Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
في المنازل/ الباب الثاني والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من باع الحق بالخلق
على نور، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً يعني في نعت الحق وما يجب
له، فإن الناظر بفكره في معتقده لا يبقى على حالة واحدة دائماً بل هو في كل وقت بحسب ما
يعطيه دليله في زعمه في وقته فيخرج من أمر إلى نقيضه.
وقد دللتك يا أخي على طريق العلم النافع من أين يحصل لك، فإن سلكت على
صراطه المستقيم فاعلم أن الله قد أخذ بيدك واعتنى بك واصطنعك لنفسه، فالله يحول بيننا
وبين سلطان أفكارنا فيما لم نؤمر بالتفكر فيه، وقد بان لك بما ذكرناه أنه ما دخل عليهم ما
دخل إلا من الفضول ولهذا وقع الخلاف ولعبت بهم الأفكار والأهواء ألا ترى الأمر الذي
أباح لهم الشارع أن يطلبوا علمه ما اختلف فيه اثنان منهم، فلو طلب منهم غير ذلك مما
اختلفوا فيه ما اختلفوا أيضاً فيه؟ فدل ذلك على أنه ما طلب الحق منهم ذلك. فإن قلت: فما
هو الذي اتفقوا فيه؟ قلنا: اجتمعت الأدلة العقلية من كل طائفة بل من ضرورات العقول أن
لهم موجداً أوجدهم يستندون إليه في وجودهم وهو غني عنهم ما اختلف في ذلك اثنان وهو
الذي طلب الحق من عباده إثبات وجوده، فلو وقفوا هنا حتى يكون الحق هو الذي يعرفهم
على لسان رسوله بما ينبغي أن يضاف إليه ويسمى به أفلحوا، وإنما الإنسان خلق عجولاً
ورأى في نفسه قوّة فكرية فتصرف بها في غير محلها، فتكلم في الله بحسب ما أعطاه نظره،
والأمزجة مختلفة، والقوّة المفكرة متولدة من المزاج، فيختلف نظرها باختلاف مزاجها،
فيختلف إدراكها وحكمها فيما أدركته، فالله يرشدنا ويجعلنا ممن جعل الحق إمامه والتزم ما
شرع له ومشى عليه إنه المليء بذلك لا رب غيره.
فاعلم يا وليّ أن الله ما بعث الرسل سدى، ولو استقلت العقول بأمور سعادتها ما
احتاجت إلى الرسل وكان وجود الرسل عبثاً، ولكن لما كان من استندنا إليه لا يشبهنا ولا
نشبهه ولو أشبهنا عيناً ما كان استنادنا إليه بأولى من استناده إلينا فعلمنا قطعاً علماً لا يدخله
شبهة في هذا المقام أنه ليس مثلنا ولا تجمعنا حقيقة واحدة، فالبضرورة يجهل الإنسان مآله
وإلى أين ينتقل؟ وما سبب سعادته إن سعد أو شقاوته إن شقي عند هذا الذي استند إليه لأنه
يجهل علم الله فيه لا يعرف ما يريد به ولا لماذا خلقه تعالى، فافتقر بالضرورة إلى التعريف
الإلهي بذلك، فلو شاء تعالى عرّف كل شخص بأسباب سعادته وأبان له عن الطريق التي
ينبغي له أن يسلك عليها ولكن ما شاء إلا أن يبعث في كل أمة رسولاً من جنسها لا من غيرها
قدمه عليها وأمرها باتباعه والدخول في طاعته ابتلاء منه لها لإقامة الحجة عليها لما سبق في
علمه فيها، ثم أيده بالبينة والآية على صدقه في رسالته التي جاء بها ليقوم له الحجة عليها،
وإنما قلنا من جنسها لأنه كذا وقع الأمر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَّهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾
[الأنعام: ٩] أي لو كان الرسول للبشر ملكاً لنزل في صورة رجل حتى لا يعرفوا أنه ملك، فإن
الحسد على المرتبة إنما يقع بين الجنس، وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ مَلَكَةٌ يَمْشُونَ
مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا زَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ولنا في ذلك: [البسيط]
لأنَّ ذلك أنْكَى في نُفُوسِهِمُ
خَليفَةُ القَّوْمِ مِنْ أبناء جِئْسِهمُ

١٢٢
في المنازل/ الباب الثاني والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من باع الحق بالخلق
لو لم يكنْ منهم لصدَّقوه ولم يَقُمْ بهم حَسَدٌ لغير جِئْسِهِمُ
قد علم الإنسان أن البهائم وجميع الحيوانات دونه في المرتبة، فلو تكلم حيوان ولو
كان خنفساء ونطقت وقالت: أنا رسول من الله إليكم احذروا من كذا وافعلوا كذا لتوفرت
الدواعي من العامة على اتباعها والتبرك بها وتعظيمها، وانقادت لها الملوك ولم يطلبوها بآية
على صدقها وجعلوا نطقها نفس الآية على صدقها وإن كان الأمر ليس كذلك، وإنما لما نال
المرتبة غير الجنس لم يقم بهم حسد لغير الجنس.
فأوّل ابتلاء ابتلى الله به خلقه بعث الرسل إليهم منهم لا من غيرهم، ومع الدلالات التي
نصبها لهم على صدقهم واستيقنوها حملهم سلطان الحسد الغالب عليهم أن يجحدوا ما هم به
عالمون موقنون ظلماً وعلوّاً قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] أي
ظلموا بذلك أنفسهم ﴿ وَعُلُوَّ﴾ على من أرسل إليهم، فاندرج في ذلك علوّهم على الله. ولو
قلت له: يا فلان كيف تتكبر على من خلقك؟ لاستعاذ من ذلك وقال: إن هذا الذي يزعم أنه
من عند الله يكذب على الله حاشا الله أن يبعث مثل هذا إلينا ﴿لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ
اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فإن قيل له: فقد جاء بالعلامة على أنه رسول من الله إليكم؛
فيقول: ألست تعلم أن السحر حق هذه الآية من ذلك القبيل هذا مع العامة، وأما مع العلماء
والخواص مثل الحكماء وغيرهم فإذا قيل لهم: ألستم ترون هذه الآيات الدالة على صدق ما
يدعيه؟ فأما العالمون بالنفوس وقواها فيجيبون عن ذلك بأن يقولوا قد علمنا أن القوى
النفسانية تبلغ أن يتأثر لها أجرام العالم فهذا من ذلك القبيل ويحتج بصاحب العين وبعلم
الزجر وأمثال ذلك مما يشبه هذا الفن، وأما إن كان عنده علم بمجاري الكواكب ويرى قواها
وسيران ذلك في العالم العنصري على مقادير مخصوصة يقول: إن الطالع أعطاه ذلك وأن
روحانية الكواكب تمده، وأنه بهذا الطالع في مسقط النطفة شرفت عنه وأعطته هذه القوى نفساً
شريفة ونال بها المراتب العلية في الإلهيات، والذي قال به صحيح فإن الله أودع هذا كله في
العالم العلوي حين خلقه إبلاء يبتلي الله به عباده، فإذا أضافوا ذلك إلى هذه القوى الروحانية
وجردوه عن نظر الله إليه في ذلك بهذا القدر يسمون كفاراً، وإن كانوا مصيبين فيما قالوه فإنه
هكذا رتب الله العالم ولكن أتى عليهم من جهلهم في علمهم، فمن هنا قالت الطائفة: العلم
حجاب وإن كان الأمر ليس كذلك فإن علمهم بهذا لا ينافي العلم بأن الله أودع هذا في
روحانياتها فما أتى عليهم على الحقيقة من علمهم وإنما أتى عليهم من جهلهم، فلما تبينت
طرق السعادة بالرسل قال تعالى: ﴿إِنَّ هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وما
بقي بعد هذا إلا أن يوفق الله عباده للعمل بما أمرهم الله به من اتباع رسوله وّر فيما أمر ونهى
والوقوف عند حدوده ومراسمه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ويحوي هذا المنزل على علم التنزيه، وعلم الأسماء، وعلم الابتلاء، وعلم النسب،
وعلم العلل، وعلم الأخبار، وعلم مأخذ الأدلة وسبب كثرتها على المدلول الواحد، وعلم
الاختصاص، وعلم المراتب، وعلم الصفات، وعلم القضاء، وعلم الإمامة، وعلم الشرائع،

١٢٣
في المنازل/ الباب الثالث والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل بشرى مبشر لمبشر به
وعلم الانتقالات، وعلم الرجاء، وعلم أسباب الفوز والبقاء، وعلم الترجيح ومن هذا العلم
اتبع الناس أهواءهم وتركوا الحق ونبذوه، فالله يعصمنا من قيام هذه الصفة بنا، فسبحانك
اللهمّ وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
الباب الثالث والعشرون وثلاثمائة
في معرفة منزل بشرى مبشر لمبشر به وهو من الحضرة المحمدية
[الكامل]
أجْرَ المَجيء من الكريم المُرْسِلِ
جَاءَ المُبَشِّرُ بِالرّسالة يَبْتَغي
خَتَمَ النبوّةَ بالنبيّ المُرْسَلِ
فأتى به ختم الولاية مثل ما
وزناً أتانا في الكتاب المُنْزَلِ
ولنا من الخَتْمَيْنِ حَظٍّ وافرٌ
يريد قوله: ﴿يَرِثْنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٍ﴾ [مريم: ٦].
اعلم أن المشيئة الإلهية لما كان لها أثر في الفعل لهذا نفى تعلقها بما لا يقبل الانفعال
من حيث مرجحه لا من حيث نفسه بخلاف مشيئة العبد، فإنها إذا وقعت وتعلقت بالمُشاء قد
يكون المشاء وقد لا يكون، ولهذا شرع الله لنا إذا قلنا نفعل كذا أن نقول إن شاء الله، حتى إذا
وقع ذلك الفعل الذي علقناه على مشيئة الله كان عن مشيئة الله بحكم الأصل ولم يكن لمشيئتنا
فيه أثر في كونه، لكن لها فيه حكم وهو أنه ما شاء سبحانه تكوين ذلك الشيء إلا بوجود
مشيئتنا إذ كان وجودها عن مشيئة الله، فلا بد من وجود عين مشيئتنا وتعلقها بذلك الفعل وهو
قوله: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] يعني إن تشاؤوا، وفائدة إخبار الله تعالى بأنه
لو شاء لفعل كذا مع كون كذا يستحيل وقوعه عقلاً لكون المشيئة الإلهية لم تتعلق به إعلام لنا
أن ذلك الأمر الذي نفى تعلق المشيئة الإلهية بكونه ليس يستحيل كونه بالنظر إلى نفسه لإمكانه
فإنه يجب له أن يكون في نفسه قابلاً لأحد الأمرين فيفتقر إلى المرجح، بخلاف المحال لنفسه
فإنه يستحيل نفي تعلق المشيئة بكونه فإنه لا يكون لنفسه فإن بعض الناس ذهب إلى أن الله
تعالى لو أراد إيجاد ما هو محال الوجود لنفسه لأوجده، وإنما لم يوجده لكونه ما أراد وجود
المحال الوجود، فصاحب هذا القول يقول: إن الحق أعطى المحال محاله والواجب وجوبه
والممكن إمكانه، فهذا القائل لا يدري ما يقول فإنه سبحانه واجب الوجود لنفسه فيلزمه أن
يكون هو الذي أعطى لنفسه الوجوب ولو شاء لم يجب وجوده، فكان وجود الحق مرجحاً
لنفسه فهو كما قال القائل : [الرجز]
أرَادَ أنْ يُعْرِبَهُ فَأَعْجَمَهُ
فإنه أراد أن ينسب إليه تعالى نفوذ الاقتدار ولم يعلم متعلق الاقتدار ما هو فعلقه بما لا
يقتضيه، وصير الحق في قبيل الممكنات من حيث لا يشعر، فكانت فائدة إخبار الله تعالى
بقوله لو شاء فيما لا يقع إعلام أنه بالنظر إلى ذاته ممكن الوقوع ليفرق لنا سبحانه بين ما هو
في الإمكان وبين ما ليس بممكن، فنفى تعلق المشيئة والإرادة به، فإذا علقها بالمحال على

١٢٤
في المنازل/ الباب الثالث والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل بشرى مبشر لمبشر به
جهة نفي تعلقها مثل قوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر: ٤] و﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَنْ تَنَّخِذَ لَوَا
لَّاَتَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧] وهذا محال لنفسه، فكيف أدخله تحت نفي تعلق الإرادة التي
لا يدخل تحتها إلا الممكن وهو الذي أشار إليه هذا الذي جهلناه وخطأناه في قوله.
فاعلم أن هذا من غاية الكرم الإلهيّ حيث أنه قد سبق في علمه إيجاد مثل هذا
الشخص من فساد العقل الذي قد قضى به له في قسمه، فلما قضى بهذا علم أن عقله لا بدّ أن
يعتقد مثل هذا وهو غاية الجهل بالله، فأخبر الله تعالى بنفي تعلق الإرادة بالمحال الوقوع لنفسه
فيأخذ الكامل العقل من ذلك نفي تعلق الإرادة بما لا يصح أن تتعلق به، ويأخذ منه هذا
الضعيف العقل أنه سبحانه لولا ما قال لو وإلا كان يفعل فيستريح إلى ذلك ولا ينكسر قلبه
حيث أراد نفوذ الاقتدار الإلهيّ وقصد خيراً، وليعلم الكامل العقل ما فضله الله به عليه فيزيد
شكراً حيث لم يجعل الله عقله مثل هذا الناقص العقل، فيعلم أن الله قد فضله عليه بدرجة لم
ينلها من قصر عقله هذا القصور، وقد قال جماعة بأن الله يقدر على المحال.
والذي ينبغي أن يقال: إن الله على كل شيء قدير كما قال الله، والقدرة تطلب محلها
الذي تتعلق به، كما أن نسبة الإرادة تطلب محلها الذي تتعلق به، كما أن العلم يطلب محله
الذي يتعلق به نفياً كان أو إثباتاً، وجوداً أو عدماً، وكذلك نسبة السمع والبصر وجميع ما
نسب الحق لنفسه، فالعالم الوافر العقل يعلم متعلق كل نسبة فيضيفها إليها، ومن عرف الأمور
بمثل هذه المعرفة عرف حكم مقت الله بمن يقول ما لا يعمل من غير أن يقرن به المشيئة
الإلهية؟ فإذا علق المشيئة الإلهية بقوله إن يعمل فلا يكون ذلك العمل لم يمقته الله فإنه غاب
عن انفراد الحق في الأعمال كلها التي تظهر على أيدي المخلوقين بالتكوين، وأنه لا أثر
للمخلوق فيها من حيث تكوينها، وإن كان للمخلوق فيها حكم لا أثر فالناس لا يفرقون بين
الأثر والحكم، فإن الله إذا أراد إيجاد حركة أو معنى من الأمور التي لا يصح وجودها إلا في
مواد لأنها لا تقوم بأنفسها فلا بدّ من وجود محل يظهر فيه تكوين هذا الذي لا يقوم بنفسه،
فللمحل حكم في الإيجاد لهذا الممكن وما له أثر فيه، فهذا الفرق بين الأثر والحكم إذا
تحققته فلماذا يقول العبد: نعمل أو نفعل هكذا ولا أثر له في الفعل جملة واحدة فإن الله يمقته
على ذلك.
ولما علم الحق أن هذا لا بدّ أن يقع من عباده وأنهم يقولون ذلك شرع لهم الاستثناء
الإلهيّ ليرتفع المقت الإلهيّ عنهم، ولهذا لا يحنث من استثنى إذا حلف على فعل مستقبل
فإنه أضافه إلى الله لا إلى نفسه، وهذا لا ينافي إضافة الأفعال إلى المخلوقين فإنهم محل
ظهور الأفعال الإلهية، وبهذا القدر تفاوتت درجات العقلاء، ألا ترى الحق تعالى كيف
قال: ﴿َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ﴾ [الصف: ٢] ولم يقل يا أولي الألباب ولا يا أولي العلم ﴿لِمَ
تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] فإن العالم العاقل لا يقول ما لا يفعل إلا بالاستثناء، لأنه
يعلم أن الفعل الله لا له، فميز الله بين طبقات العالم ليعلموا أن الله تعالى قد رفع بعضهم
فوق بعض درجات، فالعقلاء العلماء هم المقصودون للحق من العالم بعموم كل خطاب

١٢٥
في المنازل/ الباب الثالث والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل بشرى مبشر لمبشر به
لعلمهم بمواقع الخطاب، فيعلمون أي صنف أراد من العالم بذلك الخطاب، ولهذا نوع
الأصناف بتنوّع الآيات للمتفكرين وللعالمين وللعقلاء ولأولي الألباب كما قال تعالى في
القرآن العزيز: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ﴾ يريد طائفة مخصوصة لا يعقلون منه سوى أنه بلاغ
﴿وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ،﴾ في حق طائفة أخرى عينها بهذا الخطاب ﴿وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ في حق
طائفة أخرى عينها بهذا الخطاب ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] في حق طائفة أخرى
أيضاً، والقرآن واحد في نفسه تكون الآية منه تذكرة لذي اللب، وتوحيداً لطالب العلم
بتوحيده، وإنذاراً للمترقب الحذر، وبلاغاً للسامع ليحصل له أجر السماع، كالعجمي الذي
لايفهم اللسان فيسمع فيعظم كلام الله من حيث نسبته إلى الله، ولا يعرف معنى ذلك اللفظ حتى
یشرح له بلسانه ویترجم له عنه .
فمن جملة الخطابات الإلهية البشارات وهي على قسمين: بشارة بما يسوء مثل قوله :
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وبشارة بما يسرّ مثل قوله تعالى: ﴿فَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ
كَرِيمٍ﴾ [ يس: ١١] فكل خير يؤثر وروده في بشرة الإنسان الظاهرة فهو خبر بشرى وذلك لا
يكون إلا في رجلين: إمّا في شخص يكون في قوّة نفسه أن لا تتغير بشرته بما يتحقق كونه،
وإمّا شخص غير مصدق بذلك الخبر من ذلك المخبر فلا يخلو هذا القوي النفس هل أثر ذلك
الخبر في باطنه أو لم يؤثر؟ فإن أثر خبر هذا المخبر في نفسه فهو أحد رجلين: إمّا عالم
محقق بوقوعه، وإمّا مُجَوِّز، وإن لم يؤثر في نفسه فهو غير عالم ولا مصدق معاً، فيكون ذلك
الخبر في حق الأوّل بشرى متعلقها الصورة المتخيلة في نفسه التي تأثرت لهذا الخبر، فلو لم
تقم بخياله تلك الصورة المضاهية للصورة الحسية لما كانت بشرى في حقه، ولا كانت تؤثر
في باطنه سروراً ولا حزناً وإن لم يظهر ذلك في ظاهره، فلو تجردت الأرواح عن المواد لما
صحت البشائر في حقها ولا حكم عليها سرور ولا حزن، ولكان الأمر لها علماً مجرداً من
غير أثر، فإن الالتذاذ الروحاني إنما سببه إحساس الحس المشترك مما يتأثر له المزاج من
الملائمة وعدم الملائمة وبالقياسات، وأما الأرواح بمجردها فلا لذة ولا ألم، وقد يحصل
ذلك لبعض العارفين في هذا الطريق، قال أبو يزيد: ((ضحكت زماناً وبكيت زماناً وأنا اليوم لا
أضحك ولا أبكي)). وهو عين ما قلناه، فإنه وقف مع مجرد روحه من غير نظر إلى طبيعته،
فما شاهد إلا علماً محضاً كما يرتفع عن النظر في توحيد الحق من حيث توحيد الألوهية إلى
توحيد ذاته من حيث هو لنفسه لا من حيث المرتبة التي بها يتعلق الممكن، فيشاهده في ذلك
التوحيد واحداً لا واحداً معرى عن النسب والإضافات، مجهولاً للممكنات غير منسوب
لنفسه بأنه عالم بنفسه لنفسه، فهو في ذلك التوحيد عينه لا من حيث هو عينه ولا من حيث لا
هو عينه، وهذا أسنى المراتب في تجريد الكون عن التعلق به وهو كمال الأحدية لا كمال
الوحدانية، فإن كمال الوحدانية في سريان أحديته في العقائد، فإن الوحداني هو الذي يطلب
الموحدين والأحدية لا تطلب ذلك، كالجسماني هو الذي يطلب الأجسام ليظهر بها حكمه
فاعلم. فإذا رأيت عارفاً تأتي عليه أسباب الالتذاذ وأسباب التألم ولا يلتذ ولا يتألم لا

١٢٦
في المنازل/ الباب الثالث والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل بشرى مبشر لمبشر به
بالمحسوس ولا بالمعقول في اقتناء العلوم الملذة فتعلم أن وقته التجرد التام عن طبيعته، وهذا
أقوى التشبه الذي يسعى إليه العلماء بالله وواجده قليل والقليل الذي يجده قليل الاستصحاب
لهذا الوجدان، وإنما الله يكرم به من شاء من عباده في خطرات ما ليعلمه بالتوحيد الذاتي
الذي ذكرناه، فإن طائفة من العقلاء نسبوا الالتذاذ والابتهاج إلى ذلك الجناب بالكمال الذي
هو عليه تعالى الأحد في ذاته عن هذا الوصف، لكن الوحدانية الإلهية هي التي ينظر إليها
القائلون بهذا القول ولا يشعرون قال تعالى: ﴿سَنَتَدْرِعُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِى لَمُمَّ إِنَّ كَيْدِى
مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٥] فمن نظر الحق من حيث ذاته عرف ما قلناه، ومن نظره من حيث ألوهيته
عرف ما قلناه، ألا تنظر إلى مبادي الوحي الإلهيّ النبويّ إنما هي المبشرات وهي التي بقيت
في الأمة بعد انقطاع النبوّة فتخيل من لا علم له بالأمر بما هو عليه أن ذلك نقص في حق هذه
الأمة ليس الأمر كما ظنه من لا علم له بتقسيم الوحي، فإن وحي المبشرات هو الوحي الأعم
الذي يكون من الحق إلى العبد بلا واسطة ويكون أيضاً بواسطة، والنبوّة من شأنها الواسطة
ولا بدّ، فلا بد من الملك فيها، والمبشرات ليست كذلك، فالعبد العارف لا يبالي ما فاته من
النبوّة مع بقاء المبشرات عليه، إلا أن الناس يتفاضلون فيها، فمنهم من لا يبرح في بشراه عن
الواسطة، ومنهم من يرتفع عنها كالخضر والأفراد فلهم المبشرات بارتفاع الوسائط وما لهم
النبوّة ولهذا ننكر عليهم الأحكام، فما كان من حكم في الكون من المبشرات فهو من البشرى
بالواسطة وهو تعريف خاصة بما جاء به الرسول، وما لم يكن لها حكم الكون إلا العلم
المجرد في تكملة ذاته فمن البشرى بترك الواسطة، فالرسل فضلت من سواها بتحصيل
ضروب مراتب الوحي من المبشرات وغيرها من نزول الأملاك على قلوبهم وعلى حواسهم
ولهم المبشرات فهم الأفراد الأقطاب ونحن الأفراد لا الأقطاب، وأعني بالأقطاب الشخص
الذي تدور عليه رحى السياسات الناموسية المبثوثة في مصالح العالم المؤيدة بالمعجزات
والآيات؛ فالله يجعلنا ممن بشره به فنام إلى الأبد ولم ينتبه .
سأل سهل بن عبد الله رجلاً من أهل عبادان عن سجود القلب؛ وكان قد رأى سهل بن
عبد الله قلبه قد سجد فعرض ذلك على جماعة من الشيوخ من أهل زمانه فلم يعرفوا ما يقول
لأنهم لم يذوقوا ذلك فرحل في طلب من يعرف ذلك فلما وصل إلى عبادان دخل على شيخ
فقال له: يا أستاذ أيسجد القلب؟ فقال الشيخ: إلى الأبد يعني أنه لا يرفع رأسه من سجدته،
فعرف سهل بن عبد الله في سؤاله أن الله أطلعه على سجود قلبه فلازم تلك الصفة فلم يرفع
رأسه من سجدته لا في الدنيا ولا يرفعه في الآخرة، فما دعا الله بعد ذلك في رفع شيء نزل
ولا في إنزال شيء رفع، وهذا هو المقام المجهول الذي جهله العارفون وما ثبت فيه إلا
المفردون.
ولولا أن الأنبياء شرع لهم أن يشرعوا للخاص والعام حيث جعلهم الله أسوة لكانت
حالتهم ما ذكرناه، ولكنهم صلوات الله عليهم لازموا الحضور في سجود القلب عند التشريع،
وهذا غاية القوّة حيث أعطوا حكم الحال المستصحب الذي لا يرتفع أبداً، فغير النبيّ إذا علمه

١٢٧
في المنازل/ الباب الرابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل جمع النساء والرجال ...
تكلف فيه، وقد أعلمناك في غير ما موضع أن الأوائل في الأشياء هي المعتبرة في النسبة إلى
الله، وأنها الصدق الذي لا يدخله مين، والقوّة التي لا يشوبها ضعف في الخاطر الأوّل
والنظرة الأولى والسماع الأوّل والكلمة الأولى والحركة الأولى، كل أوّل لا يكون إلا مخلصاً
لله لا يقع فيه اشتراك، ثم بعد الأوّل يدخل ما يدخل فيصدق ولا يصدق، فانظر أوّل ما بدىء
به رسول الله ◌ّ من الوحي المبشرات فحازت المبشرات الأوّلية، فكان لا يرى رؤيا إلا
خرجت مثل فلق الصبح لأن فلق الصبح انفلق عن الليل كما انفلق صاحب هذه المبشرة عن
النوم، فانظر ما أحسن هذا التشبيه الذي شبهته به أمنا عائشة رضي الله عنها فأبقى الله على
رجال هذه الأمّة أوّل الوحي الذي لا يخطىء أبداً، فإن فهمت قدر ما ذكرته لك ونبهتك عليه
علمت عناية الله بهذه الأمة فيما أبقى عليها من النبوّة وهو زبدة محضتها، ويكفي هذا القدر
من هذا المنزل.
ويتضمن هذا المنزل من العلوم علم التنزيه، وعلم التوحيد الإلهي، وعلم تنزيه العالم
العلوي والسفلي، وعلم المشيئة والكلام، وعلم الأعمال وتفاصيلها، وعلم المحبة الإلهية من
وجه خاص لا من جميع الوجوه؛ وأعني بالوجه الخاص حبه للتوّابين وحبه للمتطهرين وحبه
للمؤمنين فلا تتساوى وجوه المحبة لعدم تساوي هذه الطبقات وإن لم يكن كذلك فأية فائدة
للتفصيل فيها؟ وعلم السبل الإلهية، وعلم مجاهدة النفوس ورياضاتها، وعلم الثبات عند
الواردات، وعلم التأييد بالمناسب الجنسي، وعلم العتاب، وعلم الجزاء في الدنيا، وعلم
العناية، وعلم الخذلان، وعلم معرفة مراتب الخلق، والعلم الحق من العلم الخيالي، وعلم
التمام، وعلم الأنوار وما يذم من الشرك وما يحمد، وعلم الإيمان، وعلم المغفرة، وعلم
المحبة المتعلقة بالأكوان وشرف المحمود منها، وعلم البشائر، وعلم الوصايا الإلهية، وعلم
تأييد أهل الله إذا صدقوا مع الله. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.
الباب الرابع والعشرون وثلاثمائة
في معرفة منزل جمع النساء والرجال في بعض المواطن
الإلهية وهو من الحضرة العاصمية
[الكامل]
في عَالَمِ الأرواحِ والأبْدَانِ
إِنَّ النِّساءَ شقائقُ الذُّكْرانِ
وهو المُعَبَّزَ عنهَ بِالإنسانِ
والحُكْمُ مُتَّحِدُ الوجود عليهما
فَصَلَ الإناثَ به من الذُّكْرَانِ
وتَفَرْقَا عنه بِأمْرٍ عَارِضٍ
بحقيقة التَّوْحيد في الأعيانِ
من رُتْبَة الإجماع يحكم فيهما
وإذا نظرتَ إلى السماء وأرضِهَا
فَرَّقْتَ بينهما بلا فُرْقَانٍ
وظُهُوره بالحكم عن إحسَانٍ
انْظُرْ إلى الإحسان عَيْناً واحداً
اعلم أيدك الله أن الإنسانية لما كانت حقيقة جامعة للرجل والمرأة لم يكن للرجال على

١٢٨
في المنازل/ الباب الرابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل جمع النساء والرجال ...
النساء درجة من حيث الإنسانية، كما أن الإنسان مع العالم الكبير يشتركان في العالمية، فليس
للعالم على الإنسان درجة من هذه الجهة، وقد ثبت أن للرجال على النساء درجة، وقد ثبت
أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن أكثر الناس لا يعلم ذلك مع الاشتراك
في الدلالة والعلامة على وجود المرجح وقد قال: ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ اْلَمَاءُ بَهَا﴾ [النازعات: ٢٧]
وذكر ما يختص بالسماء، ثم ذكر الأرض ودحيها وما يختص بها كل ذلك في معرض التفضيل
على الإنسان، فوجدنا الدرجة التي فضل بها السماء والأرض على الإنسان هي بعينها التي
فضل بها الرجل على المرأة، وهو أن الإنسان منفعل عن السماء والأرض ومولد بينهما
منهما، والمنفعل لا يقوى قوة الفاعل لما هو منفعل عنه، كذلك وجدنا حوّاء منفعلة عن آدم
مستخرجة متكوّنة من الضلع القصير، فقصرت بذلك أن تلحق بدرجة من انفعلت عنه، فلا تعلم
من مرتبة الرجل إلا حدّ ما خلقت منه وهو الضلع فقصر إدراكها عن حقيقة الرجل، كذلك
الإنسان لا يعلم من العالم إلا قدر ما أخذ في وجوده من العالم لا غير، فلا يلحق الإنسان أبداً
بدرجة العالم بجملته وإن كان مختصراً منه، كذلك المرأة لا تلحق بدرجة الرجل أبداً مع كونها
نقاوة من هذا المختصر، وأشبهت المرأة الطبيعة من كونها محلاً للانفعال فيها، وليس الرجل
كذلك فإن الرجل يلقي الماء في الرحم لا غير والرحم محل التكوين والخلق، فيظهر أعيان ذلك
النوع في الأنثى لقبولها التكوين والانتقالات في الأطوار الخلقية خلقاً من بعد خلق إلى أن يخرج
بشراً سوياً، فبهذا القدر يمتاز الرجال عن النساء، ولهذا كانت النساء ناقصات العقل عن الرجال
لأنهن ما يعقلن إلا قدر ما أخذت المرأة من خلق الرجل في أصل النشأة، وأما نقصان الدين فيها
فإن الجزاء على قدر العمل، والعمل لا يكون إلا عن علم، والعلم على قدر قبول العالم،
وقبول العالم على قدر استعداده في أصل نشأته، واستعدادها ينقص عن استعداد الرجل لأنها
جزء منه، فلا بدّ أن تتصف المرأة بنقصان الدين عن الرجل، وهذا الباب يطلب الصفة التي
يجتمع فيها النساء والرجال، وهي فيما ذكرناه كونهما في مقام الانفعال، هذا من جهة الحقائق،
وأما من جهة ما يعرض لهما فمثل قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب:
٣٥] إلى قوله: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقوله تعالى: ﴿الثَّهِبُونَ الْعَنِدُونَ
الْحَمِدُونَ السَّبِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] وقوله: ﴿تَّبَتٍ عَنِدَاتٍ سَيِحَتٍ﴾ [التحريم: ٥] وقال رسول
الله ◌ََّ: ((كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرُونَ وَمِنَ النِّسَاءِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ)» فاجتمع
الرجال والنساء في درجة الكمال، وفضل الرجل بالأكملية لا بالكمالية، فإن كملا بالنبوّة فقد
فضل الرجال بالرسالة والبعثة، ولم يكن للمرأة درجة البعثة والرسالة، مع أن المقام الواحد
المشترك يقع التفاضل في أصحابه بينهم فيه كما قال تعالى: ﴿يَلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾
[البقرة: ٢٥٣] وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيْنَ عَلَى بَعْضٍّ﴾ [الإسراء: ٥٥] وقد شرك الله بين الرجال
والنساء في التكليف، فكلف النساء كما كلف الرجال، وإن اختصت المرأة بحكم لا يكون
للرجل، فقد يختص الرجل بحكم لا يكون للمرأة، وإن كان النساء شقائق الرجال .
ثم اعلم أن منزلة المرأة من الرجل في أصل الإيجاد منزلة الرحم من الرحمن فإنها

١٢٩
في المنازل/ الباب الرابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل جمع النساء والرجال ...
شجنة منه فخرجت على صورته، وقد ورد في بعض الروايات: ((أن الله خلق آدم على صورة
الرحمن))، وثبت أن الرحم فينا شجنة من الرحمن، فنزلنا من الرحمن منزلة حوّاء من آدم وهي
محل التناسل، وظهور أعيان الأبناء كذلك نحن محل ظهور الأفعال، فالفعل وإن كان الله فما
يظهر إلا على أيدينا ولا ينسب بالحس إلا إلينا، ولو لم نكن شجنة من الرحمن لما صح
النسب الإلهيّ وهو كوننا عبيداً له، ومولى القوم منهم، فافتقارنا إليه افتقار الجزء إلى الكل،
ولولا هذا القدر من النسبة لما كان للعزة الإلهية والغنى المطلق أن يعطف علينا ولا أن ينظر
إلينا، فبهذا النسب صرنا مجلاها فلا تشهد ذاتها إلا فينا لما خلقنا عليه من الصورة الإلهية
فملكنا الأسماء الإلهية كلها، فما من اسم إلهيّ إلا ولنا فيه نصيب، ولا يقوم بنا أمر إلا
ويسري حكمه في الأصل، قال النبي ◌ِّر في هذا الاسم في أعضاء الإنسان: ((إنَّهُ إذَا أَحَسَّ
عُضْوٌّ مِنْهُ بِأَلَمْ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجِسْم بِالحُمَّى)) فأثر وجود ذلك الألم في العضو الخاص الحمى
في سائر الأعضاء فيتألم كله لتألم جزء من جسمه، فما ظنك بالنفس الناطقة التي هي سلطانة
هذا البلد الأمين؛ فإن حاملة الحمى النفس الحيوانية في هذا الموضع وهي للنفس الناطقة
بمنزلة ملك اختل عليه بعض ملكه فهمه يكون أشد، ألا ترى الحق سبحانه قد وصف نفسه
بالغضب وبالرحمة وبالقبول وبالإجابة وأمثال هذا، وجعل ذلك كله مسبباً عن أسباب تكون
منا فإذا عصيناه مجاهرة أغضبناه، وإذا قلنا قولاً يرتضيه منا أرضيناه كما قال وَله: ((وَلاَ نَقُولُ
إلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا)) وإذا تبنا آثرنا القبول عنده، ولولا سيئاتنا ما عاقب ولا عفا، وهذا كله مما
يصحح النسب ويثبت النسب ويقوي آثار السبب، فنحن أولاد علات أم واحدة وآباء
مختلفون، فهو السبب الأوّل بالدليل لا بالمشاهدة.
ولما تقرّر ما ذكرناه أيد هذا النسب بقوله: ((فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهِ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ الله))
فانظر ما أعجب هذا الحكم إن قطعها سبحانه من الرحمن وجعل السعادة لنا والوصلة به في
وصل ما قطعه فالصورة صورة منازعة وفيها القرب الإلهيّ ليكون لنا حكم الوصل وهو ردّ
الغريب إلى أهله، وليس للحكمة الإلهية في هذا إلا نفي التشبيه فإنه قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فإذا قطعناها أشبهناه في القطع، فإنه جعلها شجنة من الرحمن، فمن
قطعها فقد تشبه به وهو لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء بحكم الأصل، فتوعد من قطعها بقطعه
إياه من رحمته لا منه وأمرنا بأن نصلها وهو أن نردها إلى من قطعت منه فإنه قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ
اُلْأَمْرُ كُلُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] فأضاف العلم لك
وجعل نفسه رقيباً عليه وشهيداً لا يغفل ولا ينسى ذلك لتقتدي أنت به فيما كلفك من
الأعمال، فلا تغفل ولا تنسى لأنك أولى بهذه الصفة لافتقارك وغناه عنك.
ولما كانت حوّاء شجنة من آدم جعل بينهما مودة ورحمة ينبه أن بين الرحم والرحمن
مودّة ورحمة، ولذلك أمرك أن تصلها بمن قطعت منه فيكون القطع له والوصل لك، فيكون
لك حظ في هذا الأمر تشرف به على سائر العالم، فالمودّة المجعولة بين الزوجين هو الثبات
على النكاح الموجب للتوالد، والرحمة المجعولة هو ما يجده كل واحد من الزوجين من
الفتوحات المكية ج٥ - م٩

١٣٠
في المنازل/ الباب الرابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل جمع النساء والرجال ...
الحنان إلى صاحبه فيحن إليه ويسكن، فمن حيث المرأة حنين الجزء إلى كله والفرع إلى أصله
والغريب إلى وطنه، وحنين الرجل إلى زوجته حنين الكل إلى جزئه لأنه به يصح عليه اسم
الكل وبزواله لا يثبت له هذا الاسم، وحنين الأصل إلى الفرع لأنه يمده، فلو لم يكن لم تظهر
له ربانية الإمداد، كما أن الكون لولاه لم يصح أن يكون رباً على نفسه وهو رب فلا بد من
العالم ولم يزل رباً، فلم تزل الأعيان الثابتة تنظر إليه بالافتقار أزلاً ليخلع عليها اسم الوجود،
ولم يزل ينظر إليها لاستدعائها بعين الرحمة، فلم يزل رباً سبحانه وتعالى في حال عدمنا وفي
حال وجودنا والإمكان لنا كالوجوب له ؛ قال: [البسيط]
نَفْياً لنَفْي وإثباتاً لإثباتِ
حَقّقْ بِعَقْلك إن فَكّرْتَ مَصْدَرَنَا
وأنني مع هذا مُحدَثُ الذَّاتِ
مِنْ أعْجَبِ الأمْرِ أَنِّي لم أَزَلْ أَزَلاً
شيءٌ سواه ولا مَاضٍ ولا آتِ
قد كان رَبُّكَ موجوداً وما معه
فبالمودة والرحمة طلب الكل جزأة والجزء كله فالتحما فظهر عن ذلك الالتحام أعيان
الأبناء فصح لهم اسم الأبوّة فأعطى وجود الأبناء حكماً للآباء لم يكونوا عليه وهو الأبوة،
وليس الرب كذلك، فإنه لم يزل رباً أزلاً، فإن الممكن في إمكانه لم يزل موصوفاً بالإمكان
سواء وجد الممكن أو اتصف بالعدم، فإن النظر إليه لم يزل في حال عدمه، وتقدم العدم
للممكن على وجوده نعت أزلي فلم يزل مربوباً وإن لم يكن موجوداً، فهذا الفارق بين ما
يجب لله وبين ما يجب للعبد من حيث الاسمية والمرتبة التي حدثت له بوجود الابن، فالتحق
النساء بالرجال في الأبوة ومن لحوق النساء بالرجال، بل تقوم المرأة في بعض المواطن مقام
رجلين إذ لا يقطع الحاكم بالحكم إلا بشهادة رجلين فقامت المرأة في بعض المواطن مقامهما
وهو قبول الحاكم قولها في حيض العدة وقبول الزوج قولها في أن هذا ولده مع الاحتمال
المتطرّق إلى ذلك، وقبول قولها أنها حائض، فقد تنزلت ههنا منزلة شاهدين عدلين، كما
تنزل الرجل في شهادة الدين منزله امرأتين فتداخلا في الحكم : [المتقارب]
ونَابَ القَليلُ مَنَابَ الكَثير
فَنَابَ الكثيرُ مَنَابَ القَلِيلِ
ومن شاء الْحَقَه بالأثِيز
فَمَنْ شاءَ أَلْحَقَهُ بِالثَّرَى
لولا كمال الصورة ما صحت الخلافة، فمن طلبها وكل إليها، ومن جاءته من غير
طلب أعين عليها، فالطالب مُدَّع في القيام بحقها ومن طلب بها مستقيل منها لأنها أمانة
ثقلت في السموات والأرض، وكل مدع ممتحن كانت هذه الصفة فيمن كانت لا أحاشي
أحداً وامتحانه على صورة ما يدعيه ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِّدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾
[مريم: ١٥] شهادة إلهية مقطوع بها، فهذه منزلة من جاءته الخلافة من غير طلب والعناية
من غير تعمل ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] دعوى
موضع الامتحان لولا ما شفع فيه حالة المهد لعدم استحكام العقل فكان حكمه حكم
يحيى وهو الأولى، هذا إن كان منطقاً غير متعقل ما ينطق به وإن تعقله فاستحكم عقله
وتقوت آلاته في نفس الأمر وفي مشهود العادة عند الحاضرين هو خرق عادة، فإن كان

١٣١
في المنازل/ الباب الرابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل جمع النساء والرجال ...
مأموراً بما نطق به فهو مخبر بما آتاه الله وأمر أن يخبر به فليس بمدع ولا طالب فخراً
كما قال رسول الله وَلّ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ)) بالراء وهو التبجح بالباطل، فهذا
معرف عن أمر إلهيّ، فمثل هذا لا يمتحن ولا يختبر فإنه ليس بمدع، وهذه كلها أحوال
يشترك فيها النساء والرجال، ويشتركان في جميع المراتب حتى القطبية، ولا يحجبك قول
رسول الله وَّ: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأةً)» فنحن نتكلم في تولية الله لا في تولية
الناس، والحديث جاء فيمن ولاه الناس. ولو لم يرد إلا قول النبي وسلّ في هذه المسألة
أن النساء شقائق الرجال لكان فيه غنية، أي كل ما يصح أن يناله الرجل من المقامات
والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء كما كان لمن شاء الله من
الرجال، ألا تنظر إلى حكمة الله تعالى فيما زاد للمرأة على الرجل في الاسم فقال في
الرجل المرء وقال في الأنثى المرأة فزادها هاء في الوقف تاء في الوصل على اسم المرء
للرجل، فلها على الرجل درجة في هذا المقام ليس للمرء في مقابلة قوله: ﴿وَلِلْرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ
دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فسدّ تلك الثلمة بهذه الزيادة في المرأة، وكذلك ألف حبلى وهمزة
حمراء، وإن ذكرت تعليل الحق في إقامة المرأتين في الشهادة مقام الرجل الواحد بالنسيان في
قوله: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتذكر لا يكون إلا عن
نسيان، فقد أخبر الله تعالى عن آدم أنه نسي، وقال وَّ: (فَتَسِيَ آدَمُ فَتَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ)) فنسيان
بني آدم ذرية عن نسيان آدم كما نحن ذرّيته وهو وصف إلهيّ منه صدر في العالم قال تعالى:
﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] على أن الحق ما وصف إحدى المرأتين إلا بالحيرة فيما
شهدت فيه ما وصفها بالنسيان، والحيرة نصف النسيان لا كله، ونسب النسيان على الكمال
للرجل فقال: ﴿فَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] فقد يمكن أن ينسى الرجل الشهادة رأساً
ولا يتذكرها، ولا يمكن أن تنسى أحدى المرأتين وهي المذكرة لا على التعيين، فتذكر التي
ضلت عما شهدت فيه فإن خبر الله صدق بلا شك وهو قد أخبر في هذه الآية أن إحداهما
تذكر الأخرى، فلا بد أن تكون الواحدة لا تضل عن الشهادة ولا تنسى، فقد اتصفت المرأة
الواحدة في الشهادة بإخبار الحق عنها بصفة إلهية وهو قول موسى الذي حكى عنه في القرآن:
﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥٢].
ولو لم يكن في شرف التأنيث إلا إطلاق الذات على الله وإطلاق الصفة وكلاهما لفظ
التأنيث جبراً لقلب المرأة الذي يكسره من لا علم له من الرجال بالأمر، وقد نهانا الشارع أن
نتفكر في ذات الله، وما منعنا من الكلام في توحيد الله بل أمر بذلك فقال: ﴿فَأَعْلَمَ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] وهو هنا ما يخطر لمن نظر في توحيد الله من طلب ماهيته
وحقيقته وهو معرفة ذاته التي ما تعرف، وحجر التفكر فيها لعظيم قدرها، وعدم المناسبة بينها
وبين ما يتوهم أن يكون دليلاً عليها فلا يتصورها وهم ولا يقيدها عقل بل لها الجلال
والتعظيم، بل لا يجوز أن تطلب بما كما طلب فرعون فأخطأ في السؤال، ولهذا عدل موسى
عليه السلام عن جواب سؤاله لأن السؤال إذا كان خطأ لا يلزم الجواب عنه وكان مجلس

١٣٢
في المنازل/ الباب الرابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل جمع النساء والرجال ...
عامّة، فلذلك تكلم موسى بما تكلم به ورأى فرعون أنه ما أجابه على حد ما سأل لأنه تخيل
أن سؤاله ذلك متوجه، وما علم أن ذات الحق تعالى لا تدخل تحت مطلب ما وإنما تدخل
تحت مطلب (( هل))، و((هل)) سؤال عن وجود المسؤول عنه هل هو متحقق أم لا؟ فقال فرعون
وقد علم ما وقع فيه من الجهل إشغالاً للحاضرين لئلا يتفطنوا لذلك: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ
إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] ولولا ما علم الحق فرعون ما أثبت في هذا الكلام أنه أرسله مرسل
وأنه ما جاء من نفسه لأنه دعا إلى غيره، وكذا نسبه فرعون إلى ما كان عليه موسى فوصفه بأنه
مجنون أي مستور عنكم لا تعرفونه، فعرفه موسى بجوابه إياه وما عرفه الحاضرون كما عرفه
علماء السحرة وما عرفه الجاهلون بالسحر، وبقيت تلك الخميرة عند فرعون يختمر بها عجين
طينته، وما ظهر حكمها ولا اختمر عجينه إلا في الوقت الذي قال فيه: ﴿إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ
إِسْرَِّيلَ﴾ [يونس: ٩٠] وما سمى الله ليرفع اللبس والشك إذ قدم علم الحاضرون أن بني إسرائيل
ما آمنت إلا بالإله الذي جاء موسى وهارون من عنده إليهم، فلو قال: آمنت بالله وهو قد قرر
أنه ما علم لقومه من إله غيره لقالوا: لنفسه شهد لا للذي أرسل موسى إلينا كما شهد الله
لنفسه؛ فرفع هذا اللبس بما قاله .
وأمّا تحقيق هذه المسألة فما يعرف ذلك إلا من يعرف مرتبة الطبيعة من الأمر
الإلهي، فإن المرأة من الرجل بمنزلة الطبيعة من الأمر الإلهي، لأن المرأة محل وجود
أعيان الأبناء، كما أن الطبيعة للأمر الإلهي محل ظهور أعيان الأجسام فيها تكوّنت وعنها
ظهرت فأمر بلا طبيعة لا يكون وطبيعة بلا أمر لا تكون، فالكون متوقف على الأمرين،
ولا تقل إن الله قادر على إيجاد شيء من غير أن ينفعل أمر آخر فإن الله يرد عليك في
ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فتلك الشيئية
العامة لكل شيء خاص، وهو الذي وقع فيها الاشتراك هي التي أثبتناها، وأن الأمر
الإلهي عليها يتوجه لظهور شيء خاص في تلك الشيئية المطلقة، فإذا ظهرت الأجسام أو
الأجساد ظهرت الصور والأشكال والأعراض وجميع القوى الروحانية والحسية، وربما
قيل هو المعبر عنه بلسان الشرع العماء الذي هو للحق قبل خلق الخلق ما تحته هواء وما
فوقه هواء فذكره وسماه باسم موجود يقبل الصور والأشكال، وقد ذكرنا مرتبة الطبيعة
وهي هذه الشيئية المطلقة في كتاب النكاح الأوّل الذي ظهر عنه العالم أسفله وأعلاه،
وكل ما سوى الله من كثيف ولطيف ومعقول ومحسوس متصف بالوجود، فلا نعرف منها
إلا قدر ما يظهر لنا، كما لا نعرف من الأسماء الإلهية إلا قدر ما وصل إلينا، فمن عرف
مرتبة الطبيعة عرف مرتبة المرأة، ومن عرف الأمر الإلهي فقد عرف مرتبة الرجل وأن
الموجودات مما سوى الله متوقف وجودها على هاتين الحقيقتين، غير أن هذه الحقيقة
تخفى وتدق بحيث يجهلها أبناؤها من العقول، فلا تثبتها في العالم البسيط وتثبتها في
العالم المركب، وذلك لجهلها بمرتبتها، كما جهلت هنا مرتبة المرأة مع تنبيه الشارع على
منزلتها بقوله {وَل: ((إنَّ النَّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ)) فالأمر بينهما يكون علواً وسفلاً، ألا ترى

١٣٣
في المنازل/ الباب الرابع والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل جمع النساء والرجال ...
التجليات والروحانيات المتجسدة هل تظهر في غير صور طبيعية؟ وإن كانت تلك الأجساد
سريعة الاستحالة فلم تخرج عنها.
وهذا منزل واسع يتسع المجال فيه، فلنذكر أمّهات ما يتضمنه من المسائل دون التفريع،
فمنها من أي مقام ينادى المؤمن؟ وهل يختلف النداء باختلاف المنادى أم لا؟ وفي هذا المنزل
أيضاً علم سبب العداوة بين الله وبين خلقه، وهل من شرط العداوة أن توجد من الطرفين أو
من الطرف الواحد؟ وهل يعادي أحد من أجل أحد؟ أو لا تكون العداوة إلا من أجل نفسه لا
من أجل غيره؟ وعلم إلقاء المحبة في القلوب وثباتها فيه، وهل إلقاؤها انتقال وجودي أو
خلق يخلق في المحل؟ وهل من شرط الحب المناسبة أم لا؟ وعلم التغريب عن الأوطان
الموجب النقيض، وعلم مشتقات السبل الإلهية وعلم طلب الرضا في المنشط والمكره، وعلم
السر والعلن، وعلم الحيرة عن طريق خاص، وعلم محبة الستر على التجلي، وعلم ثبات
السبب الموجب لقطع ما أمر بوصله فيكون قطعه قربة ووصله بعداً، وعلم المواطن وكيف ترد
الأمور بحكمها وتأثيرها في الأمور الكونية والأحكام الإلهية وهو علم واسع، وعلم رؤية
الأعمال مع كونها أعراضاً كونية والأعراض الكونية ترى أحكامها لا أعيانها بخلاف الأعراض
اللونية فإنه يرى أعيانها وأحكامها، وعلم الاقتداء بالمتقدّمين واتباع الفاضل المفضول، وعلم
التبري من الجمع لا من أحدية الجمع، وعلم ستر أحدية الجمع والكثرة، وعلم الحب
المشروط والبغض المشروط وهل يصح في نفس الأمر ذلك أو لا يصح؟ وهل يصح فيه
استثناء أو لا يصح؟ وهل يقدح في العلم الإلهي رجوع العبد في توكله وأحواله إلى اسم
خاص دون سائر الأسماء الإلهية أم لا؟ وعلم الصيرورة من علم الرد والرجوع والفرق بينهما
وبين كل واحد منهما وبين الآخر، وعلم الاختيار فيما يحمد ويذم، وعلم تضمن العزة
الحكمة، وعلم الرجاء المشترك، وعلم ما ينتجه التولي عن الحق المطلق والمقيد وهل يتأثر
من يتولى عنه عند التولي أو لا يتأثر؟ وعلم المقاربة من الشيء هل يتصف بها الحق أم لا؟
وعلم كون الرحمة قد تكون بالستر وبغير الستر، وعلم سبب إكرام الكريم ومجازاة اللئيم هل
يكون بلؤم فيشتركان وإن كان الواحد جزاء أو لا يجازيه إلا بالإحسان؟ وهل يكون لؤم الجزاء
لؤماً في نفس الأمر أو هو صفة اللئيم تعود عليه لما ظهرت له في غيره فكرهها منه فعلم بذلك
أنها صفته وأنها في المجازي أمر عرضي أظهرها للتعليم وهو علم شريف نافع يعرف منه
عقوبة الله عباده على أعمالهم مع غناه في نفسه عن ذلك وعدم تضرره به، وهل يمكن للخلق
أن يكونوا في الجزاء باللؤم على هذا الحد عند مجازاة اللئيم أو لا يكونون؟ وعلم ما يعامل به
أصحاب الدعاوى، وعلم الحكم بالعلم وأن الظن قد يسمى علماً شرعاً ولماذا يسمى الظن
علماً وهو ضده؟ وهل العلم هنا عبارة عن العلامة التي يحصل بها الظن في نفس الظان الحاكم
به فيكون علمه بتلك العلامة علماً بأن هذا ظن غالب يجب الحكم به لرائحة العلم بالعلامة إذ
العلم ليس سوى عين العلامة وبه سمي علماً فبالعلم يعلم العلم كما يعلم به سائر المعلومات
فهي كلها علامات ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمَّ﴾ [النجم: ٣٠] ولم يكن علماً فكأنه قال

١٣٤
في المنازل/ الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية
ذلك الذي أعطتهم العلامة في ذلك الأمر، وعلم الحلال والحرام العقلي والشرعي، وعلم
المعاوضة في الأبضاع وهو علم عجيب لأنه لا متعلق للمشتري في ذلك إلا الاستمتاع خاصة
فكأنه مشتري الاستمتاع، وعلم العدل في الحكم الإلهي والنيابة فيه، وعلم الفرق بين العلم
والحكمة، وعلم اتخاذ الله وقاية مماذا وهل ذلك من مرتبة العلم أو مرتبة الإيمان؟ وعلم
أحكام التابع والمتبوع هل يجتمعان في أمر أو لا يجتمعان في أمر؟ وعلم مبايعة الإمام الذي
هو السلطان هل حكمها حكم البيع فيتعين ما بيع وما اشترى؟ وهل يدخل فيها بيع النفوس
وهو المبايعة على الموت أم لا؟ وعلم التشبيه. فهذا ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة
في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية
[البسيط]:
الجَمْعُ مُعْتَبَرٌ في كل آوِنَةٍ
هذا الإلهُ هو الأسماءُ أوْتَرَهَا
فالعَيْنُ مجموعُ أسماء وليس لها
فليس ثَمَّ سوى فَرْدٍ يُعَيِّنُهُ
والله وِتْرٌ فلا شيءٌ يُكَثِّرُهُ
فلا مُؤَثِّرَ غير الله في بَشَرٍ
يعطيك خيراً بإحسان يَجُودُ به
والوِتْرُ في الجَمْعِ كالأعداد في الأَحَدِ
تِسْعْ وتسْعون لم تَنْقُصْ ولم تَزِدٍ
وتُرّ سوى ما ذكرناه من العَدَدِ
عَيْنُ الكثير فلا تُلْوي على أَحَدٍ
مع العلوم التي أعطاك في الرَّصَدِ
والغير ما ثَمَّ فاقصد ساكنَ البَلَدِ
عليك فهو الذي إن شَاء لم يَجُدِ
اعلم فهمك الله أن كل ما سوى الله أرواح مطهرة منزهة موجدها وخالقها، وهي تنقسم
إلى مكان وإلى متمكن، والمكان ينقسم إلى قسمين: مكان يسمى سماء ومكان يسمى أرضاً،
والمتمكن فيهما ينقسم إلى قسمين؛ إلى متمكن فيه وإلى متمكن عليه، فالمتمكن فيه يكون
يحيث مكانه والمتمكن عليه لا يكون بحيث مكانه، وهذا حصر كل ما سوى الله، وكل ذلك
أرواح في الحقيقة أجسام وجواهر في الحق المخلوق به، وهذه الأرواح على مراتب في
التنزيه تسمى مكانة، وما من منزه الله تعالى إلا وتنزيهه على قدر مرتبته لأنه لا ينزه خالقه إلا
من حيث هو إذ لا يعرف إلا نفسه، فيثمر له ذلك التنزيه عند الله مكانة يتميز بها كل موجود
عن غيره، وهذا المنزل يحتوي على تنزيه الأرواح المتمكنة لا المكانية، وسيرد منزل في هذه
المنازل نذكرفيه تنزيه المكان والمتمكن معاً، فكان هذا المنزل يحتوي على نصف العالم من
حيث ما هو منزه، ثم إن الله تعالى عاد بالمكانة على هذا المنزه بأن كان الحق مجلاه فرأى
نفسه ورتبته فسبح على قدر ما رأى فإذا هو نفسه لا غيره، وذلك أن الحق أسدل بينه وبين
عباده حجاب العزة فوقف التنزيه دونه فعلم أن الحق لا يليق به تنزيه خلقه وأن حجاب العزة
أحمى وقهرها أغلب، ثم رأى من سواه من العارفين بالله المنزهين بنعوت السلوب على

١٣٥
في المنازل/ الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية
مراتب، وقد أقرّ الجميع منهم بأنهم كانوا غالطين في محل تنزيههم، وأن تنزيههم ما خرج
عنهم وذلك لحكمته التى سرت في خلقه، فكان ذلك تنزيه الحكمة لا غيره، ولولا ستر
حجاب العزة ما عرفوا ذلك، ومن هذا الحجاب ظهر الكفر في العالم وصارت المعرفة خبراً
بما وراء هذا الحجاب، فظهر الإيمان في العالم بين الستر والمؤمن، فالكافر الذي هو الساتر
أقرب من أجل الكفر، فإن الستر يرى المستور به والمستور عنه وهو صفة الكافر والمؤمن
دون هذا الستر فمقامه الحجاب، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ
حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] والإيمان متعلقه الخبر، والخبر من أقسام الكلام.
ثم إنه سبحانه أخرج أهل الستر من الغيب إلى الشهادة ليحصل له مقام الجمع بين
الحالتين، فينزهه باللسانين ويثبت له الصفتين، ولم يكن في ظنه ما فعله الحق به، بل كان
يتخيل أن الغيب لا يكون في موطن شهادة لعلمه أن الغيب منيع الحمى لا يعلم ما فيه فيوصل
إليه، وإنما مقامه أن يكون مشعوراً به من غير تعيين ما هو ذلك المشعور به، وغفل عن كون
الله يفعل ما يريد وأنه ما في حقه غيب، وأن الغيب لا يصح أن يكون إلا إضافياً، فلما بدا له
من الله ما لم يكن في حسابه علم أن الأمور بيد الله، وأنه ما ثم من يستحق حكماً لنفسه بل هو
الله الذي أعطى كل شيء خلقه، ولما علمت الأشياء أنه لا شيء لها من ذاتها وأنها بحسب ما
تقتضيه ذات موجدها وأن الأحوال تتجدد عليها بحسب ما تطلبه حقائق من استندت إليه وهو
الله تعالى خافت حيث لم تقف على علم الله فيها في المستقبل، فتركت جميع ما كانت تعتمد
عليه في نفسها لما عند خالقها فسبحته تسبيحاً جديداً من خلق جديد، وعبرت من النظر إليها
إلى النظر إلى من بيده ملكوت كل شيء، ولولا هذا المقام الذي أقامها فيه وردها من قريب
إليه، لناداها من بعيد، فكان المدى يطول عليها ويتعرض لها الآفات والصوارف في الطريق،
فإن المسافر وماله على قلت.
ثم إن الله لما حصل الأشياء في هذا المقام رفع لها علماً من أعلام المعرفة أعطاها ذلك
العلم أنها شق وأنها على النصف من الوجود وأن كمال الوجود بها، ولولاها ما ظهر الكمال
في الوجود والعلم فزهت وعظم شأنها عندها، وما عرفت أي قسم صح لها من الوجود، ثم
ظهر ذلك لها في عبادة الصلاة حيث قسمها الحق نصفين بينه وبين عبده فزادت تيهاً، فلما
سمعت آخر الخبر موافقاً لحالها الذي لم تشعر به في قوله: ((فنصفها لي)) ولم يقيد، وقال في
نصف العبد: ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، والسؤال مذلة وفقر وحاجة ومسكنة، إلا أن
العبد لاح له من خلف هذا الحجاب ما لم يكن يظنه وهو أنه في منزل يكون الحق متأخراً عنه
مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَآءِهِم تُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وذلك لأنه في حكم الفرار إذا استقبله ما لا
يطيق حمله، فأخبره الله أنه من ورائه وهو الذي يستقبله فإن فرّ منه فإليه يفرّ من حيث لا يشعر
كما يكون في منزل آخر أولاً له من قوله: ﴿مَا مِن دَآبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَنِهاً﴾ [هود: ٥٦] وقد
وصف نفسه بأنه الهادي والهادي هو الذي يكون إمام القوم ليريهم الطريق وهو قوله: ﴿إِنَّ رَبِى
عَلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ فصارت الأشياء مع الحق

١٣٦
في المنازل/ الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية
عقبة فتقدم تعالى الأشياء ليهديها إلى ما فيه سعادتها وتأخر عنها ليحفظها ممن يغتالها وهو
العدم، فإن العدم يطلبها كما يطلبها الوجود وهي محل قابل للحكمين ليس في قوّتها الامتناع
إلا بلطف اللطيف .
ثم إن الله تعالى لما أطلعها على هذا حصل لها من العلم بجلال الله أسماء تسبحه بها
وتحمده وتثني عليه بها لم تكن تعلم ذلك قبل هذا المشهد كما قال ◌َّر في المقام المحمود
يوم القيامة: ((فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لاَ أَعْلَمُهَا الآنَ)) يعطيه إياها ذلك المقام بالحصول فيه إلهاماً
يلهمه الله فيثني عليه بها، وهكذا كل منزلة ومرتبة في العالم دنيا وآخرة إلى ما لا يتناهى له ثناء
خاص في كل منزل منها، فإذا سبحه ورثه ذلك الثناء علماً آخر لم يكن عنده من علم الإذن
الإلهي الذي خلق الله منه بيد عيسى الطير ومنه نفخ عيسى فيه فكان طيراً، ومنه أبرأ الأكمه
والأبرص وأحيا الموتى، وهو علم شريف تحقق به أبو يزيد البسطامي وذو النون المصري،
فأما أبو يزيد فقتل نملة بغير قصد فلما علم بها نفخ فيها فقامت حية بإذن الله وأما ذو النون
فجاءته العجوز التي أخذ التمساح ولدها فذهب به في النيل فدعا بالتمساح فألقاه إليها من
جوفه حياً كما ألقى الحوتُ يونسَ، فإذا كشف له عن هذا العلم أثنى عليه سبحانه بما ينبغي له
من المحامد التي يطلبها هذا المقام؛ ومن هنا يكون له الاستشراف على من خرج عن هذا
المقام فيعلم حال الخارحين لأن هذا المنزل هو المنزل الجامع ولهذا سمي منزل القرآن، فإذا
نزل صاحب هذا المنزل من هذا المقام إلى الكون تعرض له العدو بأجناده وهو إبليس
المعادي له بالطبع ولا سيما للبنين فإنه منافر من جميع الوجوه بخلاف معاداته لآدم فإنه جمع
بينه وبين آدم اليبس فإن بين التراب والنار جامعاً، ولذلك الجامع صدقه لما أقسم له بالله أنه
الناصح وما صدقه الأبناء فإنه للأبناء ضد من جميع الوجوه وهو قوله في الأبناء أنه خلقهم من
ماء وهو منافر للنار، فكانت عداوة الأبناء أشد من عداوة الأب له، وجعل الله هذا العدوّ
محجوباً عن إدراك الأبصار، وجعل له علامات في القلب من طريق الشرع يعرفه بها تقوم له
مقام إدراك البصر فيتحفظ بتلك العلامات من إلقائه، وأعان الله هذا الإنسان عليه بالملك الذي
جعله مقابلاً له غيباً لغيب، فمهما لم يؤثر في ظاهر الإنسان وظهر عليه الملك بمساعدة النفس
كان أجران للنفس أجرها وأجر المعين وهو الملك لأن الملك لا يقبل الجزاء ولا يزيد مقامه
ولا ينقص، وإن أثر في ظاهر الإنسان فإن الملك يغتم لذلك ويستغفر لهذا الإنسان وهو أعني
الملك ليس بمحل لجزاء الغم فيعود ذلك الجزاء على الإنسان، فهو في الحالتين رابح في
الطاعة والمعصية، والإيمان يشد من الملك ولهذا يستغفر له الملك.
واعلم أن القرآن لما كان جامعاً تجاذبته جميع الحقائق الإلهية والكونية على السواء فلم
يكن فيه عوج ولا تحريف، فمنزلته الاعتدال، والاعتدال منزل حفظ بقاء الوجود على
الموجود ما هو منزل الإيجاد لأن الإيجاد لا يكون إلا عن انحراف وميل، ويسمى في حق
الحق توجهاً إرادياً وهو قوله: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [النحل: ٤٠]، ولما كان منزله الاعتدال كان له
الديمومة والبقاء، فله إبقاء التكوين وبقاء الكون، فلو نزل عن منزله لنزل من الاعتدال إلى

١٣٧
في المنازل/ الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية
الانحراف وهو قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الرعد: ٣١] وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا
الْقُرْءَانَ﴾ يعني عن منزله ﴿عَلَى جَبَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ [الحشر: ٢١] يعني الجبل فلم
يحفظ عليه صورته لأنه نزل عن منزله ولما كان هذا منزله وتجاذبته الحقائق على سواء كان من
به أنزل عليه رحمة للعالمين لأن الرحمة وسعت كل شيء فطلبها كل شيء طلباً ذاتياً لما دعا
رسول الله ربّيّ في القنوت على من دعا عليه عوتب في ذلك فقيل له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ
لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أي لترحمهم لأنك صاحب القرآن والقرآن ينطق بأني ما أرسلتك إلا
رحمة وأنه ينطق بأن رحمتي وسعت كل شيء فهي بين منة ووجوب، فمن عبادي من تسعهم
بحكم الوجوب، ومنهم من تسعهم بحكم المنة والأصل المنة والفضل والإنعام الإلهيّ إذ لم
يكن الكون فيكون له استحقاق، فما كان ظهوره إلا من عين المئة، وكذلك الأمر الذي به
استحق الرحمة كان من عين المنة، فإذا نزل القرآن عن منزله فإنه كلامه، وكلامه على نسبة
واحدة لما يقبله الكلام من التقسيم فإنه ينزله، وفيه حقيقة الاعتدال في النسب، وهو جديد
عند كل تال أبداً، فلا يقبل نزوله إلاّ مناسباً له في الاعتدال فهو معرى عن الهوى، ولهذا قيل
في محمد رَّ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ﴾ [النجم: ٣] ونهي غيره من الرسل والخلفاء أن يتبع
الهوى، فلم ينزل في المرتبة منزلة من أخبر عنه أنه لا ينطق عن الهوى، وما كل تال يحس
بنزوله لشغل روحه بطبيعته فينزل عليه من خلف حجاب الطبع فلا يؤثر فيه التذاذاً وهو
قوله {وَّر في حق قوم من التالين: ((إِنَّهُمْ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَتَاجِرَهُمْ)) فهذا قرآن منزل
على الألسنة لا على الأفئدة، وقال في الذوق نزل به الروح الأمين على قلبك فذلك هو الذي
يجد لنزوله عليه حلاوة ولا يقدر قدرها تفوق كل لذة، فإذا وجدها فذلك الذي نزل عليه
القرآن الجديد الذي لا يبلى، والفارق بين النزولين أن الذي ينزل القرآن على قلبه ينزل بالفهم
فيعرف ما يقرأ وإن كان بغير لسانه، ويعرف معاني ما يقرأ وإن كانت تلك الألفاظ لا يعرف
معانيها في غير القرآن لأنها ليست بلغته ويعرفها في تلاوته إذا كان ممن ينزل القرآن على قلبه
عند التلاوة، وإذا كان مقام القرآن ومنزله ما ذكرناه وجد كل موجود فيه ما يريد، ولذلك كان
يقول الشيخ أبو مدين: لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد، وكل كلام لا
يكون له هذا العموم فليس بقرآن.
ولما كان نزوله على القلب وهو صفة إلهية لا تفارق موصوفها لم يتمكن أن ينزل به غير
من هو كلامه، فذكر الحق أنه وسعه قلب عبده المؤمن، فنزول القرآن في قلب الؤمن هو
نزول الحق فيه، فيكلم الحق هذا العبد من سرّه في سرّه وهو قولهم: حدّثني قلبي عن ربي
من غير واسطة، فالتالي إنما سمي تالياً لتتابع الكلام بعضه بعضاً، وتتابعه يقضي عليه بحرفي
الغاية وهما ((من)) و ((إلى)) فينزل من كذا إلى كذا، ولما كان القلب من العالم الأعلى وكان
اللسان من العالم الأنزل وكان الحق منزله قلب العبد وهو المتكلم وهو في القلب واحد العين
والحروف من عالم اللسان ففصل اللسان الآيات وتلا بعضها بعضاً فيسمى الإنسان تالياً من
حيث لسانه فإنه المفصل لما أنزل مجملاً، والقرآن من الكتب والصحف المنزلة بمنزلة

١٣٨
في المنازل/ الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية
الإنسان من العالم فإنه مجموع الكتب والإنسان مجموع العالم فهما أخوان، وأعني بذلك
الإنسان الكامل، وليس ذلك إلا من أنزل عليه القرآن من جميع جهاته ونسبه وما سواه من
ورثته إنما أنزل عليه من بين كتفيه فاستقرّ في صدره عن ظهر غيب وهي الوراثة الكاملة. حكي
عن أبي يزيد أنه ما مات حتى استظهر القرآن. وقال رسول الله وَّر في الذي أوتي القرآن: ((إنَّ
الُّوَّةَ أَدْرِجَتْ بَيْنَ جَنْبَيْهِ)) وهذا الفرق بين الأنبياء والأولياء الأتباع؛ لكن من أدرجت النبوّة بين
جنبيه وجاءه القرآن عن ظهر غيب أعطي الرؤية من خلفه كما أعطيها من أمامه إذ كان القرآن لا
ينزل إلا مواجهة فهو للنبيّ ◌َّ ر من وجهين: وجه معتاد ووجه غير معتاد، وهو للوارث من
وجه غير معتاد، فسمي ظهراً بحكم الأصل وهو وجه بحكم الفرع، ولما ذقنا ذلك لم نر
لأنفسنا تمييز جهة من غيرها وجاءنا بغتة فما عرفنا الأمر كيف هو إلا بعد ذلك، فمن وقف مع
القرآن من حيث هو قرآن كان ذا عين واحدة أحدية الجمع، ومن وقف معه من حيث ما هو
مجموع كان في حقه فرقاناً فشاهد الظهر والبطن والحدّ والمطلع، فقال: ((لكلّ آية ظَهْرٌ وبطنٌ
وحدّ ومَطْلَعْ)) وذلك الآخر لا يقول بهذا والذوق مختلف. ولما ذقنا هذا الأمر الآخر كان
التنزل فرقانياً فقلنا: هذا حلال وهذا حرام وهذا مباح، وتنوّعت المشارب، واختلفت
المذاهب، وتميزت المراتب، وظهرت الأسماء الإلهية والآثار الكونية، وكثرت الأسماء
والآلهة في العالم، فعبدت الملائكة والكواكب والطبيعة والأركان والحيوانات والنبات
والأحجار والأناسي والجن، حتى إنّ الواحد لما جاء بالوحدانية قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّاً
إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وفي الحقيقة ليس العجب ممن وحَّد، إنما العجب ممن كثر بلا
دليل ولا برهان، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَآخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]
وهذه رحمة من الله بمن لاحت له شبهة في إثبات الكثرة فاعتقد أنها برهان بأن الله يتجاوز
عنه، فإنه بذل وسعه في النظر وما أعطته قوّته غير ذلك، فليس للمشركين عن نظر أرجى في
عفو الله من هذه الآية، وقد قلنا: إنه ما في العالم أثر إلا وهو مستند إلى حقيقة إلهية فمن أين
تعددت الآلهة وعبدت من الحقائق الإلهية؟ فاعلم أن ذلك من الأسماء، فإن الله لما وسع فيها
فقال: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١] وقال: ﴿أَسْجُدُواْ
لِلَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٠] وقال: ﴿اَدْعُوْ اللَّهَ أَوِ آدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ﴾ يعني الله أو الرحمن ﴿فَلَهُ
اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] فزاد الأمر عندهم إبهاماً أكثر مما كان، فإنه لم يقل ادعوا الله
أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فالعين واحدة وهذان اسمان لها، هذا هو النص الذي يرفع
الإشكال، فما أبقى الله هذا الإشكال إلا رحمة بالمشركين أصحاب النظر الذي أشركوا عن
شبهة وبقي الوعيد في حق المقلدين حيث أهلهم الله للنظر، وما نظروا ولا فكروا ولا اعتبروا
فإنه ما هو علم تقليد، فالمخطىء مع النظر أولى وأعلى من الإصابة والمصيب مع التقليد إلا
في ذات الحق، فإنه لا ينبغي أن يتصرّف مخلوق فيها بحكم النظر الفكري، وإنما هو مع
الخبر الإلهيّ فيما يخبر به عن نفسه لا يقاس عليه ولا يزيد ولا ينقص ولا يتأوّل ولا يقصد
بذلك القول وجهاً معيناً، بل يعقل المعنى ويجهل النسبة ويرد العلم بالنسبة إلى علم الله فيها،

١٣٩
في المنازل / الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية
فمن نظر الأمر بمثل هذا النظر فقد أقام العذر لصاحبه وكان رحمة للعالمين .
ثم اعلم أن الله أنزل الكتاب فرقاناً في ليلة القدر ليلة النصف من شعبان، وأنزله قرآناً في
شهر رمضان كل ذلك إلى السماء الدنيا ومن هناك نزل في ثلاث وعشرين سنة فرقاناً نجوماً ذا
آيات وسور لتعلم المنازل وتتبين المراتب، فمن نزوله إلى الأرض في شهر شعبان يتلى
فرقاناً، ومن نزوله في شهر رمضان يتلى قرآناً، فمنا من يتلوه به فذلك القرآن، ومنا من يتلوه
بنفسه فذلك الفرقان، ولا يصح أن يتلى بهما في عين واحدة ولا حال واحدة، فإذا كنت عنده
كنت عندك، وإذا كنت عندك لم تكن عنده، لأن كل شيء عنده بمقدار، وهو ليس كذلك،
بل هو مع كل شيء، وعند من يذكره بالذكر لا غير فإنه جليس الذاكرين .
فصل: اعلم أن الله أنزل هذا القرآن حروفاً منظومة من اثنين إلى خمسة أحرف متصلة
ومفردة وجعله كلمات وآيات وسوراً ونوراً وهدى وضياء وشفاء ورحمة وذكراً وعربياً ومبيناً
وحقاً وكتاباً ومحكماً ومتشابهاً ومفصلاً، ولكل اسم ونعت من هذه الأسماء معنى ليس للآخر
وكله كلام الله، ولما كان جامعاً لهذه الحقائق وأمثالها استحق اسم القرآن، فلنذكر مراتب
بعض نعوته ليعلم أهل الله منزلته .
وصل: فمن ذلك كونه حروفاً، والمفهوم من هذا الاسم أمران الأمر الواحد المسمى
قولاً وكلاماً ولفظاً والأمر الآخر يسمى كتابة ورقماً وخطاً، والقرآن يخط فله حروف الرقم،
وينطق به فله حروف اللفظ، فلماذا يرجع كونه حروفاً منطوقاً بها؟ هل لكلام الله الذي هو
صفته؟ أو هل للمترجم عنه؟ فاعلم أن الله قد أخبرنا نبيه مية أنه سبحانه يتجلى في القيامة في
صور مختلفة فيعرف وينكر، ومن كانت حقيقته تقبل التجلي في الصور فلا يبعد أن يكون
الكلام بالحروف المتلفظ بها المسماة كلام الله لبعض تلك الصور كما يليق بجلاله، فكما
نقول: تجلى في صورة كما يليق بجلاله، كذلك نقول: تكلم بصوت وحرف كما يليق
بجلاله، ونحملها محمل الفرح والضحك والعين والقدم واليد واليمين وغير ذلك مما ورد في
الكتاب والسنة مما يجب الإيمان به على المعنى المعقول من غير كيفية ولا تشبيه فإنه يقول :
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فنفى أن يماثل مع عقل المعنى وجهل النسبة، فإذا
انتظمت الحروف سميت كلمة، وإذا انتظمت الكلمات سميت آية، وإذا انتظمت الآيات
سميت سورة، فلما وصف نفسه بأن له نفساً كما يليق بجلاله ووصف نفسه بالصوت والقول
وقال: ﴿فَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] كان النفس المسمى صوتاً وكان انقطاعه من
الصوت حيث انقطع يسمى حرفاً، وكل ذلك معقول مما وقع الإخبار الإلهيّ به لنا مع نفي
المماثلة والتشبيه كسائر الصفات ولما وصف نفسه بالصورة عرفنا معنى قوله أنه: الظاهر
والباطن ؛ فالباطن للظاهرغيب، والظاهر للباطن شهادة، ووصف نفسه بأن له نفساً فهو
خروجه من الغيب، وظهور الحروف شهادة، والحروف ظروف للمعاني التي هي أرواحها
والتي وضعت للدلالة عليها بحكم التواطؤ وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ
فَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وأبلغ من هذا الإفصاح من الله لعباده ما يكون، فلا بد أن

١٤٠ في المنازل/ الباب الخامس والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل القرآن من الحضرة المحمدية
يفهم من هذه العبارات ما تدل عليه في ذلك اللسان بما وقع الإخبار به عن الكون، فيعرف
المعنى الذي يدل عليه ذلك الكلام وتعرف النسبة وما وقع الإخبار به عن الله يعرف المعنى
الذي يدل عليه ذلك الكلام، وتجهل النسبة لما أعطى الدليل العقلي والدليل الشرعي من نفي
المماثلة .
فإذا تحققت ما قرّرناه تبينت أن كلام الله هو هذا المتلو المسموع المتلفظ به المسمى
قرآناً وتوراة وزبوراً وإنجيلاً، فحروفه تعين مراتب كلمه من حيث مفرداتها، ثم للكلمة من
حيث جمعيتها معنى ليس لآحاد حروف الكلمة، فالكلمة أثر في نفس السامع، لهذا سميت
في اللسان العربي مشتقة من الكلم وهو الجرح وهو أثر في جسم المكلوم، كذلك للكلمة أثر
في نفس السامع أعطاه ذلك الأثر استعداد السمع لقبول الكلام بوساطة الفهم لا بد من ذلك،
فإذا انتظمت كلمتان فصاعداً سمي المجموع آية أي علامة على أمر لم يعط ذلك الأمر كل
كلمة على انفرادها مثل الحروف مع الكلمة، إذ قد تقرّر أن للمجموع حكماً لا يكون لمفردات
ذلك المجموع، فإذا انتظمت الآيات بالغاً ما أراد المتكلم أن يبلغ بها سمي المجموع سورة
معناها منزلة ظهرت عن مجموع هذه الآيات لم تكن الآيات تعطي تلك المنزلة على انفراد كل
آية منها، وليس القرآن سوى ما ذكرناه من سور وآيات وكلمات وحروف، فهذا قد أعطيتك
أمراً كلياً في القرآن والمنازل تختلف فتختلف الآيات فتختلف الكلمات فيختلف نظم
الحروف، والقرآن كبير كثير لو ذهبنا نبين على التفصيل ما أومأنا إليه لم يف العمر به،
فوكلناك إلى نفسك لاستخراج ما فيه من الكنوز، وهذا إذا جعلناه كلاماً، فإن أنزلناه كتاباً فهو
نظم حروف رقمية لانتظام كلمات لانتظام آيات لانتظام سور كل ذلك عن يمين كاتبة كما كان
القول عن نفس رحماني فصار الأمر على مقدار واحد وإن اختلفت الأحوال، لأن حال التلفظ
ليس حال الكتابة، وصفة اليد ليست صفة النفس، فكونه كتاباً كصورة الظاهر والشهادة،
وكونه كلاماً كصورة الباطن والغيب، فأنت بين كثيف ولطيف، والحروف على كل وجه كثيف
بالنسبة إلى ما يحمله من الدلالة على المعنى الموضوع له، والمعنى قد يكون لطيفاً وقد يكون
كثيفاً، لكن الدلالة لطيفة على كل وجه وهي التي يحملها الحرف وهي روحه والروح ألطف
من الصورة .
ثم إن الله قد جعل للقرآن سورة من سوره قلباً وجعل هذه السورة تعدل القرآن عشرة
أوزان وجعل لآيات القرآن آية أعطاها السيادة على آي القرآن، وجعل من سور هذا القرآن
سورة تزن ثلثه ونصفه وربعه وذلك لما أعطته منزلة تلك السورة والكل كلامه، فمن حيث هو
كلامه لا تفاضل، ومن حيث ما هو متكلم به وقع التفاضل لاختلاف النظم، فاضرع إلى الله
تعالى ليفهمك ما أومأنا إليه فإنه المنعم المحسان .
وصل: كون القرآن نوراً بما فيه من الآيات التي تطرد الشبه المضلة مثل قوله تعالى :
﴿لَوْ كَنَ فِهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقوله: ﴿لَّ أُحِبُّ الْآَخِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]
وقوله: ﴿فَتْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: