة من كل مشرك شفعاً
كان أو وتراً للشريك الذي نصبه. وأما من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ [المائدة: ١٧] أو
قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَاءٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] فليس في الظاهر بمشرك وإنما دخل
عليه الشرك بالاسم ولذلك قال الله لنبيه عليه السلام: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] فإنهم إذا
سموهم عرفوا بالاسم من هو المسمى فقال هؤلاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ [المائدة: ١٧]
وليس المسيح من أسمائه إذ كان له هذا الاسم قبل أن يدعى فيه أنه الله فأشركوا من حيث
الاسم وأشرك فرعون من حيث خالف عقده قوله فبهذا كانوا مشركين، ثم ينتج له هذا
الذكر أمراً عجيباً على الأوج مخبوءاً في الدرج مرقوماً في طيّ الدرج إذ سماهم الله
مخلفين، فإن كل مفارق أهله فالله خليفته في ذلك الأهل سواء استخلفه أم لم يستخلفه،
فكل من يقوم في أهله بعده فإنما ذلك نائب الله لا نائبه، فهؤلاء الثلاثة الذين خلفوا
ما خلفهم الاسم الظاهر فإن الشرع دعاهم إلى الخروج ولكن الله ثبطهم، فمنهم من كره الله
انبعاثه فثبطهم، ومنهم من ثبطه لا عن كره فقاموا في أهليهم مقام حق فجعلهم الله خلفاً في
أهليهم عنه من الاسم الباطن على كره منهم، فكان من أمرهم ما كان فتاب الله عليهم
فتفاضلت توبتهم فكان منهم الكاذب في عذره فقبله منهم الكرم الإلهي، وكان منهم الصادق
وهو في الدار الدنيا فأذاقه الله مرارة الصدق هنا ليعلم منهم يتبع الرسول ممن ينقلب على
عقبيه، فإن الدنيا دار بلاء، ورحم الله الجميع ورجع عليهم بالرحمة، ولكن على التفاضل
فيها وما فعل ذلك وأخبرنا به إلا لنكون بتلك الصفة الإلهية مع عباده في معاملتهم إيانا،

٢٣٤
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الثامن عشر وخمسمائة
فمن صدقنا رأينا له منزلة صدقه، ومن كذب لنا لم نفضحه وتغاضينا عن كذبه وأظهرنا له
قبول قوله لأن قوله وجود فقبلناه ومدلوله عدم فلم نجد من يقبل فبقينا على البراءة الأصلية
فإن المعدوم ليس بمنازع، فمن كان هذا ذكره ولم يكن له هذا الخلق فما ذكره هذا الذكر
قط، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثامن عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿حَتَّى إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]
[نظم: السريع]
جزاؤه الجَهْلُ بمن أصْعَقَهْ
جَزاءُ من أصْعِقَ في حَالِهِ
ما اسْتَفْهَمَ الكَوْنَ الذي حَقَّقَهُ
لو أنه يَثْبُتُ في حالهِ
وهو الذي من قَيْدِهِ أطْلَقَهْ
وهو الذي قَيَّدَهُ وَخْيُهُ
منه إلى القلب وما أشْرَقَةْ
ما أنْوَرَ السِّرَّ الذي قد أتى
لا زائدٌ يَذْريهِ من طَبَّقهْ
وهو على مقداره مُحكَمْ
اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن الملائكة أرواح في أنوار وأنها أولو أجنحة، فإذا تكلم الله
بالوحي على صورة خاصة وتعلقت به أسماعهم كأنه سلسلة على صفوان ضربت الملائكة بأجنحتها
خضعاناً لهذا التشبيه فتصعق حتى إذا فزع الله عن قلوبهم وهو إفاقتهم من صعقهم قالوا: ماذا يقول
بعضهم لبعض؟ فيقول بعضهم : ربكم إعلاماً بأن كلامه عين ذاته، فيقول بعضهم لهذا القائل : الحق
أي الحق يقول وهو العليّ الكبير عن هذا التشبيه ولكن هكذا نسمع: [مجزوء الرمل]
فهو منَّا وهو فينا
فمن السَّمْع أتَيْنَا
أَوحَى به داءً دَفِينا
أوْرَثَ القَلْبَّ بما
بل من الفهم دُهِينا
لم يكن ذلك منه
وكذا كل سميع
من جميع المؤمنينا
نَفْسَهُ كنتَ عَرِينَا
فإذا صَيَّرَ ليها
هكذا جاء يقينا
لم يَسَعْهُ غَيْرُ قلبي
كل صورة تُجلّى
لي بها حيناً فَحِينَا
فأنا أظهرُ فيهـا
عندكم صُبْحاً مُبِينًا
عن جميع العالمينا
وهو الغَنِيّ حَقّاً
لم أرى إلاَّ المَتِينَا
فإذا رأيتُ نَفْسي
في عيون الناظرينـا
لا يُـرَى باسم سواه
ومن علم أن للملائكة قلوباً أو علم القلوب ما هي علم أن الله تعالى ما أسمعهم في
الوحي الذي أصعقهم إلا ما يناسب من الوحي ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَذٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] و﴿ يُقَلِّبُ

٢٣٥
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الثامن عشر وخمسمائة
اَللَّهُ الَيْلَ وَالنَّهَارُ﴾ [النور: ٤٤] فمن فزع الله عن قلبه رأى حقيقة انقلابه في الصور وتحوّله
فيها، فعلم أن العالم كله في كل نفس في تحوّل وانقلاب، فعلم من ذلك أن ذلك للشؤون
التي هو الحق فيها، فهو المحول القلب في الليل والنهار بما يقلبها، وفي السماء بما يوحي
فيها، وفي الأرض بما يقدر فيها، وفيما بينهما بما ينزل فيه وفينا بما نكون عليه وهو معنا
أينما كنا، فنتحوّل لتحوّله ونتقلب لتقلبه، فإن من أسمائه الدهر ونستغني به لغناه، وأما
علمنا بتفاضل بعض الملائكة في العلم بالله على بعض فلما ورد في هذا الذكر من الاستفهام
في قول من قال منهم ماذا وهو قولهم: ﴿وَمَا مِنَّ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] في العلم
بالله، وأما رفع التهمة عنهم فيما بينهم وتصديق بعضهم بعضاً، وانصباغ بعضهم بما عند
بعض مما يكون عليه ذلك البعض من صورة العلم بالله فيفيد بعضهم بعضاً، فمن قوله عنهم
قالوا الحق ابتداء ولم ينازعوا عندما قال لهم المسؤول ربكم ثم أقيموا في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ.
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلم يروه إلا في الهوية وهي ما غاب عنهم من الحق في عين
ما تجلى، وتلك الهوية هي روح صورة ما تجلى فنسبوا إليها أعني إلى الهوية من ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ العلوّ عن التقييد والكبرياء عن الحصر فقالوا بل قال عن نفسه وهو
المعلوم عندنا الذي أعطاه الكشف عند قولهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ﴾ [سبأ: ٢٣] إِلى
هنا انتهى كلام الملائكة. فقال الله وهو العليّ الكبير كما قال لنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾
فقدم ما أخر في خطاب الملائكة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فأخر عندنا ما قدم
في خطاب الملائكة، فنهاية ما خاطب به الملائكة بدايتنا وبداية ما خاطبنا به وعرفنا من
قول الملائكة فيه نهايتنا: [مجزوء الخفيف]
ولهم مِثْلُ مالنا
فلنا مِثْلُ ما لهم
تَجِدُوهُ مُبَيَّنَا
فـانـظُروا فـي كـلامـه
وبه الحقّ أعلنا
فيه قد أسرّنـا
به كُنْتَ مُؤْمِنَا
وإذا ما عَلِمْتَهُ
فإذا لم تَكُنْ عليماً
لم تَزَلْ عالماً بنا
فلما شرك الله بيننا وبين ملائكته في العجز عن معرفته زدنا عليهم بالصورة ولحقناهم في
الظاهر بما يظهر به من الصور في النشأة الآخرة في ظواهرنا، كما نظهر بها اليوم في بواطننا
فنكون على نشأتهم في الآخرة، وليست للملائكة آخرة فإنهم لا يموتون فيبعثون ولكن صعق
وإفاقة، وهو حال لا يزال عليه الممكن في التجلي الإجمالي دنيا وآخرة، والإجمال هناك في
الملائكة عين المتشابه عندنا، ولهذا يسمعون الوحي كأنه سلسلة على صفوان، فعند الإفاقة
يقع التفصيل الذي هو نظير المحكم فينا، فالأمر فينا وفيهم بين آيات متشابهات وآيات
محكمات، فعمّ الابتلاء والفتنة بالإجمال والمتشابه الملأين: الملأ الأعلى والملأ الأنزل،
فمثل هذا العلم ينتجه هذا الذكر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

٢٣٦
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب التاسع عشر وخمسمائة
الباب التاسع عشر وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله:
﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحْمِيكُمْ﴾
[الأنفال: ٢٤ ]
[نظم: البسيط]
فإنه ما دعا إلا ويعطيكا
إذا دعِيتَ أَجِبْ فالله يَدْعُوكا
ما وافقَ الحَقَّ فالرحمُنُ يَتْلُوكا
أنت الغنيّ فجُدْ مما أتاك به
في الاغتِبارِ فإن الفكرَ ناديكا
إن العليم بوَجْهِ الأمر يَأْتِيكا
فإنّه كل ما في كونه فيكا
ولا بكلّ خطاب لا يُؤاتيكا
من خلقه فتَحَفَّقْ في معانيكا
ميزانِ عقلِ فجَاريهِ يُجَارِيكا
وكلّ شيء خلاف الحَقّ فازم بِهِ
ولا تقُلْ ليس من رَبِّي فتتركه
فخُذْهُ واسْبُرْه بالمِسْبَارِ تَعْلَمُهُ
لا تَرْمِيَنَّ بشيء أنت تجهلُه
إن الإلهَ لهُ مكرٌ بطائفة
ولا تقولنّ هذا ليس يدخلُ في
اعلم أيدنا الله وإياك بروح القدس أنه ما في القرآن دليل أدل على أن الإنسان الكامل
مخلوق على الصورة من هذا الذكر لدخول اللام في قوله: وللرسول، وفي أمره تعالى لمن آيه
به من المؤمنين بالإجابة لدعوة الله تعالى ولدعوة الرسول، فإن الله ورسوله ما يدعونا إلا لما
يحيينا به، فلتكن منا الإجابة على كل حال إذا دعانا فإنه ما نكون في حال إلا منه، فلا بدّ أن
نجيبه إذا دعانا فإنه الذي يقيمنا في أحوالنا، وإنما فصل هنا بين دعوة الله ودعوة الرسول
لنتحقق من ذلك صورة الحق التي رسول الله وَّل عليها وهو الداعي في الحالتين إيانا، فإذا
دعانا بالقرآن كان مبلغاً وترجماناً وكان الدعاء دعاء الله فلتكن إجابتنا لله والإسماع للرسول،
وإذا دعانا بغير القرآن كان الدعاء دعاء الرسول وَل﴿ فلتكن إجابتنا للرسول وَّل، ولا فرق بين
الدعاءين في إجابتنا، وأن تميز كل دعاء عن الآخر بتميز الداعي، فإن رسول الله وَ ل و يقول
في الحديث: ((لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئاً عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الخَبَرُ عَنِّي فَيَقُولُ: اثْلُ عَلَيَّ بِهِ قُرْآنَاً إِنَّهُ
وَالله لَمِثْلُ القُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ)) فقوله أو أكثر مثل ما قال أبو يزيد: بطشي أشد، فإن كلام الله سواء
سمعناه من الله أو من الرسول هو كلام الله، فإذا قال الله على لسان عبده: ما يبلغه الرسول
فإنه لا ينطق عن الهوى فإنه أكثر بلا شك لأنا ما سمعناه إلا من عين الكثرة وهو من الرسول
أقرب مناسبة لأسماعنا للتشاكل، كما هو من الله أقرب مناسبة لحقائقنا، فإن الله أقرب إلينا من
الرسول لا بل أقرب إلينا منا فإنه أقرب إلينا من حبل الوريد، وغاية قرب الرسول في الظاهر
المجاورة بحيث أن لا يكون بيننا مكان يكون فيه شخص ثالث فيتميز في الرسول بالمكان
وبما بلغ بالمكانة، ونتميز عن الله بالمكانة فإنه أقرب إلينا منا ولا أقرب إلى الشيء من نفسه،
فهو قرب نؤمن به ولا نعرفه بل ولا نشهده، إذ لو شهدناه عرفناه، فإذا دعانا الله منا فلنجبه به
لا بد من ذلك، وإذا دعانا بالرسول منا فلنجبه بالله لا به فنحن في الدعاءين به، وله

٢٣٧
في هجيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب التاسع عشر وخمسمائة
وللرسول، ولينظر المدعوّ فيما دعي به فإن وجده حياة علمية زائدة على ما عنده يحيا بها في
نفس الدعاء وجبت الإجابة لمن دعاه الله أو دعاه الرسول، فإنه ما أمر بالإجابة إلا إذا دعاه
لما يحييه، وما يدعوه الله ورسوله لشيء إلا ما يحييه، فلو لم يجد طعم الحياة الغريبة الزائدة
لم يدرِ من دعاه، وليس المطلوب لنا إلا حصول ما نحيى به ولهذا سمعنا وأطعنا، فلا بد من
الإحساس لهذا المدعو بهذا الأثر الذي تتعين الإجابة له به، فإذا أجاب من هذه صفته حصلت
له فيما يسمعه حياة أخرى يحيى بها قلب هذا السامع، فإن اقتضى ما سمعه منه عملاً وعمل
به كانت له حياة ثالثة، فانظر ما يحرم العبد إذا لم يسمع دعاء الله ولا دعاء الرسول والوجود
كله كلمات الله، والواردات كلها رسل من عند الله، هكذا يجدها العارفون بالله، فكل قائل
عندهم فليس إلا الله، وكل قول علم إلهي، وما بقيت الصيغة إلا في صورة السماع من ذلك،
فإنه ثم قول امتثال شرعاً وقول ابتلاء فما بقي إلا الفهم الذي به يقع التفاضل، فاقتصر علماء
الرسوم على كلام الله المعين المسمى فرقاناً وقرآناً، وعلى الرسول المعين المسمى
محمد ◌ّ، والعارفون عمموا السمع في كل كلام فسمعوا القرآن قرآناً لا فرقاناً، وعمموا
الرسالة بالألف واللام التي في قوله وللرسول عندهم للجنس والشمول لا للعهد، فكل داع
في العالم فهو رسول من الله باطناً ويفترقون في الظاهر، ألا ترى إبليس وهو أبعد البعداء عن
نسبة التقريب وكذلك الساحر بعده كيف شهد لهم بالرسالة وإن لم يقع التصريح فقال في
السحرة ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] ولا معنى للرسالة إلا أن
يكون حكمها هذا وهو إذن الله، وقال في إبليس في إثبات رسالته: ﴿أَذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءُ مَّوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣]. ثم عرفنا الله سبحانه ما أرسله به فقال:
﴿وَأَسْتَفْرِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ
وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] وهذه الأحوال كلها عين ما جاءت به الكمل من الرسل عليهم السلام
الذين أعطوا السيف، فسعد العارف بتلقي رسالة الشيطان ويعرف كيف يتلقاها ويشقى بها
آخرون وهم القوم الذين ما لهم هذه المعرفة، ويسعد المؤمنون كلهم والعارفون معهم بتلقي
رسالة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ويكون العامل بما جاء في تلك الرسالة أسعد من
المؤمن الذي يؤمن بها عقداً وقولاً، ويعصي فعلاً وقولاً، فكل متحرك في العالم منتقل فهو
رسول إلهي كان المتحرك ما كان، فإنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه سبحانه، فالعارف ينظر إلى
ما جاءت به في تحركها فيستفيد بذلك علماً لم يكن عنده، ولكن يختلف الأخذ من العارفين
من هؤلاء الرسل لاختلاف الرسل، فليس أخذهم من الرسل أصحاب الدلالات سلام الله
عليهم كأخذهم من الرسل الذي هم عن الإذن من حيث لا يشعرون، ومن شعر منهم وعلم
ما يدعو إليه كإبليس إذا قال لصاحبه اكفر فيتلقاه منه العارف تلقياً إلهياً فينظر إلى ما أمره الحق
به من الستر فيستره، ويكون هذا الرسول الشيطان المطرود عن الله منبهاً عن الله، فيسعد هذا
العارف بما يستره وهو غير مقصود الشيطان الذي أوحى إليه والذي هو غير العارف يكفر
بالذي يقول له اكفر، فإذا كفر يقول له الشيطان: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِنْكَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ

٢٣٨
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الموفي عشرين وخمسمائة
اُلْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] فشهد الله للشيطان بالخوف من الله رب العالمين في دار التكليف
وبالإيمان به، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها لأنها موطنهما الواحد خلق منها وهو
الشيطان والآخر خلق لها وإن كان فيه منها فسكناها بحكم الأهلية وعذبا فيها بحكم الجريمة
ما شاء الله، فالعالم كله عند العارف رسول من الله إليه وهو ورسالته أعني العالم في حق هذا
العارف رحمة، لأن الرسل ما بعثوا إلا رحمة، ولو بعثوا بالبلاء لكان في طيه رحمة إلهية لأن
الرحمة الإلهية وسعت كل شيء فما ثم شيء لا يكون في هذه الرحمة ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾
[النجم: ٣٢] فلا تحجر واسعاً فإنه لا يقبل التحجير، قال بعض الأعراب: يا رب ارحمني
ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً والنبي ول# يسمعه فقال النبي ◌َّر: يا هذا لقد حجرت واسعاً
يعني حجرته قولاً وطلبة، فإذا كان عند العارف مثل هذا كلام الله يأخذه في الرحمة الخاصة
التي يناسب الله بها بين هذا القائل وبين محمد ◌ّلّ فشرك الرسول هذا الأعرابي في الرحمة
التي يرحمه الله بها غيره فإن الغير ما له تلك المناسبة الخاصة، فإن الرسول له مناسبة بكل
واحد واحد من الأمة التي بعث إليها فآمنت به فهو مع كل مؤمن من أمته بمناسبة خاصة يعينها
ذلك المؤمن، فإن المتبوع في نفسه لكل تابع إياه منزلة يتميز بها عنده عن غيره، وهذا القدر
كافٍ في هذا الذكر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الموفي عشرين وخمسمائة
في معرفة حال قطب كان منزله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]
[نظم: البسيط]
أن لا يزاحِمَهُ خَلْقٌ من البَشَرِ
إنّي أغارُ على قَلْبي فأسْأَلُهُ
في كل حال من التَّنْزِيهِ والصُوَرِ
فيه فإن لنا قلباً يَهِيمُ به
أَجَبْتُهُ حَذَراً من حاكم الغِيَرِ
لما سمعتُ نداءَ الحَقّ من قلبي
فقلتُ ماذا فقال الحقُّ قلت له
فعِشْتُ في طِیبِ نَفْسٍ حیث کنت فما
ماذا تريد فقال احذَر من الحَذّرِ
أخافُ من وَقْعٍ آفات ولا ضَرَرِ
اعلم أيدنا الله وإياك بروح منه أن هذا الذكر لما وفقنا الله تعالى لاستعماله بإشبيلية من
بلاد الأندلس سنة ست وثمانين وخمسمائة بقينا فيه ثلاثة أيام فرأينا له بركة في تلك الأيام
وكتابه ثلاثة: أنا وعبد الله النزهوني قاضي شرف وكان عبداً صالحاً ضابطاً فقيهاً، وشخصاً
ثالثاً من أهل البلد، فجعل علة الإجابة السماع لا من قالٍ إنه سمع وهو لم يسمع كما قال
تعالى ينهانا أن نكون مثل هؤلاء فقال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
[الأنفال: ٢١] فالسمع في هذا الذكر هو عين العقل لما أدركته الأذن يسمعها من الذي جاء به
المترجم عن الله تعالى وهو الرسول ول# الذي لا ينطق عن الهوى، فإذا علم ما سمع كان
بحسب ما علم فإن العلم حاكم قاهر في حكمه لا بد من ذلك، وإن لم يكن كذلك فليس
بعلم، فما عصى الله قط عالم يعلم بالمؤاخذة على إتيانه المعصية، ولابد من العلم بكونها

٢٣٩
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية / الباب الموفي عشرين وخمسمائة
معصية في الحكم الإلهي وذلك حظ المؤمن وليس إلا رجلان: قائل بإنفاذ الوعيد فيمن مات
على غير توبة، وقائل بغير إنفاذ الوعيد فيمن مات على غير توبة، بل هو في مشيئة الله إن شاء
غفر وإن شاء آخذ، وما ثم مؤمن ثالث لهذين، وكلاهما ليس بعالم بالمؤاخذة في حق شخص
حي ما لم يمت، فإن القائل بإنفاذ الوعيد يقول بإنفاذه فيمن مات ولم يتب وهو يرجو التوبة
ما لم يمت، فليس بعالم بالمؤاخذة على هذه المعصية فإنه لا يعلم أنه يموت على توبة أو
على غير توبة، والذي لا يقول بإنفاذ الوعيد لا يعلم ما في مشيئة الحق، فما عصى إلا من
ليس بعالم بالمؤاخذة، وأما من كشف له عن المقدور قبل وقوعه فقد علم ما له وعليه، ومن
له هذا الحال وهذا المقام فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد كان ممن سمع قول
الله له إيماناً أو عياناً: اعمل ما شئت فقد غفرت لك، وهذا ثابت شرعاً.
وهنا سر لمن بحث عليه وهو أنه من هذه حالته، فما عصى الله لأنه ما عمل إلا ما أبيح
له من العمل، والثاني المغفور له فقد سبقت المغفرة ذنبه فما أبصر ذنبه إلا ممحوّاً بخير عظيم
يقابل ذلك الذنب، فعلى كل حال وإن جرى عليه لسان ذنب ومعصية فما جرى عليه حكم
ذلك، وليس المعتبر إلا جريان الحكم على فاعل تلك المعصية، فما عصى الله عالم
بالمؤاخذة، وقد دعانا الله لما خلقنا له من عبادته فسمعنا ولما سمعنا استجبنا، فأخبر الله عنه
بسرعة الإجابة لما ذكرها ببنية الاستفعال، وفي هذا الذكر شمول رحمة الله بخلقه، فأخبر أنه
ما استجاب إلا من سمع فوجد العذر من لم يسمع كما وجد العذر من لم تبلغه الدعوة
الإلهية، فحكمه حكم من لم يبعث الله إليه رسولاً وهو تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وما هو رسول لمن أرسل إليه حتى يؤدي رسالته فإذا سمع المرسل
إليه أجاب ولا بد كما أخبر الله تعالى عنه لما جاء به هذا الرسول في رسالته، فإذا رأينا من لم
يجب علمنا بإخبار الله أنه ما سمع فأقام الله له حجة يحتج بها يوم يجمع الله الرسل فيقول:
ماذا أجبتم؟ فتقول الرسل عليهم السلام: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب، فعلمنا من
قولهم أن العلم بالإجابة من علوم الغيب، فعلمنا أن السماع غيب، فلا يعلم من أجاب إلا من
هويته غيب وليس إلا الله وما أقام الله العذر عن عباده إلا وفي نفسه أن يرحمهم، فرحم بعض
الناس بما أسمعهم فاستجابوا لربهم وأقاموا الصلاة التي حكم الله فيها بالقسمة بينه وبين عبده،
ومن لم يستجب اعتذر الله عنه بأنه لم يسمع، وهذا من حكم الغيرة الإلهية على الألوهة أن
يقاومها أحد من عبادها بخلاف ما دعت إليه، إذ لو علم أنهم سمعوا وما استجابوا لعظمهم
في أعين الناس وجعلهم في مقام المقاومة له، يعني لما علم السابق علمه فيهم أنه لو أسمعهم
التولوا وهم معرضون فستر علمه فيهم بأن قال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا
يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] وقال: ولو شاء الله لأسمعهم فأكذبهم في قولهم سمعنا فقال: ﴿إِنَّمَا
يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] فلو سمعوا استجابوا فإن الله أعز وأجل من أن يقاومه
مخلوق. ألا تراه يقول في حق من سمع من النصارى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أَنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾
فوصفهم بأنهم يسمعون، ثم ذكر ما كان منهم حين سمعوا فقال: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ

٢٤٠
في هجّيرات الأقطاب ومقاماتهم المحمدية/ الباب الأحد والعشرون وخمسمائة
الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] فأخبر أنهم آمنوا وأخبر أنه تعالى أثابهم على إيمانهم بما
ذكر في الآيات، فلا تقل فيمن لم يجب أنه سمع فتخالف الله فيما أخبر عنهم. وقد أخبر الله
تعالى عنهم أن بهم صمماً، وأخبر عنهم أنهم قالوا في آذاننا وقر، فطابق قولهم في آذاننا وقر
قول الله إنهم صم فلم يسمعوا فلم يرجعوا فإنهم لم يعقلوا ما سمعته آذانهم، وما سمع من
سمع منهم إلا دعاء ونداء وهو قوله: يا فلان وما سمع أكثر من ذلك، فما أعظم رحمة الله
بعباده وهم لا يشعرون، بل رأيت جماعة ممن ينازعون في اتساع رحمة الله وأنها مقصورة
على طائفة خاصة فحجروا وضيقوا ما وسع الله، فلو أن الله لا يرحم أحداً من خلقه لحرم
رحمته من يقول بهذا، ولكن أبى الله إلا شمول الرحمة، فمنا من يأخذها بطريق الوجوب
وهم الذين يتقون ويؤتون الزكاة الذين يؤمنون ويتبعون الرسول النبيّ الأميّ، ومنا من يأخذها
بطريق الامتنان من عين المنة والفضل الإلهي.
ووالله ما أنا بحمد الله ممن يحب التشفي والانتقام من عباد الله، بل خلقني الله رحمة
وجعلني وارث رحمة لمن قيل له: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ (9َ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وما
خص مؤمناً من غيره وتحقق ذلك في وضع الجزية على أهل الكتاب، وما كان السبب في
إنزال هذه الآية إلا دعاءه بالمؤاخذة الإلهية على المشركين من رعل وذكوان وعصية، وإذا كان
هذا عتبه لرسوله ◌َّ في حق المشرك الذي أخبر أنه لا يغفر له فكيف الأمر في غير المشرك
وإن لم يؤمن؟ فافتح عين فهمك لما تقرؤه ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وهو أن يزيدك في
فهمك، فكلما كرّرت تلاوة زدت علماً لم يكن عندك، وكلما نظرت واعتبرت تزيد علماً،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الأحد والعشرون وخمسمائة
في معرفة قطب كان منزله:
﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]
[نظم: الخفيف]
من عُلُومٍ عَلَأَّمُها في تَبَابِ
اتَّقُوا الله يا أُولِي الألبابِ
والْتَزِمُ ما تراه خَلْفَ البَابِ
لا تُفَكِّز في ذاته فهو جَهْلٌ
هنّ حجابُها وعَيْنُ الحِجَابِ
من نُعُوتٍ تَبْدُو بِه وصِفَاتٍ
أَنَّها لا تُنَال بالألبابِ
ما دَرَى من يقول بالفكر فيها
لم يزل منه تائهاً في إيابِ
فالذي قال إنه قد حَوَاهُ
اعلم وفقنا الله وإياك أن مثل هذا قوله: ﴿وَلَاشُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وهو
الذي يواري من اللباس ما يستر ويمنع من الضرر وهو ما زاد على الريش، فالتقوى في
اللباس وفي الزاد ما يقي به الرجل وجهه عن السؤال غير الله، وكذلك في اللباس ما يقي به
الإنسان برد الهواء وحرّه ويكون ستراً لعورته وهو قوله: ﴿يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] وليس