Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
في المنازل/ الباب السادس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل مبايعة النبات ...
إنساناً بالصورة، وأقام سنة يفتح عينيه ويغلقها ولا يتكلم ولا يزيد على ما يغذى به شيئاً فعاش
سنة ومات فما يدرى أكان إنساناً حكمه حكم الأخرس أو كان حيواناً في صورة إنسان؟ وفيه علم
الأنساب والأحساب، وفيه علم ما يعتبر الله من المكلف هل يعتبر ظاهره أو باطنه أو المجموع
في قبول ما يكون منه بعد التكليف، وأما قبله فلا يقيد بل يجري بطبعه من غير مؤاخذة أصلاً
وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وإذا كان هذا فمن أين وقع الألم
للصغير حتى بكى مما يجده؟ وفيه علم كيفية ردّ الجاهل إلى العلم، وفيه علم صورة ردّ الأمور
إلى الله سبحانه وتعالى في قدسه على أي طريق يكون؟ هل بحكم أنه موجدها أو أنه غايتها أو ما
هو ذلك؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل مبايعة النبات القطب صاحب
الوقت في كل زمان وهو من الحضرة المحمدية
[السريع]
بنفسه وإِي ورَبِـي وما
أَقْسَمْتُ بالله الذي أقْسَمَا
في أرضه وخلقه أيْنَمَا
بأنه وِتْرٌ بلا مُوتِرٍ
نُزُولَهُ لعَرْشِه مِنْ عَمَا
وأنّه ينزلُ من عَزْشه
فإنه مُنَزَّهُ عنْهُمَا
من غير تكييفٍ ولا فرقة
اعلم أيدك الله أن المبايعة العامّة لا تكون إلا لواحد الزمان خاصة، وإن واحد الزمان هو
الذي يظهر بالصورة الإلهية في الأكوان، هذا علامته في نفسه ليعلم أنه هو ثم له الخيار في
إمضاء ذلك الحكم أو عدم إمضائه والظهور به عند الغير فذلك له، فمنهم الظاهر، ومنهم من
لا يظهر ويبقى عبداً إلا إن أمره الحق بالظهور فيظهر على قدر ما وقع به الأمر الإلهي لا يزيد
على ذلك شيئاً، هذا هو المقام العالي الذي يعتمد عليه في هذه الطريق لأن العبد ما خلق
بالأصالة إلا ليكون لله، فيكون عبداً دائماً ما خلق أن يكون رباً، فإذا خلع الله عليه خلعة
السيادة وأمره بالبروز فيها برز عبداً في نفسه سيداً عند الناظر إليه فتلك زينة ربه وخلعته عليه،
قيل لأبي يزيد البسطامي رحمه الله في تمسح الناس به وتبركهم فقال رضي الله عنه: ليس بي
يتمسحون وإنما يتمسحون بحلية حلانيها ربي أفأمنعهم ذلك وذلك لغيري، وقيل لأبي مدين
في تمسح الناس به بنية البركة وتركهم يفعلون ذلك: أما تجد في نفسك من ذلك أثراً؟ فقال :
هل يجد الحجر الأسود في نفسه أثراً يخرجه عن حجريته إذا قبلته الرسل والأنبياء والأولياء
وكونه يمين الله؟ قيل: لا، قال: أنا ذلك الحجر قال تعالى في هذا المقام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] فنفاه بعدما أثبته صورة كما فعل به في الرمي سواء أثبته
ونفاه ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧] ثم جعل الله يده في المبايعة فوق
أيدي المبايعين. فمن أدب المبايعة إذا أخذ المبايعون يد المبايع للبيعة ليقبلوها جعلوا أيديهم

٢٠٢
في المنازل / الباب السادس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل مبايعة النبات ...
تحتها وجعلوها فوق أيديهم كما أخذ الرحمن الصدقة بيمينه من يد المتصدّق، فمن الأدب من
المتصدّق أن يضع الصدقة في كف نفسه وينزل بها حتى تعلو يد السائل إذا أخذها على يد
المعطي حتى تكون هي اليد العليا وهي خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة فيأخذها
الرحمن لينفقها له تجارة حتى تعظم فيجدها يوم القيامة قد نمت وزادت، هذا مذهب
الجماعة، وأما مذهبنا الذي أعطاه الكشف إيانا فليس كذلك، إنما السائل إذا بسط يده لقبول
الصدقة من المتصدّق جعل الحق يده على يد السائل فإذا أعطى المتصدّق الصدقة وقعت بيد
الرحمن قبل أن تقع بيد السائل كرامة بالمتصدق ويخلق مثلها في يد السائل لينتفع بها السائل
ويأخذ الحق عين تلك الصدقة فيربيها فتربو حتى تصير مثل جبل أحد في العظم، وهذا من
باب الغيرة الإلهية حيث كان العطاء من أجله لما يرى أن الإنسان يعطي من أجل هواه ما يعظم
شأنه من الهبات، ويعطي من أجل الله أحقر ما عنده، هذا هو الغالب في الناس، فيغار الله
لجنابه أن لا يرى في مقام الاستهضام فيربي تلك الصدقة حتى تعظم فإذا جلاها في صورة
تلك العظمة حصل المقصود، فيد المعطي تعلو على يد الآخذ ولهذا قال تقع والوقوع لا
يكون إلا من أعلى، وقد قال ربَّ: ((لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلَى الله)) أي كما ينسب إلى العلوّ في
الاستواء على العرش هو في التحت أيضاً، كما هو بكل شيء محيط للحفظ كما يحفظ محيط
الدائرة الوجود أو نسبة الوجود على النقطة التي ظهرت عنها نسبة الإحاطة لوجود الدائرة
المحيطة فله الفوق كما له التحت وله الظاهر كما له الباطن، فهو المبايع والمبايع فإنه لا يبايع
إلا بالسمع والطاعة، والسمع لا يكون إلا هو، والعمل بالطاعة لا يكون إلا له، فهو السميع
العامل لما أمر بعمله .
فلنذكر صورة البيعة ولنا فيها كتاب مستقل سميناه مبايعة القطب يتضمن علماً كبيراً ما
علمنا أنا سبقنا إليه، وإن كان العارفون من أهل الله شاهدوه وعلموه، ولكن شغلهم عن تبيينه
للناس ما كان المهم عندهم كما كان إظهاره للناس من المهم عندنا، إذ هذه الطائفة لا شغل
لها إلا بالأهم، هذا إذا لم يظهر بحكم القوّة الإلهية، فإذا ظهر بها لم يشغله شيء عن شيء إذ
هو حق كله فاعلم ذلك .
إيضاح وبيان لمنصب البيعة وصورتها: فاعلم أن الله سبحانه إذا ولى من ولاه النظر في
العالم المعبر عنه القطب وواحد الزمان والغوث والخليفة نصب له في حضرة المثال سريراً
أقعده عليه ينبىء صورة ذلك المكان عن صورة المكانة كما أنبأ صورة الاستواء على العرش
عن صورة إحاطته علماً بكل شيء، فإذا نصب له ذلك السرير خلع عليه جميع الأسماء التي
يطلبها العالم وتطلبه فيظهر بها حللاً وزينة متوجاً مسوراً مدملجاً، لتعمه الزينة علوّاً وسفلاً
ووسطاً وظاهراً وباطناً فإذا قعد عليه بالصورة الإلهية وأمر الله العالم ببيعته على السمع والطاعة
في المنشط والمكره فيدخل في بيعته كل مأمور أعلى وأدنى إلا العالين وهم المهيمون
العابدون بالذات لا بالأمر فيدخل في أوّل من يدخل عليه في ذلك المجلس الملأ الأعلى على
مراتبهم الأوّل فالأول، فيأخذون بيده على السمع والطاعة ولا يتقيدون بمنشط ولا مكره

٢٠٣
في المنازل/ الباب السادس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل مبايعة النبات ...
لأنهم لا يعرفون هاتين الصفتين فيهم، إذ لا يعرف شيء منهما إلا بذوق ضده فهم في منشط
لا يعرفون له طعماً لأنهم لم يذوقوا المكره، وما منهم روح يدخل عليه للمبايعة إلا ويسأله في
مسألة من العلم الإلهي فيقول له: يا هذا أنت القائل كذا؟ فيقول له: نعم، فيقول له في
المسألة وجهاً يتعلق بالعلم بالله يكون أعلى من الذي كان عند ذلك الشخص فيستفيد منه كل
من بايعه وحينئذ يخرج عنه، هذا شأن هذا القطب والكتاب الذي صنفته فيه ذكرت فيه سؤالاته
للمبايعين له التي وقعت في زماننا لقطب وقتنا فإنها ما هي مسائل معينة تتكرّر من كل قطب،
وإنما يسأل كل قطب فيما يخطر الله في ذلك الحين مما جرى لهذا الذي بايعه من الأرواح فيه
كلام، فأوّل مبايع له العقل الأوّل ثم النفس ثم المقدمون من عمال السموات والأرض من
الملائكة المسخرة، ثم الأرواح المدبرة للهياكل التي فارقت أجسامها بالموت ثم الجنّ ثم
المولدات، وذلك أنه كل ما سبح الله من مكان ومتمكن ومحل وحال فيه يبايعه إلا العالين من
الملائكة وهم المهيمون، والأفراد من البشر الذين لا يدخلون تحت دائرة القطب وما له فيهم
تصرّف وهم كمل مثله مؤهلون لما ناله هذا الشخص من القطبية. لكن لما كان الأمر لا
يقتضي أن يكون في الزمان إلا واحد يقوم بهذا الأمر تعين ذلك الواحد لا بالأولوية، ولكن
بسبق العلم فيه بأن يكون الوالي وفي الأفراد من يكون أكبر منه في العلم بالله، وهذا المنزل
يتضمن مبايعة النبات من المولدات ويدخل فيه قوله في الأجسام الإنسانية ﴿وَاللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ
اُلْأَرْضِ﴾ فنبتم ﴿نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] فجاء في ذكرهم بالإنبات أنه أنبتهم ولم يؤكده بالمصدر،
وجاء بمصدر آخر ليعرف بأنهم نبتوا حين أنبتهم، فأوقع الاشتراك بينه وبينهم في الخلق ينبه
أنه لولا استعدادهم للإنبات ما أثرت فيهم الأسماء، فكان خروجهم من الأسماء والاستعداد،
فللأسماء قوله: ﴿أَنْبَّكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ﴾ وللاستعداد قوله: ﴿نَبَانًا﴾ لأن نباتاً مصدر («نَبَتَ)) لا
مصدر ((أنْبَتَ))، فإن مصدر أنبت إنما هو إنبات فانظروا ما أعجب مساق القرآن وإبراز الحقائق
فيه كيف يعلمنا الله في إخباراته ما هي الأمور عليه فيعطي كل ذي حق حقه، إذ لا ينفذ
الاقتدار الإلهيّ إلا فيمن هو على استعداد النفوذ فيه، ولا يكون ذلك إلا في الممكنات، إذ لا
نفوذ له في الواجب الوجود لنفسه ولا في المحال الوجود فسبحان العليم الحكيم.
واعلم أن الإنسان شجرة من الشجرات أنبتها الله شجرة لا نجماً لأنه قائم على ساق،
وجعله شجرة من التشاجر الذي فيه لكونه مخلوقاً من الأضداد، والأضداد تطلب الخصام
والتشاجر والمنازعة ولهذا يختصم الملأ الأعلى، وأصل وجوده في العالم حكم الأسماء
الإلهية المتقابلة في الحكم لا غير هذا مستندها الإلهيّ، قال تعالى في حق محمد وَّر أنه
قال: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِلْعَلَ الْأَغْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ﴾ [صّ: ٦٩] حتى أعلمه الله تعالى، فعلم أن
للطبيعة فيهم أثراً، كما أن للأركان في أجسام المولدات أثراً، فلما كان الناس شجرات جعل
فيهم ولاة يرجعون إليهم إذا اختصموا ليحكموا بينهم ليزول حكم التشاجر، وجعل لهم إماماً
في الظاهر واحداً يرجع إليه أمر الجميع لإقامة الدين، وأمر عباده أن لا ينازعوه، ومن ظهر
عليه ونازعه أمرنا الله بقتاله لما علم أن منازعته تؤدّي إلى فساد في الدين الذي أمرنا الله بإقامته

٢٠٤
في المنازل/ الباب السادس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل مبايعة النبات ...
وأصله قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فمن هناك ظهر اتخاذ
الإمام وأن يكون واحداً فى الزمان ظاهراً بالسيف، فقد يكون قطب الوقت هو الإمام نفسه
كأبي بكر وغيره في وقته، وقد لا يكون قطب الوقت فتكون الخلافة لقطب الوقت الذي لا
يظهر إلا بصفة العدل، ويكون هذا الخليفة الظاهر من جملة نواب القطب في الباطن من حيث
لا يشعر، فالجور والعدل يقع في أئمة الظاهر ولا يكون القطب إلا عدلاً، وأما سبب ظهوره،
في وقت وخفاء بعضهم في وقت فهو أن الله ما جبر أحداً على كينونته في مقام الخلافة، وإنما
الله أعطاه الأهلية لذلك المقام وعرض عليه الظهور فيه بالسيف حسبما ما أمره، فمن قبله ظهر
بالسيف فكان خليفة ظاهراً وباطناً ما ثم غيره، وإن اختار عدم الظهور لمصلحة رآها أخفاه الله
وأقام عنه نائباً في العالم يسمى خليفة يجور ويعدل، وقد يكون عادلاً على قدر ما يوفقه الله
سبحانه، ويكون حكمه وإن كان جائراً حكم الإمام العادل من نازعه قتل ولا يقتل إلا الآخر
فإنه المنازع، وأمرنا الله أن لا نخرج يداً من طاعته، وأخبرنا أنه من عدل منهم فلهم وإن من
جار منهم فعليهم ولنا .
ولما كان الإنسان شجرة كما ذكرناه نهى الله أوّل إنسان عن قرب شجرة عينها له دون
سائر الشجرات، كما هو الإنسان شجرة معينة بالخلافة دون سائر الشجرات، فنبهه أن لا
يقرب هذه الشجرة المعينة على نفسه، وظهر ذلك في وصيته لداود: ﴿ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى﴾ [صّ:
٢٦] يعني هوى نفسه فهو الشجرة التي نهى آدم أن يقربها أي لا تقارب موضع النزاع والخلاف
فيؤثر فيك نشأة جسدك الطبيعيّ العنصري، يقول ذلك لنفسه الناطقة المدبرة، فإن بها يخالف
أمر الله فيما أمره به أو نهاه عنه، فقوله: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] بحرف الإشارة تعيين
الشجرة معينة، ولما كانت الإمامة عرضاً كما كانت الأمانة عرضاً والإمامة أمانة لذلك ظهر بها
بعض الأقطاب ولم يظهر بها بعضهم فنظر الحق لهذا القطب بالأهلية، ولو نظر الله للإمام
الظاهر بهذه العين ما جار إمام قط كما تراه الإمامية في الإمام المعصوم، فإنه من شرط الإمام
الباطن أن يكون معصوماً، وليس الظاهر إن كان غيره له مقام العصمة، ومن هنا غلطت
الإمامية، فلو كانت الإمامة غير مطلوبة له وأمره الله أن يقوم فيها عصمه الله بلا شك عندنا،
وقد نبه رسول الله مَّي على ما قررناه كله، فنبه على العرض بفعله حيث لم يجبر أحداً على
ولاية بل ذكر أنه من تركها كان خيراً له وأنها يوم القيامة حسرة وندامة إلا لمن قام فيها بصورة
العدل، ونبه على عصمة من أمر بها بقوله: ((فَمَنْ أُعْطِيَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلَ إِلَيْهَا وَمَنْ جَاءَتْهُ عَنْ
غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَكَّلَ الله بِهِ مَلَكاً يُسَدِّدُهُ)) وهذا معنى العصمة، والسؤال هنا إشارة إلى الرضا بها
والمحبة لهذا المنصب، فهو سائل بباطنه وغيره ممن يكره ذلك يجبره أهل الحل والعقد عليها
ويرى أنه قد تعين عليه الدخول فيها والتلبس بها لما يرى أن تخلف عنها من ظهور الفساد،
فيقوم له ذلك في الظاهر مقام الجبر الإلهي بالأمر على التلبس بها فيعصم فيكون عادلاً إذ
الملك الذي يسدده لا يأمره إلا بخير حتى القرين كما قال ◌َ لير: ((أنه أعانه الله عليه فأسْلَم))
برفع الميم ونصبها وقال: ((فلا يأمُرُني إلا بِخَيْرٍ)).

٢٠٥
في المنازل/ الباب السادس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل مبايعة النبات ...
فمبايعة النبات هذا القطب هو أن تبايعه نفسه أن لا تخالفه في منشط ولا مكره مما
يأمرها به من طاعة الله في أحكامه، فإن الله قد جعل زمام كل نفس بيد صاحبها وأمرها إليه
فقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ اَلْهَوَىَّ﴾ [ النازعات: ٤٠] يعني نفسه، وكذلك في
داود: ﴿وَلَا تَتَِّعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] يعني نفسه فإنه لو كان هوى غيره نهى أن يتبعه فاتبعه فما
يتبعه إلا بهوى نفسه فطاوع نفسه في ذلك، فلذلك تعين أنه أراد بالهوى نفسه لا غيره، وهو
أن يأمره بمخالفة ما أمره الله به أن يفعله أو ينهاه عنه، فإذا بايعته نفسه انصرف حكم شجريتها
إلى منازعة من ينازع أمر الله فبقي حكم حقيقتها في المخالفين أمر الله، إذ علم الله أن حقيقة
الخلاف لا تزول فإنها شجرة لعينها، فلو زال لزال عينها، فلهذا عين الله لها مصرفاً خاصاً
يكون فيه سعادتها، وكل من عرف القطب من الناس لزمته مبايعته، وإذا بايعه لزمته بيعته وهي
من مبايعة النبات فإنها بيعة ظاهرة لهذا القطب التحكم في ظاهره بما شاء وعلى الآخر التزام
طاعته. وقد ظهر مثل هذا في الشرع الظاهر أن المتنازعين لو اتفقا على حكم بينهما فيما
تنازعا فیه فحکم بينهما بحکم لزمهما الوقوف عند ذلك الحكم وأن لا يخالفا ما حكم به،
فالقطب المنصوب من جهة الحق أولى بالحكم فيمن عرف إمامته في الباطن من الناس، ولهذا
التحكم الذي قلناه منه في ظاهر من بايعه ألحقنا هذه المبايعة ببيعة النبات، بل إن حققت الأمر
واتبعت فيه الأصل وجدت النباتية في النفس الجزئية الناطقة لأنها ما ظهرت إلا من هذا
الجسم المسوى المعدل وعلى صورة مزاجه، فهي أرضه التي نبتت منه حين أنبتها الله بالنفخ
في هذا الجسم من روحه، وهكذا كل روح مدبر لجسم عنصري، فالسعيد، من عرف إمام
وقته فبايعه وحكمه في نفسه وأهله وماله كما قال ◌َّر في حق نفسه: ((لا يَكْمُلُ لِعَبْدِ الإيمانُ
حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعينَ)) ولهذا يشترط في البيعة المَنْشَطُ والمَكْرَهُ
لأن الإنسان ما ينشط إلا إذا وافق الله هوى نفسه، والمكره إذا خالف أمر الله هوى نفسه فيقوم
به على كره لإنصافه ووفائه بحكم البيعة فإنه ما بايع إلا الله إذ كانت ﴿يَدُ اَلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[الفتح: ١٠]، وما شاهدوا بالأبصار إلا يد هذا الشخص الذي بايعوه، والنفس أبداً في الغالب
تحت حكم مزاجها، والقليل من الناس من يحكم نفسه على طبيعته ومزاجه، فإن الأمومة
للجسم المسوى والبنوّة للنفس، وقد أمر الإنسان بالإحسان لأبويه والبر بهما وامتثال أوامرهما
ما لم يأمره أحد الأبوين بمخالفة أمر الحق فلا يطعه كما قال تعالى: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ
تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَّاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَا وَأَنَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ﴾
[لقمان: ١٥] فأمر باتباع المنيبين إلى الله ومخالفة نفوسهم إن أبت ذلك، فحق الإمام أحق
بالاتباع، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
وهم الأقطاب والخلفاء والولاة وما بقي لهم حكم إلا في صنف ما أبيح لك التصرف فيه فإن
الواجب والمحظور من طاعة الله وطاعة رسوله، فما بقي للأمة إلا المباح ولا أجر فيه ولا
وزر. فإذا أمرك الإمام المقدم عليك الذي بايعته على السمع والطاعة بأمر من المباحات
وجبت عليك طاعته في ذلك وحرمت مخالفته وصار حكم ذلك الذي كان مباحاً واجباً،

٢٠٦
في المنازل/ الباب السادس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل مبايعة النبات ...
فيحصل للإنسان إذا عمل بأمره أجر الواجب وارتفع حكم الإباحة منه بأمر هذا الذي بايعه،
فتدبر ما ذكرناه وما نبهنا عليه من أمر الإمام بالمباح، واعرف منزلة البيعة وما أثمرت وما أثرت
وكيف نسخت حكم الإباحة بالوجوب عن أمر الحق بذلك، فنزل الإمام منزلة الشارع بأمر
الشارع فتغير الحكم في المحكوم عليه عما كان عليه في الشرع قبل أمر هذا الإمام، فمن أنزله
الحق منزلته في الحكم تعين اتباعه .
واعلم أن النبات عالم وسط بين المعدن والحيوان فله حكم البرازخ فله وجهان فيعطى
من العلم بذاته لمن كوشف بحقيقة ما فيه من الوجوه، فإن الكمال في البرازخ أظهر منه في
غير البرازخ لأنه يعطيك العلم بذاته وبغيره، وغير البرزخ يعطيك العلم بذاته لا غير لأن
البرزخ مرآة للطرفين، فمن أبصره أبصر فيه الطرفين لا بد من ذلك، وفي النبات سر برزخي لا
يكون في غيره، فإنه برزخ بينه من قوله: ﴿نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] وبين ربه من قوله: ﴿أَنْبَكُمْ﴾
[نوح: ١٧] والمنصف العادل من حكم بين نفسه وربه، ولا يكون حكماً حتى تكون نفسه تنازع
ربها فيحكم له عليها لعلمه أن الحق بيد الله بكل وجه وعلى كل حال، وسبب نزاعها كونها
على الصورة، ففيها مضادة الأمثال لا مضادة الأضداد، فيدخل الإنسان حكماً بين ربه وبين
نفسه. ألا تراه مأموراً بأن ينهاها عن هواها فأنزلها منزلة الأجنبي وليس إلا عينها وهي التي
ادعت فيه الحكم والخصم، ولو اقتصر الأمر دونها على الجسم النامي منه وغير النامي لم
تكن منازعة فإنه مفطور على التسبيح الله بحمده، فالجسم الإنسانيّ كالنجم من النبات لا يقوم
على ساق، فلا يرجع شجرة إلا بوجود الروح المنفوخ فيه فحينئذ يقوم على ساق بخلاف
الأشجار كلها فإنها تقوم على ساق من غير نفخ الروح الحيوانيّ فيها فهو نجم بالأصالة
وشجرة بالنفخ، فسجوده لله سجود الظلال، وسجود الشجر لله سجود الأشخاص القائمين
على ساق .
ولما كان النبات برزخياً كان مرآة قابلاً لصور ما هو لها برزخ وهما الحيوان والمعدن إذا
بايع بايع لبيعته ما ظهر فيه من صور ما هو برزخ لهما تابعاً له، فتضمنت بيعة النبات بيعة
الحيوان والمعادن، لأن هذا الإمام يشاهد الصور الظاهرة في مرآة البرازخ وهو علم عجيب،
كما يرى الناظر في المرآة في الحس غير صورته مما تقبله المرآة من صور غير الناظر من
الأشخاص، فيدرك فيها ما هي تلك الأشخاص عليه في أنفسها مع كونها في أعيانها غيباً عنه،
وما رأى لها صورة إلا في هذا الجسم الصقيل، فإن أعطته تلك الصورة علماً غير النظر إليها
كان ذلك العطاء بمنزلة ما يعطي المبايع في البيعة من السمع والطاعة لمن بايعه وإن لم تعط
علماً لم يرجع ذلك إليها وإنما هو رجع إلى الناظر وأنه ليس بإمام ولا خليفة ولا له بيعة
أصلاً، وبهذا يتميز الإمام في نفسه عن غيره ويعلم أنه إمام، فإن أخذ العلم هذا الناظر من
تلك الصورة بحكم التفكر والاعتبار فيخيل أنه إمام وقته فليس كذلك إلا أن تعطيه الصور
العلم من ذاتها كشفاً من غير فكر ولا اعتبار، وإن اتفق أن يساويه صاحب الفكر في ذلك
العلم الكشفي فليس بإمام لاختلاف الطريق، فإن الإمام لا يقتني العلوم من فكره بل لو رجع

٢٠٧
في المنازل / الباب السادس والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل مبايعة النبات .. .
إلى نظره لأخطأ، فإن نفسه ما اعتادت إلا الأخذ عن الله، وما أراد الله لعنايته بهذا العبد أن
يرزقه الأخذ من طريق فكره فيحجبه ذلك عن ربه، فإنه في كل حال يريد الحق أن يأخذ عنه ما
هو فيه من الشؤون في كل نفس فلا فراغ له ولا نظر لغيره، وللعاقل إذا استبصر دليل قد وقع
يدل على صحة ما ذكرناه نهي النبي ◌ّ عن إبار النخل ففسد لأنه لم يكن عن وحي إلهيّ
ونزوله يوم بدر على غير ماء فرجع إلى كلام أصحابه فإنه ◌َّ ما تعوّد أن يأخذ العلوم إلا من
الله لا نظر له إلى نفسه في ذلك، وهو الشخص الأكمل الذي لا أكمل منه فما ظنك بمن هو
دونه؟ وما بقي للعارفين بالله علاقة بين الفكر وبينهم بطريق الاستفادة، ولا يسمى الشخص
إلهياً إلا أن لا يكون أخذه العلوم إلا عن الله من فتوح المكاشفة بالحق؛ يقول أبو يزيد
البسطامي: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، حدّثنا فلان وأين هو؟ قال: مات، عن فلان وأين
هو؟ قال: مات، فقال أبو يزيد: وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت فلا حجاب بين الله
وبين عبده أعظم من نظره إلى نفسه وأخذه العلم عن فكره ونظره، وإن وافق العلم فالأخذ عن
الله أشرف وعلم ضرورات العقول من الله لأنها حاصلة لا عن فكر واستدلال، ولهذا لا تقبل
الضرورات الشبه أصلاً ولا الشكوك إذا كان الإنسان عاقلاً، فإن حيل بينه وبين عقله فما هو
الذي قصدنا البیان عنه .
وبعد أن أعلمناك ببيعة النبات ومرتبته وأنك نبات وأمثالك فلنذكر ما يتضمنه هذا المنزل
من العلوم لترتفع الهمة إلى الوقوف عليها والتحلي بها :
فمن ذلك علم الرحموت، وعلم فتوح المكاشفة بالحق، وعلم فتوح الحلاوة في
الباطن، وعلم فتوح العبارات في الترجمة عن الله، وعلم نسخ الأحكام بعد النبي وق له عن أمر
النبيّ مَّ فإنه المقرر حكم المجتهد لتعارض الأدلة فله الاختيار فيها، وعلم العناية الإلهية
ببعض العبيد، وعلم الإشارات، وعلم التمام والكمال وأن التمام للنشأة والكمال بالمرتبة،
وعلم البيان والتبيين، وعلم الاستقامة وما شيب النبيّ ◌َّلة من سورة هود، وعلم الكشف على
مقامات النص الألهي هل يؤثر فيه حكم الأكوان أم لا؟ وعلم الطمأنينة والفرق بينها وبين
اليقين والعلم، وعلم نسبة العالم ملكاً لله، وعلم من نازعه فيه بماذا نازعه حتى ذكر الله أن له
جنوداً من كونه ملكاً وما هم أولئك الأجناد؟ وهل تعلم بطريق الإحصاء أو لا تعلم إلا بطريق
الإجمال من غير تفصيل؟ وهل وقع لأحد العلم بها على التفصيل أم لا؟ وعلم العلل الإلهية
في الكون، وعلم الرجوع الإلهيّ على العباد بم يرجع إليه ولماذا يرجع؟ وهو القائل: ﴿وَإِلَيْهِ
يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] فهل هو عين ذلك الأمر الراجع أم لا؟ وهو علم شريف، وعلم
منزلة من يستحق التعظيم الإلهي ممن لا يستحقه، وعلم الوفاء بالعقد مع الله فيما يعقده معه
مما له الخيار في حله ومذهبنا الوفاء به ولا بد إلا أن يقترن به أمر من شيخ معتبر لتلميذ أو
لأحد ممن له فيه اعتقاد التقدم فإن له أن يحل ذلك العقد مع الله المخير فيه ولا بد وإن لم
يفعل قوبل فإن لم يقترن به مثل هذا فالوفاء به مذهبنا ومذهب أهل الخصوص، وعلم السواء
بين النشأتين فلا يظهر الظاهر إلا بصورة الباطن وهو المعبر عنه بالصدق، وعلم من طلب

٢٠٨
في المنازل/ الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد رَ # مع بعض العالم
الستر عند تجلي الحقيقة حذراً أن تذهب عينه، وعلم التبديل وما حضرته وما يقبل التبديل وما
لا يقبله مما هو ممكن أن يقبله، وعلم الإقبال والتولي هل الإقبال تولّ أو هو إقبال بلا تولّ؟
وعلم رفع الحرج من العالم مع وجوده بماذا يرتفع عند من يرتفع في حقه، وعلم الرضاء
ومحله وما ثوابه عند الله؟ وعلم ما ينتج التعجيل بالخير، وعلم الاقتدار الكوني من الاقتدار
الإلهي، وعلم تأثير العالم بعضه في بعض هل هو تأثير علة أم لا؟ وعلم التعصب في العالم
في أي صنف يظهر؟ وهل يتصف به الملأ الأعلى أم لا؟ وهل له مستند في الأسماء الإلهية
المؤثرة في الأعيان للأحوال التي يقام فيها أعيان المكلفين كالعاصي إذا توجه عليه الاسم
المنتقم وتوجه عليه الاسم العفو فيتعصب له الاسم التوّاب والرحيم والغفور والحليم هذا
أعني بالمستند الإلهيّ، وعلم ما يظهر على أعيان الممكنات المكلفين هل يظهر بحكم
الاستحقاق أو بحكم المشيئة؟ وعلم ما تجتمع فيه الرسل وما تفترق فيه، وعلم منازل القرون
الثلاثة الآتية على نسق والقرن الرابع وما لها في الزمان من الشهور الأربعة الحرم التي هي
ثلاثة سرد وواحد فرد، وعلم ما يطلب بالسجود من الله ومراتب السجود والسجود الذي يقبل
الرفع منه الساجد من السجود الذي إذا وقع لم يرفع منه وهل خلق العالم ساجداً أو خلق قائماً
ثم دعي إلى السجود؟ أو خلق بعضه قائماً وبعضه ساجداً؟ وتعيين من خلق ساجداً ممن خلق
قائماً ثم سجد أو لم يسجد، وعلم العلامات الإلهية في الأشياء وما يدل منها على سعادة العبد
وعلى شقاوته، وعلم تفاصيل الوعد الإلهي ولماذا نفذ بكل وجه ولم ينفذ الوعيد في كل من
توعد وكلاهما خبر إلهي فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم، وتركنا منها علوماً
لم نذكرها طلباً للاختصار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
ومن هذا المنزل علمنا حين وقفنا عليه سنة إحدى وتسعين وخمسمائة نصر المؤمنين
على الكفار قبل وقوعه بمدينة فاس من بلاد المغرب.
الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل محمد اَللّ مع بعض العالم وهو من الحضرة الموسوية
[الوافر ]
من أحكام التناقض في الوُجُودِ
ألا لله ما الأكوان فيه
جهولٌ بالنزول وبالصُعُودِ
فمنهم طائعٌ عاصٍ عَلِيمٌ
ومنهم من تَحَقَّقَ في الشُّهودِ
ومنهمْ من تَحَقَّقَ فَي غُيُوب
وحيدٌ بالدلائل والعُقود
فتظهر كثرةٌ والعينُ منها
من أوصَافِ الألوهة والعبيد
فسبحان المراد بكلُ نَعْتٍ
ويوصف في المعارف بالمزيد
وسبحان المحيط بكل شيء
قال رسول الله وَلَّمَ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ)) وعلل ذلك بكماله وقال: ((لَوْ كَانَ
مُوسَى حَيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي)) لعموم رسالته وشمول شريعته، فخص ◌َّ بأشياء لم تعط

٢٠٩
في المنازل/ الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد رَّيقر مع بعض العالم
النبي قبله، وما خص نبي بشيء إلا وكان لمحمد وَّ فإنه أوتي جوامع الكلم وقال: ((كُنْتُ نَبِيّاً
وَآدَمُ بَيْنَ الطِّينِ وَالمَاءِ)) وغيره من الأنبياء لم يكن نبياً إلا في حال نبوّته وزمان رسالته. فلنذكر
في هذا الباب منزله ومنزلته :
فالمنزل يظهر في بساط الحق ومقعد الصدق عند التجلي والرؤية يوم الزور العام
الأعظم فيعلم منزله بالبصر والشهود وأما منزلته فهي منزلة في نفس الحق ومرتبة منه ولا يعلم
ذلك إلا بإعلام الله وله المقام المحمود، وهو فتح باب الشفاعة للملائكة فمن دونهم، وله
الأوّلية في الشفاعة، وله الوسيلة، وليس في المنازل أعلى منها ينالها محمد وَلَه بسؤال أمته
جزاء لما نالوه من السعادة به حيث أبان لهم طريقها فاتبعوه.
واعلم أن هذا المنزل من يدخله يرى فيه عجائب لا يراها في غيره، فمن ذلك أنه يرى
أعمال الأشقياء مجسدة وأعمال السعداء كذلك مجسدة صوراً قائمة تعقل وجود خالقها، وقد
جعل الله في نفوس هذه الصور طلباً على الأسباب التي وجدت عنها وهم العاملون ويجدون
في طلبهم، فأما أعمال السعداء فيرون على أيمانهم طريقاً يسلكونها فتأخذ بهم تلك الطريق
إلى مشاهدة أصحابهم وهم السعداء فيميز بعضهم بعضاً ويتساءلون ويتخذونهم العاملون
مراكب فوز ونجاة تحملهم إلى مستقر الرحمة وأما أعمال الأشقياء فتقوم لهم طرق متعددة
متشعبة متداخلة بعضها في بعض لا يعرفون أيّ طريق تمشي بهم إلى أصحابهم فيحارون ولا
يهتدون وهذا من رحمة الله بالأشقياء، فإذا حارت أعمالهم رجعت إلى الله بالعبادة والذكر
ويتفرّقون في تلك الطريق، فمنهم من لا يهتدي إلى صاحبه أبد الآبدين ومنهم من يصل إلى
صاحبه فيشاهده ويتعرّف إليه فيعرفه ويكون وجوده إياه مصادفة فيتعلق به ويقول له: احملني
فقد أتعبتني في طلبك فيجبر العامل على حمله إلى أن تناله الرحمة رحمة الله. وإلى جانب
موقف هذه الصور طريقان واضحان: طريق يكون غايته الحق الوجود وطريق لا غاية له فإنه
يخرج السالك إلى العدم فلا يقف عند غايته فيه، إذ العدم لا ينضبط بحد فيتقيد به بخلاف
الحق الوجود المقيد فإنه يتقيد وإن كان مطلقاً فإطلاقه تقيد في نفس الامر فإنه متميز بإطلاقه
عن الوجود المقيد فهو مقيد في عين إطلاقه، وطريق ثالث بين هذين الطريقين برزخيّ لا
تتصف غايته بالوجود ولا بالعدم مثل الأحوال في علم المتكلمين. فأما الطريق التي يكون
غايتها الوجود فيسلك عليها الموحدون والمؤمنون والمشركون والكافرون وجميع أصحاب
العقائد الوجودية وأما الطريق الأخرى فلا يسلك عليها إلا المعطلة فلا ينتهي بهم إلى غاية وأما
الطريق البرزخي فلا يسلك فيه إلا العلماء بالله خاصة الذين أثبتهم الحق ومحاهم في عين
إثباتهم وأبقاهم في حال فنائهم، فهم الذين لا يموتون ولا يحيون إلى أن يقضي الله بين العباد
فيأخذون ذات اليمين إلى طريق الوجود الحق، وقد اكتسبوامن حقيقة تلك الطريق صفة،
واكتسبوا منها هيئة تظهر عليهم في منزل الوجود الحق يعرفون بها بعضهم بعضاً ولا يعرفهم
بها أحد من أهل الطريقين، وهذا ضرب مثل ضربه الله لأهل الله ليقفوا منه على مراتب الهدى
والحيرة والمهتدين والضالين، وجعل الله لهم نوراً بل أنواراً يهتدون بها في ظلمات برّ
الفتوحات المكية ج٥ - م١٤

في المنازل/ الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد رفيق مع بعض العالم
٢١٠
طبيعتهم، وفي ظلمات بحر أفكارهم، وفي ظلمات نفوسهم الناطقة برّها وبحرها بما هي عليه
في نشأتها، إذ كانت متولدة بين النور الخالص والطبيعة المحضة العنصرية الصرفية، وتلك
الأنوار المجعولة فيهم من الأسماء الإلهية، فمن كان عارفاً بها وناظراً بها من حيث ما وجدت
له وصل بها إلى العلم بالأمور والكشف، ومن أخذها أنواراً، لا يعلم أنها بالوضع للاهتداء
وجعلها زينة كما تراها العامة في كواكب السماء زينة خاصة لم يحصل له منها غير ما رأى،
ويراها العلماء بمنازلها وسيرها وسباحتها في أفلاكها موضوعة للاهتداء بها، فاتخذوها
علامات على ما يبتغونه في سيرهم على الطرق الموصلة إلى ما دعاهم الحق إليه من العلم به
أو إلى السعادة التي هي الفوز خاصة.
واعلم أن الله لما جعل منزل محمد بَّ# السيادة فكان سيداً ومن سواه سوقة علمنا أنه لا
يقاوم فإن السوقة لا تقاوم ملوكها فله منزل خاص وللسوقة منزل، ولما أعطي هذه المنزلة
وآدم بين الماء والطين علمنا أنه الممد لكل إنسان كامل منعوت بناموس إلهيّ أو حكميّ وأوّل
ما ظهر من ذلك في آدم حيث جعله الله خليفة عن محمد وَلّ فأمدّه بالأسماء كلها من مقام
جوامع الكلم التي لمحمد بّ، فظهر بعلم الأسماء كلها على من اعترض على الله في وجوده
ورجح نفسه عليه، ثم توالت الخلائف في الأرض إلى أن وصل زمان وجود صورة جسمه
لإظهار حكم منزلته باجتماع نشأتيه، فلما برز كان كالشمس اندرج في نوره كل نور، فأقرّ من
شرائعه التي وجه بها نوابه ما أقر ونسخ منها ما نسخ وظهرت عنايته بأمته لحضوره وظهوره
فيها، وإن كان العالم الإنساني والناريّ كله أمته ولكن لهؤلاء خصوص وصف فجعلهم ﴿خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] هذا الفضل أعطاه ظهوره بنشأتيه، فكان من فضل هذه
الأمة على الأمم أن أنزلها منزلة خلفائه في العالم قبل ظهوره إذ كان أعطاهم التشريع، فأعطى
هذه الأمة الاجتهاد في نصب الأحكام وأمرهم أن يحكموا بما أذاهم إليه اجتهادهم فأعطاهم
التشريع فلحقوا بمقامات الأنبياء عليهم السلام في ذلك وجعلهم ورثة لهم لتقدّمهم عليهم،
فإن المتأخر يرث المتقدّم بالضرورة فيدعون إلى الله على بصيرة كما دعا الرسل محمد وَالأول
فأخبر بعصمتهم فيما يدعون إليه، فمنهم المخطىء حكم غيره من المجتهدين ما هو مخطىء
عن الحق، فإن الذي جاء به حق، فإن أخطأ حكماً قد تقدّم الحكم به لمحمد رُّ، وما وصل
إليه فذلك الذي جعل له أجراً واحداً وهو أجر الاجتهاد، وإن أصاب الحكم المتقدم باجتهاده
فله أجران أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن كان المصيب مجهول العين في المجتهدين عند
نفسه وعند غيره فليس بمجهول عند الله، وكل من دخل في زمان هذه الأمّة بعد ظهور
محمد # من الأنبياء والخلفاء الأول فإنهم لا يحكمون في العالم إلا بما شرع محمد بَّ في
هذه الأمة وتميز في المجتهدين وصار في حزبهم مع إبقاء منزلة الخلافة الأولى عليه فله
حكمان يظهر بذلك في القيامة ما له ظهور بذلك هنا، ومنزل محمد رّله يوم الزور الأعظم
على يمين الرحمن من حيث الصورة التي يتجلى فيها على عرشه، ومنزله يوم القيامة ليس
على يمين الرحمن لكن بين يدي الحكم العدل لتنفيذ الأوامر الإلهية والأحكام في العالم،

٢١١
في المنازل/ الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد بنهر مع بعض العالم
فالكُلُّ عنه يأخذ في ذلك الموطن وهو وجه كله يرى من جميع جهاته، وله من كل جانب
إعلام عن الله تعالى يفهم عنه يرونه لساناً ويسمعونه صوتاً وحرفاً، ومنزلته في الجنان الوسيلة
التي تتفرع جميع الجنات منها وهي في جنة عدن دار المقامة، ولها شعبة في كل جنة من تلك
الجنات من تلك الشعبة يظهر وير لأهل تلك الجنة وهي في كل جنة أعظم منزلة فيها، وهذه
منازل كلها حسية لا معنوية، وليست المعنوية إلا منزلته في نفس موجده وهو الله تعالى وما
هذا خاص به، بل كل منزلة لا تكون إلا في نفس الله الذي هو الرحمن، والمنازل محسوسة
محصورة التي هي جمع منزل لا جمع منزلة، فاعلم ذلك فإنه من لباب المعرفة بالله تعالى
وتقدس في ذاته .
وأما منزلته في العلوم فالإحاطة بعلم كل عالم بالله من العلماء به تعالى متقدميهم
ومتأخريهم، وكل منزل له ولأتباعه مطيب بالطيب الإلهيّ الذي لم يدخل فيه ولا استعملت
أيدي الأكوان فيه .
واعلم أنه من كماله ◌َّ أنه خص بستة لم تكن لنبيّ قبله، والستة أكمل الأعداد، وليس
في الأشكال شكل فيه زوايا إذا انضمت إليها الأمثال لم يكن بينها خلوّ إلا الستة، وبها أوحى
الله إلى النحل في قوله: ﴿أَنِ أَّخِذِى مِنَ لْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] وأوحى
إليها صفة عملها فعملتها مسدسة فأخبر أنه أعطي مفاتيح الخزائن وهي خزائن أجناس العالم
ليخرج إليهم بقدر ما يطلبونه بذواتهم إذا علمنا أنه السيد، ومن اعتبر تعيين الخزائن بالأرض
فليس في الأرض إلا خزائن المعادن والنبات لا غير، فإن الحيوان من حيث نموه نبات، قال
تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] فأخبرنا أنا من جملة نبات الأرض وما
أعطيها وَل# حتى كان فيه الوصف الذي يستحقها به ولهذا طلبها يوسف عليه السلام من الملك
صاحب مصر أن يجعله على خزائن الأرض لأنه حفيظ عليم ليفتقر الكل إليه فتصح سيادته
عليهم، ولهذا أخبر بالصفة التي يستحق من قامت به هذا المقام فقال: ﴿إِنِّ حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾
[يوسف: ٥٥] حفيظ عليها فلا نخرج منها إلا بقدر معلوم، كما أن الله سبحانه يقول: ﴿وَإِن مِّن
شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُقَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] فإذا كانت هذه الصفة فيمن
كانت ملك مقاليدها ثم قال بعد قوله: ﴿حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] أخبر أنه عالم بحاجة
المحتاجين لما في هذه الخزائن التي خزن فيها ما به قوامهم عليم بقدر الحاجة، فلما
أعطي ◌ّ مفاتيح خزائن الأرض علمنا أنه حفيظ عليم، فكل ما ظهر من رزق في العالم فإن
الاسم الإلهيّ لا يعطيه إلا عن أمر محمد ◌َّر الذي بيده المفاتيح كما اختص الحق تعالى
بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو، وأعطي هذا السيد منزلة الاختصاص بإعاطائه مفاتيح
الخزائن .
والخصلة الثانية: أوتي جوامع الكلم، والكلم جمع كلمة وكلمات الله لا تنفد فأعطي
علم ما لا يتناهى، فعلم ما يتناهى بما حصره الوجود، وعلم ما لم يدخل في الوجود وهو غير
متناه، فأحاط علماً بحقائق المعلومات وهي صفة إلهية لم تكن لغيره، فالكلمة منه كلمات

٢١٢
في المنازل/ الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد بَّ مع بعض العالم
كالأمر الإلهي الذي هو كلمة واحدة كلمح بالبصر، وليس في التشبيه الحسي أعظم ولا أحق
تشبيهاً به من اللمح بالبصر .
ولما علم بجوامع الكلم أعطي الإعجاز بالقرآن الذي هو كلمة الله وهو المترجم به عن
الله فوقع الإعجاز في الترجمة التي هي له، فإن المعاني المجرّدة عن الموادّ لا يتصوّر الإعجاز
بها وإنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف فهو لسان الحق
وسمعه وبصره وهو أعلى المراتب الإلهية، وينزل عنها من كان الحق سمعه وبصره ولسانه
فيكون مترجماً عن عبده كما ترجم تعالى لنا في القرآن أحوال من قبلنا وما قالوه فما فيه ذلك
الشرف فإنه يترجم عن أهله والمقربين لديه كالملائكة فيما قالوه، ويترجم عن إبليس مع
إبلاسه وشيطنته وبعده بما قاله، ولا يترجم عن الله إلا من له الاختصاص الذي لا اختصاص
فوقه .
والخصلة الثالثة: بعثته إلى الناس كافة من الكفت وهو الضم ﴿أَلَرْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا﴾.
[المرسلات: ٢٥] أي تضم الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها، كذلك ضمت شريعته جميع
الناس، فلا يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به، ولما سمع الجن القرآن يتلى قالوا لقومهم
﴿يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِزَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ
اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ اْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءُ أُوْلَكَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣١، ٣٢] فأخبر
بقوله: ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ الْأَرْضِ﴾ عن الجن وقول الله من ((وليس له)) إلى ((مبين)) فضمت
شريعته الجن والإنس، فعم بشريعته الإنس والجن، وعمت العالم رحمته التى أرسل بها
فقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فأخبر الله أن أرسله ليرحم العالم وما
خص عالماً من عالم، فإذا أتى بكل ما يرضي العالم صنفاً صنفاً ما عدا بعض من هو مخاطب
بحكم شرعه فقد رحمه وقام بالرحمة التي أرسل بها، بل نقول: إنه جاء بحكم الله وحكم الله
يرضى به كل صنف من العالم بلا شك فإن كل العالم مسبح بحمده فهو راض بحكمه من جهة
ما جاء به هذا الرسول العامّ الدعوة العامّ بنشر الرحمة على العالم، غير أن من الناس من لم
يرض بالمحكوم به، وإن كان راضياً بالحكم فقد نال من رحمة الله التي أرسل بها على قدر ما
رضي به من الحكم المعين الذي جاء به، وليس هذا الواقع إلا في الناس خاصة، وإنما الجن
شياطينهم وغير شياطينهم فإن الله جعل لهم الإغواء وأمرهم من خلف حجاب البعد بالاستفزاز
والمشاركة في الأموال والأولاد ابتلاء لهم وامتحاناً فيقول الشيطان للإنسان اكفر فإذا كفر يقول
الشيطان: ﴿إِنِِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنِّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] هذا إخبار الله عنه، ثم
قال: فكان عاقبتهما أي جاءهما عقيب هذا الواقع أنهما في النار فأعقب الشيطان برجوعه إلى
أصله فإنه مخلوق من النار فرجع إلى موطنه، وكان للإنسان عقوبة على كفره حيث ظلم بقبول
ما جاءه به الشيطان ولم يقبل ما جاءه به الرسول، ثم قال: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ [النساء: ١٣]
فخلد الشيطان في منزله وداره وخلد الإنسان جزاء لكفره، ولهذا تبرأ منه للافتراق الذي بينهما
في العاقبة وقوله: ﴿وَذَلِكَ﴾ [النساء: ١٣] فأشار ببنية الواحد ولم يئن الإشارة إلى العقاب

٢١٣
في المنازل/ الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد نَّ مع بعض العالم
فإنهما ما اشتركا فيه، لأن الذي أتى للإنسان عقيب ذنبه إنما هو العذاب، والذي كان سهم
الشيطان الذي أتاه عقيب فعله وقوله رجوعه إلى أصله الذي منه خلق فلا يغتر العاقل. ألا ترى
في قصة آدم في الجنة لما وقع منه ما وقع من قرب الشجرة وأعقبه الله الهبوط إلى الأرض من
الجنة وأهبط حوّاء وأهبط إبليس ولهذا قال: ﴿أَهْبِطُواْ﴾ [البقرة: ٣٦] فجمع ولم يثن ولا أفرد،
فنزل آدم إلى أصله الذي خلق منه فإنه مخلوق من التراب فأهبطه الله للخلافة لقوله تعالى :
﴿إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] فما أهبط عقوبة لما وقع منه وإنما جاء الهبوط عقيب
ما وقع منه، وأهبط حوّاء للتناسل، وأهبط إبليس عقوبة لا رجوعاً إلى أصله فإنها ليست داره
ولا خلق منها، فسأل الله الإغواء أن يدوم له في ذرية آدم لما عاقبه الله بما يكرهه من إنزاله إلى
الأرض، وكان سبب ذلك في الأصل وجود آدم لأنه بوجوده وقع الأمر بالسجود وظهر ما
ظهر من إبليس وكان من الأمر ما كان، فعلمنا أن الله أرسله بالرحمة وجعله رحمة للعالمين،
فمن لم تنله رحمته فما ذلك من جهته وإنما ذلك من جهة القابل فهو كالنور الشمسيّ أفاض
شعاعه على الأرض، فمن استتر عنه في كنّ وظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه
وعدل عنه فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع وأخبر وه لر أنه بعث إلى كل أحمر وأسود،
فذكر من قامت به الألوان من الأجسام يشير إلى أنه مبعوث بعموم الرحمة لمن يقبلها وبعموم
الشرع لمن يؤمن به وأمته ◌َّ جميع من بعث إليه ليشرع له، فمنهم من آمن ومنهم من كفر
والكل أمته .
والخصلة الرابعة: أنه نصر بالرعب بين يديه مسيرة شهر والشهر قدر قطع القمر درجات
الفلك المحيط فهو أسرع قاطع والحساب به للعرب وهو عربيّ، فإذا نصر بين يديه بالرعب
مسيرة شهر بسير القمر لأنه ما ذكر السائر وذكر الشهر ولا يعين الشهر عند أصحاب هذا
اللسان إلا سير القمر، فقد عمّ نصره بالرعب ما قطعه من المسافة هذا القمر في شهر فعم
حكم كل درجة للفلك الأقصى لها أثر في عالم الكون والفساد بقطع القمر تلك المسافة، فما
قال ذلك إلا بطريق الثناء به عليه، ولو كان ثم من يقطع الفلك في أقل من هذه المدّة لجاء به
فجاء بأسرع سائر يعم سيره قطع درجات الفلك المحيط، فعموم رعبه في قلوب أعدائه عموم
رحمته، فلا يقبل الرعب إلا عدوّ مقصود يعلم أنه مقصود، فما قابله أحد في قتال إلا وفي
قلبه رعب منه، ولكنه يتجلد عليه بما أشقاه الله ليتميز السعيد من الشقيّ، فيوهن ذلك الرعب
من جلادة عدوه على قدر ما يريد الله، فما نقص من جلادة ذلك العدوّ بما وجده من الرعب
كان ذلك القدر نصراً من الله .
والخصلة الخامسة: أحلت له الغنائم ولم تحل لأحد قبله، فأعطي ما يوافق شهوة أمته،
والشهوة نار في باطن الإنسان تطلب مشتهاها ولا سيما في المغانم لأن النفوس لها التذاذ بها
لكونها حصلت لهم عن قهر منهم وغلبة وتعمل، فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة
ما قاسوه من الشدة والتعب في تحصيلها فهي أعظم مشتهى لهم، وقد كانت المغانم في حق
غيره من الأنبياء إذا انصرف من قتال العدوّ وجمع المغانم كلها، فإذا لم يبق منها شيء نزلت

٢١٤
في المنازل / الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد بية مع بعض العالم
نار من الجوّ فأحرقتها كلها، فإن وقع فيها غلول لم تنزل تلك النار حتى يردّ ويلقى فيها ذلك
الذي أخذ منها، فكان لهم نزول النار علامة على القبول الإلهي لفعلهم فأحلها الله لمحمد بصلة
فقسمها في أصحابه فتناولتها نار شهواتهم عناية من الله بهم لكرامة هذا الرسول عليه، فأكرمه
بأمر لم يكرم به غيره من الرسل، وأكرم من آمن به بما لم يكرم به مؤمناً قبله بغيره.
والخصلة السادسة: أن طهر الله بسببه الأرض فجعلها كلها مسجداً له، فحيث أدركته أو
أمته الصلاة يصلي، والمساجد بيوت الله، وبيوت الله أكرم البيوت لإضافتها إلى الله، فصير
الأرض كلها بيت الله من حيث أن جعلها مسجداً، وقد أخبرنا لمن يلازم المساجد من الفضل
عند الله، فأمته لا تبرح في مسجد أبداً لأنها لا تبرح من الأرض لا في الحياة ولا في الموت،
وإنما هو انتقال من ظهر إلى بطن، وملازم المسجد جليس الله في بيته، فهذه الأمة جلساء الله
حياة وموتاً لأنهم في مسجد وهو الأرض، وكذلك جعل الله أيضاً تربة هذه الأرض طهوراً،
فكان لها حكم الماء في الطهارة إذا عدم الماء أو عدم الاقتدار على استعماله لسبب مانع من
ذلك، فأقام لهم تراب هذه الأرض والأرض طهوراً، فإذا فارق الأرض ما فارق منها ما عدا
التراب فلا يتطهر به إلا أن يكون التراب، فإنه ما كان منها يسمى أرضاً ما دام فيها من معدن
ورخام وزرنيخ وغير ذلك، فما دام في الأرض كان أرضاً حقيقة لأن الأرض تعم هذا كله،
فإذا فارق الأرض انفرد باسم خاص له وزال عنه اسم الأرض فزال حكم الطهارة منه إلا
التراب خاصة، فسواء فارق الأرض أو لم يفارقها فإنه طهور لأنه منه خلق المتطهر به وهو
الإنسان، فيطهر بذاته تشريفاً له، فأبقى الله النصّ عليه بالحكم به في الطهارة دون دون غيره
ممن له اسم غير اسم الأرض، فإذا فارق التراب الأرض زال عنه اسم الأرض وبقي عليه اسم
التراب، كما زال عن الزرنيخ اسم الأرض لما فارق الأرض وبقي عليه اسم الزرنيخ فلم تجز
الطهارة به بعد المفارقة، لأن الله ما خلق الإنسان من زرنيخ وإنما خلقه من تراب، فقال
رسول الله وََّ في الأرض: ((إنَّ الله جَعَلَهَا لَهُ مَسْجِداً وَطَهُوراً)) فعم، ثم قال في الخبر الآخر:
((وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً)) فخرج التراب بالنص فيه عن سائر ما يكون أرضاً ويزول عنه الاسم
بالمفارقة، فهذه ستة خص بها هذا النبي ◌ّ فكانت منزلة لم ينلها غيره لها حكم في كل منزل
من دنيا وهو ما ذكرناه، ومن برزخ وقيامة وجنة وكثيب، فيظهر حكم هذا الاختصاص الإلهيّ
في كل منزل من هذه المنازل ليتبين شرفه وما فضله الله به على غيره مع كونه أعطي جميع ما
فضلت به الرسل بعضها على بعض .
ثم لتعلم أيها الوليّ أنه من رحمته وَالر التي بعثه الله تعالى بها ما أبان الله على لسانه لنا
وأمره بتبليغ ذلك فبلغ أنه ليس من شرط الرسالة ظهور العلامات على صدقه إنما هو شخص
منذر مأمور بتبليغ ما أمر بتبليغه هذا حظه لا يجب عليه غير ذلك، فإن أتى بعلامة على صدقه
فذلك فضل الله ليس ذلك بيده، فأقام عذر الأنبياء كلهم في ذلك فكان رحمة للرسل في هذا
فجاء في القرآن قوله: ﴿وَقَالُوْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ،﴾ [الأنعام: ٣٧] وهذا قول غير العرب ما
هو قول العرب لأنه جاء بالقرآن آية على صدقه للعرب إذ لا يعرف إعجازه وكونه آية غير

٢١٥
في المنازل/ الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد بَّهر مع بعض العالم
العرب فلم يرد عنه أنه أظهر آية لكل من دعاه من غير العرب كاليهود والنصارى والمجوس،
ولكن أيّ شيء جاء من الآيات فذلك من الله لا بحكم الوجوب عليه ولا على غيره من الرسل
فقيل له: قل لهم ﴿إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْ نَذِيرٌ تُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] ثم قال له:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥١] بهم
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فضمنا القرآن جميع ما تعرف الأمم أنه آية
على صدق من جاء به إذا لم يعلموا منه بقرائن الأحوال أنه قرأ ولا كتب ولا طالع ولا عاشر
ولا فارق بلده بل كان أمياً من جملة الأميين، وأخبرهم عن الله بأمور يعرفون أنه لا يعلمها من
هو بهذه الصفة التي هو عليها هذا الرسول إلا بإعلام من الله، فكان ما جاء من القرآن من ذلك
آية كما قالوا وطلبوا، وكان إعجازه للعرب خاصة إذ نزل بلسانهم وصرفوا عن معارضته أو لم
يكن في قوّتهم ذلك من غير صرف حدث لهم فجاء القرآن بما جاءت به الكتب قبله ولا علم
له بما جاء فيها إلا من القرآن، وعلمت ذلك اليهود والنصارى وأصحاب الكتب فحصلت الآية
من عند الله لأن القرآن من عند الله، فقد تبين لك منزل محمد من غيره من الرسل، وخصه الله
بعلوم لم تجتمع في غيره منها أنه أعطاه أنواع ضروب الوحي كلها، فأوحى إليه بجميع ما
سمي وحياً كالمبشرات والإنزال على القلوب والآذان وبحالة العروج وعدم العروج وغير
ذلك، وخصه بعموم علوم الأحوال كلها، فأعطاه العلم بكل حال وفي كل حال ذوقاً لأنه
أرسله إلى الناس كافة وأحوالهم مختلفة، فلا بدّ أن تكون رسالته تعم العلم بجميع الأحوال.
وخصه الله بعلم إحياء الأموات معنى وحساً، فحصل العلم بالحياة المعنوية وهي حياة
العلوم، والحياة الحسية وهو ما أتى في قصة إبراهيم عليه السلام تعليماً وإعلاماً
لرسول الله وَّ وهو قوله: ﴿نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَثَبَاءِ الرُّسُلِ مَا تُثَِّتُ بِهِ، فُؤَادَفْ وَجَآءَكَ فِى هَذِهِ آلْحَقُّ﴾
[هود: ١٢٠] وخص بعلم الشرائع كلها، فأبان له عن شرائع المتقدمين وأمره أن يهتدي بهداهم،
وخص بشرع ولم يكن لغيره منه ما ذكرناه في الستة التي خص بها، فهذه أربعة منازل لم ينزل
فيها غيره من الأنبياء عليهم السلام.
فهذا منزل محمد # قد ذكرت منه ما يسره الله على لساني، فلنذكر ما يتضمن منزله
من العلوم :
فمن ذلك: علم الحجاب أعني حجاب الجحد وحجاب الحكمة، وعلم الفارق الذي
تعينت به السبل مثل قوله: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
[المائدة: ٤٨] وهل هم اليوم بعموم بعثة الرسل أمة واحدة أم لا؟ وهل حكم الله على أصحاب
الكتب بالجزية وإبقائهم على دينهم شرع من الله لهم على لسان محمد رَّ فينفعهم ذلك ما
أعطوا الجزية عن قوّة من الآخذين وصغار منهم فقد فعلوا ما كلفوا وكان هذا حظهم من
الشريعة فإبقاؤهم على شرعهم شرع محمدي لهم فيسعدون بذلك فتكون مؤاخذة من أخذ
منهم بما فرط فيه من الشرع الذي هم عليه كسائر العصاة الذين لم يعلموا بجميع ما تضمنه

٢١٦
في المنازل/ الباب السابع والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل محمد وفّ ر مع بعض العالم
شرعهم وإن كانوا مؤمنين به، وهذا علم غريب ما أعلم له ذائقاً من فتوح المكاشفة وهو من
علوم الأسرار التي غار عليها أهل الله فصانوها، وفيه علم ما حير الأكوان فيما تحيروا فيه كان
ما كان، وفيه علم الإيمان المطلق والمقيد، وفيه علم ما يفسد العمل المشروع ويصلحه، وفيه
علم سريان الحق في الأحكام على اختلافها وأنها كلها حق من الرب، وفيه علم الكفارات،
وفيه علم ما تصلح به أحوال الخلق، وفيه علم ما هو الباطل وما هو الحق هل هما أمر
وجوديّ أو ليس بوجودي؟ وفيه علم الشركة في الاتباع وإلى ما يؤول كل تابع هل غايته أمر
واحد أو مختلف؟ وفيه علم من تضرب له الأمثال ممن لا تضرب، وفيه علم القهر الإلهيّ
على أيدي الأكوان، وقول أبي يزيد: بطشي أشد في هذا المقام، وفيه علم الفرج بعد الشدة
وهل من شأن الفرج أن لا يكون إلا بعد شدة أم لا؟ وفيه علم أنواع الابتلاء، وفيه علم الصفة
التي تزيل الحيرة عمن قامت به والإِبانة عن ذلك، وعلم الأنفاس الإلهية، وعلم الإسفار عن
نتائج الأسفار، وعلم المواعظ، وعلم الغلبة التي ليس فيها نصر إلهيّ بماذا كانوا غالبين، وفيه
علم الفرق بين علم العين وعلم الدليل وهل يقوم مقام العين أم لا؟ وفيه علم أنواع الزينة في
العالم، وفيه علم مراتب العلوم وتفاصيلها، وفيه علم القضاء السابق من علم نفاة القدر، وفيه
علم الطبع والختم والقفل والكنّ وما هو عمى الأبصار وعمى البصائر ولم اختص عمى
القلوب بحالة الصدور وهو الرجوع عن الحق؟ وهل هو الصدور الذي يكون عن ورود متقدم
أو هو صدور تكوين ممكن عن واجب أو هو صدور محل لا صفة؟ فيكون عماه من كونه في
المحل فإذا فارق المحل بنظره وانفتح له فيه فرج ينظر منها يزول عماه، وفيه تعيين علوم
المزيد فإنها مختلفة بحكم ما تقع الزيادة عليه، وفيه علم الآيات والعلامات على الكوائن،
وفيه علم توحيد المرتبة الإلهية أنه ما حازها إلا واحد، وفيه علم الستور وأصنافها التي تسدل
علينا لنستر بها عن إدراك الغير وما هي الستور التي تسدل بيننا وبين من نطلب رؤيته فلا نراه؟
وفيه علم الإقامة في المنزل والتقلب فيه لا عنه، وفيه علم العناية بقوم وتركها في حق قوم،
وفيه ما تنتجه العزائم في الخير والشرّ، وفيه علم الخير والشرور، وفيه علم النسب الرحماني،
وفيه علم ما ينفع من الإيمان مما لا ينفع كما قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا ﴾ [النساء: ١٥١]
وفيه علم البعد والقرب الإلهيّ، وفيه علم ما يؤدي إليه التفكر، وفيه علم الرجعة ممن وإلى
من، وفيه علم ما يؤثر في الظن مما لا يؤثر، وفيه علم المشاهدة وتعلقها بالمشيئة مع استعداد
المحل لقبولها وما هناك منع والمحل قابل، وما هذه المشيئة المانعة، وفيه علم الإنصاف في
المجازاة والفضل، وفيه علم الفرق بين الأضداد والأمثال وغير الأمثال، إلى غير هذا من
العلوم، فإني لا أسوق من ذلك ما أسوقه على جهة الحصر مع علمي بذلك، وإنما أسوقه
على جهة التنبيه على ما فيه أو بعض ما فيه بحسب ما يقع لي فوقتاً أورد ذلك بطريق الحصر
بحيث أني لا أترك في المنزل علماً إلا نبهت عليه، ووقتاً أقصر عن ذلك، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل .

٢١٧
في المنازل / الباب الثامن والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل عقبات السويق ...
الباب الثامن والثلاثون وثلاثمائة
في معرفة منزل عقبات السويق وهو من الحضرة المحمدية
[البسيط]
فمَنْ تَكَمَّل يُدْعَى جَامِعَ الحِكْمِ
الفَتْحُ فتحان في المعنى وفي الكَلِمِ
كان العلوُّ له في حضرة الكَلِم
ولو تَسَافَلَ في الأكوان منزلُهَ
في عالم النُّور لا في عالم الظُلَمِّ
هو المقدّمُ في المعنى برُثْبته
لا تَخقِرَنَّ عبادَ الله إنّ لهم
فعَظّم الكَوْنَ فالمدلولُ یطلبه
حظّاً من الله ذي الآلاء والنَّعَمِ
وهو البريء من الآفات والتُّهَم
اعلم أن الله في المقام المحمود الذي يقام فيه رسول الله مَله يوم القيامة باسمه الحميد
سبعة ألوية تسمى ألوية الحمد، تعطى لرسول الله وَل* وورثته المحمديين في الألوية أسماء الله
التي يثني بها ◌ّة على ربه إذا أقيم في المقام المحمود يوم القيامة وهو قوله مّ إذا سئل في
الشفاعة قال: ((فَأَحْمَدُ الله بِمَحَامِدَ لا أَعْلَمُهَا الآنَ)) وهي الثناء عليه سبحانه بهذه الأسماء التي
يقتضيها ذلك الموطن، والله تعالى لا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى خاصة، وأسماؤه سبحانه
لا يحاط بها علماً فإنا نعلم أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
بشر، ونعلم أنا لا نعلم ما أخفي لنا من قرة أعين، وما من شيء من ذلك إلا وهو مستند إلى
الاسم الإلهيّ الذي ظهر به حين أظهره، والاسم الإلهيّ الذي امتن علينا تعالى بإظهاره لنا،
فلا بد أن نعلمه ونثني على الله به ونحمده إما ثناء تسبيح أو ثناء إثبات، فلما عرفت بذلك
سألت عن توقيت تلك الأسماء التي يحمد الله تعالى بها يوم القيامة في المقام المحمود فإني
علمت أني لا أعلمها الآن ولا يعلمنيها الله فإنها من المحامد التي يختص بها بَّ يوم القيامة،
فإذا سمعناه يحمده بها يوم القيامة في المقام المحمود وانتشرت الألوية بها والمحامد مرقومة
فيها ففي ذلك الموطن نعلمها، فقيل لي: إن عدد تلك الأسماء ألف اسم وستمائة اسم وأربعة
وستون اسماً كل لواء منها فيه مرقوم تسعة وتسعون اسماً من أحصاها هناك دخل الجنة، غير
لواء واحد من هذه الألوية فإن فيه مرقوماً من هذه الأسماء سبع مائة وسبعون اسماً يحمده الله
بهذه المحامد كلها وكلها تتضمن طلب الشفاعة من الله، وهذا المنزل مما يعطى من ينزله
مشاهدة كل لواء من تلك الألوية وعلماً بما فيه من الأسماء ليثني هذا الوارث على الله بها
هنالك. ولكل لواء منها منزل هنا ناله ◌َّيه وتناله الورثة الكمل من أتباعه، وهذا المنزل منزل
شامخ صعب المرتقى ولهذا سمي عقبة وأضيفت إلى السويق لعدم ثبوت الأقدام فيها لأنها
مزلة الأقدام، فلا يقطعها إلا رجل كامل من رسول ونبيّ ووارث كامل يحجب كل وارث في
زمانه، وهذا هو المنزل الذي سماه النفري في مواقفه موقف السواء لظهور العبد فيه بصورة
الحق، فإن لم يمن الله على هذا العبد بالعصمة والحفظ ويثبت قدمه في هذه العقبة بأن يبقي
عليه في هذا الظهور شهود عبوديته لا تزال نصب عينيه وإن لم تكن حالته هذه وإلا زلت به

٢١٨
في المنازل/ الباب الثامن والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل عقبات السويق ...
القدم وحيل بينه وبين شهود عبوديته بما رأى نفسه عليه من صورة الحق، ورأى الحق في
صورة عبوديته وانعكس عليه الأمر وهو مشهد صعب، فإن الله نزل من مقام غناه عن العالمين
إلى طلب القرض من عباده، ومن هنا قال: من قال إن الله فقير وهو الغني ونحن أغنياء وهم
الفقراء فانعكست عندهم القضية وهذا من المكر الإلهيّ الذي لا يشعر به، فمن أراد الطريق
إلى العصمة من المكر الإلهي فليلزم عبوديته في كل حال ولوازمها فتلك علامة على عصمته
من مكر الله ويبقى كونه لا يأمنه في المستقبل، بمعنى أنه ما هو على أمن أن تبقى له هذه
الحالة في المستقبل إلا بالتعريف الإلهي الذي لا يدخله تأويل ولا يحكم عليه إجمال، وفي
هذا المنزل يشاهد قوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧] ومحمد بَّل هو الرامي في الحس
الذي وقع عليه البصر ويقوم له في هذا المنزل ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
واعلم أن السواء بين طريقين لأن الأمر محصور بين رب وبين عبد، فللرب طريق
وللعبد طريق، فالعبد طريق الرب فإليه غايته والرب طريق العبد فإليه غايته، فالطريق الواحدة
العامة في الخلق كلهم هي ظهور الحق بأحكام صفات الخلق، فهي في العموم أنها أحكام
صفات الخلق وهي عندنا صفات الحق لا الخلق، وهذا معنى السواء. والطريق الأخرى
ظهور الخلق بصفات الحق التي تتميز في العموم أنها صفات الحق كالأسماء الحسنى وأمثالها
وهذا مبلغ علم العامة، وعندنا وعند الخصوص كلها صفات الحق بالأصالة ما أضيف إلى
الخلق منها مما تجعله العامة نزولاً من الله إلينا بها وهي عندنا صفات الحق، وأن العبد علت
منزلته عند الله حتى تحلى بها، فهي عند العامة أسماء نقص وعندنا أسماء كمال، فإنه ما ثَمَّ
مسمى بالأصالة إلا الله.
ولما أظهر الخلق أعطاهم من أسمائه ما شاء وحققهم بها والخلق في مقام النقص لا
مكانه وافتقاره إلى المرجح فما يتخيل أنه أصل فيه وحق له اتبعوه في الحكم نفسه، فحكموا
على هذه الأسماء الخلقية بالنقص، وإذا بلغهم أن الحق تسمى بها ويصف نفسه بها يجعلون
ذلك نزولاً من الحق تعالى إليهم بصفاتهم وما يعلمون أنها أسماء حق بالأصالة فعلى مذهبنا
في ظهور الخلق بصفات الحق تعم الخلق أجمعه، فكل اسم لهم هو حق للحق مستعار
للخلق، وعلى مذهب الجماعة لا يكون ذلك إلا لأهل الخصوص أعني الأسماء الحسنى منها
خاصة، وعندنا لا يكون العلم بذلك إلا للخصوص من أهل الله، وفرق عظيم بين قولنا لا
يكون ذلك وبين قولنا لا يكون العلم بذلك، فإن الحق هو المشهود بكل عين في نفس الأمر،
ولا يعلم ذلك إلا آحاد من أهل الله وهو مثل قول الصديق: ((ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله
فعرفته))، فإذا ظهر ذلك الشيء لعينه المقيد وقد رأى الله قبله ميزه في ذلك الشيء، وعلم أن ذلك
الشيء ملبس من ملابس الحق ظهر فيه للزينة، فتلك زينة الله التي تزين بها لعباده هذا مقام
الصديق، فلا يتميز أهل الله من غيرهم إلا بالعلم بذلك لأن الأمر في نفسه على ذلك، وعند
العامة لا يكون ذلك إلا لأهل العناية المتحققين بالحق وغيرهم هو عندهم خلق بلا حق .
ثم نرجع فنقول إن الله جعل لهذا المنزل باباً يسمى باب الرحمة منه يكون الدخول إليه

٢١٩
في المنازل / الباب الثامن والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل عقبات السويق ...
فيعصمه مما فيه من الآفات المهلكة التي أشرنا إليها آنفاً من حكم السواء، فإنه لهذا المنزل
أعني هذا الباب كالنية في العمل فما تخلل العمل من غفلة وسهو لم يؤثر في صحة العمل فإن
النية تجبر ذلك لأنها أصل في إنشاء ذلك العمل فهي تحفظه، وكذلك البسملة جعلها الله في
أول كل سورة من القرآن فهي للسورة كالنية للعمل، فكل وعيد وكل صفة توجب الشقاء
مذكورة في تلك السورة، فإن البسملة بما فيها من الرحمن في العموم والرحيم في الخصوص
تحكم على ما في تلك السورة من الأمور التي تعطي من قامت به الشقاء فيرحم الله ذلك العبد
إما بالرحمة الخاصة وهي الواجبة أو بالرحمة العامة وهي رحمة الامتنان، فالمآل إلى الرحمة
لأجل البسملة فهي بشرى .
وأما سورة التوبة على من يجعلها سورة على حدة منفصلة عن سورة الأنفال فسماها
سورة التوبة وهو الرجعة الإلهية على العباد بالرحمة والعطف فإنه قال للمسرفين على أنفسهم
ولم يخص مسرفاً من مسرف: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فلو قال إن الرحمن لم يعذب أحداً من المسرفين فلما جاء
بالاسم الله قد تكون المغفرة قبل الأخذ وقد تكون بعد الأخذ ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّهُ
هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فجاء بالرحيم آخراً، أي مآلهم وإن أوخذوا إلى الرحمة، وأن
الرجعة الإلهية لا تكون إلا بالرحمة لا يرجع على عباده بغيرها، فإن كانت الرجعة في الدنيا
ردهم بها إليه وهو قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٧] ليتوبوا وإن كانت في الآخرة فتكون
رجعتهم مقدمة على رجعته لأن الموطن يقتضي ذلك، فإن كل من حضر من الخلق في ذلك
المشهد سقط في يديه ورجع بالضرورة إلى ربه فيرجع الله إليهم وعليهم، فمنهم من يرجع الله
عليه بالرحمة في القيامة ومنازلها، ومنهم من يرجع عليه بالرحمة بعد دخول النار وذلك
بحسب ما تعطيه الأحوال ويقع به الشهود والأمر في ذلك كله حسي ومعنوي، فإن العالم كله
حرف جاء لمعنى معناه الله ليظهر فيه أحكامه إذ لا يكون في نفسه محلاً لظهور أحكامه، فلا
يزال المعنى مرتبطاً بالحرف، فلا يزال الله مع العالم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾.
[الحديد: ٤] فالداخل، إلى هذا المنزل في أوّل قدم يضعه فيه يحصل له من الله تسعة وتسعون
تجلياً مائة إلا واحداً تتقدم إليه منها تسعة يرى فيها صورته فيعلم حقيقته، ثم بعد ذلك يقام في
التسعين فيرى ما لم يكن يعلم من حضرة جمع ومنعة وعلوّ عن المقاوم فينزل الحق إليه معلماً
له علماً من لدنه وقد تقدمت الرحمة له عند دخوله، وهذا منزل خضر صاحب موسى عليه
السلام .
واعلم أن أهلية الشيء لأمر ما إنما هو نعت ذاتي فلا يقع فيها مشاركة لغيره إلا بنسبة
بعيدة إذا حققتها لم تثبت وزلت قدمك فيها كما قالٍ بَّر في الصحيح: ((أمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ
هُمْ أَهْلُهَا)) وَهُمُ الَّذِينَ لاَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا رَأْساً لأَنَّهُمْ أَهْلُهَا ((فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَخْيَوْنَ))
فجعلِ نعتهم نفي الحياة والموت، ثم استدرك نعت من دخلها وما هو بأهلها فقال: ((وَلْكِنْ
نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ فَأَمَاتَهُمُ الله فِيهَا إِمَاتَةً)) فنعتهم بالموت وهو خلاف نعت من هو لها

٢٢٠
في المنازل / الباب الثامن والثلاثون وثلاثمائة في معرفة منزل عقبات السويق ...
أهل، ثم ذكر خروج هؤلاء من النار فتنبه لكون الحق أنطق العالم كله بالتسبيح بحمده،
والتسبيح تنزيه ما هو ثناء بأمر ثبوتي لأنه لا يثنى عليه إلا بما هو أهل له وما هو له لا يقع فيه
المشاركة، وما أثنى عليه إلا بأسمائه، وما من اسم له سبحانه عندنا معلوم إلا وللعبد التخلق
به والاتصاف به على قدر ما ينبغي له، فلما لم يتمكن في العالم أن يثني عليه بما هو أهله
جعل الثناء عليه تسبيحاً من كل شيء، ولهذا أضاف الحمد إليه فقال: ﴿يُسَبِحُ بِهِ﴾ [الإسراء:
٤٤] أي بالثناء الذي يستحقه وهو أهله وليس إلا التسبيح فإنه سبحانه يقول: ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ
اُلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] والعزة المنع من الوصول إليه بشيء من الثناء عليه الذي لا
يكون إلا له عما يصفون، وكل مثن واصف، فذكر سبحانه تسبيحه في كل حال ومن كل عين
فقال: ﴿تُسَيِّعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤] وما ثم إلا هؤلاء، وقال آمراً
لمحمد عند انقضاء رسالته وما شرع له أن يشرع من الثناء عليه: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾
[النصر: ٣] فقال: ((أنْتَ كما أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ)) هذا هو التسبيح بحمده، فلما كان الأمر بالثناء
على الله على ما قررناه لم يتمكن لنا أن نستنبط له ثناء، وإنما نذكره بما ذكر عن نفسه فيما
أنزله في كتبه على حد ما يعلمه هو لا على حد ما نفهمه نحن، فنكون في الثناء عليه حاكين
تالين، لأن الثناء على المثني عليه مجهول الذات لا يقبل الحدود والرسوم ولا يدخل تحت
الكيفية ولا يعرف كما هو عليه في نفسه وهو الغنيّ عن العالمين، فلا تدل على المعرفة به
الدلالات، وإنما تدل على استنادنا إليه من حيث لا يشبهنا أو لا يقبل وصفنا، وما من اسم
إلهيّ إلا ونتصف به، فما تلك هي المعرفة المقصودة التي يعلم بها نفسه، فشرع التسبيح وفطر
عليه كل شيء وهو نفي عن كل وصف لا إثبات، ولهذا بعض أهل النظر تنبهوا إلى شيء من
هذا وإن كان العلماء لم يرتضوا ما ذهبوا إليه ولكن هو حق في نفس الأمر من وجه ما مليح،
وذلك أنهم رأوا أن المشاركة بين المحدث والله لا تصح حتى في إطلاق الألفاظ عليه.
فإذا قيل لهم: الله موجود، يقولون ليس بمعدوم فإن المحدث موصوف بالوجود ولا
مشاركة، فإذا قيل لهم: الله حيّ، يقولون: ليس بميت، الله عالم، يقولون: ليس بجاهل، الله
قادر، يقولون: ليس بعاجز، الله مريد، يقولون: ليس بقاصر، فأتوا بلفظة النفي، والتسبيح
تنزيه ونفي لا إثبات، فجروا على الأصل الذي نطق الله به كل شيء فسلكوا مسلكاً غريباً بين
النظار والثناء على الله بالتسبيح لا تكل به الألسنة بخلاف الثناء بالأسماء، فإن الألسنة تكل
وتعيا وتقف فيها ولهذا قال من قال مما شرع له أن يقول من الثناء على الله فقال خاتماً عند
الإعياء والحصر: ((لا أُخْصي ثناء عليك أنْتَ كما أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ)).
وانظر حكمة الله تعالى في كونه لم يجعل له صفة في كتبه بل نزه نفسه عن الوصف
فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فجعلها أسماء وما جعلها نعوتاً ولا صفات وقال: ﴿فَادْعُوهُ بِّ﴾
[الأعراف: ١٨٠] وبها كان الثناء والاسم ما يعطي الثناء وإنما يعطيه النعت والصفة وما شعر أكثر
الناس لكون الحق ما ذكر له نعتاً في خلقه، وإنما جعل ذلك أسماء كأسماء الأعلام التي ما
جاءت للثناء وإنما جاءت للدلالة، وتلك الأسماء الإلهية الحسنى هي لنا نعوت يثني علينا بها