Indexed OCR Text
Pages 101-120
في المنازل / الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية ١٠١ نفسه، فهذا يدلك أن قوله تعالى: ﴿ِمَّا أَرَكَ اللَّهُ﴾ أنه ما يوحي به إليه لا ما يراه في رأيه، فلو كان الدين بالرأي لكان رأي النبي ول# أولى من رأي كل ذي رأي فإذا كان هذا حال النبي وعقله فيما أرته نفسه فكيف رأي من ليس بمعصوم ومن الخطأ أقرب إليه من الإصابة؟ فدل أن الاجتهاد الذي ذكره رسول الله مّله إنما هو طلب الدليل على تعيين الحكم في المسألة الواقعة لا في تشريع حكم في النازلة، فإن ذلك شرع لم يأذن به الله ولقد أخبرني القاضي عبد الوهاب الأزدي الإسكندري بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال: رأيت رجلاً من الصالحين بعد موته في المنام فسألته ما رأيت، فذكر أشياء منها قال: ولقد أريت كتباً موضوعة وكتباً مرفوعة فسألت ما هذه الكتب المرفوعة؟ فقيل لي: هذه كتب الحديث، فقلت: وما هذه الكتب الموضوعة؟ فقيل لي: هذه كتب الرأي حتى يسأل عنها أصحابها فرأيت الأمر فيه شدة. اعلم وفقك الله أن الشريعة هي المحجة البيضاء محجة السعداء وطريق السعادة من مشى عليها نجا ومن تركها هلك، قال رسول الله 8َ# لما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] خط رسول الله وَّر في الأرض خطاً وخط خطوطاً عن جانبي الخط يميناً وشمالاً ثم وضع أصبعه على الخط وقال تالياً: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وأشار إلى تلك الخطوط التي خطها عن يمين الخط ويساره ﴿فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ [الأنعام: ١٥٣] وأشار إلى الخط المستقيم. ولقد أخبرني بمدينة سلا مدينة بالمغرب على شاطىء البحر المحيط يقال لها منقطع التراب ليس وراءها أرض رجل من الصالحين الأكابر من عامة الناس قال: رأيت في النوم محجة بيضاء مستوية عليها نور سهلة ورأيت عن يمين تلك المحجة وشمالها خنادق وشعاباً وأودية كلها شوك لا تنسلك لضيقها وتوعر مسالكها وكثرة شوكها والظلمة التي فيها ورأيت جميع الناس يخبطون فيها عشواً ويتركون المحجة البيضاء السهلة، وعلى المحجة رسول اللّه مَّ ونفر قليل معه يسير وهو ينظر إلى من خلفه وإذا في الجماعة متأخر عنها لكنه عليها الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن قرقور المحدث كان سيداً فاضلاً في الحديث اجتمعت بابنه فكان يفهم عن النبي مَّ أنه يقول له: ناد في الناس بالرجوع إلى الطريق فكان ابن قرقور يرفع صوته ويقول في ندائه ولا من داع ولا من مستدع: هلموا إلى الطريق هلموا قال فلا يجيبه أحد ولا يرجع إلى الطريق أحد . واعلم أنه لما غلبت الأهواء على النفوس وطلبت العلماء المراتب عند الملوك تركوا المحجة البيضاء وجنحوا إلى التأويلات البعيدة ليمشوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ويفتي به، وقد رأينا منهم جماعة على هذا من قضاتهم وفقهائهم، ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام فنادى بمملوك وقال : جئني بالحرمدان فقلت له: ما شأن الحرمدان؟ قال أنت تنكر علي ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكرات والظلم وأنا والله أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من أن ذلك كله منكر ١٠٢ في المنازل/ الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية ولكن والله يا سيدي ما منه منكر إلا بفتوى فقيه وخط يده عندي بجواز ذلك فعليهم لعنة الله . ولقد أفتاني فقيه هو فلان وعين لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشف بأنه لا يجب علي صوم شهر رمضان هذا بعينه بل الواجب علي شهر في السنة والاختيار لي فيه أي شهر شئت من شهور السنة، قال السلطان: فلعنته في باطني ولم أظهر له ذلك وهو فلان وسماه ولي رحم الله جميعهم فلتعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال وجعل له سلطاناً فيها، فإذا رأى الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنه يردي عند الله زين له سوء عمله بتأويل غريب يمهد له فيه وجهاً يحسنه في نظره ويقول له: إن الصدر الأوّل قد دانوا الله بالرأي، وقاس العلماء في الأحكام واسنبطوا العلل للأشياء وطردوها وحكموا في المسكوت عنه بما حكموها به في المنصوص عليه للعلة الجامعة بينهما والعلة من استنباطه، فإذا مهد له هذه السبيل جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعي في زعمه، فلا يزال هكذا فعله في كل ما له أو لسلطانه فيه هوى نفس، ويرد الأحاديث النبوية ويقول: لو أن هذا الحديث يكون صحيحاً، وإن كان صحيحاً يقول: لو لم يكن له خبر آخر يعارضه وهو ناسخ له لقال به الشافعي إن كان هذا الفقيه شافعياً، أو لقال به أبو حنيفة إن كان الرجل حنفياً، وهكذا أقوال أتباع هؤلاء الأئمة كلهم ويرون أن الحديث والأخذ به مضلة، وأن الواجب تقليد هؤلاء الأئمة وأمثالهم فيما حكموا به وإن عارضت أقوالهم الأخبار النبوية فالأولى الرجوع إلى أقاويلهم وترك الأخذ بالأخبار والكتاب والسنة فإذا قلت لهم: قد روينا عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: إذا أتاكم الحديث يعارض قولي فاضربوا بقولي الحائط وخذوا بالحديث فإن مذهبي الحديث وقد روينا عن أبي حنيفة أنه قال لأصحابه: حرام على كل من أفتى بكلامي ما لم يعرف دليلي، وما روينا شيئاً من هذا عن أبي حنيفة إلا من طريق الحنفيين، ولا عن الشافعي إلا من طريق الشافعية، وكذلك المالكية والحنابلة، فإذا ضايقتهم في مجال الكلام هربوا وسكتوا، وقد جرى لنا هذا معهم مراراً بالمغرب وبالمشرق، فما منهم أحد على مذهب من يزعم أنه على مذهبه فقد انتسخت الشريعة بالأهواء. وإن كانت الأخبار موجودة مسطرة في الكتب الصحاح وكتب التواريخ بالتجريح والتعديل موجود والأسانيد محفوظة مصونة من التغيير والتبديل، ولكن إذا ترك العمل بها واشتغل الناس بالرأي ودانوا أنفسهم بفتاوى المتقدمين مع معارضة الأخبار الصحاح لها فلا فرق بين عدمها ووجودها إذ لم يبق لها حكم عندهم وأي نسخ أعظم من هذا؟ وإذا قلت لأحدهم في ذلك شيئاً يقول لك: هذا هو المذهب وهو والله كاذب، فإن صاحب المذهب قال له إذا عارض الخبر كلامي فخذ بالحديث واترك كلامي في الحش فإن مذهبي الحديث، فلو أنصف لكان على مذهب الشافعي من ترك كلام الشافعي للحديث المعارض فالله يأخذ بيد الجميع . وبعد أن تبين ما قررناه فاعلم أن الإنسان إذا زهد في غرضه ورغب عن نفسه وآثر ربه أقام له الحق عوضاً من صورة نفسه صورة هداية إلهية حقاً من عند حق حتى يرفل في غلائل النور وهي شريعة نبيه ورسالة رسوله، فيلقى إليه من ربه ما يكون فيه سعادته، فمن الناس من في المنازل/ الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية ١٠٣ يراها على صورة نبيه، ومنهم من يراها على صورة حاله، فإذا تجلت له في صورة نبيّه فليكن عين فهمه فيما تلقي إليه تلك الصورة لا غير، فإن الشيطان لا يتمثل على صورة نبيّ أصلاً، فتلك حقيقة ذلك النبيّ وروحه أو صورة ملك مثله عالم من الله بشريعته فما قال له فهو ذاك، ونحن قد أخذنا عن مثل هذه الصورة أموراً كثيرة من الأحكام الشرعية لم نكن نعرفها من جهة العلماء ولا من الكتب، فلما عرضت ما خاطبتني به تلك الصورة من الأحكام الشرعية على بعض علماء بلادنا ممن جمع بين الحديث والمذاهب فأخبرني بجميع ما أخبرته به أنه روي في الصحيح عن النبيّ وََّ ما غادر حرفاً واحداً وكان يتعجب من ذلك حتى أنه من جملة ذلك رفع اليدين في الصلاة في كل خفض ورفع ولا يقول بذلك أهل بلادنا جملة واحدة وليس عندنا من يفعل ذلك ولا رأيته، فلما عرضته على محمد بن علي بن الحاج وكان من المحدثين روى لي فيه حديثاً صحيحاً عن رسول الله وَلير ذكره مسلم ووقفت عليه بعد ذلك في صحيح مسلم لما طالعت الأخبار ورأيت بعد ذلك أن فيه رواية عن مالك بن أنس رواها ابن وهب، وذكر أبو عيسى الترمذي هذا الحديث وقال: وبه يقول مالك والشافعي، وكذا اتفق لي في الأخذ من صورة نبيّي ◌َّ# ما يعرض عليّ من الأحكام المشروعة التي لم يكن لنا علم بها، وأما إذا ظهرت له على غير صورة رسوله فتلك الصورة راجعة إلى حاله لا بد من ذلك، أو إلى منزلة الشرع في ذلك الوقت في ذلك الموضع الذي رآه فيه مثل الرؤيا سواء إلا أن هذا الإنسان يراها في اليقظة والعامة ترى ذلك في النوم، فلا يأخذ عن تلك الصورة إذا تجلت بهذه المثابة شيئاً من الأحكام المشروعة، وكل ما أتى به من العلوم والأسرار مما عدا التحليل والتحريم فلا تحجير عليه فيما يأخذه منها لا في العقائد ولا في غيرها، فإن الحضرة الإلهية تقبل جميع العقائد إلا الشرك فإنها لا تقبله، فإن الشريك عدم محض والوجود المطلق لا يقبل العدم، والشريك لا شك أنه خارج عن شريكه بخلاف ما يعتقد فيه مما يتصف به الموصوف في نفسه فلهذا قلنا: لا يقبل الشريك لأنه ما ثم شريك حتى يقبل، وإن كان قد جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا مَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] فافهم هذه الإشارة فإن الشبهة تأتي في صورة البرهان، فهذا ذم للمقلدة لا لأصحاب النظر وإن أخطؤوا. ثم اعلم أن الغرض هو عين الإرادة إلا أنه إرادة للنفس بها تعشق وهوى فثبتت فسميت غرضاً إذ كان الغرض هو الإشارة التي تنصبها الرماة للمناضلة، ولما كانت السهام من الرماة تقصدها وهي ثابتة لا تزول سميت الإرادة التي بهذه المثابة غرضاً لثبوتها في نفس من قامت به لتعشقه بذلك الأمر، ولا يبالي من سهام أقوال الناس فيه لذلك وسواء كان ذلك الغرض محموداً أو مذموماً، لكنهم اصطلحوا على أنه إذا قيل فيه غرض نفسيّ ونسبوه إلى النفس أن يكون مذموماً، وإذا عري عن هذه النسبة قد يكون محموداً وقد يكون مذموماً ولهذا وصف الحق بأن له إرادة ولم يتصف بأن له غرضاً، لأن الغرض الغالب عليه تعلق الذم به وهو عرض يعرض للنفس فأعجم القضاء والقدر عينه فسمي غرضاً لما ذكرناه لما يقوم بصاحبه من الدجاج في إمضائه وهو عين العلة التي لأجلها كان وقوع ذلك الفعل أو تركه إن كان الغرض تركه، والعلة ١٠٤ في المنازل/ الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية مرض والأغراض أمراض النفوس وإنما قلنا بأنه أمر يعرض للنفس لأن النفس إنما خلق لها الإرادة لتريد بها ما أراد الله أن تأتيه من الأمور أو تتركه على ما حد لها الشارع، فالأصل هو ما ذكرناه، فلما عرض لهذه الإرادة تعشق نفسيّ بهذا الأمر ولم تبال من حكم الشرع فيه بالفعل أو الترك حتى لو صادف الأمر الشرعيّ بإمضائه لم يكن بالقصد منه، وإنما وقع له بالاتفاق كون الشارع أمره به ففعله صاحب هذه الصفة لغرضه لا لحكم الشارع، فلهذا لم يحمده الله على فعله، إلا إن سأل قبل إمضاء الغرض هل للشرع في إمضائه حكم يحمد؟ فيفتيه المفتي بأن الشارع قد حكم فيه بالإباحة أو بالندب أو بالوجوب فيمضيه عند ذلك فيكون حكماً شرعياً وافق هوى نفس فيكون مأجوراً عليه والأوّل ليس كذلك، فإن الأوّل هوى نفس وغرض وافق حكم شرع محمود فلم يمضه للشرع على طريق القربة فخسر، فانظر يا وليّ في أغراضك النفسية إذا عرضت لك ما حكمها في الشرع؟ فإذا حكم عليك الشرع بالفعل فافعله أو بالترك فاتركه، فإن غلب عليك بعد السؤال ومعرفتك بحكم الشرع فيه بالترك ولم تتركه واعتقدت أنك مخطىء في ذلك فأنت مأجور من وجه من بحثك وسؤالك عن حكم الشرع فيه قبل إمضائه، ومن اعتقادك أوّلاً في الشرع حتى سألت عن حكمه في ذلك الأمر، ومن اعتقادك بعد العلم بأنه حرام يجب تركه، ومن استنادك إلى أن الله غفور رحيم يعفو ويصفح بطريق حسن الظن بالله، ومن كونك لم تقصد انتهاك حرمة الله، ومن كونك معتقداً لسابق القضاء والقدر فيك بإمضاء هذا الأمر كمسألة موسى مع آدم عليهما السلام، فهذه وجوه كثيرة أنت مأجور من جهتها في عين معصيتك، وأنت مأثوم فيها من وجه واحد وهو عين إمضاء ذلك الأمر الذي هو هوى نفسك، وإن زاد إلى تلك الوجوه أنك يسوؤك ذلك الأمر كما قال رسول الله وَلّ: ((المُؤْمِنُ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيْئَتُهُ فَبَخْ عَلَى بَخ)) وهذا كله إنما جعله الله للمؤمن إرغاماً للشيطان الذي يزين للإنسان سوء عمله، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء، فوعد الله بالمغفرة وهي الستر الذي يجعله الله بين المؤمن العاصي وبين الكفر يرديه عند وقوع المعصية فيعتقد أنها معصية ولا يبيح ما حرم الله وذلك من بركة ذلك الستر، ثم ثم مغفرة أخرى وهو ستر خلف سترين، ستر عليه في الدنيا لم يمض فيه حد الله المشروع في تلك المعصية وإن ستر عليه في الآخرة لم يعاقبه عليها، فالستر الأول محقق في الوقت قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨] فهذه المغفرة لأمره بالفحشاء، والفضل لما وعد به الشيطان من الفقر في قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ﴾ [البقرة: ٢٦٨] فأراح الله المؤمن حيث ناب عنه الحق سبحانه في مدافعة ما أراد الشيطان إمضاءه في المؤمن، فدفع الله عن عبده المؤمن وعداً إلهياً دفع به وعداً شيطانياً، والله لا يقاوم ولا يغالب، فالمغفرة متحققة والفضل متحقق، وباء الشيطان بالخسران المبين، ولهذه الحقيقة أمرنا الله أن نتخذه وكيلاً في أمورنا، فيكون الحق هو الذي يتولى بنفسه دفع مضار هذه الأمور عن المؤمنين، وما غرض الشيطان المعصية لعينها وإنما غرضه أن يعتاد العبد طاعة الشيطان فيستدرجه حتى يأمره بالشرك الذي فيه شقاوة الأبد، وذلك لا يكون إلا برفع الستر الاعتصاميّ الحائل بين العبد والشرك، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل . ١٠٥ في المنازل/ الباب التاسع عشر وثلاثمائة في معرفة تنزل سراح النفس الباب التاسع عشر وثلاثمائة في معرفة تنزل سراح النفس عن قيد وجه مّا من وجوه الشريعة بوجه آخر منها وأن ترك السبب الجالب للرزق من طريق التوكل سبب جالب للرزق وأن المتصف به ما خرج عن رق الأسباب ومن جلس مع الله من كونه رزقاً فهو معلول [البسيط] لله بين السَّمَا والأرض تَنْزِيلُ يَنْحَطُ مِنْ صُوَرٍ فِي طَيِّهَا صُوَرٌ وصُورَةُ الحقّ فيه أنْ يكونَ على الهُو يصاحب مجَلَّى الحَقِّ في صُوَرٍ هذا مقامُ ابْنِ عَبَّاسٍ وحالتنا فلا تَغُرَّنْكَ حَالٌ لسَتَ تعرفُها وقُلْ بها والتَزِمْهَا إِنَّها سَنَدٌ تقضي به صُحُفٌ مُخْلَى مُطَهَّرَةٌ فاشْهدْ هُدِيتَ عُلُوماً عَزّ مُدْرَكُها يحارُ عَقْلُكَ فيها أن يُكَيِّفَهَا فالحسُّ أفضلُ ما تُغْطَاهُ مِنْ مِنَجٍ مِنْ أمْرِه فيه تَبْدِيلٌ وتَحْوِيلُ يَمْحُو بها صُوَراً لهنّ تَمْثِيلُ ما الحقُّ فيه وإنْ لم فَهْوَ تَضْلِيلٌ وهو الصحيح الّذي ما فيه تَعْليلُ وقد أَتَى فيه قرآنٌ وتَنْزِيلُ فإنَّها لك تَسْبِيحٌ وَتَهْليلُ أقْوَى يؤيِّدُه شَرْعٌ ومَعْقُولُ منها زَبُورٌ وتوراةٌ وإنجيلُ على العُقُولِ فوَجْهُ الحقّ مَقْبُولُ فإنه تحت قَهْر الحِسِّ مَغْلُولُ وصاحبُ الفِكْرِ مَنْصُورٌ ومَخْذُولٌ اعلم وفقك الله أيها الوليّ الحميم تولاك الله برحمته وفتح عين فهمك أنه من كانت حقيقته أن يكون مقيداً لا يصح أن يكون مطلقاً بوجه من الوجوه ما دامت عينه فإن التقييد صفة نفسية له، ومن كانت حقيقته أن يكون مطلقاً فلا يقبل التقييد جملة واحدة، فإنه صفته النفسية أن يكون مطلقاً، لكن ليس في قوّة المقيد أن يقبل الإطلاق لأن صفته العجز، وأن يستصحبه الحفظ الإلهيّ لبقاء عينه فالافتقار يلزمه، وللمطلق أن يقيد نفسه إن شاء، وأن لا يقيدها إن شاء فإن ذلك من صفة كونه مطلقاً إطلاق مشيئة، ومن هنا أوجب الحق على نفسه ودخل تحت العهد لعبده فقال في الوجوب: ﴿قُل لِلََّّ كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] أي أوجب فهو الموجب على نفسه ما أوجب غيره عليه ذلك فيكون مقيداً بغيره، فقيد نفسه لعبيده رحمة بهم ولطفاً خفياً وقال في العهد: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فكلفهم وكلف نفسه لما قام الدليل عندهم بصدقه في قيله ذكر لهم ذلك تأنيساً لهم سبحانه وتعالى، ولكن هذا كله أعني دخوله في التقييد لعباده من كونه إلهاً لا من كونه ذاتاً، فإن الذات غنية عن العالمين والملك ما هو غنيّ عن الملك إذ لو لا الملك ما صح اسم الملك، فالمرتبة أعطت التقييد لا ذات الحق جل وتعالى، فالمخلوق كما يطلب الخالق من كونه مخلوقاً، كذا الخالق يطلب المخلوق من كونه خالقاً ألا ترى العالم لما كان له العدم من نفسه لم يطلب الخالق ولا المعدم فإن العدم له من ذاته، وإنما طلب الخالق من كون مخلوقاً، فمن هنا قيد نفسه تعالى ١٠٦ في المنازل/ الباب التاسع عشر وثلاثمائة في معرفة تنزل سراح النفس بما أوجب على نفسه من الوفاء بالعهد ولما كان المخلوق بهذه المثابة لذلك تعشق بالأسباب ولم يتمكن له إلا الميل إليها طبعاً فإنه موجود عن سبب وهو الله تعالى، ولهذا أيضاً وضع الحق الأسباب في العالم لأنه سبحانه علم أنه لا يصح اسم الخالق وجوداً وتقديراً إلا بالمخلوق وجوداً وتقديراً، وكذلك كل اسم إلهيّ يطلب الكون مثل الغفور والمالك والشكور والرحيم وغير ذلك من الأسماء، فمن هنا وضع الأسباب وظهر العالم مربوطاً بعضه ببعضه، فلم تنبت سنبلة إلا عن زارع وأرض ومطر وأمر بالاستسقاء إذا عدم المطر تثبيتاً منه في قلوب عباده لوجود الأسباب، ولهذا لم يكلف عباده قط الخروج عن السبب فإنه لا تقتضيه حقيقته، وإنما عين له سبباً دون سبب فقال له: أنا سببك فعليّ فاعتمد وتوكل كما ورد: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَُّواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] فالرجل من أثبت الأسباب، فإنه لو نفاها ما عرف الله ولا عرف نفسه، وقال وَّ: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) ولم يقل عرف ذات ربه، فإن ذات الرب لها الغنى على الإطلاق، وأتى للمقيد بمعرفة المطلق، والرب يطلب المربوب بلا شك ففيه رائحة التقييد فبهذا عرف المخلوق ربه، ولذلك أمره أن يعلم أنه لا إله إلا هو من كونه إلهاً لأن الإله يطلب المألوه وذات الحق غنية عن الإضافة فلا تتقيد. فإثبات الأسباب أدل دليل على معرفة المثبت لها بربه، ومن رفعها رفع ما لا يصح رفعه، وإنما ينبغي له أن يقف مع السبب الأوّل وهو الذي خلق هذه الأسباب ونصبها، ومن لا علم له بما أشرنا إليه لا يعلم كيف يسلك الطريق إلى معرفة ربه بالأدب الإلهي، فإن رافع الأسباب سيىء الأدب مع الله، ومن عزل من ولاه الله فقد أساء الأدب وكذب في عزل ذلك الوالي، فانظر ما أجهل من كفر بالأسباب وقال بتركها، ومن ترك ما قرّره الحق فهو منازع لا عبد وجاهل لا عالم، وإني أعظك يا وليّ أن تكون من الجاهلين الغافلين، وأراك في الحين تكذب نفسك في ترك الأسباب، فإني أراك في وقت حديثك معي في ترك الأسباب ورميها وعدم الالتفات إليها والقول بترك استعمالها يأخذك العطش فتترك كلامي وتجري إلى الماء فتشرب منه لتدفع بذلك ألم العطش، وكذلك إذا جعت تناولت الخبز فأكلت وغايتك أن لا تتناوله بيدك حتى يجعل في فمك فإذا حصل في فمك مضغته وابتلعته فما أسرع ما أكذبت نفسك بين يدي، وكذلك إذا أردت أن تنظر أفتقرب إلى فتح عينك فهل فتحتها إلا بسبب؟ وإذا أردت زيارة صديق لك سعيت إليه والسعي سبب في وصولك إليه فكيف تنفي الأسباب بالأسباب؟ أترضى لنفسك بهذه الجهالة؟ فالأديب الإلهيّ العالم من أثبت ما أثبته الله في الموضع الذي أثبته الله، وعلى الوجه الذي أثبته الله، ومن نفى ما نفاه الله في الموضع الذي نفاه الله وعلى الوجه الذي نفاه الله ثم تكذب نفسك إن كنت صالحاً في عبادتك ربك أليست عبادتك سبباً في سعادتك وأنت تقول بترك الأسباب فلم لا تقطع العمل؟ فما رأيت أحداً من رسول ولا نبيّ ولا وليّ ولا مؤمن ولا كافر ولا شقيّ ولا سعيد خرج قط عن رق الأسباب مطلقاً أدناها التنفس، فيا تارك السبب لاتتنفس فإن التنفس سبب حياتك، فأمسك نفسك حتى تموت فتكون قاتل نفسك فتحرم عليك الجنة، وإذا فعلت هذا فأنت تحت حكم السبب، فإن ترك التنفس سبب لموتك ١٠٧ في المنازل/ الباب التاسع عشر وثلاثمائة في معرفة تنزل سراح النفس وموتك على هذه الصورة سبب في شقائك فما برحت من السبب، فما أظنك عاقلاً إن كنت تزعم أن ترفع ما نصبه الله وأقامه علماً مشهوداً ودع عنك ما تسمع من كلام أهل الله تعالى فإنهم لم يريدوا بذلك ما توهمته بل جهلت ما أرادوه بقطع الأسباب كما جهلت ما أراده الحق بوضع الأسباب، وقد ألقيت بك على مدرجة الحق وأبنت لك الطريقة التي وضعها الله لعباده وأمرهم بالمشي عليها فاسلك وعلى الله قصد السبيل، ولو شاء لهداكم أجمعين . وبعد هذا فاعلم أن العبد تارة يقيمه الحق في معصيته وتارة يقيمه في طاعته، فأنا أبين لك من أين وقع للعبد هذا القبول للأمرين، ونبين لك رتبة الإنسان من العالم، وأن الإنسان له أمثال من جنسه، والعالم بجملته ليس له مثل، وما يتعلق بهذه المسألة من الحقائق والأسرار بعد أن نجمع معاني ما أريد تفصيلها في نظم يكون لك كالأم الجامعة المختصرة الضابطة الرؤوس المسائل حتى إذا أردت أن تبسطها لغيرك نبهك هذا النظم على عيونها فقلنا في ذلك نكني عن العبد: [البسيط] إذا عَصَى اللّهَ قد وَفَّى حقيقتَه لولا القَبُولُ لما كان الوُجُودُ له إِنَّ المُحَالَ دليلٌ إن نظرتَ فلا لا يقبل الكَوْن والإمكان يقبله لذاك قُزْنا من الأعلى بصُورَتِهِ لو كان للكَوْنِ مِثْلٌ عَقَّ تَكْرِمَةٌ لكنّه مُفْرَدٌ والحقُّ ليس له وإن أطاعَ فقد وَفَّى طَرِيقَتَهُ والخَلْقُ يطلب بالمعنى خَليقَتَهُ تَعْدِلْ به حجةً فاعلَمْ حقيقتَهُ فكلّ أمر فقد وَفَّى سَلِيقَتَهُ عنايةً منه أعطاها خَلِيقَتَهُ له ليُطْعِمَهُ جُوداً عَقِيقَتَهُ عَيْنُ التَّغَذّي فما أعطاهُ صُورِتَهُ اعلم وفقك الله أيها الوليّ الحميم أن العالم لما كان ممكناً ولم يكن محالاً قبل حاله الوجود والمحال لا يقبل الوجود فخالفت حقيقته الممكن بقبولها للوجود حقيقة المحال الذي لا يقبله، ولما أوجد الله العالم إنساناً كبيراً وجعل آدم وبنيه مختصر هذا العالم، ولهذا أعطاه الأسماء كلها أي كل الأسماء المتوجهة على إيجاد العالم وهي الأسماء الإلهية التي يطلبها العالم بذاته إذ كان وجوده عنها فقال بَّرَ: ((إِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) إذ كانت الأسماء له وعنها وجد العالم، فالعالم بجملته إنسان كبير، ولما كرمه الله بالصورة طلب العالم والأمثال الشكر من الإنسان على ذلك، فكانت العقيقة التي جعل الله على كل إنسان شكراً لما خصه به من الوجود على هذه الحالة وجعلها في سابعه، إذ كان على حالة لا تقبل التغذي منها لئلا يكون قد سعى لنفسه فأكلها الأمثال وكل إنسان مرهون بعقيقته، وينبغي له إذا عق عن نفسه في كبره، أن لا يأكل منها شيئاً ويطعمها الناس ولذلك لم يعق العالم بجملته عن نفسه وإن كان على الصورة لأنه ما ثم من يأكل عقيقته فإنه ما ثم إلا الله، والعالم والمعقّ عنه لا يأكل منها والحق يتنزه عن الغذاء والأكل، وليست هذه المنزلة إلا لله فكانت عقيقة العالم تعود عبثاً فجعل سبحانه بدلاً من هذا الشكر الذي هو العقيقة التسبيح بحمده شكراً على ما أولاه من وجوده على صورته فقال: ﴿وَإِن مِّنْ شَىءٍ إِلَّا يُسَبِعُ بِحْدِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمَّ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٤] ١٠٨ في المنازل/ الباب التاسع عشر وثلاثمائة في معرفة تنزل سراح النفس فبعنايته الأزلية بنا أعطانا الوجود على الصورة ولم يعطنا السورة التي هي منزلته، فإن منزلته الربوبية ومنزلتنا المربوبية، ولذلك قلنا إن العالم لا يعق عن نفسه بنسك فإنه لا يأكله والحق لا يكون له ذلك ولا ينبغي له، فكانت عقيقته التسبيح بحمده لأن التسبيح ينبغي له، ولما كانت طبيعة الممكن قبلت الوجود فظهر في عينه بعد أن لم يكن سماه خلقاً مشتقاً من الخليقة وهي طبيعة الأمر وحقيقته أي مطبوعاً على الصورة وهي خليقته ولما أوجده الله على صورته وأوجده لعبادته، فكان ما أوجده عليه خلاف ما أوجده له فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧] وهو ما أشرنا إليه في العقيقة أنه سبحانه لا ينبغي له أن يطعم، فاشترك الجن مع الإنس فيما وجد له لا فيما وجد عليه . ولما كانت صورة الحق تعطي أن لا تكون مأمورة ولا منهية لعزتها سرت هذه العزة في الإنسان طبعاً فعصى ظاهراً وباطناً من حيث صورته لأنه على صورة من لا يقبل الأمر والنهي والجبر، ألا ترى إبليس لما لم يكن على الصورة لم يعص باطناً فيقول للإنسان اكفر فإذا كفر يقول إبليس: ﴿إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] وما استكبر إلا ظاهراً على آدم فقال: ﴿،َأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] وقال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَقْتَنِي مِن نَارٍ﴾ [الأعراف: ١٢] والنار أقرب في الإضاءة النورية إلى النور، والنور اسم من أسماء الله والطين ظلمة محضة فقال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] أي أقرب إليك من هذا الذي خلقته من طين، وجهل إبليس ما فطر الله آدم عليه في أن تولى خلقه بيديه كمالاً للصورة الإلهية التي خلق عليها، ولم يكن عند إبليس ولا الملائكة من ذلك ذوق، فاعترض الكل الملائكة بما قالت وإبليس بما قال، فمعصية الإنسان بما خلق عليه وطاعته بما خلق له قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أي يتذللوا لعزتي ويعرفوا منزلتي من منزلتهم، فطريقة الإنسان العبادة فإنه عبد والعبد مقيد بسيده كما أن السيد مقيد بوجه بعبده فإنه المسود و﴿اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فلم يلحق الممكن بدرجة المحال فزها عليه بقبوله الوجود الذي هو صفة إلهية ولم يلحق بدرجة الوجود المطلق لأن وجوده مستفاد مقيد، فإذا نظر إلى المحال ودرجته وما حصل له من ربه من الوجود ونظر في نفسه قبوله وامتيازه من المحال أدركه الكبرياء فعصى وقال: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وادّعى الألوهة وما ادّعاها أحد من الجن. وإذا نظر إلى افتقاره إلى واجب الوجود واستفادته الوجود منه ومنته به عليه وجب الشكر عليه فذل وأطاع ربه، فطاعته من وجه ما خلق له ومعصيته من وجه ما خلق عليه، وشهوده المحال الذي ليس له هذه المرتبة، فلو لم يكن المحال رتبة ثالثة ما وجد الممكن على من يزهو، فإن الشيء لا يزهو على نفسه، والمفتقر لا يزهو على المفتقر إليه فلم يكن يتصوّر أن تقع معصية من الممكن، فانظر ما أعجب ما تعطيه الحقائق من الآثار، والحمد لله على أن علمنا ما لم نكن نعلم، وفهمنا ما لم نكن نفهم، وكان فضل الله علينا عظيماً. وهذا القدر كاف في هذا الباب. ويحتوي هذا المنزل على علم الدعاء، وعلم النبوّة وعلم خطاب الكل في عين الواحد، وعلم الزمان وعلم التقوى، وعلم التعدي، وعلم البرهان وتركيبه، وعلم مكارم ١٠٩ في المنازل/ الباب الموفي عشرين وثلاثمائة في معرفة منزل تسبيح القبضتين وتمييزهما الأخلاق، وعلم منزلة نفس الإنسان عند الله من غيره، وعلم العجز وعلم الإيمان، وعلم الأنفاس وعلم التوكل، وعلم الغيب، وعلم الميزان، وعلم التقديس، وعلم حضرة الشكوك، وعلم من تقدّس بعد الخبث، وعلم التكوين، وعلم التعليم، وعلم الحياة الآخرة، وعلم الإجارة من غيره، وعلم الرحمة، وعلم الشدة، وعلم الربح والخسران، وعلم مدارك العقول، وعلم نهاية المطلب، وعلم الأمر الإلهي، وعلم العالم، وعلم الاقتدار الإلهيّ، وعلم الإحاطة، وهل ينتهي علم الله في العالم أم لا؟ وما رأيت قائلاً به إلا شخصاً واحداً بمكة كان يرى هذا الرأي وهو مذهب معروف، لكني ما كنت رأيت قائلاً به فإنه ما من مذهب إلا وقد رأيت قائلاً به، فالله يسلك بنا سواء السبيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الموفي عشرين وثلاثمائة في معرفة منزل تسبيح القبضتين وتمييزهما [البسيط] وإِن يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ فَهْوَ قد سَمَحًا مَنْ عَامَلَ الحَقَّ بالإخلاص قد رَبِحَا العلمُ علمان موهوبٌ ومُكْتَسَبٌ كذاك مَعْلُومُ عِلْمِ الكَسْبِ ليس له وخَيْرُ علم يَنَالُ العبدُ ما مَنَحًا في الوَزْنِ حَظُّ لأنّ العبد ما كَدَحَا كما يُسَرُّ إذا ميزانُه رَجَحَا يَغْتَمُّ قلبُك إَنْ خَفَّثُ موازنُه فاقْدَخْ زِنَادَكَ لا تكسلْ فليس لمن الفكرُ في ذات من لا شيء يشبهُه وادخُلْ على باب تفريغ المَحَلُ ترى يسعى إلى الحقّ قَدْرٌ غيرُ ما قَدَحَا جهلٌ فلا تلتفتْ للعقل إن جَنَحًا عِلْمَ العَيَان إذا ما بابُه فُتِحَا اعلم أن دار الأشقياء وملائكة العذاب وهم في تعظيم الله وتمجيده كما هم ملائكة النعيم في دار النعيم لا فرق كلهم عبد مطيع الواحد ينعم الله والآخر ينتقم لله، وكذلك القبضتان وهما العالمان: عالم السعادة وعالم الشقاوة ما منهم جارحة ولا فيهم جوهر فرد إلا وهو مسبح لله مقدس لجلاله غير عالم بما تصرفه فيه نفسه المدبرة له المكلفة التي كلفها الله تعالى عبادته والوقوف بهذه الجوارح وبعالم ظاهره عندما حدّ له، فلو علمت الجوارح ما تعلمه النفس من تعيين ما هو معصية وما هو طاعة ما وافقته على مخالفة أصلاً فإنها ما تعاين شيئاً من الموجودات إلا مسبحاً لله مقدّساً لجلاله، غير أنها قد أعطيت من الحفظ القوّة العظيمة فلا تصرفها النفس في أمر إلا وتحتفظ على ذلك الأمر وتعلمه، والنفس تعلم أن ذلك طاعة ومعصية، فإذا وقع الإنكار يوم القيامة عند السؤال من هذه النفس يقول الله لها: نبعث عليك شاهداً من نفسك فتقول في نفسها: من يشهد عليّ؟ فيسأل الله تعالى الجوارح عن تلك الأفعال التي صرفها فيها فيقول للعين: قولي فيما صرفك، فتقول له: يا رب نظر بي إلى أمر كذا وكذا، وتقول الأذن: أصغى بي إلى كذا وكذا، وتقول اليد: بطش بي في كذا وكذا، والرجل كذلك، والجلود كذلك، والألسنة كذلك، فيقول الله له: هل تنكر شيئاً من ذلك؟ ١١٠ في المنازل/ الباب الموفي عشرين وثلاثمائة في معرفة منزل تسبيح القبضتين وتمييزهما فيحار ويقول: لا، والجوارح لا تعرف ما الطاعة، ولا المعصية فيقول الله: ألم أقل لك على لسان رسولي وفي كتبي: لا تنظر إلى كذا ولا تسمع كذا ولا تسع إلى كذا ولا تبطش بكذا، ويعين له جميع ما تعلق من التكليف بالحواس ثم يفعل كذلك في الباطن فيما حجر عليه من سوء الظن وغيره، فإذا عذبت النفس في دار الشقاء بما يمس الجوارح من النار وأنواع العذاب، فأما الجوارح فتستعذب جميع ما يطرأ عليها من أنواع العذاب ولذا سمي عذاباً لأنها تستعذبه كما يستعذب ذلك خزنة النار حيث ينتقم لله، وكذلك الجوارح حيث جعلها الله محلاً للانتقام من تلك النفس التي كانت تحكم عليها . والآلام تختلف على النفس الناطقة بما تراه في ملكها وبما تنقله إليها الروح الحيوانيّ، فإن الحس ينقل للنفس الآلام في تلك الأفعال المؤلمة، والجوارح ما عندها إلا النعيم الدائم في جهنم مثل ما هي الخزنة عليه ممجدة مسبحة لله تعالى مستعذبة لما يقوم بها من الأفعال كما كانت في الدنيا، فيتخيل الإنسان أن العضو يتألم لإحساسه في نفسه بالألم وليس كذلك إنما هو المتألم بما تحمله الجارحة، ألا ترى المريض إذا نام لا شك أن النائم حيّ والحس عنده موجود والجرح الذي يتألم به في يقظته موجود ومع هذا لا يجد العضو ألماً لأن الواجد للألم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة إلى البرزخ فما عنده خبر فارتفعت عنه الآلام الحسية وبقي في البرزخ على ما يكون عليه، إما في رؤيا مفزعة فيتألم، أو في رؤيا حسنة فيتنعم، فينتقل معه الألم أو النعيم حيث انتقل، فإذا استيقظ المريض وهو رجوع نفسه إلى عالم الشهادة قامت به الآلام والأوجاع، فقد تبين لك إن كنت عاقلاً من يحمل الألم منك ومن يحس به ممن لا يحمله ولا يحس به، ولو كانت الجوارح تتألم، لأنكرت كما تنكر النفس وما كانت تشهد عليه قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرُّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] وقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] فاسم كان هو النفس تسأل النفس عن سمعه وبصره وفؤاده كما قرّرناه يقال له: ما فعلت برعيتك؟ ألا ترى الوالي الجائر إذا أخذه الملك وعذبه عند استغاثة رعيته به كيف تفرح الرعية بالانتقام من واليها؟ كذلك الجوارح يكشف لك يوم القيامة عن فرحها ونعيمها بما تراه في النفس التي كانت تدبرها في ولايتها عليه لأن حرمة الله عظيمة عند الجوارح. ألا ترى العصاة من المؤمنين كيف يميتهم الله في النار إماتة كما ينام المريض هنا فلا يحس بالألم عناية من الله بمن ليس من أهل النار حتى إذا عادوا حمماً أخرجوا من النار، فلو كانت الجوارح تتألم لوصفها الله بالألم في ذلك الوقت ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة فإن قلت: فما فائدة حرقها حتى تعود حمماً؟ قلنا: كل محل يعطي حقيقته فذلك المحل يعطي هذا الفعل في الصور، ألا ترى الإنسان إذا قعد في الشمس يسود وجهه وبدنه؟ والشقة إذا نشرت في الشمس وتتبعت بالماء كلما نشفت تبيض؟ فهل أعطى ذلك إلا المحل المخصوص والمزاج المخصوص فلم يكن المقصود العذاب ولو كان لم يمتهم الله فيها إماتة، فإن محل الحياة في النفوس يطلب النعيم أو الألم بحسب الأسباب المؤلمة والمنعمة، فالقوابل هي الموصوفة بما ذكرناه، وإذا ١١١ في المنازل/ الباب الموفي عشرين وثلاثمائة في معرفة منزل تسبيح القبضتين وتمييزهما أحياهم الله تعالى وأخرجهم ونظروا إلى تغير ألوانهم وكونهم قد صاروا حمماً ساءهم ذلك فينعم الله عليهم بالصورة التي يستحسنونها فينشئهم عليها ليعلموا نعمة الله عليهم حين نقلهم مما يسوؤهم إلى ما يسرهم، فقد علمت يا أخي من يعذب منك ومن يتنعم وما أنت سواك، فلا تجعل رعيتك تشهد عليك فتبوء بالخسران وقد ولاك الله الملك وأعطاك اسماً من أسمائه فسماك ملكاً مطاعاً فلا تجر ولا تحف فإن ذلك ليس من صفة من ولاك، وأن الله يعاملك بأمر قد عامل به نفسه فأوجب على نفسه كما أوجب عليك، ودخل لك تحت العهد كما أدخلك تحت العهد، فما أمرك بشيء إلا وقد جعل على نفسه مثل ذلك هذا لتكون له الحجة البالغة، ووفى بكل ما أوجبه على نفسه وطلب منك الوفاء بما أوجبه عليك هذا كله إنما فعله حتى لا تقول: أنا عبد قد أوجب عليّ كذا وكذا ولم يتركني لنفسي بل أدخلني تحت العهد والوجوب، فيقول الله له: هل أدخلتك فيما لم أدخل فيه نفسي؟ ألم أوجب على نفسي كما أوجبت عليك؟ ألم أدخل نفسي تحت عهدك كما أدخلتك تحت عهدي وقلت لك: إن وفيت بعهدي وفيت بعهدك؟ قال تعالى قل يا محمد: ﴿فَلَّهِ الْحُبَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وهذا معنى قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وهل يحكم الله إلا بالحق؟ ولكن جعل الحق نفسه في هذه الآية مأموراً لنبيّه عليه السلام، فإن لفظة احكم أمر وأمره سبحانه أن يقول له ذلك قال تعالى قل يا محمد: ﴿رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقِّ﴾ وأكثر من هذا النزول الإلهيّ إلى العباد ما يكون. فيا أيها العبد أليس هذا من كرمه؟ أليس هذا من لطفه؟ ألم يف سبحانه بكل ما أوجبه على نفسه؟ ألم يف بعهد كل من وفى له بعهده؟ ألم يصفح وعفا عن كثير مما لو شاء آخذ به عباده؟ أين أنت؟ أين نظرك من هذا الفضل العظيم من رب قاهر قادر لا يعارض ولا يغالب؟ واعلم أن سبب وصف القبضتين بالتسبيح كونهما مقبوضتين للحق تعالى فجعل القبضتين في يده فقال: ((هؤلاء للنار ولا أبالي، وهؤلاء للجنة ولا أبالي))، فهم ما عرفوا إلا الله، فهم يسبحونه ويمجدونه لأنهم في قبضته ولا خروج لهم عن القبضة، ثم إن الله بكرمه لم يقل فهؤلاء للعذاب ولا أبالي وهؤلاء للنعيم ولا أبالي وإنما أضافهم إلى الدارين ليعمروهما وكذا ورد في الخبر الصحيح: ((إِنَّ اللّه لَمَّا خَلَقَ الجَنَّةَ وَالنَّارَ قَالَ لِكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَهَا عَلَيَّ مَلْؤُهَا)) أي أملؤها سكاناً، إذ كان عمارة الدار بساكنها كما قال القائل: وعمارة الأوطان بالسكان، لأنها محل ولا تكون محلاً إلا بالحلول فيها، ولهذا يقول الله لجهنم: ((هل امتلأت؟)) فتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] فإذا وضع الجبار فيها قدمه قالت: قطني قطني، وفي رواية: ((قط قط)) أي قد امتلأت فقد ملأها بقدمه على ما شاءه سبحانه من علم ذلك فيخلق الله فيها خلقاً يعمرونها، قال تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢] أي سابقة بأمر قد أعلمهم به قبل أن يعطيهم ذلك ثم أعطاهم فصدق فيما وعدهم به، وقد وعد النار بأن يملأها فكونه إذ يملأها بقدمه أي بسابقة قوله أنه سيملؤها فصدق لها في ذلك بأن خلق فيها خلقاً يعمرونها وأضاف القدم إلى الجبار لأن هذا الاسم للعظمة والنار موجودة من العظمة والجنة موجودة من الكرم، فلهذا اختص اسم الجبار بالقدم للنار وأضافه إليه فيستروح من هذا عموم ١١٢ في المنازل/ الباب الموفي عشرين وثلاثمائة في معرفة منزل تسبيح القبضتين وتمييزهما الرحمة في الدارين، وشمولها حيث ذكرهما ولم يتعرّض لذكر الآلام وقال بامتلائهما وما تعرض لشيء من ذلك، وهذا كله من سلطان قوله لعباده: إن رحمته سبقت غضبه، فالسابقة حاكمة أبداً، ويقال: لفلان فى هذا الأمر سابقة قدم فتلك بشرى إن شاء الله، وأن السكنى لأهل النار في النار لا يخرجون منها كما قال تعالى: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ [التغابن: ١٠] يعني في النار، و﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ [التغابن: ٩] يعني في الجنة، ولم يقل فيه فيريد العذاب. فلو قال عند ذكر العذاب خالدين فيه أشكل الأمر ولما أعاد الضمير على الدار لم يلزم العذاب. فإن قال قائل: فكذلك لا يلزم النعيم كما لم يلزم العذاب قلنا: وكذلك كنا نقول، ولكن لما قال الله تعالى في نعيم الجنة أنه: ﴿عَطَآءُ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [ هود: ١٠٨] أي عطاء غير مقطوع، وقال: ﴿لَّ مَقْطُوْعَةٍ وَلَا مَمْنُعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] لهذا قلنا بالخلود في النعيم والدار ولم يرد مثل هذا قط في عذاب النار فلهذا لم نقل به. فإن قلت: فقد قال: ﴿خَلِينَ فِيَّةٍ وَسَآَّةً لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١] قلنا: إنما ذلك في موطن من مواطن الآخرة والضمير يعود على الوزر لا على العذاب، فإذا أقيموا في حمل الأثقال التي هي الأوزار يحملونها كما قال: ﴿وَلَيَحْيُنَّ أَنْقَهُمْ وَثْقَالًاً مَّعَ أَتْقَالِهِمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣] ﴿ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْفِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣] وهو زمان مخصوص فيقول ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ [طه: ١٠١] أي في حمل الوزر من الموضع الذي يحملونه من خروجهم من قبورهم إلى أن يصلوا به إلى النار فيدخلونها، فهم خالدون فيه في تلك المدة لا يفتر عنهم ولا يأخذه من على ظهورهم غيرهم قال تعالى: ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا خَلِينَ فِيهَا﴾ [طه: ١٠٠، ١٠١] فأعاد الضمير على الوزر وجعله ليوم القيامة هذ الحمل، ويوم القيامة مدته من خروج الناس من قبورهم إلى أن ينزلوا منازلهم من الجنة والنار وينقضي ذلك اليوم فينقضي بانقضائه جميع ما كان فيه ومما كان فيه الخلود في حمل الأوزار، فلما انقضى اليوم لم يبق للخلود ظرف يكون فيه، وانتقل الحكم إلى النار والجنان والعذاب والنعيم المختص بهما، وما ورد في العذاب شيء يدل على الخلود فيه كما ورد في الخلود في النار ولكن العذاب لا بد منه في النار، وقد غيب عنا الأجل في ذلك وما نحن منه من جهة النصوص على يقين، إلا أن الظواهر تعطي الأجل في ذلك ولكن كميته مجهولة لم يرد بها نص، وأهل الكشف كلهم مع الظواهر على السواء فهم قاطعون من حيث كشفهم فيسلم لهم إذ لا نص يعارضهم، ونبقى نحن مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَالٌ لِمَا يُرِيدٌ﴾ [هود: ١٠٧] وأي شيء أراد فهو ذلك، ولا يلزم أهل الإيمان أكثر من ذلك إلا أن يأتي نص بالتعيين متواتر يفيد العلم فحينئذ يقطع المؤمن وإلا فلا، فسبحان المسبح بكل لسان والمدلول عليه بكل برهان. وهذا المنزل يتضمن علوماً جمة منها علم التنزيه الذي يليق بكل عالم فإن التنزيه يختلف باختلاف العوالم وإن كل عالم ينزه الحق على قدر علمه بنفسه فينزهه من كل ما هو عليه، إذ كان كل ما هو عليه محدث فينزه الحق عن قيام الحوادث به أعني الحوادث المختصة به، ولهذا يختلف تنزيه الحق باختلاف المنزهين، فيقول العرض مثلاً سبحان من لا يفتقر في في المنازل/ الباب الأحد والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من فرق بين عالمي الشهادة والغيب ١١٣ وجوده إلى محل يكون ظهوره به، ويقول الجوهر: سبحان من لا يفتقر في وجوده إلى موجد يوجده، ويقول الجسم: سبحان من لا يفتقر في وجوده إلى أداة تمسكه، فهذا حصر التنزيه من حيث الأمهات لأنه ما ثم إلا جوهر أو جسم أو عرض لا غير، ثم كل صنف يختص بأمور لا تكون لغيره فسبح الله من تلك الصفات ومن ذلك المقام، والإنسان الكامل يسبح الله بجميع تسبيحات العالم لأنه نسخة منه إذ كشف له عن ذلك. ويتضمن هذا المنزل من العلوم علم تمييز الأشياء ويتضمن علم الحق المخلوق به الذي يشير إليه عبد السلام أبو الحكم بن برجان في كلامه كثيراً، وكذلك الإمام سهل بن عبد الله التستري، ولكن يسميه سهل بالعدل، ويسميه أبو الحكم الحق المخلوق به أخذه من قوله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقٌّ﴾ [الحجر: ٨٥] وله فيه كلام كبير شاف ويتضمن علم الصورة وهل هي عرض أو جوهر؟ فإن الناس اختلفوا في ذلك، وفيه علم الرجعة، وفيه علم العلم أي بماذا يعلم العلم، وفيه علم الغيب والشهادة، وفيه علم الورود والصدور، وفيه علم الاعتبار وما حده، وفيه علم الأذواق وهي أول مبادىء التجلي، وفيه علم العلل ومراتبها ومن يجوز أن يوصف بها ممن لا يجوز، وفيه علم تجلي الزعامة وهل مدلولها العلم أم لا؟ وقوله عليه السلام: ((الزَّعِيمُ غَارِمٌ)) وزعيم القوم ما رتبته ولم سمي زعيماً؟ وفيه علم الإيمان، وفيه علم النور دون غيره ولكن النور المنزل لا غير، وفيه علم الخبرة والمخابرة، وفيه علم المتاجر المربحة وأزمنتها والخسران، وفيه علم الوعد والوعيد، وفيه علم الإذن الإلهيّ وفيما ذا يكون؟ وهل هو عام أو خاص؟ والفرق بين الأمر والإذن وهل يعصي في الإذن كما يعصي في الأمر أم لا؟ وفيه وصف العلم بالإحاطة، وفيه علم التوحيد لماذا يرجع، وفيه علم التوكل، وفيه علم مراتب الخلق في الولاية والعداوة، وفيه علم الإنذار والتحذير ومن يحذر منه وما يحذر منه، وفيه علم الفرق بين الاستطاعة والحق، وفيه علم شرف صفة الكرم، وفيه علم سبب الطلب الإلهيّ من العباد، وفيه علم نتائج الشكر، وفيه علم الفرق بين الحلم والعفو، وفيه علم ترتيب الأشياء، وفيه علم الحجاب الإلهيّ الأحمى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الأحد والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من فرق بين عالم الشهادة وعالم الغيب وهو من الحضرة المحمدية [البسيط] إنّ البصائرَ للأبصار أبْصَارُ للعَقْلِ نُورٌ ولالإيمان أنوارُ للعقل في الكَسْب أعوانٌ وأنصارُ العينُ والسمعُ والإحساسُ أجمعُه لا يخجُبَنَّكَ أوهامٌ وأفكارُ بالعين تُبْصِرُ علمَ الغيب لا بحِجّى فإنها خَلْفَ سَتْرِ الصَّوْنِ أبْكارُ من لم يحصِّلْ علومَ الغيب عن بَصَرٍ الدَّارُ تَجْهَلُ رَبَّ الدار يا دَارُ قالوا اعْتَبِزْ إنّ في الأكوان معرفة اعلم أيها الوليّ الحميم أن الوجود مقسم بين عابد ومعبود، فالعابد كل ما سوى الله الفتوحات المكية ج٥ - م٨ ١١٤ في المنازل/ الباب الأحد والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من فرق بين عالمي الشهادة والغيب تعالى وهو العالم المعبر عنه والمسمى عبداً، والمعبود هو المسمى الله وما في الوجود إلا ما ذكرناه، فكل ما سوى الله عبد لله مما خلق ويخلق، وفيما ذكرناه أسرار عظيمة تتعلق بباب المعرفة بالله وتوحيده وبمعرفة العالم ورتبته، وبين العلماء، في هذه المسألة من الخلاف ما لا يرتفع أبداً ولا يتحقق فيه قدم يثبت عليه، ولهذا قدر الله السعادة لعباده بالإيمان وفي العلم بتوحيد الله خاصة، ما ثم طريق إلى السعادة إلا هذان، فالإيمان متعلقه الخبر الذي جاءت به الرسل من عند الله وهو تقليد محض نقبله سواء علمناه أو لم نعلمه، والعلم ما أعطاه النظر العقليّ أو الكشف الإلهيّ وإن لم يكن هذا العلم يحصل ضرورة حتى لا تقدح فيه الشبه عند العالم به وإلا فليس بعلم. ثم نقول: والعالم عالمان ما ثم ثالث: عالم يدركه الحس وهو المعبر عنه بالشهادة، وعالم لا يدركه الحس وهو المعبر عنه بعالم الغيب، فإن كان مغيباً في وقت وظهر في وقت للحس فلا يسمى ذلك غيباً، وإنما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس لكن يعلم بالعقل إما بالدليل القاطع وإما بالخبر الصادق وهو إدراك الإيمان، فالشهادة مدركها الحس وهو طريق إلى العلم ما هو عين العلم، وذلك يختص بكل ما سوى الله ممن له إدراك حسيّ والغيب مدركه العلم عينه وفيما ذكرناه تاهت العقول وحارت الألباب. ثم إن الإنسان إذا دخل هذه الطريقة التي نحن عليها وأراد أن يتميز في علمائها وساداتها فينبغي له أن لا يقيد نفسه إلا بالله وحده وهو التقييد الذاتي له الذي لا يصح له الانفكاك عنه جملة واحدة وهي عبودية لا تقبل الحرية بوجه من الوجوه وملك لا يقبل الزوال، وإذا لم يقيد الإنسان نفسه إلا بما هو مقيد به في ذاته وهو كما قلنا تقييده بالله الذي ﴿خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِلَ يَسَرَمُ﴾ [عبس: ٢٠،١٩] فينبغي له إذ كانت له هذه المرتبة ولا بد أن لا يقف بنفسه إلا في البرزخ وهو المقام المتوهم الذي لا وجود له إلا في الوهم بين عالم الشهادة والغيب بحيث أن لا يخرج شيء من الغيب المغيب الذي يتصف في وقت بالشهادة لا بالغيب الذي لا يستحيل عليه أن يكون شهادة بوجه من الوجوه إلا وهذا الواقف يعلمه، فإذا برز إلى عالم الشهادة وأدركه فلا يخلو إما أن يبقى في عالم الشهادة أو لا يبقى كالأعراض، فإن لم يبق فلا بد أن يفارق الشهادة، وإذا فارق الشهادة فإنه يدخل إلى الغيب الذي لا يمكن أن يدرك أبداً شهادة، ولا يكون له رجوع بعد ظهوره إلى الغيب الذي خرج منه لأن مقام الغيب الذي خرج منه هو الغيب الإمكانيّ، والذي انتقل إليه بعد حصوله في الشهادة الغيب المحاليّ، فذلك الغيب المحاليّ لا يظهر عنه أبداً شيء يتصف بالشهادة، ولما لم يكن هذا الذي انتقل إليه يتصف بالشهادة وقتاً ما أو حالاً ما لذلك دخل في ذلك الغيب ولم يرجع إلى الغيب الذي خرج منه، وإذا وقف الإنسان في هذا المقام وتحقق به أخذه الحق وأوقفه بينه وبين كل ما سواه من نفسه ومن غيره أعني من نفس العبد، فيرى نفسه وعينه وهو خارج عنها في ذلك المقام الذي أوقفه ويراها مع من سواه من العالم وهو عينه، كما رأى آدم نفسه وذريته في قبضة الحق وهو خارج عن قبضة الحق التي رأى نفسه فيها في حال رؤيته نفسه خارجاً عنها كما ورد في الخبر في المنازل/ الباب الأحد والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من فرق بين عالمي الشهادة والغيب ١١٥ الإلهيّ، فإذا وقف في هذا المقام وهو أرفع مقامات الكشف وكل مقام فهو دونه؛ وهذا كان مقام الصديق رضي الله عنه الذي فضل به على من شهد له رسول الله وَ# أنه فضل عليه إما من الحاضرين أو من الأمة لا يدرى أي ذلك أراد ◌َلّ إلا من جاءه الخبر الصدق في كشفه لا غير. فإذا وقف في هذا المقام استشرف على الغيبين: الغيب الذي يوجد منه الكائنات، والغيب الذي ينتقل إليه بعض الكائنات بعد اتصافها بالشهادة، وهذه مسألة جليلة القدر لا يعلمها كثير من الناس، أعني هذه الأمور التي خرجت من الغيب إلى الشهادة ثم انتقلت إلى الغيب وهي الأعراض الكونية هل هي أمور وجودية عينية أو هي أحوال لا تتصف بالعدم ولا بالوجود ولكن تعقل فهي نسب وهي من الأسرار التي حار الخلق فيها فإنها ليست هي الله ولا لها وجود عينيّ فتكون من العالم أو تكون مما سوى الله، فهي حقائق معقولة إذا نسبتها إلى الله عز وجل قبلها ولم تستحل عليه، وإذا نسبتها إلى العالم قبلها ولم تستحل عليه . ثم إنها تنقسم إلى قسمين في حق الله: فمنها ما تستحيل نسبته إلى الله فلا تنسب إليه، ومنها ما لا تستحيل عليه فالذي لا يستحيل على الله يقبله العالم كله إلا نسبة الإطلاق فإن العالم لا يقبله ونسبة التقييد ويقبله العالم ولا يقبله الله، وهذه الحقائق المعقولة لها الإطلاق الذي لا يكون لسواها فيقبلها الحق والعالم وليست من الحق ولا من العالم ولا هي موجودة ولا يمكن أن ينكر العقل العالم بها، فمن هنا وقعت الحيرة وعظم الخطب وافترق الناس وحارت الحيرات فلا يعلم ذلك إلا الله ومن أطلعه الله على ذلك وذلك هو الغيب الصحيح الذي لا يوجد منه شيء فيكون شهادة ولا ينتقل إليه بعد الشهادة وما هو محال فيكون عدماً محضاً، ولا هو واجب الوجود فيكون وجوداً محضاً، ولا هو ممكن يستوي طرفاه بين الوجود والعدم وما هو غير معلوم بل هو معقول معلوم، فلا يعرف له حدّ ولا هو عابد ولا معبود، وكان إطلاق الغيب عليه أولى من إطلاق الشهادة لكونه لا عين له يجوز أن تشهد وقتاً ما، فهذا هو الغيب الذي انفرد الحق به سبحانه حيث قال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٧٣] وما قرنه بالشهادة فلا يظهر على غيبه أحداً، والغيب الذي قرنه بالشهادة هو الذي يقابل الشهادة، فوصف الحق نفسه بعلم المتقابلين فقال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] هذا هو المراد هنا وإن اشترك هذا مع الغيب في الاسمية . فإن قلت: فما فائدة الاستثناء في قوله: (( إلا من ارتضى من رسول)) ؟ قلنا: تدبر ما هو الغيب الذي أطلع عليه الرسل وبماذا ربطه فتعلم أن ذلك علم التكليف الذي غاب عنه العباد، ولهذا جعل له الملائكة رصداً حذراً من الشياطين أن تلقي إليه ما ينقله إلى الخلق ويعمل به في نفسه من التكليف الذي جعله الله طريقاً إلى سعادة العباد من أمر ونهي ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]، فكأنه مستثنى منقطع أي انقطع هذا الغيب من ذلك الغيب انقطاعاً حقيقياً لا انقطاع جزء من كل لما وقع الاشتراك في لفظة الغيب، لذلك قلنا مستثنى، ولما خالفه في الحقيقة قلنا منقطع بخلاف المستثنى المتصل فإنه أيضاً منقطع ولكن بالحال لا بالذات تقول في المتصل: ما في الدار إنسان إلا زيداً فهذا المستثنى متصل لأنه إنسان قد فارق ١١٦ في المنازل/ الباب الأحد والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من فرق بين عالمي الشهادة والغيب غيره من الأناسي بحالة كونه في الدار لا بحقيقته إذ لم يكن في الدار إنسان إلا هو فالانقطاع في الحال لا غير فإذا قلت: ما في الدار إنسان إلا حماراً فهذا منقطع بالحقيقة والحال، فكذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسل بالرصد من الملائكة من أجل المردة من الشياطين هو الرسالة التي يبلغونها عن الله ولهذا قال: ﴿رَبُهُمْ﴾ [الجن: ٢٨] فأضاف الرسالة إلى قوله: ﴿رَُّهُمْ﴾ لما علموا أن الشياطين لم تلق إليهم أعني إلى الرسل شيئاً فتيقنوا أن تلك رسالة من الله لا من غيره، وهل هذا القدر الذي عبر عنه في هذه السورة المعينة في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن ◌َّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] هل ذلك الإعلام لهذا الرسول بوساطة الملك أو لم يكن في هذا الوحي الخاص ملك وهو الأظهر والأوجه والأولى؟ وتكون الملائكة تحف أنوارها برسول الله املي كالهالة حول القمر والشياطين من ورائها لا تجد سبيلاً إلى هذا الرسول حتى يظهر الله له في إعلامه ذلك من الوحي ما شاء، ولكن من علم التكليف الذي غاب عنه وعن العباد علمه خلافاً لمخالفي أهل الحق في ذلك، إذ يرون أن العبد يعلم بعض القربات إلى الله بعقله لا كلها، وهذا القول لا يصح منه شيء فلا يعلم القربة إلى الله التي تعطي سعادة الأبد للعبد إلا من يعلم ما في نفس الحق، ولا يعلم ذلك أحد من خلق الله إلا بإعلام الله كما قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ: إِلَّا بِمَا شَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فليس في كتابنا هذا ولا في غيره أصعب من تصوّر هذه المسألة على كل طائفة . واعلم أن العبد إذا أوقفه الحق تعالى كما قلنا بين الله وبين كل ما سواه وهذه بينية إله وعبد لا بينية حد فإن الله يتعالى جده أن يعلم حده، فإذا وقف العبد في هذا المقام علم أنه معتنى به حيث شغله الله تعالى بمطالعة الانفعالات عنه وإيجاد الأعيان من قدرته تعالى واتصافها بالوجود في حضرة إمكانها ما أخرجها منها ولا حال بينها وبين موطنها لكنه كساها خلعة الوجود فاتصفت به بعد أن كانت موصوفة بالعدم مع ثبوت العين في الحالين، وبقي الكلام في ذلك الوجود الذي كساه الحق لهذا الممكن ولم يخرجه عن موطنه ما هو ذلك الوجود هل كان معدوماً ووجد؟ فالوجود لا يكون عدماً ولا موجوداً، وإن كان معدوماً فما حضرته إن كانت الإمكان، فلا فرق بينه وبين هذه العين التي خلع عليها الوجود، فإن الوجود من حيث ما هو معدوم في هذه الحضرة محتاج إلى وجود وهذا يتسلسل ويؤدي إلى محال، وهو أن لا توجد هذه العين وقد وجدت، وما خرجت هذه العين عن حضرة الإمكان فكيف الأمر؟ فاعلم أن الوجود لهذه العين كالصورة التي في المرآة ما هي عين الرائي ولا غير عين الرائي ولكن المحل المرئي فيه به وبالناظر المنجلي فيه ظهرت هذه الصورة فهي مرآة من حيث ذاتها والناظر ناظر من حيث ذاته، والصورة الظاهرة تتنوّع بتنوّع العين الظاهرة فيها، كالمرآة إذا كانت تؤخذ طولاً ترى الصورة على طولها، والناظر في نفسه على غير تلك الصورة من وجه وعلى صورته من وجه، فلما رأينا المرآة لها حكم في الصورة بذاتها ورأينا الناظر يخالف تلك الصورة من وجه علمنا أن الناظر في ذاته ما أثرت فيه ذات المرآة، ولما لم يتأثر، ولم تكن تلك في المنازل/ الباب الأحد والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من فرق بين عالمي الشهادة والغيب ١١٧ الصورة هي عين المرآة ولا عين الناظر، وإنما ظهرت من حكم التجلي للمرآة علمنا الفرق بين الناظر وبين المرآة وبين الصورة الظاهرة في المرآة التي هي غيب فيها، ولهذا إذا رؤي الناظر يبعد عن المرآة يرى تلك الصورة تبعد في باطن المرآة، وإذا قرب قربت، وإذا كانت في سطحها على الاعتدال ورفع الناظر يده اليمنى رفعت الصورة اليد اليسرى تعرّفه أني وإن كنت من تجليك وعلى صورتك فما أنت أنا ولا أنا أنت، فإن عقلت ما نبهناك عليه فقد علمت من أين اتصف العبد بالوجود، ومن هو الموجود؟ ومن أين اتصف بالعدم؟ ومن هو المعدوم؟ ومن خاطب؟ ومن سمع؟ ومن عمل؟ ومن كلف؟ وعلمت من أنت ومن ربك وأين منزلتك وأنك المفتقر إليه سبحانه وهو الغني عنك بذاته ؛ قال بعض الرجال: ما في الجنة إلا الله وأراد هذا المقام يريد أنه ما في الوجود إلا الله كما لو قلت: ما في المرآة إلا من تجلى لها لصدقت مع علمك أنه ما في المرآة شيء أصلاً، ولا في الناظر من المرآة شيء مع إدراك التنوّع والتأثر في عين الصورة من المرآة، وكون الناظر على ما هو عليه لم يتأثر، فسبحان من ضرب الأمثال وأبرز الأعيان دلالة عليه أنه لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً وليس في الوجود إلا هو، ولا يستفاد الوجود إلا منه. ولا يظهر لموجود عين إلا بتجليه، فالمرآة حضرة الإمكان والحق الناظر فيها، والصورة أنت بحسب إمكانيتك، فإما ملك، وإما فلك، وإمّا إنسان، وإما فرس مثل الصورة في المرآة بحسب ذات المرآة من الهيئة في الطول والعرض والاستدارة واختلاف أشكالها مع كونها مرآة في كل حال، كذلك الممكنات مثل الأشكال في الإمكان، والتجلي الإلهي يكسب الممكنات الوجود، والمرآة تكسبها الأشكال، فيظهر الملك والجوهر والجسم والعرض والإمكان هو هو لا يخرج عن حقيقته. وأوضح من هذا البيان في هذه المسألة لا يمكن إلا بالتصريح، فقل في العالم ما تشاء وانسبه إلى من تشاء بعد وقوفك على هذه الحقيقة كشفاً وعلماً، فإن وقفت عن إطلاق أمر تعطيك الحقيقة إطلاقه فما تتوقف إلا شرعاً أدباً مع الله الذي له التحجير عليك فاعتمد على الأدب الإلهي وتقرب إلى الله بما أمرك أن تتقرب إليه به حتى يكشف لك عنك فتعرف نفسك فتعرف ربك، وتعرف من أنت ومن هو، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وفي هذا المنزل: علم الوجهين، وعلم الحضرة التي يكون فيها عين الصدق من عين الكذب، وعلم ما يستتر به العبد مما يكون فيه شقاؤه، وعلم اختلاف الأحوال، وعلم الختم، وعلم العدد وخواصه، وعلم التشبيه، وعلم الإنسان من حيث طبيعته لا غير، وعلم السوابق واللواحق، وعلم الأرزاق والخزائن، وعلم الحجب المانعة، وعلم التمليك، وعلم الجود المتوجه، وعلم إنفاق الوكيل من مال موكله وتصرفه فيه تصرف المالك مع كون المال ليس له، وعلم التمني، وعلم القضاء. والحمد لله رب العالمين، وأقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. ١١٨ في المنازل/ الباب الثاني والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من باع الحق بالخلق الباب الثاني والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من باع الحق بالخلق وهو من الحضرة المحمدية [الكامل] جَمْعُ الأنَام على إمَام وَاحِدٍ فإذا ادَّعى غَيْرُ الإِلهِ مَْقَامَهُ هَيْهَاتَ أين الواحدُ العَلَمُ الذي لا يقبلُ العقلُ الصحيحُ من الذي إلا الذي للفِكْرٍ فيه مَدَاخِلٌ لا تَعْبُدُ الأقوامُ غَيْرَ عُقُولِهِم عَيْنُ الدليل على الإله الوَاحِدِ ذاك الدليلُ على الخيالِ الفاسدِ لا يَقْبَلُ النَّسَبَ التي في الشَّاهِدِ تعطي الشريعة من وجود الزائد والوَاقفيُّ ممائلٌ للجَاحِدِ والناسُ بين مُسَلِّم ومُعَانِدٍ قال الله عز وجل: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ﴾ [النحل: ٢٢] وقال تعالي: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اَللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقال سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] وقال رسول اللهُ وَّ: ((إِذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا)) وقال ◌َ: ((الخُلَفَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ)) والتقرش التقبض والاجتماع، ولما كانت هذه القبيلة جمعت قبائل سميت قريشاً أي مجموع قبائل ومنها حيوان بحري يقال له القرش رأيته وهو متقبض مجتمع، وكذلك الإمام إن لم يكن متصفاً بأخلاق من استخلفه جامعاً لها مما يحتاج إليه من استخلف عليهم وإلا فلا تصح خلافته فهو الواحد المجموع، فأحديته أحدية الجمع وله من الأيام يوم الجمعة وهو الاجتماع في المصر على إمام واحد، وله من الأحوال الصلاة لأنه لا يقيمها إلا إمام واحد في الجماعة ويكون أقرأهم أي أكثرهم جمعاً للقرآن، وله من مراتب العلوم علوم الأنوار وإن لم يعط علوم الأسرار فلا يبالي صاحب هذا المقام فإن الصلاة نور والنور يهتدى به، ولا بد للإمام من نور يكشف به ويمشي به في العالم الذي ولاه الله عليهم، وقد توفرت همم العالم في كل قرية أو بلدة أو جماعة أن يكون لهم رأس يرجعون إليه ويكونون تحت أمره، وكان رسول الله وَلل إذا بعث سرية ولو كانت السرية رجلين أمر أحدهما وهو مقام شريف له علم خاص من كان فيه ذلك العلم ينبغي أن يكون إماماً. ألا ترى لما طعنت الصحابة في إمارة أسامة بن زيد لما قدمه رسول الله صلي على الجيش فبرز خارج المدينة وأمره أن يطأ بجيشه ذلك أرض الروم وفي جملة الجيش أبو بكر وعمر فقال رسول الله ◌َ﴿ الطاعنين في إمارته: ((طَالَ والله مَا طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةٍ أَبِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَمَا والله إِنَّهُ لَخَلِيقٌ بِهَا أَوْ جَدِيرٌ بِهَا)) وقد طعنت الملائكة في خلافة آدم عليه السلام وعليهم فأجابهم الله على ذلك كما أجاب رسول الله وَلقر في حق أسامة تخلقاً بأخلاق الله في ذلك، واتخاذ الإمام واجب شرعاً مع كونه موجوداً في فطرة العالم أعني طلب نصب الإمام . فإن قلت: فما نص الشارع بالأمر على اتخاذ الإمام فمن أين يكون واجباً؟ قلنا: إن الله تعالى قد أمر بإقامة الدين بلا شك ولا سبيل إلى إقامته إلا بوجود الأمان في أنفس الناس على ١١٩ في المنازل/ الباب الثاني والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من باع الحق بالخلق أنفسهم وأموالهم وأهليهم من تعدي بعضهم على بعض وذلك لا يكون أبداً ما لم يكن ثم من تخاف سطوته وترجى رحمته يرجع أمرهم إليه ويجتمعون عليه، فإذا تفرغت قلوبهم من الخوف الذي كانوا يخافونه على أموالهم ونفوسهم وأهليهم تفرغوا إلى إقامة الدين الذي أوجب الله عليهم إقامته وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، فاتخاذ الإمام واجب، ويجب أن يكون واحداً لئلا يختلفا فيؤدي إلى امتناع وقوع المصلحة وإلى الفساد، فقد تبين لك ما المراد بتوحيد الله الذي أمرنا بالعلم به أنه توحيد الألوهية له سبحانه لا إله إلا هو قال تعالى: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ولم يقل فاعلم أنه لا تنقسم ذاته ولا أنه ليس بمركب ولا أنه مركب من شيء ولا أنه جسم ولا أنه ليس بجسم بل قال في صفته أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ولما لم يتعرض الحق سبحانه إلى تعريف عباده بما خاضوا فيه بعقولهم ولا أمرهم الله في كتابه بالنظر الفكري إلا ليستدلوا بذلك على أنه إله واحد أي أنها لا تدل إلا على الوحدانية في المرتبة ﴿لَ نَّخِذُوَاْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِ إِنََّا هُوَ إِلَهٌ وَجِدٌ﴾ [النحل: ٥١] فزادوا في النظر وخرجوا عن المقصود الذي كلفوه فأثبتوا له صفات لم يثبتها لنفسه، ونفت عنه طائفة أخرى تلك الصفات ولم ينفها عن نفسه ولا نص عليها في كتابه ولا على ألسنة أنبيائه. ثم اختلفوا في إطلاق الأسماء عليه، فمنهم من أطلق عليه ما لم يطلق على نفسه وإن كان اسم تنزيه ولكنه فضول من القائل به والخائض فيه ثم أخذوا يتكلمون في ذاته، وقد نهاهم الشرع عن التفكر في ذاته جل وتعالى وقد قال سبحانه: ﴿ وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي لا تتعرضوا للتفكر فيها فانضاف إلى فضولهم عصيان الشرع بالخوض فيما نهوا عنه، فمن قائل: هو جسم، ومن قائل: ليس بجسم، ومن قائل: هو جوهر، ومن قائل : ليس بجوهر، ومن قائل هو في جهة، ومن قائل: ليس في جهة، وما أمر الله أحداً من خلقه بالخوض في ذلك جملة واحدة لا النافي ولا المثبت، ولو سئلوا عن تحقيق معرفة ذات واحدة من العالم ما عرفوها، ولو قيل لهذا الخائض كيف تدبير نفسك لبدنك وهل هي داخلة فيه أو خارجة عنه أو لا داخلة ولا خارجة وانظر بعقلك في ذلك، وهل هذا الزائد الذي يتحرّك به هذا الجسم الحيواني ويبصر ويسمع ويتخيل ويتفكر لماذا يرجع؟ هل لواحد أو لكثيرين؟ وهل يرجع إلى عرض أو إلى جوهر أو إلى جسم؟ وتطلبه بالأدلة العقلية على ذلك دون الشرعية ما وجد لذلك دليلاً عقلياً أبداً ولا عرف بالعقل أن للأرواح بقاء ووجوداً بعد الموت، وكل ما اتخذوه دليلاً في ذلك مدخول لا يقوم على ساق، فما من مأخذ فيه إلا وهو ممكن، والممكن لا يقوم دليل عقلي على وجوب وجوده ولا وجوب عدمه، إذ لو كان كذلك لا ستحالت حقيقة إمكانه فما لنا إلا ما نص عليه الشرع، فالعاقل يشغل نفسه بالنظر في الأوجب عليه لا يتعداه، فإن المدة يسيرة والأنفاس نفائس وما مضى منها لا يعود. فاعلم أن الله إله واحد لا إله إلا هو مسمى بالأسماء التي يفهم منها. ومن معانيها أنها لا تنبغي إلا له ولمن تكون له هذه المرتبة ولا تتعرض يا وليّ للخوض في الماهية والكمية ١٢٠ في المنازل/ الباب الثاني والعشرون وثلاثمائة في معرفة منزل من باع الحق بالخلق والكيفية فإن ذلك يخرجك عن الخوض فيما كلفته، والزم طريقة الإيمان والعمل بما فرض الله عليك واذكر ربك ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [النور: ٣٦] بالذكر الذي شرعه لك من تهليل وتسبيح وتحميد واتق الله، فإذا شاء الحق أن يعرفك بما شاءه من علمه فأحضر عقلك ولبك لقبول ما يعطيك ويهبك من العلم به فذلك هو النافع وهو النور الذي يحيى به قلبك وتمشي به في عالمك، وتأمن فيه من ظلم الشبه والشكوك التي تطرأ في العلوم التي تنتجها الأفكار، فإن النور هو النفور، فالنور منفر الظلم في المحل الذي يظهر فيه، فلو كان هذا العلم الذي أعطاه التفكر في الله نوراً كما يزعم ما طرأ على المحل ظلمة شبهة ولا ظلمة تشكيك أصلاً وقد طرأت، والظلمة ليس من شأنها أن تنفر النور ولا لها سلطان عليه، وإنما السلطان للنور المنفر الظلم، فدل ذلك على أن علوم المتكلمين في ذات الله والخائضين فيه ليست أنواراً، وهم يتخيلون قبل ورود الشبهة أنهم في نور وعلى بينة من ربهم في ذلك، فلا يبدو لهم نقصهم حتى ترد عليهم الشبهة، وما يدريك لعل تلك الشبهة التي يزعمون أنها شبهة هي الحق والعلم، فإنك تعلم قطعاً أن دليل الأشعري في إثبات المسألة التي ينفيها المعتزلي هو الحق وأنه شبهة عند المعتزلي، ودليل المعتزلي الذي ينفي به ما يثبته الأشعري شبهة عند الأشعري. ثم إنه ما من مذهب إلا وله أئمة يقومون به وهم فيه مختلفون وإن اتصفوا جميعم مثلاً بالأشاعرة، فيذهب أبو المعالي خلاف ما ذهب إليه القاضي، ويذهب القاضي إلى مذهب يخالف فيه الأستاذ، ويذهب الأستاذ إلى مذهب في مسألة يخالف فيه الشيخ والكل يدعي أنه أشعري، وكذلك المعتزلة، وكذلك الفلاسفة في مقالاتهم في الله وفيما ينبغي أن يعتقد، ولا يزالون مختلفين مع كون كل طائفة يجمعها مقام واحد واسم واحد، وهم مختلفون في أصول ذلك المذهب الذي جمعهم فإن الفروع لا تعتبر ورأينا المسمين رسلاً وأنبياء قديماً وحديثاً من آدم إلى محمد ومن بينهما عليهم الصلاة والسلام ما رأينا أحداً منهم قط اختلفوا في أصول معتقدهم في جناب الله، بل كل واحد منهم يصدق بعضهم بعضاً، ولا سمعنا عن أحد منهم أنه طرأ عليه في معتقده وعلمه بربه شبهة قط فانفصل عنها بدليل ولو كان لنقل ودوّن ونطقت به الكتب كما نقل سائر ما تكلم فيه من ذلك ممن تكلم فيه ولا سيما والأنبياء تحكمت في العامة في أنفسها وأموالها وأهليها وحجرت وأباحت وأوجبت ولم يكن لغيرها هذه القوّة من التحكم، فكانت الدواعي تتوفر على نقل ما اختلفوا فيه في جانب الحق لأنهم ينتمون إليه ويقولون إنه أرسلهم وأتوا بالدلائل على ذلك من المعجزات، ولا نقل عن أحد منهم أنه طرأت عليه شبهة في علمه بربه ولا اختلف واحد منهم على الآخر في ذلك، وكذلك أهل الكشف المتقون من أتباع الرسل ما اختلفوا في الله أي في علمهم به ولا نقل عن أحد منهم ما يخالف به الآخر فيه من حيث كشفه وإخباره لا من حيث فكره فإن ذلك يدخل مع أهل الأفكار، فهذا مما يدلك على أن علومهم كانت أنواراً لم تتمكن لشبهة أن تتعرض إليهم جملة واحدة، فقد علمت أن النور إنما اختص بأهل النور وهم الأنبياء والرسل ومن سلك على ما شرعوه ولم يتعد حدود ما قرروه واتقوا الله ولزموا الأدب مع الله، فهم على نور من ربهم نور