Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية فَقَالَتْ: مَا خُلِقْتُ لِهَذَا وَإِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَزْثِ)) فقالت الصحابة: أبقرة تَكَلَّمُ؟ فقال رسول اللهِ وَلَهُ: ((آمَنْتُ بِهِذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)) وذلك أن الروح الأمين أخبره، فلو عاينها رسول الله وَ﴿ لما قال آمنت فهذه بقرة من أصناف الحيوان قد علمت ما خلقت له والإنس والجن خلقوا ليعبدوا الله وما علموا ذلك إلا بتعريف الله على لسان الرسول وهو في فطرتهم ولكن ما كشف لهم عما هم عليه. ومر بعض أهل الله على رجل راكب على حمار وهو يضرب رأس الحمار حتى يسرع في المشي فقال له الرجل: لم تضرب على رأس الحمار؟ فقال له الحمار: دعه فإنه على رأسه يضرب، فهذا حمار قد علم ما تؤول إليه الأمور بالفطرة لا بالفكرة. فانظر يا محجوب أين مرتبتك من مرتبة البهائم، البهائم تعرفك وتعرف ما يؤول إليك أمرك وتعرف ما خلقت له وأنت جهلت هذا كله، ومع هذا فالبهائم في الحيرة في الله وهم مفطورون عليها فإنها المقام الذي يصل إليه أهل النظر الصحيح في الله وأهل التجلي ولذلك قال الله فيمن لم يعرف الله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّ كَلْأَنَْمِّ﴾ يعني في الضلال الذي هو الحيرة ثم قال: ﴿بَّ هُمْ أَضَلُّ سَِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] والسبيل الطريق ((فزادوا ضلالاً))(١) أي حيرة في الطريق التي يطلبونها للوصول إلى معرفة ربهم من طريق أفكارهم، فهذه حيرة زائدة على الحيرة في الله. وكذلك قال فيهم حيثما قال إنما جعل الزيادة في السبيل، وليس إلا الفكر والتفكر فيما منع التفكر فيه وهو النظر في ذات الله فقال: ﴿وَمَن كَانَ فِى هَذِهِةٍ أَعْمَى﴾ وهو حال الجهل بالله كما هو في نفس الأمر من حيث الذات ﴿فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾ كما هو في الدنيا ثم زاد فقال: ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢] وهو الطريق، ولذلك قال عمرو بن عثمان المكي في صفة المعرفة والعارفين: وكما هم اليوم كذلك يكونون غداً، فاعلم إن كنت تفهم تشبيه الله أهل الضلال بالأنعام أنه تعالى ما شبههم بالأنعام نقصاً بالأنعام وإنما وقع التشبيه في الحيرة لا في المحار فيه فلا أشد حيرة في الله من العلماء بالله، ولذلك ورد عن رسول الله وَلّر أنه قال: ((زِذْنِي فِيكَ تَحَيُّراً)) لما علم من علو مقام الحيرة لأهل التجلي لاختلاف الصور، وتصديق هذا الحديث قوله: ((لاَ أُخْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) وقد علمنا ما أثنى الله به على نفسه من بسط يديه بالإنفاق وفرحه بتوبة عبده وغير ذلك من أمثاله، ومن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] وقول رسول الله وَّر: ((لَوْ يَعْلَمُ البَهَائِمُ مِنَ المَوْتِ مَا تَعْلَمُونَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِيناً». فانظر في تنبيهه ◌َيّوعلى حسن استعدادهم وسوء استعدادنا حتى أنه من كان بهذه المثابة من الفكرة في الموت فغايته أن يحصل له استعداد البهائم وهو ثناء على من حصل في هذا المقام وارتفاع في حقه، وكيف ينظر البهائم دون الإنسان في الاحتقار وغاية الثناء عليك من الله أن تشاركها في صفتها فاشحذ فؤادك ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلَّمَا﴾ [طه: ١١٤] فإن لله في خلقه أسراراً ولذلك خلقكم أطواراً. واعلم أن البهائم وإن كانت مسخرة مذللة من الله للإنسان فلا تغفل عن كونك مسخراً (١) ليس هذا نصّ آية كما قد يتبادر إلى الذهن. ٢٨٢ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية لها بما تقوم به من النظر في مصالحها في سقيها وعلفها وما يصلح لها من تنظيف أماكنها ومباشرة القاذورات والأزبال من أجلها ووقايتها من الحر والبرد والمؤذيات لها، فهذا وأمثاله من كون الحق سخرك لها وجعل في نفسك الحاجة إليها فإنها التي تحمل أثقالك إلى بلد لم تكن تبلغه إلا بنصف ذاتك وهو شق الأنفس أي ما كنت تصل إليه إلا بالوهم والتخيل لا بالحس إلا بوساطة هذه المراكب فلا فضل لك عليها بالتسخير فإن الله أحوجك إليها أكثر مما أحوجها إليك، ألا ترى إلى غضب رسول الله وَل﴿ه حين سئل عن ضالة الإبل كيف؟ قال: ((ما لَكَ ولها معها حِذَاؤُها وسِقَاؤُها تَردُ الماءَ وتأكلُ الشَّجَرَ حتى يَجِدَها رَبُّها)» فما جعل لها إليك حاجة وجعل فيك الحاجة إليها وجميع البهائم تفر منك ممن لها آلة الفرار، وما هذا إلا الاستغنائها عنك وما جبلت عليه من العلم بأنك ضار لها ثم طلبك لها وبذل مجهودك في تحصيل شيء منها دليل على افتقارك إليها، فبالله من تكون البهائم أغنى منه كيف يحصل في نفسه أنه أفضل منها؟ صدق القائل: ما هلك امرؤ عرف قدره، فوالله ما يعرف الأمور إلا من شهدها ذوقاً وعاينها كشفاً : [البسيط] لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلا مَنْ يُكابِدُهُ ولا الصَّبَابَةَ إِلَّ مَنْ يُعَانِيهَا ما وصل إليك خبر الفيل وحبسه وامتناعه من القدوم على خراب بيت الله؟ ما بلغك ما فعلت الطير بأصحاب الفيل وما رمتهم به من الحجارة التي لها خاصية في القتل دون غيرها من الأحجار؟ أترى يصدر ذلك منها من غير وحي إلهي إليها بذلك؟ فكم من فيل كان في العالم وكم من أصحاب غزاة كانوا في العالم لما ظهر مثل هذا الأمر في هؤلاء وما ظهر في غيرهم؟ وهل يوحي الله إلى من لا يعقل عنه؟ وهل قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] هل ذلك إلا ليفهموا لتقوم عليهم الحجة إذ خالفوا أو يعملوا بما فهموا فيسعدوا؟ هل سمعت في النبوة الأولى والثانية قط أن حيواناً أو شيئاً من غير الحيوان عصى أمر الله أو لم يقبل وحي الله؟ أين أنت من فرار الحجر بثوب موسى عليه السلام حتى بدت لقومه سوأته ليعلموا كذبهم فيما نسبوه إليه وبرأه الله مما قالوا؟ أترى فرار الحجر هل كان عن غير أمر الله إياه بذلك؟ أترى إباية السموات والأرض والجبال عن حمل الأمانة وإشفاقهم منها عن غير علم بقدر الأمانة؟ وما يؤول إليه أمر من حملها فلم يحفظ حق الله فيها وعلمهم بالفرق بين العرض والأمر، فلما كان عرض تخيير احتاطوا لأنفسهم وطلبوا السلامة، ولما أمرهم الحق تعالى بالإتيان فقال السماء والأرض: ﴿ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَاً أَنْيِّنَا طَابِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] طاعة لأمر الله وحذراً أن يؤتى بهما على كره، أترى لو نزل القرآن على جبل فخشع وتصدع من خشية الله أترى ذلك منه عن غير علم بقدر ما أنزل الله عليه؟ وما خاطب به من التخويفات التي تذوب لها صم الجبال الشامخات، كم بين الله ورسوله لنا ما هي المخلوقات عليه من العلم بالله والطاعة له والقيام بحقه ولا نؤمن ولا نسمع ونتناول ما ليس الأمر عليه لنكون من المؤمنين ونحن على الحقيقة من المكذبين، ورجحنا حسنا على الإيمان بما عرّفنا به ربنا لما لم نشاهد ذلك مشاهدة عين. ٢٨٣ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية واعلم أنه من علم أن الموجودات كلها ما منها إلا من هو حي ناطق أو حيوان ناطق المسمى جماداً أو نباتاً أو ميتاً لأنه ما من شيء من قائم بنفسه وغير قائم بنفسه إلا وهو مسبح ربه بحمده، وهذا نعت لا يكون إلا لمن هو موصوف بأنه حي، ومن كان مشهده هذا من الموجودات استحى كل الحياء في خلوته التي تسمى جلوة في العامة كما يستحي في جلوته فإنه في جلوة أبداً لأنه لا يخلو عن مكان يقله وسماء تظله، ولو لم يكن في مكان لاستحى من أعضائه ورعية بدنه فإنه لا يفعل ما يفعل إلا بها فإنها آلاته وأنه لا بد أن تستشهد فتشهد ولا يستشهد الله إلا عدلاً، فصاحب هذه الحال لا يصح أن يكون في خلوة أبداً، ومن كان هذا حاله فقد لحق بدرجة البهائم، والدليل على ذلك أن رسول الله وَّر قد ذكر عنه في الصحيح أنه قال: ((إنَّ لِلْمَيْتِ جُؤَاراً وَإِنَّ السَّعِيدَ مِنْهُمْ يَقُولُ: قَدْمُونِي قَدِّمُونِي)) يعني إلى قبره ((وإنَّ الشَّقِيَّ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي؟)) وأخبر ◌َّ أن كل شيء يسمع ذلك منه إلا الإنس والجن فدخل تحت قوله: ((كل شيء)) مما يمر عليه ذلك الميت من جماد ونبات وحيوان. وثبت أن رسول الله وَ# كان راكباً على بغلة فمر على قبر دائر فنفرت البغلة فقال: ((إنَّهَا رَأَتْ صَاحِبَ هَذا القَبْرِ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ فَلِذَلِكَ نَفَرَتْ)) وقال في ناقته لما هاجر ودخل المدينة ترك زمامها فأراد بعض الصحابة أن يمسكها فقال: ((دَعُوها فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ)) ولا يؤمر إلا من يعقل الأمر حتى بركت بنفسها بفناء دار أبي أيوب الأنصاري فنزل به. وقال في الصحيح: ((إِنَّ المُؤَذِّنَ يَشْهَدُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ))، وهذا كله متباين لكل شيء، ولا يشهد هذا من الإنس والجن إلا أفراد من أفراد هذين النوعين، فإن الجن يجتمعون مع الإنس في الحد، فإن الجن حيوان ناطق، إلا أنه اختص بهذا الاسم لاستتاره عن أبصار الإنس غالباً فهم مع الإنس كالظاهر من الإنسان وحده مع باطنه ولذلك قال تعالى في غير هذين النوعين: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا ◌َبْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] والأمثال هم الذين يشتركون في صفات النفس فكلهم حيوان ناطق، ثم قال تعالى فيهم: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] يعني كما تحشرون أنتم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] للشهادة يوم الفصل والقضاء ليفصل الله بينهم كما يفصل بيننا فيأخذ للجماء من القرناء كما ورد، وهذا دليل على أنهم مخاطبون مكلفون من عند الله من حيث لا نعلم، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فنكر الأمة والنذير وهم من جملة الأمم ونذيرهم قد يكون لكل واحد منهم نذير في ذاته، وقد يكون للنوع من جنسه لا بد من ذلك من حيث لا يعلمه ولا يشهده إلا من أشهده الله ذلك كما قال في الشيطان إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، وذكر أنهم يوحون إلى أوليائهم ليجادلونا ويظن المجادل الذي هو ولي الشيطان أن ذلك من نفسه ومن نظره وعلمه وهو من وحي الشيطان إليه، يعرف ذلك أهل الكشف عيناً ويسمعونه بآذانهم كما يسمعون كل صوت، وما من حيوان إلا ويشهد ذلك، ولذلك أخرسهم الله عن تبليغ ما يشهدونه إلينا، فهم أمناء بصورة الحال في حقنا، ولا يكشف الله لأحد من النوع الإنساني ما يكشفه للبهائم مما ذكرناه إلا إذا رزقه الله الأمانة وهي أن يستر ٢٨٤ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية عن غيره ما يراه من ذلك إلا بوحي من الله بالتعريف، فإن الله ما أخذ بأبصار الإنس وبأسماعهم في الأكثر وبالفهم في أصوات هبوب الرياح وخرير المياه وكل مصوت إلا ليكون ذلك مستوراً، فإذا أفشاه هذا المكاشف فقد أبطل حكمة الوضع إلا أن يوحى إليه بالكشف عن بعض ذلك فحينئذ يعذر في الإفشاء بذلك القدر. وفي هذا المنزل من العلوم: علم ثناء الرحماء وعلم من أظهر الشريك وهو لا يعتقده كما أنه من الموحدين من ينفي الشريك وهو يعتقده وهو الذي يرى أن من الأسباب من يفعل الشيء لذاته، والموحد في الأفعال يرى أنه لا فاعل إلا الله كمن يقول: إذا اجتمع الزاج والعفص وارتفعت الموانع الطبيعية فإنه لا بد من السواد الذي هو المداد مع كونه موحداً والموحد من يرى إيجاد السواد لله كالأشاعرة وأمثالهم، وأن الإمكان يقضي أن يكون اجتماعهما مع ارتفاع الموانع الطبيعية، ولا يكون سواد إلا إن خلق الله ذلك اللون فيه هذا في الطبعيين، وأما في المتكلمين الموحدين فإنهم يقولون: إن الناظر إذا عثر على وجه الدليل فإن المدلول يحصل ضرورة مع تفريقهم بين وجه الدليل والمدلول، وهذا لا يصح عند السليم العقل فإنه يحصل وجه الدليل ولا يحصل المدلول ولا يتمكن لهم أن يقولوا: إن وجه الدليل هو عبارة عن حصول المدلول فإنهم يفرقون بين وجه الدليل والمدلول، فلو زادوا مع ضرورة عادة لا عقلاً لم يعترض عليهم، فإنه لا فرق بين وجه الدليل والرؤية في الرائي بل الرؤية أتم، ونحن نعلم بالإيمان أن الله قد أخذ بأبصارنا مع وجود الرؤية فينا عن كثير من المبصرات لغيرنا فلم يحصل المرئي ضرورة مع وجود الرؤية وارتفاع الموانع التي تقدح في هذه النشأة الطبيعية، فيرى الإنسان الواحد ما لا يراه الآخر مع حضور المرئي لهما واجتماعهما في سلامة حاسة البصر، فهذا حجاب إلهي ليس للطبيعية ولا للكون فيه أثر وهذا كثير، فكم من مشرك في الظاهر موحد في الباطن وبالعكس. وفيه علم الآجال ما يعلم منها وما لا يعلم. وفيه علم كينونية الله في أينيات مختلفات بذاته ومثل ذلك مثل البياض في كل أبيض، إن فهمت فإن الله تعالى ما ذكر عن نفسه حكماً فيه لا يكون له مثل في الموجودات لأنه لو ذكر مثل هذا لم تحصل فائدة التعريف غير أنه يدق على بعض الأفهام، فمن ظهر له الموجود الذي له عين ذلك الحكم علمنا أنه المخاطب من الله بذلك الحكم لا غيره كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] فبعض الناس قد علم ما أراد بالكبر هنا وبعضهم لا يعرف ذلك، فالذي عرف ذلك هو المخاطب بهذه الآية وهكذا في كل خطاب حتى في: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] خاطب به من يعلم نفي المثلية في الأشياء. وفيه علم عموم تعلق العلم الإلهيّ بالمعلومات، ومن علم منا حصر المعلومات في واجب ومحال وممكن في نفس الأمر قد عم من وجه كلي وبقي الفصل بين العلماء في نفس الأمر المحكوم عليها بأحد هذه الأحكام. وفيه علم ما يأتي من الممكنات وهي كلها آيات فيعرض عن النظر في كونها آية من يعرض ما السبب في إعراض واحد وعدم إعراض آخر في ذلك. وفيه علم من يشكك نفسه فيما قد تبين له ما السبب الذي ٢٨٥ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية يدعوه إلى ذلك التشكيك. وفيه علم من أي حقيقة إلهية خلق الله الالتباس في العالم هل كان ذلك لكونه يتجلى لعباده في صور مختلفة تعرف وتنكر مع أنه تعالى في نفسه على حقيقة لا تتبدل ولا يكون التجلي إلا هكذا، فما في العالم إلا التباس وذلك لكون الشارع قد أخبر أن المؤمن يظهر بصورة الكافر وهو سعيد، والكافر يظهر بصورة المؤمن وهو شقي، فلا يقطع على أحد بسعادة ولا بشقاء لالتباس الأمر علينا فهذا عندنا ليس بالتباس، وإنما الالتباس أن نقطع بالشقاء على السعيد وبالسعادة على الشقي، حينئذ يكون الأمر قد التبس علينا، وأما إذا لم نقطع فما التبس علينا شيء. وفيه علم أن الحكم للرحمة يوم القيامة. وأن العدل من الرحمة، ويوم القيامة يوم العدل في القضاء، وإنما تأتي الرحمة في القيامة ليشهد الأمر حتى إذا انتهى حكم العدل وانقضت مدته في المحكوم عليه وتولت الرحمة الحكم فيه إلى غير نهاية. وفيه علم ما هو الله وما هو للخلق، وأعني بما هو الله أنه مخلص. وفيه علم الوصف الخاص بالله الذي لا يشركه فيه من ليس بإله. وفيه علم لم تعددت الأسماء الإلهية باختلاف معانيها؟ فهل هي أسماء لما تحتها من المعاني أو هي أسماء لمن نسبت إليه تلك المعاني؟ وهل تلك المعاني أمور وجودية أو نسب لا وجود لها؟ وفيه علم الإنصاف والعدل في القضايا والحكومات. وفيه علم ما يغني من الاستحقاق بعد انقضاء مدّة حكمه وما معنى الفلاح في نفيه عن المستحق بالعقوبة؟ وفيه علم جحد المشرك الشريك هل له في ذلك وجه إلى الصدق أو هو كاذب من كل وجه؟ وذلك أن القائل في الحقيقة ليس غير الله، فلا بدّ أن يكون له وجه إلى الصدق، من هناك ينسب أنه قول الله، وإن ظهر على لسان المخلوق فإن الله قاله على لسان عبده. وقد ورد عن الرسول وَّة في الصحيح: ((إنَّ اللهَ يَقُولُ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ) وَنَطَقَ القُرْآنُ بِذَلِكَ، فعين كلام الترجمان هو كلام المترجم عنه. وفيه علم ما تعطيه الأحوال فيمن قامت به من الأحكام. وفيه علم ما ينتجه القطع بوقوع أحد الممكنين من غير دليل. وفيه علم ما يسخطه العارف الذي له الكشف من فعل الحق مما لا يسخطه والسخط من عمل الباطن حتى لو لم يقم به سخط في باطنه، وأظهر السخط كان حاله إلى النفاق أقرب من حاله إلى الإيمان. وفيه علم الحث على النفاق هل يناقض التسليم، وإذا اجتمع صاحب تسليم وصاحب مداراة أيّ الرجلين أعلم؟ وفيه علم السبب المانع للسامع إذا نودي ولم يجب هل يقال إنه سمع أو يقال فيه إنه لم يسمع. وفيه علم الظلمة وهو العمى والضلال وهو الحيرة. وفيه علم عموم الحشر لكل ما ضمنته الدار الدنيا من معدن ونبات وحيوان وإنس وجان وسماء وأرض. وفيه علم السبب الذي يدعو إلى توحيد الحق سبحانه ولا يتمكن معه إشراك وهل له حكم البقاء فيبقى حكم التوحيد أو لا بقاء له أو يبقى في حق قوم دون قوم؟ وفيه علم عموم الإيمان ولهذا يكون المآل إلى الرحمة التي لا يرحم الله إلا المؤمنين فإنه من الرحمة حكم عموم الإيمان. وفيه علم البوادة والهجوم وله باب في الأحوال من هذا الكتاب. وفيه علم من تكلف العلم وليس بعالم فصادف العلم هل يقال فيه إنه عالم أم لا؟ وفيه علم الحب لله ٢٨٦ في المنازل/ الباب الثامن والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الأمة البهيمية والبغض لله هل للذي بغض لله وجه يحب فيه لله كما له من الله وجه يرزقه به على بغضه فيه؟ وفيه علم فائدة التفصيل في المجمل. وفيه علم فطرة الإنسان على العجلة في الأشياء إذا كان متمكناً منها. وفيه علم الغيوب وما يعلم منها وما لا يعلم منها، والأسباب المجهولة مسبباتها من حيث أنها لهذه الأسباب مع العلم بها وبأسبابها لا من حيث أنها أسباب لها. وفيه علم الله شخصيات العالم. وفيه علم الوفاة والبعث في الدنيا وعلم الوفاة التي يكون البعث منها في الآخرة والانتقال إلى البرزخ في الموتتين. وفيه علم مراتب الأرواح الملكية في عباداتهم. وفيه علم عموم نجاة العالم المشرك وغير المشرك وهو علم غريب منصوص عليه في القرآن ولا يشعر به. وفيه علم السبب الموجب لترك الفعل من القادر عليه. وفيه علم لكل اسم مسمى ولا يلزم من ذلك وجود المسمى في عينه وأيّ مرتبة تعم جميع المعلومات بالوجود سواء كان المعلوم محال الوجود أو لا يكون. وفيه علم ما يكون من الجزاء برزخاً فينتج العمل به جزاء آخر. وفيه علم الردة لماذا ترجع وما هو إلا سلوك إلى أمام كما نقول: رجعت الشمس في زيادة النهار ونقصه وما عندها رجوع بل هي على طريقها فهل هو كالنسخ في الأشياء وهو انتهاء مدّة الحكم وابتداء مدة حكم آخر والطريق واحدة لم يكن في السالك عليها رجوع عنها. وفيه علم النفخ واختلاف أحكامه مع أحدية عينه. وفيه علم المشاهدة والفرق بينها وبين علم النظر. وفيه علم الاستدلال. وفيه علم لكل علم رجال ولكل مقام مقال وإن كان لا ينقال فمقالة حال. وفيه علم من تشبه بمن لا يقبل التشبيه به ما الذي دعاه إلى ذلك. وفيه علم الإعادة أنها على صورة الابتداء وإن لم تكن كذلك فليست بإعادة. وفيه علم هل يكون الشيء محلاً لضده أم لا؟ وفيه علم إيضاح المبهمات. وفيه علم حكم الليل والنهار ونسبة الولوج والغشيان والتكوير إليهما وكونهما جديدين وملوين. وفيه علم إخراج الكثير من الواحد وكيف لا يصح ذلك إلا بالتدريج على التركيب الطبيعي الذي لا يتركب إلا بالواحد. وفيه علم ما معنى الاستحالات في الأشياء. وفيه علم الأحكام هل يصح كل حكم على من توجه عليه أو منها ما يصح ومنها ما لا يصح والحاكم الله، فكيف يكون في الوجود حكم لا يصح على المحكوم عليه؟ وفي هذه المسألة غموض من كون الحكم بالشريك قد ظهر في الوجود وهو حكم باطل إذا نسب إلى الله إذ هو تعالى لا شريك له في ملكه. وفيه علم اتساع المقالة في الله وأنه الإمهال الإلهيّ لا إهمال. وفيه علم ما تؤثر التسمية وما يؤثر تركها. وفيه علم ما تضمنته هذه الأبيات وهي: [البسيط] إلاّ الذي حَبِيَتْ بالعِلْمِ أَنْفَاسُهُ الجَهْلُ مَوْتٌ ولكنْ ليس يَعْلَمُهُ إلا الذي قَوِيَتْ بالفَتْلِ أمْرَاسُهْ لا يَغْرِفُ الحَلَّ في عَقْدِ رُبِطْتَ به ومن تَخَيَّلَ هذا صَحَّ إِبْلاسُه وما حَلَلْتَ ولكن أنت تَزْعَمُه وهو الذي في غِنَاه صَحَّ إِفْلاسُهْ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ لا هادٍ يُبَصِّرُهُ وفيه علم ما يقع في التضعيف. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . ٢٨٧ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد والإكرام والإهانة ونشأة الدعاء في صورة الإخبار وهو منزل محمدي [نظم: المضارع] ومن جَوْهَرٍ وعَيْنِ صِحَافٌ من اللّجَيْن عليها سُتُورُ صَوْنِ أتـنــا بها كرامٌ أكَلْنا من كلّ لَوْنٍ فلما بَدَتْ إلينا ومنها علومُ كَوْنِ فمنها علومُ نَغْتٍ ومنها عُلُومُ عَيْنِ ومنها علومُ حالٍ ومن قائل ببَيْنِ فمن قائل بوَضلٍ بتَّشْبيه كُلّ عَيْنِ فسبحان من تعـالى فما كَوْنُهُ سواهُ وما كونُه بكَوْني اعلم أن الاثني عشر منتهى البسائط من الأعداد أصابع وعقد، فالأصابع منها تسعة والعقد ثلاث فالمجموع اثنا عشر، ولكل واحد من هؤلاء الاثني عشر حكم ليس للآخر، ومشهد إلهي لا يكون لسواه، ولكل واحد من هذا العدد رجل من عباد الله له حكم ذلك العدد، فالواحد منهم ليس من العدد، ولهذا كان وتر رسول الله # إحدى عشرة ركعة لأن الواحد ليس من العدد، ولو كان الواحد من العدد ما صحت الوترية جملة واحدة لا في العدد ولا في المعدود، فكان وتر رسول الله صَل إحدى عشرة ركعة كل ركعة منها نشأة رجل من أمته يكون قلب ذلك الرجل على صورة قلب النبي # في تلك الركعة. وأما الثاني عشر فهو الجامع للأحد عشر والرجل الذي له مقام الاثني عشر حق كله في الظاهر والباطن يعلم ولا يعلم وهو الواحد الأوّل فإن أوّل العدد من الاثنين، فإذا انتهيت إلى الاثني عشر فإنما هي نهايتك إلى أحد عشر من العدد فإن الواحد الأوّل ليس منه، ولا يصح وجود الاثني عشر إلا بالواحد الأوّل مع كونه ليس من العدد وله هذا الحكم فهو في الاثني عشر لا هو كما يقول : أنت لا أنت، وهؤلاء الاثني عشر هم الذين يستخرجون كنوز المعارف التي اكتنزت في صور العالم، فللعالم علم الصور من العالم ولهؤلاء علم ما تحوي عليه هذه الصور وهو الكنز الذي فيها فيستخرجونه بالواحد الأوّل، فهم أعلم الناس بالتوحيد والعبادة، ولهم المناجاة الدائمة مع الله الذاتية المستصحبة استصحاب الواحد للأعداد مثل قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾ [الحديد: ٤] أي ليس لكم وجود معين دون الواحد، فبالواحد تظهر أعيان الأعداد فهو مظهرها ومغنيها، فالألف نعته إذ بالألف وقعت ألفة الواحد بمراتب العدد لظهوره فهو الأوّل والآخر، وإذا ضربت الواحد في نفسه لم يظهر في الخارج بعد الضرب سوى نفسه، وفي أي شيء ضربت الواحد لم يتضاعف ذلك الشيء ولا زاد، فإن الواحد الذي ضربته في تلك الكثرة إنما ٢٨٨ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد ضربته في أحديتها فلهذا لم يظهر فيها زيادة فإن الواحد لا يقبل الزائد في نفسه ولا فيما يضرب فيه فلا يتضاعف فهو واحد حيث كان، فتقول واحد في مائة ألف بمائة ألف وواحد في اثنين باثنين وواحد في عشرة بعشرة لا يزيد منه في العدد المضروب شيء أصلاً، لأن مقام الواحد يتعالى أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء، وسواء كان من العدد الصحيح أو المكسور لا فرق فهو أعني الواحد يترك الحقائق على ما هي عليه لا تتغير عن ذاتها إذ لو تغيرت لتغير الواحد في نفسه وتغير الحق في نفسه وتغير الحقائق محال، ولم يكن يثبت علم أصلاً لا حقاً ولا خلقاً، فثبت أن الحقائق لا تنقلب أصلاً ولهذا يعتمد على ما يعتمد عليه وهو المسمى علماً . فلنذكر كل رجل من هؤلاء الأحد عشر الذين انتشوا من وتر رسول الله وَ﴾، بل هذه الصور ربما جعلت رسول الله وَلوليوتر بإحدى عشرة ركعة في الصورة الظاهرة، وهذه الصور منه وَّ في الباطن فإنه كان نبياً وآدم بين الماء والطين فأنشأها لما كانت هذه صفته، فلما ظهر ◌َّ بجسده استصحبته تلك الصور المعنوية فأقامت جسده ليلاً لمناسبة الغيب فحكمت على ظاهره بإحدى عشرة ركعة كان يوتر بها فكانت وتره فهي الحاكمة المحكومة له، فمنه وَّ انتشؤوا، وفيه وم # ظهروا، وعليه حكموا بوجهين مختلفين. فمن ذلك صورة الركعة الأولى انتشأ منها رجل من رجال الله يدعى بعبد الكبير من حيث الصفة لا أنه اسم له وهو نشأة روحانية معقولة إذا تجسدت كانت في صورة إنسان صفته ما يدعى به وهكذا هي كل صورة من صور هؤلاء الاثني عشر. واعلم أن المفاضلة في الأسماء الإلهية مثل أعلى وأجل في قول رسول الله وّ حين قال المشركون في رجزهم: أعل هبل أعل هبل، فقال رسول الله وَ الر: ((قولوا)) فقالوا: يا رسول الله وما نقول؟ قال: ((قُولُوا الله أعلى وأجَلٌ))، وهم يسلمون هذا القدر فإنهم القائلون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فهو عندهم أعلى وأجل، فلو صدقوا رسول الله ربَّه في أنه رسول من عند الله الذي يطلبون التقرب إليه بعبادة هؤلاء الآلهة فما سموهم آلهة إلا لكونهم جعلوهم معبودين لهم لأن الإله هو المعبود والآلهة العبادة: وقد قرىء ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] أي وعبادتك، وإذا قال: ﴿وَءَالِهَنَّكَ﴾ يقول: والمعبودين الذين نعبدهم فلما نسبوا الألوهية لهؤلاء الذين عبدوهم ونسبتها إلى الله أتم وأعظم عندهم باعترافهم لذلك قال رسول الله ◌َّ ببنية المفاضلة في ذلك يقول لهم أي هذا قولكم واعتقادكم ولهذا جاء في التكبير في الصلاة لفظة الله أكبر ببنية المفاضلة لا أن الحجارة أفضل ولا ما نحتوه ولا ما نسبوا إليه الألوهية من كوكب وغيره، وإنما وقعت المفاضلة في المناسبة لا في الأعيان لأنه لا مفاضلة في الأعيان لأنه ليس بين العبد والسيد ولا الرب والمربوب ولا الخالق والمخلوق مفاضلة، فإن تحققت ما أومأنا إليه في نشء هذه الصورة علمت مآل المشرك بعد المؤاخذة . نشء صورة الركعة الثانية من الوتر: انتشأ منها رجل من رجال الله تعالى يقال له عبد المجيب، واعلم أن الإجابة فرع عن السؤال، فهذا عبد مؤثر بسؤاله ودعائه في سيده مؤثر فيه ٢٨٩ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد الإجابة لعبده، فإن الله قد أثبت لنفسه عزّ وجلّ على لسان رسوله وَّر أن العبد يرضي الله فيرضى، ويغضب الله فيغضب، ويسخط الله فيسخط، ويضحك الله فيضحك، وما أشبه ذلك مما ورد في الكتاب والسنة، والحق تعالى يؤثر في العبد السؤال ليجيب، والفعل المسخط للحق ليسخط، وذلك لتعلم أن الأمر دوري كروي، وأن منتهى الدائرة يرجع لنقطة ابتدائها فينعطف الآخر على الأوّل هو الأول والآخر فما أرضاه إلا هو ولا أسخطه إلا هو لأنه يتعالى أن يكون مؤثراً لغيره فافهم. وليس لله حكم في العالم إلا ما ذكرناه، ألا تراه يقول: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ النَّقَلَنِ﴾ [الرحمن: ٣١] ولا شغل له إلا بنا فمنا يفرغ لنا فلو زلنا لكان ولم يكن وجوداً وتقديراً ولا يعقل الأمر إلا هكذا ولبطلت الإضافات ولا تبطل لأنها لنفسها هي إضافات فلا يعقل الرب إلا مضافاً، ولذلك ما جاء في القرآن قط مطلقاً من غير إضافة، وإن اختلفت إضافاته فتارة يضاف إلى أسماء الضمائر، وتارة يضاف إلى الأعيان، وتارة يضاف إلى الأحوال، وإن لم تعقل معرفتك بربك هكذا وإلا فما عرفت ربك أصلاً، وإنما عرفت بالتقسيم العقلي أن حكم الواجب الوجود لذاته أن يكون كذا، وهل ثم واجب وجود لذاته أم لا؟ فلا تعرفه إلا بك وما لم تعرفه إلا بك، فلا بدّ أن يكون العلم به موقوفاً على علمك بك، فوجودك موقوف على وجوده، والعلم بربوبيته عليك موقوف على العلم بك، فله الأصل في الوجود ولك حكم الفرع في الوجود، وأنت الأصل في العلم به، وله حكم الفرع في العلم. نشء صورة الركعة الثالثة من الوتر: انتشأ منها رجل من رجال الله يدعى عبد الحميد، اعلم أن الثناء على الله على نوعين: مطلق ومقيد فالمطلق لا يكون إلا مع العجز مثل قوله وَلَّ: ((لا أُخْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) قال قائلهم: [الطويل] إذا نحن أثْنَيْنا عليك بصالح فأنْتَ الذي نُشْني وفوق الذي نُثْني ولا يمكن أن يحيط مخلوق بما يجب لله تعالى من الثناء عليه، لأنه لا يمكن أن يدخل في الوجود جميع الممكنات، ولكل ممكن وجه خاص إلى الله منه يوجده الله، ومنه يعرفه ذلك الممكن، ومنه يثني عليه الثناء الذي لا يعرفه إلا صاحب ذلك الوجه لا يمكن أن يعلمه غيره ولا يدل عليه بلفظ ولا إشارة، فهذا مطلق الثناء على الله بكل لسان مما كان ويكون، ولهذا ثواب قول القائل: سبحان الله عدد خلقه لا يتصور وقوعه في الوجود لكن لا يزال يوجد ثوابه حالاً بعد حال على الدوام إلى ما لا يتناهى. ولهذا أيضاً جاء به الشرع مثلثاً أن يقول العبد ذلك ثلاث مرات ليحصل بذلك الثواب المحسوس، والثواب المتخيل، والثواب المعنوي، فينعم حساً وخيالاً وعقلاً، كما يذكر حساً وخيالاً وعقلاً، كما يعبد حساً وخيالاً وعقلاً. وكذلك ذكر العبد مداد الكلمات الإلهية، وكذلك زنة عرشه إذا كان العرش العالم كله بمحدّده، وكذلك رضى نفسه فيما يفعله أهل الجنة وأهل النار، فإنهم ما يفعلون ولا يتصرفون إلا في المراضي الإلهية لأن الموطن يعطيهم ذلك بخلاف موطن الدنيا والتكليف فإنهم يتصرفون في موطن الدنيا بما يرضي الله وبما يسخطه، وإنما كان ذلك لكون النار جعلها الله دار من سخط عليه، فلا بد أن يتحرك أهلها فيما يسخط الله في دار الدنيا، فإذا سكنوا دار النار ٢٩٠ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد وعمروها لا يمكن أن يتحركوا إلا في مرضاة الله، ولهذا يكون المآل لأهلها إلى حكم الرحمة التي وسعت كل شيء وإن كانت دار شقاء كما يقول في الرسول الذي انتهت رسالته وفرغ منها وانقلب إلى الله أنه رسول الله، وإن كان في ذلك الحال ليس برسول كذلك نقول في دار الشقاء إنها دار شقاء وإن كان أهلها فيها قد زال عنهم الشقاء. وأما الثناء المقيد فالحكماء يقيدونه بصفة التنزيه لا غير، وإن أثنوا عليه بصفة الفعل فبحكم الكل أو الأصالة لا بحكم الشخص، وما عدا الحكماء فيقيدون الثناء على الله بصفة الفعل وصفة التنزيه معاً، وهؤلاء هم الكمل لأنهم شاركوا الحكماء فيما علموا وزادوا عليهم بما جهله الحكماء ولم يعلموه لقصور هممهم للشبهة التي قامت لهم وحكمت عليهم بأنه تعالى ما صدر عنه إلا الواحد المشار إليه فقط، وبأنه تعالى لا يجوز عليه ما نعت به نفسه في كتابه إذ لم يثبت عندهم في نظرهم كتاب منزل ولا شخص مرسل على الوجه الذي هو الأمر في نفسه، وعند أهل الكشف والإيمان انصرف، وبعض عقول النظار مثل المتكلمين غيرهم ممن يقول بذلك من جهة النظر العقلي، وقد سرى في العالم كله حكم صور هذه الركعات الوترية النبوية من وقت كونه نبياً وَل وآدم بين الماء والطين إلى يوم القيامة. نشء صورة الركعة الرابعة من الوتر: انتشأ منها رجل من رجال الله يدعى عبد الرحمن. اعلم أن الرحمة الإلهية التي أوجد الله في عباده ليتراحموا بها مخلوقة من الرحمة الذاتية التي أوجد الله بها العالم حين أحب أن يعرف وبها كتب على نفسه الرحمة، وهذه الرحمة المكتوبة منفعلة عن الرحمة الذاتية، والرحمة الامتنانية هي التي وسعت كل شيء، فرحمة الشيء لنفسه تمدها الرحمة الذاتية وتنظر إليها وفيه يقع الشهود من كل رحيم بنفسه، فإن الله قد وصف نفسه بالحب وشدة الشوق إلى لقاء أحبابه، فما لقيهم إلا بحكم هذه الرحمة التي يشهدها صاحب هذه الرحمة وهي الرحمة التي كتبها على نفسه لا مشهد لها في الرحمة الذاتية ولا الامتنانية. وأما رحمة الراحم بمن أساء إليه وما يقتضيه شمول الإنعام الإلهي والاتساع الجودي فلا مشهد لها إلا رحمة الامتنان وهي الرحمة التي يترجاها إبليس فمن دونه لا مشهد لهؤلاء في الرحمة المكتوبة ولا في الرحمة الذاتية، وبهذا كان الله والرحمن دون غير الرحمن من الأسماء له الأسماء الحسنى، فجميع الأسماء دلائل على الاسم الرحمن وعلى الاسم الله ولكن أكثر الناس لا يشعرون. وما رأيت أحداً من أهل الله نبه على تثليث الرحمة بهذا التقسيم فإنه تقسيم غريب كما هو في نفس الأمر، فما علمناه إلا من الكشف، وما أدري لماذا ترك التعبير عنه أصحابنا مع ظني بأن الله قد كشف لهم عن هذا. وأما النبوّات فقد علمت أنهم وقفوا على ذلك وقوف عين، ومن نور مشكاتهم عرفناه لأن الله رزقنا الاتباع الإلهي والاتباع النبوي، فأما الاتباع الإلهي فهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] فالله في هذه المعية يتبع العبد حيث كان، فنحن أيضاً نتبعه تعالى حيث ظهر بالحكم، فنحن وقوف حتى يظهر بأمر يعطي ذلك الأمر حكماً خاصاً في الوجود فنتبعه فيه ولا نظهر في العامة بخلافه كسكوتنا عن التعريف به أنه هو إذا تجلى في صورة ينكر فيها مع معرفتنا به فهو المقدم ٢٩١ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد بالتجلي وحكم الإنكار، فنحن نتبعه بالسكوت وإن لم ننكر ولا نقر فهذا هو الاتباع الإلهي. وأما الاتباع النبوي الذي رزقنا الله فهو قوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ثم إنه أتبعنا وتأسى بنا في صلاته إذا صلى بالجماعة فيكون فيها الضعيف والمريض وذو الحاجة فيصلي بصلاتهم فهو ◌َّ المتبع والمتبع اسم مفعول واسم فاعل، ثم أمرنا أن نصلي إذا كنا أئمة بصلاة الأضعف فاتبعنا الرحمن بما ذكرناه فنحن التابعون، واتبعنا الرحمن بما تعطيه حقائقنا من الاحتياج والفاقة فيمشي بما نحن عليه فنحن المتبوعون، فانظر ماذا تعطي حقائق السيادة في العبيد وحقائق العبادة والعبودية في السيادة فهذا الرجل هذه صفته في العالم، وبهذه الركعة الرابعة ظهرت أحكام الأسماء الأربعة الإلهية، وأحكام الطبيعة في النشأة الطبيعية، وأحكام العناصر في المولدات الثلاثة التي لها هذه الرحمات الثلاثة، وأحكام الأخلاط في النشأة الحيوانية فلهذا الرجل المهيمنية على هذه كلها. نشء صورة الركعة الخامسة من الوتر: انتشأ منها رجل من رجال الله يقال له عبد المعطي، فتارة يكون عطاؤه وهباً فيكون المعطى عبد الوهاب وتارة يكون عطاؤه إنعاماً فيكون عبد المنعم، وتارة يكون عطاؤه كرماً فيكون المعطى عبد الكريم، وتارة يكون عطاؤه جوداً فيكون المعطى عبد الجواد، وتارة يكون عطاؤه سخاء فيكون المعطى عبد المقيت وعبد السخي، وتارة يكون عطاؤه إيثاراً فيكون المعطى عبد الغني وهذا العطاء أغمض الإعطاءات وأصعبها تصوراً بل يمنعها الجميع إلا نحن، وما رأينا أحداً أثبت هذا العطاء في الإلهيات وما يثبته إلا من علم معنى اسمه الغني اسمه الغني تعالى، وذلك أنه قد ثبت في الصحيح أن العبد يصل إلى مقام يكون الحق من حيث هويته جميع قواه في قوله: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ)) وغير ذلك من أعضائه وقواه الحديث، وهو سبحانه الغني لذاته الغنى الذي لا يمكن إزالته عنه، فإذا قام العبد في هذا المقام فقد أعطاه صفة الغنى عنه وعن كل شيء لأن هويته هي أعيان قوى هذا العبد، وليس ذلك في تقاسيم العطاء إلا للإيثار، فقد آثر عبده بما هو لهويته قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] بل بهم خصاصة. ولما كان عطاء الإيثار فضلاً يرجع على المعطي كان الحق أولى بصفة الفضل، فعطاء الإيثار أحق في حق الحق وأتم في حق العبد، وهذا من علوم الأسرار التي لا يمكن بسط التعريف فيها إلا بالإيماء لأهلها أشجعهم للعمل عليها فإنهم في غاية من الخوف لقبولها فكيف للاتصاف بها وباقي الأسماء هينة الخطب؟ . نشء صورة الركعة السادسة من الوتر: انتشأ منها رجل من رجال الله يقال له عبد المؤمن. اعلم أن الإيمان إذا كان نعتاً إلهياً فهو ما يظهر من الدلالات كلها على وجه صحة ما يدعيه المدعي أي مدع كان على ما كان من غير تعيين بشرط أن يكون دليلاً في نفس الأمر كما يشهد له الحس إن كان الدليل محسوساً حتى لو أعطى العلم الضروري بصدق هذه الدعوى في نفس الحاكم لكان ذلك العلم الضروري عين الدليل على صدق دعوى هذا المدعي فناصب هذه الدلالات هو المصدق لصاحب هذه الدعوى، فإذا صدقه من صدقه وحصل ٢٩٢ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد العلم بذلك في نفس من حصل عنده كان ذلك الشخص الحاصل عنده هذا الدليل مصدقاً لصاحب هذه الدعوى وعاد التصديق كونياً أي في الخلق كما هو في الحق، فكان صاحب الدعوى بين مصدقين محصوراً من أي جهة التفت لم يجد إلا مصدقاً بما جاء به في دعواه، فأعطاه هذا الحال الأمان في نفسه من تكذيبه من هذه الطرفين، ولو جحد الكون فإنه متيقن في نفسه صدق هذا المدعي وليس المراد إلا ذلك أعني حصول العلم بصدقه، فبصورة هذه الركعة سرى التصديق في عالم الإنس والجان في بواطنهم، وذلك حين وقعت منه هذه الركعة في باطن الأمر إذ كان نبياً وآدم بين الماء والطين فلم يزل تسري روحاً مجرداً في كل مصدق حتى ركعها وَّل بصورة جسمه فتجسدت، وليس ذلك الروح من فعله صورة جسدية لأنها من حركات محسوسة فكان فعلها أقوى عندنا للجمع بين الصورتين، كما كان تأثيره وَالو بظهور جسمه أقوى في بعثه منه إذ كان نبياً وآدم بين الماء والطين فإنه نسخ بصورة بعثته جميع الشرائع كلها ولم يبق لشريعة حكم سوى ما أبقى هو منها من حيث هي شرع له لا من حيث ما هي شرع فقط . نشء صورة الركعة السابعة من الوتر: انتشأ منها رجل من رجال الله يقال له عبد الرحيم. اعلم أن الرحمة في عين القادر على إظهار حكمها تعود عذاباً أليماً على من قامت به لأنها من ذاتها تطلب التعدي إلى المرحوم وإظهار أثرها بالفعل فيه، فإذا قامت بالقادر على تنفيذها في المرحوم كان لها أثران: أثر في الراحم وهو ما زال عنه من الألم بحصول أثرها في المرحوم فالراحم مرحوم بها من حيث قدرته على تنفيذها والذي نفذت فيه مرحوم أيضاً بها وبقدرة الراحم على تنفيذها فأثرها فيه من وجهين، والأثر إزالة ما أدى الراحم لتعلق الرحمة بذلك المرحوم، فما كل رحمة تكون نعيماً إلا إذا كان الراحم قادراً على تنفيذها، فللرحمة تجل في صورة العذاب في حق الراحم الذي نفيت عنه الاقتدار ولها تجل في صورة النعيم في حق الراحم والمرحوم إذا كانت في قادر على تنفيذها فقد قبلت الصورتين المتقابلتين، وهذا من أعجب الأمور أن الرحمة تنتج ألماً وعذاباً، فلو لم تقم الرحمة به لم يتصف بالألم هذا الذي لا اقتدار له، ثم الذي في المسألة من العجب العجاب أن الرحمة القائمة بالموصوف بنفوذ الاقتدار قد يكون له مانع من تنفيذها من ذاته فيقوم به ألم الكراهة، وذلك حكم ذلك المانع من كونه متصفاً بالاقتدار على تنفيذها، وهذه المسألة من أصعب المسائل في العلم الإلهي، وظهر حكم ذلك في الصحيح من الأخبار الإلهية عن نفسه تعالى عزّ وجلّ حيث قال: ((مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضٍ نَسَمَةِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ لِقَائِي))، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ. ودل على أن لقاءه تعالى لا يكون إلا بالموت وهو الخروج عن الحس المطلق إلى الحس المشترك كما نراه في النوم لكون النوم ضرباً من ضروب الموت، فإنه وفاة وانتقال من عالم الحس إلى عالم الخيال والحس المشترك فيرى النائم ربه في نومه كما يراه الميت بعد موته، غير أن رؤية الميت ولقاءه ربه لا رجعة بعد رؤيته عنه، والنائم يستيقظ مرسلاً إلى الأجل المسمى، فإن كان اللقاء عن فناء لا عن نوم ثم ٢٩٣ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد رد إلى حال البقاء فحكمه حكم الميت إذا بعث يوم القيامة لا يقع له حجاب عنه فهذا الفارق بين النائم والفاني، ولذلك قال عمرو بن عثمان المكي في صفة العارفين: إنهم كما هم اليوم كذلك يكونون غداً إن شاء الله تعالى، فلم ير أعجب من حكم الرحمة، ألا ترى الطبيب تقوم به الرحمة بصاحب الأكلة ولا يقدر على تنفيذها فيه إلا بإيلامه، فعلى قدر رحمة ذلك الطبيب بصاحب هذه العلة يكون ألمه في نفسه لعدم إنفاذها فيه من غير إيلامه، فلولا رحمته به ما تألم ألا ترى المستشفي كيف لا يجد ألماً بل يجد لذة، فتدبر ما ذكرته لك في العلم الإلهي، ولقد رأيته في الكشف الصحيح والمشهد الصريح ورسول الله وقّه معي وقد أمر تعالى بقتل الدجال لدعواه الألوهية وهو يبكي ويعتذر عنه فيما يعاقب به من أجله وأنه ما بيده في ذلك من شيء، فبكاؤه مثل الألم في نفس الراحم الذي ما له اقتدار على تنفيذ رحمته للمانع، فما في العلم الإلهي حيرة أعظم من هذه الحيرة، ولولا عظمها ما وصف الحق نفسه بالتردد والتردد حيرة فافهم . نشء صورة الركعة الثامنة من الوتر: انتشأ منها رجل من رجال الله تعالى يقال له عبد الملك. اعلم أن الملك الذي أحدث هذه الحقيقة التي تسمى ملكاً فإذا تسمى بها العبد واتصف الحق بالملك لم يتصف به اتصاف المخلوق، فإن المخلوق ملك على الإطلاق والحق ملك الملك لا ملك على الإطلاق، فإنه لا يكون ملكاً للعبد حتى تظهر عند العبد عبوديته له تعالى ويظهر عنده كونه ملكاً لمليكه وهو الله تعالى، وإنما قلنا هذا لأجل طائفة أعطاها نظرها إلى الله أن الله لا يعلم الجزء على التعيين، وإنما يعلم الكل الذي يتضمن الجزء، بخلاف أهل الحق أهل الكشف والوجود، ولهذا كان له اسم الملك والملك أي هذا الوصف ظهر عن شدة لكون أصحاب هذا النظر العقلي لا يثبتونه، فلما لم تجتمع عليه العقول وقعت فيه المنازعة فاستخلصه الحق ملكاً أي عن شدة، واستخلص العبد العارف الحق ملكاً له أي عن شدة لأجل المنازع فسماه ملك الملك ليفرق بينه وبين كون المخلوق ملكاً لله فيتصف المخلوق بالعبودية لله في كونه ملكاً له ويتصف الحق بملك الملك ولا يتصف بالعبودية له وإن كان في الحق تأثير من الخلق كما تقدم، ومع هذا فلا يتصف بالعبودية لأن ذلك ليس عن ذلة لأنه تعالى الأصل في ذلك التأثير فما عاد عليه إلا ما كان منه بخلاف الخلق، فإن المخلوق يعود علیه ما كان منه ويقوم به ما لم يكن منه ابتداء من الحق فاعلم ذلك . نشء صورة الركعة التاسعة من الوتر: انتشأ منها صورة رجل من رجال الله يقال له عبد الهادي. اعلم أن الهداية أثر إلهي في قوله: ﴿مَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وأثر كوني في قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ويعود معناه إلى الأول فإن الهادي الكوني لا يكون إلا رسولاً من عند الله فهو مبلغ لا هاد، معناه لا موفق لكنه هاد بمعنى مبين، قال تعالى في البيان الذي لهم والتبيان الذي أوجبه عليهم الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وقال في الهداية التي هي التوفيق: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] أي ليس عليك أن توفقهم لقبول ما أرسلتك به وأمرتك بتبيانه ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى﴾ [البقرة: ٢٧٢] أي يوفق ﴿مَن ٢٩٤ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] أي بالقابلين التوفيق فإنه على مزاج خاص أوجدهم عليه، فهؤلاء الهداة هم هداة البيان لا هداة التوفيق وللهادي الذي هو الله الإبانة والتوفيق، وليس للهادي الذي هو المخلوق إلا الإبانة خاصة، وإنما قلنا ذلك واستشهدنا بما استشهدنا به لما تقرر عند من لا علم له بالحقائق أن العبد إذا صدق فيما يبلغه عن الله في بيانه أثر ذلك في نفوس السامعين وليس كما زعموا فإنه لا أقرب إلى الله ومن الله ولا أصدق في التبليغ عن الله ولا أحب في القبول فيما جاء به من عند الله من الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، ومع هذا فما عمّ القبول من السامعين بل قال الرسول الصادق في التبليغ ﴿فَلَمّ يَزِدْهُرْ دُعَاءِىّ إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦] فلما لم يعم مع تحققنا هذه الهمة علمنا أن الهمة ما لها أثر جملة واحدة في المدعو، والذي قبل من السامعين ما قبل من أثر همة الداعي الذي هو المبلغ، وإنما قبل من حيث ما وهبه الله في خلقه من مزاج يقتضي له قبول هذا وأمثاله، وهذا المزاج الخاص لا يعلمه إلا الله الذي خلقهم عليه وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] فلا تقل بعد هذا إذا حضرت مجلس مذكر داع إلى الله فلم تجد أثراً لكلامه فيك إن هذا من عدم صدق المذكر لا بل هو العيب منك من ذاتك حيث ما فطرك الله في ذلك الوقت على القبول، فإن المنصف ينظر فيما جاء به هذا الداعي المذكر، فإن كان حقاً ولم يقبله فيعلم على القطع أن العيب من السامع لا من المذكر، فإذا حضر في مجلس مذكر آخر وجاء بذلك الذكر عينه وأثر فيه فيقول السامع بجهله صدق هذا المذكر فإن كلامه أثر في قلبي والعيب منك وأنت لا تدري فلتعلم أن ذلك التأثير لم يكن لقبولك الحق فإنه حق في المذكرين في نفس الأمر، وإنما وقع التأثير فيك في هذا المجلس دون ذلك لنسبة بينك وبين هذا المذكر أو بينك وبين الزمان فأثر فيك هذا الذكر والأثر لم يكن للمذكر إذ قد كان الذكر ولا أثر له فيك، وإنما أثرت المناسبة التي بينتها لك الزمانية أو النسبة التي بينك وبين هذا المذكر وربما أثر لاعتقادك فيه ولم يكن لك اعتقاد في ذلك الآخر فما أثر فيك سواك أو ما أشبه ذلك، ولهذا قلنا في تفسير الهداية الإلهية بالتوفيق والبيان، فقولنا بالتوفيق أي بموافقة النسبة بين السامع والمذكر لا بالبيان فإن البيان فرضناه واقعاً في الحالتين من المذكرين ولم يقع القبول إلا في إحدى الحالين فاعلم ذلك وتحققه ترشد إن شاء الله. وأقل فائدة في هذه المسألة سلامة المذكر من تهمتك إياه بعدم الصدق في تذكيره ورده وردك الحق، فإن السليم العقل يؤثر فيه الحق جاء على يدي من جاء ولو جاء على لسان مشرك بالله عدو الله كاذب على الله ممقوت عند الله لكن الذي جاء هو به حق فيقبله العاقل من حيث ما هو حق لا من حيث المحل الذي ظهر به، وبهذا يتميز طالب الحق من غيره. نشء صورة الركعة العاشرة من الوتر: انتشأ منها رجل من رجال الله يقال له عبد ربه . اعلم أن الربوبية نعت إضافي لا ينفرد به أحد المتضايفين عن الآخر فهي موقوفة على اثنين ولا يلزم أن لا يكونا متباينين، فقد يكونان متباينين وقد يكونان غير متباينين، فمالك بلا ملك لا يكون وجوداً وتقديراً ومليك بلا ملك لا يكون كذلك، والرب بلا مربوب لا يصح وجوداً ٢٩٥ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد وتقديراً وهكذا كل متضايفين، فنسبة العالم إلى ما تعطيه حقائق بعض الأسماء الإلهية نسبة المتضايفين من الطرفين، فالعالم يطلب تلك الأسماء الإلهية وتلك الأسماء الإلهية تطلب العالم كالاسم الرب والقادر والخالق والنافع والضار والمحيي والمميت والقاهر والمعز والمذل إلى أمثال هذه الأسماء، وثم أسماء إلهية لا تطلب العالم ولكن يستروح منها نفس من أنفاس العالم من غير تفصيل كما يفصل بين هذه الأسماء التي ذكرناها آنفاً، فأسماء الاسترواح كالغني والعزيز والقدوس وأمثال هذه الأسماء وما وجدنا لله أسماء تدل على ذاته خاصة من غير تعقل معنى زائد على الذات فإنه ما ثم اسم إلا على أحد أمرين: إما ما يدل على فعل وهو الذي يستدعي العالم ولا بد، وإما ما يدل على تنزيه وهو الذي يستروح منه صفات نقص كوني تنزه الحق عنها غير ذلك ما أعطانا الله، فما ثم اسم علم ما فيه سوى العلمية لله أصلاً إلا إن كان ذلك في علمه أو ما استأثر الله به في غيبه مما لم يبده لنا، وسبب ذلك لأنه تعالى ما أظهر أسماءه لنا إلا للثناء بها عليه، فمن المحال أن يكون فيها اسم علمي أصلاً لأن الأسماء الأعلام لا يقع بها ثناء على المسمى لكنها أسماء أعلام للمعاني التي تدل عليها، وتلك المعاني هي التي يثنى بها على من ظهر عندنا حكمه بها فينا وهو المسمى بمعانيها، والمعاني هي المسماة بهذه الأسماء اللفظية كالعالم والقادر وباقي الأسماء فللَّه الأسماء الحسنى وليست إلا المعاني لا هذه الألفاظ، فإن الألفاظ لا تتصف بالحسن والقبح إلا بحكم التبعية لمعانيها الدالة عليها فلا اعتبار لها من حيث ذاتها فإنها ليست بزائدة على حروف مركبة ونظم خاص یسمی اصطلاحاً فافهم ذلك. نشء صورة الركعة الإحدى عشرة من الوتر: انتشأ منها صورة رجل من رجال الله يقال له عبد الفرد. اعلم أن الفردية لا يعقلها المنصف إلا بتعقل أمر آخر عنه انفرد هذا المسمى فرداً بنعت لا يكون فيمن انفرد عنه، إذ لو كان فيه ما صح له أن ينفرد به فلم يكن ينطلق عليه اسم الفرد، فلا بد من ذلك الذي انفرد عنه أن يكون معقولاً وليس إلا الشفع، والأمر الذي انفرد به الفرد إنما هو التشبه بالأحدية وأول الأفراد الثلاثة فالواحد ليس بفرد فإن الله وصف بالكفر من قال: ﴿إِنَ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] فلو قال ثالث اثنين لما كان كافراً فإنه تعالى ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة بالغاً ما بلغ وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤] فمن كان في أحديته فهو تعالى ثاني واحده، ومن كان في تثنيته فهو ثالث اثنينيته، ومن كان في تثليثه فهو تعالى رابع ثلاثة بالغاً ما بلغ، فهو مع المخلوقين حيث كانوا فالخالق لا يفارقهم لأن مستند الخلق إنما هو للاسم الخالق استناداً صحيحاً لا شك فيه، وإن كان هذا الاسم يستدعي عدة معان فهو يطلبها أعني الاسم الخالق بذاته لكل معنى منها أثر في المخلوق لا في الخالق، فالخالق لهذه المعاني كالجامع خاصة وأثرها في المخلوق لا فيه، فالحق لا ينفرد في الأربعة بالرابع وإنما ينفرد في الأربعة بالخامس لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ولو كان عين الرابع من الأربعة لكان مثلها، وكل واحد من الأربعة عين الرابع للأربعة من غير تخصيص، ولو كان هذا لكان ٢٩٦ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد الواحد من الأربعة يربع الحق بوجوده وليس الأمر كذلك وهكذا في كل عدد، فمتى فرضت عدداً فاجعل الحق الواحد الذي يكون بعد ذلك العدد اللاصق به ولا بد فإنه يتضمنه، فالخامس للأربعة يتضمن الأربعة ولا تتضمنه فهو يخمسها وهي لا تخمسه فإنها أربعة لنفسها وهكذا في كل عدد، وإنما كان هذا لحفظ العدد على المعدودات والحفظ لا يكون إلا لله وليس الله سوى الواحد فلا بد أن يكون الواحد أبداً له حفظ ما دونه من شفع ووتر، فهو يوتر الشفع ويشفع الوتر فيقال رابع ثلاثة وخامس أربعة، ولا يقال فيه خامس خمسة ولا رابع أربعة ولا عاشر عشرة، فالحكماء يقولون في الفردية أنها الوتر من كل عدد من الثلاثة فصاعداً في كل وتر منها كالخامس والسابع والتاسع، فبين كل فردين مقام شفعية وبين كل شفعين مقام فردية هذا عند الحكماء وعندنا ليس كذلك فإن الفردية تكون للواحد الذي يشفع الوتر وللواحد الذي يوتر الشفع الذي هو عند الحكماء فرد، ولولا ذلك ما صح أن تقول في فردية الحق أنه رابع ثلاثة وسادس خمسة وأدنى من ذلك وأكثر وهو فرد في كل نسبة، فتارة ينفرد بتشفيع الوتر وتارة بإيتار الشفع وهو قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فما بين في فرديته بالذكر المعين إلا فردية تشفيع الوتر الذي لا يقول به الحكماء في اصطلاح الفردية، ثم قال في العام: ﴿وَلَّ أَدَنَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] سواء كان عددهم وتراً أو شفعاً، فإن الله لا يكون واحداً من شفعيتهم ولا واحداً من وتريتهم، بل هو الرقيب عليهم الحفيظ الذي هو من ورائهم محيط، فمتى انتقل الخلق إلى المرتبة التي كانت للحق انتقل الحق إلى المرتبة التي تليها لا يمكن له الوقوف في تلك المرتبة التي كان فيها عند انتقال الخلق إليها، فانظر في هذا السر الإلهيّ ما أدقه وما أعظمه في التنزيه الذي لا يصح للخلق مع الحق فيه مشاركة، فالخلق أبداً يطلب أن يلحق بالحق ولا يقدر على ذلك لانتقال الحق عن تلك المرتبة، ولهذا كان العدد لا يتناهى، فإنه لو تناهى للحق الخلق الحق، ولا يكون ذلك أبداً فالخلق خلق لنفسه والحق حق لنفسه، ومثال ذلك أن يكون جماعة من ثلاثة في نجوى بينهم قد جمعهم مجلس فالله بلا شك رابع تلك الجماعة فإن رابعهم إنسان آخر فجاء وجلس إليهم انتقل الحق من المرتبة الرابعة بمجرد مجيء ذلك الرجل أو الشخص الذي ربعهم إلى المرتبة الخامسة، فإن أطالوا الجلوس بحيث أن جاء من خمس القوم انتقل الحق إلى المرتبة السادسة فيكون سادس خمسة وهو سادس الجماعة أعني هذه الجماعة بعد ما كان خامس الجماعة التي خمسها ذلك الواحد فاعلم فقد نبهتك على علم عظيم تشكرني عليه عند الله، فإني أرجو من الله أن ينفعني بمن علم مني ما ذكرته في كلامي هذا من العلم بالله الذي لا تجده فيما تقدم من كتب المؤلفين في هذا الفن، وهذا كله نقطة من كلمة من القرآن العزيز، فما عندنا من الله إلا الفهم فيه من الله وهو الوحي الإلهيّ الذي أبقاه الحق علينا، فهذا الذي ذكرناه كان وتر رسول الله وَليه من صلاة الليل. وأما تمام الاثنتي عشرة فذلك المسمى المهيمن الخارج عن نشء صورة الوتر القوي وهو الواحد الأوّل وليس إلا الله فهو المنشء سبحانه وتعالى في كبريائه الواحد الأحد الذي ﴿لَمْ ٢٩٧ في المنازل/ الباب التاسع والسبعون وثلاثمائة في معرفة منزل الحل والعقد يَلِذْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣، ٤]. وصل: والرجل الذي كمل به الاثني عشر كما كمل الشهور برمضان ما كملها إلا باسم من أسمائه وهو رمضان عزّ وجلّ فبه كمل كل شيء، فكمال الأربعة بالخامس إذا كان الله خامس أربعة فإنه الذي يحفظ عليها أربعتها فإذا جاء من جنسها من يخمسها ذهبت الأربعة وكان الله سادس الخمسة يحفظ عليها خمستها لأنه الحفيظ، فانظر ما أعجب هذا الأمر، ومن هنا صح الفرار الموجود والانتقال من حال إلى حال فإن الله ينتقل في مراتب الأعداد لما ذكرناه، واسم هذا الرجل الذي كمل الله به الإثني عشر عبد الله وإنما سمي عبد الله لأن الله يتجلى له بحقيقة كل اسم من أسمائه وهو قوله: ﴿وَلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فإذا دعوته باسم منها تجلى مجيباً لك في عين ذلك الاسم كصوم شهر رمضان فإن صومه واجب في الاثني عشر شهراً، فكل صوم في شهر من الشهور الأحد عشر إنما هو تشبيه بصوم يوم من أيام شهر رمضان لأنه نافلة والواجب ليس إلا رمضان بالوجوب الإلهيّ الابتدائي، وإنما قلنا الابتدائي من أجل النذر بالصوم الذي أوجبه الله عليك بإيجابك إياه على نفسك عقوبة لك وليثيبك به إذا أديته ثواب الواجب، لكن الفرق بينه وبين الواجب المبتدأ أن الواجب المبتدأ تقضيه إذا مضى زمان إيجابه، والواجب الكوني لو نسيته أو مرضت فلم تقدر على أدائه ومضى زمانه لم تقضه، فهذا هو الفرق بين الواجب الإلهيّ والواجب الكونيّ، فمن عرف ما ذكرناه من أمر هذه الاثني عشر فقد حصل على كنوز إلهية كما قيل في الفاتحة إن الله أعطاها نبيه محمداً وَ# خاصة دون غيره من الرسل من كنز من كنوز العرش لم توجد في كتاب منزل من عند الله ولا صحيفة إلا في القرآن خاصة وبهذا سمي قرآناً لأنه جمع بين ما نزل في الكتب والصحف وما لم ينزل، ففيه كل ما في الكتب كلها المنزلة، وفيه ما لم ينزل في كتاب ولا صحيفة . وفي هذا المنزل من العلوم علم الحل والعقد وفيه علم الحلال والحرام. وفيه علم ما يجمع الكافر والمؤمن ويؤلف بينهما. وفيه علم إلحاق البهائم بالإنسان في حكم ما من أحكام الشرائع. وفيه علم متعلق الكمال ببعض الأشخاص وما فيه علم التقديس وأسبابه وأنواعه . وفيه علم الآلاء والمنن الإلهية. وفيه علم المواثيق والعهود. وفيه علم نشء صور العبادات البدنية. وفيه علم التعظيم الكونيّ. وفيه علم المداينات الإلهية. وفيه علم الإيمان. وفيه علم الأبدال. وفيه علم الداء الإلهيّ. وفيه علم التعريف. وفيه علم إقامة البراهين على الدعاوى. وفيه علم أصحاب الفترات ما حكمهم عند الله. وفيه علم ما يخص الملك والسوقة. وفيه علم النيابة في النداء. وفيه علم الردّ والقبول. وفيه علم التفويض والتسليم في النفوس. وفيه علم الستر وردّ الأشياء إلى أصولها. وفيه علم إقامة الواحد مقام الجميع في أي موطن يكون. وفيه علم الموافقة والخلاف. وفيه علم مؤاخذة المجبور. وفيه علم السماع. وفيه علم النور المعنوي والهدى. وفيه علم الأمثال. وفيه علم الاتباع والأتباع. وفيه علم الشهادات. وفيه علم المعاد وحكمه. وفيه علم الخوف والحذر. وفيه علم التجانس بين الأشياء. وفيه علم ٢٩٨ في المنازل/ الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء الحب وشرفه وأصناف المحبين. وفيه علم خلع العذار فيه. وفيه علم الاختصاص. وفيه علم نسخ البواطن في العموم والخصوص. وفيه علم تشبيه الحق بالخلق وما يجوز من ذلك وما لا يجوز ومتعلقه السمع ليس للعقل فيه دخول بما هو ناظر فيه. وفيه علم الوهب والكسب. وفيه علم ما يجب على الرسول. وفيه علم من سمى الله بغير اسمه ما حكمه في التوحيد. وفيه علم مراتب الضلال والإضلال والتفاوت في ذلك. وفيه علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه علم تأثير الخلق في الحق. وفيه علم ما شقي به أهل الكتب. وفيه علم رفع الحرج ومراتب المتقين. وفيه علم الاختيار. وفيه علم شرف الأماكن بعضها على بعض لماذا يرجع. وفيه علم تحكم الأدنى على الأعلى. فيه علم إضافة الأشياء إلى أصولها. وفيه علم التعريض بالخير. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء من المقام المحمدي [نظم: البسيط ] ما قُرَّةُ العَيْنِ إِلا قُرَّةُ النَّفْسِ تَجِدْهُ يا سيّدي إن كنت ذا نَظرٍ فليس تَشْهَدُ عيْنِي غَيْرَهَا أبداً الطَّيبُ والمرأةُ الحَسْنَا قد اشْتَرَكا ففي الصلاة وُجُودي والنساءُ لنا فانْظُرْ إلى كلّ مَغْنِی دُسَّ في الحِسُ في الفصل والنوع بالأحكام والجنسٍ والناسُ من ذاك في شَكّ وفي لَبْسٍ مع المناجاة في المعنى وفي النفس عَرْشٌ وفي الطِّب أنفاسٌ من الأنْسِ قال رسول الله وَّهُ: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلاثٌ: النِّسَاءُ وَالطَّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)) وقال بَّر: ((إنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ فَلا فَضْلَ لعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلا لِأعْجَمِيْ عَلَى عَرَبِيّ إلاَّ بِالتَّقْوَى)) ثُمَّ ثَلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] يريد بالأب آدم وَّ وهو قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٩] يعني نفس آدم يخاطب ما تفرع منه. فاعلم أن الورث على نوعين: معنوي ومحسوس، فالمحسوس منه ما يتعلق بالألفاظ والأفعال وما يظهر من الأحوال، فأما الأفعال فأن ينظر الوارث إلى ما كان رسول الله لم يفعله مما أبيح للوارث أن يفعله اقتداء به لا مما هو مختص به عليه السلام مخلص له في نفسه ومع ربه وفي عشرته لأهله وولده وقرابته وأصحابه وجميع العالم، ويتبع الوارث ذلك كله في الأخبار المروية عن رسول الله وَير الموضحة لما كان عليه في أفعاله من صحيحها وسقيمها فيأتيها كلها على حدّ ما وردت لا يزيد عليها ولا ينقص منها، وإن اختلفت فيها الروايات فليعمل بكل رواية وقتاً بهذه ووقتاً بهذه ولو مرّة واحدة ويدوم على الرواية التي ثبتت ولا يخل بما روي من ذلك وإن لم يثبت من جهة الطريق فلا يبالي إلا إن تعلق بتحليل أو تحريم فيغلب الحرمة في حق نفسه فهو أولى به فإنه من أولي العزم، وما عدا التحليل أو التحريم فليفعل بكل رواية، وإذا أفتى إن كان من أهل الفتيا وتتعارض الأدلة السمعية بالحكم ٢٩٩ في المنازل/ الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء من كل وجه ويجهل التاريخ ولا يقدر على الجمع فيفتي بما هو أقرب لرفع الحرج ويعمل هو في حق نفسه بالأشد فإنه في حقه الأشد وهذا من الورث اللفظي فإنه المفتى به فيصلي صلاة رسول الله وَّي في ليله ونهاره وعلى كيفيتها في أحوالها وكمياتها في أعدادها ويصوم كذلك، ويعامل أهله من مزاح وجد كذلك، ويكون على أخلاقه في مأكله ومشربه وما يأكل وما يشرب كأحمد بن حنبل فإنه كان بهذه المثابة، روينا عنه أنه ما أكل البطيخ حتى مات، وكان يقال له في ذلك فيقول: ما بلغني كيف كان يأكله رسول الله وَلّ، وكل ما كان من فعل لم يجد فيه حديثاً يبين فيه أن رسول الله وَليه فعله بكيفية خاصة وإن كان من الكميات بكمية خاصة، ولكن ورد في حديث فاعمل به كصومه وَّر ((كان يصوم حتى نقول إنه لا يفطر ويفطر حتى نقول إنه لا يصوم))، ولم يوقت الراوي فيه توقيتاً فصم أنت كذلك وأفطر كذلك، وأكثر من صوم شعبان ولا تتم صوم شهر قط بوجه من الوجوه إلا شهر رمضان، وكل صوم أو فعل مأمور به وإن لم يرو فيه فعله فاعمل به لأمره، وهذا معنى قول الله: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وما رأينا أحداً ممن رأيناه أو سمعنا عنه عمل على هذه القدم إلا رجل كبير باليمن يقال له الحداد رآه الشيخ ربيع بن محمود المارديني الحطاب وأخبر أنه كان على هذا الحال من الاقتداء، أخبرني بذلك صاحبي الخادم عبد الله بدر الحبشي عن الشيخ ربيع فلتتبعه في كل شيء لأن الله يقول: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُشْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ما لم يخصص شيئاً من ذلك بنهي عن فعله. وقال وَّرَ: ((صَلُّوا كَمَا وَأَنْتُمُونِي أُصَلِّي)) وقال في الحج: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) وإذا حججت فإن قدرت على الهدي فادخل به محرماً بالحج أو العمرة، وإن حججت مرة أخرى فادخل أيضاً إن قدرت على الهدي محرماً بالحج وإن لم تجد هدياً فاحذر أن تدخل محرماً بالحج لكن ادخل متمتعاً بعمرة مفردة، فإذا طفت وسعيت فحل من إحرامك الحل كله ثم بعد ذلك أحرم بالحج وأنسك نسيكة كما أمرت، واعزم على أن لا تخل بشيء من أفعاله، وما ظهر من أحواله مما أبيح لك من ذلك، والتزم آدابه كلها جهد الاستطاعة لا تترك شيئاً من ذلك إذا ورد مما أنت مستطيع عليه فإن الله ما كلفك إلا وسعك فابذله ولا تترك منه شيئاً، فإن النتيجة لذلك عظيمة لا يقدر قدرها وهي محبة الله إياك، وقد علمت حكم الحب في المحب. وأما الورث المعنوي فما يتعلق بباطن الأحوال من تطهير النفس من مذام الأخلاق وتحليتها بمكارم الأخلاق وما كان عليه وَلّ من ذكر ربه على كل أحيانه وليس إلا الحضور والمراقبة لآثاره سبحانه في قلبك وفي العالم، فلا يقع في عينك ولا يحصل في سمعك ولا يتعلق بشيء قوّة من قواك إلا ولك في ذلك نظر واعتبار إلهي تعلم موقع الحكمة الإلهية في ذلك، فهكذا كان حال رسول الله وَّ فيما روت عنه عائشة، وكذلك إن كنت من أهل الاجتهاد في الاستنباط للأحكام الشرعية فأنت وراث نبوّة شرعية فإنه تعالى قد شرع لك في تقرير ما أدّى إليه اجتهادك ودليلك من الحكم أن تشرعه لنفسك وتفتي به غيرك إذا سئلت وإن لم تسأل فلا، فإن ذلك أيضاً من الشرع الذي أذن الله لك فيه ما هو من الشرع الذي لم يأذن به الله. ٣٠٠ في المنازل/ الباب الثمانون وثلاثمائة في معرفة منزل العلماء ورثة الأنبياء واعلم أن الاجتهاد ما هو في أن تحدث حكماً هذا غلط، وإنما الاجتهاد المشروع في طلب الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع وفهم عربي على إثبات حكم في تلك المسألة بذلك الدليل الذي اجتهدت في تحصيله، والعلم به في زعمك هذا هو الاجتهاد فإن الله تعالى ورسوله ما ترك شيئاً إلا وقد نص عليه ولم يتركه مهملاً فإن الله تعالى يقول: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وبعد ثبوت الكمال فلا يقبل الزيادة فإن الزيادة في الدين نقص من الدين وذلك هو الشرع الذي لم يأذن به الله، ومن الورث المعنوي ما يفتح عليك به من الفهم في الكتاب وفي حركات العالم كله. وأما الورث الإلهي فهو ما يحصل لك في ذاتك من صور التجلي الإلهي عندما يتجلى لك فيها فإنك لا تراه إلا به، فإن الحق بصرك في ذلك الموطن ولا يتكرر عليك صورة تجل فقد انتقل عنها وحصل لك نظيرها في ذاتك وفي ملكك، ولذلك تقول في الآخرة عموماً للشيء إذا أردته كن فيكون وفي الدنيا خصوصاً، فالحق لك في الدنيا محل تكوينك فإنه يتنوع لتنوعك وفي الآخرة تتنوع لتنوعه، فهو في الدنيا يلبس صورتك وأنت في الآخرة تلبس صورته فانظر ما أعجب هذا الأمر، وكذلك لك في الميراث الإلهي في مراتب العدد فقد يكون الحق رابع ثلاثة، فإذا جئت أنت وانضممت إلى الثلاثة فربعتهم لا يكون ذلك لك حتى ينتقل الحق إلى مرتبة الخمسة فيكون خامس أربعة بعد ما قد كان رابع ثلاثة فأخلى لك المرتبة فورثتها، وكذلك في كل جماعة تنضم إليها هذا حكم الميراث في الدنيا. وأما في ميراث الخصوص وفي الآخرة فإنه رابع أربعة في حال كونك أنت رابع تلك الأربعة فإنك في الدنيا في الخصوص جئت بصورة حق وفي الآخرة كذلك أنت صورة حق ولهذا كفر أي ستر من قال: إن الله ثالث ثلاثة فستر نفسه بربه لأنه هو عين ثالث ثلاثة، ورأى نفسه حقاً لا خلقاً إلا من حيث الصورة الجسدية لا من حيث ما هي به موصوفة فهو حق في خلق، فستر خلقه بما شهده من الحق القائم به المنصوص عليه في العموم بأنه جميع قوى عبده وصفاته إذا كان من أهل الخصوص فقال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ﴾ [المائدة: ٧٣] ثم بين الحق تعالى عقيب هذا القول فقال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] وهو الذي ثلث الثلاثة فالاثنان من العامة والذي ثلثهم بخلقه هو الثالث خلقاً بخلقه. ثم إنه قد علم أن الحق جميع قواه وأشهده الحق أنه مع الاثنين مثل ما هو معه إلا أنه حجب عنهم علم ذلك فقالوا بالخلق دون حق فقال هذا الخاص إن الله ثالث ثلاثة لأنه شاهده فيهما كما شاهده في نفسه وهم لا يشعرون، فرأى أن الحق جمعهم في صور ثلاثة فصح قول القائل أنه ثالث ثلاثة في الوجهين في الخلق والحق وصح ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] لأنه عين كل واحد من الثلاثة ليس غيره فهو واحد وهو ثلاثة، فهذا من الورث الإلهي النبوي، فإنه ما حصل لنا هذا الشهود إلا بالاقتداء والاتباع النبوي، فلما علمنا ورثناه ميلة ولا يصح ميراث لأحد إلا بعد انتقال الموروث إلى البرزخ، وما حصل لك من غير انتقال فليس بورث وإنما ذلك وهب وأعطية ومنحة أنت فيها نائب وخليفة لا وارث، فأنت من حيث العلم وارث وأنت من حيث الشهود عينه لا وارث، ألا ترى في قوله وَالثانى :