Indexed OCR Text

Pages 341-360

في المنازلات / الباب الخامس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب ومن استهين منع ٣٤١
إن كان أبيض فيقول لهما الحكيم النور واحد ولكن مزاج القصار لا يقبل من نور الشمس إلا
السواد والشقة على مزاج يقبل البياض فمزاجك منعك من قبول البياض، ويقال للشقة مزاجك
منعك من قبول السواد، فلكل واحد من المذكورين أن يقول فالمسألة بحالها لِمَ لم تعطني
المزاج الذي يقبل السواد؟ والقصار يقول: لِمَ لم تعطني المزاج الذي يقبل البياض؟ قلنا: لا
بد في العالم من شقة وقصار، فلا بد من مزاج يقبل البياض ومزاج يقبل السواد فلا بد منكما
كنتما ما كنتما فإن العالم لا بد فيه من كل شيء فلا بد أن يكون فيه كل مزاج والحق تعالى ما
هو فعله مع الأعراض التي أوجدها في عباده وإنما هو مع ما تطلبه الحكمة، والذي اقتضته
الحكمة هو الواقع في العالم، فعين ظهوره هو عين الحكمة، فإنه فعل الله لا يعلل بالحكمة
بل هو عين الحكمة، فإنه لو علل بالحكمة لكانت الحكمة هي الموجبة له ذلك فيكون
محكوماً عليه والحق تعالى لا يكون محكوماً عليه فلا يوجب موجب عليه شيئاً إلا ما ذكر لنا
أنه أوجب على نفسه لا أنه أوجب عليه موجب غيره أمراً ما، فأيّ محل فرضته لمزاج خاص
يتصور أن يقول: قد منعني غير هذا المزاج وهذا غلط لأن عين المزاج هو عين ما ظهر لا
غيره، ولا يصح أن يقول الشيء عن نفسه لم لم يكن غيري كما قدمنا في الباب الذي قبل هذا
الباب أن التركيب ليس إلا البسائط فالتركيب نسبة والنسب عدمية، وقد ظهر أمر لم يكن يظهر
لولا تركيب هذه البسائط وجمعها وما هو هذا الظاهر غير أعيان البسائط، وكذلك هذا الظاهر
عن هذا المزاج ما هو غير المزاج، فما ثم على الحقيقة من يقول لأي شيء منعت، وإذا لم
يكن ثم لم يصح المنع في الجود الإلهيّ فبقي المنع والمانع، إنما يرجعان إلى نسب مقدرة،
وما كل أحد أظهره الله على هذا العلم وأمثاله وتنزلت ألسنة الشرائع بحسب ما وقع عليه
التواطؤ في ألسنة العالم ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ فَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:
٤] فلا ينزل إلا بما تواطؤوا عليه، فقد يكون التواطؤ على صورة ما هي الحقائق عليه وقد لا
يكون والحق تابع لهم في ذلك كله ليفهم عنه ما أنزله في أحكامه وما وعد به وأوعد عليه،
كما قد دل الدليل العقلي على استحالة حصر الحق في أينية، ومع هذا جاء لسان الشرع
بالأينية في حق الحق من أجل التواطؤ الذي عليه لسان المرسل إليهم فقال للسوداء: أين الله؟
فلو قالها غير الرسول لشهد الدليل العقلي بجهل القائل فإنه لا أينية له، فلما قالها الرسول
وبانت حكمته وعلمه علمنا أنه ليس في قوة فهم هذا المخاطب أن يعقل موجده إلا بما تصوره
في نفسه، فلو خاطبه بغير ما تواطأ عليه وتصوره في نفسه لارتفعت الفائدة المطلوبة ولم يحصل
القبول، فمن حكمته أن سأل مثل هذه بمثل هذا السؤال وبهذه العبارة، ولذلك لما أشارت إلى
السماء قال فيها إنها مؤمنة أي مصدقة بوجود الله ولم يقل عالمة، فالعالم يصحب الجاهل في
جهله بعلمه، والجاهل لا يقدر على صحبة العالم على علمه إن لم يكن العالم ينزل إليه في
صورة جهله، وكل ذلك حكمة إلهية في العالم. واعلم أن المهانة حقيقة العالم التي هو عليها
لأنه بالذات ممكن فقير فهو ممنوع من جميع نيل أغراضه وإرادته منعاً ذاتياً، ولا يحجبنك وقوع
بعض مراداته ونيل بعض أغراضه عما قلناه في حقه فإن ذلك ما وقع له إلا بإرادة الحق لا

٣٤٢
في المنازلات/ الباب السادس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة حبل الوريد وأينية المعية
بإرادته، فذلك المراد وإرادة العبد معاً إنما هما واقعان بإرادة الحق فهو ممتنع بالذات أن يكون
شيء في الوجود موجوداً عن إرادة العبد، ولو كان لإرادة العبد نفوذ في أمر خاص لعم نفوذها
في كل شيء لو كان ذلك المراد وقع لعين إرادة الممكن، فتعين أن ذلك الواقع وقع بإرادة الله عزّ
وجلّ، فالعالم ممنوع لذاته كما هو ممكن مهان لذاته، وإنما كان مهاناً لذاته لأن العبودية له لذاته
وهي الذلة، وكل ذليل مهين، وكل مهين محتقر، وكل محتقر مغلوب، فصح ما جاء في
المنازلة من أنه من حقر غلب ومن استهين منع، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والثمانون وثلاثمائة
في معرفة منازلة حبل الوريد وأينية المعية
[نظم: مخلَّع البسيط]
مُسْتَقْبَلاً ماضياً وآنَا
أنا مَعَ العَبْد حيث كانا
مُقَدَّساً عامراً مَكانَا
مُقَيَّداً مُطْلَقاً نزيهاً
بأن ترانا فقد جَفَانًا
من قال شَوْقاً تريد عيني
لم تَلْحَظِ الفِعْلَ والزَّمانَا
أين أنا مِنْكِ يا جُفُوناً
وقد رأى الصَّعْقَ مَنْ رآنَا
كيف لها أن تَرَى جلالي
قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا
﴾ [الحديد: ٤] فكان بهويته معنا وبأسمائه أقرب إلينا منا، فإن الحق إذا جمع نفسه مع
أحديته فلأسمائه من حيث ما تدل عليه من الحقائق المختلفة وما مدلولها سواه فإنها
ومدلولاتها عينه وأسماؤه، فلا بد أن تكون الكناية عن ذلك في عالم الألفاظ والكلمات بلفظ
الجمع مثل: نحن وإنا بكسر الهمزة وتشديد النون مثل قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:
٤٩] و﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقد تفرد إذا أراد هويته لا أسماءه مثل
قوله: ﴿إِنَِّىّ أَنَا اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَا﴾ [طه: ١٤] فوحد، وأين نحن من أنا، ولا معنى لمن قال إن
ذلك كناية عن العظمة لا بل هي عن الكثرة، وما ثم كثرة إلا ما تدل عليه منه أسماؤه الحسنى
أو تكون عينه أعيان الموجودات وتختلف الصور لاختلاف حقائق الممكنات المركبات إذ قد
قال عن هويته أنها جميع قوى الصور، أي إذا أحب الشخص من عباده كشف له عنه به فعلم
أنه هو فرآه به مع ثبوت عين الممكن وإضافة القوّة التي هي عينه تعالى إلى العبد فقال: ((كُنْتُ
سَمْعَهُ)) فالضمير في قوله كنت سمعه عين العبد والسمع عين الحق ولا يكون العبد عبداً إلا
بسمعه، وإلا فمن يقول إذا نودي ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلا المأمور عند تكوينه وفي
تصرّفاته، فلولا أنه سميع ما قيل له كن، ولا يكون لولا طاعته لربه في أمره إياه، والحق
سمعه ليس غيره في كل حال فكشف سبحانه عن ذلك، وإذا كان الأمر على ما ذكره عن نفسه
وأعطاه الشهود والكشف صح الجمع في لفظة إنا ونحن، وإذا لم يكن عين القوى
والموجودات إلا هو صح الإفراد في ﴿إِنَّنِيّ أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] والهو والأنت وضمير المفرد

٣٤٣
في المنازلات / الباب السادس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة حبل الوريد وأينية المعية
بالخطاب بالكاف في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وأمثال ذلك، فأفرد نفسه في جمعيتنا فقال:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] وجمع نفسه في أحديتنا في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦] فأفرد
الضمير العائد على الإنسان فلم يكن الجمع إلا بنا، ولا الواحد العين إلا به، فأينما كان
الخلق فالحق يصحبه من حيث اسمه الرحمن لأن الرحم شجنة منه وجميع الناس رحم فإنهم
أبناء أب واحد وأم واحدة فإنه خلقنا من نفس واحدة وهو آدم، وبث من آدم وحواء رجالاً
كثيراً ونساء فنحن أرحام من حيث إن الرحم شجنة من الرحمن فصحت القرابة، وقد أمر
بصلة الأرحام فقال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِنَبِ الَّهِ ﴾ [الأنفال: ٧٥] وأمر بأن
نوصل الأرحام وهو أولى بهذا الوصف منا، فلا بد أن يكون للرحم وصولاً فإنها شجنة من
الرحمن، وقد لعن الله واللعنة البعد من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه أي لا
ينتسب إلى غير رحمه، فنحن من حيث الرحم قرابة قربى، ومن حيث الرتبة عبيد فلا ننتسب
إلا إليه ولا ننتمي لسواه، وقد قال تعالى في الصحيح عنه: ((اليَوْمَ أَضَعُ نَسَبَكُمْ)) لأنه عارض
عرض لنا ما هو أصل لأنا نفترق ولا نجتمع وقد لا يعرف بعضنا بعضاً، فنسبنا الذي بيننا ما
هو أصل إذ لو كان أصلاً ما قبل العوراض ولا صح النكران ثم قال: ((وَأَرْفَعُ نَسَبِي)) فإنا ما زلنا
عنه قط ولا افترقنا منه ولا فارقنا ولا زال عنا، وكيف نزول عمن نحن في قبضته ومن هو معنا
أينما كنا؟ وعلى أيّ حالة وصفنا من وجود وعدم ثم قال: أين المتقون؟ فقمنا إليه بأجمعنا
لأنه ما منا إلا من اتخذه وقاية في دفع الشدائد عن نفسه وهو قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ اَلِفُّ فِي الْبَحْرِ
ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وما منا إلا من كان الحق له وقاية في دفع ما يقال عنه فيه
أنه سوء فيكون كالمجن له تتعاور علينا سهام الأسواء فيضاف كل مكروه إلينا فداء له فصح أن
الناس كلهم متقون لكن ثم تقوى خصوص وتقوى عموم ميزتها الشرائع ونبهت عليها، فمن
علم ما مقلناه حمل التقوى حملاً عاماً على جميع الخلق، ومن وقف مع التقوى المعلومة عند
الناس خصص وما نبهنا على هذا الأمر إلا مراعاة للشرع، فإن الشرع راعى ذلك ونبه عليه
حتى إذا علمه الإنسان وتحقق به ظهر له الفضل على غيره فإن الله يقول: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وقد أمر بصلة الأرحام والرحمن لنا رحم نرجع إليه فلا بد
للمطيع أمره أن يصل رحمه وليس إلا وصلته بربه، فإن الله بلا شك قد وصلنا من حيث أنه
رحم لنا فهو الرزاق ذو القوّة المتين المنعم على أي حالة كنا من طاعة أمره أو معصية وموافقة
أو مخالفة فإنه لا يقطع صلة الرحم من جانبه وإن انقطعت عنه من جانبنا لجهلنا، ثم إنه ما أمر
بصلة الأرحام القريبة إلا ليسعدوا بذلك، وما من شخص إلا وله رحم يصلها ولو بالسلام كما
قال: ((صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلام)) فإذا وصلنا رحمنا لم نصل على الحقيقة إلا هو، وإن
حملناه في عين رحمنا فهو يعرف نفسه، كما أن الصدقة تقع بيدٍ الرحمن قبل أن تقع بيد
السائل وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وفي نفس
الأمر قد قلنا إنا وقاية له من كل سوء، فلا بد لكل أحد أن يكون له صديق من الناس على أي
دين كان ولا بد له من مراعاة صديقه وهو في النسب رحمه بلا شك لأنه أخوه لأمه وأبيه،

٣٤٤
في المنازلات/ الباب السادس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة حبل الوريد وأينية المعية
فكل برّ ظهر من أحد إلى أحد فهو صلة رحم لذا يقبلها الله من كل أحد فضلاً من الله ونعمة
غير أنهم بينهم مفاضلة في القرب، قال عليّ بن أبي طالب القيرواني في ذلك: [البسيط]
أَبُوهُمُ آدَمٌ والأُمُّ حَوَّاءُ
الناسُ في جِهَةِ التمثيل أكْفَاءُ
يفاخرون به فالطُّينُ والمَاءُ
فإن يَكُنْ لهمُ من أصلهم نَسَبٌ
على الهُدَى لمن اسْتَهَدى أَدِلاَءُ
ما الفَضْلُ إلا لأهل العلم إنّهُمُ
والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
وقَدْرُ كلِّ امْرِىءٍ ما كان يُحسِنُهُ
والقرابة قرابتان: قرابة الدين وقرابة الطين، فمن جمع بين القرابتين فهو أولى بالصلة،
وإن انفرد أحدهما بالدين والآخر بالطين فتقدم قرابة الدين على قرابة الطين كما فعل الحق
تعالى في الميراث، فورث قرابة الدين ولم يورث قرابة الطين إذا اختلفا في الدين، فكان
الواحد مؤمناً بالله وحده والأخ الآخر كافر بأحدية الله ومات أحد الأخوين لم يجعل له نصيباً
في ميراثه فقال: ((لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ)) وقد ذهب عقيل دون علي بن أبي طالب بمال أبيه لما
مات أبو طالب عم رسول الله مَّ، وكل من قطع رحمه في حق شخص وهو قد وصلها في
حق شخص آخر فالذي يرعى الله من ذلك جانب الوصلة لا جانب القطع فإنه القائل على
لسان رسوله وَّ: ((أَتْبع السَّيْئَةَ)) مثل قطع تلك الرحم ((الحَسَنَةَ)) مثل وصلة الرحم («تَمْحُهَا))
فوصل رحمه في زيد يمحو قطع رحمه في عمرو، وهذا أخوه وهذا أخوه، لأن الله يصل
الرحم ولا يقطعها، فالحق يعضده في صلة من وصلها ويقطع من قطعها لأنه عين ذلك الذي
قطعها، ففي الوصل كلمة عناية إلهية بالواصل، وفي القطع كلمة تحقيق أي أن الأمر كذلك،
فما في العالم إلا من هو وصول رحمه الأقوى الأقرب، فإن أفضل الصلات في الأرحام صلة
الأقرب فالأقرب، وقد جاء في الصدقة أن أفضلها اللقمة يجعلها الإنسان في فمه لأنه لا أحد
أقرب إليه من نفسه، والله أقرب إلى العبد من نفسه منه فإنه القائل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ
اُلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] فإذا وصله العبد فقد وصل الأقرب بلا شك فقد أتى ما هو الأولى بالوصل في
الأقربين فإن النص فيه، ولهذا عم كل الأشياء اتساع رحمته، فمن حجر رحمة الله فما حجرها
إلا على نفسه، ولولا أن الأمر على خلاف ذلك لم ينل رحمة الله من حجرها وقصرها، ولكن
والله ما يستوي حكم رحمة الله فيمن حجرها بمن لم يحجرها، وأطلقها من عين المنة كما
أطلقها الله في كتابه في قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فما من شيء إلا
وهو طامع في رحمة الله، فمنهم من تناله بحكم الوجوب، ومنهم من تناله بحكم المنة. كنت
قاعداً يوماً بإشبيلية بين يدي شيخنا في الطريق أبي العباس العريبي من أهل العليا بمغرب
الأندلس فدخل عليه رجل فوقع ذكر المعروف والصدقة فقال الرجل: الله يقول: الأقربون
أولى بالمعروف، فقال الشيخ على الفور: إلى الله فما أبردها على الكبد، وكذلك هو الأمر
في نفسه ولا أقرب من الله، فهو القريب سبحانه الذي لا يبعد إلا بعد تنزيه، وتنقطع الأرحام
بالموت ولا ينقطع الرحم المنسوبة إلى الحق فإنه معنا حيثما كنا ونحن ما بيننا نتصل في وقت
وننقطع في وقت بموت أو بفقد وارتحال، وكم من حال قد أغنى عن سؤال، ومن جهل نفسه

٣٤٥
في المنازلات / الباب السادس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة حبل الوريد وأينية المعية
فهو بغيره أجهل، ومن علم غيره فهو بنفسه أعلم، من عرف نفسه عرف ربه: [السريع]
مِثلَ الذي يُخْبِرُ عن نَفْسِهْ
ليس الذي يُخْبِرُ عن غَيْرِهِ
في غيبه كان وفي حِسِّة
لأنه يخبرُ عن ذَوْقِه
وكلّ من أخبر عن نَفْسِهِ
فإنما أخبر عن جِنْسِه
والحقّ إنْ قَيَّدْتَهُ أنّه
لا يحجب المحبوس في حَبْسِةْ
فما أقام المَيْتَ من رَمْسِهْ
مَنْ قَيَّدَ الحَقَّ بإطلاقه
إلا الذي حَجَّ إلى قُدْسِهْ
هيهاتَ لا يعرفُ أسرارَه
يطرحهُ الضاربُ من أسّهْ
من أُسُهُ الحَقُّ فذاك الذي
سرّ إلهي لا يعرفه كثير من الناس: بعث الله تعالى موسى وهارون إلى فرعون
وأوصاهما أن يقولا له: ﴿قَولَا لَيْنَا لَّعَلَّهُ يَنَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] والترجي من الله واقع عند
جميع العلماء كما قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] فقال العلماء: عسى من الله
واجبة ولعل وعسى أختان فعلم الله أنه يتذكر ولا يكون التذكر إلا عن علم سابق منسي، ثم
قال لهما لما رأى خوفهما من أنه لا يجيب إلى ما يدعوانه إليه: ﴿لَا تَخَافَآَ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ
وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] أي أسمع من فرعون إذا بلغتما إليه رسالة ربكما وأرى ما يكون منكما في
حقه مما أوصيتكما به من اللين والتنزل في الخطاب فلم يجد فرعون على من يتكبر، لأن
التكبر من المتكبر إنما يقع لمن يظهر له بصفة الكبرياء، فلما رأى ما عندهما من اللين في
الخطاب رق لهما وسرت الرحمة الإلهية بالعناية الربانية في باطنه فعلم أن الذي أرسلا به هو
الحق، فكان المتكلم من موسى وهارون الحق وكان السمع الذي تلقى من فرعون كلام
موسى الحق، فحصل القبول في نفسه وستر ذلك عن قومه فإنه شأن الحق، ألا ترى إليه
تعالى في القيامة يتجلى في صورة ينكر فيها؟ فهذا من ستره. ولما علم فرعون أن الحق سمع
خلقه وبصره ولسانه وجميع قواه لذلك قال بلسان الحق: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] إذ
علم أن الله هو الذي قال على لسان عبده ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ فأخبر الله تعالى أنه ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَالَ
الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾ [النازعات: ٢٥] والنكل القيد فقيده الله بعبوديته مع ربه في الأولى بعلمه أنه عبد
الله، وفي الآخرة إذا بعثه الله على ما مات عليه من الإيمان به علماً وقولاً، وليس بعد شهادة
الله شهادة، وقد شهد له أنه قيده في الأولى والآخرة ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي في هذا الأخذ ﴿لَعِبْرَةً﴾
أي تعجباً وتجاوزاً مما يسبق منه إلى فهم العامة إلى ما يفهمه الخاصة من عباد الله وهم العلماء
ولذلك قال: ﴿لَعِبْرَةُ لِّمَنْ يَخْشَ﴾ [النازعات: ٢٦] وقد عرفنا أنه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾
[فاطر: ٢٨] وقد قال: ﴿لَعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ولا يخشى حتى يعلم بالتذكر ما كان
نسيه من العلم بالله، ومن قيده الحق فلا يتمكن له الإطلاق والسراح من ذلك القيد. وقولهما:
﴿إِنَّنَا تَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾ أي يتقدم علينا بالحجة بما يرجع إليه من التوحيد ﴿أَوْ أَن يَطْغَى﴾
[طه: ٤٥] أي يرتفع كلامه لكونه يقصد إلى عين الحقيقة فنتعب معه فلهذا قال لهما: ﴿لَا تَّخَافَآ
إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وأوصاهما أن يلينا له في القول، فلما قالا له صلى الله

٣٤٦
في المنازلات / الباب السادس والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة حبل الوريد وأينية المعية
عليهما ما قالاه على الوجه الذي عهد إليهما الله أن يقولاه ﴿قَالَ﴾ لهما فرعون: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا
يَمُوسَى﴾ [طه: ٤٩] كما يقول فتّانا القبر للميت لا لجهله بما يقوله، وإنما يريد أن يتنبه
الحاضرون لما يقولانه مما يكون دليلاً على وجود الله ليعلموا صدقهما لأن العاقل إذا علم
أنهما إذا قالا مثل ذلك ربما أن الخواطر تتنبه ويدعوهم قولهما إلى النظر فيه لنصبهما في
قولهما مواضع الدلالة على الله فإنه لا يسأل خصمه فدل سؤاله أنه يريد هداية من يفهم من
قومه ما جاء به فقالا: ﴿رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] فأنصفا فرعون في
هذا الخطاب وهذا من القول اللين فإنه دخل تحت قولهما ﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾ ادعاه فرعون فأعطاه الله
خلقه فكان في كلامهما جواب فرعون لهما إذ كان ما جاء به فرعون خلق الله، ثم زادهما في
السؤال ليزيدا في الدلالة قال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١] فقالا: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِ فِ
كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَسَى﴾ [طه: ٥٢] مثل ما نسيت أنت حتى ذكرناك فتذكرت فلو كنت إلهاً
ما نسيت لأن الله قال: ﴿لَعَلَُّ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤] ثم زادا في الدلالة بما قالا بعد ذلك إلى تمام
الآية، فما زال ذلك مضمراً في نفس فرعون لم يعطه حب الرياسة أن يكذب نفسه عند قومه
فيما استخفهم به حتى أطاعوه فكانوا قوماً فاسقين فما شركه معهم في ضمير إنهم فلما رأى
البأس ﴿قَالَ ءَامَنتُ﴾ فتلفظ باعتقاده الذي ما زال معه فقال له الله تعالى: ﴿َالْكَنَ﴾ [يونس: ٩١]
قلت ذلك، فأثبت الله بقوله: ﴿َآلْعَنَ﴾ أنه آمن عن علم محقق والله أعلم. وإن كان الأمر فيه
احتمال وحقت الكلمة من الله وجرت سنته في عباده أن الإيمان في ذلك الوقت لا يدفع عن
المؤمن العذاب الذي أنزله بهم في ذلك الوقت إلا قوم يونس، كما لا ينفع السارق توبته عند
الحاكم فيرفع عنه حد القطع ولا الزاني مع توبته عند الحاكم مع علمنا بأنه تاب بقبول التوبة
عند الله، وحديث ماعز في ذلك صحيح أنه تاب توبة لو قسمت على أهل مدينة لوسعتهم ومع
هذا لم تدفع عنه الحد بل أمر وسجل# برجمه، كذلك كل من آمن بالله عند رؤية البأس من الكفار
أن الإيمان لا يرفع نزول البأس بهم مع قبول الله إيمانهم في الدار الآخرة فيلقونه ولا ذنب لهم
فإنهم ربما لو عاشوا بعد ذلك اكتسبوا أوزاراً: [مجزوء الرمل]
كم تُنَادَى كم تُلَوَّى
أيُّها الخَلْقُ المُسَوَّى
وَدَّ فيه لو تُسَوَّى
فَلْتُبَادِزْ قبل يوم
كغُثَاءِ كان أخوَى
بِهِمُ الأرضُ رجالٌ
مثل ما قال فَسَوَّى
خَلَقَ الرحّمُنُ خَلْقاً
فَسَطًا فكان أقْوَى
ثم أعطاه اقتداراً
قال كُن لكل شيء
لم يكن وكان بَلْوَى
وإذا كان الحق يقول عن نفسه أنه خلق فسوّى وقدر فهدى فما لك لا تسبح اسم ربك
الأعلى جعلنا الله ممن قيده الحق به ورزقه الوقوف عند حدوده ومراسمه في الآخرة والأولى،
فانظر يا أخي ما أعطيت عناية هذه المعية الإلهية في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [الحديد:
٤] فهو معنا بهويته وهو معنا بأسمائه، فهل ترى عين العارف كوناً من الأكوان وعيناً من

٣٤٧
في المنازلات / الباب السابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازل التواضع الكبريائي
الأعيان لا يكون الحق معه، فالله يغفر للجميع بالواحد فكيف لا يغفر للواحد بالجميع؟ فما
من إنسان إلا وجميع أجزائه مسبحة بحمد الله، ولا قوّة من قواه إلا وهي ناطقة بالثناء على
الله، حتى النفس الناطقة المكلفة من حيث خلقها وعينها كسائر جسدها الذي هو ملكها
مسبحة أيضاً لله، فما عصى وخالف الأمر واحد من هذه الجملة المعبر عنها بالإنسان، أفترى
الله لا يقبل طاعة هذه الجملة في معصية ذلك الواحد؟ هيهات وأين الكرم إلا هنا يا أيها
الإنسان ما غرك بربك الكريم؟ فيقول: كرمك. فهذا تنبيه من الله لعبده أن يقول كرمك، كما
يفعله الحاكم المؤمن العالم إذ يقول للسارق والزاني: قل لا زنيت، أو قل لا سرقت، أو قل
لا لعلمه أنه إذا اعترف أقام عليه الحد، فربما يكون الزاني يدهش بين يدي الحاكم فينبهه
ليقول بهذه المقالة لا فيدرأ عنه الحد بذلك، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السابع والثمانون وثلاثمائة
في معرفة منازل التواضع الكبريائي
[نظم: السريع]
فَهْوَ جَهُولٌ ضَلَّ عن نَفْسِهْ
مَنْ هَالَهُ ما هُوَ من جِنْسِهْ
ما هَالَهُ ما هو من جِنْسِةْ
لو أنه يعرف أوْصَافَهُ
دُجَى الليالي وسَنَا شَمْسِهْ
وكلّ ما في الجُودِ فيه فمِنْ
نزوله الأذنَى ومن قُدْسِهْ
وكل ما في الكون فيه فمِنْ
عِلْم ولا تَنْظُرْ إلى حَدْسِهُ
وانْظُرْ فأنْتَ الأمْرُ فاثْبُتْ على
قال تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] وقال تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] وقال:
﴿وَلَهُ الْكِبِيَُّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧] وقال: ﴿اَللََّ غَنِىُّ عَنِ
اُلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ومع هذا كله فهو القائل في الصحيح من الأخبار عنه: ((مَرِضْتُ فَلَمْ
تَعُدْنِي وَجِعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي وَظَمِثْتُ فَلَمْ تَسْقِنِي)) يقول مثل هذا القول لعبده، فأنزل نفسه هنا
منزلة عباده، وأين ذلك الكبرياء من هذا النزول؟ وثبت في الصحيح أن الله يعجب من الشاب
ليست له صبوة، وثبت أن الله أفرح بتوبة عبده من فرح صاحب الناقة التي عليها طعامه وشرابه
إذا وجدها بعد ما ضلت وهو في فلاة من الأرض منقطعة وأيقن بالموت ففرح بها فالله أفرح
بتوبة عبده من هذا بناقته، وثبت عنه أنه تعالى يتبشبش للذي يأتي المسجد كما يتبشبش أهل
الغائب بغائبهم إذ ورد عليهم، وأين هذا كله من قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
(٣)﴾ [الصافات] ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِنَ
يَصِفُونَ
قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] فأين هذا النزول من هذه الرفعة؟ فهذا هو التواضع الكبريائي، وكل حق
وقول صدق وحكم صحيح لمن كشف الله عن بصيرته من علماء عباده فأراه الحق حقاً وأراه
الباطل باطلاً، وهنا تعلقت الرؤية بالمعدوم فإن الباطل عدم، وإذا كان العبد يتصف برؤية

٣٤٨
في المنازلات / الباب السابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازل التواضع الكبريائي
المعدوم فالحق أولى بهذه الصفة أنه يرانا في حال عدمنا رؤية عين وبصر لا رؤية علم. وأما
قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهو على الصحيح من الفهم معنى قوله وَّل: ((إنَّ
الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) في بعض وجوه محتملات هذا الخبر. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا
اُلْإِسَنَ فِىَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] فما ذاك إلا لخلقه على صورة الحق، وإنما رده إلى أسفل
سافلين ليجمع له كمال الصورة بالأوصاف كما ذكر عن نفسه أنه عليه، فأين اتصافه بنفي
المثل عن نفسه من اتصافه بالحد والمقدار من استواء ونزول واستعطاف وتلطف في خطاب
وغضب ورضا وكلها نعوت المخلوق، فلو لم يصف نفسه بنعوتنا ما عرفناه، ولو لم ينزه
نفسه عن نعوتنا ما عرفناه، فهو المعروف في الحالين والموصوف بالصفتين، ولهذا خلق من
كل شيء زوجين ليكون لأحد الزوجين العلو وهو الذكر، ولأحد الزوجين السفل وهو
الأنثى، ليظهر من بينهما إذا اجتمعا بقاء أعيان ذلك النوع، وجعل ذلك في كل نوع نوع
ليعلمنا أن الأمر في وجودنا على هذا النحو، فنحن بينه وبين معقولية الطبيعة التي أنشأ منها
الأجسام الطبيعية، وأنشأ من نسبة توجهه عليها الأرواح المدبرة، وكل ما سوى الله لا بد أن
يكون مركباً من راكب ومركوب ليصح افتقار الراكب إلى المركوب وافتقار المركوب إلى
الراكب لينفرد سبحانه بالغنى كما وصف نفسه فهو غني لنفسه ونحن أغنياء به في عين افتقارنا
إليه فيما لا نستغني عنه، فكل ما سوى الله مدبر ومدبر لهذا المدبر، فالمدبر اسم فاعل بما هو
مدبر يجد ذلك قوّة في ذاته يفتقر إلى مدبر يظهر فيه تدبيره، والمدبر اسم مفعول بما هو مدبر
يجد ذلك حالة في ذاته يفتقر بها إلى من يدبر ذاته لصلاح عينه وبقائه، ففقر كل واحد إلى
الآخر فقر ذاتي، وإنما يتصف بالغنى عنه لكونه لا يفتقر إلا إلى مدبر لا إلى هذا المدبر بعينه،
فكل واحد منهما غني عن الآخر عينه لا عن التدبير منه وفيه، فغنى كل واحد ليس على
الإطلاق، وغنى الحق مطلق بالنظر إلى ذاته، والخلق مفتقر على الإطلاق بالنظر أيضاً إلى
ذاته فتميز الحق من الخلق، ولهذا كفر من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]
فهذا التمييز لا يرتفع أبداً لأنه تميز ذاتي في الموصوف به من حق وخلق، فما ثم إلا شيئيتان:
شيئية حق وشيئية خلق، فليس كمثل الخلق في افتقاره شيء لأنه ما ثم إلا الحق، والحق لا
يوصف بالافتقار، فما هو مثل الخلق، فليس مثل الخلق شيء، وليس كمثل الحق في غناه
شيء لأنه ما ثم إلا الخلق، والخلق لا يتصف بالغنى لذاته فما هو مثل الحق فليس مثل الحق
شيء لأنه كما قلنا ما ثم شيء إلا الخلق والحق، فالخلق من حيث عينه ذات واحدة في كثير،
والحق من حيث ذاته وعينه ذات واحدة لها أسماء كثيرة ونسب، فمن لم يعلم قوله تعالى :
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] على ما قررناه فلا علم له بهذه الآية فإنه جاء بالكاف ثم
نفى المثلية عن نفسه بزيادة الكاف للتأكيد في النفي، ثم نفى المثلية عن العالم بجعل الكاف
صفة، فعلق النفي بالمماثل في النفي أي انتفت عن الخلق المثلية لأنه ما ثم إلا حق لا يماثل،
وانتفت عن الحق المثلية لأنه ما ثم إلا خلق لا يماثل: [مخلّع البسيط]
إذ جاءنا النُّورُ بالبيان
فهكذا تُفْهَمُ المعاني

٣٤٩
في المنازلات / الباب السابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازل التواضع الكبريائي
حَقٌّ وإنْ شِئْتُمُ اثْنَتَانٍ
فليس في الكَوْنِ غَيْرُ فَرْدٍ
وكلّ عين لها انفرادٌ
وقد أتَى في الصلاة حُكْمٌ
بذاتها لا تُرَى بثاني
منه بتقسيمه المَثَاني
لأجل ذا لاحَتِ اثْنَتَانِ
فمَيّز الخلق عنه فيها
فيمن رآه فقد رآني
فقال بيني وبين عَبْدي
لوحدتي في الوجود ثاني
بماذكرنا من البيان
فلستُ غير إلهٍ ولا هو
تَرْجَمَ عنه لسانُ خَلْقٍ
وأما قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] وهو الذي أنطقهم بما نطقوا به فيه فإنه
يقول عن المشهود عليهم أنهم ﴿قَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنَطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ
شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فما من شيء ينطق إلا والله أنطقه، واختلف المنطوق به، فثم نطق أي
منطوق به يتعلق به مديح، وثم منطوق به يتعلق به ذم، وثم منطوق به يتعلق به تجوز لتواطؤ
جعله الله في العالم، وثم منطوق به على ما هو المدلول عليه في نفسه فهو إخبار عن حقيقة
وما ثم إلا ما ذكرناه، فنطق المدح شهادة أولي العلم بتوحيد الله ونطق الذم قول القائل: ﴿إِنَّ
اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] يريد البخل ونطق بالحقيقة ﴿وَاللَّهُ
خَلَقَكُمْ﴾ ونطق بالتجوّز للتواطؤ ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] والآية واحدة. فأما قوله: ﴿وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] لكونهم ليسوا مثله فما عرفوه ومن جهل أمره لا يقدر قدره
فهم ليسوا له بمثل ولا هو مثل لهم فوصفوه بنفوسهم وبما هم عليه ولا يتمكن لهم إلا ذلك
لأنهم يريدون الوصف الثبوتي ولا يكون إلا بالتشبيه، ومن جعل مثلاً لمن لا يقبل المثل فما
قدره حق قدره أي ما أنزله المنزلة التي يستحقها، فذمهم بالجهل حيث تعرضوا لما ليس لهم
به علم من نفوسهم، فلو قالوا فيه بما أنزله إليهم لم يتعلق بهم ذم من قبل الحق في ذلك لأن
الحاكي لا ينسب إليه ما حكاه فلا يتعلق به ذم في ذلك ولا مدح، فعلم الخلق بالله لا يدرك
بقياس وإنما يدرك بإلقاء السمع لخطاب الحق إما بنفسه وإما بلسان المترجم عنه وهو الرسول
مع الشهود الذي لا يسعه معه غير ما سمعه من الخطاب كما قال: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ إشارة لما
تقدم ﴿لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ فأحال على النظر الفكري بتقلب الأحوال عليه ﴿أَوْ أَلْغَى
السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] وما عدا هذين الصنفين فلا طريق لهم إلى العلم بما يستحقه
الحق أن يضاف إليه وما يستحقه الخلق أن يضاف إليهم، فمن عرف نفسه فإنه لا يماثله
الحق، ومن عرف ربه فإنه لا يماثله الخلق، إذ معرفتك بجزء واحد من العالم من كونه دليلاً
عين معرفتك بالعالم كله، فلهذا أنزلنا العالم منزلة الواحد فنفينا عنه المثلية، إذ ما ثم في الوجود
إلا الحق والحق ما هو مثل للعالم وإن كان العالم يماثل بعضه بعضاً كما تحكم في الأسماء
الإلهية في الغافر والغفور والغفار وأمثال هذا بأنها أمثال وإن تميزت بمراتب كالعالم فإن فيه
أمثالاً وإن تميزت بالأعيان والمراتب، ولهذا ما نزلت هذه الآيات إلا في مقابلة قول كان منهم
ورد ذلك في الخبر النبوي. وأما في القرآن فقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى

٣٥٠
في المنازلات / الباب السابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازل التواضع الكبريائي
بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] مع إقرارهم أن التوراة نزلت على موسى عليه السلام من عند الله
فكذبوا على الله فاسودت وجوههم أي ذواتهم فلا نور لهم يكشفون به الأشياء بل هم عمي فهم
(١٨) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَسَلَمُّ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
لا يبصرون. وأما قوله: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
﴾ [الصافات] فهذه آية ما نزل عند العارفين أشكل منها لما فيها من التداخل،
١٨٢
رَبِّ الْعَلَمِينَ
فدخل تحت قوله تعالى في تنزيه نفسه ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ما يصفه به عباده مما تعطيهم أدلتهم في
زعمهم بالنظر الفكري كل على حياله وكل واحد يدعي التنزيه لخالقه في ذلك، فأما الفيلسوف
فنفى عنه العلم بمفردات العالم الواقعة في الحس منهم فلا يعلم عندهم أن زيد بن عمرو حرك
أصبعه عند الزوال مثلاً ولا أن عليه في هذا الوقت ثوباً معيناً، لكن يعلم أن في العالم من هو
بهذه الصفة مطلقاً من غير تعيين، لأن حصول هذا العلم على التعيين إنما هو للحس والله منزه
عن الحواس، فقد اندرج عندهم هذا العلم بهذا الجزء في العلم الكل الذي هو أن في العالم من
هو بهذه المثابة وقد حصل المقصود عندهم وفاتهم بذلك علم كبير، فإن صاحب هذه الحركة
المعينة من الشخص المعين يجوز أن تقوم بغيره، فبأيّ شيء تقوم الحجة لله على تعيين هذا العبد
حتى قرره عليها في الآخرة أو حرمه ما ينبغي له في الدنيا أو لم يتحرك بتلك الحركة، وإن كان
من أصل صاحب هذا النظر إنكار الآخرة المحسوسة وإنكار الوهب في الدنيا والجزاء لصاحب
هذه الحركة على التعيين، وإن من مذهبه أن تلك الحركة هي المانعة لذاتها أن يحصل لهذا
المتحرك بها ما تمنعها حقيقة تلك الحركة فهو بان على أصل فاسد، وهو أن الله ما صدر عنه إلا
ذلك الواحد الأوّل لأحديته، ثم انفعل العالم بعضه عن بعض عن غير تعلق علم من الله تفصيلي
بذلك بل بالعلم الكل الذي هو عليه، وأما المتكلم مثل الأشعريّ فانتقل في تنزيهه عن التشبيه
بالمحدث إلى التشبيه بالمحدث فقال مثلاً في استوائه على العرش: إنه يستحيل عليه أن يكون
استواؤه استواء الأجسام لأنه ليس بجسم لما في ذلك من الحدّ والمقدار وطلب المخصص
المرجع للمقادر فيثبت له الافتقار بل استواؤه كاستواء الملك على ملكه، وأنشدوا في ذلك
استشهاداً على ما ذهبوا إليه من الاستواء : [الرجز]
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ
من غير سَيْف ودَم مُهْرَاقٍ
فشبهوا استواء الحق على العرش باستواء بشر على العراق، واستواء بشر محدث
فشبهوه بالمحدث والقديم لا يشبه المحدث فإن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى:
١١] والنظر الصحيح يعطي خلاف ما قالوه فقال تعالى في حق كل ناظر: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ﴾
لمحمد # ضمير هذا الكاف أي ربك الذي أرسلك إليهم لتعرفهم بما أرسلك به إليهم وأنزله
بوساطتك عليهم ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي هو الممتنع لنفسه أن يقبل ما وصفوه به في نظرهم وحكموا
عليه بعقولهم وأن الحق لا يحكم عليه خلق والعقل والعاقل خلق، وإنما يعرف الحق من
الحق بما أنزله إلينا أو أطلعنا عليه كشفاً وشهوداً بوحي إلهيّ أو برسالة رسول ثبت صدقه
وعصمته فيما يبلغه عن الله إلينا ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] من حيث نظروا بفكرهم واستدلوا
بعقولهم، إذ العلم بالله لا يقبل التحوّل إلى الجهل ولا الدخول عليه بالشبه، وما من دليل

٣٥١
في المنازلات / الباب السابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازل التواضع الكبريائي
عقلي ألا ويقبل الدخل والشبهة ولهذا اختلف العقلاء، فكل واحد من المخالفين عنده دليل
مخالفه شبهة لمخالفه لكونه خالف دليل هذا الآخر، فعين أدلتهم كلهم هي عين شبهاتهم فأين
الحق وأين الثقة؟ وأصل الفساد إنما وقع من حيث حكموا الخلق على الحق الذي أوجدهم،
ثم قال: ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] وما جاءت الرسل عليهم السلام إلا بما أحالته
هذه الأدلة النظرية وبما أثبتته، فصدقهم في نظرهم وأكذبهم في نظرهم، فوقعت الحيرة عند
هؤلاء، فإذا سلموا له ما قاله عن نفسه على ألسنة رسله وانقادوا إليهم فإن انقيادهم إليهم
ينزلهم منزلتهم فإنهم ما انقادوا إليهم من حيث أعيانهم فإنهم أمثالهم، وإنما انقادوا إلى الذي
جاؤوا من عنده ونقلوا عنه ما أخبر به عن نفسه على ما يعلم نفسه لا على تأويل من وصل إليه
ذلك، فلا يعلم مراد الله فيه إلا بإعلام الله فيقف الناظر موقف التسليم لما ورد مع فهمه فيه أنه
على موضوع ما هو في ذلك اللسان الذي جاء به هذا الرسول لا بدّ من ذلك لأنه ما جاء به
بهذا اللسان إلا لتعرف أنه على حقيقة ما وضع له ذلك اللفظ في ذلك اللسان، ولكن تجهل
النسبة فتسلم إليه علم النسبة مع عقلنا الدلالة بالوضع الاصطلاحيّ في ذلك اللحن الخاص
فنتقاد إليه كما انقاد المرسلون ولهذا قال: ﴿عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي هو واجب عليهم الانقياد بقوله: ﴿وَسَلَمُ﴾
فنكون أمثالهم، ثم قال: ﴿وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الصافات: ١٨٢] أي عواقب الثناء إذ كل ما جاؤوا به إنما
قصدوا به الثناء على الله، فعواقب الثناء على الله بما نزه نفسه عنه أن الثناء على الله في ذلك
كونه تعالى أنطقهم به وأوجد ذلك في نفوسهم لأن الذي قالوه يكون حقاً ولا بد ولهذا قال:
﴿وَاَلْحَمْدُ﴾ فإن الحمد العاقب، فعواقب الثناء ترجع إلى الله وعاقب الأمر آخره، ولا آخر لما
قالوه إلا كونه موجوداً عنه تعالى فيهم فإنه ربّ العالمين من حيث ثبوته في ربوبيته بما يستحقه
الربّ من النعوت المقدسة وهو سيد العالم ومربيهم ومغذيهم ومصلحهم ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ
اَلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
وأما قوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧] اعلم أن العالم محصور في
علو وسفل والعلو والسفل له أمر إضافي نسبي فالعالي منه يسمى سماء والأسفل منه يسمى
أرضاً، ولا يكون له هاتان النسبتان إلا بأمر وسط يكون بينهما ويكون ذلك الأمر في نفسه ذا
جهات فما أظله فهو سماء وما أقله فهو أرض له، وإن شئت قلت في الملأ الأعلى والملأ
الأسفل أنه كل ما تكون من الطبيعة فهو الملأ الأسفل، وكل ما تولد من النور فهو الملأ
الأعلى، وأكمل العالم من جمع بينهما وهو البرزخ الذي بجهاته ميزهما أو بجمعيته ميزهما
بالعلوّ والسفل من حيث المؤثر والمؤثر فيه اسم فاعل واسم مفعول، والحق تعالى بالنظر إلى
نفسه لا يتصف بشيء مما يتصف به وجود العالم، فالعظمة والكبرياء المنسوبان إليه في ألسنة
الفهوانية أن الله لما نسب الكبرياء الذي له ما جعل محله إلا السموات والأرض فقال: ﴿وَلَهُ
الْكِبْرِيَُّ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٧] ما قال في نفسه فالمحل هو
الموصوف بالكبرياء الذي لله، فالعالم إذا نظر إلى نفسه صغيراً ورأى موجده منزهاً عما يليق به
سمى ربه كبيراً وذا كبرياء لما كبر عنده بما له فيه من التأثير والقهر، فلو لم يكن العالم مؤثراً

٣٥٢
في المنازلات / الباب السابع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازل التواضع الكبريائي
فيه لله تعالى ما علم أنه صغير ولا أن ربه كبير، وكذلك رأى لما قامت الحاجة به والفقر إلى
غيره احتاج أن يعتقد ويعلم أن الذي استند إليه في فقره له الغنى فهو الغني سبحانه في نفس
عبده، وهو بالنظر إلى ذاته معرى عن النظر إلى العالم لا يتصف بالغنى لأنه ما ثم عن من،
وكذلك إذا نظر إلى ذله علم أنه لا يذل لنفسه وإنما يذل تحت سلطان غيره عليه فسماه عزيزاً
لأنه عز الحق في نفس هذا العبد لذله، فالعبد هو محل الكبرياء والغنى والعظمة، والعزة التي
الله فوصف العبد ربه بما قام به فأوجب المعنى حكمه لغير من قام به، ومن هنا برقت بارقة
لمن قال من أهل النظر أن الباري مريد بإرادة حادثة لم تقم به لأنه ليس محلاً للحوادث فخلق
إرادة لا في محل فأراد بها فأوجبت الإرادة حكمها لمن لم تقم به هذا القدر، وهو الذي لاح
عندهم من روح هذا الأمر الذي ذكرناه في الكبرياء، وما تم لهم تحقق النظر إلى آخره بل
عبروا عن ذلك بعبارات سيئة مختلطة، فإن أكثر العقلاء يرون أن المعاني لا توجب أحكامها
إلا لمن قامت به، وهذا غلط طرأ عليهم لكونهم أثبتوا الصفات أعياناً متعددة وجودية لا تقوم
بنفسها بل تستدعي موصوفاً بها تقوم به فيوصف بها، فلو علموا أن ذلك كله نسب وإضافات
في عين واحدة تكون تلك العين بالنسبة إلى كذا عالمة، وإلى كذا قادرة، وإلى كذا مريدة،
وإلى كذا كبيرة، وإلى كذا غنية، وإلى كذا عزيزة إلى سائر الصفات والأسماء لأصابوا، ألا
نراهم يقولون في الكبرياء والعظمة والغنى والعزة أنها صفات تنزيه أي هو منزه عندهم عن
نقيضها؟ وليس الأمر عند المحققين كما قالوه وإنما هو منزه عن قيام الكبرياء به بحيث أن
يكون محلاً له، بل الكبرياء محله الذي عينه الحق له وهو السموات والأرض فقال: ﴿وَلَهُ
الْكِبْرِيَُّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧] وهو أي هوية الحق العزيز أي المنيع لذاته أن تكون
محلاً لما هي السموات الأرض له محل وليس إلا الكبرياء، فما كبر إلا في نفس العالم وهو
أجل من أن يقوم به أمر ليس هو بل هو الواحد من جميع الوجوه وهو الحكيم بما رتبه في
الخلق، ومن جملة ما رتبه بعلمه وحكمته أنه جعل السموات والأرض محلاً لكبريائه فكأنه
يقول: وله الكبرياء الذي خلقه في نفس السموات والأرض حتى يكبروا إلههم به وكذلك وقع
فكبروه في نفوسهم فقالوا: إنه ﴿ذُو الْجَلِ﴾ أي صاحب الجلال الذي نجده في نفوسنا له
﴿وَآلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] بنا، فإن نظرت بعين الحقيقة ففتح الله منك عين الفهم علمت من
سميت ومن وصفت ومن نعت ولمن هي هذه النعوت وبمن قامت وإلى أي عين نسبت؟.
وأما قوله فيما وصف به نفسه مما هو عند النظار صفة للخلق حقيقة وأخذوه في الله
تجوّزاً من جوع وظمأ ومرض وغضب ورضى وسخط وتعجب وفرح وتبشبش إلى قدم ويد
وعين وذراع وأمثال ذلك مما وردت به الأخبار عن الله على ألسنة الرسل، وما ورد من ذلك
في الكلام المنسوب إلى الله المعبر عنه بصحيفة وقرآن وفرقان وتوراة وإنجيل وزبور فالأمر
عن المحققين أن هذه كلها صفات حق لا صفات خلق، وأن الخلق اتصف بها مزاحمة للحق
كما اتصف العالم أيضاً بجميع الأسماء الإلهية الحسنى وأجمع النظار عليها والكل أسماؤه من
غير تخصيص، هذا مذهب المحققين فيه فإنه صادق ولهذا نحن في ذلك على التوقيف فلا

٣٥٣
في المنازلات / الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة
نصفه إلا بما وصف به نفسه ولا نسميه إلا بما سمى به نفسه لا نخترع له اسماً ولا نحدث له
حكماً ولا نقيم به صفة، فإنه قد قدمنا لك أنه لا يماثلنا ولا نمائله، فليس كمثله شيء منا
وليس كمثلنا شيء منه، فهو لنفسه بنفسه ونحن لنا به لأنا لا نستقل بوجودنا كما استقل هو إلا
أنه خلق العالم على صورته، ولذلك قبل التسمي بأسمائه، فانطلق على العالم ما انطلق على
الحق من حيث ما أطلقه الحق على نفسه، فعلمنا أنه في أسمائه الأصل لا نحن، فما أخذ شيئاً
هو لنا ولا نستحقه بل كل ذلك له، ومن جملة ما خلق الله الخيال وظهر لنا فيه بهذه الأسماء
والصفات ففصلنا وقسمنا ورفعنا وخططنا ولم يترك شيئاً من صفات العالم عندنا إلا وصفنا بها
خالقنا فكشف لنا فإذا ذلك كله صفاته لا صفاتنا، فصفات العالم على الحقيقة هوية الحق
والاختلاف في التجليات الإلهية لحقائق الممكنات في عين الحق فإنه عين الصورة التي
أدركناها، إذ لا نشك فيما رأينا أنا رأينا الحق بالعلامة التي بيننا وبينه وهو من هويته بصرنا
وسمعنا، فما رأيناه إلا به لا ببصرنا ولا سمعنا كلامه إلا به لا بسمعنا، فلا بد من عين هو
مسمى العالم، ولا بد من عين هو مسمى الحق، ليس كمثل واحد شيء من الآخر، فهذا
بعض ما يحوي عليه التواضع الكبريائي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة
في معرفة منازلة مجهولة وذلك إذا ارتقى من غير تعيين قصد ما يقصده من الحق
وكل شيء عند الحق معين فقد قصده من الحق ما لا يناسب قصده من عدم التعيين
[نظم: الوافر]
وإن بِنَّا نكون على السَّوَاءِ
نَكُونُ على النَّقيض إذا اجتمعنا
بلا شَكّ سواه ولا مِرَاءِ
وفي الشَّحقيق ما في الكَوْنِ عَيْنٌ
عَمِيتُمْ عن مطالعة العَمَاءِ
فقُل للمنكرين صَحِيحَ قَوْلي
كثيرٌ شكلُه شَكْلُ المَرَائي
وعن نفس تَكَوَّنَ فيه خَلْقٌ
بحكم ثابت في كل رائي
فيقلبُ صورة الرائي إليه
قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فعين لمعين وزاد غير معين،
سألت بعض شيوخنا عن الزيادة فقال: ما لم يخطر بالبال. وقال رَّ: ((إنَّ فِي الجَنَّةِ مَا لا عَيْنٌ
رَأَتْ وَلاَ أُذُنْ سَمِعَتْ وَلَاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ)) فلا بد أن يكون غير معلوم للبشر، ولا بد أن
يكون في البشر صفة غير معلومة ولا معينة منها يحصل له هذا الذي ذكر أنه ما خطر على قلب
بشر موازنة مجهول لمجهول، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ [السجدة: ١٧] فنكر ونفى العلم ما
أخفى لهم من قرّة أعين، فعلمنا على الإجمال أنه أمر مشاهد لكونه قرنه بالأعين لم يقرنه
بالأذن ولا بشيء من الإدراكات، ولذلك علمنا أن قوله {وَ ﴾: ((جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)»
أنه ما أراد المناجاة وإنما أراد شهود من ناجاه فيها، ولهذا أخبرنا أن الله في قبلة المصلي
فقال: ((اعْبُدِ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فإنه ◌َّ كان يراه في عبادته ما كان كأنه يراه، ومن أهل الله من
الفتوحات المكية ج٦ - م٢٣

٣٥٤
في المنازلات / الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة
تكون له هذه الرتبة ولولا حصولها ما قرنها بالعبادة دون العمل، فما قال: اعمل الله كأنك تراه
فإن العبادة من غير شهود صريح أو تخيل شهود صحيح لا تصح، وفي هذا الباب قوله تعالى:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وفيه علم مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وكل ما هو
علمه موقوف على الله لا يعلم إلا بإعلام الله أو بإشهاده، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا
تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ومن هذا الباب: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ ﴾ [البقرة: ١٨٤] من غير
تعيين أيام معينة .
أما صورة هذه المنازلة من العبد فهي كما قال أبو يزيد في الجلوس مع الله بلا حال ولا
نعت وهو أن يكون العبد في قصده على ما يعلمه الله لا يعين على الله شيئاً فإنه من عين في
قصده على الله شيئاً فلا فرق بينه في الصورة وبين من عبد الله على حرف، فصاحب هذه
المنازلة يعبد ربه بتعيين الأوقات لا بتعيينه فهو في حكم وقته والوقت من الله لا منه، فلا
يدري بماذا يفجأه وقته، فغايته أن يكون مهيأ لوارد مجهول إلهيّ يقيمه في أي عبادة شاء،
فتنتج له تلك العبادة من الحق في منازلته ما لا يناسب ذلك العمل في علمه إلا أنه مناسب
لعبادته في ذلك العمل، فهو زيادة بالنظر إلى العمل نتيجة بالنظر إلى العبادة فيه، وهذا مقام ما
وجدنا له ذائقاً في علمنا من أهل الله لأن أكثرهم لا يفرقون بين العبادة والعمل، وكل عمل لا
يظهر له الشارع تعليلاً من جهته فهو تعبد، فتكون العبادة في كل عمل غير معلل أظهر منها في
العمل المعلل، فإن العمل إذا علل ربما أقامت العبد إليه حكمة تلك العلة وإذا لم يعلل لا
يقيمه إلى ذلك العمل إلا العبادة المحضة .
واعلم أن العبادة حال ذاتيّ للإنسان لا يصح أن يكون لها أجر مخلوق لأنها ليست
بمخلوقة أصلاً، فالأعيان من كل ما سوى الله مخلوقة موجودة حادثة، والعبادة فيها ليست
بمخلوقة فإنها لهذه الأعيان أعني أعيان العالم في حال عدمه وفي حاله وجوده، وبها صح له
أن يقبل أمر الله بالتكوين من غير تثبط، بل أخبر الله تعالى أنه يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:
٤٠] فحكم العبادة للممكن في حال عدمه أمكن فيه منها في حال وجوده، إذ لا بد له في حال
وجوده واستحكام رأيه ونظره لنفسه واستقلاله من دعوى في سيادة بوجه ما لو كان ما كان
فينقص له من حكم عبادته بقدر ما ادّعاه من السيادة، فلذلك قلنا إن حكم العبادة للممكن
أمکن منه في حال عدمه منها في حال وجوده، فمن استصحبته فقد استصحبه الشهود دنيا
وآخرة ونعته إذا كانت هذه حالته أنه لا يفرح بشيء ولا يحزن لشيء ولا يضحك ولا يبكي ولا
يقيده وصف ولا يميزه نعت وجودي فلا رسم له ولا وصف. قال أبو يزيد البسطاميّ رضي الله
عنه في هذا المقام: ضحكت زماناً وبكيت زماناً وأنا اليوم لا أضحك ولا أبكي. وقال في هذا
المقام لما قيل له كيف أصبحت؟ فقال: لا صباح لي ولا مساء إنما الصباح والمساء لمن تقيد
بالصفة وأنا لا صفة لي فوصف نفسه بالإطلاق، ولا يصح الإطلاق إلا في العبادة خاصة لأن
العبد مقيد بإرادة السيد الذي يملكه فيه، ومن كان له الإطلاق فلا يتقيد أجره ولا يتعين لأنّ
العبد لا أجر له ما هو مثل الأجير، وقد كان لشيخنا أبي العباس العريبي من العليا من غرب

٣٥٥
في المنازلات / الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة
الأندلس وهو أوّل شيخ خدمته وانتفعت به له قدم راسخة في هذا الباب باب العبودية وإنما
صاحبها العبد في شأنه كما أن الحق في شأنه فجزاء الإطلاق الإطلاق، سأل جبريل
رسول الله وَّ عن الإحسان فقال: ((أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) وما ذكر العمل وإنما ذكر العبادة،
وقال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠] فهو قولنا: ما جزاء الإطلاق
إلا الإطلاق، والأجور مقيدة من عشر إلى سبعمائة ضعف لأنها أجور أعمال معينة متناهية
الزمان، فلا بدّ أن يتقيد أجرها بالعدد، ولو كان جزافاً فإنه مقيد بالعدد من عند الله كالصابر
يوفى أجره بغير حساب معين علمه عندنا وعند الله مقيد بقدر معلوم، لأن الصبر يعم جميع
الأعمال لأنه حبس النفس على الأعمال المشروعة، فلهذا لم يأخذه المقدار والأعمال تأخذها
المقادير، فعلى قدر ما يقام فيه المكلف من الأعمال إلى حين موته فهو يحبس نفسه عليها
حتى يصح له حال الصبر واسم الصابر فيكون أجره غير معلوم ولا مقدر عنده جملة واحدة،
وإن كان معلوماً عند الله كالمجازفة في البيع من غير كيل في المكيل ولا وزن في الموزون
وفارق الصبر العبادة بأن العبادة له في حال عدمه وعدم تكليفه، والصبر لا يكون له في حال
عدمه ولا في حال عدم تكليفه، فالعبادة لا تبرح معه دنيا ولا آخرة، فإذا كان مشهده عبادته في
حال ارتقائه ونزل الحق إليه كما وصف الحق نفسه بالنزول فوقع الاجتماع وهو المنازلة فمن
حيث أن العبد ذو عمل من الأعمال لأنه لا بد أن يكون في عمل مشروع صالح وهو الذي
يصعد به فإنه براقه لأنه محمول فيتلقاه من الله من حيث ذلك العلم بالبرّ الذي عينه الله لمن
جاء به وهو مقدر معلوم، ثم إن الحق ينظر في هذا المكلف فيراه مع كونه في عمله غير
مشهود له ذلك العمل لعلمه أن الله هو العامل به لا هو، وأنه محل لخلق العمل به، وكالآلة
لوجود ذلك العمل، فيكون الحق يعطي استحقاق ذلك العمل من حيث ما وعد به فيه، وينظر
ما مشهد ذلك الشخص فيحده في عبادته التي لم يزل عليها في حال عدمه، فما ثم جزاء في
مقابلتها إلا أن لا يرزقه الغفلة عنها في زمان خلق الغفلات في المكلفين ما ثم إلا هذا، وهو
الذي قلنا في الممكن في حال وجوده أنه لا بد من حكم سيادة تظهر منه لأنه في زمان حكم
الغفلات. فالعناية بهذا العبد في هذه المنازلة رفع الغفلة عن العبادة في كل حال، فهذه هي
الزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: ٢٦] بما لهم من الأجور بل بما للأعمال
من الأجور، فإنها بعينها للعامل ﴿وَزِيَادَةٌ ﴾ هي ما ذكرناه في حق صاحب العبادة فإنه لا يرزقه
الغفلة في وقت العمل عمن هو العامل، فيرى أن العامل هو الله، وليس يعود الأجر الذي
يطلبه العمل إلا على العامل، فالعامل عنده هو الله فأجرته لو كان ممن يقبل الأجور على قدره
فيحصل للمكلف الذي هو الآلة القابلة للأجور أجر من لو قبل الله الأجر كيف يكون أجره هل
يكون إلا على قدره، وإن قيده العمل فأين أجر هذا المكلف بهذا الشهود من أجر من يرى في
عمله أن المكلف هو العامل لا الحق فيكون أجره على قدر هذا المكلف، فلا يحصل له
سوى أجر العمل خاصة إلا على قدر أجر العامل لأن العامل عنده عينه ولا قدر له، ولولا
ظهوره واتصافه بطاعة ربه في عمله لم يكن له قدر من نفسه، ولهذا ترى مآل المخالف إلى ما

٣٥٦
في المنازلات / الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة
يكون، فلو كان له قدر في نفس الأمر لسعد بحكم قدره وإنما يسعد برحمة الله ولم تتفاضل
سعادتهم لو كان لهم قدر يستحقون به السعادة، ولا نشك أنهم في السعادة متفاضلون كما
أنهم في الأعمال متفاضلون من حال وزمان ومكان وعين عمل ودوام واجتماع وانفراد إلى
غير ذلك فيما يقع به التفاضل، فعلمنا أنه ما ثم جزاء القدر، فعلمنا أن الإنسان من حيث عينه
لا قدر له بطاعة ربه وقدر عمله.
ثم إن الحق بعد هذا النظر وتعيين الجزاء كما قرّرناه ينظر في شهود هذا المكلف فيراه
ذا عبادة والعمل تابع لها فيه وهو لا يتصف بالإعراض عن الأعمال ولا بالإقبال عليه، وأنه
على الحال الذي كان عليه في حال عدمه لم يتغير فيبقيه على حاله ويحجب الغفلة عنه فلا
يكون له أثر فيه بوجه من الوجوه، وهذه هي العصمة العامة، فإذا وقعت منه مخالفة فإنما تقع
بحكم القضاء والقدر من تكوينهما فيه كما وقعت الطاعة فما ينقص له من حاله في عبادته لأن
الغفلة محجوبة عنه والحضور له دائم، فإذا وقع منه ما وقع فهو من الله عين تكوين لذلك
الواقع في هذا المحل ظاهره صورة معصية لحكم خطاب الشرع وهي في نفس الأمر أعني
تلك الواقعة موجود أوجده الله في هذا المحل من الموجودات المسبحة بحمده فلا أثر لهذه
المخالفة فيه كما لا أثر للطاعة فيه، فتسعد النفس الحيوانية بذلك العمل كان العمل ما كان في
الظاهر مما يجري عليه لسان ذنب أو لسان خير، فإنه في نفس الأمر ليس بذنب، وإنما حركته
الحيوانية كحركات غير المكلف لا تتصف بالطاعة ولا بالمعصية، وإنما ذلك إنشاء صور في
هذا المحل ينظر إليها علماء الرسوم قد ظهرت من مؤمن عاقل بالغ فيحكمون عليه بحسب ما
هي عندهم في حكم الشرع من طاعة أو معصية ما يلزمهم غير هذا ما لم يدخل لهم الاحتمال
فيه، فإن دخل لهم الاحتمال في ذلك لم يجز لهم أن يرجحوا جانب لسان الذنب على غير
ذلك، كرجل أبصرته في بلدة صحيحاً سوياً في رمضان يأكل نهاراً مع معرفتك به أنه مؤمن
فيدخل الاحتمال فيه أن يكون به مرض لا تعرفه أو يكون في حال سفر ولا تعرف ذلك فليس
لك أن تقدم على الإنكار عليه مع هذا الاحتمال ولا يلزمك سؤاله عن ذلك بل شغلك بنفسك
أولى بك. وأما قوله في هذا الباب وَ لَّ: ((إنَّ فِي الجَنَّةِ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أَذُنْ سَمِعَتْ وَلاَ
خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ)) فاعلم أنه ما سميت الجنة جنة إلا لما نذكره، وكذلك تسمية الملائكة
جنة وكذلك الجن، فكل ذلك راجع إلى الاستتار، والاستتار ما هو على نمط واحد بل حكمه
مختلف، وذلك أن من هذا النوع كون الحق يتجلى في القيامة ويقول: أنا ربكم ويرونه ومع
هذا ينكرونه ولا يصدقون به أنه ربهم مع وجود الرؤية على رفع الحجاب، فإذا تحوّل لهم في
العلامة التي يعرفونه بها يقولون له أنت ربنا وهو كان الذي أنكروه وتعوّذوا منه، وهو الذي
أقروا به واعترفوا، فما هو هذا الحجاب الذي حصل لهم مع الشهود؟ هل هو أمر وجودي أو
حكم عدمي؟ فهو مشهود محجوب ولا حجاب وجودي ولا حكم للعدم في الموجود فانظر
ما أخفى هذا وليس في العالم في الدنيا واقع إلا هذا في جميع الأمور والناس في غفلة عنه،
كما أنا نؤمن أن الملك معنا والشيطان معنا والحجب المحسوسة ما هي موجودة عندنا وأعيننا

٣٥٧
في المنازلات / الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة
ناظرة، ومع هذا فلا ندرك الملك ولا الجان وهو يرانا وقبيله من حيث لا نراه، فهو وقبيله
يرانا شهوداً عينياً، ونحن نراه إيماناً لا عيناً، فما هو هذا الستر الذي بيننا؟ إذ لو كان بيننا
لحجبهم عنا كما يحجبنا عنهم فلا بد من تعيين حكمة في ذلك، وكذلك الحجب التي ذكر الله
عن نفسه التي بيننا وبينه من نور وظلمة، فمن الظلمة وقع التنزيه فنفينا عنه صفات المحدثات
فلم نره فنحن جعلنا الحجب على أعيننا بهذا النظر، والنور كظهوره لنا حتى نشهده وننكر أنه
هو كما قدمنا في التجلي في القيامة، وهو عند العارفين اليوم في الدنيا على هذا الحكم،
فيشهده العارفون في صور الممكنات المحدثات الوجود، وينكره المحجوبون من علماء
الرسوم، ولهذا يسمى بالظاهر في حق هؤلاء العارفين، والباطن في حق هؤلاء المحجوبين،
وليس إلا هو سبحانه وتعالى، فأهل الله الذين هم أهله لم يزالوا ولا يزالون دنيا وآخرة في
مشاهدة عينية دائمة، وإن اختلفت في الصور فلا يقدح ذلك عندهم.
فإن قال قائل: فموسى أحق بهذه الصفة من الوليّ وقد سأل الرؤية. قلنا له: قد ثبت
عندك إن كنت مؤمناً وإن لم تكن من أهل الكشف أن النبيّ وَل# قد أخبر أن الله يتجلى في
صورة ويتحوّل إلى صورة وأنه يعرف وينكر إن كنت مؤمناً لا تشك في هذا، وأنه قد بين أن
التجلي في الصور بحسب قدر المتجلي له، فإذا علمت هذا تعلم أن موسى قد رأى الحق بما
هو متجل للأولياء، إذا علم أنه يتجلى للأولياء في صور مختلفة لأن موسى وليّ الله، وقد علم
ذلك ومثل هذا فلا يخفى، وإنما سأل التجلي في الصورة التي لا يدركها إلا الأنبياء، ومن
الأنبياء من خصه الله بمقام لم ينله غيره، كالكلام بارتفاع الوسائط لموسى عليه السلام، فطلب
موسى عليه السلام من ربه أن يراه في تلك الصورة التي يطلبها مقامه. وأما رؤيته إياه في
الصورة التي يراها الأولياء فذلك خبره وديدنه، وما جعلك تقول مثل هذا على طريق
الاعتراض إلا لكونك لست بوليّ عارف إذ لو كنت من العارفين لشهدته، ولم يغب عنك علم
ما انفصلنا به في جواب سؤالك فصح قوله أن في الجنة ما لا عين رأت أي في الستر اعتباراً لا
تفسيراً إذ لو رأته عين ما كان مستوراً ولو رأته لنطقت به وكان مسموعاً، ولو كان مسموعاً
لكان محدوداً، ولو كان محدوداً لأخطرته فكان معلوماً، فهو أمر حجبنا عنه بحجاب لا
يعرف، فإنه في الستر المعبر عنه بالجنة، فإذا كان عينه عين الستر فما حجبنا إلا جعلنا ما
رأيناه ستراً فتعلقت الهمة بما خلف الستر وهو المستور فأتى علينا منا وما جعلنا في ذلك إلا
التنزيه، ولهذا جاءت الأنبياء عليهم السلام مع التنزيه بنعوت التشبيه لتقرّب الأمر على الناس
وتنبه الأقربين إلى الله الذين هم في عين القرب مع الحجاب الذي هو الأمر عليه، فيكون في
ذلك التنبيه بالتشبيه رفع الأغطية عن البصر، فيتصف البصر بأنه حديد كما يتصف بصر
المحتضر، قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَآءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] فيرى المحتضر ما لا
يراه جلساؤه، ويخبر جلساءه ما يراه ويدركه ويخبر عن صدق، والحاضرون لا يرون شيئاً كما
لا يرون الملائكة ولا الروحانيين الذين هم معه في مجلس واحد، وقد أخبرنا الله بأن الملائكة
تحضر مجالس الذكر وهم السياحون في طلب هذه المجالس، فإذا رأوا مجلس الذكر نادى

٣٥٨
في المنازلات/ الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة
بعضهم بعضاً: هلموا إلى بغيتكم، وليس أحد من البشر من أهل ذلك المجلس يدركهم إلا
من رفع الله الغطاء عن بصره فأدركهم وهم أهل الكشف، ألم تستمع لقول النبي ◌َّ للذين
يمشون خلف الجنائز ركاباً ألا تستحيون أن الملائكة تمشي على أقدامها في الجنازة وأنتم
تركبون. فالمؤمن ينبغي أن يعامل الموطن بما يعامله به صاحب العيان وإلا فليس بمؤمن حقاً،
فإن لكل حق حقيقة وليست الحقيقة التي لكل حق إلا إنزاله منزلة المشهود المدرك للبصر،
وقد قال هذا رسول الله وهو للرجل الذي سمعه يقول: أنا مؤمن حقاً، فقال له
رسول الله وَلَهُ: ((إنَّ لِكُلُّ حَقٌّ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟)) فقال الرجل: كأني أنظر إلى عرش
ربي بارزاً يعني يوم القيامة، فقال له رسول الله وَّه: «عَرَفْتَ فَالْزَمْ)) ففسر الحقيقة بالنظر
والرؤية وجعله بكأن لأن يوم القيامة ما وقع حساً ولكن وقع في حقه ممثلاً فأدركه في التمثيل
كالواقع في الحس كالعابد الذي قال له: اعبد الله كأنك تراه، فما هذا مثل العرش البارز فإن
الله هنا موجود في نفس الأمر في قبلة المصلي أو العابد في أي عمل كان، وبروز العرش ليس
كذلك، فمن الناس من يعبد الله كأنه يراه للحجاب الذي منعه من أن يراه، ومن الناس من
يعبده على رؤية ومشاهدة، وليس بين الذي يراه والذي لا يراه إلا كون هذا الذي لا يراه لا
يعرفه مع أنه مشهود له عزّ وجلّ والعارف يعرفه، ولكن مثل هذه المعرفة لا ينبغي أن تقال
فإنها لا تقبل، فإذا شهدها الإنسان من نفسه لم يتمكن له أن يجهلها فيكون عند ذلك من الذين
يرون الله في عبادتهم ويزول عنهم حكم كأنك تراه فاعلم ذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] يعني للقوم الذي تقدم
وصفهم جزاء بما كانوا يعملون فما جزاؤهم هنا إلا إخفاؤهم ذلك عن هذه النفس التي لا
تعلم، فيكون إخفاء حال هؤلاء وما لهم عند الله عن هذه النفوس التي لا تعلم جزاء لهم أي
جزاؤهم أن يجهل مقامهم عند الله فلا تقدر نفس قدرهم كما قال الحق عن نفسه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ
اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فأعطاهم نعته في خلقه، فلم تعلم نفس ما أخفي لهؤلاء من قرّة
أعين مما تقرّ به أعينهم وكذلك قال وَّر: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)) وإنما ذكر الأعين
دون جميع الإدراكات لأن كل كلام إلهيّ وغير إلهيّ لا بد أن يكون عينه عن عين موجودة وما
ثم إلا كلام فما ثم إلا أعيان توجد، ومتعلق الرؤية إدراك عين المرئي واستعداد المرئي للرؤية
سواء كان معدوماً أو موجوداً، فإذا رآه قرّت عينه بما رآه إذ كان غيره لا يرى ذلك، ولهذا سأل
موسى الرؤية لتقر عينه بما يراه، فكان رسول الله وَله في حال صلاته صاحب رؤية وشهود،
ولذلك كانت الصلاة محل قرّة عينه لأنه مناج والأعيان كما قلنا تتكوّن بالكلام فهو والحق في
إنشاء صور ما دام مناجياً في صلاته، فيرى ما يتكوّن عن تلاوته وما يتكوّن عن قول الله له في
مقابلة ما تكلم به كما ورد في الخبر الذي فيه تقسيم الصلاة من قول العبد فيقول الله.
وأما قوله في هذا الباب: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧] فإن مآل الشيء لا
يصح أن يكون واقعاً فيرى إلا إن مثل للرائي فهو كأنه يراه فإن المآل يقابل الحال، فالحال
موجود والمآل ليس بموجود، ولهذا سمي مآلاً، والتأويل هو ما يؤول إليه حكم هذا

٣٥٩
في المنازلات / الباب الثامن والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة مجهولة
المتشابه، فهو محكم غير متشابه عند من يعلم تأويله وليس إلا الله والراسخ في العلم يقول:
﴿ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَا﴾ [آل عمران: ٧] يعني متشابهه ومحكمه، فإذا أشهده الله مآله فهو عنده
محكم وزوال عنه في حق هذا العالم التشابه فهو عنده كما هو عند الله من ذلك الوجه، وهو
عنده أيضاً متشابه لصلاحيته إلى الطرفين من غير تخليص كما هو في نفس الأمر بحكم الوضع
المصطلح عليه، فهو وإن عرف تأويله فلم يزل عن حكمه متشابهاً، فغاية علم العالم الذي
أعلمه الله بما يؤول إليه علمه بالوجه الواحد لا بالوجهين، فهو على الحقيقة ما زال عن كونه
متشابهاً لأنّ الوجه الآخر يطلبه بما يدل عليه ويتضمنه كما طلبه الوجه الذي أعلم الله به هذا
الشخص، فعلم الله على الحقيقة به أن يعلم تأويله أي ما يؤول إليه من الجانبين في حق كل
واحد، أو الجوانب إن كانوا كثيرين، فيعلمه متشابهاً لأنه كذا هو إذ كل جانب يطلبه بنصيبه
ودلالته منه، فالمحكم محكم لا يزول، والمتشابه متشابه لا يزول، وإنما قلنا ذلك لئلا يتخيل
أن علم العالم بما يؤول إليه ذلك اللفظ في حق كل من له فيه حكم أنه يخرجه عن كونه
متشابهاً ليس الأمر كذلك بل هو متشابه على أصله مع العلم بما يؤول إليه في حق كل من له
نصيب فيه، فهذه الإحاطة مجهولة ولا تعلم إلا في هذه المنازلة، فيعطى من هذا المتشابه كل
ذي حق حقه كما أعطى الله كل شيء خلقه من الشبه والاشتراك. وأما مفاتح الغيب فلا يعلمها
إلا هو وهو من هذا الباب فلا تعلم إلا بإعلام الله، وإن كانت تعلم فلا تعلم أنها مفاتح
الغيب، فتنبه لهذا واعلم أن الإعلام أظهر لنا أن الاستعدادات من القوابل هي مفاتح الغيب
لأنه ما ثم إلا وهب مطلق عام وفيض جود ما ثم غيب في نفس الأمر ولا شهود بل معلومات
لا نهاية لها، ومنها ما لها وجود، ومنها ما لا وجود لها، ومنها ما لها سببية، ومنها ما لا سببية
لها، ومنها ما لها قبول الوجود، ومنها ما لا قبول لها، فثم مفتاح وفتح ومفتوح يظهر عند
فتحه ما كان هذا المفتوح حجاباً عنه، فالمفتاح استعدادك للتعلم وقبول العلم والفتح التعليم
والمفتوح الباب الذي كنت واقفاً معه، فإذا لم تقف وسرت رأيت في كل قدم ما لم تره
فعلمت ما لم تكن تعلم ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. فالاستعداد غير
مكتسب بل هو منحة إلهية فلهذا لا يعلمه إلا الله فيعلم أن ثم مفاتح غيب لكن لا يعلم ما هو
مفتاح غيب خاص في مفرد مفرد من الغيوب، فإذا حصل الاستعداد من الله تعالى حصل
خَلَقَ
عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ
المفتاح وبقي الفتح حتى يقع التعليم كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ
عَلَّمَهُ أُلْبَيَانَ (٣)﴾ [الرحمن] فالتعليم هو عين الفتح. ومن هذا الباب ﴿فَأَيْنَمَا
الإنسَنَ ا
تُوَلُواْ فَثَمّ وَجْهُ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] كالصلاة على الراحلة فالمستقبل لا يتقيد فهو بحسب ما تمشي
به کذلك لا یعرف العارف أین يسلك به ربه في مناجاته فإنه بحسب ما یناجیه به من کلامه،
وكلامه سور القرآن، فأي سورة أو أي آية شاء قرأ من غير تعيين لأن الشارع ما قيده بسورة
بعينها فهو بحسب ما يلقى في خاطره وذلك إلى الله، فكما لا علم له بما يلقيه في نفسه مما
يناجيه به إلا حتى يلقيه كذلك لا يعلم ما يقول له الحق في مناجاته في منازلته .
ومن هذا الباب قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤] وأيام الله التي يقطعها العبد

٣٦٠
في المنازلات/ الباب التاسع والثمانون وثلاثمائة في معرفة منازلة إليّ كونك وإليك كوني
بعمره لا يعين قدرها ولهذا نكرها، فالذي يجب على المكلف في سفره عدة من أيام أخر له
الاختيار في تعيينها ولكن لا يدري ما يعين منها إلا بإلقاء الله في نفسه ذلك والصوم لا مثل له فلا
يدري في أي صفة يقيمه مما لا مثل لها من جانب الحق وهي كل صفة إلهية لا يمكن للعبد
الاتصاف بها وإن علمها، كما يعلم أن الحق لا يماثله ولا يكون بهذا العلم إلهاً لأن الألوهة
ليست صفته، وهذا معنى قوله ◌َ ﴿ حين سأل ربه: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلُّ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ
أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمٍ غَيْبِكَ)) فدخل في هذا كل اسمَ ممكن أن يتصف
به وكل اسم لا يمكن أن يتصف به، فما لا يتصف به من الأسماء لا مثل له، فيكون معلوماً لنا
في صومنا غير قائم بنا بحيث أن نتصف به، هذا فائدة عدم التعيين في الأيام التي نصومها إذا كنا
مسافرين فأفطرنا فنقضي أيام رمضان أو نؤديه في أيام غير معينة، فصاحب هذه المنازلة يقصد الله
تعالى في عروجه فارغ القلب خالي النفس عرياً عن قصد اسم معين إلهي بما أنت عبد وبما هو
إله فعال لما يشاء، لا يخطر لك أمر تطلبه منه إنما هو أن تكون معه في عروجك بحسب ما يكون
منه مع حفظ أوقاتك فيما وقع عليك من التكليف لاقتضاء حق الوقت ومراعاة خطاب الشرع مع
غيبتك عنك في ذلك بتوليه فيما أنت فيه وأنت محل لجريان مقاديره مع التحفظ ولزوم الأدب أن
يجعلك محلاً لما حجره عليك، فإن أنت سلكت على هذا الأسلوب يبدو لك من الحق في
منازلته ما لم يخطر لك بخاطر بل ما لا ينقال ولا تسعه العبارة .
الباب التاسع والثمانون وثلاثمائة
في معرفة منازلة إليّ كونك وإليك كوني
[نظم: مخلّع البسيط]
وثُّ وَقْتاً إليكَ مِنِّي
إليَّ مِنْكَ الدُّنُوُّ وَقْتاً
وأنت أيضاً أخذْتَ عَنّي
أخذتُ عنك العلومَ فَضْلاً
إذا يقول اللسانُ إنّي
إنّيّتي فيك يا حبيبي
إذا يقول الفؤاد صلني
ما أصْعَبَ القَوْلَ مِنْكَ عندي
ولو دَرَى لاشْتَهَى الشَّمَنِّي
ولم أَغِبْ عنه إذْ تَجَلَّى
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلََّ﴾ [النجم: ٨] فهذه عين المنازلة لأن كل صورة منهما فارقت
مكانهما فكانت كل صورة من الأخرى أدنى من قاب قوسين لكل واحدة من الصورتين قوس
أظهر التقويس والفرقان بين الصورتين الخط الذي قسم الدائرة بنصفين فكان الأمر عيناً
واحدة، ثم ظهر بالصورة أمران، فلما صار الحكم أمرين كان من الأمر الواحد تدلياً لأن العلو
كان له وفي عين هذا التدلي دنو من الأمر الآخر، وكان من الآخر تدان إلى من تدلى إليه فكان
دنوه عروجاً لأن تدلي الأمر الآخر إليه أعلمنا أن السفل كان قسم هذا الآخر، وما تدانى كل
واحد من الآخر إلا ليرجع الأمر كما كان دائرة واحدة لا فصل بين قطريها فكلاهما يسعيان في
إزالة الخط الذي أوجب التقسيم في الدائرة، فموضع التقسيم قوله: ((قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ