Indexed OCR Text

Pages 401-420

في المنازل/ الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: ((إياك أعني فاسمعي يا جارة)) ٤٠١
الإنسان في جبلته من حبه المحسن لإحسانه ومن استجلابه الودّ من أشكاله بالتودّد إليهم علم
أنه تعالى إذا قال لهم: ﴿لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى﴾ أنهم لما ذكرناه لا يقومون في هذا النهي في جانب
الحق مقام ما يستحقه الحق فزاد في الخطاب فقال: ﴿وَعَدُؤَّكُمْ﴾ وذلك ليبغضهم إلينا لعلمه بأنا
نحب أنفسنا ونؤثر أهواءنا عليه تعالى، فليس في القرآن ذم في حقنا من الله أعظم من هذا،
فإنه لو علم منا إيثاره على أهوائنا لاكتفى بقوله: ﴿عَدُوِّى﴾ ثم تمم على نسق واحد فقال:
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ يعني في موطنه فإن مفارقة الأوطان من أشق ما يجري على الإنسان، فلما
علم الله أنكم لا يقوم عندكم إخراج الرسول مع بقائكم في أوطانكم ذلك مقام ما يستحقه
الرسول منكم قال: ﴿وَ إِيََّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] فشرككم في الإخراج مع الرسول كما شرككم في
العداوة مع الله لتكونوا أحرص على أن لا تلقوا إليهم بالموّدة وأن تتخذوهم أعداء،
والمؤمنون هنا كل ما سوى الرسول، فإن الرسول إذا تبين له أن شخصاً ما عدو الله تبرأ منه،
قال تعالى في حق إبراهيم وأبيه آزر بعدما وعظه وأظهر الشفقة عليه لكونه كان عنده في حد
الإمكان أن يرجع إلى الله وتوحيده من شركه فلما بين الله له في وحيه وكشف له عن أمر أبيه
وتبين إبراهيم أنٍ أباه آزر عدوّ لله تبرّأ منه مع كونه أباه فأثنى الله عليه فقال: ﴿فَلَمَّا نَبَيِّنَ لَهُ: أَنَّهُ.
عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وقد كان إبراهيم في حق أبيه أوّاهاً حليماً لا الآن، وقد ورد
في الخبر : ((إنَّ إِنْرَاهِيمَ يَجِدُ أبَاهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فِي صُورَةِ ذِيخ فَيَأْخُذُهُ بِيَدِهِ فَيَرْمِي بِهِ فِي النَّارِ))
فانظر ما أثر عند الخليل إيثاره لجناب الحق من عداوة أبيه في الله تعالى، فالله يجعلنا ممن آثر
الحق على هواه وأن يجعل ذلك مناه، فما أعظمها عندي من حسرة حيث لم نكن بهذه المثابة
عند الله حتى نكتفي بذكر عداوتهم لله وإخراج الرسول. فهنا ينبغي أن تسكب العبرات،
فالسعيد من وجد ذلك من نفسه فلم يدخل تحت هذا الخطاب، وعلى قدر ما ينقصك من
هذا الحال ينقصك من المعرفة بالله، ومن الوقت الذي فتح الله علي في هذا الطريق ما لقيت
أحداً على هذا القدم فعرفته به وإن كان عليه في نفس الأمر ولكن ما عرفني الله به وربما
عرضت له به فلم أجد عنده إلا النقيض، لكني أعلم أن في الأرض عباداً لهم هذا المقام،
فالحمد لله الذي فتح علي به ونرجو إن شاء الله البقاء عليه، فإن أكثر أبواب المعرفة بالله تحول
بين هذا المقام وبين المؤمنين والعلماء فهو مقام غامض صعب التصور تقدح فيه معارف إلهية
كثيرة، ومتى لم يحصل لأحد هذا المقام ذوقاً فاعلم أنه بينه وبين من هو عدو الله مناسبة،
ولتلك المناسبة لم يتبرأ منه إذا تبين له لأنه قبل التبيين يعذر، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
وَلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبََّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ
اَلْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّقُواْ عَنْ
رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٠] فليس بأصحاب الجحيم إلا أعداء الله تعالى الذين هم
أهل الجحيم: [البسيط]
وأَفْرِدِ الحَقَّ لا تَضْرِبْ له مَثَلاً
فكَنْ مع الحَقّ لا تَبْغي به بَدَلاً
والله ولي الإعانة والتوفيق.
الفتوحات المكية ج٥ - م٢٦

٤٠٢ في المنازل/ الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: ((إياك أعني فاسمعي يا جارة))
واعلم أن هذا المنزل يحوي على علم الزيادة من الخير، وفيه علم ما يتميز به الحق من
الباطل والحدود التي تفصل بين الأشياء وتميز بعضها عن بعض، وفيه علم عبيد الكنايات
لا عبيد الأسماء وما بينهما من المراتب في الرفعة والشرف ومن أشد وصلة في العبودية هل
عبد الكناية أو عبد الاسم؟ وفيه علم ما يتعلق بالعلم كله من العلوم، وفيه علم ما يختص به
الحق من الصفات دون خلقه، وفيه علم التنزيه لماذا يرجع هل لوجود أو لعدم؟ وفيه علم
الموازين، وفيه علم ما أوجب اتخاذ الشريك في العالم وكل مولود فإنما يولد على الفطرة
فمن أين كفر الأول وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يشرّكانه أو يمجسانه؟ وهل العقل
ينزل هنا من حيث فكره منزلة الأبوين في كون هذا الشخص قد أخرجه نظره من فطرته إلى
إثبات الشريك؟ وفيه علم ما يملكه الإنسان بذاته مما لا يملكه وتصرفه فيما لا يملكه لماذا
تصرف فيه؟ وفيه علم ما يؤول إليه قائل الزور والشاهد به وكون الحاكم غير معصوم باتباع
هواه ولماذا أبقاه الله حاكماً في ظاهر الأمر وإن كان معزولاً في باطن الأمر فيما حكم فيه بهواه
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]. وفيه علم العلامات التي يعرف بها الصادق
من الكاذب وهي من العلامات التي لا تُقال بل يجدها الإنسان من نفسه إذا كان من أهل
المراقبة لأحواله فلا يفوته علم ذلك ومن لم تكن المراقبة حاله فإنه لا يعرف تلك العلامات
أصلاً والمؤمنون أحق بمعرفتها من أصحاب النظر، وفيه علم ما يختص به الشيوخ في هذا
الطريق يعرف به حال المريدين متى يستحقون أن يكونوا مريدين وأن يقبل عليهم الشيخ قبول
إفادة، وليس للشيخ في هذا الطريق أن ينبه المريد على صورة ما يكون بحصول معناها في
نفسه حصول الفتح له ونيل السعادة لئلا يظهر بالصورة في ذلك والباطن معرّى عن المعنى
الموجب لتلك الصورة، فإن قلت: فهذا لا ينبغي للشيخ أن يستره عن المريد. قلنا: بل
ينبغي أن يستره عن المريد وواجب عليه ذلك لعلمه أن المعنى الموجب لظهور تلك الصورة
إذا قام بالمريد أوجب له ظهور تلك الصورة فيعلم الشيخ عند ذلك أن الله قد أهل ذلك المريد
لأن يكون من أهل الحق، وإذا أعلمه الشيخ بذلك المعنى الموجب لإظهار هذه الصورة
والنفس مجبولة على الخيانة وعدم الصدق ظهر بالصورة مع عدم المعنى فيقع الغلط كما يظهر
المنافق بصورة المؤمن في العمل الظاهر والباطن معرى عن الموجب لذلك العمل، وفيه علم
الضيق في النار ما سببه مع ما فيه من السعة، وفيه علم ما يقرن مع المؤمن في الجنة وما
يقرن مع المشرك في النار والفرق بين الوجود والتوحيد فإن المشرك مؤمن بالوجود غير موحد
والعذاب أوجبه في النار عدم التوحيد لا إثبات الوجود فمن هنا تعرف قرين المشرك من قرين
المؤمن، وفيه علم دخول جميع الممكنات في الوجود من حيث أجناسها وأنواعها لا من
حيث أشخاصها وآحادها لا بل أشخاص بعضها لا كلها، وهنا نظر دقيق يعطيه الكشف هل
الخلق الجديد في الصور كلها في الوجود لحاملها التي بعض الناس في لبس منها أو لا؟ فمن
رأى التجديد قال: لا تتناهى أشخاص كل نوع أبداً، ومن رأى أن لا تجديد قال في الآخرة
إنه قد تناهت أشخاص هذا النوع الإنساني فلا يوجد إنسان بعد ذلك وهي مسألة دقيقة

في المنازل / الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: ((إياك أعني فاسمعي يا جارة)) ٤٠٣
لا يتمكن لنا الكلام فيها جملة واحدة فإنها من جملة الأسرار التي لا تذاع إلا لأهلها فإنها من
العلوم التي لا تُقال إلا لأهل الروائح ومن لا شم له لا يقبل الإخبار عن حقيقتها. وفيه علم
ما يعطى مما لا يعطى، وفيه علم ما هي السعادة في أن يجهل فإن العلم يعطى في العالم إذا
علم أمراً ما فقد اكتفى به وصار يطلب علماً آخر إذ الحاصل لا يبتغى، فإذا قال: علمت كذا
فمن المحال أن تتشوق النفس إليه بعد حصوله فذلك لا يعلم أحد الله أبداً، لأنه يؤدّي إلى
الاستغناء عنه من حيث علمه به فإن قلت: بل علمه به جعله لا يستغني عنه. قلنا لك :
ما هذا هو العلم به بل العلم الذي ذكرته هو العلم بكونه لا يستغنى عنه والعلم به الذي أردناه
أمر آخر فأنت عالم بالحكم لا به، فلا تعارض بين ما اعترضت به علينا وبين ما قلنا فافهم.
وفيه علم ابتلاء العالم بعضه ببعض هل هو من باب الرحمة بالعالم أو من باب الشقاء، وفيه
علم الموانع التي منعت من قبول ما جاء من عند الله مع تشوق النفوس إلى رؤية الغريب إذا
ورد والقبول عليه فإن رحمة الشريعة لا يدركها إلا العلماء خاصة ولهذا لا يردها عالم حيث
يراها ولهذا أمرنا بالإيمان بها وإن كانت قد نسخت وارتفع حكمها وصار العمل بها حراماً
علينا، وفيه علم نفع العلم، وفيه علم ما تراه شيئاً وليس بشيء وهو شيء لأنك رأيته شيئاً
مثاله السراب تراه ماء والآل الذي هو شخص الإنسان في السراب يعظم فلا يشك في عظمه
فإذا جئته لم تجده كما رأيته ولا تشك فيما رأيته وغيرك في ذلك الحين ممن هو على المسافة
التي رأيته أنت فيها عظيماً يراه عظيماً وأنت تراه ليس بعظيم حين جئته وهو علم إلهي شريف .
وفيه علم المفاضلة بين الضدين كالمفاضلة بين السواد والبياض وذلك لكون اللون جمعهما
فوقعت المفاضلة، فلا بد في كل مفاضلة في الوجود من جامع يجمع بينهما أي يجتمع فيه
جميع من في الوجود، ولهذا فرت الباطنية من الباري إذا قيل لها إنه موجود إلى ليس بمعدوم
وما علمت أنها وقعت في عين ما فرت منه فإنه أيضاً كما ينطلق على الموجود الحادث لفظة
موجود ينطلق عليه اسم ليس بمعدوم فقد وقعت الشركة في أنه ليس بمعدوم، وكذا جميع
ما يسأل عنه الباطني، ولهذا كانوا أجهل الناس بالحقائق، وفيه علم الغمام وهو من الغم
وكون الحق يأتي فيه يوم القيامة أو الملائكة أو الحق والملائكة فما يعطي من الغم، وفيه علم
متى ينفرد الحق بالملك أو لم يزل منفرداً به ولكن جهل في موطن وعرف في موطن وهو هو
ليس غيره فإنه تعالى ملك بالحقيقة والمخلوق ملك بالجعل قال تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوَكًا﴾
[المائدة: ٢٠] ومن هنا تعلم من هو ملك الملك، وفيه علم الظلم الذي أتت به الشرائع وما
أثره، وعلم الظلم الذي يعطيه العقل وما أثره، وعلم الظلم المحمود والمذموم وفيه علم
الفرق بين شياطين الإنس وبين شياطين الجن وما ينبغي أن يصحب ومن لا ينبغي أن يصحب
مطلقاً من هذا النوع الإنساني. وفيه علم التجاء الدعاة إلى الله إذا لم تسمع دعوتهم سواء كان
رسولاً أو وارثاً، وفيه علم كون الحق جعل لكل شيء ضداً، وفيه علم اختصاص أحد
الضدين بالحب الإلهي والآخر بالبغض الإلهي والصدور من عين واحدة أو هو من يدين
مختلفتين في الحكم وفيه علم حدوث الأحكام بحدوث النوازل وأن الشرع ما انقطع ولا

٤٠٤ في المنازل/ الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: ((إياك أعني فاسمعي يا جارة)»
ينقطع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن انقطعت النبوة فالشرع ما انقطع ما دام في
العالم مجتهد، وفيه علم المضاهاة الإلهية للأكوان فهل ذلك لعلو قدر الأكوان أو لأمر آخر
مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا ◌ِثْنَكَ بِآلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] وفيه علم
من يمشي على بطه من الأناسي وفي أي صورة يحشر من هذا مشيه، وفيه علم من حبس
نفسه مع الأدنى مع معرفته بالأعلى، والأعلى يدعوه إليه والأدنى لا يدعوه إليه، فمن يدعوه
إلى الأدنى حتى يحبس نفسه عليه، وفيه علم ما يتعدّى الإنسان أيّ إنسان كان في علمه بغيره
علمه بنفسه، وفيه علم شهود الكيفيات ومن هو الموصوف عندنا بالكيفية، وفيه علم إلحاق
الإنسان الكامل بربه والغيرة الإلهية على المقام إذا ظهر الإنسان بالفعل بصورة ربه وإن حكم
الشيء بالفعل يعطي خلاف ما يعطيه بالقوّة فإعطاؤه بالفعل أقوى، وفيه علم الظهور والخفاء
والراحة، وفيه علم الأنفاس الظاهرة في العالم بالرحمة وما سبب ذلك وعموم دخول الخلق
في هذه الأنفاس، وفيه علم ما يريد الحق ظهوره. ويريد الإنسان المخالف ستره وهو الذي
يرى المصلحة في غير الواقع في الوجود، ويحتاج صاحب هذا المقام إلى بصر حديد من
أجل الموازين الشرعية، فإن الجهل بما يراه الحق من المصالح أكثر من العلم بالمصالح
الظاهرة في الكون أنها ليست مصالح في النظر العقلي عند العقلاء وهو علم دقيق إذا عمل به
الإنسان عن كشف وتحقيق لم يخطىء أبداً، وإذا عمل به من ليست له هذه الصفة أخطأ وهو
الذي يقول العامة فيه: خطأ السعيد صواب، وصواب من ليس بسعيد خطأ، ورأيت هذا في
حطلحة بملطية وشافهني بذلك. وفيه علم الامتزاج الذي لا يمكن فيه فصل وهو كل ضدين
بينهما واسطة، كالفاتر بين الحار والبارد لا يقدر أحد على فصل الحرارة من البرودة في هذا
الفاتر، وفيه علم الفرق بين من هو الله وبين من هو على الله، وفيه علم الطريق إلى الله بالنية
وإن لم تكن مشروعة فهي نافعة بكل وجه فإنه ما قصد إلا الله، وعموم التجلي الإلهيّ معلوم
فللعبد المشيئة في ذلك، وفيه علم ما يختص بالاسم الرحمن دون غيره من الأسماء الإلهية
وما ينبغي أن يعامل به الاسم الرحمن دون غيره من الأسماء الإلهية، وفيه علم المسمى شيئاً
ما هو، وفيه علم التناوب وأن المتناوبين لا يجتمعان وما يحدث في عالم الإنسان منهما،
وفيه علم التؤدة والسكون وأين يحمدان، وفيه علم صفات السعداء من غيرهم عقلاً وشرعاً،
وفيه علم ما يقبل التبديل من الصفات مما لا يقبل وممن لا يقبله، وفيه علم المحفوظين
والمعصومين من العلماء العارفين بالله تعالى، وفيه علم ما تنتج الذكرى من المؤمن، وفيه
علم من طلب الإمامة فأعين عليها، وفيه علم عناية الدعاة إلى الله وشرف منزلتهم عند الله،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة ٤٠٥
الباب الموفي ستين وثلاثمائة
في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
[البسيط]:
ونُورُ فِكْرِكَ آيَاتٌ وبُزْهَانٌ
نُورُ القَبُول على التَّحقيق إيمانُ
وفيه وقتاً زياداتٌ ونقصانُ
فنُورُ فكرك لا يَنْفَكُ ذا شُبَهٍ
في رَأْسٍ مَرْقَبَة ما فيه بُهْتَانُ
ونُورُ إيمانك الأعلى له عَلَمٌ
على مسالكه حُكْمٌ وسلطانُ
ولي عليه إذا ما العَقْلُ ناظره
ولا يُقيِّدُهُ رِيْحْ وخُسْرَانٌ
هو الضَّرُوريُّ لا فِكْرٌ ولا نَظرٌ
اعلم علمك الله ما يبقيك وجعلك ممن ينقيك أن النور يدرك ويدرك به، والظلمة تدرك
ولا يدرك بها، وقد يعظم النور بحيث أن يدرك ولا يدرك به، ويلطف بحيث أن لا يدرك
ويدرك به، ولا يكون إدراك إلا بنور في المدرك لا بد من ذلك عقلاً وحساً، سئل واَله: هَلْ
رَأَيْتِ رَبَّكَ؟ فقالَ: ((نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)) فنبه بهذا القول على غاية القرب فإنه أقرب إلى الإنسان من
حبل وريده ﴿وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥] يقول الله ذلك في المحتضر
فالحق هو النور المحض والمحال هو الظلمة المحضة، فالظلمة لا تنقلب نوراً أبداً والنور
لا ينقلب ظلمة أبداً، والخلق بين النور والظلمة برزخ لا يتصف بالظلمة لذاته ولا بالنور لذاته
وهو البرزخ والوسط الذي له من طرفيه حكم، ولهذا جعل للإنسان عينين وهداه النجدين
لكونه بين طريقتين، فبالعين الواحدة من الطريق الواحدة يقبل النور وينظر إليه بقدر استعداده،
وبالعين الأخرى من الطريق الأخرى ينظر إلى الظلمة ويقبل عليها وهو في نفسه لا نور ولا
ظلمة، فلا هو موجود ولا هو معدوم، وهو المانع القوي الذي يمنع النور المحض أن ينفر
الظلمة ويمنع الظلمة المحضة أن تذهب بالنور المحض، فيتلقى الطرفين بذاته فيكتسب بهذا
التلقي من النور ما يوصف به من الوجود، ويكتسب بهذا التلقي من الظلمة ما توصف به من
العدم، فهو محفوظ من الطرفين ووقاية للطرفين، فلا يقدر قدر الخلق إلا الله، فهذا أصل
الأنوار والظلمات الظاهرة في العالم وهو ما انصبغ به الممكن من الطرفين، ولولا ما هو بهذه
المثابة من الحفظ لعين الطرفين ما وصف الحق نفسه بما أوجبه على نفسه بقوله: ﴿ كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]
﴿جَزَآءَ وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] لما هو عليه الممكن من الوقاية وراعى المحال أيضاً له ذلك فأفاض
عليه من حقيقته فحفظ عليه عدمه وحفظ الحق عليه وجوده، فاتصف الممكن بالوجود والعدم
معاً في الإثبات أي هو قابل لكل واحد منهما، كما اتصف أيضاً لهذا بأنه لا موجود ولا
معدوم في النفي، فجمع بينهما في وصفه بين النفي والإثبات، فلو كان موجوداً لا يتصف
بالعدم لكان حقاً، ولو كان معدوماً لا يتصف بالوجود لكان محالاً، فهو الحافظ المحفوظ
والواقي الموقى فهذا الحد له لازم ثابت لا يخرج عنه، ولهذا أيضاً اتصف بالحيرة بين العدم

٤٠٦ في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
والوجود لعدم تخلصه إلى أحد الطرفين لأنه لذاته كان له هذا الحكم : [الطويل]
وإنْ قُلْتَ فيه باطلٌ لَسْتَ تَكْذِبُ
فإنْ قُلْتَ حَقٌّ كان قولك صادقاً
فإذا علمت هذا فلنقل ما تجاوز فيه الناس من مسمى النور والظلمة المعروفين العرف
ظاهراً كالأنوار المنسوبة إلى البروق والكواكب والسرج وأمثال ذلك، والظلم المشهودة
المعلومة المدركة ظاهراً للحس، وأنوار الباطن
المعنوية كنور العقل ونور الإيمان ونور العلم،
ما وراء المحيط من ظاهر محدب المحيط
وظلمة الباطن كظلمة الجهل والشرك وعدم العقل،
والذي ليس بظلمة ولا نور كالشك والظن والحيرة
والنظر، فهذا أيضاً ليس بظلمة ولا نور، فهذه
الحق
مجازات حقائق الواجب والمحال والممكن في
الممكن هو الفراغ
بين نقطة الحق
والمحيط
عرف الممكنات، فقد جمع الممكن بنفسه حقيقته
وحقيقة طرفيه، وأبين ما يكون ذلك في الممكن
ما فيه من المعاني والمحسوسات والخيالات،
وهذا المجموع لا يوجد حكمه إلا في الممكن
المحيط العدم
لا في الطرفين أصلاً، فالعلم بالممكن هو بحر
العلم الواسع العظيم الأمواج الذي تغرق فيه السفن
وهو بحر لا ساحل له إلا طرفيه، ولا يتخيل في
طرفيه ما تتخيله العقول القاصرة عن إدراك هذا
العلم كاليمين والشمال لما بينهما ليس هذا الأمر كذلك، بل إن كان ولا بد من التخيل
فلتتخيل ما هو الأقرب بالنسبة لما ذكرناه أن الشأن في نفسه كالنقطة من المحيط وما بينهما
فالنقطة الحق والفراغ الخارج عن المحيط العدم أو قل الظلمة وما بين النقطة والفراغ الخارج
عن المحيط الممكن كما رسمناه مثالاً في الهامش :
وإنما أعطينا النقطة لأنها أصل وجود محيط الدائرة وبالنقطة ظهرت كذلك ما ظهر
الممكن إلا بالحق والمحيط من الدائرة إذا فرضت خطوطاً من النقطة إلى المحيط لا تنتهي إلا
إلى نقطة، فالمحيط كله بهذه المثابة من النقطة وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَآِهِمْ تُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]
وقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] فكانت كل نقطة من المحيط انتهاء الخط،
والنقطة الخارج منها الخط إلى المحيط ابتداء الخط فهو الأوّل والآخر، فهو أوّل لكل ممكن
كالنقطة أول لكل خط وما خرج عن وجود الحق وما ظهر من الحق فذلك العدم الذي لا يقبل
الوجود، والخطوط الخارجة والممكنات فمن الله ابتداؤها وإلى الله انتهاؤها وإليه يرجع الأمر
كله، فإن الخط إنما ينتهي إلى نقطة، فأولية الخط وآخريته هما من الخط ما هما من الخط
كيف شئت، قلت: وهذا هو الذي ينبغي أن يقال فيه لا هي هو ولا هي غيره كالصفات عند
الأشاعرة، فمن عرف نفسه هكذا عرف ربه، ولهذا أحالك الشارع في العلم بالله على العلم

في المنازل / الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة ٤٠٧
بك وهو قوله: ﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا﴾ [فصلت: ٥٣] وهي الدلالات في الآفاق وفي أنفسهم فما ترك
شيئاً من العالم، فإن كل ما خرج من العالم عنك فهو عين الآفاق وهي نواحيك حتى يتبين
لهم أنه الحق لا غيره إذ لا غير، ولهذا كان الخط مركباً من نقط لا تعقل إلا هكذا، والسطح
مركب من خطوط فهو مركب من نقط، والجسم مركب من سطوح فهو مركب من خطوط
وهي مركبة من نقط، فغاية التركيب الجسم، والجسم ثمان نقط، وليس المعلوم من الحق إلا
الذات والسبع الصفات فلا هي هو ولا هي غيره، فما الجسم غير النقط ولا النقط غير الجسم
ولا هي عينه، وإنما قلنا ثمان نقط أقل الأجسام لأن اسم الخط يقوم من نقطتين فصاعداً،
وأصل السطح يقوم من خطين فصاعداً، فقد قام السطح من أربع نقط، وأصل الجسم يقوم
من سطحين فصاعداً فقد قام الجسم من ثمان نقط، فحدث للجسم اسم الطول من الخط
واسم العرض من السطح واسم العمق من تركيب السطحين، فقام الجسم على التثليث كما
قامت نشأة الأدلة على التثليث، كما أن أصل الوجود الذي هو الحق ما ظهر بالإيجاد إلا
بثلاث حقائق: هويته وتوجهه وقوله، فظهر العالم بصورة موجده حساً ومعنى، فنور على نور
وظلمة فوق ظلمة لأنه في مقابلة كل نور ظلمة كما أنه في مقابلة كل وجود عدم، فإن كان
الوجود واجباً قابله العدم الواجب، وإن كان الوجود ممكناً قابله العدم الممكن، فالمقابل على
صورة مقابله كالظل مع الشخص.
واعلم ما نبهك الله عليه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّوٍ﴾ [النور:
٤٠] فالنور المجعول في الممكن ما هو إلا وجود الحق، فكما وصف نفسه بأنه أوجب عليها
ما أوجب من الرحمة والنصر في مثل قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً﴾ [الأنعام: ٥٤]
وقال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] كذلك وصف نفسه بالجعل في الممكن،
إذ لولا النور ما وجد له عين ولا اتصف بالوجود، فمن اتصف بالوجود فقد اتصف بالحق،
فما في الوجود إلا الله، فالوجود وإن كان عيناً واحدة فما كثره إلا أعيان الممكنات فهو الواحد
الكثير، فينقسم بحكم التبعية لأعيان الممكنات كما نحن في الوجود بحكم التبعية فلولاه
ما وجدنا ولولانا ما تكثر بما نسب إلى نفسه من النسب الكثيرة والأسماء المختلفة المعاني،
فالأمر الكل متوقف علينا وعليه فبه نحن وهو بنا، وهذا كله من كونه إلهاً خاصة، فإن الرب
يطلب المربوب طلباً ذاتياً وجوداً وتقديراً ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] لأنه
لا دليل عليه سوى نفسه لأنه وصف نفسه بالغني، فإن غير الوجود الحادث ما تعرفه معرفة
الحدوث، ولا يتصف الممكن بالوجود حتى يكون الحق عين وجوده، فإذا علمه من كونه
موجوداً فما علمه إلا هو فهو غني عن العالمين، والعالم ليس بغنيّ عنه جملة واحدة لأنه
ممكن والممكن فقير إلى المرجح فالحجب الظلمانية والنورية التي احتجب بها الحق عن
العالم إنما هي ما اتصف به الممكن في حقيقته من النور والظلمة لكونه وسطاً وهو لا ينظر
إلا لنفسه فلا ينظر إلا في الحجاب، فلو ارتفعت الحجب عن الممكن ارتفع الإمكان وارتفع
الواجب والمحال لارتفاعه، فالحجب لا تزال مسدلة ولا يمكن إلا هكذا، انظر إلى قوله في

٤٠٨ في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
ارتفاع الحجب ما ذكر من إحراق سبحات الوجه ما أدركه بصره من خلقه وقد وصف نفسه
بأن الخلق يراه ولا تحترق فدل على أن الحجب لم ترفع مع الرؤية فالرؤية حجابية ولا بد،
والضمير في بصره يعود على ما، وما هنا عين خلقه، فكأنه يقول في تقدير الكلام ما أدركه
بصر خلقه فإنه لا شك أنه تعالى يدركنا اليوم ببصره تعالى وسبحات وجهه موجودة،
والحجب إن كانت عينه فلا ترتفع، وإن كانت خلقاً فإن السبحات تحرقها فإنها مدركة لبصره
من غير حجاب، ولو احترقت الحجب احترقنا فلم نكن ونحن كائنون بلا شك فالحجب
مسدلة، فلو فهم الناس معنى هذا الخبر لعلموا نفوسهم، ولو علموا نفوسهم لعلموا الحق،
ولو علموا الحق لاكتفوا به فلم ينظروا إلا فيه لا في ملكوت السموات والأرض فإنهم إذا
انكشف لهم الأمر علموا أنه عين ملكوت السموات والأرض كما علمه الترمذي الحكيم
فأطلق عليه عند هذا الكشف الإلهيّ اسم ملك الملك : [السريع]
والشأنُ محکومٌ ولا یَخِكُمُ
فالأمْرُ دَوْرِيٌّ ولا يُعْلمُ
فليس إلا الله لا غيره
وليس إلا كونُه المُحكَمُ
يُجْهَلُ في وقت ولا يُعْلَمُ
فهو الذي يُعْلَمُ وقتاً كما
وصل: واعلم أيدك الله أن الأمر يعطي أنه لولا النور ما أدرك شيء لا معلوم ولا
محسوس ولا متخيل أصلاً، وتختلف على النور الأسماء الموضوعة للقوى، فهي عند العامة
أسماء للقوى وعند العارفين أسماء للنور المدرك به، فإذا أدركت المسموعات سميت ذلك
النور سمعاً، وإذا أدركت المبصرات سميت ذلك النور بصراً، وإذا أدركت الملموسات سميت
ذلك المدرك به لمساً، وهكذا المتخيلات فهو القوّة اللامسة ليس غيره، والشامة والذائقة
والمتخيلة والحافظة والعاقلة والمفكرة والمصوّرة وكل ما يقع به إدراك فليس إلا النور، وأما
المدركات فلولا أنها في نفسها على استعداد به تقبل إدراك المدرك لها ما أدركت فلها ظهور
إلى المدرك وحينئذ يتعلق بها الإدراك والظهور نور، فلا بد أن يكون لكل مدرك نسبة إلى
النور بها يستعدّ إلى أن يدرك، فكل معلوم له نسبة إلى الحق والحق هو النور، فكل معلوم له
نسبة إلى النور فبالنور أدركت المحال، ولولا ظهور المحال وقبوله بما هو عليه في نفسه
لأدرك المدرك ما أدركته، ولهذا ينسحب على كل قسم من أقسام العقل كما ينسحب عليها
أيضاً أعني على الأقسام الوجوب فنقول: محال على الواجب الوجود بالذات أن يقبل العدم،
ومحال على الممكن أن يقبل الوجود الذاتي، ومحال على المحال أن يقبل الإمكان، وكذلك
تقول في الوجوب واجب للممكن أن يكون نسبة العدم إليه والوجود نسبة واحدة، وواجب
للمحال أن لا يوصف بالإمكان ولا نقل مثل هذا في الإمكان لا تقل ممكن للمحال أن يكون
على كذا أو على كذا، وممكن للواجب أن يكون على كذا أو على كذا، فيدخل الممكن
تحت حكم الواجب أو المحال، ولا يدخل الواجب ولا المحال تحت حكم الممكن، ولهذا
لا يجوز أن يقال في الواجب أنه يمكن أن يفعل به كذا ولا يفعل، وإنما الذي يقال ويصح أن
يقال في الممكن أنه يمكن أن يفعل به كذا أو لا يفعل، وهذه مسألة أغفلها كثير من الناس،

في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة ٤٠٩
فقد علمت أنه ما ثم معلوم من محال أو غيره إلا وله نسبة إلى النور، ولولا ذلك النور الذي
له إليه نسبة ما صح أن يكون معلوماً فلا معلوم إلا الله، وعلى الحقيقة فلا يدري أحد ما يقول
ولا كيف تنسب الأمور مع كونه يعقلها والعبارات تقصر عن الإحاطة بها على وجهها، فإن الله
عليم بكل شيء من حيث ما لذلك الشيء من النور الذي به يكون معلوماً والعدم والمحال
معلومان: [الطويل]
فمن كونه نوراً يُحِيطُ به العِلْمُ
فلا شَيْءَ غَيْرُ الشّيء إذْ ليس غَيْرُهُ
فإذا حققت ما أشرنا إليه وقفت على حقائق المعلومات كيف هي في أنفسها في اتصافها
بوجود أو عدم أو لا وجود ولا عدم أو نفي أو إثبات: [الطويل]
مِنَ أصْحابه أنت الغريبُ ولا تَذْري
فهذا هو العلْمُ الغريبُ فإنْ تَكُنْ
أَتَمُّ وجوداً في مطالعة الأمْرِ
فما ثَمَّ من يدري بغُزْبته وذا
ونَوَّرَهُ بِالفِكْرِ وقتاً وبالذّكْرٍ
فسبحان من أحيا الفُؤادَ بنوره
وأما النور الذي لا يدرك وهو قوله وَلجر: ((نورٌ أَنَّى أَرَاهُ» فإن ذلك لاندراج نور الإدراك
فيه فلم يدركه لأنه ليس هو عنه بأجنبي، فهو كالجزء عاد إلى كله، إذ لا يصح اسم الكل عليه
ما لم يحو على أجزائه فاندرج الجزء في الكل وليس الكل غير أجزائه، فالكل يدرك أجزاءه
جزءاً جزءاً والجزء لا يدرك الكل، ولهذا يعلم الحق الجزئيات ولا تعلمه الجزئيات، وإذا
علم الجزء الكل فما يعلم منه إلا عين جزئيته فإنه علم كل في نفسه لنفسه وقد لا يعلم أنه
جزء لكل، ولهذا تتفاضل الناس في العلم، فالعالم بالشيء من لم يبق له في ذلك المعلوم
وجه إلا علمه منه، وإلا فقد علم منه ما علم وأما النور الذي يدرك ويدرك به غيره فهو نور
مكافئ لنور الإدراك فيصحبه ولا يندرج فيه فيدركه ويدرك به ما كشفه له، وما انكشف له
ما انكشف إلا بالنورين: نور الإدراك ونور المدرك، ولولا وجود نور الإدراك لما ظهرت
الأشياء فلا يظهر شيء بنور المدرك من غير نور الإدراك، وقد يظهر بعض الأشياء لنور
الإدراك ولكن بنور المدرك وإن لم يدركه به، كما قلنا في نسبة كل معلوم إلى النور الذي
لولاه ما علم فالبصر يدرك به كما قلنا في نسبة كل معلوم إلى النور الذي لولاها ما علم،
فالبصر يدرك الظلمة نفسها ولا يدرك بها غيرها إذا كان الإدراك بالبصر خاصة.
وصل: وأما الظلم المعنوية كظلمة الجهل فإنها مدركة للعالم ما لم تقم بالجاهل، فإذا
قامت به لم يدركها إذ لو أدركها كان عالماً، وما عدا ظلمة الجهل من الظلم فإنها تدرك كلها
ثم لتعلم أنه إن كان الجهل نفي العلم عن المحل بأمر ما فكل ما سوى الله جاهل أي ظلمة
الجهل له لازمة لأنه ليس له علم بإحاطة المعلومات، ولذلك أمر الله رسوله ◌َله بطلب الزيادة
من العلم فقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وإن كانت ظلمة الجهل عبارة عن اعتقاد
الشيء على خلاف ما هو به أيّ شيء كان فأهل الله قد أخرجهم من هذه الظلمة فإنهم
لا يعتقدون أمراً يكون في نفسه على خلاف ما يعتقدونه، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَءَ
كُلَهَا﴾ [البقرة: ٣١] ولم يذكر حقائق المسميات فعلم بعضاً ولم يعلم بعضاً، فالمسميات هو

٤١٠ في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
قوله هؤلاء وهي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿أَنَُّونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة:
٣١] وأراد بالأسماء هنا الأسماء الإلهية التي استند إليها المشار إليهم بهؤلاء في إيجادهم
وأحكامهم توبيخاً للملائكة وتقريراً يقول: هل سبحتموني بهذه الأسماء أو قدستموني بها
حيث قالوا: ﴿وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِسُ لَكَّ﴾ [البقرة: ٣٠] فزكوا نفوسهم وجرحوا خليفة الله
في أرضه ولم يكن ينبغي لهم ذلك، ولكن لتعلم أن أحداً من العالم ما قدر الله حق قدره إذ
لا أعلم من الملائكة بالله وما ينبغي لجلاله من التعظيم ومع هذا قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ
فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] فهذه الأداة هنا لا ينبغي أن تكون إلا من الأعلى في حق الأدنى مثل قوله
تعالى: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَّهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] بل أشد من هذا
قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]: [الكامل]
لمّا رَأَوْا جهةَ الشّمال ولم يَرَوْا
منه يَمِينَ القَبْضَةِ البَيْضَاءِ
فإن قوله: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] قد يكون تقريراً للحجة على من عبد عيسى
عليه السلام وأمه وقالوا إنهما إلهان، فإذا قال عيسى عليه السلام في الجواب: ﴿سُبْحَنَكَ مَا
يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ﴾ [المائدة: ١١٦] والمدعي يسمع ذلك وقد علم بقرينة الحال
والموطن ذلك المدعى أن عيسى ليس من أهل الكذب وأن إنكاره لما ادعوه صحيح علمنا
عند ذلك أنه تعالى أراد توبيخهم وتقريرهم، فالاستفهام لعيسى عليه السلام والتقرير والتوبيخ
لمن عبده، فإن الاستفهام لا يصح من الله جملة واحدة ويصح منه تعالى التقرير لإقامة الحجة
والتوبيخ، فإن الاستفهام على الحقيقة لا يكون إلا ممن لا يعلم ما استفهم عنه، وأما ظلمة
البعد في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ و﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وفي مثل قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى
اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] وأمثاله فهذا من حكم الأسماء الإلهية إذ كان لكل وقت
اسم إلهيّ له الحكم في عين ما من أعيان العالم، فإن كان من الأسماء التي أحكامها تناقض
حكم ما أمر به المكلف أو نهى عنه فإن الاسم الإلهي الذي يعطيهم موافقة ما أمر الله به هذا
المخالف أو نهى عنه بعيد عنه فيناديه ليرجع إليه ويصغي إلى ندائه ليكون له الحكم فيه، سواء
كان الدعاء من قريب أو بعيد لكنه بالضرورة لعدم الموافقة فيما أمر الله به بعيد، ألا ترى
الإشارة تكون مع القرب من المشير والمشار إليه إذا كان معهما ثالث لا يريد المخبر أو
المخبر أو هما أن يعلم الثالث الحاضر ما يريد المخبر أن يلقيه إلى صاحبه فيشير إليه من
حيث لا يعلم الثالث والإشارة عند القوم نداء على رأس البعد، ويقولون أيضاً: أبعدكم من
الله أكثركم إشارة إليه، والعلة في ذلك أنها تدل على الجهل بالله تعالى، فلا فرق بينه في تلك
الحالة وبين من لا يبلغه الصوت وتبلغه الإشارة، فهذه كلها ظلمة قد حجبت الثالث عن علم
ما بين الاثنين، فهذه ظلمة الدعاء والإشارة فاجعل بالك فإن الله قد نبه أقواماً من عباده وأيه
بهم على أمور بكلام لا يفهمه إلا المرادون به وهو الرمز قال تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ
أَيَّامٍ إِلَّا رَهْزًّا﴾ [آل عمران: ٤١]. أما ظلمة التسوية بين الأمرين فإنما سميت ظلمة لأن التسوية
بين الأمرين محال، لأن التسوية المحققة المثلية من جميع الوجوه لا من بعض الوجوه ولا

في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة ٤١١
من أكثرها محال بين الأمرين قال تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] لأنهم
﴿قَالُواْ سَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] فكأن الله حكى لنبيه بَّهِ وعرّفه
بأن حالهم ما ذكروه عن نفوسهم، فهذه ظلمة قد تكون ظلمة جهل وقد تكون ظلمة جحد
لهوى قام بهم وهو من أشد الظلم، ولكن هذه كلها سدف سحرية بالنظر والإضافة إلى ظلمة
الجهل الذي هو نفي العلم من المحل بالكلية وهو قوله فيها: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت
ولا خطر على قلب بشر، فنفى العلم والطرق الموصلة إليه العلم بذلك، فهذه أشدّ ظلمة في
العالم إلي، فإن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به قد علم الشيء وما علم حقيقته أي علم
في الجملة أن اسمه كذا ثم اعتقد فيه ما ليس هو عليه فقد اعتقد أمراً ما فظلمته دون ظلمة
نفي العلم من المحل كما قال تعالى في أمثالهم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾
[الزمر: ٤٧] وهذه شائعة في الشقيّ والسعيد، ففي السعيد فيمن مات على غير توبة وهو يقول
بإنفاذ الوعيد فيغفر له فكان الحكم للمشيئة فسبقت بسعادتهم فتبين لهم عند ذلك أنهم اعتقدوا
في ذلك الأمر خلاف ما هو ذلك الأمر عليه، فإن الذي هو عليه إنما هو الاختيار، والذي
عقدوا عليه كان عدم الاختيار، فمثل هذا يسمى ظلمة الشبهة: [الرمل]
إنني آلّ لمن لا يهتضمْ
يا بني الزَّوْرَاء ما لي ولَكُمْ
فإذا قلتُ ألا قولوا بَلَى
إنّما الأمْرُ الذي جئتُ به
واحدٌ في عَيْنه ليس لنا
والذي أحضَرَهُ يُخضِرُني
فلنا الأنوار منه إنْ بَدَا
هي حُجُب الله أن نُذْرِكَهُ
ثُمّ فيها من علامات الهُدى
فَطَرِ العَالَمَ قدْ قَسَّمَها
فكما نحنُ به فَهْوَ بنا
كلّما قُلْتُ بَدَتْ صورتُه
فتحوّلتُ أنا فانْبَهَمتْ
ليت شِغري هل هو الأمرُ كما
قال والله أنا مِثْلُكم
وإذا ما قلتُ هَلْ قولوا نَعَمْ
أمْرُ مَوْجُودٍ له نَعْتُ القِدَمْ
في الذي يظهرُ فِيهِ من قَدَمْ
بين أمرين وجودّ وعَدَمْ
وله منّا غَيَابَاتُ الظُّلَمْ
وبها قامت دلالاتُ التُّهَمْ
التَجَلْيهِ علومٌ وحِكَمْ
ما هو الحقُّ عليه فحَكَمْ
استحالاتٌ كنار في عَلَمْ
حوّل الصورةَ في كَيْفٍ وكَمْ
حالةُ الأمْرِ علينا فانْبَهَمْ
قد بدا أو غَيْرُه قل يا حَكَمْ
حائرٌ ما لي في العِلْمٍ قَدَمْ
اعلم أيدك الله أن الإنسان لما أبرزه الله من ظلمة الغيب الذي كان فيه وهو المفتاح
الأوّل من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو، فانفرد سبحانه بعلمها ونفى العلم عن كل
ما سواه بها، فأثبتك في هذه الآية وأعلمك أنك لست هو إذ لو كنت هو كما تزعم لعلمت
مفاتيح الغيب بذاتك وما لا تعلمه إلا بموقف فلست عين الموقف والممكنات كلها وأعني
بكلها ميزها عن المحال والواجب لا أن أعيانها يحصرها الكل ذلك محال هي في ظلمة

٤١٢ في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
الغيب، فلا يعرف لها حالة وجود، ولكل ممكن منها مفتاح ذلك المفتاح لا يعلمه إلا الله فلا
موجد إلا الله هو خالق كل شيء أي موجده، فأوّل مفتاح فتح به مفتاح غيب الإنسان الكامل
الذي هو ظل الله في كل ما سوى الله فأظهره من النفس الرحماني الخارج من قلب القرآن
سورة يس وهو نداء مرخم أراد يا سيد فرخم كما قال: ((يا أبا هر)) أراد يا أبا هريرة فأثبت له
السيادة بهذا الاسم وجعله مرخماً للتسليم الذي تطلبه الرحمة والقطع مما بقي منه في الغيب
الذي لا يمكن خروجه، فصورته في الغيب صورة الظل في الشخص الذي امتد عنه الظل،
ألا ترى الشخص إذا امتد له ظل في الأرض أليس له ظل في ذات الشخص الذي يقابله ذلك
الظل الممتد؟ فذلك الظل القائم بذات الشخص المقابل للظل الممتد ذلك هو الأمر الذي بقي
من الإنسان الذي هو ظل الله الممدود في الغيب لا يمكن خروجه أبداً وهو باطن الظل
الممتد، والظل الممدود هو الظاهر، فظاهر الإنسان ما امتد من الإنسان فظهر وباطنه ما لم
يفارق الغيب، فلا يعلم باطن الإنسان أبداً، ونسبة ظاهره إلى باطنه متصلة به لا تفارقه طرفة
عين ولا يصح مفارقته فهو في الظاهر غيب وفي الغيب ظاهر، له حكم ما ظهر عنه في
الحركة والسكون، فإن تحرّك تحرّك بحق، وإن سكن سكن بحق، وهو على صورة موجده،
وما سواه من المكنات ليس له هذا الكمال فلا غيب أكمل من غيب الإنسان، فلما أبرزه الله
للوجود أبرزه على الاستقامة وأعطاه الرحمة ففتح بها مغالق الأمور علواً وسفلاً فأمد الأمثال
بذاته وأمدّ غير الأمثال بمثله، فبمثله ظهرت الأجسام، وبمثله الآخر ظهرت الأرواح، فهي له
كاليمين والشمال لنقص الأجسام عن الأرواح كنقص الشمال عن اليمين، والمطلق اليدين هو
المثل ومثاله في الهامش :
أرواح
أمثال
إنسان
كامل
أجسام
وما أوجد العالم على ما ذكرناه إلا عن حركة إلهية وهي حركة المفتاح عند الفتح،
والممكنات وإن كانت لا تتناهى فهي من وجه محصورة في عشرة أشياء وهي المقولات
العشرة، وقد ذكرناها من قبل: في هذا الكتاب، فلنبين هنا مراتبها فيما يختص بهذا الباب مما
لم نذكره قبل :
فاعلم أن الله تعالى في حضرة الغيب الذي له من الأسماء الإلهية الباطن فلا نعلم أبداً له
تعالى حكماً يظهر في الإنسان دون غيره من المخلوقات لما هو عليه من الجمعية وما اختص
به من عموم النفس الرحماني، وذلك الحكم في غيب الحق له الثبوت دائماً ما دام يتصل
الباطن بالظاهر للإمداد الذي من الخالق للمخلوق، إذ لو انقطع عنه لفني، ولذلك جعل أهل

في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة ٤١٣
اللسان الوصل في الكلام هو الأصل، والوقف عارض يطرأ في الكلام لضيق النفس الذي
تبرزه القوة الدافعة، فلو تمادى هلك، فإذا خافت على المتنفس الهلاك جذبت القوّة الجاذبة
الهواء من خارج إلى داخل، فكان بين انتهاء الدافعة وابتداء الجاذبة وقف المتكلم للراحة،
فلهذا قلنا فيه أنه عارض، وهو في النفس الإلهي من حيث ما هو نفس الرحمن ما يبتلي الله به
عبده من الضيق والحرج ثم ينفس عنه بالسعة فيقابل الشيء بضده، ولا بد بين النقيضين إذا
تعاورا على المحل من بهت يقوم بالمحل ذلك البهت هو المسمى وقفاً في عالم الكلام، وهذا
من جوامع الكلم الذي هو جمع كلمة، فما بين الكلمة والكلمة يكون بهتاً لكون النفس في
الكلمتين عيناً واحدة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤] إذا وقفت، فـ ((عليماً)) هو
الذي في الغيب الإلهيّ، و((حكيماً)) هو حكمه في الإنسان بما أمده الله به، فإن وصله بكلام
بعده قبضه الله إليه قبضاً يسيراً فعاد إلى غيبه فلم يظهر في الإنسان حكمه، وهذا من أسرار
الحق التي غاية العبارة عنها ما ذكرناه. فالإنسان الكامل الظاهر بالصورة الإلهية لم يعطه الله
هذا الكمال إلا ليكون بدلاً من الحق ولهذا سماه خليفة وما بعده من أمثاله خلفاء له، فالأوّل
وحده هو خليفة الحق وما ظهر عنه من أمثاله في عالم الأجسام فهم خلفاء هذا الخليفة وبدل
منه في كل أمر يصح أن يكون له، ولهذا صحت له المقولات العشرة التي لا تقبل الزيادة على
هذا العدد فهذه هي النيابة الأولى.
وأما النيابة الثانية فهي أن ينوب الإنسان بذاته عن نصف الصورة من حيث روحانيتها
لأن الله إذا تجلى في صورة البشر كما ورد فإنه يظهر بصورتها حساً ومعنى، فالنيابة هنا
الخاصة هي النيابة عن روح تلك الصورة المتجلي فيها، ولا يكون ذلك إلا في حضرة الأفعال
الإلهية التي تظهر في العالم على يد الإنسان من حيث ما هو مريد لفعل ما يريد أن يفعله في
الحال أو المستأنف، إذ لا يكون الفعل ماضياً إلا بعد ظهوره في الحال، فينوب الإنسان عن
الله تعالى في أفعال الحال كلها الظاهرة على يده وليس لغير الإنسان هذه النيابة، فإن الملك
والحيوان والمعدن والنبات ليس لهؤلاء إرادة تتعلق بأمر من الأمور إنما هم مع ما فطروا عليه
من السجود لله والثناء عليه فشغلهم به لا عنه والإنسان له الشغل به وعنه، والشغل عنه هو
المعبر عنه بالغفلة والنسيان، فالحق هنا دائرة من حيث جمع الصورة بين المعنى الروحاني
والظاهر للبصر، فهذا الإنسان في هذه النيابة إنما هو نائب عما يتعلق من الأفعال بروحانية
تلك الصورة، وعالم الأرواح أخف من عالم الأجسام، ولخفته يسرع بالتحوّل في الصور من
غير فساد العين، وعالم الأجسام ليس كذلك.
واعلم أن النيابة الثالثة في تحقيق الأمر الذي قام بالممكن حتى أخرجه من العدم إلى
الوجود، فإن ذلك نيابة عن المعنى الذي أوجب للحق أن يوجد هذا الممكن المعين ولم يكن
أوجده قبل ذلك سواء كان روح مثلاً أو جسماً. فاعلم أن الأفعال الصادرة عن المريد لها من
الأمثال نيابة في الظاهر عن الله في صدور الممكنات عنه، ولا يكون نائباً عنه تعالى حتى
يكون من استخلفه واستنابه سمعه وبصره ويده وجميع قواه، ومتى لم يكن بهذه الصفة فما هو

٤١٤ في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
نائب ولا خليفة، فإن الممكنات في حال عدمها بين يدي الحق ينظر إليها، ويميز بعضها عن
بعض بما هي عليه من الحقائق في شيئية ثبوتها ينظر إليها بعين أسمائه الحسنى، كالعليم
والحفيظ الذي يحفظ عليها بنور وجوده شيئية ثبوتها لئلا يسلبها المحال تلك الشيئية، ولهذا
بسط الرحمة عليها التي فتح بها الوجود، فإن ترتيب إيجاد الممكنات يقضي بتقدم بعضها على
بعض وهذا ما لا يقدر على إنكاره فإنه الواقع، فالدخول في شيئية الوجود إنما وقع مرتباً
بخلاف ما هي عليه في شيئية الثبوت فإنها كلها غير مرتبة لأن ثبوتها منعوت بالأزل لها
والأزل لا ترتيب فيه ولا تقدم ولا تأخر. ولما كان في الأسماء الإلهية عام وأعم وخاص
وأخص صح في الأسماء الإلهية التقدم والتأخر والترتيب، فبهذا قبلت شيئيات الوجود
الترتيب، فما من وقت يمر عليك هنا لا يظهر فيه ممكن معين ثم يظهر في الوقت الثاني إلا
وبقاؤه في شيئية ثبوته مرجح في الوقت الذي لم تقم به شيئية وجوده، إذ لو لم يكن مرجحاً
لوجد في الوقت الذي قلنا أنه مرّ عليه فلم يوجد فيه فصار بقاء كل ممكن مرجحاً في حال
عدمه، وإن كان العدم له أزلاً كما أن قبوله لشيئية وجوده مرجح، وهذا من أعجب دقائق
المسائل إن فكرت فيه فتوقف حكم الإرادة على حكم العلم، ولهذا قال ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [النحل:
٤٠] فجاء بظرف الزمان المستقبل في تعليق الإرادة والإرادة واحدة العين، فانتقل حكمها من
ترجيح بقاء الممكن في شيئية ثبوته إلى حكمها بترجيح ظهوره في شيئية وجوده، فهذه حركة
إلهية قدسية منزهة أعطتها حقيقة الإمكان التي هي حقيقة الممكن، فلما خلق الله المخلوق
الممكن المنعوت بالإرادة والقدرة على ظهور الأفعال منه بحكم النيابة عن الله في ظاهر الأمر
لا في باطنه، فهو سبحانه في الباطن مظهر الممكن في شيئية وجوده من خلف حجاب الظاهر
المريد القادر الذي هو المخلوق الذي له هذه الصفة فهو يد الله المريد بإرادة الله فيفعل بالهمة
كقوله: ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] ويفعل بالمباشرة كخلقه آدم بيديه وجميع ما أضافه إلى خلق يده
سبحانه فيقال في الحق مع هذه النسبة من غير مباشرة وهي في العبد مباشرة، فإن وقعت من
غير مريد لها فما هو مطلوبنا ولا تكلمنا فيه وإنما ذلك له سبحانه أظهره في هذا المحل
الخاص كحركة المرتعش وكل ما صدر عن غير إرادة فما هو نائب صاحب هذه الصفة،
فالنائب يطلعه الله في قلبه على ما يريد الحق إيجاد عينه من الممكنات، وهو على ضربين في
اطلاعه: فتارة يكون عن نظر وفكر فينوب بنظره وفكره عن الله المدبر المفصل من حيث أنه
يدبر الأمر يفصل الآيات، وتارة يخطر له بديهياً ما يلقيه الله في باطنه كما يعطي العلم الإلهي
الإرادة الإلهية التعلق بإيجاد أمر ما من غير حكم الاسم المدبر المفصل، فيظهر هذا الممكن
على يد هذا المخلوق الذي هو مريد له وهو النائب بالوجهين التدبير والبديهة، فقد حصل
لهذا النائب اطلاع على حضرة أعيان الممكنات في شيئية ثبوتها في النائب في حضرة خياله،
وذلك أن الله أخرج هذا الممكن من شيئية ثبوته إلى شيئية وجوده في حضرة خيال ليقع الفرق
بين الله وبين النائب في ظهور هذه العين المطلوب وجودها في عالم الحس، فتتصف هذه
العين بأنها محسوسة إن كانت صورة وإن لم تكن صورة يدركها البصر وتكون معنى فيلبسها

في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة ٤١٥
صورة العبارات عنها أو صورة ما يدل عليها من إيماء أو إشارة، فتلك صورتها التي يمكن أن
تظهر لعين الرائي فيها أو السامع أو ما كان. فالنائب على الحقيقة إنما أخرج بالإرادة ما أخرج
من وجود خيالي متوهم أو معقول إلى وجود حسي مقيد بصورة عينية أو لفظية أو ما كان،
وتعلق بهذا الوجود البصر من الرائي إن كان في صورة عين، وإن كان في صورة لفظ وأشباهه
فيدركه بسمع فيضاف مثل هذا الوجود والإيجاد إلى النائب، ولكن لا بدّ من شرط الإرادة
والاختيار في ذلك، فإن تعرى عنهما فليس من بنائب ولو ظهر ذلك منه وعليه بل ذلك لله
تعالى. وأما وجود ما لا ينقال فليس للنائب فيه دخول ألبتة، فإن ذلك من خصائص الحق
فتفهم ما بيناه لك فإنه من لباب المعرفة .
وأما النيابة الرابعة فهي نيابته فيما نصبه الحق له مما لو لم يكن عنه لكان ذلك عن الله
تعالى، فالعلم أن الله تعالى لما أراد أن يعرف فلا بدّ أن ينصب دليلاً على معرفته، ولا بدّ أن
يكون الدليل مساوياً له تعالى في العلم به من حيث هو أمر موجود، وأن يكون عالماً بنفسه من
حيث ما هو موصوف بصفة تسمى العلم وعالم بنفسه بما هو يرى نفسه، وتسمى مكاشفة أو
مشاهدة وهذا من كونه ذا بصر، فإن الله وصف نفسه بأن له بصراً كما وصف نفسه بأن له علماً
قال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ،﴾ [النساء: ١٦٦] وفي الخبر الإلهي ما قاله لموسى وهارون: ((إنَّنِي
مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)) وورد في حديث الحجب وهو صحيح ((ما أدرَكَهُ بَصَرُهُ من خَلْقه)) فلما
نصب الدلالة عليه نصبها في الآفاق، فدلت آيات الآفاق على وجوده خاصة، فما نابت الآفاق
في الدلالة عليه بما جعل فيها من الآيات منابه لو ظهر للعالم بذاته، فخلق الإنسان الكامل
على صورته ونصبه دليلاً على نفسه لمن أراد أن يعرفه بطريق المشاهدة لا بطريق الفكر الذي
هو طريق الرؤية في آيات الآفاق وهو قوله تعالى: ﴿سَيُرِيِهِمْ ءَايَِنَا فِ الْآَفَاقِ﴾ ثم لم يكتف
بالتعريف حتى أحال على الإنسان الكامل حتى قال: ﴿وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهنا قال: ﴿حَتَّى يَبَّنَ
لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ [فصلت: ٥٣] إشارة إلى ما خلق عليه الإنسان الكامل الذي
نصبه دليلاً أقرب على العلم من طريق الكشف والشهود فقال أهل الشهود كفانا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
رَيِِّكَ كَيْفَ مَذَ الظِّلَ﴾ [الفرقان: ٤٥] فذكر الكيف والظل لا يخرج إلا على صورة من مدّه منه
فخلقه رحمة فمد الظل رحمة واقية، فلا مخلوق أعظم رحمة من الإنسان الكامل، ولا أحد
من المخلوقين أشد بطشاً وانتقاماً من الإنسان الحيواني، فالإنسان الكامل وإن بطش وكان ذا
بطش شديد فالإنسان الحيواني أشد بطشاً منه ولذلك قال أبو يزيد: بطشي أشد منه من حيث
نفسه الحيوانية لأنه يبطش بما لم يخلق فلا رحمة له فيه، والحق يبطش بمن خلق فالرحمة
مندرجة في بطشه حيث كان، فإن الحدود التي نصبها في الدنيا وحيث كانت إنما هي
للتطهير، وكذلك الآلام والأمراض وكل ما يؤدي إلى ذلك كل ذلك للتطهير ورفع الدرجات
وتكفير السيئات. فلما خلق الإنسان الكامل وخلفاءه من الأناسي على أكمل صورة وما ثم
كمال إلا صورته تعالى فأخبر أن آدم خلقه على صورته ليشهد فيعرف من طريق الشهود فأبطن
في صورته الظاهرة أسماءه سبحانه التي خلع عليه حقائقها ووصفه بجميع ما وصف به نفسه

٤١٦ في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
ونفى عنه المثلية فلا يماثل وهو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] من العالم أي
ليس مثل مثله شيء من العالم، ولم يكن مثلاً إلا بالصورة، فاعترضت الملائكة لنشأة آدم من
الطبيعة لما تحمله الصورة من الأضداد ولا سيما وقد جعل وجود آدم من العناصر فهو إلهي
طبيعي عنصري، فلم تشاهد الأسماء الإلهية التي هي أحكام هذه الصورة وهي كون الحق
سمعه وبصره وجميع قواه، فلو شهدت ذلك ما اعترضت فأدّبها الله بما ذكر ثم نظر العقل
بآيات الآفاق وغاص بفكره في تلك الآيات الآفاقية بمشاهدة التنزيه دون التشبيه الذي أعطته
المماثلة بالصورة، فلما أسمعه الحق الخطاب أعني أسمع العقل المركب في الإنسان الحيواني
لا في الإنسان الكامل، فإن الإنسان الكامل بنفسه عرفه والإنسان الحيواني عرفه بعقله بعدما
استعمل آلة فكره، فلا الملك عرف الإنسان الكامل لأنه ما شاهده من جميع وجوهه، ولا
الإنسان الحيواني عرفه بعقله من جميع وجوهه، فكلما قام له شهود في نفسه من حيث لم
يشعر أنه شهود أثر الحق ردّه ونزه الحق عنه، فإذا ورد عليه خبر إلهي يعطي ما أعطاه الخيال
الفاسد عنده تأوّل ذلك الخبر على طريق يفضي به إلى التنزيه خاصة فحده من حيث لم يشعر
وما أطلقه فجهل الكل الإنسان الكامل فجهلوا الحق فما عرف الحق إلا الإنسان الكامل،
ولهذا وصفته الأنبياء بما شهدوه وأنزل عليهم بصفات المخلوقين لوجود الكمال الذي هو عليه
الحق، وما وصل إلى هذه المعرفة بالله لا ملك ولا عقل إنسان حيواني فإن الله حجب الجميع
عنه، وما ظهر إلا للإنسان الكامل الذي هو ظله الممدود وعرشه المحدود وبيته المقصود
الموصوف بكمال الوجود فلا أكمل منه لأنه لا أكمل من الحق تعالى، فعلمه الإنسان الكامل
من حيث عقله وشهوده، فجمع بين العلم البصري الكشفي وبين العلم العقلي الفكري. فمن
رأى أو من علم الإنسان الكامل الذي هو نائب الحق فقد علم من استنابه واستخلفه فإنه
بصورته ظهر، وأمرنا بالطاعة لأولي الأمر كما أمرنا بالطاعة لله ولرسوله وأن لا نخرج يداً من
طاعة فنموت ميتة جاهلية والجهل أشد ما على الإنسان، فلو لم ينصب سبحانه وتعالى
الإنسان الكامل لتتحقق المعرفة بالله من حيث ما هو إله في الوجود الحادث معرفة كمال وهي
المعرفة التي طلبت منا لظهر بنفسه وذاته إلى خلقه حتى يعرفه على المشاهدة والكشف فلا
ينكر، وما أنكره من أنكره في الآخرة أو حيث وقع الإنكار إلا لما تقدمهم النظر العقلي وقيدوا
الحق، فلما لم يروا ما قيدوه به من الصفات عند ذلك أنكروه، ألا تراهم إذا تجلى لهم
بالعلامة التي قيدوه بها عند ذلك يقرّون له بالربوبية، فلو تجلى لهم ابتداء قبل هذا التقييد لما
أنكره أحد من خلقه فإنه بتجليه ابتداء يكون دليلاً على نفسه، فلهذا قلنا في الإنسان الكامل إنه
نائب عن الحق في الظهور للخلق لحصول المعرفة به على الكمال الذي تطلبه الصورة
الإلهية، والله من حيث ذاته غنيّ عن العالمين، والإنسان الكامل بوجوده وكمال صورته غنيّ
عن الدلالة عليه لأن وجوده عين دلالته على نفسه فالكشف أتم المعارف، وإن لم يتكرر
التجلي فإن المتجلي واحد معلوم، فإن الإنسان يعلم نفسه أنه يتقلب في أحواله وخواطره
وأفعاله وأسراره كلها في صور مختلفة، ومع هذا التقليب والتحول يعلم عينه ونفسه وأن هويته

في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة ٤١٧
هي هي ما زالت مع ما هو عليه من التقليب، فهكذا هي صورة التجلي وإن كثرت ولم
تتكرر، فإن العلم بالمتجلي في هذه الصور واحد العين غیر مجهول فلا تحجبه التكيفات عنه،
فهذه هي النيابة الرابعة قد وفيناها حقها، ولا يعرف ما ذكرناه إلا من كان زنيماً ذا مال، فإنه
بصورته دخل في الألوهة وليس بإله فكان زنيماً والمال يوجب الغنى فله صفة الغنى بما هو
عليه من الصورة فاعلم ذلك.
وأمّا النيابة الخامسة فهي نيابة الإنسان عن رفيع الدرجات في العالم لا غير، وصورة
رفعه أن الإنسان الكامل من حيث إنه ليس أحد معه في درجته لأنه ما حاز الصورة الإلهية
غيره، فدرجته رفيعة عن النيل فلا يعرفه إلا الله ولا يعرف الله إلا الإنسان الكامل فهو مجلاه،
ولما ارتفعت درجته بالإحاطة وحصول الكل لم يتمكن للجزء أن يعرفه إذ لا معرفة للجزء
بالكل لأن الشيء لا يعرف إلا نفسه ولا يعرف شيئاً إلا من نفسه وما للجزء صفة الكل،
فاستحال أن يعرف أحد الإنسان الكامل لأنه ليست له درجة الكل، فالكل يعرف الكل مثله
ويعرف ما يحوي كليته عليه من الأجزاء لأنها كالأعضاء والقوى لصورته والشيء لا يجهل
نفسه، فظهر كل الإنسان في درجة لا يبلغ إليها، فناب بما ذكرناه مما ظهر فيه مناب ﴿رَفِيعُ
الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] فكأن الإنسان ثنى موجده فكانت أحديته قبلت الثاني على
صورة أحديتها، فإذا ضربت أحدية الإنسان الكامل في أحدية الحق لم يخرج لك إلا أحدية
واحدة، فلك أن تنظر عند ذلك أية أحدية خرجت وأية أحدية ذهبت، هل أحدية النائب أو
أحدية من استنابه؟ فاعمل بحسب ما ظهر لك من ذلك تسعد، فما من حكم للنائب مما له أثر
في الكون أو تنزيه عن المثل إلا وذلك الحكم لمن استنابه، فلا تبال أية أحدية ظهرت ولا أية
أحدية بطنت، فما أمره إلا واحدة كما ذكر عن نفسه: [مجزوء الرجز]
ما الأمرُ إلا ما ذَكَرْ
ما الأمر إلا هكذا
له احْتِكَامٌ في البَشَرْ
فالقَوْلُ قَوْلٌ فاصلٌ
في عَيْنه لِمَنْ نَظَرْ
والشأنُ شأنٌ واحدٌ
عند مليكِ مُقْتَّدِزْ
ما قُلْتُهُ فإنه
إِنْ كُنْتَ ذا عَقْل سلـ
تَجِدْهُ حَقّاً واضحاً
فالعينُ قد تشهدُهُ
والحَقُّ ما بينهما
يقابلُ المثل كمـا
فقُلْ لمن يعرفُه
وقل لمن يجهلُه
أنت الرفيعُ المُجْتَّبَى
إِنْ كُنْتَ من صُورته
على شهود فاعتَبِرْ
يدخل في حُكُم الفِكَّز
يم آمناً مِنَ الغِيَزْ
في سُوَرٍ بلا صُوَرْ
في صُوَرٍ وفي سُوَرْ
في عرشه على سُرُزْ
يقابل الصُورُ الصُّوَزْ
بأنه على خَطَرْ
بأنه على غَرَزْ
الفتوحات المكية ج٥ - م٢٧

٤١٨ في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
وأما النيابة السادسة فإن الله وصف نفسه بأن له كلمات فكثر، فلا بدّ من الفصل بين
آحاد هذه الكثرة، ثم الكلمة الواحدة أيضاً منه كثرها في قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ
تَّقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] فأتى بثلاثة أحرف: اثنان ظاهران وهما الكاف والنون وواحد باطن
خفيّ لأمر عارض وهو سكونه وسكون النون فزال عينه من الظاهر لالتقاء الساكنين، فناب
الإنسان الكامل في هذه المرتبة مناب الحق في الفصل بين الكلمة المتقدمة والتي تليها، فنطق
سبحانه في هذه النشأة الإنسانية، وكل من ظهر بصورتها بالحروف في مخارج النفس من هذه
الصورة ووجود الحرف في كل مخرج تكوينه إذا لم يكن مكوّناً هناك، وإلا فمن يكوّنه فلا بد
للمكون أن يكون بين كل كلمتين أو حرفين لإيجاد الكلمة الثانية أو الحرف الثاني وتعلق
الأوّل به لا بدّ من ذلك في الكلمات الإلهية التي هي أعيان الموجودات كما قال في عيسى
عليه السلام أنه ﴿ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَ﴾ [النساء: ١٧١] وقال فيها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِّمَتِ
رَيِهَا﴾ [التحريم: ١٢] وما هو إلا عيسى وجعله كلمات لها لأنه كثير من حيث نشأته الظاهرة
والباطنة، فكل جزء منه ظاهراً كان أو باطناً فهو كلمة فلهذا قال فيه ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا﴾
لأن عيسى روح الله من حيث جملته ومن حيث أحدية كثرته هو قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَلَهَا إِلَى
مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] فلما نطق الإنسان بالحروف وهي أحزاء كل كلمة مقصودة للمتكلم الذي
هو الإنسان المريد إيجاد تلك الكلمات ليفهم عنه بها ما في نفسه، كما فهم عن الله بما ظهر
من الموجودات ما في نفس الحق من إرادة وجود أعيان ما ظهر فلا بد في الكلام من تقديم
وتأخير وترتيب كما ذلك في الموجودات وهي أعيان الكلمات الإلهية تقديم وتأخير وترتيب
يظهر ذلك الدهر والدهر هو الله بالنص الصريح وهو قوله عليه السلام: ((لاَ تَسُبُوا الدَّهْرَ فَإنَّ
الله هُوَ الدَّهْرُ)) وفيه ظهر الترتيب والتقديم والتأخير في وجود العالم، وسواء كان الكلام متلفظاً
به أو قائماً بالنفس، فإن كان في النفس فلا بد من وجود الحروف فيه في وجود الخيال، وإن
لم يكن ذلك وإلا فليس بكلام وهو قول العربي: [الكامل]
جُعِلَ اللّسانُ على الفُؤاد دَليلا
إنَّ الكَلامَ لفي الفُؤاد وإنّما
أراد على ما في الفؤاد، فإن لم يكن المترجم يضع في ترجمته الترجمة على ما في
الفؤاد بحكم المطابقة وإلا فليس بدليل، وقد وجدت الكثرة في الترجمة والتقدم والتأخر، فلا
بد أن يكون الترتيب في الكلام الذي في الفؤاد على هذه الصورة وليس إلا الخيال خاصة،
وقال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فأضاف الكلام إلى الله تعالى وجعله
مسموعاً للعربيّ المخاطب بحاسة سمعه فما أدركه إلا متقطعاً متقدماً متأخراً، ومن لم ينسب
ذلك الكلام المسمى قرآناً إلى الله فقد جحد ما أنزله الله وجهل الحقائق، فلا بد للنائب إذا
تكلم أن يضاف إليه الكلام على ما قلناه، وأن يكون هذا النائب يفصل بذاته بين كل حرفين
وكلمتين لتوجد الثانية وتتعلق بها الأولى حتى ينتظم به ما يريد إظهاره للمصلحة التي يعلمها،
فدل بكلامه على ما في نفسه، وما كل من سمع بسمعه عقل جميع ما أراده المتكلم أو بعضه
إلا من نوّر الله بصيرته، ولهذا قد يكون حظ السامع من كلام المتكلم ترتيب حروفه من غير

في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة ٤١٩
أن يعقل ما أراده المتكلم بما تكلم به، ويظهر ذلك في السامع إذا كان المتكلم يكلمه بغير
لحنه ولغته، فإنه لا يفهم منه سوى ما يتعلق به سمعه من ترتيب حروفه فهو التعلق العامّ من
كل سامع، ولكن لا يعلم ما أريدت له هذه الكلمات، كذلك العالم كله لا يعرف من
الموجودات التي هي كلمات الله إلا وجود أعيانها خاصة، ولا يعلم ما أريدت له هذه
الموجودات إلا أهل الفهم عن الله والفهم أمر زائد على كونه مسموعاً، فكما ينوب العبد
الكامل الناطق عن الله في إيجاد ما يتكلم به بالفصل بين كلماته إذ لولا وجوده هناك لم يصح
وجود عين الكلمة والحرف، كذلك ينوب أيضاً في الفهم في ذلك مناب الحق في قوله:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] فوصف نفسه بأنه يبلو ليعلم في المستأنف، وهذه كلها نيابة
أحدية لا نيابة غير الأحدية من حيث أن لها القيومية على أعيان الموجودات بما هي
الموجودات عليه من الكسب، إذ هو القائم على كل نفس بما كسبت و﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ
رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أي قيدها كسبها، فلولا الحق ما تميزت الموجودات بعضها عن بعض
ولكان الأمر عيناً واحداً كما هو من وجه آخر. مثال ذلك: أن الإنسان من حيث حده الشامل
لآحاده واحد العين، فإن الآحاد كلها عين واحدة من حيث إنسانيتها، مع علمنا بأن زيداً
ما هو عين عمرو ولا عين غيره من أشخاص الأناسي، فعين تمييز الحق لها وجودها، وعين
تمييز بعضها عن بعض فلأنفسها، ولذلك لم تزد كلمة الحضرة في كل كائن عنها على كلمة
﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] شيئاً آخر بل انسحب على كل كائن عين ﴿كُنْ﴾ لا غير، فلو وقفنا مع
﴿كُنْ﴾ لم تر إلا عيناً واحدة، وإنما وقفنا مع أثر هذه الكلمة وهي المكوّنات، فكثرت
وتعددت وتميزت بأشخاصها، فلما اجتمعت في عين حدها علمنا أن هذه الحقيقة وجدت
كلمة الحق فيها وهي كلمة ﴿كُنْ﴾ وكن أمر وجوديّ لا يعلم منه إلا الإيجاد والوجود، ولهذا
لا يقال للموجود: كن عدماً، ولا يقال له: كن معدوماً لاستحالة ذلك، فالعدم نفسيّ لبعض
الموجودات ولبعضها تابع لعدم شرطه المصحح لوجوده، وبهذه الحقيقة كان الله خلاقاً دائماً
وحافظاً دائماً، ولو كان على ما يذكره مخالفو أهل الحق القائلون ببقاء الأعراض لم يصح أن
يكون الحق خلاقاً دائماً ولا حافظاً على بعض الموجودات وجودها، وإذا لم يزل خالقاً دائماً
فلا يزال مع كل مخلوق ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾ [الحديد: ٤] و(كنتم)) أمر وجودي بلا شك
فلا شيء أدق من نيابة الفصل بين الكلمات لمن يعرف ما ذكرناه.
وأما النيابة السابعة فهي النيابة في الأفعال الظاهرة والباطنة في وجود الإنسان وهو
ما يحدثه في نفسه من الأفعال والكوائن لا ما يحدثه في غيره، وآيته من كتاب الله قوله
تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [محمد: ٣١] والعلم صفة له قديمة، وهذا العلم الخاص الظاهر عن الابتلاء
هو ما يريده بالنيابة فيه هنا فقال تعالى عن نفسه أنه ((يُجِيبُ الدَّاعِيَ إذَا دَعَاهُ)) وَ((أَنَّ بِيَدِهِ مَلَكُوتَ
كُلِّ شَيْءٍ)) فوصف نفسه بأنه قاهر لكل شيء في هذه الآية، فإذا ادّعينا نحن الصبر على
ما يكلفنا به وحمل المشقة في ذلك طاعة لله فدعوناه ثم نظرنا أثر ذلك في قلوبنا فوجدنا أنه
إذا عم الدعاء ذاتنا كلها بحيث أنه لا يبقى فينا جزء له التفاتة إلى الغير حصلت الإجابة بلا

٤٢٠ في المنازل/ الباب الموفي ستين وثلاثمائة في معرفة منزل الظلمات المحمودة والأنوار المشهودة
شك على الفور من غير تأخير، فعلمنا بهذا الاختبار صدق توجهنا لأنا قد علمنا صدقه فيما
أخبر به عن نفسه، ولولا مراعاة الأدب الإلهيّ لكان قولنا بلوناه بما دعوناه به حتى نعلم قوله :
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦] فإنها كلمة دعوى حتى تكون النيابة صحيحة في
قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ﴾ [محمد: ٣١] ثم طردنا ذلك في حق كل
مدع دعوى من صادق وكاذب فنبنا عنه سبحانه في الاختيار والابتلاء، فإن كان صاحب دعوى
صادقة كالرسل ومن صدق في دعواه فإنه يقيم الدلالة على صدقه بما بلوناه من طلب الدلالة
كانت الدلالة ما كانت، كما بلونا به الكاذب لما ادّعى ما ليس له فلم يقم بوجود ما بلوناه به
فقال له النائب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ وهو أمر إمكاني
﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرِّ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقامت الحجة عليه، فالابتلاء أصله الدعوى، فمن لا دعوى
له لا ابتلاء يتوجه عليه، ولهذا ما كلفنا الله حتى قال لنا: ألست بربكم؟ فقلنا بلى، فأقررنا
بربوبيته علينا، وإقرارنا بربوبيته علينا عين إقرارنا بعبوديتنا له، والعبودية بذاتها تطلب طاعة
السيد، فلما اذّعينا ذلك حينئذ كلفنا ليبتلي صدقنا فيما ادعيناه.
فإن قلت: فما علمنا بهذا الإشهاد الميثاقي الذي ورد به الخبر فإن ذلك حظ الإيمان
لا حظ العقل وليس هو بأمر ضروري فكيف يدخل في هذا الابتلاء العاقل الذي ليس بمؤمن؟
قلنا: إن العاقل أوجب على نفسه بعقله تعظيم خالقه والموجب الله لأنه الذي وهبه ذلك العقل
فقام العقل له مقام الرسول لنا فنظر العاقل بعقله في وجوده لماذا يستند هل هو في نفسه لم
يزل كذلك أو هو الذي أوجد نفسه فاستحال عنده الأمران؟ وقد تقدّم الكلام في هذا الكتاب
في هذا المعنى، فلما استحال ذلك عنده استند إلى موجد ما هو عينه فنظر فيما ينبغي لذلك
الذي استند إليه فنزهه عن كل نعت يفضي اتصافه به إلى حدوثه، وسبب ذلك قوّة النفس حتى
لا يتعبدها مثلها أعني ممكناً محدثاً مثلها فإنه قد علم حدوثه فرأى أنه ينبغي بالدليل أن يكون
واحداً لا كثيرين، ورأى أنه منفي المثلية وأنه على مرتبة توجب له التعظيم والحمد والثناء،
فأوجب عليه العقل الذي هو بمنزلة الرسول عندنا تعظيم جنابه بما يستحقه مما أعطته الأدلة
العقلية فأخذ في تمجيده وتعظيمه وتكبيره وتنزيهه، وعلم ما تستحقه السيادة فعاملها به فناب
عن الحق فيما أوجده في نفسه بنظره من المعرفة به والعبادة لموجده لأنه علم بنظره ذلته
وافتقاره في ظهور عينه إلى مظهر بعيد عن الصفات الموجبة حدوثه، فدخل في هذه النيابة كل
عاقل موحد بدليله وإن لم يكن مؤمناً وهو قول النبي وَ لّر في الحديث الصحيح: ((مَنْ مَاتَ
وَهُوَ يَعْلَمُ)) ولم يقل يقول ولا يؤمن وإنما ذكر العلم خاصة فقال: ((وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ الله
دَخَلَ الجَنَّةَ)) فكل موحد لله ففي الجنة يدخله الله خاصة لا غيره، ويشفع المؤمنون والأنبياء في
أهل الكبائر من أهل الإيمان لأن الأنبياء بعثت بالخير وهو متعلق بالإيمان، والموحدون الذين
لم يؤمنوا لكونهم ما بعث إليهم رسول أو كانوا في فترة فهم الذين يحشر كل واحد منهم أمة
وحده، فإن بعث في أمة هو فيهم رسول فلم يؤمن به مع علمه بأحدية خالقه دخل النار فما
يخرج منها إلا بإخراج خالقه، لأن الخلود في النار لا يكون بالنص لأهل التوحيد بأي وجه