Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
في المنازلات/ الباب التاسع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة إليّ كونك وإليك كوني
عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) وما للعبد سؤال إلا إزالة هذه
القسمة حتى يعود الأمر كما كان، فأجابه الحق إلى سؤاله بقوله: ((وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) فقال:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]: [مجزوء الرمل]
وتدانينا عُرُوجُ
فتَدَلْيِهِ دُنُقْ
إننا زَوْجْ بَهِيجُ
وافترقُنا واجتمعنا
في سمائنا بُـروجُ
حَدَثَتْ حسين افترقنا
في ذواتِنَا فُـرُوجُ
ولها من أجلٍ كوني
ووُلُوجّ وحُرُوجُ
فنِكاحْ مستمرٌ
ومن ذلك [المجتث]:
وكان منّي النَّداني
فكان منه الـنَّدَلــي
حتى أراه بعَيْني
كما يقول يراني
ولما التقينا عن حب واشتياق خاطبني من أعلم في سري: [مجزوء الكامل]
تَجِدِ الذي منكمْ أَجِدْ
اجْعَلْ يَدَيْكَ على الكَبِذْ
لِ وقُلْ له هَبْني وَزِدْ
وابْرَخْ إلى طَلَب الوصا
ـه ما تذكَّر من عبد
إنّ القُرَانَ بذا وَرَدْ
لولا وجودُ العلم فيـ
فإنَ أَنْكَروا هذا فقُلْ
قال الله عزّ وجلّ: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ﴾ فخص طائفة بالتعيين ﴿وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ﴾ فعين طائفة
أخرى ﴿ وَلِيَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ فعين طائفة أخرى ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]
فعيننا وهؤلاء هم الذين ذكرنا وهم العلماء بالله وبالأمر على ما هو عليه، فم يكن الخط الذي
قسم الدائرة إلا عين تميزي عنه وتميزه عني من الوجه الذي كان به إلهاً وكنت به عبداً، فلما
تحقق التمييز ووقع الانفصال بالتكوين وأظهر الخط حكمه ووصفنا بالحجاب عنه ووصف
نفسه حجب الأنوار والظلم عنا وشرع لنا ما شرع وأمرنا بالإنابة إليه ووصف نفسه بالنزول إلينا
علمنا أنه يريد رجوع الأمر إلى ما كان عليه بعد علمنا بما قد علمنا وتحققنا بما به تحققنا قال
عن نفسه إنه سمعنا الذي نسمع به وبصرنا الذي نبصر به، وذكر لنا جميع القوى التي نجدها
من نفوسنا وأثبت في هذا الوصل أعياننا، فلا يشبه ما رجع الأمر إليه ما كان عليه قبل الفصل،
لأن الذي أثبته الخط من الحكم ما يزول وإن زال الخط فأثره باق لأنا قد علمنا أن الدائرة قابلة
للقسمة بلا شك ولم نكن نعلم ذلك قبل، فإذا اتصلت الدائرة فلا يزول العلم منا أنها ذات
قسمين من أي جزء فرضته فيها وإنما تقبلها من أي حد فرضته فيها لما ورد في الأخبار الإلهية
من اتصاف الحق تعالى بصفات الخلق واتصاف الخلق بصفات الحق كما قال تعالى: ﴿قَلِ
أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] فإن قلت الرحمن سميته
بجميع الأسماء الحسنى. وإن قلت الله سميته بجميع الأسماء الحسنى، وكذلك تقول الخلق
الذي هو العالم يقبل أسماء الحق وصفاته، وكذلك الحق يقبل صفات الخلق لا أسماءه

٣٦٢
في المنازلات/ الباب التاسع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة إليّ كونك وإليك كوني
بالتفصيل ولكن يقبلها بالإجمال، فقبوله بالإجمال مثل قوله: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى
اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] وكونه لا يقبل أسماء العالم بالتفصيل فأعني بذلك الأسماء الأعلام وهو قوله:
﴿ قُلٌ سَقُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] يريد الأسماء الأعلام وما عدا الأسماء الأعلام فيقبلها الحق على
التفصيل، فإن الحق ما له اسم علم لا يدل على معنى سوى ذاته، فكل أسمائه مشتقة تنزلت له
منزلة الأعلام، ولهذا وقع الاشتراك بالتفصيل في أسماء الحق ولم يقع الاشتراك بالتفصيل في
أسماء العالم فتحقق ما نبهنا عليه، فأعظم ما أخذه من صفاتنا الذي يدل الدليل على إحالته
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] فما كان بعد هذا فهو أهون من تحوله في الصور وغير ذلك
وعلى الحقيقة فكلها نعوته، وأعظم ما أخذنا نحن منه علمنا به الذي يحيله الدليل وهو قوله:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقول رسول الله بَّهَ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ))
فأخذنا عنه وأخذ عنا [الطويل]:
ويا خَيْبَةٌ للعَبْدِ حين تَفُوتُهُ
فيا حَيْرَةً أَبْدَتْ حقائقَ كَوْنِهِ
ومن لم يَحِرْ فيه فعنه يُمِيتُه
فمن كان أخيَاهُ يُحَيِّرُ ذاتَهُ
فإِلْهُ الحق للعبد قُوتُهُ
إذا كان قُوتُ الخلق كَوْناً محقّقاً
قيل لسهل بن عبد الله: ما القوت؟ قال: الله. واعلم أن الإل بكسر الهمزة هو الله
تعالى، والإل أيضاً العهد بكسر الهمزة، فقوله: إلي كونك أي ألوهتي ما ظهرت إلا بك، فإن
المألوه هو الذي جعل في نفسه وجود الإله ولهذا قال: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فمعرفتك
بالله أنه إلهك أنتجته معرفتك بذاتك ولذلك ما أحالك الله في العلم به إلا عليك وعلى العالم،
فكل ما ثبت لله تعالى من الأحكام ما ثبت إلا بالعالم، فعين الإل من حيث عينه هو الموصوف
بهذه الأحكام، فلو ارتفع العالم من الذهن ارتفعت الأحكام الإلهية كلها وبقي العين بلا
حكم، وإذا بقي بلا حكم وإن كان واجب الوجود لذاته لم يلزم أن يكون له حكم الألوهة،
فوجود أعياننا من وجوده، ووجودنا أثبت العلم به في ذواتنا، ولولا أن ذاته أعطت وجودنا ما
صح لنا وجود عين، وهذا معنى قول العلماء: إن العالم استفاد الوجود من الله. وأما قوله
إلك كوني فهو عين قوله: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) فجعل هويته عين مسمى سمعنا وقوانا وليس
العالم إلا بهذا الحكم (مجزوء الرجز]:
وإنْ بَقِيتُ لم أكُنْ
فإنْ فَنِيتُ لم أكُنْ
وكلُّنا مِنْ قَوْلِ كُنْ
فكلُّنَا لكُلِّنـا
تَجِذْهُ فيك يَسْتَكنْ
منّا ومنه فاعتبز
فاسْتُرْهُ لا تُظْهِره
كما أَتَى في لم يَكُنْ
شَمْسٌ له ما قد سَكَّنْ
فيها بَدَتْ مشرقةً
مُسْتَنَدٍ ومن سَكَنْ
فمالنــا سواه من
فالحق مصرف العالم والعالم مصرف الحق ألا تراه يقول: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الذَّاعِ إِذَا
دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] أليست الإجابة تصريفاً؟ هل يتصوّر إجابة من غير نداء وسؤال لا يصح أن

٣٦٣
في المنازلات / الباب التاسع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة إليّ كونك وإليك كوني
يتصرّف في نفسه فما له تصرّف إلا فينا فتصرّفه إيجاده إيانا دائماً فأعيان تظهر وأحكام له
تحدث وتعلقات لا تنكر: [الطويل]
فإنْ قُلْتَ أنا واحدٌ كُنْتَ صادقاً
وإنْ قُلْتَ لسنا واحداً لم تُكَذَّبِ
فيا ليت شعري من يجهل وما ثم إلا الله فالكل عالم بما لا يعلمه ثم يعلمه ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
حَتَّى نَعْلَمَ ﴾ [محمد: ٣١] وقد ظهر بعض رشح من هذا المشهد على طائفة من أصحاب النظر لا
يعرف من أين جاءهم ذلك، فحكي عنهم أنهم يقولون: إن الله لا يعلم نفسه لأن العلم بالشيء
يقتضي الإحاطة بالمعلوم وهو لا يتناهى وجوده ووجوده عين ماهيته ليس غيرها، وما لا
يتناهى لا يكون محاطاً به إلا أنه لا يتناهى وأحاط علماً به أنه لا يتناهى لا له ولا للعالم، وهذا
وإن كان قولاً فاسداً فإن له وجهاً إلى الصحة وذلك أنه لا يعلم نفسه على جهة الإحاطة بل
يعلم نفسه أنها تقبل الإحاطة كما يعلم الممكنات وجميع المقدورات أنها لا تتناهى، فانظر في
هذا الرش من هذا البحر الغمر كيف أثر في العالم نحلة ظهرت في العين وبدت إلى عالم
الكون حتى سطرت في الدفاتر وسارت بها الركبان وتسامر بها العلماء، وما ثم قائل إلا الله
ولا منطق إلا الله، وما بقي إلا فتح عين الفهم لتنطيق الله من حيث أنه لا ينطق إلا بالصواب،
فكل كلام في العالم فهو إما من الحكمة أو من فصل الخطاب، فالكلام كله معصوم من الخطأ
والزلل إلا أن للكلام مواطن ومحال وميادين له فيها مجال رحب تتسع ميادينه بحيث أن تنبو
عن إدراك غايتها عيون البصائر: [الوافر]
فينطقُ حين ينطقُ بالصّوابِ
على ما يقتضي فَضْلُ الخطَابِ
عَمَوْا فيها عن الأمْرِ العُجَابِ
وترجعُ حُسَّراً أبصارُ قومٍ
فإذا أردت السبيل إلى فهم هذه المعاني فتعمل في تكثير النوافل التي لها أصل في
الفرائض، وإن تمكن لك أن تكثر من نوافل النكاح فإنه أعظم فوائد نوافل الخيرات لما فيه من
الازدواج والإنتاج فتجمع بين المعقول والمحسوس فلا يفوتك شيء من العالم الصادر عن
الاسم الظاهر والباطن فيكون اشتغالك بمثل هذه النافلة أتم وأقرب لتحصيل ما ترومه من
ذلك، فإذا فعلت هذا أحبك الحق، وإذا أحبك غار عليك أن تشهدك عين أو يقيدك كون،
فأدخلك في حمى حرمه وجعلك من جملة أحبابه وأهلك له فصرت له أهلاً كما قال في
الحديث في أهل القرآن: ((إنَّهُمْ أَهْلُ الله وَخَاصَّتُهُ)) خرج ذلك الترمذي في مصنفه، وإذا اتخذك
أهلاً جعلك محلاً لإلقائه وعرشاً لاستوائه وسماء لنزوله وكرسياً لقدميه، فظهر لك فيك منه ما
لم تره مع كونه فيك وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: ١٧]
لأن جنوبهم تجافت عن المضاجع الطبيعية وصاروا أهلاً للموارد الإلهية والشوارد الربانية،
فمياههم عذبة صافية، وعروشهم عن كل ما سوى ما يلقي الله إليهم خاوية، آبارهم معطلة،
وأبوابهم مقفلة، وقصورهم مشيدة، ضاعت مفاتح أقفالها، وتقطعت حبال آبارها، فتنظر إلى
مياهها ولا تذاق فتستحسن على جهالة فإذا سردت أخبارها قرآناً ظهر إعجازها فلم يستطع أحد
معارضتها فيستحليها، فإذا سئل عن معانيها لا يدري ما يقول إذ لا ذوق له فيها إلا ما أعطاه

٣٦٤
في المنازلات/ الباب التاسع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة إليّ كونك وإليك كوني
الشهود، فغايته أن يقول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾ [المائدة: ١١٠] ويؤثر لاختلاط ضوئه بظلمته
تشبيهاً بسحر الليل، وبالسحر الذي يخرج الهواء الحار ويسوق الهواء البارد لتبقى بذلك الحياة
على هيكل الحيوان فلا يدري الناظر فيه أي وجه يستقبل به فإنه مهما أقبل على وجه أعرض
عن الآخر إلا أن يكون نبياً فيرى من خلفه كما يرى من أمامه فيكون وجهاً كله، وذلك هو
المعبر عنه بالذوق الذي يكون عنه حقيقة الاشتياق والشوق فما ينطق عن هوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا
وَحِّىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] علمه ذو القوة المتين في صورة شديد القوى ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّحِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٤، ٢٥] فإنه من عين القرب أخبر لأنه من دنا فتدلى فكان
كما تقدم ﴿قَابَ قَوْسَيِنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩] وما هو من مرجمات الظنون كما يقولون في أصحاب
الكهف الفتية المعلومة: ﴿ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْهُمْ رَحْمًا بِالْغَيْبِّ﴾
[الكهف: ٢٢] يقول: ما هم على تحقيق فيما يخبرون به من عددهم هذا رجم في العدد، وأن
أنت لو أخذوا في حقيقة المعدود لخاضوا وما حصلوا على طائل، ألا ترى إلى قوله تعالى
لنبيه وَلّ الذي ليس من شأنه ولا من شأن الأنبياء عليهم السلام أن ينهزم ولا يقتل في
مصاف: ﴿لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] فوصفه بالانهزام
وقوله صدق، ألا ترى ذلك عن رؤيته أجسامهم أليسوا أناسي مثله فما ينهزم إلا من أمر يريد
إعدامه ولا يملأ مع شجاعته وحماسته رعباً إلا من شيء يهوله، فلو لم ير منهم ما هو أهول
مما رآه ليلة إسرائه ما امتلأ رعباً مما رآه، وقد رأيناهم وما ملئنا رعباً لأنا ما شهدنا منهم إلا
صور أجسامهم فرأيناهم أمثالنا فذلك الذي كان يملؤه رعباً وما ذكر الله إلا رؤية عينهم لأنه
قال: ﴿لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فوصفه بالاطلاع فهم أسفل منه بالمقام، ومع هذا كان يولي منهم
فراراً خوفاً أن يلحق بهم فينزل عن مقامه ويملأ منهم رعباً لئلا يؤثروا فيه كما قلنا من تأثير
الأدنى في الأعلى كقوله {وَّ: ((رُبَّ ضَاحِكٍ مِلْءَ فِيهِ لاَ يَذْرِي أَرْضَى الله أَمْ أَسْخَطَهُ)) وقال
ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله. ومن علم الأمر على هذا حقيق عليه أن يولي فراراً ويملأ رعباً
هل رأيتم عاقلاً يقف على جرف مهواة إلا ويفر خوفاً من السقوط؟ فانظر فيما تحت هذا
النعت الذي وصف الله به نبيه لو اطلع على الفتية مع علوّ رتبتهم وشأنهم فعلوّه أعلى ورتبته
أسنى فعرفنا بذلك ينبهنا على علوّ رتبة نبينا محمد وَ له فأعيان الفتية كانت المشهودة لنا ولم
نول ولا ملئنا رعباً، وأعيان الفتية لو اطلع عليهم نبينا لولى فراراً منهم ولملىء رعباً، فانظر
إلى ماذا ترجع صور العالم هل لأنفسهم أو لرؤية الناظر وتدبر ما قلناه كما تعلم قطعاً أن حبال
السحرة وعصيهم في عينها حبال وعصيّ وفي نظرنا حيات فهي عين الحيات وهي عين العصي
والحبال، فانظر ما ترى واعلم ما تنظر وكن بحيث تعلم لا بحيث ترى فإن الله ينكر بالرؤية ولا
ينكر بالعلم، فإذا لم ينكر بالرؤية فبشاهد العلم لم ينكر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٣٦٥
في المنازلات / الباب التسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة زمان الشيء وجوده
الباب التسعون وثلاثمائة
في معرفة منازلة زمان الشيء وجوده
إلا أنا فلا زمان لي وإلا أنت فلا زمان لك فأنت زماني وأنا زمانك
[نظم : الوافر]
فأين الواحدُ المنعوتُ مِنْهُ
إذا قلنا بأن النَّعْتَ عَيْنٌ
أخذناه عن الأرسالِ عَنْهُ
وقد جاء الخطابُ الحَقُّ فينا
ولا مِثْلٌ ولا يُبْدِيهِ كُنْهُ
بأن الله ليس له شريكٌ
فكُنْ منه على علم وصُنْهُ
فإنْ حَصَّلْتَ سِرَّ الكَوْنِ فيه
فضدُّ القول والتعيين مَنْ هُو
فمهما قلت لست أنا بلا هو
علمت فلم تقل من أنت مَنْ هُو
إذا حَقَّقْتَ قَوْلي يا قَسِيمِي
قال الله تعالى حكاية عن قوم يقولون: ﴿وَمَا يُهْلِكُاْ إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وصدقوا فإنه
قد ثبت عن رسول الله وي أن الله هو الدهر فما أهلكهم إلا الله كما هو في نفس الأمر.
اعلم أن الزمان نسبة لا وجود له في عينه وقد أطال الناس الكلام في ماهيته، فخرج من
مضمون كلامهم ما ذكرناه من أنه نسبة وأنه يحدث بحدوث السؤال بمتى فيحدث له أسماء
بحدوث السؤال مثل حين وإذ وإذا، وحروف الشرط كلها أسماء الزمان والمسمى أمر عدمي
كلفظة العدم فإنها اسم مسماها لا عين له مع تعقل الحكم له فلنمثل ليفهم ما ذكرناه، يقال :
متى جاء زيد؟ الجواب: حين طلعت الشمس مثلاً وإذا طلعت الشمس ومتى تطلع الشمس من
مغربها حين يأذن الله لها في ذلك وإذا يأذن الله، ومهما أذن الله لها طلعت في جواب هل تطلع
الشمس من المغرب فيعود مشرقاً فيكون هذا وأمثاله جوابه فيعقل منه الزمان إن جاء زيد
أكرمتك، المعنى: حين يجيء زيد أكرمك، المعنى زمان مجيء زيد، زمان وجوب كرامتك
عليّ التي أوجبها على نفسي بمجيء زيد فهو للمحدثات زمان وللقديم أزل، ومعقوليته أمر
متوهم ممتد لا طرفين له، فنحكم عليه بالماضي لما مضى فيه ونحكم عليه بالمستقبل لما
يأتي فيه، ونحكم عليه بالحال لما هو فيه، وهو مسمى الآن، والآن وإن كان زماناً فهو حدّ
لما مضى في الزمان، ولما استقبل في الزمان كالنقطة تفرض في محيط الدائرة فتعين لها البدء
والغاية حيث فرضتها منها، فالأزل والأبد عدم طرفي الزمان فلا أوّل له ولا آخر والدوام له
وهو زمان الحال والحال له الدوام، فلا يزال العالم في حكم زمان الحال، ولا يزال حكم الله
في العالم في حكم الزمان ولا يزال ما مضى منه وما يستقبل في حكم زمان الحال. ألا ترى
في كلام الله في إخباره إيانا بأمور قد انقضت عبر عنها بالزمان الماضي، وبأمور تأتي عبر عنها
بالزمان المستقبل، وأمور كائنة عبر عنها بالحال، فالحال ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]
والماضي: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 4] والمستقبل: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] و﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] و﴿سَأُوْرِيكُمْ ءَايَتِى

٣٦٦
في المنازلات/ الباب التسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة زمان الشيء وجوده
فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ونطلب عند هذا كله عيناً وجودية يكون هذا كله فيها وهي له
كالظرف فلا نجدها لا عقلاً ولا حساً لكن وهماً ظرفياً، وذاك الظرف مظروف لظرف متوهم
لا يتناهى يحكم به الوهم لا غير، فما ثم إن عقلت ما يعقل بالوهم ولا يعقل بالعقل ولا
بالحس إلا الوجود الحق الذي نستند إليه في وجودنا، فلهذه النسبة تسمى لنا بالدهر حتى لا
يكون الحكم إلا له لما يتوهم من حكم الزمان إذ لا حاكم إلا الله، ففيه ظهرت أعيان الأشياء
بأحكامها فهو الوجود الدائم، وأعيان الممكنات بأحكامها تظهر من خلف حجاب وجوده
للطافته، فنرى أعيان الممكنات وهي أعياننا من خلف حجاب وجوده. ولا نراه كما نرى
الكواكب من خلف حجب السموات ولا نرى السموات وإن كنا نعقل أن بيننا وبين الكواكب
سموات إلا أنها من اللطافة لا تحجب من يكون وراءها ﴿ اَللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ،﴾ [الشورى: ١٩]
فمن لطفه أنه هو الذي يأتيهم بكل ما هم فيه ولا تقع أبصار العباد إلا على الأسباب التي
يشهدونها فيضيفون ما هم فيه إليها فظهر الحق باحتجابه فهو الظاهر المحجوب، فهو الباطن
للحجاب لا لك، وهو الظاهر لك وللحجاب، فسبحان من احتجب في ظهوره وظهر في
حجابه فلا تشهد عين سواه ولا ترتفع الحجب عنه ولم يزل رباً ولم نزل عبيداً في حال عدمنا
ووجودنا، فكل ما أمر سمعنا وأطعنا في حال عدمنا ووجودنا إذا لم يخاطبنا بفهوانية الأمثال
والأشكال، فإذا خاطبنا بفهوانية الأمثال والأشكال وألسنة الأرسال، فمن كان منا مشهوده ما
وراء الحجاب وهو المثل والرسول سمع فأطاع من حينه، ومن كان مشهوده المثل سمع ضرورة
ولم يطع للحسد الذي خلق عليه من تقدم أمثاله عليه فظهر المطيع والعاصي أي عصى على مثله
لكونه ما نفذ فيه أمره بالطاعة ما عصى على الله ولهذا قال بعضهم: إنما احتجب الله في الدنيا عن
عباده لأنه سبق في علمه أنه يكلفهم ويأمرهم وينهاهم، وقد قدر عليهم بمخالفة أمره وبموافقته
في أوقات، فلا بد من ظهور المخالفة والموافقة، فخاطبهم على ألسنة الرسل عليهم السلام
وحجب ذاته سبحانه عنهم في صورة الرسول وذلك لأنه قال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾
[النساء: ٨٠] وقال: ﴿فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فلولا أن الرسول صورته الظاهرة
المشهودة ما صح هذا القول فوقعت المخالفة من المخالف بالقدر السابق والحكم القضائي،
ولا يتمكن أن يخالف أمره على الكشف فانحجب بالأرسال انحجابه بالأسباب فوقع الذم على
الأسباب فهي وقاية الرحمن، فما خالف أحد الله تعالى وما خولف إلا الله تعالى، فلا تزال
الأسباب للمحجوبين مشهودة، ولا يزال الحق للعارفين مشهوداً مع عقلهم الحجب في حق من
حجبته، فكثف اللطيف عندهم ولطف الكثيف عند العارفين بالله [البسيط]:
وتَشْهَدُ العَيْنُ ما ترمي به الفِكرُ
فِيَعْلَمُ العَقْلُ ما لا يَشْهَدُ البَصَرُ
فجمع العارفون بين العقل والبصر، فلهم قلوب يفقهون بها، ولهم أعين يبصرون بها،
ولهم آذان يسمعون بها، والمحجوبون على قسمين: منهم من له قلب لا يفقه به وعين لا
يبصر بها ومنهم من له قلب يفقه به وله عين لا يبصر بها وهم المؤمنون فيعلمون ولا
يشهدون، ومن عداهم لا يعلمون ولا يشهدون، وأهل الله يعلمون ويشهدون، ولهذا إذا

٣٦٧
في المنازلات / الباب التسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة زمان الشيء وجوده
خاطبهم يسمعون ويطيعون ويشهدون ذواتهم محلاً لما يخلق الله فيها مما يحكم فيه أنه مخالفة
وموافقة، فهو مطيع مهيأ لقبول ما يتكوّن فيه كالرحم من المرأة مهيأ لما يتكوّن فيه غير ممتنع،
فالعبد الذي بهذه المثابة شجنة موجده فهو رحمان في العالم رحيم بالمؤمنين، فالرب زمانه
المربوب والمربوب زمانه الرب، لأنه ما ثبت الحكم لكل واحد بما حكم عليه به إلا بالآخر،
فمن كون كل واحد ينطلق عليه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا يكون واحد منهما
زماناً للآخر لارتفاع النسب، وهذا لا يكون إلا بالنظر لعين كل واحد لا لحكمه، فإذا انتقلت
إلى النظر في الحكم الذي هو موقوف على العالم به وعلى الحق بالعالم صح أن يكون الحكم
من كل واحد زماناً للآخر كالمتضايفين متى صحت الأبوة لزيد على عمرو قيل: حين صحت
البنوة لعمرو من زيد، فزمان أبوة زيد بنوة عمرو، وزمان بنوة عمرو أبوة زيد، فالأب زمانه
الابن، والابن زمانه الأب، وكذلك الملك والملك والملك والمالك، والقادر والمقدور،
والمريد والمراد، والعالم والمعلوم، غير أن العالم والمعلوم قد تكون العين واحدة لأنه قد
يكون العالم يعلم نفسه فهو المعلوم لنفسه وهو العالم بنفسه فهو العالم المعلوم له، بخلاف
المريد والمراد لأنّ المراد لا يكون أبداً إلا معدوماً، ولا يكون المريد إلا موجوداً، وكذلك
القادر والمقدور لا يكون المقدور أبداً إلا معدوماً فإذا وجد فلا معدم له بعد وجوده إلا بنفسه
أو إمساك شرط بقائه أي بقاء الوجود عليه غير ذلك لا يكون، فقوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾
[إبراهيم: ١٩] يريد به مسك الشرط المصحح لبقاء الوجود عليكم فتنعدمون إذا لم يوجده سبحانه
فإن له التخيير في إيجاد كل ممكن أو تركه على حاله من اتصافه بالعدم، فإذ قد علمت بما
ذكرناه ما هو الزمان فبعد ذلك أدخل مع الناس فيما دخلوا فيه من أن الزمان الليل والنهار
والأيام، أو الزمان مدة متوهمة تقطعها حركات الأفلاك، أو الزمان مقارنة حادث لحادث
يسأل عنه بمتى، وأمثال هذه الأقوال لا يضرك القول بها فإنها قد استقرّت ولها صحة في
النسب الزمانيّ والله يقدر الليل والنهار بالإيلاج والغشيان والتكوير لإيجاد ما سبق في علمه أن
يظهر فيه من الأحكام والأعيان في العالم العنصريّ فنحن أولاد الليل والنهار، فما حدث في
النهار فالنهار أمه والليل أبوه لأن لهما عليه ولادة، وما ولد في الليل فالليل أمه والنهار أبوه
فإن لهما عليه ولادة، فلا يزال الحال في الدنيا ما دام الليل والنهار يغشى أحدهما الآخر،
فنحن أبناء أم وأب لمن ولد معنا في يومنا أو في ليلنا خاصة، وما ولد في الليلة الثانية والنهار
الثاني فأمثالنا ما هم إخوتنا لأن الليل والنهار جديدان فأبوانا قد انعدما فهذان أمثالهما لا
أعيانهما وإن تشابها فهو تشابه الأمثال، فإذا كان في الآخرة كان الليل في دار جهنم والنهار في
دار الجنة فلم يجتمعا مع الولادة التي توجد في النار والجنان من حدوث التكوين فيهما فذلك
مثل حوّاء وآدم، ومثل عيسى من مريم، فهذه هي ولادة الآخرة ضرب الله بعيسى ومريم
وحوّاء وآدم مثلاً لنا فيما يتكوّن في الآخرة، فليس توليد الأكوان في الآخرة عن نكاح زماني
بإيلاج ليل في نهار ونهار في ليل فإنهما مثلان في الزمان الذي هو اليوم الجامع لهما فقسمه
الله في الآخرة بين الجنة والنار، فأعطى ظلمة الليل للنار وأعطى نور النهار للجنة ومن

٣٦٨
في المنازلات / الباب التسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة زمان الشيء وجوده
مجموعهما يكون اليوم وهو يوم الآخرة فإنه جامع للدارين. والزمان محصور في سنة وشهر
وجمعة ويوم فيقسم الزمان على أربعة أقسام لأن الفصول الطبيعية أربعة، لأن الأصل في
وجود الزمان الطبيعة ورتبتها دون النفس وفوق الهباء الذي يسميه الحكماء الهيولى الكل،
وحكم التربيع فيها من حكم التربيع في الأحكام الإلهية من حياة وعلم وقدرة وإرادة، بهذه
الأربعة ثبتت الألوهة للإله فظهر التربيع في الطبيعة ثم نزل الأمر، فظهر التربيع في الزمان
الأكبر وهو النسة فانقسمت السنة إلى أربعة فصول: ربيع وصيف وخريف وشتاء، أحدث هذا
الحكم فيها نزول الشمس في البروج، والبروج قسمتها الطبيعة تقسيمها العناصر التي هي
الأركان إلى نارية وهوائية ومائية وترابية، كما قسمت العناصر إلى نار وهواء وماء وتراب، كما
قسمت الأخلاط في الحيوان إلى صفراء ودم وبلغم وسوداء، ثم اندرج الزمان الصغير الذي
هو الشهر والجمعة في الزمان الكبير وتعددت الشهور بتعداد البروج اثني عشر شهراً فقسمت
عليها الأيام بحكم الرأي إلا أيام العرب أعني شهور العرب فإنها مقسمة بسير القمر فهي
مقسمة بتقسيم الله لا بتقسيمنا، فلما ظهرت السنة بقطع الشمس هذه البروج كذلك ظهر الشهر
العربي بقطع القمر هذه البروج، فالشهر الإلهيّ ثمانية وعشرون يوماً وشهر الرؤية والتقدير
بحسب الواقع، ثم يقع التقدير في الزمان الممتد بأحد هذه الأربعة إما بالسنة أو بالشهر أو
بالجمعة أو باليوم لا يقع التقدير إلا بهذا، وأعني باليوم اليوم الصغير من طلوع الشمس إلى
طلوع الشمس مثلاً وهو الذي يحدث عند انتهاء دورة الفلك المحيط الذي يدور بالكل وهو
الذي يتعين بالعين كما قلنا بطلوع الشمس إلى طلوع الشمس مثلاً فيعلم أن الدورة المحيطة
بالأفلاك قد انتهت في أعيننا ولا حد لها في نفسها، فما في الفلك المحيط سوى دورة واحدة
لا تتصف بالانتهاء فنحن فرضنا فيها البدء والغاية والإعادة والتكرار ما هي في نفسها بهذا
الحكم والأيام كثيرة ولكن لا تعد إلا بهذا اليوم الصغير المعلوم عندنا الجامع الليل والنهار
فتعد الأيام به أو بالشهر أو بالسنة لا غير، وقد ورد أن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون
بهذا اليوم الصغير، وقد ورد في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وأيام الدجال يوم كسنة،
ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا المعهودة، فاليوم الذي نعد به الأيام الكبار هو
يوم الشمس، ويوم القمر ثمانية وعشرون يوماً من أيام الشمس، وكذلك نأخذ أيام كل كوكب
بهذا اليوم الحاكم على الكل إذ كان انتهاء دورة الفلك المحيط فنأخذ يوم كل كوكب بقدر
قطعه الفلك الأقصى وهو الأطلس الذي لا كوكب فيه، فأكبرها قطعاً فيه فلك الكواكب
الثابتة، وإنما سميت ثابتة لأن الأعمار لا تدرك حركتها لقصر الأعمار لأن كل كوكب منها
يقطع الدرجة من الفلك الأقصى في مائة سنة إلى أن تنتهي إليها، فما اجتمع من السنين فهو
يوم ذلك الكوكب فيحسب ثلاثمائة وستين درجة كل درجة مائة سنة، وقد ذكر لنا في التاريخ
المتقدم أن تاريخ أهرام مصر بنيت والنسر في الأسد وهو اليوم عندنا في الجدي فاعمل
حساب ذلك تقرب من علم تاريخ الأهرام: [الطويل]
على أن بانيها من النَّاس بالقَطْعِ
فلم يَدْرِ بانيها ولم يَدْرِ أمْرَها

٣٦٩
في المنازلات/ الباب الأحد والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة المسلك السيال
ولقد أراني الحق تعالى فيما يراه النائم وأنا طائف بالكعبة مع قوم من الناس لا أعرفهم
بوجوههم فأنشدونا بيتين ثبت على البيت الواحد ومضى عني الآخر فكان الذي ثبت عليه من
ذلك : [الوافر ]
لقد طُفْنَا كما طُفْتُمْ سِنِينَا
بهذا البَيْتِ طُرّاً أجْمَعِينَا
وخرج عني البيت الآخر فتعجبت من ذلك فقال لي واحد منهم وتسمى لي باسم لا
أعرف ذلك الاسم ثم قال لي: أنا من أجدادك، قلت له: كم لك منذ مت؟ فقال لي: بضع
وأربعون ألف سنة، فقلت له: فما لآدم هذا القدر من السنين، فقال لي: عن أي آدم تقول عن
هذا الأقرب إليك أو عن غيره؟ فتذكرت حديثاً عن رسول الله وَ ل و ((أن الله خلق مائة ألف آدم))
فقلت: قد يكون ذلك الجد الذي نسبني إليه من أولئك والتاريخ في ذلك مجهول مع حدوث
العالم بلا شك، فإن العالم لا تصح له رتبة القدم أي نفي الأوّلية لأنه مفعول الله أوجده عن
عدم مرجح بوجود مرجح لأن الإمكان له من ذاته فالترجيح لا يزال له، وكل ما زاد على
الأعيان التي هي محل ظهور الأحكام فصورتها صورة الزمان نسب وإضافات لا أعيان لها من
أكوان وألوان ونعوت وصفات، ولكل نسبة وإضافة وكون ولون ونعت وصفة اسم خاص أو
أسماء، هذا تحقيق الأمر في كل ما ذكرناه وقل بعد ذلك ما شئت.
الباب الأحد والتسعون وثلاثمائة
في معرفة منازلة المسلك السيال الذي لا يثبت عليه أقدام الرجال السؤال
[نظم: الوافر]
وفي الأسما فلم أَرَهُ سِوَائي
رأيتُ الحَقَّ في الأعيان حَقّاً
فهذا حكمُه في كل رائي
ولستُ بحاكم في ذاك وخدي
هو الرائي ونحن له المَرَائي
وعند المُثْبِتِينَ خلافُ هذا
قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وهو القائل:
﴿وَأَقْتُلُهُمْ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمَّ﴾ [النساء: ٨٩] فأظهر آمراً وأمراً ومأموراً في هذا الخطاب التكليفي،
فلما وقع الامتثال وظهر القتل بالفعل من أعيان المحدثات قال: ما هم أنتم الذين قتلتموهم بل
أنا قتلتهم فأنتم لنا بمنزلة السيف لكم أو أيّ آلة كانت للقتل، فالقتل وقع في المقتول بالآلة
ولم يقل فيه أنه القاتل، وقيل في الضارب به أنه القاتل كذلك الضارب به بالنسبة إلينا مثل
السيف له عنده، فلا يقال في المكلف أنه القاتل بل الله هو القاتل بالمكلف وبالسيف فقام له
المكلف مقام اليد الضاربة بالسيف كالحجر الأسود يمين الله في البيعة تقبيلاً واستلاماً
كالمصافحة من الشخصين وتحرير هذه المنازلة معرفة الأمور الموجبة للأحكام هل لها أعيان
وجودية أو هي نسب تطلبها الأحكام؟ فهي معقولة بأحكامها، وبقي العلم في المحل الذي
ظهرت فيه هذه الأحكام ما هو هل هو عين الممكن وهذه النسب للمرجح مثل ما قال :
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وقوله: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:
الفتوحات المكية ج٦ - م٢٤

٣٧٠
في المنازلات/ الباب الأحد والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة المسلك السيال
٩٦] أو هل المحل وجود الحق وهذه الأحكام أثر الممكنات في وجود الحق وهو ما يظهر
فيه من الصور، فكل صورة تشهد صورة وهي آثار الممكنات في وجود الحق، فیری زید
صورة خالد في وجود حق، ويرى خالد صورة زيد في وجود حق، وكذلك كل حالة يرى
تلك الصورة عليها مثل الصورة سواء، وكلا الأمرين قد قال به طائفة من أهل الله وكيفما
كان على القولين فلا يتمكن لكل صاحب قول الثبات على أمر واحد بل بنفس ما يثبت
الحكم لأمر يثبته لأمر آخر وينفيه عن ذلك الأمر الأوّل فهو ينفي السابق ويثبت اللاحق،
فبأيّ أمر بدأ يكون له هذا الحكم في القولين معاً مثل قوله: ﴿وَمَا رَمَيْنَ﴾ فنفى ﴿إِذْ
رَمَيْتَ﴾ فأثبت الرمي لمن نفاه عنه، ثم لم يثبت على الإثبات بل أعقب الإثبات نفياً كما
أعقب النفي إثباتاً فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَّ﴾ [الأنفال: ١٧] فما أسرع ما نفى وما أسرع ما
أثبت لعين واحدة، فلهذا سميت هذه المنازلة المسلك السيال تشبيهاً بسيلان الماء الذي لا
يثبت على شيء من مسلكه إلا قدر مروره عليه، فقدم رجاله غير ثابتة على شيء بعينه لأن
المقام يعطي ذلك وهو عين قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ومقدار اليوم الزمن
الفرد، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]
مع كونهم سمعوا، فانظر إلى هذا الذم كيف أشبه غاية الحمد فيمن كان الحق سمعه
وبصره، فمن كان الحق سمعه فقد سمع ضرورة فلم يسمع إلا بربه فهو سامع لا بنفسه،
ولا يصح أن يكون محلاً لهوية ربه فعينه وجود الحق والحكم للممكن فإن ذلك أثره ﴿ وَلَوْ
عَلِمَ اللَّهُ فِهِمْ خَيْرًّا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] والوجود هو الخير فيتصفون بالوجود ولو أسمعهم
إذ أوجدهم لتولوا إلى ذواتهم فيعلمون أنهم ما سمعوا فكنى عنه بالإعراض لأن الحق هو
السامع وهم له كالأذن لنا آلة نسمع بها أصوات المصوّتين وكلام المتكلمين، فهو المخاطب
والمخاطب، وهو المتكلم السامع ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي صدقوا بما قلنا ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] فوحد الداعي بعد ذكر الاثنين فعلمنا أن الأمر واحد وما
سمعنا متكلماً إلا الرسول بالسماع الحسيّ وسمعنا كلام الحق بسمع الحق المعنويّ، فالله
والرسول اسمان للمتكلم فإن الكلام لله كما قال الله، والمتكلم المشهود عين لسان
محمد مرٍَّ ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠]: [المجتث]
فما أَبَيْتُ إِيَّاهُ
فليس عَيْني سِوَاهُ
ـوجود يشهد إيَّاهُ
فمن يشاهد بعَيْن الـ
كما يراني أراهُ
فنحن فيه سواءٌ
وقد ذكرنا جماع هذا الباب مختصراً كافياً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٣٧١
في المنازلات / الباب الثاني والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من رحم رحمناه ...
الباب الثاني والتسعون وثلاثمائة
في معرفة منازلة من رحم رحمناه ومن لم يرحم رحمناه ثم غضبنا عليه ونسيناه
[نظم: المديد]
في وجود الملك والمَلَكُوتْ
مَنْ أراد الحَقَّ يطلُبُه
ما بدا من عالم عَنْ ثُبُوتْ
كلماتُ الحَقّ ليست سوى
في مقام نحن عنه سُكُوتْ
والذي في ليس مَعْدِنُه
فهو المَدْعُوُّ بالرَّحَمُوتُ
كما نِلْنَاهُ من كرم
قائمٌ في برزخ الجَبَرُوتْ
والذي البرهانُ يُظْهِرُهُ
رَهَبُوتٌ عَيْنُهُ رَغَبُوتْ
ظاهرُ الأكوان باطِنُهَا
لمَقَرِّ العَفْو والرَّحَمُوتْ
فمَآَلُ الكون أَجْمَعِهِ
قال الله تعالى في افتتاح كلامه الجامع: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَلِ الرَّحَيَةِ فَ الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة] وأكد هذا العالم بأن نعته بأنه ﴿غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وقال بََّ في الثابت عنه: ((الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ
الرَّحْمُنِ مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ الله وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ الله)) وقال ◌َ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمُنُ،
ارْحَمُوَاَ مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)). وقال بََّ في حديث الشفاعة: ((إنَّ الله
يَقُولُ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَالمُؤْمِنُونَ وَبَقِيَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)).
اعلم أن العالم لما أقام الله نشأته على التربيع وأعني بالعالم هنا الإنس والجان الذين
يعمرون الدارين الجنة والنار جعل في أم الكتاب الذي يقضي على جميع ما يتضمنه العالم
أربع رحمات لكل ربع من كل شخص شخص رحمة، فضمن الآية الأولى من أم الكتاب
وهي البسملة رحمتان وهما قوله: الرحمن الرحيم، وضمن الآية الثالثة منها أيضاً رحمتين
وهما قوله: ((الرحمن الرحيم)) فهو رحمن بالرحمتين العامة وهي رحمة الامتنان، وهو رحيم
بالرحمة الخاصة وهي الواجبة في قوله: ﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآيات
وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وأما رحمة الامتنان فهي التي تنال من
غير استحقاق بعمل وبرحمة الامتنان، رحم الله من وفقه للعمل الصالح الذي أوجب له
الرحمة الواجبة فيها ينال العاصي وأهل النار إزالة العذاب عنهم وإن كانت مسكنهم ودارهم
جهنم وهذه رحمة الامتنان، قوله لنبيه وَ له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
وهذا معنى قوله: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] أي الطريق الذي أنعمت بها
عليهم وهي الرحمة التي أعطتهم التوفيق والهداية في دار التكليف وهي رحمة عناية، فكانوا
بذلك غير مغضوب عليهم ولا ضالين لما أعطاهم من الهداية فلم يحاروا، يقول من غضب
الله عليه: امنن علينا بالرحمة التي مننت بها على أولئك ابتداء من غير استحقاق حتى وصفتهم
بأنهم غير مغضوب عليهم إذ قد مننت عليهم بالهداية فأزالت الضلالة التي هي الحيرة عنهم،

٣٧٢
في المنازلات / الباب الثاني والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من رحم رحمناه .. .
فمن بالذي يزيل ما استحققناه من غضب الله فيرحمهم الله برحمة الامتنان وهي الرحمة التي
في الآية الثالثة بالاسم الرحمن فيزيل عنهم العذاب ويعطيهم النعيم فيما هم فيه بالاسم
الرحيم، فليس في أم الكتاب آية غضب بل كلها رحمة وهي الحاكمة على كل آية في الكتاب
لأنها الأم فسبقت رحمته غضبه، وكيف لا يكون ذلك والنسب الذي بين العالم وبين الله إنما
هو من الاسم الرحمن فجعل الرحم قطعة منه فلا تنتسب الرحم إلا إليه، وما في العالم من
عنده رحمة بأمر مّا لا بد من ذلك، ولا يتمكن أن تعم رحمة المحدث رحمة القديم في
العموم لأن الحق يعم علمه كل معلوم، والحق لا يحيط أحد من علمه إلا بما شاء، فيرحم
الخلق على قدر علمهم كما رحم الله على قدر علمه، فكل من غضب من العالم وانتقم فقد
رحم نفسه بذلك الانتقام فإنه شفاء له مما يجده من ألم الغضب، وصدقة الإنسان على نفسه
أفضل الصدقات، فإذا رحم نفسه وزال الغضب أعقبته الرحمة وهي الندم الذي يجده الإنسان
إذا عاقب أحداً ويقول: لو شاء الله كان العفو عنه أحسن لا بد أن يقول ذلك إما دنيا وإما آخرة
في انتقامه لنفسه لئلا يتخيل أن إقامة الحدود من هذا القبيل، فإن إقامة الحدود شرع من عند
الله ما للإنسان فيها تعمل، فقد وصل الإنسان بهذا الفعل رحمه وإليه وصول الرحمة، فلا بد
أن ينال الخلق كلهم رحمة الله، فمنهم العاجل والآجل لأنه ما ثم إلا من وصل رحمه فوصله
الله من ذلك الوجه، ومن قطع رحمه أي بعض رحمه لأن القطع لا يتمكن له أن يعم فإن عين
قطع رحم خاص وصل رحم آخر له، ففي قطعه وصل وما في وصله قطع، فيشفع الموصول
من الأرحام والشفاعة مقبولة، ويقيم الوزن على المقطوع بالتعريف فإنه لا بد أن يكون أيضاً
ذلك المقطوع قد قطع رحماً له، فإذا طلب ممن قطع صلة الرحم عنه يقول له الحق كما آخذ
لك آخذ منك ويعلمه بأنه أيضاً قد قطع رحماً له فيسأل الله العفو والتجاوز فيقول الله له :
فاعف أنت عن قاطع رحمه فيك حتى أعفو عنك، فالبضرورة يقول: قد عفوت لأن ذلك
الموطن يطلب من الخائف طلب العفو فيعفو فيعفو الله عنه فتناله رحمة الله بعفو هذا ويوصل
رحم آخر له فيشفع فيه، وهذا معنى قول الله عزّ وجلّ يوم القيامة: ((شَفَعَتِ المَلائِكَةُ وَشَفَعَ
النَّبِيُونَ وَالمُؤْمِنُونَ وَبَقِيَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» فیکون منه في عباده ما ذكرناه وأمثاله من کل ما
يستدعي الرحمة، فإن رحمة الله سبقت غضبه فهي إمام الغضب، فلا يزال غضب الله يجري
في شأوه بالانتقام من العباد حتى ينتهي إلى آخر مداه فيجد الرحمة قد سبقته فتتناول منه العبيد
المغضوب عليهم فتنبسط عليهم ويرجع الحكم لها فيهم، والمدى الذي يعطيه الغضب هو ما
بين الرحمن الرحيم الذي في البسملة، وبين الرحمن الرحيم الذي بعد قوله: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فالحمد لله رب العالمين هو المدى فأوّله الرحمن الرحيم وانتهاؤه
الرحمن الرحيم، وإنما كان ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ عين المدى فإن في هذا المدى تظهر
السراء والضراء ولهذا كان فيه الحمد وهو الثناء، ولم يقيد بضراء ولا سراء في هذا المدى لأنه
يعم السراء والضراء، فكان رسول الله وَّه يقول في السراء: ((الحَمْدُ لله المُنْعِم المُفْضِلِ)) وفي
الضراء: ((الحَمْدُ لله عَلَى كُلِّ حَالٍ)) فحمد الله قد جاء في السراء والضراء فَلهذا كان عين

٣٧٣
في المنازلات/ الباب الثاني والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من رحم رحمناه ...
المدى، وما من أحد في الدار الآخرة إلا وهو يحمد الله ويرجو رحمته ويخاف عذابه
واستمراره عليه، فجعل الله عقيب قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قوله: ﴿الََّ
الرّحِيَةِ﴾ فالعالم بين هذه الرحمة ورحمة البسملة بما هو عليه من محمود ومذموم، وهذا
شبيه بما جاء في سورة ألم نشرح قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ثم ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] ولقد أنشد بعضهم في هذا: [الهزج]
إذا ضَاقَ بك الأمْرُ
فِفَكّز في ألَمْ نَشْرَخْ
إذا ذُكِّزْتَهُ فــافْـرَخْ
فَعُسْرٌ بين يُسْرَيْنِ
لأنه سبحانه نكر اليسر وأدخل الألف واللام اللتين للعهد والتعريف على العسر أي هذا
العسر الثاني هو عين الأول وليس ذلك في اليسر، وهو تنبيه عجيب من الله لعباده ليقوي
عندهم الرجاء والطمع في رحمة الله فإنه أرحم الراحمين، فإنه إن لم يزد على عبيده في
الرحمة بحكم ليس لهم فما يكون أرحم الراحمين وهو أرحم الراحمين بلا شك، فوالله لا
خاب من أحاطت به رحمة الله من جميع جهاته فاعلم ذلك. وإذا صحت الحقائق فليقل
الأخرق ما شاء فإن جماعة نازعونا في ذلك، ولولا أن رحمة الله بهذه المثابة من الشمول لكان
القائلون بمثل هذا لا ينالهم رحمة الله أبداً، فالله أسأله أن لا يلحقنا بالجاهلين فإنه ما ثم صفة
ولا عتوبة أقبح من الجهل، فإن الجهل مفتاح كل شر ولهذا قال لمحمد وَ له: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ
اُلْجَهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] خاطبه بمثل هذا الخطاب لحداثة سنه وقوة شبابه فقابله بخطاب قوي
في النهي عن ذلك، وقال تعالى لنوح عليه السلام لما لم يكن له قوة الشباب وكان قد شاخ
وحصل في العمر الذي لا يزال فيه محترماً مرفوقاً به في العرف والعادة ﴿إِنّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ
مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] فرفق به في الخطاب حين وعظه، فإنه لا بد من الفرق بين خطاب
الشباب وخطاب الشيوخ، كما أنه لا بد من الفرق في الخطاب بين الأحوال كما نفرق نحن
في الثناء على الله بالأحوال فنقول في خطاب السرّاء: الحمد لله المنعم المفضل. ونقول في
الضراء: الحمد لله على كل حال لاختلاف الباعث على الحمد علمنا ذلك رسول الله الهرم
بفعله، فأما الرحماء من عباد الله بعباد الله بل بخلق الله مطلقاً فإن الله يسرع إليهم بالرحمة
عندما يلقونه إذا رحموا الخلق لرحمة تقوم بنفوسهم بعطفهم على خلق الله فيرحمهم الله فإنها
أعمالهم ترد عليهم كما ورد في الخبر، فبرحمتهم رحمهم الله سبحانه: [مخلع البسيط]
وكُنْ صَدُوقاً ولا تُفَارِقْ
فلا تُحالِفْ ولا تُشَاقِقْ
فمن رحم خلق الله فإنما رحم نفسه، ثم إن الله رحمة أخرى بهم زائدة على ما رحمهم
به من أجل رحمتهم بخلق الله التي هي من أعمالهم، وصورتها أن الراحم منا إذا رحم خلقاً
من خلق الله فلا يخلو إما أن تكون رحمته به إزالة ما يؤلم ذلك الخلق المرحوم خاصة أو
يزيده مع ذلك إحساناً، مثل من يخرج شخصاً من السجن استحق العذاب وحال بينه وبين
نزول العذاب به بشفاعة منه أو يكون هو الآخذ له ثم يعقبه بعد هذا الأمان إحساناً إليه بتولية أو
مال أو خلع أو تقريب فذلك أمر آخر، فإذا رحم الله عبداً بعمله الذي رحم العبد به حيواناً مثله

٣٧٤
في المنازلات / الباب الثاني والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من رحم رحمناه ...
إما بإزالة عذاب أو أضاف إلى ذلك زيادة إحسان فإن الله إذا وفاه رحمة جزاء عمله كان ما
كان، فإن الله يزيده على ذلك كما زاد هذا العبد على ما ذكرنا أو يزيد ابتداء منة منه تعالى
لذلك قال: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُم الرَّحْمُنُ)) ولم يقل يرحمهم الرحيم لأنه رحمن الدنيا والآخرة
والرحيم اختصاص الرحمة بالآخرة. وأما قوله: ((ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمُ مَنْ فِي
السَّمَاءِ)) لأنكم تشاهدون أصحاب البلايا والرزايا وتتجاوزون فترحمونهم عن أمر الله بالرحمة
التي تطلبها أحوالهم كل على حسب حاله يرحمهم وليس في السماء إلا الملائكة فترحمنا
بالاستغفار وهو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾ ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥].
وأما قوله في هذا الباب: ((ونسيناه في هذه المنازلة)) فهو حد نسيان ذلك الإنسان الله في
الأشياء فما عاد عليه إلا نسيانه وأضافه الحق إليه فقال: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي
تركوا حق الله فترك الله الحق الذي يستحقونه بإجرامهم فلم يؤاخذهم ولا آخذهم أخذاً لا بد
فغفر لهم ورحمهم، وهذا يخالف ما فهمه علماء الرسوم فإنه من باب الإشارة لا من باب
التفسير لأن الناسي هنا إذا لم ينس إلا حق الله الذي أمره الله بإتيانه شرعاً فقد نسي الله فإنه ما
شرعه له إلا الله فترك حق الله فأظهر الله كرمه فيه فترك حقه ولم يكن حق مثل هذا إلا ما
يستحقه وهو العقاب فعفا عنه تركاً بترك مقولاً بلفظ النسيان .
وأما نهيه تعالى إيانا أن نكون كالذين ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فهو صحيح فإنها
وصية إلهية نهانا أن ننسى الله مثل ما نسوه هؤلاء لنقوم بحق الله ونقيم حق الله في الأشياء على
نية صالحة وحضور مع الله، فيجازينا الله جزاء استحقاق استحققناه بأعمالنا التي وفقنا الله لها،
والذين نسوا الله إنما ترك الله ما استحقوه من العقاب كما تركوا حق الله لا غير. ثم إن أفضل
عليهم أفضل عليهم منة منه ابتداء، وإفضاله على العالمين المؤدين حقوق الله ليس منة، فإذا
زاد على ما يطلبه عملهم ذلك هو الامتنان كما نالوا ما استحقوا به هذا الثواب من طريق المنة
فاعلم ذلك، ألا ترى الله يقول في تمام هذه الآية لما قال: ولا تكونوا كالذين ﴿نَسُواْ اللَّهَ
فَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] لم يقل أنهم هم الفاسقون بل قال: ﴿إِنَ الْمُنَفِقِينَ هُمُ اُلْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:
٦٧] فابتدأ كلاماً آخر ما فيه ضمير يعود على هؤلاء المذكورين، وكل منافق فاسق لأنه خارج من
كل باب له فيخرج للمؤمنين بصورة ما هم عليه ويخرج للكافرين بصورة ما هم عليه، وقد تقدم
في هذا الكتاب مرتبة المنافقين في المنازل فتنبه لما نبهتك عليه وكن من العاملين ﴿ الَّذِينَ يُفُونَ
بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] ولا تقنع بعفو الله فتكون ممن نسي الله
بل ارغب في إحسانه بأن يزيدك هنا عملاً ومراقبة فيزيدك عنده جاهاً وحرمة .
وأما قوله تعالى ناهياً إيانا بقوله: ﴿وَلَا تَكُنُواْ كَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنفُسَهُمَّ أُوْلَتِكَ هُمُ
اُلْفَسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] فأعاد الضمير عليهم فهذا نمط آخر ذكرنا حقيقته في مسألة شرف
النفاق وهو النفاق المحمود في المنازل فيما عبر من هذا الكتاب، فلنذكر منه ما يليق بهذا
الموضع من أجل النسيان، وذلك أن الله قال على لسان رسول الله بَّهُ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ

٣٧٥
في المنازلات / الباب الثاني والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من رحم رحمناه ...
عَرَفَ رَبَّهُ)) لما جعلنا دليلاً عليه، ولا ينبغي أن ننظر في معرفة نفوسنا إلا حتى نريد أن نعرف
ربنا، فإذا نسينا هذه المعرفة فقد نسينا معرفة نفوسنا وهو الباب الواحد الذي كان ينبغي لنا أن
نخرج عليه إلى هذه المعرفة فخرجنا على الباب الآخر وهو الذي نخرج منه إلى جهلنا
بنفوسنا، ولما خلقنا الله على الصورة الإلهية كان من نسياننا الله أن أنانا الله أنفسنا فنهينا عن
ذلك فإنه من نسي نفسه بالضرورة نسي ما لله عليها من الحقوق وما لها من الحقوق فتركوا الله
إذ علموا أنهم لا يشهدون من الله ما هو الله عليه، وإنما يشهدون من الله أعيانهم وأحوالهم لا
غير، فلما علم الله هذا من بعض عباده الذين لهم هذا الوصف أنساهم أنفسهم فلم يروا عند
شهودهم أن أحوالهم عين ما رأوا فيقولون في ذلك الشهود: قال لي الله وقلت له، وأين هذا
من مقام قولهم: لا نرى من الحق إلا ما نحن عليه فلم يكن لهم ذلك إلا من كونه تعالى
﴿فَأَنْسَنُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] الخارجون عن طريق ما كانوا تحققوا به من
أن الله لا يشهده أحد إلا من حيث حاله وما هو عليه.
ولما وصف نفسه تعالى بأنه خير الراحمين من باب المفاضلة فمعلوم أنه ما يرحم أحد
من المخلوقين أحداً إلا بالرحمة التي أوجدها الرحمن فيه فهي تعالى رحمته لا رحمتهم
ظهرت في صورة مخلوق كما قال في سمع الله لمن حمده أن ذلك القول هو قول الله على
لسان عبده، فقوله تعالى الذي سمعه موسى أتم في الشرف من قوله تعالى على لسان قائل
فوقع التفاضل بالمحل الذي سمع منه القول المعلوم أنه قول الله، وكذلك أيضاً رحمته من
حيث ظهورها من مخلوق أدنى من رحمته بعبده في غير صورة مخلوق فتعين التفاضل
والأفضلية بالمحال، إلا أن رحمة الله بعبده في صورة المخلوق تكون عظيمة فإنه يرحم عن
ذوق فيزيل برحمته ما يجده الراحم من الألم في نفسه من هذا المرحوم، والحق ليس كذلك
فرحمته خالصة لا يعود عليه منها إزالة ألم فهو خير الراحمين، فرحمة المخلوق عن شفقة
ورحمة الله مطلقة بخلاف بطشه وانتقامه مع شدته، ولكن لا يبطش بطشاً لا يكون فيه رحمة
لأن قصارى الرحمة فيه إيجاده البطش بعبده، فوجود البطش رحمة رحم الله بها المبطوش إذا
أخرجه من العدم إلى الوجود، ومن كان مخلوقاً من صفة الرحمة فلا بد أن يكون في بطشه
رحمة، فجاء أو يزيد في هذا المقام لما سمع القارىء يقرأ: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]
قال أبو يزيد: بطشي أشد لأن بطش الإنسان إذا بطش لا يكون في بطشه شيء من الرحمة لأنه
لا يتمكن له أن يبطش بأحد وعنده رحمة به جملة واحدة، فما يكون ذلك البطش إلا بحسب
ما أعطاه محل الباطش وإن كان ذلك البطش خلقاً لله، ولكن ما خلقه إلا في هذا المحل فظهر
بصورة المحل والمحل لا يطلب الانتقام من أحد وفي قلبه رحمة، ثم إن الله إذا بطش بعبده
ففي بطشه نوع رحمة لأنه عبده بلا شك، كما أن المخلوق إذا أراد أن يبطش بعبده لا بد أن
يشوب بطشه نوع رحمة للمناسبة التي بينه وبين عبده ومملوكه لأنه المبقي عليه اسم المالك
والسيادة، فلا يمكن أن يستقصي في بطشه ما يذهب عينه، فيكون عند ذلك قد بطش بنفسه،
والمخلوق ليس كذلك في الأجنبيّ الذي ليس بينه وبين الباطش نسبة عبودية ولا اكتسب من

٣٧٦
في المنازلات / الباب الثالث والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وقف ...
وجوده صفة سيادة، فإذا بطش من هذه صفته بطش ببطش لا تشوبه رحمة فهو سبحانه خير
الراحمين، وما جاء قط عنه تعالى أنه خير الآخذين ولا الباطشين ولا المنتقمين ولا المعذبين
كما جاء ﴿خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] و﴿ خَيْرُ الْغَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] و﴿خَيْرُ الزَّحِينَ﴾
[المؤمنون: ١٠٩] وخبر الشاكرين وأمثال هذا مع كونه يبطش وينتقم ويأخذ ويهلك ويعذب لا
بطريق الأفضلية، فتحقق هذا الفاصل بين وصفه بالأخذ والانتقام وبين وصفه بالرحمة
والمغفرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والتسعون وثلاثمائة
في معرفة منازلة من وقف عندما رأى ما هنا له هلك
[نظم: الكامل]
والمُبْدَعَاتُ هي التي تَتَكَوَّنُ
الخَلْقُ تَقْدِيرٌ وليس بكَائِنٍ
الرُّوحُ والكلمات شيء واحدًّ
والحَقُّ فيه هو الذي يَتَعَيَّنُ
فالعَالِمُ النّخرِيرُ ليس بثابتٍ
في حاله فمقامه يتلوَّنُ
وهداكُمُ لكلامه فتَبَيَّنُوا
فلذاك أعطَى كل شيء خَلْقَهُ
لو لم يكنْ عَيْنُ الكلام وُجُودَنا
بقُنونِ أسماءِ الإِلهِ قلوبُنا
فجميع ما جئنا به إن كُنْتَ ذا
لم نَغْتَنِمْهُ فلم تَلَذَّ الأغْيُنُ
وتوجّهات الحقّ بي تَتَفَنَّنُ
فَهْم وتحقيق به تَتَيَقَّنُ
اعلم أيدنا الله وإياك أن الله تعالى لما سوى النشأة الإنسانية بل جميع ما أنشأه من أجسام
العالم الطبيعية والعنصرية وعدلها على الترتيب الذي تقتضيه الحكمة في كل جسم وعدله
وهيأه لقبول ما يريد أن يهبه في نفخه فيه من الروح الإلهيّ نفخ فيه من روحه فظهر فيه عند
ذلك نفس مدبرة لذلك الهيكل وظهرت بصورة مزاج الهيكل، فتفاضلت النفوس كما تفاضلت
الأمزجة، كما يضرب نور الشمس في الألوان المختلفة التي في الزجاج فتعطي أنواراً مختلفة
الألوان من أحمر وأصفر وأزرق وغير ذلك بحسب لون الزجاج في رأي العين، فلم يكن ذلك
الاختلاف في النور الذي حدث فيه إلا من المحل ولا تعين في نفسه جزءاً عن غيره إلا
بالمحل فالمحل عينه والمحل غيره، وكذلك النفوس المدبرة للهياكل الطبيعية والعنصرية
فللنفوس الأثر في الهياكل بحكم التدبير، ولا تقبل من التدبير فيها من هذه النفوس إلا بقدر
استعدادها، وللهياكل أثر في النفوس بحسب أمزجتها في أصل ظهورها عند تعيينها، فمنهم
الذكي والبليد بحسب مزاج الهيكل فالأمر عجيب بينهما، فكل واحد منهما مؤثر فيمن هو
مؤثر فيه. ثم إن الله أخذ بأكثر أبصار جنس الإنس والجان عن إدراك النفوس المدبرة الناطقة
التي للمسمى جماداً ونباتاً وحيواناً وكشف لبعض الناس عن ذلك، والدليل السمعي على ما
قلناه قول الله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ يعني من الحجارة ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] فوصفها
بالخشية. وأما أمثالنا فلا يحتاج إلى خبر في ذلك فإن الله قد كشفها لنا عيناً وأسمعنا تسبيحها

٣٧٧
في المنازلات / الباب الثالث والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وقف ...
ونطقها لله الحمد على ذلك، وكذلك اندكاك الجبل لتجلي الرب له لولا العظمة التي في نفس
الجبل من ربه لما تدكدك لتجليه له، فإن الذوات لا تؤثر في أمثالها وإنما يؤثر في الأشياء
قدرها ومنزلتها في نفس المؤثر فيه، فعلمه بقدر ذلك المتجلي أثر فيه ما أثر فيه ما ظهر له،
فإنا نرى الملك إذا دخل في صورة العامة ومشى في السوق بين الناس وهم لا يعرفون أنه
الملك لم يقم له وزن في نفوسهم، فإذا لقيه في تلك الحالة من يعرفه قامت بنفسه عظمته
وقدره فأثر فيه علمه به فاحترمه وتأدّب وسجد له، فإذا رأى الناس الذين يعرفون قرب ذلك
العالم من الملك وأن منزلته لا تعطي أن يظهر منه مثل هذا الفعل إلا مع الملك علموا أنه
الملك فحادت إليه الأبصار وخشعت الأصوات وأوسعوا له وتبادروا لرؤيته واحترامه، فهل أثر
ذلك عندهم إلا ما قام بهم من العلم به، فما احترموه لصورته فقد كانت صورته مشهودة لهم،
وما علموا أنه الملك وكونه ملكاً ليس عين صورته وإنما هي رتبة نسبية أعطته التحكم في
العالم الذي تحت بيعته .
ورد في الخبر الذي خرجه أبو نعيم الحافظ في دلائل النبوّة في بعض إسراءات
رسول الله وَ﴾ أنه قال: جاءه جبريل عليه السلام ليلة ومعه شجرة فيها كوكري الطائر فقعد
رسول الله ◌َّ في الوكر الواحد وقعد جبريل عليه السلام في الوكر الآخر، ثم إن الشجرة
علت بهما حتى بلغا السماء فتدلى إليهما رفرف در وياقوت، فأما محمد وَّ فلم يعلم ما هو
فلم يؤثر فيه، وأما جبريل عليه السلام عندما رآه غشي عليه فقال ◌َّ: ((فَعَلِمْتُ فَضْلَهُ عَلَيَّ فِي
العِلْم)) فإنه علم ما رأى فأثر فيه علمه بما رآه الغشي ولم يعلمه رسول الله وَّ فلم ير له أثر فيه
فلا يؤثر في الأشياء إلا ما قام بها وليس إلا العلم، ألا ترى شخصان يقرآن القرآن فيخشع
أحدهما ويبكي والآخر ما عنده من ذلك كله خبر ولا يؤثر فيه هل ذلك إلا من أثر علمه القائم
به لما تدل عليه تلك الآية وشهوده ما تضمنته من الأمر الذي أبكاه وخشغ له، والآخر أعمى
عن تلك المعاني لا يجاوز القرآن حنجرته ولا أثر لتلاوته فيه، فلم يكن الأثر لصورة لفظ الآية
وإنما الأثر لما قام بنفس العالم بها المشاهد ما نزلت له تلك الآية فلا يؤثر فيك إلا ما قام بك
من حيث ما تعلم وتشهد، فلولا علمه بالأمر ما هاله، وإذا لم يرتحل ووقف عندما رآه وقد
هاله ذلك فبالضررة يهلك أي يغيب عن صوابه وحسه ويدهش أو يغشى عليه أو يموت فرقاً
منه على قدر قوّة ذلك التالي أو ضعفه، فهو مع ما حصل في نفسه من ذلك ﴿وَنُفِخَ فِ القُورِ
فَصَعِقَ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] وهذا أمر إضافي فقد يكون
الأمر عند زيد أهول منه عند عمرو، وقد يكون عند عمرو أمر آخر أهول منه عند زيد، فتؤثر
الأهوال عند كل واحد منهما بحيث أن يقول كل واحد منهما عن صاحبه: عجبت لفلان ما
الذي رأى حتى أثر فيه بما ظهر عليه كيف به لو علم ما عندي من هذا الذي لم يرفع به رأساً؟
كل واحد منهما يقول هذه المقالة، والعالم الكامل الثالث يقول خلاف قولهما، ويعلم السبب
المؤثر في كل واحد منهما فيعلم منهما ما لا يعلمان من نفوسهما، فسبحان الحكم العدل
منزل الأشياء منازلها ومعين المراتب لأهلها، فإذا علمت هذا علمت علماً غريباً هو العجب

٣٧٨
في المنازلات / الباب الثالث والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من وقف ...
العجاب يحتوي على سر لا يتمكن كشفه ولا ينبغي التصريح به، فإن الله يغار على العبد إن
يظهر مثل هذا فإنه أمر يقتضيه الوجود وهو عظيم الفائدة، فما ظهر العالم إلا بالنسب ولا
حصل القبول من العالم لما قبله من العالم أيضاً إلا بالنسب، فالموجد بالنسب والقابل بالنسب
فالحكم لها وقد علمت ما هي النسب [الرمل]:
صَحَّ للكَوْن من الله نَسَبْ
فبها صَحَّ وُجُودي وبها
امتناناً من معارف النسب
فله الشكرُ على ما خَصَّني
[نظم: الخفيف]
*
وبها صَحَّ للشقيِّ الشقاءُ
فبها صَحَّتِ السعادةُ فينا
عَجَباً فيه كيف ليس يَشَاءُ
عدم بحُكْم الوجود وأبْدَى
وهو الحَقُّ ليس فيه امْتِرَاءُ
فهو المُوجِدُ المُؤَثِّرُ فينا
فالله غني عن العالمين، والغنى صفة تنزيه، وأعظم الثناء عندنا في حق الحق قوله
تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] سواء كانت كاف الصفة أو كانت زائدة، وكونها
للصفة أبلغ في الثناء عند العالم باللسان الذي نزل به القرآن، يقول رسول الله وَل في دعائه
وثنائه على ربه عزّ وجلّ: ((لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) يريد قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ وقال الصديق الأكبر رضي الله عنه: العجز عن درك الإدراك إدراك،
والحق سبحانه ما أثنى على نفسه بأعظم من نفي المثل فلا مثل له سبحانه، ولهذا قال في حق
العالم من حيث ما هو ناطق: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] والتسبيح تنزيه فإذا
أسندت العالم إليه تعالى في الوجود وقلت إنه موجد العالم لم يتمكن لك أن تعقل هذا إلا
بنسب تثبتها من حياة وعلم وقدرة وإرادة هذا حد نظر العقل، ويثبت بالشرع أنه قائل، فإن
كانت أعياناً زائدة على ذات فما أوجد شيئاً بها إلا عن تعلق بالذي حدث والتعلق نسبة منها
إلى المتعلق، وإن كانت هذه الصفات ليست بزائدة وإنما ثم عين واحدة وهي الذات
وتوجهاتها على إيجاد الممكنات فالتوجهات نسب وهي مختلفة لما يظهر في العالم من
الاختلاف الذي هو دليل على حكمنا بها، فعلى كل حال ما زالت من النسب وهي الثابتة في
العقائد وفي نفوس العلماء كانوا ما كانوا [مجزوء الرجز]:
عن النَّبيِّ المُضْطَفَى
جَاءَ حديثٌ واردٌ
في عَقْدِهِ على شَفَا
بأنّ من خالفَهُ
بَرْءٌ يكون وَشِفَا
وماله من دائه
في أمْرِه ثم وَفَى
إلا إذا وافقَهُ
به وإِنْ زَلَّ عَفَا
بكلٌ ما خاطبَه
وَهْوَ الإله وكَفَى
عنه الذي كَلَّفَهُ

٣٧٩
.
في المنازلات / الباب الرابع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من تأدب وصل .
وهذا القول كله صحيح، فهل حصل في معلومك الأنسب من جانب الحق ومن جانب
المخلوق، فأوجدت بنسب وقبلت بنسب، وأوضح من هذا الذي ذكرنا فما يكون، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الرابع والتسعون وثلاثمائة
في معرفة منازلة من تأدب وصل ومن وصل لم يرجع ولو كان غير أديب
[نظم: البسيط]
لولا الشُّهُودُ وما فيه من النِّعَم
كناية فيه حتى قال كُنْ فبَدَثَ
ما كان لي أَمَلّ في الكَوْن في العَدَمِ
أعيانُنا لسماع الكون في الكَلِمَ
كنّا حَيَارَى كمثل العُمْي في الظُّلَمَ
فلو فَتَخْنَا عيوناً ما بها رَمَدٌ
ولم نكنْ فوجودُ النُّورِ أَظْهَرَنا
والنُّورُ أعيانُنا والنّورُ خالقُنا
نُوراً فنحن بكون غيرَ مُتْقَسِمَ
وفيه نَسْعَى بِرِجْلٍ أو بلا قَدَمِ
اعلم أيدنا الله وإياك أن الوجود المطلق هو الخير المحض، كما أن العدم المطلقَ هو
الشر المحض، والممكنات بينهما فيما تقبل الوجود لها نصيب في الخيرية، وبما تقبل العدم
لها نصيب في الشر، وليس الأدب إلا جماع الخير كله ولهذا سميت المأدبة مأدبة لاجتماع
الناس فيها على الطعام، ولا شك أن الخير ظهر في العالم متفرقاً فلا يخلو ممكن عن خيرية
ما، والممكن الكامل المخلوق على الصورة الإلهية المخصوص بالسورة الإمامية لا بد وأن
يكون جامعاً لجميع الخير كله، ولهذا استحق الإمامة والنيابة في العالم ولهذا قال في آدم عليه
السلام: ﴿وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] وما ثم إلا اسم ومسمى، وقد حصل علم
الأسماء محمد رَّ حين قال: ((عَلِمْتُ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ)) فعلمنا أنه قد حصل عنده علم
الأسماء فإنه من العلم الأوّل لأن آدم له الأوّلية فهو من الأوّلين في الوجود الحسي، وقال عن
نفسه فيما خص به على غيره أنه أوتي جوامع الكلم والكلم جمع كلمة والكلم أعيان
المسميات قال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمْ﴾ [النساء: ١٧١] وليست غير عيسى، فأعيان
الموجودات كلها كلمات الحق وهي لا تنفد فقد حصل له الأسماء والمسميات فقد جمع
الخير كله فاستحق السيادة على جميع الناس وهو قوله: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) وهناك
تظهر سيادته لكون الآخرة محل تجلي الحق العام، فلا يتمكن لتجليه دعوى من أحد فيما
ينبغي أن يكون لله أو يكون من الله لمن شاء من عباده فقوله وصل يعني إلى تحصيل الخير
المحض وهو قوله تعالى: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ)) وأمثال هذا، وهذا هو الوصول إلى السعادة
الدائمة وهو الوصول المطلوب، ولا شك أنه من وصل لم يرجع فإنه من المحال الرجوع بعد
كشف الغطاء إلى محل صفة الحجاب، فإن المعلوم لا يجهله العالم به بعد تعلق العلم به،
فرجال الله المكملون كشف الله الأغطية عن بصائرهم وأبصارهم بما حصلوه من الصفات الإلهية
ووقفوا عليه من الصفات الكونية وكلها كما تقدّم إلهية، وهؤلاء هم الأدباء الذين صلحوا لبساط

٣٨٠
في المنازلات / الباب الرابع والتسعون وثلاثمائة في معرفة منازلة من تأدب وصل ...
الحق جلساء الله وأهله، وهم أهل الذكر والقرآن الذي هو الجمع وبه سمي قرآناً. وأما العامة فلا
بد لهم من كشف الغطاء عن أبصارهم عند الموت فيرون الأمور على ما هي عليه وإن لم يكونوا
من السعداء فيرون السعداء والسعادة ويرون الأشقياء والشقاوة فلا يجهلون بعد هذا العلم، وإن
شقوا فهذا معنى قوله: ((وَمَنْ وَصَلَ لَمْ يَرْجِعْ)) ولو كان غير أديب أي غير جامع للخير، وإنما
سمي جامعاً للخير والخير أمر واحد لكون هذا الأمر الواحد ظهر في صور كثيرة مختلفة جمعها
هذا الأديب فظهر في خيريته بكل صورة خير فسمي أديباً أي جامعاً لهذه الصورة الخيرية،
والخير في نفسه حقيقة واحدة ظاهرة في العالم في صور مختلفة [السريع]:
أن يَجْمَعَ العَالَمَ في وَاحِدٍ
وما على الله بمُسْتَنْكَرٍ
فالأديب ظاهر بصورة حق في العالم يفصل إجماله بصوره ويجمل تفصيله بذاته، ومتى
لم تكن هذه الصفة والقوّة في رجل فليس بأديب، وهؤلاء هم الذين إذا رؤوا ذكر الله وإذا ذكر
الله فقد ضمن ذكره جميع العالم، فمن ذكر الله بهذا اللسان فقد ذكر العالم لأن العالم صورة
الحق وهو الاسم الظاهر الذي وقع فيه التفصيل، ومدلوله أيضاً الحق لأنه عين الدليل على
نفسه، فكان له من أجل هذا الاسم الباطن الذي وقع به الإجمال، فالعلم واحد وهو في
الباطن وتعلقاته متعددة بتعدد صور المعلومات، فالعالم يكشف المعلومات ببصيرته على جهة
الإحاطة بحقائقها أنها لا تتناهى معلوماته ولا مقدوراته، وما بقي في عين الممكن في قبوله
الوجود نصيب للعدم ولا حكم إلا معقولية الإمكان وإن لم ينعدم بعد ولا يصح عدمه لأن
خلاف المعلوم محال الوقوع، ولا يكون عن الوجود عدم أصلاً لأنه ليس في حقيقته صدور
العدم عنه، فما انعدم من الأمور التي يعطي الدليل عدمها إنما انعدم لنفسه أو لعدم الشرط في
بقائه في الوجود، وبهذا القدر انفصل وجود الممكن من وجود الحق، فإن الإمكان لا يزول
حكمه عقلاً في الموجود المحدث لنفسه الممكن، والإمكان لا نصيب لوجود الحق فيه
أصلاً، وإن كان وجود أعيان الممكنات لا ينعدم أصلاً بعد وجودها ولكن كما قرّرناه.
وأما الأعراض التي قلنا إنها تنعدم لنفسها في الزمان الثاني من زمان وجودها فحقيقتها
أنها أسباب عدمية لها أحكام معقولة مقولة لا يمكن جحدها ولا الحكم بها، فلو كانت
الأعراض أعياناً وجودية لاستحال عدمها مع حكم الإمكان فيها، كما استحال في كل قائم
بنفسه من الممكنات. ثم إنك إذا أخذت تفصل بالحدود أعيان الموجودات وجدتها بالتفصيل
نسباً وبالمجموع أمراً وجودياً لا يمكن لمخلوق أن يعلم صورة الأمر فيها، فلا علم لمخلوق
مما سوى الله، ولا للعقل الأوّل أن يعقل كيفية اجتماع نسب يكون عن اجتماعها عين وجودية
مستقلة في الظهور غير مستقلة في الغنى مفتقرة بالإمكان المحكوم عليها به، وهذا علم لا
يعلمه إلا الله تعالى، وليس في الإمكان أن يعلمه غير الله تعالى ولا يقبل التعليم أعني أن يعلمه
الله من شاء من عباده، فأشبه العلم به العلم بذات الحق، والعلم بذات الحق محال حصوله
لغير الله، فمن المحال حصول العلم بالعالم أو بالإنسان نفسه أو بنفس كل شيء لنفسه لغير
الله، فتفهم هذه المسألة فإني ما سمعت ولا علمت أن أحداً نبه عليها، وإن كان يعلمها فإنها