Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ في المنازل/ الباب السابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية ... سبحانه أخذ بأبصار بعض عباده عن إدراك هذه الحياة السارية والنطق والإدراك الساري في جميع الموجوات، كما أخذ الله ببصائر أهل العقول والأفكار عن إدراك ما ذكرناه في جميع الموجودات وفي جميع الممكنات، وأهل الكشف والإيمان على علم مما هو الأمر عليه في هذه الأعيان في حال عدمها ووجودها، فمن ظهرت حياته سمي حياً، ومن بطنت حياته فلم تظهر لكل عين سمي نباتاً وجماداً، فانقسم عند المحجوبين الأمر وعند أهل الكشف والإيمان: لم ينقسم، فأما صاحب الكشف والشهود أهل الاختصاص فقد أعطاهم الشهود: وما أعطى المحجوبين شهودهم فيقول أهل الشهود: سمعنا ورأينا، ويقول المحجوبون: ما سمعنا ولا رأينا، ويقول أهل الإيمان: آمنا وصدقنا، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِّدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] و((شيء)) نكرة، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالذَّوَآتُ﴾ [الحج: ١٨] فذكر الجماد والنبات والحيوان الذين وقع فيهم الخلاف بين المحجوبين من أهل العقول والأفكار وبين أهل الشهود والإيمان وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ﴾ [النحل: ٤٩] وقال: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ،﴾ [الرعد: ١٣] وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِ وَالْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] وقال: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَكَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَنَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٨، ١٩] وقال: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ اُلَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] وقال عن الهدهد إنه قال لسليمان: إني ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بٍَِ يَقِينٍ إِى وَجَدتُّ آمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ وَجَدَتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٤] فانظر فيما أعطى الله هذا الهدهد من العلم بالله فيما ذكره. وقال تعالى: ﴿أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] ثم أخبر أن طائفة من العباد لا توقن بذلك وتخرجه بالتأويل عن ظاهره فقال: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِشَايَتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] أي لا يستقر الإيمان بالآيات التي هذه الآية منها في قلوبهم بل يقبلون ذلك إيماناً، وطائفة منهم تتأوّل ذلك على غير وجهه الذي قصد له وقال ربَّ: ((يَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ)). وقال في أحد: ((هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ)) وقال: ((إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَراً بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أَبْعَثَ)) ثم إنه قد صح أن الحصى سبح في كفه، وصح حنين الجذع إليه الذي كان يستند إليه إذا خطب الناس قبل أن يعمل له المنبر فلما صنع له المنبر تركه فحن إليه فنزل من منبره وأتاه فلمسه بيده حتى سكن. وصح أن كتف الشاة المسموم كلمه. وقال وقمثل: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَتُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا فَعَلَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ)) وثبت عنه في قتل اليهود في آخر الزمان: ((إِذَا اسْتَتَرَ اليَهُودُ خَلْفَ الشَّجَرِ يَقُولُ الشَّجَرُ: يا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي اقْتُلْهُ إلَّ شَجَرَةَ الغَرْقَدِ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ لاَ تُنَبِّهُ عَلَى مَنْ يَسْتَتِرُ بِهَا مِنَ الْيَهُودِ)). وهنا سرّ إلهيّ عجيب يعلم أن من الأشجار من راعى حق من استجار به اعتماداً من تلك الشجرة على رحمة الله ووفاء لحق الجوار وهو من الصفات المحمودة في كل طائفة وفي كل ملة. وقال رسول الله وَّ لابنة عمه أم هانىء: ((قَدْ أَجَزْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِىءٍ) وكان مشركاً واليهود ٣٨٢ في المنازل/ الباب السابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية ... أهل كتاب على كل حال فهم أولى بأن يوفى لهم بحق الجوار، وكان هذا من الله في حق هذه الشجرة التي استجار بها اليهود فسترتهم ليتحقق عندنا قوله: ﴿يَخْلَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤] فجاء بلفظة ((من)) وهي نكرة فدخل تحتها كل شيء لأن كل شيء حيّ ناطق فيدخل تحت قوله من لأن بعض النحاة يعتقدون أن لفظة ((من)) لا تقع إلا على من يعقل؛ وكل شيء يسبح بحمد الله، ولا يسبح إلا من يعقل من يسبحه ويثني عليه بما يستحقه، فمن تقع على كل شيء إذ كل شيء يعقل عن الله ما يسبحه به، فالله تعالى يرزقنا الإيمان إذا لم نكن من أهل العيان والكشف والشهود لهذه الأمور التي أعمى الله عنها أهل العقول الذين تعبدتهم أفكارهم، وغير المؤمنين الذين طمس الله على قلوبهم. فمن علم أن كل شيء ناطق ناظر إلى ربه لزمه الحياء من كل شيء حتى من نفسه وجوارحه فإن الله يقول: ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وقال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِمُنَا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [ يسّ: ٦٥] يعني بالشهادة عليكم ﴿اَلَّذِىّ أَنْطَقَ كُلّ شَىْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فيا ولي لا تكن الجلود أعلم بالأمر منك مع دعواك أنك من أهل العقل والاستبصار، فهذه الجلود قد علمت نطق كل شيء وأن الله منطقه بما شاء، ثم قال: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] أي هذا لا يمكن الاستتار منه لأنكم ما تعملون الذي تأتونه من المنكرات إلا بالجوارح فإنها عين الآلة تصرّفونها في طاعة الله أو معصيته، فلا يتمكن لكم الاستتار عما لا يمكنك العمل إلا به ﴿ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] خطاب لمن يعتقد أن الله لا يعلم الجزئيات خاصة، ثم قال: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ﴾ أي أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] والخسران ضدّ الربح وهو نقص من رأس المال لما كان الأمر تجارة اتصف بالربح والخسران يقول تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تْحَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ عقيب قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُشْتَرَوْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] فلما باعوا الهدى بالضلالة خسروا. وقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَزَقْ نُجِيْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] ثم ذكر ما هي التجارة فقال: ﴿نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف: ١١] وإنما عدل في هذه الأمور إلى التجارة دون غيرها، فإن القرآن نزل على قرشيّ بلغة قريش بالحجاز وكانوا تجاراً دون غيرهم من الأعراب، فلما كان الغالب عليهم التجارة كسى الله ذات الشرع والإيمان لفظ التجارة ليكون أقرب إلى أفهامهم ومناسبة أحوالهم. وبعد أن أبنت لك عن الأمور على ما هي عليه إن كنت ذا نظر أو إيمان فإني ما أخبرتك إلا بممكن ما أخبرتك بمحال، فلنقل بعد هذا البيان الشافي والإيضاح الكافي لأهل طريق الله خاصة وخاصته من عباده من مكاشف ومؤمن أن البهائم ما اختصت بهذا الاسم المشتق من الإبهام والمبهم إلا لكون الأمر أبهم علينا، فإنا قد بينا لك ما هي عليه من المعرفة بالله وبالموجودات، وإنما سميت بذلك لما انبهم علينا من أمرها، فإنهام أمرها إنما هو من حيث جهلنا ذلك أو حيرتنا فيه، فلم نعرف صورة الأمر كما يعرفه أهل الكشف فهي في المنازل/ الباب السابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية ... ٣٨٣ عند غير أهل الكشف والإيمان بهائم لما انبهم عليهم من أمرها لما يرون من بعض الحيوان من الأعمال الصادرة عنها التي لا تصدر إلا عن فكر وروية صحيحة ونظر دقيق يصدر منهم ذلك بالفطرة لا عن فكر ولا روية، فأبهم الله على بعض الناس أمرهم، ولا يقدرون على إنكار ما يرونه مما يصدر عنهم من الصنائع المحكمة، فذلك جعلهم يتأوّلون ما جاء في الكتاب والسنة من نطقهم ونسبة القول إليهم ليت شعري ما يفعلون فيما يرونه مشاهدة في الذي يصدر عنهم من الأفعال المحكمة كالعناكب في ترتيب الحبالات لصيد الذباب الذي جعل الله أرزاقهم فيه، وما يدخره بعض الحيوان من أقواتهم على ميزان معلوم وقدر مخصوص وعلمهم بالأزمان واحتياطهم على نفسهم في أقواتهم، فيأكلون نصف ما يدخرونه خوف الجدب، فلا يجدون ما يتقوتون به كالنمل، فإن كان ذلك عن نظر فهم يشبهون أهل النظر، فأين عدم العقل الذي ينسب إليهم، وإن كان ذلك علماً ضرورياً فقد أشبهونا فيما لا ندركه إلا بالضرورة، فلا فرق بيننا وبينهم لو رفع الله عن أعيننا غطاء العمى كما رفعه الله عن أبصار أهل الشهود وبصائر أهل الإيمان وفي عشق الأشجار بعضها بعضاً التي لها اللقاح فإن ذلك فيها أظهر آيات لأهل النظر إذا أنصفوا. واعلم أن العاقل كان من كان من أي أصناف العالم إن شئت إذا أراد أن يوصل إليك ما في نفسه لم يقتصر في ذلك التوصيل على العبارة بنظم حروف ولا بدّ فإن الغرض من ذلك إذا كان إنما هو إعلامك بالأمر الذي في نفس ذلك المعلم إياك، فوقتاً بالعبارة اللفظية المنطوق بها في اللسان المسماة في العرف قولاً وكلاماً، ووقتاً بالإشارة بيد أو برأس أو بما كان، ووقتاً بكتاب ورقوم، ووقتاً بما يحدث من ذلك المريد إفهامك بما يريد الحق أن يفهمك فيوجد فيك أثراً تعرف منه ما في نفسه ويسمى هذا كله أيضاً كلاماً كما قال تعالى: ﴿أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَّةٌ مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] فأخبر أنها تكلمنا، وذلك أنها إذا خرجت من أجياد وهي دابة أهلب كثيرة الشعر لا يعرف قبلها من دبرها يقال لها الجساسة فتنفخ فتسم بنفخها وجوه الناس شرقاً وغرباً جنوباً وشمالاً براً وبحراً، فيرتقم في جبين كل شخص ما هو عليه في علم الله من إيمان وكفر، فيقول من سمته مؤمناً لمن سمته كافراً يا كافر أعطني كذا وكذا وما يريد أن يقول له، فلا يغضب لذلك الاسم لأنه يعلم أنه مكتوب في جبينه كتابة لا يمكنه إزالتها، فيقول الكافر للمؤمن: نعم أو لا في قضاء ما طلب منه بحسب ما يقع فكلامها المنسوب إليها ما هو في العموم سوى ما وسمت به الوجوه بنفختها، وإن كان لها كلام مع من يشاهدها أو يجالسها من أي أهل لسان كان فهي تكلمه بلسانه من عرب أو عجم على اختلاف اصطلاحاتهم يعلم ذلك كله، وقد ورد حديثها في الخبر الصحيح الذي ذكره مسلم في حديث الدجال حين دلت تميماً الداري عليه وقالت له إنه إلى حديثك بالأشواق وهي الآن في جزيرة في البحر الذي يلي جهة الشمال وهي الجزيرة التي فيها الدجال. واعلم أنه ما من صورة في العالم الأسفل إلا ومثلها في العالم العلوي، فصور العالم العلوي تحفظ على أمثالها في العالم السفلي الوجود ويؤثر فيها ما تجده من العلم بالأمور التي ٣٨٤ في المنازل/ الباب السابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية ... لا تقدر على إنكارها من نفسها لتحققها بما تجده، فهذا أثر الصور العلويات الفلكيات في الصور السفليات العنصريات، وتؤثر الصور العنصريات السفليات في الصور العلويات الفلكيات الحسن والقبح والتحرّك بالوهب لما تحتاج إليه بما هي عليه من الاستعدادات، فلا تقدر الصور العلويات أن تحفظ نفسها عن هذا التأثير لأن لهذا خلقت، وبين العالمين رقائق ممتدّة من كل صورة إلى مثلها متصلة غير منقطعة على تلك الرقائق يكون العروج والنزول فهي معارج ومدارج، وقد يعبر عنها بالمناسبات، وبين تلك الصور العلويات الفلكيات وبين الطبيعة رقائق ممتدّة عليها ينزل من الطبيعة إلى هذه الصور ما به قوام وجودها، فإذا انصبغت بذلك أفاضت على الصور السفليات العنصريات ما به قوام وجودها، ولكن من حيث ما هي أجسام وأجساد لا غير ليحفظ عليها صورها، وبين هذه الصور العلويات الفلكيات وبين النفس الكلية التي عبر عنها الشارع ◌َّر عن الله باللوح المحفوظ لما حفظ الله عليه ما كتب فيه فلم ينله محو بعد ذلك ولا تبديل، فكل شيء فيه وهو المسمى في القرآن بكل شيء تسمية إلهية، ومنه كتب الله كتبه وصحفه المنزلة على رسله وأنبيائه مثل قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿مَّوْعِظَةُ وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وهو اللوح المحفوظ، ففصلت الكتب المنزلة مجملة وأبانت عن موعظته، فبين هذه الصور وبين هذه النفس رقائق ممتدة من حيث أرواحها المدبرة لصور أجسادها تنزل عليها العلوم والمعارف بما شاء الله إمّا من العلم به أو العلم بما شاء من المعلومات الموجودات والمعقولات، فإذا حصلت أرواح هذه الصور العلويات الفلكيات ما شاء الله من العلوم التي هي لها بمنزلة الغذاء لصورها الجسمية فبه قوام وجودها ونعيمها ولذتها، فإذا انصبغت بتلك الأنوار وتحققت بها أفاضت على نفوس الصور السفليات العنصريات من تلك العلوم بحسب ما قبله استعدادها فيتفاضلون في العلم لتفاضل الاستعداد ثم يعلم بعضهم بعضاً، وليس التعليم إلا رفع الحجب التي حجبها استعدادهم عن قبول ذلك الفيض، فكنى عن ذلك الرفع بالتعليم، فلم يكن التعليم، إلا من ذلك الفيض من تلك الصور العلويات الفلكيات كما يرفع المانع الذي يمنع الماء عن جريته، فإذا رفعته جرى الماء في ذلك الموضع الذي كان المانع يمنع من جريته عليه، ففاتح هذا السد لم يجر الماء، كذلك المعلم من هذه الصور السفليات لغيرها من أمثالها إنما رفع عنها حجاب الجهل والشك فانكشف لذلك الفيض الروحاني فقبلت من العلوم ما لم يكن عندها فتخيلت أن المعلم لها من رفع غطاء جهلها وليس الأمر کذلك فافهم . وبين هذه الصورة العلويات الفلكيات وبين الصور السفليات العنصريات رقائق ممتدة للأسماء الإلهية والحقائق الربانية وهي الوجوه الخاصة التي لكل ممكن الذي صدر منه عن كلمة ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] بالتوجه الإراديّ الإلهي الذي لا يعلمه المسبب عنه من غيره، وإن كان له وجه خاص من نفسه يعلم ذلك أو يجهله، ومن ذلك الوجه يفتقر كل شيء إلى الله لا إلى سببه الكوني، وهو السبب الإلهيّ الأقرب من السبب الكوني، فإن السبب الكوني في المنازل/ الباب السابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية ... ٣٨٥ منفصل عنه، وهذا السبب لا يتصف بالانفصال عنه ولا بالاتصال المجاور وإن كان أقرب في حق الإنسان من حبل الوريد فقربه أقرب من ذلك، فيعطي الله تعالى لكل صورة علوية وسفلية من العلوم الاختصاصية التي لا يعلم بها إلا ذلك المعطى له خاصة ما شاء الله، وهذه هي علوم الأذواق التي لا تقال ولا تحكى ولا يعرفها إلا من ذاقها، وليس في الإمكان أن يبلغها من ذاقها إلى من لم يذقها، وبينهم في ذلك تفاضل لا يعرف ولا يمكن أن يعرف عين ما فضله به، فلما كان في العلم هذا الاختصاص كان ثم جنات اختصاص. واعلم أنه ليس في المنازل ولا في المقامات منزل عم جميع العالم والإنسان إلا هذا المنزل فله عموم الرحمة في العالم لأن العالم من حيث حقيقته قام على أربعة أركان في صورته الجسمية والروحانية، فهو من حيث طبيعته مربع، ومن حيث روحه مربع، فمن حيث جسده ذو أربع طبائع عن أركان أربعة، ومن حيث روحه عن أم وأب ونفخ وتوجه فجاءته الرحمة من أربعة وجوه لكل وجه رحمة تخصه، فالرحمة التي تبقي عليه رطوبته حتى لا تؤثر فيها يبوسته غير الرحمة التي تحفظ عليه يبوسته لئلا تفنيها رطوبته، والرحمة التي تحفظ عليه برودته لئلا تفنيها حرارته غير الرحمة التي تحفظ عليه حرارته لئلا تفنيها برودته فتمانعت فبقيت لهذا التمانع والتكافؤ صورة الجسم ما دام هذا التكافؤ والممانعة، ومن هذا المنزل انبعثت هذه الرحمات الأربع، فمن وقف عليها من نفسه علم مآله، ومن لم يقف عليها من نفسه جهل حاله، وإنما حجب الله من حجب عن شهودها حتى لا يتكلموا كما ورد في حديث معاذ وحديث عمر وكشفها الله للأمناء حيث علم منهم أنهم لا يؤدّون الأمانة إلا لأهلها، فإن الله قد خلق للعلم أهلاً بمثل هذا، وجعل وصول العلم إليهم بمثل هذا على نوعين: إما منه إليهم، وإما من معلم قد علم أمانة غيره وهو أمين مثل ما علم من أمانته فألقى ذلك العلم إليه إذ كان من أهله وهو مأمور من الله تعالى بأداء الأمانة، فإذا وقفت على هذه الرحمات من نفسك حالت بينك وبين كل ما يؤدّي إلى بعدك عن الله تعالى وعن سعادتك واتصفت بالانقياد إلى الله في كل حال بما دعاك إليه هذا أثرها فيك إذا شاهدتها فتورثك الأدب الإلهي، ولا يكون هذا الآتي بهذا العلم إليك إلا عالماً بك وبما تكون به حياتك، وهو من الأرواح السيارة والملائكة أولي الأجنحة على طبقاتها في الأجنحة فأعلاهم أقلهم أجنحة، وأقلهم أجنحة من له جناحان، فإنه ما ثم من له جناح واحد لا مساعد له إمّا من جناح أو غيره. وقد رأينا حيواناً على فرد رجل وقد خرج من صدره شبه درة المحتسب يحرّكه تحريك الجناح ويعدو بتلك الحركة ويحرك رجله الواحدة بحيث أن السابق من الخيل لا يلحقه ما بين القل وجيجل ببلاد المغرب فلهذا لمنا من لا مساعد له، فمن الملائكة من له جناحان إلى ستمائة جناح إلى ما فوق ذلك، فهذا علم لا يأتي لمن أتى إليه إلا على يدي ملك كريم مطيع لا يعصي الله ما أمره، له جناحان ينزل بهما إلى قلب هذا العبد، فإن أجنحة الملائكة للنزول لا للصعود، وأجنحة الأجسام العنصرية للصعود لا للنزول، لأن الملائكة تجري بطبعها الذي عليه صورة أجسامها إلى أفلاكها التي عنها كان وجودها، فإن نزلت إلى الأرض نزلت طائرة بتلك الفتوحات المکیة ج٥ - م٢٥ ٣٨٦ في المنازل/ الباب السابع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإلهية ... الأجنحة، وهي إذا رجعت إلى أفلاكها ترجع بطبعها بحركة طبيعية، وإن حركت أجنحتها حتى أنها لو لم تحرك أجنحتها لصعدت إلى مقرّها ومقامها بذاتها وأجسام الطير العنصري يحرك جناحه للصعود، ولو ترك تحريك جناحه أو بسطه لنزل إلى الأرض بطبعه فما يبسط جناحه في النزول إلا للوزن في النزول لأنه إن لم يزن نزوله وبقي مع طبعه تأذى في نزوله لقوّة حكم الطبع، فحركة جناحه في النزول حركة حفظ فاعلم ذلك. واعلم أن البهائم تعلم من الإنسان ومن أمر الدار الآخرة ومن الحقائق التي الوجود عليها ما يجهله بعض الناس ولا يعلمه، كما حكي عن بعضهم أنه رأى رجلاً راكباً على حمار وهو يضرب رأس الحمار بقضيب فنهاه الرائي عن ضربه رأس الحمار فقال له الحمار: دعه فإنه على رأسه يضرب فجعله عين الحمار وعلم الحمار أنه مجازى بمثل ما فعل معه وقوله دعه لما علم الحمار ما له في ذلك من الخير عند الله أو لعلمه أيضاً بأنه ما وفى له بحق ما خلق له من التسخير فعلم أنه مستحق بالضرب، فنبه بذلك السامع له أن الشخص إذا لم يجىء بحق ما تعين عليه لصاحبه استحق الضرب أدباً وجزاء لما كان منه، وهذه كلها وجوه محققة لصورة هذا الفعل والقول من هذا الحمار إلى غير ذلك من الوجوه التي يطلبها هذا الفعل. وقال رسول الله ◌ّ في ناقته لما هاجر إلى المدينة وبركت الناقة بفناء أبي أيوب الأنصاري فأراد من حضر من أصحابه وَّ # أن يقيمها والنبيّ وَّ راكب عليها فقال: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ))؟ وقال: ((حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ)) يعني عن مكة، وحديث الفيل مشهور الصحة، فجميع ما سوى الثقلين وبعض الناس والجان على بينة من ربهم في أمرهم من حيوان ونبات وجماد وملك وروح. ويتضمن هذا المنزل من العلوم: علم الأعداد وعلم الحروف وهو علم الأولياء، كذا قال محمد بن علي الترمذي الحكيم، وعلم المجمل، وعلم الرحمات المختصة بالإنسان، وعلم التبيان، وعلم البشائر، وعلم مراتب الإيمان، وعلم إقامة نشأة الأعمال من المكلفين وغير المكلفين، وعلم التلقي الروحاني المظهر من الملقي الذي هو الحق لا الملك، وعلم أداء حقوق الغير، وعلم ما يكون من الله لمن مشى في حق أخيه، وعلم تولي الحق ذلك بنفسه، وعلم ما هي الحضرة الإلهية عليه من الأمان الذي لا يعلمه إلا العالمون بالله ذوقاً، وعلم تقلب الأحوال فتتقلب لتقلبهم المواهب الإلهية، وعلم الآيات والدلالات وعلى ماذا تدل واختلافها مع أحدية المدلول، وعلم ما يحجب القلب عن العلم بالشيء مع وجود البيان في ذلك، وعلم العناية الإلهية بوهب العلم، وعلم ما يحصل من العلم بطريق الورث، وعلم مراتب الحيوان وفيماذا يتفاضلون وما يكونون فيه على السواء وهل الإنسان يلحق بالحيوان أو هو نوع خاص؟ وبماذا يختص عن الحيوان وقد علمنا أن كل حيوان فهو ناطق، وعلم آداب الملوك وكيف ينبغي أن يكون الملك في ملكه ولنا في هذا الفن كتاب سميناه التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية، وعلم النصائح لدفع الضرر والتوقي، وعلم التوحيد الذي يختص بالبهائم، وعلم جواز الكذب على كل ناطق مع العلم بأنه صادق ما عدا الثقلين فإنهما ٣٨٧ في المنازل/ الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... قد يكذبان في كثير مما يخبرون به، وعلم اتخاذ الملوك الجواسيس وما ينبغي للجاسوس أن يظهر به من الصفات في حال تجسسه وما يحمد من ذلك وإن كان كذباً، وعلم مشورة الأعلى للأدنى مع علمه بأنه يصل إلى العلم بما يريد العلم به من غير مشورة وكون الحق تعالى أمر نبيه * بمشاورة أصحابه في الأمر الذي يعن له إذا لم يوح إليه فيه شيء، وعلم قول النبيّ وَّ: ((تَهَادُوا تَحَابُّوا)) وما للعطاء في النفوس من الأثر القادح في الإيمان هل هو محمود أو مذموم؟ فإن الإحسان محبوب لذاته فهل المحسن مثل ذلك أم ينفصل عن الإحسان؟ فإنها مسألة خطرة عظيمة في إحسان من أمرك الله أن تعاديه فتقبل إحسانه من غير أن يؤثر فيك مودّة له إيثاراً لجناب الله وامتثالاً لأمره، وهذا هو خروج عن الطبع وهو صعب مشكل يمكن أن لا يتصوّر وقوعه، وإن لم يظهر له حكم في الظاهر فإن الباطن لا يمكن له دفع ذلك، وعلم الموازنة بين المحسنين فيما أحسنا فيه لشخص بعينه هل يقع للنفس ترجيح من حيث ما أحسنا به لا من حيث الإحسان؟ فإن وقع فيه تفاضل هان الأمر فيه على المؤمن العالم المشاهد إحسان الله العالم المسخر. وعلم الخواص والظهور به في موطن القربة إلى الله تعالى بذلك، وعلم شكر المنعم، وعلم ما تستحقه الربوبية مما لا يقع فيه اشتراك، وعلم الالتباس للابتلاء، وعلم النظر إلى المخطوبة وما أبيح للناظر أن ينظر منها شرعاً فإنه أمر بذلك، وعلم صورة تعلم العلم، وعلم الاعتراف بين يدي المعلم بالجهل، وعلم الحيل والمكر والكيد وما يذم من ذلك وما يحمد، وعلم الثناء المطلق والمقيد وهل من ثناء مطلق أو لا يصح ذلك بالحال؟ وإن أطلقه اللفظ وعلم حصر ما يتقيد به الثناء من كل مثني ومثنى عليه، وفيه علم التخيير من العالم بالحق، وفيه علم منزلة الأرض وما زينت به، وفيه علم سبب إجابة الله دعاء الكافر والمشرك ومتى يوحد المشرك ربه، وفيه علم اندراج النور في الظلمة، وفيه علم الخلق والرزق، وفيه علم القيامة، وفيه علم إنكار الممكن، وفيه علم كشف الغيب في حضرة الغيب، وفيه علم من ينادي ولا يجاب، وفيه علم هل يعم الحشر كل ميت أو لا يحشر إلا بعض الموتى؟ وفيه علم الناقور الذي هو الصور وما هو، وفيه علم أي جزاء هو أفضل من عمله أو كل جزاء أفضل من عمله وهو علم شريف، وفيه علم عبادة الرب من حيث ما هو مضاف إلى كونٍ ما، وفيه ما تعطي الرؤية من علم ما كان يعلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة الأنوار والقرار والأبدار وصحيح الأخبار [البسيط]: تأتي بها ظُلَلٌ مِنْ فوقها ظُلَلُ إِنَّ المَقَادِير أوزانٌ مُنَظّمَةٌ من الغَمَام ومنْ غير الغمام يُرَى تحوي على كلّ مَغْنَى ليس يُظْهرُهُ عند التَّنَزُّل في إعجازها كَلَلُ إلا الخَطَابةُ والأشعارُ والمَثَلُ ٣٨٨ في المنازل / الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... ومنه ما هو مَذْمُوم فمُتْسَفِلُ فمنه ما هو محمودٌ فمُرْتَفِعٌ ومَنْ ينازعُني فيما أفُوهُ به فالناسُ كُلُّهُم أعداءُ ما جَهِلُوا اعلم أسعدنا الله وإياك بسعادة الأبد أن النفس الناطقة سعيدة في الدنيا والآخرة لاحظ لها في الشقاء لأنها ليست من عالم الشقاء، إلا أن الله أركبها هذا المركب البدني المعبر عنه بالنفس الحيوانية فهي لها كالدابة وهي كالراكب عليها، وليس للنفس الناطقة في هذا المركب الحيواني إلا المشي بها على الطريق المستقيم الذي عينه لها الحق، فإن أجابت النفس الحيوانية لذلك فهي المركب الذلول المرفاض، وإن أبت فهي الدابة الجموح كلما أراد الراكب أن يردّها إلى الطريق حرنت عليه وجمحت وأخذت يميناً وشمالاً لقوّة رأسها وسوء تركيب مزاجها، فالنفس الحيوانية ما تقصد المخالفة ولا تأتي المعصية انتهاكاً لحرمة الشريعة، وإنما تجري بحسب طبعها لأنها غير عالمة بالشرع، أو اتفق أنها على مزاج لا يوافق راكبها على ما يريد منها، والنفس الناطقة لا يتمكن لها المخالفة لأنها من عالم العصمة والأرواح الطاهرة، فإذا وقع العقاب يوم القيامة فإنما يقع على النفس الحيوانية، كما يضرب الراكب دابته إذا جمحت وخرجت عن الطريق الذي يريد صاحبها أن يمشي بها عليه، ألا ترى الحدود في الزنى والسرقة والمحاربة والافتراء إنما محلها النفس الحيوانية البدنية وهي التي تحس بألم القتل وقطع اليد وضرب الظهر؟ فقامت الحدود على الجسم وقام الألم بالنفس الحساسة الحيوانية التي يجتمع فيها جميع الحيوان المحس للآلام، فلا فرق بين محل العذاب من الإنسان وبين جميع الحيوان في الدنيا والآخرة والنفس الناطقة على شرفها مع عالمها في سعادتها الدائمة. ألا ترى إلى النبيّ وَ 8# قد قام لجنازة يهوديّ فقيل له: إنها جنازة يهودي فقال ◌َله: ((أَلَيْسَتْ نَفْساً)) فما علل بغير ذاتها فقام إجلالاً لها وتعظيماً لشرفها ومكانتها، وكيف لا يكون لها الشرف وهي منفوخة من روح الله، فهي من العالم الأشرف الملكي الروحاني عالم الطهارة فلا فرق بين النفس الناطقة مع هذه النفس البدنية الحيوانية وبين الراكب على الدابة في الصورة فإما جموح وإما ذلول، فقد بان لك أن النفس الناطقة ما عصت وإنما النفس الحيوانية ما ساعدتها على ما طلبت منها، وأن النفس الحيوانية ما خوطبت بالتكليف فتتصف بطاعة أو معصية فاتفق أن كانت جموحاً اقتضاه طبعها لمزاج خاص فاعلم ذلك وأن الله يعم برحمته الجميع، فإن رحمة الله سبقت غضبه لما تجاريا إلى الإنسان . واعلم أن الله تعالى لم يزل ناظراً إلى أعيان الأشياء الممكنة في حال عدمها، وأن الجود الإلهي لا يزال يمتن عليها بالإيجاد على ما سبق العلم به من تقدم بعضها على بعض في الوجود بالإيجاد، ولما كان ما به بقاء عين الجوهر الكل لا يتمكن إلا بقيام بعض الممكنات به مما لا يقوم بنفسه منها لم يزل الحفظ الإلهيّ يحفظ عليها بقاءها به وهي في ذاتها لا تقبل البقاء إلا زمان وجودها، فلا يزال الجود الإلهيّ يوجد لهذا الجوهر الكل الذي فتح الله فيه صور العالم ما به بقاؤه من الممكنات الشرطية، فلا يزال الله خالقاً على الدوام حافظاً له على ٣٨٩ في المنازل/ الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... الدوام، وكذلك سبحانه وتعالى لولا أنه أسرى بسر الحياة في الموجودات ما كانت ناطقة، ولولا سريان العلم فيها ما كانت ناطقة بالثناء على الله موجدها ولهذا قال: ﴿وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحَدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] فأتى بلفظ النكرة وما خص شيئاً ثابتاً من شيء موجود، لأنها قبلت شيئية الوجود على الحال التي كانت عليها في شيئية الثبوت، وقد أعلمنا الله أنه خاطبها في حال عدمها، وأنها امتثلت أمره عند توجه الخطاب، فبادرت إلى امتثال ما أمرها به، فلولا أنها منعوتة في حال عدمها بالنعوت التي لها في حال وجودها ما وصفها الحق بما وصفها به من ذلك وهو الصادق المخبر بحقائق الأشياء على ما هي عليه، فما ظهرت أعيان الموجودات إلا بالحال التي كانت عليها في حال العدم، فما استفادت إلا الوجود من حيث أعيانها ومن حيث ما به بقاؤها، فكل ما هي عليه الأعيان القائمة بأنفسها ذاتي لها، وإن تغيرت عليها الأعراض بالأمثال والأضداد إلا أن حكمها في حال عدمها ليس حكمها في حال وجودها من حيث أمر ما، وذلك لأن حكمها في حال عدمها ذاتي لها ليس للحق فيها حكم، ولو كان لم يكن لها العدم صفة ذاتية، فلا تزال الممكنات في حال عدمها ناظرة إلى الحق بما هي عليه من الأحوال لا يتبدل عليها حال حتى تتصف بالوجود، فتتغير عليها الأحوال للعدم الذي يسرع إلى ما به بقاء العين، وليست كذلك في حال العدم فإنه لا يتغير عليها شيء في حال العدم، بل الأمر الذي هي عليه في نفسها ثابت إذ لو زال لم تزل إلا إلى الوجود ولا يزول إلى الوجود إلا إذا اتصف العين القائم به هذا الممكن الخاص بالوجود، فالأمر بين وجود وعدم في أعيان ثابتة على أحوال خاصة، فإذا حققت هذا الذي أبرزناه إليك علمت الخلق والخالق، وما ينبغي للخلق أن تكون عليه من الحكم، وما ينبغي للخالق أن يوصف به فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] و﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فلا يشبهه شيء ثابت ولا شيء موجود، وما وقفت على ما وقفت عليه من هذا العلم الذي أدّاني شهوده وحكمه إلى البقاء معه وإلى أن الزهد في الأشياء لا يقع إلا من الجهل القائم بهذا الزاهد وهو عدم العلم، ومن الغطاء الحجابيّ الذي على عينه وهو عدم الكشف والشهود لما ذكرناه؛ فإذا علم أو شاهد أن العالم كله ناطق بتسبيح خالقه والثناء عليه وهو في حال الشهودة كيف يتمكن له الزهد فيمن هذه صفته وعينه وذاته وصفاته من جملة العالم وقد أشهده الله وأراه آياته في الآفاق وهي ما خرج عنه وفي نفسه وهي ما هو عليه، فلو خرج عن غيره ما خرج عن نفسه، فمن خرج عن العالم وعن نفسه فقد خرج عن الحق، ومن خرج عن الحق، فقد خرج عن الإمكان والتحق بالمحال، ومن حقيقته الإمكان لا يلحق بالمحال، إذن فدعواه بأنه خرج عن كل ما سوى الله جهل محض، وإنما ذلك انتقال أحوال لا يشعر بها لجهله فيخيل له جهله أن العالم بمعزل عن الله، والله بمعزل عن العالم فيطلب الفرار إليه فهذا فرار وهميّ، وسبب ذلك عدم الذوق للأشياء وكونه سمع في التلاوة ﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وهو صحيح إلا أن هذا الفارّ بهذه المثابة لم يجعل باله إلى ما ذكر الله في الآية التي أتبعها هذه الآية وهي قوله: ﴿وَلَا تَّجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ [الذاريات: ٥١] فلو عرف هذا التتميم عرف قوله: ﴿فَفِرُّواْ إِلَىَ ٣٩٠ في المنازل/ الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... اللَّهِ﴾ أنه الفرار من الجهل إلى العلم، وأن الأمر واحد أحدي، وأن الذي كان يتوهمه أمراً وجودياً من نسبة الألوهة لهذا الذي اتخذه إلهاً محال عدميّ لا ممكن ولا واجب، فهذا معنى الفرار المأمور به فإليه من حيث نسبة الألوهة إليه يكون الفرار فافهم. وأما الفرار الثاني المتلو فقوله عن موسى عليه السلام: ﴿فَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء: ٢١] لما علم أن الله وضع الأسباب وجعل لها أثراً في العالم بما يوافق الأغراض وبما لا يوافقها وبما يلائم الطبع وبما لا يلائمه، وخلق الحيوان على مزاج يقبل به الألم واللذة بخلاف النبات والجماد فإنهما وإن اتصفا بالحياة عند أهل الكشف فإنهما على مزاج لا يقبل اللذة والألم، ووقع من موسى عليه السلام ما وقع من قتل القبطي ففرّ إلى النجاة التي يمكن أن تحصل له بالفرار فرأى، أن الفرار من الأسباب الإلهية الموضوعة في بعض المواطن لوجود النجاة فهو فرار طبيعيّ لأنه ذكر أن الخوف من السبب جعله يفرّ لكنه معرّى عن التعريف بما ذكرناه من الوضع الإلهي فلم يوف النظر العقلي حقه، فإن هذا كان قبل نبوّته ومعرفته بما يريده الحق به، فلما فرّ خوفاً من فرعون تلقاه الحق بالنجاة وجمع بينه وبين رسول من رسله وهو شعيب عليهما السلام ثم أعطاه النبوّة والحكم الذي خاطب الله به القبط وبني إسرائيل أن يكونوا عليه وأرسله بذلك إلى من خاف منه، فكان ذلك الإرسال كالعقوبة لما لحقه من الخوف من السبب الموضوع ولم يوف السبب الموضوع حقه أعني النظر العقلي، فكان ينبهه في الفرار أنه خوف من الله، إذ لا قدرة مؤثرة للممكن في إيصال خير أو شرّ إلى ممكن آخر، وأن ذلك كله بيد الله فجاءه بالرسالة والحكم من عند الله وأمنه بما أعطاه الله من العلم بما يؤول إليه أمره مع فرعون وآله وأراه إذ كلمه ما أراه من قلب العصا حية، وإنما قلنا عقوبة كان ذلك الإرسال إلى فرعون وأن الخوف معه باق منه لقوله تعالى له ولأخيه حين قالا: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] فقال الله: ﴿لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَرَى﴾ [طه: ٤٦] وقال لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَِّنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ ما نسي مما كان قد علم من امتناننا عليه ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] يقول: أو يخاف مما يعرفه من أخذنا وبطشنا الشديد بمن قال مثل مقالته ممن تقدمه وحصل عنده العلم به، وهذا مثل قوله تعالى لنبينا وَ له: ﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥] وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُّ وَلَوْ كُنْتَ فَّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرُهُمْ فِ الْأَمَِّ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فهذا جدال في الله لين مأمور به وتعطف والترجي من الله إذا ورد واقع بلا شك، ولهذا قال العلماء: إن كلمة عسى من الله واجبة وقد ترجى من فرعون التذكر والخشية فلا بد أن يتذكر فرعون ذلك في نفسه وأن يخشى، ولكن لم يظهر من ذلك شيئاً على ظاهره وإن كان قد حكم التذكر والخشية على باطنه ولذلك لم يبطش بموسى ولا بأخيه في المجلس فإنه صاحب السلطان والقهر في ذلك الوقت فما منعه إلا ما قام به من التذكر والخشية من الحق، ومانع آخر فلم يكن هناك إذ لو كان هناك مانع آخر ظاهر يلجأ إليه موسى عليه السلام ما قال: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] لعدم التكافؤ في القوّة الظاهرة، فأيده بما أوصاهما به من القول باللين، فكانت هذه المخاطبة من جنود الله ٣٩١ في المنازل/ الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... قابل بها جنود باطن فرعون فهزمهم بإذن الله، فتذكر وخشي لما انهزم جيشه الذي كان يتقوى به فذل في نفسه فشغلته تلك الذلة والمعرفة عن أن يحكم بقوّة ظاهره فلم يبطش بهما في ذلك المجلس فهذه فائدة العلم، فإن العلم إذا لم يثمر لصاحبه ما تعطيه حقيقته فما ثم علم أصلاً ولا ذلك عالم، وقد تقدم الكلام في مثل هذا فيما مضى من المنازل، فالناس يأخذون بهذا الفرار الموسوي ولا يعرفون حقيقة ما أخذوا به ولا نظروا في ذلك هذا النظر الذي ذكرناه. وإذا علمت هذا فاعلم أيضاً أن الله ما خلق الإنسان عالماً بكل شيء بل أمر نبيه وَل قر أن يطلب منه تعالى مزيد علم إذ قال له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فهو في كل حال يستفيد من العلم ما به سعادته وكماله، فالذي فطر عليه العالم والإنسان من العلم العلم بوجود الله والعلم بفقر المحدث إليه، فإذا كان هذا فلا بد لكل من هذه صفته أن يفرّ إلى الله لمشاهدة فقره، وما يعطيه حكم الفقر من الألم للنفس ليغنيه من انقطع إليه، فربما يزيل عنه ألم الفقر بما به تقع اللذة له وهو الغني بالله، وهو مطلب لا يصح حصوله أصلاً لأنه لو استغنى أحد بالله لاستغنى عن الله والاستغناء عن الله محال فالاستغناء بالله محال؛ لكن الله يعطيه أمراً ما من الأمور التي يحدثها الله فيه عند هذا الطلب يغنيه به ويزيل عنه ما يجده من اللذة ألم ذلك الفقر المعين، لا يزيل عنه ألم الفقر الكلي الذي لا يمكن زواله عن الممكن، لأن الفقر له وصف ذاتي لا في حال عدم ولا في حال وجود، ولهذا لم يجعل في نفس الممكن إلا ما إذا أعطاه ذلك وجد عنده لذة مزيلة ألم الطلب، ثم يحدث له طلب آخر الأمر آخر أو لبقاء ذلك الحاصل له على الدوام دنيا وآخرة، فلا بد لمن هذه حاله من تخل وفرار عن الأمور الشاغلة له عن هذا الأمر حتى يكشف الله عن بصيرته وبصره فيشاهد الأمر على ما هو عليه، فيعلم عند ذلك كيف يطلب وممن يطلب ومن يطلب وأمثال هذا، ويعلم معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] أي المثنى عليه بالغنى وتدبر قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لأنه يستحيل عليه أن يعبد نفسه، ولما قلناه أتى بالحميد لأن صفة الغنى لا شيء أعلى منها وهي صفة ذاتية للحق تعالى، فافهم الإشارة فالعبارة هنا حرام. وإذا تقرر هذا علمت كون رسول الله (80# كان يخلو بغار حراء ليتحنث فيه ويفر من مشاهدة الناس لما كان يجده في نفسه من الحرج والضيق في مشاهدتهم، فلو نظر إلى وجه الحق فيهم ما فر منهم ولا كان يخلو بنفسه، وما زال على هذه الحال حتى فجئه الحق فرجع إلى الخلق ولم يزل فيهم فإنه لم يزل في غار حراء مع نفسه فما زال إلا من بعض الناس لا من كل الناس فافهم، فلا بد لكل طالب ربه أن يخلو بنفسه مع ربه في سره لأن الله ما جعل للإنسان ظاهراً وباطناً إلا ليخلو مع الله في باطنه ويشاهده في ظاهره في أسبابه بعد أن ينظر إليه في باطنه حتى يميزه في عين الأسباب وإلا فلا يعرفه أبداً فما يرجع من يرجع إلى الخلوة مع الله في باطنه إلا لأجل هذا، فباطن الإنسان بيت خلوته لو عقل عن الله . فلما علمت في أوّل الأمر أن الشأن على ما ذكرته تجرّدت عن هيكلي هذا تجرداً علمياً ٣٩٢ في المنازل / الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... حالياً لجهلي بمكانة الحق من هذا الهيكل وعدم علمي بأن الله وجهاً خاصاً في كل شيء، فلما صرت عن هذا الهيكل أجنبياً نظرت إليه كأنه سبحة سوداء مظلم الأقطار لم أر فيه من النور شيئاً فسألت عن هذه الظلمة من أين لحقت؟ فقيل لي: هذه ظلمة الطبيعة فإن الظلمات ثلاث تراكم بعضها على بعض حتى إذا أخرج أحد يده لم يكد يراها فأحرى أن لا يراها، فنفى مقاربة الرؤية فكيف الرؤية؟ فالظلمة حجاب إلهي يحجب عن وجود الحق فقلت: ما هذه الظلمات الثلاث؟ فقيل لي: الظلمة الأولى المشهودة لك ظلمة الطبيعة فهي الطبقة الأولى التي تلي بصرك، ثم إن هذه الطبيعة ما وجدت إلا في المرتبة الثالثة ففوقها ظلمة السبب الحادث الممكن التي وجدت عنها فهي وجود محدث عن محدث وهي النفس فهي الظلمة الثانية فاشتد ظلام الطبيعة وتضاعف بظلمة النفس فأشهدت النفس فرأيت ظلمة فوق ظلمة، ثم قيل لي: فوق هذه الظلمة الثانية ظلمة ثالثة وهي السبب الذي وجدت عنه هذه النفس وهو العقل الأوّل فكشف لي عنه فرأيت ظلاماً متراكماً بعضه فوق بعض فقلت: أفلهذا سبب آخر وجد عنه؟ فقيل لي: لا بل هذا أوجده الحق لا عند سبب، فقلت: فما باله مظلماً؟ فقيل لي: هذه الظلمة له ذاتية وهي ظلمة إمكانه يستمدها من ظلمة الغيب الذي لا يقع عليه شهود كما يقع على المغيب فيه إذا ظهر منه وفارقه وصار شهادة، فعن هذه الظلمات الثلاث كان الإنسان من حيث هو جسم حيواني في بطن أمه في ظلمات ثلاث: ظلمة الرحم وظلمة المشيمة وظلمة البطن، فإذا ولدت اندرجت ظلمته فيه فكان ظاهره نوراً وباطنه ظلمة، فلا يتمكن له المشي في ظلمة باطنه إلا بسراج العلم إن لم يكن له هذا السراج فإنه لا يهتدي فيها، فلما رأيت هيكلي وظلمته علمت أنه لو لم يكن له نور بوجه ما ما صَحَّ نظري إليه ولا إدراكي إياه، فسألت عن النور الذي أعده لتعلق رؤيتي به فقيل لي: نور الوجود به رأيته فنظرت إليّ من حيث أني رائي لتلك الظلمة فرأيت ظلها ينبسط علي وما رأيت نوري يزيلها فتعجبت فقيل لي: لا يزول عنك ظلام إمكانك فإنه نعت ذاتي لك فإنك لست بواجب الوجود لذاتك، فقلت: فمن لي بنور لا ظلمة فيه؟ قيل لي: لا تجده أبداً، فقلت: إذاً فلا أشاهد موجدي أبداً فإنه النور المحض والوجود الخالص، فقيل لي: لا تشاهده أبداً إلا منك ولهذا لا تراه أبداً في صورة واحدة فلا تحيط به علماً فلا يتجلى ولا يشهد كما يشهد نفسه فإنه غنيّ عن العالمين، فما يستدل عليه إلا به، فلا يعرف إلا من طريق الكشف والشهود على حدّ ما ذكرناه، وأمّا بالأدلة النظرية فلا يعلم إلا حكمه لا عينه، فلهذا يحكم العقل بدليله على ما يستلزمه هذا الموجود الواجب الوجود مما يفتقر الممكن إليه فيه، فهذا القدر يدل عليه ويعطيه الشهود رتبة فوق هذا تذاق ولا تقال ولا تحكى. فلما أشهدني الله ذاتي وأشهدني هيكلي، أشهدني بعد هذا نسبة العالم كله إليّ وتوجهه علي في إيجاد عيني، فرأيت تقدمه علي وآثاره فيّ، وعلمت انفعالي عنه وأنه لولاه ما كان لي وجود عيني، فذللت في نفسي حيث أنا تحت قهر ممكن مثلي، وعلمت عند ذلك أني من القليل الذين يعلمون أن خلق السموات وهي الأسباب العلوية لوجودي والأرض وهي ٣٩٣ في المنازل/ الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... الأسباب السفلية لوجودي أكبر من خلق الناس قدراً لأن لها نسبة الفاعلية وللناس نسبة الانفعال، فأدركني انكسار يكاد أن يؤيسني عن مشاهدة الحق من حيث ما تشهده هذه الأسباب التي لها عليّ في القدر شفوف الفاعلات، فلما حصل عندي ذلك الانكسار قيل لي هذه الأسباب وإن كان لها هذا القدر عليك في المرتبة فيما ظهر فاعلم أنك العين المقصودة، فما وجدت هذه الأسباب إلا بسببك لتظهر أنت فما كانت مطلوبة لأنفسها، فإن الله لما أحب أن يعرف لم يمكن أن يعرفه إلا من هو على صورته، وما أوجد الله على صورته أحداً إلا الإنسان الكامل لا الإنسان الحيوان، فإذا حصل حصلت المعرفة المطلوبة فأوجد ما أوجد من الأسباب لظهور عين الإنسان الكامل فاعلم ذلك، فجبر هذا التعريف الإلهي انكساري وعلمت أني من الكمل وأني لست بإنسان حيوان فقط فشكرت الله على هذه المنة، فلما أشهدني نسبة العالم إليّ ونسبتي إلى العالم وميزت بين المرتبتين وعلمت أن العالم كله لولا أنا ما وجد، وأنه بوجودي صح المقصود من العلم الحادث بالله والوجود الحادث الذي هو على صورة الوجود القديم، وعلمت أن العلم بالله المحدث الذي هو على صورة العلم بالله القديم لا يتمكن أن يكون إلا لمن هو في خلقه على الصورة وليس غير الإنسان الكامل ولهذا سمي كاملاً، وأنه روح العالم والعالم المسخر له علوه وسفله، وأن الإنسان الحيواني من جملة العالم المسخر له وأنه يشبه الإنسان الكامل في الصورة الظاهرة لا في الباطن من حيث الرتبة، كما يشبه القرد الإنسان في جميع أعضائه الظاهرة، فتأمل درجة الإنسان الحيوان من درجة الإنسان الكامل واعلم من أي الأناسي أنت، فإنك على استعداد قبول الكمال لو عقلت، ولهذا تعين التنبيه والإعلام من العالم، فلو لم تكن على استعداد يقبل الكمال لم يصح التنبيه ولكان التعريف بذلك عبثاً وباطلاً، فلا تلومن إلا نفسك في عدم القبول لما دعيت إليه فإن الداعي ما دعا إلا على بصيرة ليلحقك بذاته في البصيرة. فإذا علمت هذا وأشهدك الحق نسبة العالم إليك بقي عليك أن تعلم نسبة الحق إليك ونسبتك إليه، فأوقفني الحق على نسبة الأسماء الإلهية إليّ لتحصل لي الصورة المقصودة فتنطلق عليّ جميع الأسماء الإلهية التي تنطلق عليه تعالى لا يفوتني منها اسم بوجه من الوجوه، فاعلم أن الاسم لما كان يدل على المسمى بحكم المطابقة فلا يفهم منه غير مسماه كان عينه في صورة أخرى تسمى اسماً فالاسم اسم له ولمسماه، وأراد الله سبحانه أن يعرف كما قررناه بالمعرفة الحادثة لتكمل مراتب المعرفة ويكمل الوجود بوجود المحدث، ولا يمكن أن يعرف الشيء إلا نفسه أو مثله، فلا بد أن يكون الموجود الحادث الذي يوجده الله للعلم به على صورة موجده حتى يكون كالمثل له، فإن الإنسان الكامل حقيقة واحدة، ولو كان بالشخص ما كان مما زاد على الواحد فهو عين واحدة وقال فيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فجعله مثلاً ونفى أن يماثل فلما نصبه في الوجود مثلاً تجارت إليه الأسماء الإلهية بحكم المطابقة من حيث ما هي الأسماء ذات صور وحروف لفظية ورقمية، كما أن الإنسان ذو صورة جسمية، فكانت هذه الأسماء الإلهية على هذا الإنسان الكامل أشد مطابقة منها على ٣٩٤ في المنازل/ الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... المسمى الله، ولما كان المثل عن مثله متميزاً بأمر ما لا يتمكن أن يكون ذلك الأمر إلا له ولا يكون لمثله كان الأمر في الأسماء التي يتميز المثل عن مثله به ولا يشاركه فيه من جانب الحق الاسم الله فعين ما اختص به المثل عن مثله وكان للمثل الآخر الاسم الإنسان الكامل الخليفة مما اختص به هذا المثل الكوني، وأسماء الحق الباقية مركبة من روح وصورة، فمن حيث صورتها تدل بحكم المطابقة على الإنسان، ومن حيث روحها ومعناها تدل بحكم المطابقة على الله، ولنا حالة وله حالة، والأسماء تتبع تلك الأحوال، فلنا التجريد عن الصور متى شئنا، فالذي لنا من ذاتنا الصور ولكن من حقيقة ذاتنا أيضاً التجرد عنها متى شئنا فتتبعنا الأسماء في حال تجريدنا من حيث أرواحها المجردة عن صورها وله التباس بالصور وهو بالذات غير صورة وبالذات أيضاً يقبل التجلي لنا في الصور فتتبعه الأسماء عينها من حيث صورها إذا لبس الصورة متى شاء، فالأمر بيننا وبينه على السواء مع الفرقان الموجود المحقق بأنه الخالق ونحن المخلوقون وهو الله وأنا الإنسان الخليفة فيشركنا في الخلافة لتحقق الصورة، فإنه أمرنا أن نتخذه وكيلاً والوكالة خلافة فالمختص به الذي يتميز به عني الاسم الله صورة ومعنى، فإذا تجلى في الصورة انطلق عليه بحكم المطابقة صورة الاسم الله، وإذا بقي على ما هو عليه من غير تقييد بصورة انطلق عليه روح الاسم الله. وكذلك الإنسان هذا الاسم هو الذي يميزه عنه وله حالة البقاء على ما هي ذاته عليه من الصورة وله التجريد، ولو لم يكن في العالم من هو على صورة الحق ما حصل المقصود من العلم بالحق أعني العلم الحادث في قوله: ((كنت كنزاً لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليه فعرفوني)» فجعل نفسه كنزاً والكنز لا يكون إلا مكتنزاً في شيء، فلم يكن كنز الحق نفسه إلا في صورة الإنسان الكامل في شيئيته وثبوته هناك كان الحق مكنوزاً، فلما كسا الحق الإنسان ثوب شيئية الوجود ظهر الكنز بظهوره فعرفه الإنسان الكامل بوجوده وعلم أنه كان مكنوزاً فيه في شيئية ثبوته وهو لا يشعر به، فهذا قد أعلمتك بنسبة الأسماء إليه قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ولفظة ((كل)) تقتضي الإحاطة والعموم، وقال رسول الله وَّل في دعائه ربه: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْم سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ)) فهذه إضافة حقيقية وهي إضافة الشيء إلى نفسه لما ذكر لفظين مختلفين صحت الإضافة كحق اليقين، وعلم اليقين والعين واحدة وهي لفظة النفس وكاف الخطاب، وإنما قلنا هذا من أجل أصحاب اللسان حيث قالوا من طريق الأدلة إن الشيء لا يضاف إلى نفسه وهو قول صحيح، غير أن الإضافة هنا وقعت في الصورة والصورة صورتان، فجاز أن تضاف الصورة الواحدة إلى الأخرى وهي النفس وكاف الخطاب وكحق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين. والوجه الآخر أن تكون النفس نفس الإنسان الكامل القابلة لجميع الأسماء الإلهية والكونية، فإن الأسماء الكونية أيضاً تدل بحكم المطابقة عليه إلا ما يختص به منها المحدث كالغنى لله والفقر للإنسان بل للعالم كله، فتكون النفس هنا مضافة إلى كاف الخطاب وهو الحق وتكون إضافة ملك وتشريف واستحقاق، فإضافة الملك كمثل مال زيد، وإضافة تشريف كمثل عبد الملك وخديمه، وإضافة الاستحقاق كسرج الدابة وباب ٣٩٥ في المنازل/ الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... البيت، وهذه كلها سائغة في قوله نفسك إذا عني بها الإنسان مثل قول عيسى عليه السلام: ﴿وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] يعني بهذه النفس هنا نفس عيسى أضافها إلى الحق كما هي في نفس الأمر وهو أتم في الثناء على الله والتبري مما نسب إليه وقرر عليه واستفهم عنه من قوله: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] فقال له: أنت ﴿َتَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] فإنه ما يكون فيها إلا ما تجعله أنت فكيف يستفهم من له الخلق والأمر ولم يقل له ما قلت أني إله لعلمه بأنه خليفة وإنسان كامل وأن الأسماء الإلهية له فقال له: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِ بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧] ما زدت على ذلك شيئاً، وإذا قال القائل: ما أمر به أن يقوله لم يلزم أن يقول كل ما هو عليه فإنه ما أمر أن يقوله وقد خرج عن العهدة بما بلغ، وقال محمد وََّ: ((أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَزْتَ بِهِ فِي عِلْمٍ غَيْبِكَ)) فذكر أنه تعالى استأثر بشيء في علم غيبه مما لا يعلمه إلا هو، وليس إلا ما يمكن أن يكون للإنسان الكامل، لكن الله تعالى استأثر به في علم غيبه ما لا يعلمه إلا هو، فعلم من الإنسان مما هو عليه ما لا يعلمه الإنسان الكامل من نفسه فهو غيب الحق لأنه المثل، فاجتمع قول وَّه وقول عيسى عليه السلام في أمر واحد وهو قوله: ﴿وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِىِ نَفْسِكْ﴾ [المائدة: ١١٦] وقول محمد بَّ: ((أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْم غَيْبِكَ)) فالإنسان الكامل محل الأسماء كلها التي في قوته قبولها، وما ليس في قوته قبولها فَلا يتمكن له قبولها، فليس ذلك من الأسماء التي يقال فيها إنه نقص عنها كالأسماء التي يختص بها الإنسان، ولا يجوز أن تطلق على الله ولا يقال إن الله قد نقصه هذا الاسم أن يطلق عليه، فمعنى الأسماء كلها كل اسم في حقيقة هذا المسمى أن يقبله فاعلم ذلك. فمن علم نسبة الأسماء الإلهية إلى الإنسان كيف هي ونسبة الأسماء الكونية إلى الله كيف هي علم مرتبة الإنسان وتميزه عن العالم كله وشرفه بما هو عليه من الجمعية كالمتفنن صاحب الذوق في كل علم، وقد يكون صاحب علم ما أكمل منه في ذلك العلم مع المشاركة فهو أفضل منه في وجه خاص وهذا أفضل منه بالجمعية، كما نقول بالمفاضلة في النقص فنقول في البليد إنه حمار ومعلوم قطعاً أن الحمار أفضل من الإنسان في البلادة فإنه أبلد منه، وكذلك الملك مع الإنسان الملك أفضل منه في الطاعة، وقد شهد الله له بذلك وذلك لتعريه عن لباس البشرية فلا يعصي الله ما أمره لأنه ما هو على حقائق متضادة تجذبه في أوقات وتغفله وتنسبه عما دعا إليه كما يوجد ذلك في النشأة العنصرية، والإنسان نشأة عنصرية تطلبه حقائق متجاذبة بالفعل صاحب غفلة ونسيان يؤمر وينهى فيتصوّر منه المخالفة والموافقة، فالملك أشد موافقة الله من الإنسان لما تعطيه نشأته ونشأة الإنسان، قال تعالى في الملك: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] وقال في الخليفة الذي علمهم الأسماء: ﴿وَعَصَىَ ءَدَمُ رَبَُّ فَغَوَى﴾ [ طه: ١٢١] فوصفه بالمعصية، فالملك أفضل في الموافقة لأمر الله، والخليفة الإنسان أعلم بالأسماء الإلهية لأن الخليفة إن لم يظهر بما يستحقه من استخلفه حتى يطاع ويعصى وإلا فليس بخليفة فهو أتم في الجمعية وأفضل، والملك أفضل في وجه خاص أو وجهين لكن ما له فضل الجمع، ٣٩٦ في المنازل/ الباب الثامن والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مختلفة ... والصورة لا تكون إلا بالمجموع وإلا فليست بصورة مثلية ولا يقدح في الصورة وكمالها ما تمتاز به الصورة على مثلها فإنه لا بد من ذلك ولولا ذلك لم تكن الصورة مثلاً بل هي عينها ومعلوم أن الأمر ليس كذلك. وهذا المنزل يتسع الكلام فيه يكاد إلى غير نهاية، فلنقتصر على ما ذكرناه ولنذكر بعض ما يتضمنه من العلوم كما تقدم: فمن ذلك علم الرسوم الطامسة ومراتبها وحصرها في الحقائق التي انحصرت فيها، وفيه علم من ردّ أمره فكاد أن يقتل نفسه وهو دليل على الضيق والحرج وهل هذا من كمال الإنسان أم لا؟ فإن الله وصف نفسه بالغضب والانتقام فهذا الإنسان لما لم يتمكن له من قوّته أن يجد على من يرسل غضبه بالانتقام منه أراد أن يرسله على نفسه فيقتل نفسه فهو ناقص كامل فأعطاه الله الصبر على حمل الأذى فقاوم به ما يجده الطبع من الغيظ على من يرد كلمته وأمره ويريد مقامته، وفيه علم التسكين ووجود الفرح بالمستند إليه إذا تنزل له في الخطاب على سبيل الرفق به لما يجده وهو أن يخاطبه بما يعرفه به في نفسه في الأمر الذي غاظه فيريه من هو أكبر منه قد أغيظ فيجد لذلك عزاً في نفسه ولهذا قال الله تعالى لنبيه وَله: ﴿نَّقُصُ عَلَّكَ مِنْ أَثْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكْ﴾ [هود: ١٢٠] وفيه علم كل من جنى فعلى نفسه يجني فإن الأعمال لا تضاف إلا إلى عاملها وإن أضيفت إلى غير عاملها فقد غصبتها حقها، وفيه علم الاستبصار، وفيه علم الأمزجة فيعلم منه ما يضر زيداً ينفع عمراً وما هو دواء لخالد هو داء لحسن، وفيه علم نداء الحق واختلافه مع أحدية النداء، وفيه علم آداب جواب المنادي، وفيه علم الاستنزال باللطف، وفيه علم الجبر، وفيه علم التقرير الكوني ونزول الأعلى إلى مخاطبة الأدنى باللطف مع قهره بالصورة فما المانع له من ذلك هل هو قهر خفي من حيث لا يشعر به أو هو عن رحمة هو عليها مجعولة أو جبلية؟ وفيه علم تنبيه العالم على اكتساب معالي الأمور بإظهار أسبابها لمن لا يعرفها، وفيه علم أسباب الحيرة عن جواب السائلين إذا كان السؤال مما لا يتصوّر عليه الجواب المطابق الذي يطلبه السائل في سؤاله وهل كل سؤال يقتضي جواباً أم لا؟ والسؤال عين الجواب من حيث أحدية الكلام والواحد لا يقع فيه التفصيل ولا الانقسام والسؤال ما هو عين الجواب والكلام إحدى العين فأين محل الانقسام؟ وفيه علم الجدل مع العلم من المجادل أنه مبطل وأن خصمه على الحق فلماذا يبقى على جدله وقد بان له الحق في نفسه؟ فهل له وجه ما إلى الحق أو هو باطل من جميع الوجوه؟ وإذا كان باطلاً من جميع الوجوه فالباطل عدم والعدم لا يقاوم الوجود فإن اللاشيء لا يكون أقوى من الشيء، وفيه علم ما تنتجه المساعدة، وفيه علم الزجر والتخويف والرضا بالقضاء والمقضي معاً للقوّة التي تكون في الراضي وما ينبغي أن يرضى به من المقضي وما لا ينبغي أن يرضى به من ذلك، وفيه علم ما يؤثره الاستناد إلى الكثرة من القوة في نفس المستند وإن خاب فقد يرزق الواحد من القوة ما يزيد على قوّة الكثير فلا يقاومه الكثير، وفيه علم تأثير الكون في الكون هل يفتقر إلى أمر إلهي أو إلى العلم أو منه ما يكون عن علم ومنه ما يكون عن أمر إلهي ومراتب الخلق في ذلك، وفيه علم سرد الأخبار وما فائدتها الزائدة على تأنيس النفوس في المنازل/ الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: ((إياك أعني فاسمعي يا جارة)) ٣٩٧ بها فإن النفوس تستحلي الأحاديث بطبعها، وفيه علم تفاضل العالم في العلم، وفيه علم ما ينبغي أن يضاف إلى الحق من الأمور وما لا ينبغي وإن كان له، وفيه علم عزة النفس أن يلحق بها المذام مع كونها متصفة بها فما الذي يحجبها حتى تتصف بالمذام ولا تحب أن توصف بها، وفيه علم مفاضلة النفوس بعضها بعضاً على الإطلاق، وفيه علم سبب دوام النعم وعدم دوام نقيضه بها، وفيه علم المدد ولماذا يرجع انتهاؤها فيما يوصف منها بالانتهاء هل هو للفعل الموجود فيها أو هل هو لأمر آخر؟ وفيه علم تقاسيم الزمان إلى أزمنة وهو عين واحدة، وفيه علم طلب الأعمال الجزاء وإن تنزه العاملون عنها، وفيه علم من أعلى منزلة هل المتنزه عن طلب الأعواض أو طالب الأعواض، وفيه علم بدء الرسالة في العالم ما سببه وهل في العالم من خرج عن التكليف أم لا؟ وفيه علم ما يتميز به العالي من الأسفل هل بنفسه أو بأمر نسبيّ والأشرف منهما، وفيه علم اختلاف الآيات لاختلاف الأعصار والأحوال وأين ذلك من العلم الإلهي؟ وفيه علم دخول الواسع في الضيق من غير أن يتسع الضيق أو يضيق الواسع، وفيه علم الفرق بين الإناث والذكور في كل صنف صنف، وفيه علم من يصح عليه اسم الأخوة ممن لا يصح ومراتب الأخوة، وفيه علم الموازنات الإلهية والموضوعة، وفيه علم السبب الذي يقوم بالإنسان حتى يعمى قلبه عن طريق الحق مع علمه بالإمكان وهو من أعجب الأشياء مثل قول من قال: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَِّ﴾ [الأنفال: ٣٢] مع علمهم بأن ذلك ممكن ولم يوفقهم الله أن يقولوا تب علينا أو أسعدنا، وفيه علم مراتب الوحي الإلهيّ في الإنسان، وفيه علم الدلالة التي لا يمكن ردها، وفيه علم الفرقان بين النظم والمنظوم والنثر والمنثور وهو علم المقيد والمطلق وفيه علم التقلب من حال إلى حال ومن منزل إلى منزل، وفيه علم تنزل الأرواح النارية من أين تنزل وعلى من تنزل وأين محلها وما ينبغي أن ينسب إليها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: «إياك أعني فاسمعي يا جارة)) وهو منزل تفريق الأمر وصورة الكتم في الكشف من الحضرة المحمدية [البسيط]: ما الشَّمْسُ تَعْلُو فتُفْني ظِلَّهُ فِيهِ انْظُرْ إلى نَقْص ظِلِ الشّخص فيه إذا بَذْءاً وفَيْئاً وهذا القَدْرُ يَكْفِيهِ ذاك الدليلُ على تحريكه أبداً لو كان يَسْكُنُ وَقْتاً ما بدا أَثَرْ في الكَوْن من (كُنْ)) وذاك الحكمُ مِنْ فِيهِ أصلٌ سواه فحكمُ القول يُبْدِيهِ فالكونُ مِنْ نَفَسِ الرّحمن ليس له فإن حكمة شرع الله تَقْضيهِ خلاف ما يقتضيه العقلُ فازم به ولو يكونُ لكان العقلُ يُخْفیهِ ما إن رَأيْتَ له عَيْناً ولا أثّراً اعلم أيدك الله بروح منه أن الأشياء لما خلقها الله على حكم ما اقتضاه الوجود الأصل ٣٩٨ في المنازل/ الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: ((إياك أعني فاسمعي يا جارة)) الذي هو عليه وله وجد كل ما سوى الله تعالى فما خلق شيئاً إلا وخلق له ضدّاً ومثلاً وخلافاً، فجعل الموافقة في الخلاف والمنافرة في الضدّ والمناسبة في المثل، فأشد الأشياء مواصلة ومحبة واتحاداً الخلاف مع مخالفه، ولهذا يكون الخلاف بحسب من يخالفه ولا يتميز عن صاحبه إلا بحكمه فيتحد الخلافان بالمحل ويتميزان بالحكم فيه، وأما المثل مع مثله فإن المناسبة تجمع بينهما في المودّة فيحب كل مثل مثله بما فيه من مناسبة المثلية وإن لم يجتمعا فيشبه المثل الخلاف في المحبة وإن كان بينهما فرقان بالحقائق فيهما، ويشبه الضد في أنهما لا يجتمعان أبداً فهما كغائب أحب غائباً وهام فيه عشقاً وحكمت الموانع بأن لا يجتمعا، وأما الضد مع ضده فالمنافرة بينهما ذاتية وليس بينهما المودّة التي بين الخلافين، فكل واحد من الضدين يريد ذهاب عين ضده من الوجود، بخلاف الخلافين فالمودة التي بينهما تمنع كل واحد منهما أن يريد ذهاب عين خلافه من الوجود لكن يريد ويشتهي أن لو يمكن الاتحاد به حتى لا تقع المشاهدة إلا على واحد بعينه ويغيب فيه الآخر إيثاراً من كل خلاف على نفسه لخلافه لكنهما لا يجتمعان أبداً لذاتهما، مثال المثلين: بياضان، ومثال الضدين: بياض وسواد، ومثال الخلافين: لون ورائحة أو طعم في محل واحد، والمراد من هذا الذي ذكرناه تعريفك بنسبة العبد من الله ما له من هذه النسب، فاعلم أن الإنسان الكامل جمع بذاته هذه الأمور كلها وليس ذلك لغيره فهو مع الحق مثل ضد خلاف، كما أن ما ذكرناه له هذا الحكم أيضاً على كل واحد من هؤلاء الثلاثة، فإن البياض يخالف البياض بالمحل فإن المحل يميزه فيقال: هذا البياض ما هو هذا البياض، ويضاد مثله فإنهما لا يجمعهما محل واحد وهو مثل له لأن الحد والحقيقة تشملهما من جميع الوجوه، فكل واحد مما ذكرناه يقبل ما يقبله الآخر من المثلية والضدية والخلافية، والذي يحتاج إليه في هذا الباب معرفة الإنسان مع قرينه من الإنس إن عم أو مع غيره من العالم من حيث نسبة ما إن خص، ومعرفة الإنسان مع الحق ليعلم صورته منه على ماذا يكون فإنه قد اعتنى به غاية العناية ما لم يعتن بمخلوق بكونه جعله خليفة وأعطاه الكمال بعلم الأسماء وخلقه على الصورة الإلهية، وأكمل من الصورة الإلهية ما يمكن أن يكون في الوجود، فالإنسان الكامل مثل من حيث الصورة الإلهية ضد من حيث إنه لا يصح أن يكون في حال كونه عبداً رباً لمن هو له عبد خلاف من حيث إن الحق سمعه وبصره وقواه فأثبته وأثبت نفسه في عين واحدة، فمن عرف نفسه عرف ربه معرفة مثل وضد وخلاف فهو الوليّ العدوّ، قال تعالى: ﴿لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ﴾ يخاطب المؤمنين ﴿أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] لكونهم أمثالاً لكم لما بين المثلين من الضدية، فقال للمؤمن: عامل العدوّ بضدية المثل لا بمودة المثل لأن حقيقتكما واحدة فافهم فإن العدوّ يريد إخراجك من الوجود كما قدمنا في معرفة الضد ولذلك قال تعالى فى هذه الآية: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإََِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] فما عاملكم العدوّ وإن كان مثلكم إلا بضدية المثل لا بمودّته، وهذا عين ما ذكرناه من أن الضد يريد ذهاب عين ضده من الوجود، فأمرنا إذا أرادوا ذلك بنا أن نقاتلهم فنذهب أعيانهم من الموضع الذي يكونون فيه فننقلهم إلى في المنازل/ الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: ((إياك أعني فاسمعي يا جارة)) ٣٩٩ البرزخ بالقتل. فانظر ما أعجب القرآن وما أعطي وَّر من العلم بالأمور. وإن لم تسر هذه الضدية في ذات المثل فليس بمؤمن ولا هو عند الله بمكان ولكن يحتاج إلى ميزان وكشف صحيح حتى يعرف العدوّ الذاتي الذي ينبغي أن يعامله بمثل هذه المعاملة من العدوّ العرضي الذي تعرض له هذه العداوة تزول عنه لزوال ذلك العارض الذي أوجبها كما قال تعالى يخبر عن بعض العباد بما يقول يوم القيامة: ﴿يَلَيْتَنِىِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَوَيِلَقَ لَيْتَنِى لَوْ أَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآَيُّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني شيطان الإنس لا شيطان الجن ﴿لِلَإِنسَنِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩] فإنه قال: ما أضلني عن الذكر إلا فلان وسمى إنساناً مثله حيث أصغى إليه وقلده في مقالته وحال بينه وبين اتباع ما أمره الله باتباعه وهو ما جاء به رسول الله وَّر، وسبب ذلك ما جاءهم به عن الله من التحجير الجديد وإن كانوا في تحجير إذ لا بد منه لمصالح العالم ولكنهم كانوا قد ألفوه ونشؤوا عليه ولم يعرفوا غيره، فهم ما أنكروا التحجير وإنما أنكروا هذا التحجير الخاص، ومفارقة المألوف بالطبع عسير ولهذا لا يألف بالطبع الألم وإن تمادى به فإنه يسرّ بزواله له لعدم ألفة الطبع به، فلو ألفه لتألم بزواله، ولما لم يتمكن أن يكون كل إنسان له مرتبة الكمال المطلوبة في الإنسانية وإن كان يفضل بعضهم بعضاً فأدناهم منزلة من هو إنسان حيواني وأعلاهم من هو ظل الله وهو الإنسان الكامل نائب الحق يكون الحق لسانه وجميع قواه وما بين هذين المقامين مراتب، ففي زمان الرسل يكون الكامل رسولاً، وفي زمان انقطاع الرسالة يكون الكامل وارثاً، ولا ظهور للوارث مع وجود الرسول إذ الوارث لا يكون وارثاً إلا بعد موت من يرثه، فلم يتمكن للصاحب مع وجود الرسول أن تكون له هذه المرتبة، فالأمر ينزل من الله على الدوام لا ينقطع فلا يقبله إلا الرسل خاصة على الكمال، فإذا فقدوا حينئذ وجد ذلك الاستعداد في غير الرسل فقبلوا ذلك التنزل الإلهيّ في قلوبهم فسموا ورثة لم ينطلق عليهم اسم رسل مع كونهم يخبرون عن الله بالتنزل الإلهي فإن كان في ذلك التنزل الإلهي حكم أخذه هذا المنزل عليه وحكم به وهو المعبر عنه بلسان علماء الرسوم بالمجتهد الذي يستنبط الحكم عندهم وهو العالم بقول الله لعلمه الذين يستنبطونه منهم، فهذا حظ الناس اليوم من التشريع بعد رسول الله و ◌َلَّه ونحن نقول به ولكن لا نقول بأن الاجتهاد هو ما ذكره علماء الرسوم بل الاجتهاد عندنا بذل الوسع في تحصيل الاستعداد الباطن الذي به يقبل هذا التنزل الخاص الذي لا يقبله في زمان النبوّة والرسالة إلا نبيّ أو رسول، إلا أنه لا سبيل إلى مخالفة حكم ثابت قد تقرّر من الرسول وَّ في نفس الأمر، فإن لم يكن ذلك في نفس الأمر فلا يلقى إلى هذا المجتهد الذي ذكرناه إلا ما هو الحكم عليه في نفس الأمر، حتى أنه لو كان الرسول وَ ل حياً لحكم به مع أنه قرّر حكم المجتهد، وإن أخطأ فما أخطأ المجتهد إلا في الاستعداد كما ذكرناه، فلو أصاب في الاستعداد ما أخطأ مجتهد أبداً بل لا يكون مجتهداً في الحكم وإنما هو ناقل ما قبله من الحق النازل عليه في تجليه، وهذا عزيز في الأمة ما يوجد إلا في أفراد، وعلامتهم أنهم ما يختلفون في الحكم أصلاً لوحدانية الرسالة في هذا الزمان، فإذا اختلفوا فما ٤٠٠ في المنازل/ الباب التاسع والخمسون وثلاثمائة في معرفة منزل: ((إياك أعني فاسمعي يا جارة)) هم الذين ذكرناهم فيكون صاحب الحق إذا كانت الأحكام منحصرة القسمة واحداً منهم فإن بقي قسم لم يقع به حكم ربما كان الحق فيه، ومع هذا تعبد كل واحد بما أعطاه دليله، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر فوقع الاجتهاد في الاجتهاد، وإذا تقرّر أن التنزل الإلهيّ لم ينقطع وأنه على ضروب وكلها علم سواء كان تنزل حكم شرعي أو غير ذلك بحسب المواطن، ألا ترى موطن الآخرة في الجنة التنزل فيه دائم ولكن ليس فيه حكم تحجير جملة واحدة بخلاف تنزله في الدنيا؟ فهذا أغنى بحكم المواطن والكل تعريف إلهيّ . ولما كان في الإنسان الكامل المثل والضد والخلاف كما هو في الأسماء الإلهية المثل كالرحمن الرحيم والخلاف كالرحمن الصبور والضد كالضارّ النافع قال النبيّ ◌َّ يرفع هممنا إلى الرتب العالية: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَا خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً لَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله)) والله يقول: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وقالَ وَّ لربه: ((أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ)) فإذا علمت أن الله لا يستحيل عليه خلة عباده فاجهد أن تكون أنت ذلك الخليل بأن تنظر إلى ما يؤدي إلى تحصيل هذه الخلة الشريفة، فإنك لا تجد لها سبباً إلا الموافقة، ولا علم لنا بموافقتنا الحق إلا موافقتنا شرعه، فما حرّم حرّمناه، وما أحل حللناه، وما أباحه أبحناه، وما كرهه كرهناه، وما ندب إليه ندبنا إليه، وما أوجبه أوجبناه، فإذا عمك هذا في نفسك وكانت هذه صفتك وقمت فيها مقام حق صحت لك الخلة لا بل المحبة التي هي أعظم وأخص من الخلة لأن الخليل يصحبك لك والمحب يصحبك لنفسه فشتان ما بين الخلة والمحبة، وقد دللتك على تحصيل هذين المقامين فالخليل يعتضد بخليله والحبيب يبطن في محبه فيقيه بنفسه، فالحق مجنّ المحبوب والخليل مجنّ خليله، ألا ترى إلى ما أجرى الله في نفوس العالم حيث يجعلون الخبز والملح سبباً موجباً لأن يكون كل واحد من الشخصين اللذين بينهما الممالحة فداء لصاحبه يقيه من كل مكروه ويحفظ عليه حفظه على نفسه، وكذلك هو الأمر عليه في عينه، ولما شهدناه مع الحق مشاهدة عين ووقعت الممالحة ورأيت أثرها بحمد الله برهاناً قاطعاً قلت في ذلك: [السريع] حتى أرى البرهانَ والفَتْحَا لآَكُلَنَّ الخُبْزَ والملْحَا يَثْبُتُ في اللّوحِ فلا يُمْحَى لا أطلبُ السّلْمَ ولا الصُلْحَا أمُرٌ يريني الكَشْفَ والشَّرْحَا أن تُؤْثِرَ المعروفَ والنُّصْحَا من عَمَل الأرواح لي صَرْحَا وأنْظُرَ الأمْرَ الذي قد بدا وأطْلُبَ الحَزبَ من أجْلِ العِدا فلو أتاني الأمرُ من عنده أَلْزَمْتُ نفسي طلباً للعُلَى وقلتُ للباني ألا فابن لي عن ساقها إذْ أبْصَرَتْ صَرْحًا فأضْرَبَتْ عن عَرْشها صَفْحَا ستراً ولا كشفاً ولا لَمْحَا عسى أرى بَلْقِيسَ إذْ شَمَّرَتْ تَخَيَّلَتْ بأنه لُجَّةٌ ما عَرَفَتْ إِذْ أَبْصَرَتْ نَفْسَهَا فأعطاه الخبز والملح أن لا يتخذ عدوّاً لله محبوباً ولا محباً ولما علم الله ما هو عليه