Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ في المنازل/ الباب السابع وثلاثمائة في معرفة منزل تنزل الملائكة على الموقف المحمدي ... الملائكة أي كفارات التخيير أولى بأن يفعل أو لماذا تكون كفارة وما عمل شيئاً تجب أو تتوجه فيه العقوبة حتى تكون هذه الكفارة تدفعه فعن أي شيء تستره، فالملأ الأعلى يختصمون في مثل هذا أيضاً، فالعالم صاحب الميزان ينظر في الذي وقع عليه اليمين، فيخرج من الكفارة المخير فيها ما يناسب ما حلف عليه ما لم يكن فيها فمن لم يجد وكذلك في الفداء وهذا كله مما يكون فيه النظر ويؤدّي إلى التنازع، فالظاهر من هذا الأمر أن الملائكة لهم نظر فكريّ يناسب خلقهم، ولهذا من الحقائق الإلهية قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [ الرعد: ٢] ثم ختم الآية ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] أي تثبتون على موازين الحكم. ومما يؤيد هذه الحالة قوله تعالى في الأخبار الإلهية: ((ما تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي)) الحديث، فوصف نفسه بالتردد الذي يوصف به المحدث من القوّة المفكرة وهو في الملائكة اختصامهم فيما ذكرنا، فإن كنت ذا فهم فانظر فيما دللنا به من الخبر الإلهي الصحيح. وأما قوله في خصامهم في نقل الأقدام أو السعي إلى الجماعات له من الحقائق الإلهية : (وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً وَمَنْ أَتَانِ يَسْعَى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) وقوله تعالى: ((وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ)) وقوله : ((يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا)) فافهم مناسبة هذه الصفة العملية من بني آدم من الحقائق الإلهية، فكلامهم في مثل هذه أي الحقائق الإلهية أقرب مناسبة لهذا الفعل فاختلفوا، وكذلك قوله: ((إسباغ الوضوء على المكاره)) له من الحقائق الإلهية قوله تعالى في الأخبار الإلهية في قبضه نسمة عبده المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته فوصف نفسه بأنه يكره، وكذلك من هذه الحقيقة يسبغ المؤمن الوضوء على كره منه من أجل شدة البرد فله الأجر أجر الكراهة من هذه الحقيقة الإلهية، وكذلك قوله فيما يختصمون فيه التعقيب وهو الجلوس في المسجد بعد الفراغ من الصلاة له من الحقائق الإلهية قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيََّ النَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وما تفرغ لنا إلا منَّا قال تعالى: ﴿يَسْتَلُهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فالعبد إذا فرغ من الصلاة فقعد في المسجد يذكر ربه تعالى عقيب الصلاة، فانتقل من مناجاته في حالة ما إلى مناجاته في حالة غيرها في بيت واحد، فمن مقام ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ﴾ يكون له الميزان على هذا العمل، فقد ارتبطت هذه الأعمال بالحقائق الإلهية التي وقعت فيها المناظرة بين الملأ الأعلى وفيها تفاصيل يطول ذكرها من المناسبات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب السابع وثلاثمائة في معرفة منزل تنزُّل الملائكة على الموقف المحمدي من الحضرة الموسوية المحمدية [الطويل]: ومَرَّتْ سُحَيْراً بالرياض فَنَمَّتِ تَنَسَّمْتُ أرواحَ العلى حين هَبَّتِ وهل حُبُّهُمْ فيها كمثل مَحَبَّتي أفي عَالَمِ الأنفاس من هو مِثْلُنا ٤٢ في المنازل/ الباب السابع وثلاثمائة في معرفة منزل تنزل الملائكة على الموقف المحمدي ... على السُّنَّةِ المُثْلَى دليلُ تَتِمَّتي فقال لسانُ الحَقِّ إنَّ مسيركم وأخفيتُ فيكم سِرَّ علمي وحِكْمَتي فأظهرتُ عنكم سِرَّ جُودي ونِقْمَتي ومن كان أعْمَى فهو من أصل حِيرَتي فمن كان ذا عين يرى ما جَلَوْتُهُ وكلُّ كيان فهو من أصل نَشْأَتي فكلُّ مقامٍ فهو من عَيْنِ جُودِهِ اعلم أيها الولي الحميم أن الله جعل من السماء إلى الأرض معارج على عدد الخلائق، وما في السموات موضع قدم إلا وهو معمور بملك يسبح الله ويذكره بما قد حد له من الذكر، والله تعالى في الأرض من الملائكة مثل ذلك لا يصعدون إلى السماء أبداً وأهل السموات لا ينزلون إلى الأرض أبداً ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وأن لله تعالى أرواحاً من الملائكة الكرام مسخرة قد ولاهم الله تعالى وجعل بأيديهم ما أوحى الله في السموات من الأمور التي قد شاء سبحانه أن يجريها في عالم العناصر، وجعل سبحانه معارج الملائكة من الكرسي إلى السموات ينزلون بالأوامر الإلهية المخصوصة بأهل السموات وهي أمور فرقانية، وجعل من العرش إلى الكرسي معارج لملائكة ينزلون إلى الكرسي بالكلمة الواحدة غير منقسمة إلى الكرسي، فإذا وصلت الكلمة واحدة العين إلى الكرسي انفرقت فرقاً على قدر ما أراد الرحمن أن يجري منها في عالم الخلق والأمر، ومن النفس رقائق ممتدة إلى العرش منقسمة إلى فرقتين للقوّتين اللتين النفس عليهما وهو اللوح المحفوظ وهو ذو وجهين، وتلك الرقائق التي بين اللوح والعرش بمنزلة المعارج للملائكة والمعاني النازلة في تلك الرقائق كالملائكة، ومن النفس التي هي اللوح إلى العقل الذي هو القلم توجهات استفادة، ومن العقل إليها توجهات إفادة ذاتية لا اختيار له فيها، يحصل عن تلك التوجهات من العلوم للنفس بما يكون في الكون ما لا يحصى كثرة ومن العقل إلى الله افتقار ذاتي، ومن الله إلى العقل إمداد ذاتي عن تجلِّ إرادي، فيعلم من علوم التفصيل في ذلك التجلي الإجمالي ما يزيده فقراً إلى فقره وعجزاً إلى عجزه لا ينفك ولا يبرح على هذه الحالة، فينزل الأمر الإلهيّ في ذلك التجلي الإرادي بالإمداد الذاتي إلى العقل، فيظهر في التوجهات العقلية إلى التوجهات النفسية ذلك الأمر الإلهي بصورة عقلية بعدما كان في صورة أسمائية، فاختلفت على ذلك الأمر الإلهيّ الصور بحسب الموطن الذي ينزل إليه فينصبغ في كل منزل صبغة، ثم ينزل ذلك الأمر الإلهي في الرقائق النفسية بصورة نفسية لها ظاهر وباطن وغيب وشهادة، فتتلقاه الرقائق الشوقية العرشية فتأخذه منها فينصبغ في العرش صورة عرشية فينزل في المعارج إلى الكرسي على أيدي الملائكة وهو واحد العين غير منقسم في عالم الخلق، وقد كان نزل من النفس إلى العرش منقسماً انقسام عالم الأمر، فلما انصبغ بأول عالم الخلق وهو العرش ظهر في وحدانيته الخلق وهو أول وحدانية الخلق، فهو من حيث الأمر منقسم ومن حيث الخلق واحد العين، كالصوت الخارج من الصدر إلى خارج الفم عين واحدة لا يظهر فيه كمية أصلاً فتقسمه المخارج إلى حروف متعدّدة تزيد على السبعين وهو عين ذلك الصوت الواحد، فينصبغ ذلك الأمر الإلهي في الكرسي بصورة غير الصورة التي كان عليها، وما من صورة ٤٣ في المنازل/ الباب السابع وثلاثمائة في معرفة منزل تنزل الملائكة على الموقف المحمدي ... ينصبغ فيها ويظهر بها إلا والأخرى التي كان عليها مبطونة فيه لا تزول عنه، والأولى أبداً من كل صورة روح للصورة التي تظهر فيها من أول الأمر إلى آخر منزل تلك الروح تمدّ هذه الصورة الظاهرة فينزل الأمر الإلهيّ من الكرسي على معراجه، إلى السدرة إن كان لعالم السموات القصد، وإن كان لعالم الجنان لم ينزل من ذلك الموضع، وظهر سلطانه في الجنان بحسب ما نزل إليه إما في حورها أو في أشجارها أو في ولدانها أو حيث عين له من الجنان، فإذا نزل إلى السموات على معراجه نزلت معه ملائكة ذلك المقام النازل منه ومعه أقوى أنوار الكواكب لا تفارقه فتتلقاه ملائكة السدرة فتأخذه من الملائكة النازلة به، وترجع تلك الملائكة بما تعطيها ملائكة السدرة من الأمور الصاعدة من الأرض، فتأخذها وترجع بها وتبقى أرواح الكواكب معه، فإن كان فيه مما تحتاج الجنة إليه من جهة ما فيها من النبات أخذته من السدرة العلية وفروعها في كل دار في الجنة وهي شجرة النور، وإليها تنتهي حقائق الأشجار العلوية الجنائية والسفلية الأرضية وأصولها شجرة الزقوم، وفروع أصلها كل شجر مرّ وسموم في عالم العناصر، كما أن كل نبات طيب حلو المذاق فمن ظاهر السدرة في الدنيا والجنة، فهذه السدرة عمرت الدنيا والآخرة، فهي أصل النبات والنموّ في جميع الأجسام في الدنيا والجنة والنار، وعليها من النور والبهاء بحيث أن يعجز عن وصفها كل لسان من كل عالم. ثم إن الأمر الإلهيّ يتفرع في السدرة كما تتفرع أغصان الشجرة، ويظهر فيه صور الثمرات بحسب ما يمده من العالم الذي ينزل إليه وقد انصبغ بصورة السدرة، فينزل على المعراج إلى السماء الأولى فيتلقاه أهلها بالترحيب وحسن القبول والفرح، ويتلقاه من أرواح الأنبياء والخلق الذين قبضت أرواحهم بالموت وكان مقرها هنالك، وتتلقاهم الملائكة المخلوقة من همم العارفين في الأرض وتجد هنالك نهر الحياة يمشي إلى الجنة، فإن كان له عنده أمانة ولا بد منها في كل أمر إلهي فإن الأمر الإلهي يعم جميع الموجودات فيلقيه في ذلك النهر مثل ما أعطى السدرة فيجري به النهر إلى الجنان، وفي كل نهر يجده هنالك مما يمشي إلى الجنة، وهنالك يجد النيل والفرات فيلقي إليهما ما أودع الله عنده من الأمانة التي ينبغي أن تكون لهما فتنزل تلك البركة في النهرين إلى الأرض فإنهما من أنهار الأرض، ويأخذ أرواح الأنبياء وملائكة الهمم وعمار السماء الأولى منه ما بيده مما نزل به إليهم ويدخل البيت المعمور فيبتهج به وتسطع الأنوار في جوانبه، وتأتي الملائكة السبعون ألفاً الذين يدخلونه كل يوم ولا يعودون إليه أبداً وهم ملائكة قد خلقهم الله من قطرات ماء نهر الحياة فإن جبريل عليه السلام ينغمس في نهر الحياة كل يوم غمسة فيخرج فينتفض كما ينتفض الطائر فيقطر منه في ذلك الانتفاض سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكاً كما يخلق الإنسان من الماء في الرحم فيخلق سبعين ألف ملك من تلك السبعين ألف قطرة بسبعين ألف ملك الذين يدخلون البيت المعمور كل يوم، قال رسول اللّه ◌َ﴿ في الحديث الصحيح في البيت المعمور: ((إنَّهُ يَدْخُلُه كُلَّ يَوم سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدا)) فانظر ما أوسع ملك الله. ثم ينصب المعراج من السماءً الأولى إلى السماء الثانية فينزل فيه الأمر الإلهي وهو على صورة السماء الأولى فينصبغ بصورة ٤٤ في المنازل/ الباب السابع وثلاثمائة في معرفة منزل تنزل الملائكة على الموقف المحمدي ... المعراج الذي ينزل فيه ومعه الملائكة الموكلون به من السماء الأولى ومعه أرواح البروج والكواكب الثابتة كلها وينزل معه ملك من قوّة كيوان لا بد من ذلك، فإذا وصل إلى السماء الثانية تلقته ملائكتها وما فيها من أرواح الخلائق المتوفين وملائكة الهمم وقوّة بهرام الذي في السماء الثانية فيعطيهم ما بيده لهم، وينزل إلى الثالثة وهو على صورة الثانية فينصبغ بصورة السلم الذي ينزل فيه والحال الحال مثل ما ذكرنا إلى أن ينتهي إلى السماء السابعة وهي السماء الدنيا، فإذا أدّى إليهم ما بيده لهم ومعه قوّة صاحب كل سماء فتحت أبواب السماء لنزوله ونزلت معه قوى جميع الكواكب الثوابت والسيارة وقوى الأفلاك وقوى الحركات الفلكية كلها وكل صورة انتقل عنها مبطونة فيه، فكل أمر إلهيّ ينزل فهو اسم إلهيّ عقلي نفسي عرشيّ كرسي، فهو مجموع صور كل ما مرّ عليه في طريقه فيخترق الكور ويؤثر في كل كرة بحسب ما تقبله طبيعتها إلى أن ينتهي إلى الأرض فيتجلى لقلوب الخلق فتقبله بحسب استعداداتها وقبولها متنوع، وذلك هو الخواطر التي تجدها الناس في قلوبهم، فبها يسعون وبها يشتهون وبها يتحركون طاعة كانت تلك الحركة أو معصية أو مباحة، فجميع حركات العالم من معدن ونبات وحيوان وإنسان وملك أرضي وسماوي، فمن ذلك التجلي الذي يكون من هذا الأمر الإلهيّ النازل إلى الأرض فيجد الناس في قلوبهم خواطر لا يعرفون أصلها وهذا هو أصلها ورسله إلى جميع ما في العالم الذي نزل إليه ما نزل معه من قوى الكواكب وحركات الأفلاك، فهؤلاء هم رسل هذا الأمر الإلهي إلى حقائق هؤلاء العالم، فتنمو به الناميات وتحيى به أمور ويموت به أمور، ويظهر التأثيرات العلوية والسفلية في كل عالم بتلك الرسل التي يرسلها في العالم هذا الأمر الإلهيّ فإنه كالملك فيهم، ولا يزال يعقبه أمر آخر ويعقب الآخر آخر في كل نفس بتقدير العزيز العليم، فإذا نفذ فيهم أمره وأراد الرجوع جاءته رسله من كل موجود بما ظهر من كل من بعثوا إليه صوراً قائمة فيلبسها ذلك الأمر الإلهيّ من قبيح وحسن ويرجع على معراجه من حيث جاء إلى أن يقف بين يدي ربه اسماً إلهياً ظاهراً بكل صورة فيقبل منها الحق ما شاء ويرد منها ما شاء على صاحبها في صور تناسبها، فجعل مقر تلك الصور حيث شاء من علمه فلا يزال تتابع الرسل إلى الأرض على هذه المعارج كما ذكرنا. فلنذكر من ذلك حال أهل الله مع هذا الأمر الإلهي إذا نزل إليهم، وذلك أن المحقق من أهل الله يعاين نزوله وتخلفه في الجو في الكور إذا فارق السماء الدنيا نازلاً ثلاث سنين وحينئذ يظهر في الأرض فكل شيء يظهر في كل شيء في الأرض فعند انقضاء ثلاث سنين من نزوله من السماء في كل زمان فرد، ومن هنا ينطق أكثر أهل الكشف بالغيوب التي تظهر عنهم فإنهم يرونها قبل نزولها ويخبرون بما يكون منها في السنين المستقبلة، وما تعطيهم أرواح الكواكب وحركات الأفلاك النازلة في خدمة الأمر الإلهيّ، فإذا عرف المنجم كيف يأخذ من هذه الحركات ما فيها من الآثار أصاب الحكم، وكذلك الكاهن والعرافون إذا صدقوا وعرفوا ما يكون قبل كونه أي قبل ظهور أثر عينه في الأرض، وإلا فمن أين يكون في قوة الإنسان أن يعلم ما يحدث من حركات الأفلاك في مجاريها؟ ولكن التناسب الروحاني الذي بيننا وبين ٤٥ في المنازل/ الباب السابع وثلاثمائة في معرفة منزل تنزل الملائكة على الموقف المحمدي ... أرواح الأفلاك العالمين بما تجري به في الخلق ينزل بصورتها التي اكتسبته من تلك الحركات والأنوار الكوكبية على أوزانها، فإن لها مقادير ما تخطىء وهمة هذا المنجم التعالمي وهمة هذا الكاهن قد انصبغت روحانيته بما توجهت إليه همته فوقعت المناسبة بينه وبين مطلوبه فأفاضت عليه روحانية المطلوب بما فيها في وقت نظره فحكم بالكوائن الطارئة في المستقبل . وأمّا العارفون فإنهم عرفوا أن لله وجهاً خاصاً في كل موجود فهم لا ينظرون أبداً إلى كل شيء من حيث أسبابه، وإنما ينظرون فيه من الوجه الذي لهم من الحق فينظر بعين حق فلا يخطىء أبداً، فإذا نزل الأمر الإلهيّ على قلب هذا العارف وقد لبس من الصور بحسب ما مر عليه من المنازل كما قررناه فأول صورة كان ظهر بها للعقل الأول صورة إلهية أسمائية وهي خلف هذه الصور كلها، وهذا العارف همه أبداً مصروف إلى الوجه الخاص الإلهيّ الذي في كل موجود بعين الوجه الخاص الإلهيّ الذي لهذا العارف المحقق، فينظر في ذلك الأمر من حيث الصورة الأولى الإلهية، ويترك الوسائط وينزل من تلك الصورة على جميع الصور من أعلى إلى أسفل، وفي كل صورة ما ينظر إليها إلا من حيث ذلك الوجه الخاص بها بوجهه الخاص به إلى أن ينتهي على جميع الصور، فيعرف من ذلك الأمر الإلهي جميع ما في العالم من العقل الأول إلى الأرض من الأسرار الإلهية حين يعلم الكاهن أو العراف، وأمثال هؤلاء ما يكون في العالم العنصري خاصة من الحوادث، ثم إن العارف يكسو ذلك الأمر الإلهي من حلل الأدب والحضور الإلهي في أخذه منه والنور والبهاء ما إذا صعد به الأمر الإلهي على معراجه تتعجب منه ملائكة السموات العلى فيباهي الله به ملائكته ويقول: هذا عبد جعل في الحضيض وفي أسفل سافلين بالنسبة إليكم فما أثر فيه منزله ولا حكم عليه موطنه ولا حجبته عني كثرة حجبه وخرق الكل ونظر إليَّ وأخذ عني فكيف به لو كان مثلكم بلا حجب ظلمانية كثيفة عنصرية؟ فيقول السامعون المخاطبون: سبحانك ذلك فضلك تختص به من تشاء من عبادك منَّة منك ورحمة ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] فلا يضاهي هذا العبد أحد من خلق الله إلا العقل الأوّل والملائكة المقربون المهيمون، وما ثم قلب بهذه المثابة من هذا العالم إلا قلوب الأفراد من رجال الله كالخضر وأمثاله وهم على قدم محمد قمّة، فهذا قد ذكرنا يسيراً من صورة تنزل الملائكة على قلب المحمدي الواقف، ويتضمن هذا المنزل من العلوم علم الأرواح العلوية والأرواح البرزخية، وعلم ما يفتح الله به على الصادق في طلب العلم النافع، وعلم التمييز والترجيح، وعلم الإلقاء واللقاء والكتابة، وعلم القرآن، وعلم ما يكون وعلم الغيب، وعلم المقادير، وعلم ردّ الأشياء إلى أصولها، وعلم الذهاب، وعلم الآخرة، وعلم إلحاق الثاني بالأول، وعلم نشوء العالم، وعلم الاستقرار في المكان والمكانة، وعلم الحياة، وعلم طول العالم وعرضه وعمقه ومن أين اكتسبه، وعلم حوادث الجوّ وما سببها وهي الآثار العلوية، وعلم مواطن الصمت والكلام، وعلم الجمع والتفرقة، وهو من علم النسب، وعلم دقائق المكر، وعلم التقوى أي الذي تنتجه التقوى في قوله: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وأين منه قوله: ﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ٤٦ في المنازل/ الباب الثامن وثلاثمائة في معرفة منزل اختلاط العالم الكلي من الحضرة المحمدية وعلم الإحسان أي ما ينتجه الإحسان، وعلم الإمهال من اسمه الحليم، وعلم الحقائق، وعلم الخشوع، وعلم منزلة كلام الله من كلام المخلوقين ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿فإنه أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثامن وثلاثمائة في معرفة منزل اختلاط العالم الكلي من الحضرة المحمدية [الرمل] : عَجَبِي مِنْ قائلِ كُنْ لِعَدَمْ ثم إن كان فَلِمْ قيل له فلقد أَبْطَلَ كُنْ قُدْرَةً مَنْ كيف للعقل دَليلٌ والذي فنجاةُ النَّفْسِ في الشَّرْعِ فلا واعْتَصِمْ بالشرع في الكَشْفِ فَقَد أَهْمِلِ الفِكْرَ ولا تَحفلْ به إنَّ للفكر مقاماً فاعْتَضِدْ كلُّ علم يشهدُ الشرعُ له وإذا خالفه العقلُ فقُلْ إن الله عُلُوماً جَمَّةٌ جَهِلَ التكييفَ فيها وانْتَفَى مثل ما قد جهل اللَّوحَ الذي والذي قيل له لَمْ يَكُ ثَمْ لتَكُنْ والكونُ ما لا يَنْقَسِمْ دَلَّ بالعقل عليها وحَكَمْ قد بناهُ العقلُ بالكَشْفِ هُدِمْ تَكُ إنساناً رأى ثُمَّ حُرِمْ فاز بالخير عُبَيْدٌ قد عُصِمْ واتْرُكَنْهُ مثلَ لحم في وَضَمْ به فيه تَكُ شخصاً قد رُحِمْ هو علمٌ فبه فَلْتَعْتَصِمْ طَوْرَكَ الْزَمْ ما لكم فيهِ قَدَمْ نالها من لم يَقُلْ ما ثَمَّ لَمْ عن حِمَاهَا رفعةً سلطانُ كُمْ خَطَّ فيه الحَقُّ مِنْ علم القلمْ اعلم أن الناس اختلفوا في مسمى الإنسان ما هو؟ فقالت طائفة: هو اللطيفة، وطائفة قالت: هو الجسم، وطائفة قالت: هو المجموع وهو الأولى. وقد وردت لفظة الإنسان على ما ذهبت إليه كل طائفة. ثم اختلفنا في شرفه هل هو ذاتي له أو هو بمرتبة نالها بعد ظهوره في عينه وتسويته كاملاً في إنسانية إما بالعلم وإما بالخلافة والإمامة؟ فمن قال إنه شريف لذاته نظر إلى خلق الله إياه بيديه ولم يجمع ذلك لغيره من المخلوقين وقال: إنه خلقه على صورته فهذا حجة من قال: شرفه شرف ذاتيّ، ومن خالف هذا القول قال: لو أنه شريف لذاته لكنا إذا رأينا ذاته علمنا شرفه والأمر ليس كذلك، ولم يكن يتميز الإنسان الكبير الشريف بما يكون عليه من العلم والخلق على غيره من الأناسي ويجمعهما الحد الذاتيّ فدل أن شرف الإنسان بأمر عارض يسمى المنزلة أو المرتبة، فالمنزلة هي الشريفة والشخص الموصوف بها نال الشرف بحكم التبعية كرتبة الرسالة والنبوّة والخلافة والسلطنة والله يقول: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ اُلْإِنِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] وقال: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنَْنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ ٤٧ في المنازل/ الباب الثامن وثلاثمائة في معرفة منزل اختلاط العالم الكلي من الحضرة المحمدية شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] أي قد أتى على الإنسان وقد قالت الملائكة فيه من حيث ذاته ما قالت وصدقت فما علم شرفه إلا بما أعطاه الله من العلم والخلافة، فليس لمخلوق شرف من ذاته على غيره إلا بتشريف الله إياه، وأرفع المنازل عند الله أن يحفظ الله على عبده مشاهدة عبوديته دائماً، سواء خلع عليه من الخلع الربانية شيئاً أو لم يخلع، فهذه أشرف منزلة تعطى لعبد وهو قوله تعالى: ﴿وَأَصْطَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه: ٤١] وقوله سبحانه: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] فقرن معه تنزيهه، قال بعض المحبين في هذا المقام: [السريع] فإنَّه أشْرَفُ أسْمَائي لا تَدْعُنِي إلا بيا عَبْدَهَا فليس لصنعة شرف أعلى من إضافتها إلى صانعها، ولهذا لم يكن لمخلوق شرف إلا بالوجه الخاص الذي له من الحق لا من جهة سببه المخلوق مثله، وفي هذا الشرف يستوي أول موجود وهو القلم أو العقل أو ما سميته وأدنى الموجودات مرتبة، فإن النسبة واحدة في الإيجاد والحقيقة واحدة في الجميع من الإمكان، فآخر صورة ظهر فيها الإنسان الصورة الآدمية وليس وراءها صورة أنزل منها وبها يكون في النار من شقي لأنها نشأة وتركيب تقبل الآلام والعلل، وأما أهل السعادة فينشؤون نشأة وتركيباً لا يقبل ألماً ولا مرضاً ولا خبثاً، ولهذا لا يهرم أهل الجنة ولا يتمخطون ولا يبولون ولا يتغوّطون ولا يسقمون ولا يجوعون ولا يعطشون، وأهل النار على النقيض منهم وهي نشأة الدنيا وتركيبها، فهي أدنى صورة قبلها الإنسان، وقد أتت عليه أزمنة ودهور قبل أن يظهر في هذه الصورة الآدمية وهو في الصورة التي له في كل مقام وحضرة من فلك وسماء وغير ذلك مما تمرّ عليه الأزمان والدهور، ولم يكن قط في صورة من تلك الصور مذكوراً بهذه الصورة الآدمية العنصرية، ولهذا ما ابتلاه قط في صورة من صوره في جميع العالم إلا في هذه الصورة الآدمية، ولا عصى الإنسان قط خالقه إلا فيها، ولا ادّعى رتبة خالقه إلا فيها، ولا مات إلا فيها، ولهذا يقبل الموت أهل الكبائر في النار ثم يخرجون فيغمسون في نهر الحياة فيتركبون تركيباً لا يقبل الألم ولا الأسقام فيدخلون بتلك الصورة الجنة . واعلم أن الصراط الذي إذا سلكت عليه وثَبَّتَ الله عليه أقدامك حتى أوصلك إلى الجنة هو صراط الهدى الذي أنشأته لنفسك في دار الدنيا من الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فهو في هذه الدار بحكم المعنى لا يشاهد له صورة حسية، فيمد لك يوم القيامة جسراً محسوساً على متن جهنم أوّله في الموقف وآخره على باب الجنة تعرف عندما تشاهده أنه صنعتك وبناؤك، وتعلم أنه قد كان في الدنيا ممدوداً جسراً على متن جهنم طبيعتك في طولك وعرضك وعمقك وثلاث شعب إذا كان جسمك ظل حقيقتك وهو ظل غير ظليل لا يغنيها من اللهب بل هو الذي يقودها إلى لهب الجهالة ويضرم فيها نارها، فالإنسان الكامل يعجل بقيامته في الموطن الذي تنفعه قيامته فيه وتقبل فيه توبته وهو موطن الدنيا، فإن قيامة الدار الأخرى لا ينفع فيها عمل لأنه لم يكلف فيها بعمل فإنه موطن جزاء لما سلف في الدار الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي بين ما يقتضيه المواطن ليكون الإنسان المخاطب في كل ٤٨ في المنازل/ الباب الثامن وثلاثمائة في معرفة منزل اختلاط العالم الكلي من الحضرة المحمدية موطن بما قرن به من العمل بالذي يرضيه، وهو ممزوج بما ينافيه مثل خلق الأجسام الطبيعية سواء، فإن الحرارة تنافر البرودة وإن الرطوبة تنافر اليبوسة، وأراد الحق أن يجمع الكل على ما هم عليه من التضادّ في جسم واحد، فضم الحرارة إلى اليبوسة فخلق منهما المرّة الصفراء، ثم زوج بين الحرارة والرطوبة فكان لهذا المزاج الدم وجعله مجاوراً لهما جعل الرطوبة التي في الدم مما يلي اليبوسة التي في الصفراء بحكم المجاورة حتى تقاومها في الفعل، فلا تترك كل واحدة منهما يظهر سلطانها في المزاج الإنسانيّ الحيوانيّ، فلو جعل الحرارة الدموية تليها فلا بد إن كان يليها من الصفراء إما الحرارة أو اليبوسة، فإن وليتها اليبوسة وهي المنفعلة عن الحرارة فكان اليبس يتقوى سلطانه في الجسم فيؤدّي إلى دخول المرض عليه فيحول المرض بينه وبين ما كلفه رب الجسم أن يشتغل به من العلوم واقتنائها والأعمال الموصلة إلى السعادة، وكذلك لو جاورتها حرارة الصفراء لزادت في كمية الصفراء فيعتل، فلهذا كانت الرطوبة مما يلي الصفراء. ثم إنه تعالى زوج بين البرودة والرطوبة فكان من هذا الاختلاط البلغم فجعل الرطوبة البلغمية مما يلي الحرارة الدموية، ولو لم يكن كذلك لكان كما ذكرناه أوّلاً من دخول العلة والسقم للزيادة في الكمية في ذلك الخلط، ثم زوج بين البرودة واليبوسة فكان من ذلك المزج المرة السوداء، فجعل اليبوسة من السوداء مما يلي الرطوبة من البلغم، ولم يجعل البرودة من السوداء تليها لئلا تزيد في كمية رطوبة البلغم فإن الرطوبة منفعلة عن البرودة، فإذا حصلت بين برودة البلغم وبرودة السوداء تضاعفت وزادت كمية البلغم فدخلت العلة والمرض على الجسم فإنها قابلة للانفعال. فانظر لحكمة الله في هذه النشأة وهذا لبقاء الصحة على هذا الجسم الذي هو مركب هذه اللطيفة ليوصلها إلى ما دعاها إليه ربها عز وجل، فهذا المركب الجسميّ يستولي عليه الروح الإلهيّ فإذا تغشاه حمل فينتج أعمالاً إمّا صالحة وهي المخلقة وإما فاسدة وهي غير المخلقة، وظهرت هذه الأعمال في صور مراكب، فإن كانت صالحة صعدت به إلى عليين قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] أي الأرواح الطيبة فإنها كلمات الله مطهرة، قال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] وقال: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] كذلك إذا كان العمل فاسداً يهوي به إلى أسفل سافلين قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ [التين: ٥] أي هوی به مركبه وقد كان ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: ٤] ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [التين: ٦] فإن عمله يصعد به إلى عليين فيكون له ﴿أَجْرّ غَيْرُ ◌َمنُونٍ﴾ [التين: ٦] وهو الأجر المكتسب، ولا يكون الأجر إلا مكتسباً فإن أعطي ما هو خارج عن الكسب لا يقال فيه أجر بل هو نور وهبات، ولهذا قال في حق قوم لهم أجرهم ونورهم، فأجرهم ما اكتسبوه، ونورهم ما وهبهم الحق تعالى من ذلك حتى لا ينفرد الأجر من غير أن يختلط به الوهب حتى يشغل ذلك الوهب العبد عن معاينة سلطان الاستحقاق الذي يعطيه الأجر، إذ كان معاوضة عن عمل متقدم مضاف إلى العبد فلا أجر إلا ويخالطه نور لما ذكرناه، فإن النشأة على هذا الأصل قامت وذلك أن الجسم الطبيعيّ لما تركب وظهر بروحه الحساس لو ترك مستقلاً لأهلكته الدعوى، ولكن جعل الله له روحاً ربانياً من نفس الرحمن ٤٩ في المنازل/ الباب الثامن وثلاثمائة في معرفة منزل اختلاط العالم الكلي من الحضرة المحمدية الذي هو الروح الإلهيّ، فظهرت لطيفة الإنسان نوراً فوكلت بالجسم الحيوانيّ، فلهذا قرن الأنوار بالأجور حتى تكون المنة الإلهية تصحب هذا العبد حيث كان ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ١١٠] ولهذا قلنا إن هذا منزل الاختلاط وإن كان يتضمن علوماً جمة منها علم حروف المعاني لا حروف الهجاء، وهل إذا دخل بعضها على بعض هل ينقلها عن مقام الحرفية إلى مقام الاسمية؟ إذ الحرف لا يعمل في مثله، وبماذا يعمل حرف في حرف وليس كل حرف واحد بأقوى من صاحبه مثل دخول ((من)) على حرف ((عن)) فقد كان حرف ((عن)) يعطي معنى التجاوز فصيره حرف ((من)) يدل على الجهة والناحية كما يدل الاسم، قال الشاعر: [البسيط] مِنْ عَنْ يَمينِ الحُبَيَّا نَظْرَةٌ قُبُلُ فالعامل في يمين عن بلا شك، ولكن هل عمل فيه عمل الحرفية لبقاء صورته أو عمل فيه عمل الإضافة وهو عمل الأسماء؟ فيكون عمله من طريق المعنى الذي كساه ((من)) بدخوله عليه، ويكون عن معمولاً ل((من)) أو يبقى على أصله فنقول بجواز دخول الحروف بعضها على بعض، ونترك عمل الواحد منهما ونجعله زائداً كما نعمله في ما إذا جعلناها زائدة في قوله : [الوافر] إذا ما رايةٌ رُفعِتْ لمَجْدٍ فـ(ما)) هنا زائدة لأن الكلام يستقل دونها فتقول إذا راية فلا عمل هنا لها، وكذلك حرف إن في قول امرىء القيس : [الطويل] فما إنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلا صَالٍ فـ((إن)» هنا زائدة لا عمل لها فيكون ذلك كذلك ولا مانع، إذ لو حذفنا عن من قوله من عن يمين لم يختل المعنى ولا يخرج الحرف عن بابه إلى باب الاسمية من غير ضرورة، وإذا أبدل الحرف من الحرف هل يعطي معنى ما أبدل منه أو هل يعطي خلافه؟ ومما يتضمن هذا المنزل علم المراكب والركبان، وعلم الزمان، وعلم شرف الكلام، وعلم شرف الذكر على الفكر، وكون الحق وصف نفسه بالذكر وما وصف نفسه بالفكر مع أنه أثبت لنفسه التدبير وهو الفكر، أو يقوم مقام اللازم له ويتضمن علم الخلق والصفات، وعلم البيان، وعلم الأحوال، وعلم الاستعداد، وعلم الإحسان، وعلم التجلي الوسط الأوسط الذي بين الذوق والري في مذهب من يقول بالري، وعلم ثلج برد اليقين من أين حصل؟ وعلم العبودية لله دون غيره من الأشياء وما لهذه العبودية من الآثار في العلوم، وعلم ما يعطيه أداء الواجبات، وعلم الآخرة، وعلم الهبات من العطايا، واختلاف أحوال العطاء، وعلم التقوى وأصناف الوقايات، وعلم نعيم الأرواح وعلم العرش والرفارف والمنابر والأسرة والكراسي والمراتب وأين حظ كل واحد منها ؟ وعلم النقيضين وعلم التداني الأعلى من التداني الأنزل، وعلم الظلالات، وعلم الانقياد بطريق الذلة، وعلم الطواف بالبيت والطائفين ولماذا يطاف به؟ وبماذا يطاف؟ وعلم الاصطلام، وعلم اللآلي والسلوك، وعلم الرتبة الإلهية والدنياوية وتنوعاتها وما المحمود منها، وعلم التحجيل، وعلم تقديس التجلي، وعلم الجزاء الإلهيّ، وعلم تنزيل الغيوب، الفتوحات المكية ج٥ - م٤ ٥٠ في المنازل/ الباب التاسع وثلاثمائة في معرفة منزل الملامية من الحضرة المحمدية وعلم التكليف، وعلم الإرادة، وعلم التبديل والإبدال، وعلم الاختصاص، وفي كل صنف مما ذكرناه من العلوم علوم. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب التاسع وثلاثمائة في معرفة منزل الملامية من الحضرة المحمدية وهذا مقام رسول الله ◌َ# وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وممن تحقق به من الشيوخ: حمدون القصار، وأبو سعيد الخرّاز، وأبو يزيد البسطامي، وكان في زماننا هذا أبو السعود بن الشبل، وعبد القادر الجيليّ ومحمد الأوانيّ، وصالح البربريّ، وأبو عبد الله الشرفيّ، ويوسف الشبريليّ، ويوسف بن تعز، وابن جعدون الحناوي، ومحمد بن قسوم، وأبو عبد الله بن المجاهد، وعبد الله بن تاخمست، وأبو عبد الله المهدويّ، وعبد الله القطان، وأبو العباس الحصار، وما يضيق الكتاب عن ذكرهم: [الرمل] يَلْزَمُ الحِثْثُ له مهما حَنَثْ أسكنَ الأرواحَ أجداثَ الجُثَتْ أنّه مَا خَلَقَ الخَلقَ عَبَثْ قلتُ يا سَنَدي لا تَكْثَرِثْ عَقْدِ ما قَرَّرَهُ ثم نَكَثْ بَذَرَ الحَبَّ ونَقَّى وحَرَثْ أخبرَ الرُّوحُ به حين نَفَثْ بين زوجين نكاحاً ثم بَثْ غيرةً منه زماناً ثم بَثْ حِكْمَةً ما بين شَيْخِ وَحَدَثْ لهما كان لأمْرٍ قَدْ حَدَثْ هَرَمٌ والشّيخ قد حَلَّ الجَدَثْ بَعْدِ مَوْت عاد حَيّاً فِبُعِثْ كُلُّ مَنْ أَقْسَمَ بالخَلْق فما فأنا أُقْسِمُ بالله الذي وبآيات الهُدَى من نُوره وإذا لم يَكُنِ الأمر كما خَابَ عَقْلٌ عاهدَ الشَّرْعَ على أترى يحصدُ شخصٌ زَزِعَ مَنْ لا وَحَقُ الحَقِّ ما يملكُه أودعَ الأرواحِ رُوحاً واحداً كَتَمَ السِّرَّ الذي فيه له لم يُسَوِّ اللّهُ في أحكامه ثم إن جاء بحكم جامع فكأن بالطفل قدّ حلَّ به كان حَيّاً ثم مَيْتاً ثمٍ مِنْ اعلم وفقك الله أن رجال الله ثلاثة لا رابع لهم: رجال غلب عليهم الزهد والتبتل والأفعال الطاهرة المحمودة كلها وطهروا أيضاً بواطنهم من كل صفة مذمومة قد ذمها الشارع غير أنهم لا يرون شيئاً فوق ما هم عليه من هذه الأعمال ولا معرفة لهم بالأحوال ولا المقامات ولا العلوم الوهبية اللدنية ولا الأسرار ولا الكشوف ولا شيئاً مما يجده غيرهم، فهؤلاء يقال لهم العباد، وهؤلاء إذا جاء إليهم أحد يسألهم الدعاء ربما انتهره أحدهم أو يقول له: أيّ شيء أكون أنا حتى أدعو لك؟ وما منزلتي؟ حذراً أن يتطرّق إليهم العجب وخوفاً من غوائل النفس لئلا يدخله الرياء في ذلك، وإن كان منهم أحد يشتغل بقراءة فكتابه مثل الرعاية للمحاسبي وما جرى مجراه، والصنف الثاني فوق هؤلاء يرون الأفعال كلها لله وأنه لا فعل ٥١ في المنازل/ الباب التاسع وثلاثمائة في معرفة منزل الملامية من الحضرة المحمدية لهم أصلاً فزال عنهم الرياء جملة واحدة، وإذا سألتهم في شيء مما يحذره أهل الطريق يقولون: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] ويقولون: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] وهم مثل العباد في الجد والاجتهاد والورع والزهد والتوكل وغير ذلك، غير أنهم مع ذلك يرون أن ثم شيئاً فوق ما هم عليه من الأحوال والمقامات والعلوم والأسرار والكشوف والكرامات فتتعلق هممهم بنيلها، فإذا نالوا شيئاً من ذلك ظهروا به في العامة من الكرامات لأنهم لا يرون غير الله وهم أهل خلق وفتوّة وهذا الصنف يسمى الصوفية، وهم بالنظر إلى الطبقة الثالثة أهل رعونة وأصحاب نفوس وتلامذتهم مثلهم أصحاب دعاوى يشمرون على كل أحد من خلق الله ويظهرون الرياسة على رجال الله، والصنف الثالث رجال لا يزيدون على الصلوات الخمس إلا الرواتب لا يتميزون عن المؤمنين المؤدين فرائض الله بحالة زائدة يعرفون بها يمشون في الأسواق ويتكلمون مع الناس لا يبصر أحد من خلق الله واحداً منهم، يتميزون عن العامة بشيء زائد من عمل مفروض أو سنة معتادة في العامة قد انفردوا مع الله راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع الله طرفة عين، ولا يعرفون للرياسة طعماً لاستيلاء الربوبية على قلوبهم وذلتهم تحتها، قد أعلمهم الله بالمواطن وما تستحقه من الأعمال والأحوال وهم يعاملون كل موطن بما يستحقه، قد احتجبوا عن الخلق واستتروا عنهم بستر العوام، فإنهم عبيد خالصون مخلصون لسيدهم مشاهدون إياه على الدوام في أكلهم وشربهم ويقظتهم ونومهم وحديثهم معه في الناس، يضعون الأسباب مواضعها ويعرفون حكمتها حتى تراهم كأنهم الذي خلق كل شيء مما تراهم من إثباتهم الأسباب وتحضيضهم عليها، ويفتقرون إلى كل شيء لأن كل شيء عندهم هو مسمى الله، ولا يفتقر إليهم في شيء لأنه ما ظهر عليهم من صفة الغنى بالله ولا العزة به ولا أنهم من خواص الحضرة الإلهية أمر يوجب افتقار الأشياء إليهم وهم يرون كون الأشياء لا تفتقر إليهم ويفتقرون إليها كون الله قال للناس: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] فهم وإن استغنوا بالله فلا يظهرون بصفة يمكن أن يطلق عليهم منها الاسم الذي قد وصف الله نفسه به وهو الاسم الغني، وأبقوا لأنفسهم ظاهراً وباطناً الاسم الذي سماهم الله به وهو الفقير، وقد علموا من هذا أن الفقر لا يكون إلا إلى الله الغني، ورأوا الناس قد افتقروا إلى الأسباب الموضوعة كلها وقد حجبتهم في العامة عن الله، وهم على الحقيقة ما افتقروا في نفس الأمر إلا إلى من بيده قضاء حوائجهم وهو الله، قالوا: فهنا قد تسمى الله بكل ما يفتقر إليه في الحقيقة والله لا يفتقر إلى شيء، فلهذا افتقرت هذه الطائفة إلى الأشياء ولم تفتقر إليهم الأشياء وهم من الأشياء، والله لا يفتقر إلى شيء ويفتقر إليه كل شيء، فهؤلاء هم الملامية وهم أرفع الرجال وتلامذتهم أكبر الرجال، يتقلبون في أطوار الرجولية وليس ثم من حاز مقام الفتوة والخلق مع الله دون غيره سوى هؤلاء، فهم الذين حازوا جميع المنازل ورأوا أن الله قد احتجب عن الخلق في الدنيا وهم الخواص له فاحتجبوا عن الخلق لحجاب سيدهم، فهم من خلف الحجاب لا يشهدون في الخلق سوى سيدهم، فإذا كان في الدار الآخرة وتجلى الحق ٥٢ في المنازل/ الباب التاسع وثلاثمائة في معرفة منزل الملامية من الحضرة المحمدية ظهر هؤلاء هناك لظهور سيدهم، فمكانتهم في الدنيا مجهولة العين، فالعباد متميزون عند العامة بتقشفهم وتبعدهم عن الناس وأحوالهم وتجنب معاشرتهم بالجسم فلهم الجزاء. والصوفية متميزون عند العامة بالدعاوى وخرق العوائد من الكلام على الخواطر وإجابة الدعاء والأكل من الكون وكل خرق عادة لا يتحاشون من إظهار شيء مما يؤدي إلى معرفة الناس به قربهم من الله فإنهم لا يشاهدون في زعمهم إلا الله وغاب عنهم علم كبير، وهذا الحال الذي هم فيه قليل السلامة من المكر والاستدراج والملامية، لا يتميزون عن أحد من خلق الله بشيء فهم المجهولون حالهم حال العوام، واختصوا بهذا الاسم لأمرين: الواحد يطلق على تلامذتهم لكونهم لا يزالون يلومون أنفسهم في جنب الله ولا يخلصون لها عملاً تفرح به تربية لهم لأن الفرح بالأعمال لا يكون إلا بعد القبول وهذا غائب عن التلامذة، وأما الأكابر فيطلق عليهم في ستر أحوالهم ومكانتهم من الله حين رأوا الناس، إنما وقعوا في ذم الأفعال واللوم فيما بينهم فيها لكونهم لم يروا الأفعال من الله وإنما يرونها ممن ظهرت على يده فناطوا اللوم والذم بها، فلو كشف الغطاء ورأوا أن الأفعال لله لما تعلق اللوم بمن ظهرت على يده، وصارت الأفعال عندهم في هذه الحالة كلها شريفة حسنة، وكذلك هذه الطائفة لو ظهرت مكانتهم من الله للناس لاتخذوهم آلهة، فلما احتجبوا عن العامة بالعادة انطلق عليهم في العامة ما ينطلق على العامة من الملام فيما يظهر عنها مما يوجب ذلك، وكأن المكانة تلومهم حيث لم يظهروا عزتها وسلطانها، فهذا سبب إطلاق هذا اللفظ في الاصطلاح عليهم وهي طريقة مخصوصة لا يعرفها كل أحد انفرد بها أهل الله وليس لهم في العامة حال يتميزون بها . واعلم أن الحكيم من العباد هو الذي ينزل كل شيء منزلته ولا يتعدى به مرتبته، ويعطي كل ذي حق حقه، لا يحكم في شيء بغرضه ولا بهواه، لا تؤثر فيه الأعراض الطارئة، فينظر الحكيم إلى هذه الدار التي قد أسكنه الله فيها إلى أجل، وينظر إلى ما شرع الله له من التصرف فيها من غير زيادة ولا نقصان، فيجري على الأسلوب الذي قد أبين له، ولا يضع من يده الميزان الذي قد وضع له في هذا الموطن، فإنه إن وضعه جهل المقادير، فإما يخسر في وزنه أو يطفف وقد ذم الله الحالتين، وجعل تعالى للتطفيف حالة تخصه يحمد فيها التطفيف فيطفف هناك على علم فإنه رجحان الميزان ويكون مشكوراً عند الله في تطفيفه، فإذا علم هذا ولم يبرح الميزان من يديه لم يخط شيئاً من حكمة الله في خلقه، ويكون بذلك إمام وقته، فأوّل ما يزن به الأحوال في هذا الموطن، فإن اقتضى وزنه للحال إظهار الحق لعباده وتعريف الخلق به عرفهم وذلك في الموطنِ الذي لا يؤدي ذكره إلى أذى الله ورسوله، فإن الله قد وصف نفسه بأنه يؤذى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وهذا الذي اقتضى له اسم الصبور واسم الحليم، وقال رسول الله وَ ل: ((لَيْسَ شَخْصٌ أَضْبَرَ عَلَى أَذِى مِنَ الله)) وقد كذب وشتم أخبر الله بذلك في الصحيح من الخبر عن رسول الله وَلّر عن ربه فقال: ((كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ ذُلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنْ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ ذُلِكَ)) وهذا القول إنما تكلم به ٥٣ في المنازل/ الباب التاسع وثلاثمائة في معرفة منزل الملامية من الحضرة المحمدية الاسم اللطيف، ولهذا أكسبه هذا اللطف في العتب في دار الدنيا ووقع به التعريف ليرجع المكذب عن تكذيبه والشاتم عن شتمه، فإنه موطن الرجوع والقبول منه، والآخرة وإن كانت موطن الرجوع ولكن ليست موطن قبول، فمن الميزان أن لا يعرّض الحكيم بذكر الله ولا يذكر رسوله، ولا أحد ممن له قدر في الدين عند الله في الأماكن التي يعرفها هذا الحكيم إذا ذكر الله فيها أو رسوله أو أحداً ممن اعتنى الله به كالصحابة عند الشيعة فإن ذلك داع إلى ثلب المذكور وشتمه وإدخال الأذى في حقه، ففي مثل هذا الموطن لا يذكره، ألا تراه مل# قد نهانا أن نسافر بالقرآن الذي هو المصحف إلى أرض العدوّ فإنه يؤدي ذلك إلى التعرض لإهانته وعدم حرمته مما يطرأ عليه ممن لا يؤمن به فإنه عدوّ له؟ وهذا مقام الملاميّ لا غيره فالشريعة كلها هي أحوال الملامية. سئلت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن خلق رسول الله وَّة فقالت رضي الله عنها: ((كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ)) ثم تلت قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فالأصل الإلهيّ الذي استندت إليه هذه الطائفة هو ما ذكرناه من أن الحق سبحانه يجب لجلاله من التعظيم والكبرياء ما تستحقه الألوهة، ومع هذا فانظر موطن الدنيا ما اقتضاه في حق الحق من دعوى العبيد فيها الربوبية ومنازعة الحق في كبريائه وعظمته فقال فرعون: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وتكبر وتجبر، وسبب ذلك أن الموطن اقتضى أن ينحجب الخلق عن الله إذ لو أشهدهم نفسه في الدنيا لبطل حكم القضاء والقدر الذي هو علم الله في خلقه بما يكون عنهم وفيهم فكان حجابه رحمة بهم وإبقاء عليهم، فإن تجليه سبحانه يعطي بذاته القهر فلا يتمكن معه دعوى، فلما كانت الألوهية تجري بحكم المواطن كان هذا الأصل الإلهيّ مشهود الملامية إذ كانوا حكماء علماء فقالوا: نحن فروع هذا الأصل إذ كان لكل ما يكون في العالم أصل إلهيّ، ولكن ما كل أصل إلهيّ يكون في حق العبد إذا اتصف به محموداً فإن الكبرياء أصل إلهي بلا شك، ولكن إن اتصف به العبد وصير نفسه فرعاً لهذا الأصل واستعمله باطناً فإنه مذموم بكل وجه بلا خلاف، ولكن إن استعمله ظاهراً في موضع خاص قد عين له وأبيح له فيه استعماله صورة ظاهرة لا روح لها منه كان محموداً لنفس الصورة، ولهذا رأت الطائفة أن خرق العوائد واجب سترها على الأولياء، كما أن إظهارها واجب على الأنبياء لكونهم مشرعين لهم التحكم في النفوس والأموال والأهل، فلا بد من دليل يدل على أن التحكم في ذلك لرب المال والنفس والأهل، فإن الرسول من الجنس فلا يسلم له دعواه ما ليس له بأصل إلا بدليل قاطع وبرهان، والذي ليس له التشريع ولا التحكم في العالم بوضع الأحكام فلأيّ شيء يظهر خرق العوائد حين مكنه الله من ذلك ليجعلها دلالة على قربه عنده لا لتعرف الناس ذلك منه، فمتى أظهرها في العموم فلرعونة قامت به غلبت عليه نفسه فيها، فهي إلى المكر والاستدراج أقرب منها إلى الكرامة، فالملامية أصحاب العلم الصحيح في ذلك، فهم الطبقة العليا وسادات الطريقة المثلى والمكانة الزلفى في العدوة الدنيا والعدوة القصوى، ولهم اليد البيضاء في علم المواطن ٥٤ في المنازل / الباب التاسع وثلاثمائة في معرفة منزل الملامية من الحضرة المحمدية وأهلها وما تستحق أن تعامل به، ولهم علم الموازين وأداء الحقوق، وكان سلمان الفارسي من أجلهم قدراً وهو من أصحاب رسول الله وَّ في هذا المقام وهو المقام الإلهي في الدنيا. ويتضمن هذا المنزل من العلوم هذا العلم وهو علم الحكمة ويتضمن علم المواقف، وعلم الحساب، وعلم الظن، وعلم الإهمال والفرق بينه وبين الإمهال الذي يطلبه الاسم الحكيم، وعلم السابقة إلى المعاصي والمخالفات وهل يكون للإنسان المخالفة عين الموافقة؟ وإن كانت فهل تثمر له هذه المخالفة بهذه المثابة وسرعته إلى فعلها قربة عند الله؟ وهل تحجب المقرب ولا بد وإن سارع إليها عند مباشرة الفعل المخالف للحكم المشروع عن الحكم المشروع فيه أو لا يحجب؟ وأما أن يكون قربة ذلك الفعل المخالف ولكن قد يكون مقر بألا قربة وهو علم كبير لا يعرفه من أهل طريقنا إلا قليل، فإن غوره بعيد وميزانه خفي دقيق ما في الموازين أخفى منه، والأكثر من أهل طريق الله ما شاهده ولا رآه، وإن قيل له أنكره فما ظنك بعلماء الرسوم فما ظنك بالعامة؟ وأما أكابر الحكماء من الفلاسفة فأنكروه جملة واحدة، وسبب إنكارهم مع فضلهم وبعد غورهم أنهم لا يقولون بالاختصاص كما نقول نحن بل الأمور عندهم كلها مكتسبة بالاستعداد،، فمن هنا خفي عليهم هذا العلم وغيره مما يتعلق بالاختصاص. ومن علوم هذا المنزل علم السبب الذي أدى القائلين إلى إنكار الدار الآخرة الحسية والمعنوية فإنهم طائفتان بلا شك: طائفة تنكر الحس الأخروي، وطائفة تنكره معنى وحساً. ومن علومه علم أحوال الموت ولماذا يرجع وما حقيقته وذبحه وصورته في عالم التمثيل كبشاً أملح ومكان ذبحه ولمن تنتقل حياته إذا ذبح؟ وعلم التجلي الموجب لكسوف الكواكب المعنوية والحسية، وعلم حضرة الجمع بين العبد والرب، ومن هذه الحضرة ظهر القائلون بالاتحاد والحلول فإنها حضرة علم تزل فيها الأقدام فإن الشبهة فيه قوية لا يقاومها دليل مركب، وعلم الأسفار ولنا فيه جزء سميناه الإسفار عن نتائج الأسفار يتضمن من العلم الإلهي ونسبة هذا الحكم الإلهيّ إليه ومن العلم الكونيّ ونسبة هذا الحكم الإلهي معنى وحساً شيئاً كثيراً ومن علوم هذا المنزل الإلهي أيضاً لأي اسم إلهي ترجع الناس يوم القيامة، وعلم السبب الذي لأجله يسأل العالم غيره عما يعلمه، وسبب جحد العالم ما يعلمه إذا سئل عن العلم به، وعلم كشف الإنسان ما في نفس الملك وهل هو من علم الستر أو الظهور؟ أو منه ما يكون من علم الستر بوجه ومن علم الظهور بوجه؟ وعلم الأدب، وعلم الاقتداء، وعلم السبب الموجب لإيثار الدنيا على الآخرة مع ما فيها من الغموم والأنكار الحسية والمعنوية، وعلم الرؤية في الدار الآخرة وهل هي جائزة أو محال سواء كانت رؤية بصيرة أو بصر؟ وهل الرؤية محلها حقيقة الرائي أو العين المعتاد المعروف وهل الرؤية حكم أو معنى وجودي؟ وهل هي عين الرائي أو غيره كالصفة له؟ وعلم حال النفوس بعد الموت، وعلم الآخرة المعجلة والدنيا المؤجلة، وعلم الإقبال والإعراض، وعلم الوعيد والتقرير، وعلم الاقتدار. وهذا القدر كاف في هذا المنزل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ٥٥ في المنازل/ الباب العاشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصلصلة الروحانية من الحضرة الموسوية الباب العاشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصلصلة الروحانية من الحضرة الموسوية قال رسول الله وَّ﴿ه في إنزال الوحي: ((إِنَّهُ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِثْلُ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ)) يقول الراوي: فيفصم عنه وأن جبينه ليتفصد عرقاً فإن نزول الوحي على الأنبياء له صور مختلفة أشدها وحي الصلصلة؛ شعر : [البسيط] إنَّ البُرُوجَ لأوضَاعْ مُقَدَّرةٌ نَظيرُها من وجود السعد يشمله إذا تَعرَّضت الأَنْواءُ تَطْلُبُني وجاءت السُّخبُ والأرواحُ تحملُها والبرقُ يخلع من أنوار نشأته والسُّخبُ تسكبُ أَمْطارَ الحقائق في والأرضُ تهتزُّ إعجاباً بِزَهْرَتِهَا عِلْمُ الحقائق هذا لا أريد سوى لما تَنَزَّهَ علم ذاته علم أنْتَ الإلهُ الذي لا شيءَ يشبهُه وهي المنازلُ للسَّيَّارة الشُّهُبِ هذي إلى الفوز والأخرى إلى العَطب حُبّاً لتمنحني ما شئتُ من أدبِ والرعدُ يفصح عن عُجْمٍ وعَن عَرَبِ على ظلام الدُّجَى ثوباً من الذَّهَبِ بيتٍ من الطين والأهواء واللَّهَبِ والروضُ يَرْفُلُ في أثوابه القُشُبِ العلم بالله والأسماءِ والحُجُب على الوصول به ناديت مِنْ كَثَبٍ إلا الذي جاء في التَّنْزِيل والكُتُبِ اعلم أن الله خلق الأرواح على ثلاث مراتب لا رابع لها: أرواح ليس لهم شغل إلا تعظيم جناب الحق ليس لهم وجه مصروف إلى العالم ولا إلى نفوسهم قد هيمهم جلال الله واختطفهم عنهم فهم فيه حيارى سكارى. وأرواح مدبرة أجساماً طبيعية أرضية وهي أرواح الأناسي وأرواح الحيوانات عند أهل الكشف من كل جسم طبيعي عنصري فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقال رسول الله وَلَهُ: ((يَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ مِنْ رَطْبٍ وَيَابِسٍ)) وسبح الحصا في كفه وَّر وفي كف من شاء الله من أصحابه، وقال في أحد: ((هَذَاَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)) فهذه الأخبار كلها تدل على حياة كل شيء ومعرفته بربه، فإن السماء والأرض ﴿قَالَتَآ أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ونحن نعرف ذلك من طريق الكشف ولو لم يأت في ذلك خبر، وهذه الأرواح المدبرة لهذه الأجسام مقصورة عليها مسخرة بعضها لبعض بما فضل الله بعضهم على بعض كما قال عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] وأرواح أخر مسخرات لنا وهم على طبقات كثيرة، فمنهم الموكل بالوحي والإلقاء، ومنهم الموكل بالأرزاق، ومنهم الموكل بقبض الأرواح، ومنهم الموكل بإحياء الموتى، ومنهم الموكل بالاستغفار للمؤمنين والدعاء لهم، ومنهم الموكلون بالغراسات في الجنة جزاء لأعمال العباد. فاعلم أن أرواح الأناسي جعل الله لها آلات طبيعية كالعين والأذن والأنف والحنك، وجعل فيها قوى سماها سمعاً وبصراً وغير ذلك، وخلق لهذه القوى وجهين، وجه إلى في المنازل/ الباب العاشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصلصلة الروحانية من الحضرة الموسوية ٥٦ المحسوسات عالم الشهادة ووجه إلى حضرة الخيال، وجعل حضرة الخيال محلاً واسعاً أوسع من عالم الشهادة، وجعل فيها قوّة تسمى الخيال إلى قوى كثيرة مثل المصوّرة والفكر والحفظ والوهم والعقل وغير ذلك، وبهذه القوى تدرك النفس الإنسانية جميع ما يعطيها حقائق هذه القوى من المعلومات، فبالوجه الذي للبصر إلى عالم الشهادة تدرك جميع المحسوسات وترفعها إلى الخيال فتحفظها في الخيال بالقوّة الحافظة بعد ما تصوّرها القوّة المصوّرة، وقد تأخذ القوّة المصوّرة أموراً من موجودات مختلفة كلها محسوسة وتركب منها شكلاً غريباً ما أبصرته قط حساً بمجموعه لكن ما فيه جزء، إلا وقد أبصرته، فإذا نام الإنسان نظر البصر بالوجه الذي له إلى عالم الخيال، فيرى ما فيه مما نقله الحس مجموعاً أو مما صوّرته القوّة المصوّرة مما لم يقع الحس على مجموعه قط لا على أجزائه التي تألفت منها هذه الصورة، فتراه نائماً إلى جانبك، وهو يبصر نفسه معذباً أو منعماً أو تاجراً أو ملكاً أو مسافراً، ويطرأ عليه خوف في منامه في خياله فيصيح ويزعق، والذي إلى جانبه لا علم له بذلك ولا بما هو فيه، وربما إذا اشتد الأمر تغير له المزاج فأثر في الصورة الظاهرة النائمة حركة أو زعاقاً أو كلاماً أو احتلاماً، كل ذلك من غلبة تلك القوّة على الروح الحيوانيّ فيتغير البدن في صورته، فإذا تنزلت الأملاك المسخرة بالوحي على الأنبياء عليهم السلام أو تنزل رقائق منها على قلوب الأولياء لأن الملك لا ينزل بوحي على قلب غير نبيّ أصلاً ولا بأمر إلهيّ جملة واحدة، فإن الشريعة قد استقرّت وتبين الفرض والواجب والمندوب والمباح والمكروه، فانقطع الأمر الإلهيّ بانقطاع النبوة والرسالة، ولهذا لم يكتف رسول الله والدته بانقطاع الرسالة فقط لئلا يتوهم أن النبوّة باقية في الأمة فقال عليه السلام: ((إنَّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ فَلاَ نَبِيَّ بَعْدِي وَلاَ رَسُولَ)) فما بقي أحد من خلق الله يأمره الله بأمر يكون شرعاً يتعبده به، فإنه إن أمره بفرض كان الشارع قد أمره به فالأمر للشارع وذلك وهم منه وادّعاء نبوّة قد انقطعت، فإن قال: إنما يأمره بالمباح قلنا: لا يخلو إما أن يرجع ذلك المباح واجباً في حقه فهذا هو عين نسخ الشرع الذي هو عليه حيث صير بهذا الوحي المباح الذي قرّره الرسول مباحاً واجباً يعصى بتركه، وإن أبقاه مباحاً كما كان فكذلك كان، فأية فائدة في الأمر الذي به جاء هذا الملك لهذا المدعي صاحب هذا المقام؟ فإن قال: ما جاء به ملك لكن الله أمرني به من غير واسطة قلنا هذا أعظم من ذلك فإنك ادّعيت أن الله يكلمك كما كلم موسى عليه السلام ولا قائل به لا من علماء الرسوم ولا من علماء أهل الذوق، ثم إنه لو كلمك أو لو قال لك فما كان يلقي إليك في كلامه إلا علوماً وأخباراً لا أحكاماً ولا شرعاً ولا يأمرك أصلاً، فإنه إن أمرك كان الحكم مثل ما قلنا في وحي الملك، فإن كان ذلك الذي دندنت عليه عبارة عن أن الله خلق في قلبك علماً بأمر ما فما ثم في كل نفس إلا خلق العلم في كل إنسان ما يختص به وليّ من غيره، وقد بينا في هذا الكتاب وغيره ما هو الأمر عليه، ومنعنا جملة واحدة، أن يأمر الله أحداً بشريعة يتعبده بها في نفسه أو يبعثه بها إلى غيره، وما نمنع أن يعلمه الحق على الوجه الذي نقرّره وقرّره أهل طريقنا بالشرع الذي تعبده به على لسان الرسول عليه ٥٧ في المنازل/ الباب العاشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصلصلة الروحانية من الحضرة الموسوية السلام من غير أن يعلمه ذلك عالم من علماء الرسوم بالمبشرات التي أبقيت علينا من آثار النبوّة وهي ((الرُّؤْيا يَراها الرَّجُلُ المُسْلمُ أو تُرَى لَه)) وهي حق ووحي ولا يشترط فيها النوم لكن قد تكون في النوم وفي غير النوم، وفي أيّ حالة كانت فهي رؤيا في الخيال بالحس لا في الحس، والمتخيل قد يكون من داخل في القوّة، وقد يكون من خارج بتمثل الروحاني أو التجلي المعروف عند القوم، ولكن هو خيال حقيقي إذا كان المزاج المستقيم المهيأ للحق، فإذا ورد الملك على النبيّ عليه السلام بحكم أو بعلم خبري وإن كان الكل من قبيل الخبر ولقي تلك الصورة الروح الإنساني وتلاقى هذا بالإصغاء وذلك بالإلقاء وهما نوران احتد المزاج واشتعل وتقوّت الحرارة الغريزية المزاجية في النورين وزادت كميتها فتغير وجه الشخص لذلك وهو المعبر عنه بالحال وهو أشد ما يكون، وتصعد الرطوبات البدنية بخارات إلى سطح كرة البدن لاستيلاء الحرارة، فيكون من ذلك العرق الذي يطرأ على أصحاب هذه الأحوال للانضغاط الذي يحصل بين الطبائع من التقاء الروحين، ولقوّة الهواء الحار الخارج من البدن بالرطوبات تغمر المسام فلا يتخلله الهواء البارد من خارج، فإذا سرّي عن النبي وعن صاحب الحال وانصرف الملك من النبي والرقيقة الروحانية من الولي سكن المزاج وانفشت تلك الحرارة وانفتحت المسامّ وقبل الجسم الهواء البارد من خارج فتخلل الجسم فيبرد المزاج فيزيد في كيمة البرودة وتستولي على الحرارة وتضعفها، فذلك هو البرد الذي يجده صاحب الحال ولهذا تأخذه القشعريرة فيزاد عليه الثياب ليسخن، ثم بعد ذلك يخبر بما حصل له في تلك البشرى إن كان ولياً أو في ذلك الوحي إن كان نبياً، وهذا كله إذا كان التنزيل على القلب بالصفة الروحانية، فإن كان نفئاً فهو الإلهام وهذا يكون للولي وللنبي، وأما إن حدث فسمع من غير رؤية فهو المحدث، وأما إن تراءى له الملك إن كان نبياً في زمان وجود النبوّة أو تراءت له الرقيقة رجلاً ممثلاً أو صورة حيوان يخاطبه بما جاء به إليه، فإن كان ولياً فيعرضه على الكتاب والسنة، فإن وافق رآه خطاب حق وتشريف لا غير لا زيادة حكم ولا إحداث حكم، لكن قد يكون بيان حكم أو إعلاماً بما هو الأمر عليه فيرجع ما كان مظنوناً معلوماً عنده، وإن لم يوافق الكتاب والسنة رآه خطاب حق وابتلاء لا بد من ذلك فعلم قطعاً أن تلك الرقيقة ليست برقيقة ملك ولا بمجلى إلهيّ ولكن هي رقيقة شيطانية، فإن الملائكة ليس لها مثل هذا المقام وأنها أجل من ذلك، وأكثر ما يطرأ هذا على أهل السماع من الحق في الخلق، فما بقي للأولياء اليوم بعد ارتفاع النبوّة إلا التعريف وانسدت أبواب الأوامر الإلهية والنواهي، فمن ادّعاها بعد محمد فهو مدع شريعة أوحي بها إليه سواء وافق شرعنا أو خالف، وأما في غير زماننا قبل رسول اللّه وَّ فلم يكن تحجير ولذلك قال العبد الصالح خضر: ﴿وَمَا فَعَلَئُهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾ [الكهف: ٨٢] فإن زمانه أعطي ذلك وهو على شريعة من ربه وقد شهد له الحق بذلك عند موسى وعندنا وزكاه وأما اليوم فإلياس والخضر على شريعة محمد وَّلو إما بحكم الوفاق أو بحكم الاتباع، وعلى كل حال فلا يكون لهما ذلك إلا على طريق التعريف لا على طريق النبوّة. وكذلك عيسى عليه السلام إذا نزل فلا يحكم فينا إلا بسنتنا عرّفه الحق بها على طريق مے في المنازل/ الباب العاشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصلصلة الروحانية من الحضرة الموسوية ٥٨ التعريف لا على طريق النبوّة، وإن كان نبياً فتحفظوا يا إخواننا من غوائل هذا الموطن فإن تمييزه صعب جداً وتستحليه النفوس ويطرأ عليها فيه التلبيس لتعشقها به، وإذا أنس المحل بمثل هذا الإلقاء الذي ذكرناه هان عليه حمله وما يكون فيه كمثله حين يفجأه، وإن الله إذا تكلم بالوحي فكأنه سلسلة على صفوان فتصعق الأرواح عند سماعها ويكون العلم الذي يحصل لها في تلك الصلصلة كالعلم الذي حصل من الضرب بين الكتفين، وكالعلم الحاصل من النظر سؤالاً وجواباً واستفادة علوم كثيرة من مجرّد ضرب أو نظر، وقد رأينا هذا كله بحمد الله من نفوسنا فلا نشك فيه، وما أشبهه إلا بأبواب مغلقة فإذا فتحت الأبواب وتجلى لك ما وراءها أحطت بالنظرة الواحدة علماً بها كما يفتح الإنسان عينه في اللمحة الواحدة فيدرك من الأرض إلى فلك البروج، ثم الذي يجده صاحب هذا الأمر من ثلج برد اليقين ما لا يقدر قدره، ولتلك الحرارة التي قلنا توجد عند الإلقاء كان رسول الله و983 يقول عند افتتاح كل صلاة وفي أكثر الأحوال: ((اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي بِالثَّلْجِ وَالمَاءِ البَارِدِ وَالبَرَدِ)) فهذه ثلاثة كلها بوارد ليقابل بها حرارة الوحي فإنه محرق، ولولا القوة التي تحصل للقلب من هذا البرد هلك. واعلم أن هذا المنزل يتضمن من العلوم علم اليقين، وعلم الحجاب، وعلم الوعيد، وعلم الكبرياء الكونيّ المنوط بالحق، وعلم التقديس، وعلم السبب الذي لأجله اتخذت المخلوقات أرباباً من دون الله ولماذا قال أرباباً من دون الله وهم اتخذوها أرباباً مع الله، وعلم ما يحل من الربا، وعلم إيثار الحق وهل يصح هذا مع اعتقادك أن لا فاعل إلا الله فعلى من يؤثره، وعلم أحدية النفخة واختلاف الأثر ولما كان الاشتعال في النار بالنفخ وينطفىء به السراج والهواء أقرب للاشتعال للطافته من الحشيش والفحم، وعلم أحوال الآخرة من جانب ما تحوي عليه من الشدائد خاصة، وعلم المعارضة التي قصدها الحلاج حتى دعا عليه عمرو بن عثمان فلما جرى عليه ما جرى كانت المشيخة تقول: إنما أصيب الحلاج بدعوة الشيخ، وعلم السحر الحقيقي وغير الحقيقي وهل هو في الحالتين خيال أم لا؟ وعلم لماذا يرجع كون الباري له كلام هل لخلقه أو لصفة قائمة به زائدة على ذاته أو نسبة خاصة أو لعلمه؟ ومحل الإعجاز من القرآن ما هو؟ فإن هذا علم عظيم منيع الحمى، وعلم الاصطلام الذي تنتجه معارضة الكلام، وعلم ما تحوي عليه البسملة من الأسرار ولماذا انحصرت في هذه الثلاثة الأسماء، وهذه الحروف المخصوصة دون باقي الحروف وأين محلها من الآخرة؟ وهل تخلق من حروفها ملائكة؟ أي يأتي يوم القيامة كل حرف منها صورة قائمة مثل ما تأتي سورة البقرة وسورة آل عمران وهما الزهراوان يشهدان لقارئهما وإذا وجدت صور هذه الحروف يوم القيامة فمن حيث رقمها أو من حيث التلفظ بها أو منهما، والحروف المشددة منها هل تخلق صورتين أو صورة واحدة؟ وإذا خلقت هذه الحروف صوراً فمن أي شيء تقي قارئها ومن في مقابلتها ووقايتها؟ هل هي عين الشهادة؟ فإن كانت للشهادة فما تشهد إلا لمن رقمها أو من تلفظ بها أنه رقمها أو تلفظ بها وقد رقمها الكافر وتلفظ بها المنافق، وإن كانت تشهد بالإيمان بها الذي محله القلب فما هي بسملة الرقم ولا بسملة اللفظ وليس في النفس ٥٩ في المنازل/ الباب العاشر وثلاثمائة في معرفة منزل الصلصة الروحانية من الحضرة الموسوية إلا العلم بها والإيمان والإرادة لها، وكذلك يكون الأمر على هذا التقسيم في الزهراوين من رقمها وقراءتها أو من كونها سورة فقط أو من كونها ذات آيات وحروف، وهل الآيات في الصورة كالأعضاء لصورة الحيوان؟ أو هي لها كالصفات النفسية للموصوف لا كالأعضاء؟ هذا كله من علم هذا المنزل، وعلم الضلال والهدى وهل يرجعان إلى نسب أو إلى أعيان موجودة؟ وإن كانت موجودة أعياناً فهل هي مخلوقة أو غير ذلك؟ وإن كانت مخلوقة فهل هما من خلق العباد أو من خلق الله أو بعضها من خلق العبد وبعضها من خلق الله؟ وعلم تسليط المخلوقات بعضهم على بعض من المعاني وغير المعاني فإن الله تعالى لما سمى نفسه ملكاً سمى خلقه جنوداً، وإذا كانوا جنوداً وما ثم إلا الله وخلقه فلمن يحاربون؟ أو هم أجناد زينة لا أجناد محاربة؟ فإن حارب بعضهم بعضاً وهو الواقع فمن أجناد الله من هؤلاء الأجناد؟ فالذين هم أجناد الله فإن الله مليكهم فمن ملك الأجناد الآخرين؟ وهنا من الأسرار الإلهية مهالك، ويرجع علم ذلك لما في أحكام الأسماء الإلهية من المنازعة والتضاد ومنها الموافق والمخالف وكذلك الأرواح الملكية . وقد روي أن رجلاً من المسرفين على نفسه أراد التوبة وكان من قرية كلها شر وكانت ثم قرية أخرى كلها خير فأراد الهجرة إليها فبينا هو في الطريق جاء أجله فمات فتنازعت ملائكة الرحمة الذين هم أجناد الاسم الرحيم وملائكة العذاب الذين هم أجناد الاسم المنتقم، فلما طال النزاع بينهم فيمن يتسلمه من هاتين الطائفيتن الذين هم وزعة الأسماء الإلهية أوحى الله إليهم أن قدروا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب كان من أهلها فقدروا ما بين القريتين فوجدوا الرجل قد ناء بصدره لا غير نحو قرية السعادة فحكم له بالسعادة فتسلمته ملائكة الرحمة، ومعلوم أنه ما مشى إلا بعد حصول التوبة في قلبه أو إرادتها إن كان لا يعلم حدها فقد علم الله من ذلك ما علم، وكل خطوة خطاها من أوّل خروجه من قريته فهجرة وحركة محمودة، ومع هذا وقع الحكم بالتقدير المكاني والمكان فما سبب ذلك وما أثره في الكون؟ وهل للحاكم فيه مدخل في الحكم بين الناس وهو الحكم بالاستهام وهو القرعة؟ وعلم الأعمال المشروعة هل لها وجود قبل أن يعمل بها المكلف أو لا وجود لها بل هي عين المكلف؟ وإذا كانت عمله كيف تحكم الصنعة على صانعها من غير حكم النسب إذ لا أثر لها فيه إلا بما ينسب إليه منها من الثناء المحمود أو المذموم، وقد ورد أن كل إنسان مرهون بعمله، فمن الراهن والمرتهن إذا كان المكلف عين الرهن؟ فما أعجب حكم الله في خلقه، فوالله ما عرف الله إلا الله، وهل السعداء والأشقياء على هذا الحكم أو يختص به الأشقياء دون السعداء، وعلم من يخرج الله من النار من غير شفاعة شافع من المخلوقين هل هو إخراج امتناني حتى لا يتقيد؟ أو هل هو عن شفاعة الأسماء الإلهية كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَحْشُرُ اُلْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ومعلوم أنه لا يحشر إلى شيء من كان عند ذلك الشيء، ولما كان الاتقاء والخوف من حكم المتقى منه وهو الاسم الشديد العقاب والسريع الحساب فكان المتقي في حكم أمثال هذه الأسماء الإلهية، فحشرهم الله يوم القيامة إلى الرحمن وزال ٦٠ في المنازل / الباب الحادي عشر وثلاثمائة في معرفة منزل النواشىء الاختصاصية الغيبية ... عنهم حكم هؤلاء الأسماء الأخر، فإن كان الأمر على هذا فقد يكون خروج شفاعة وإن لم يكن فهو خروج امتنان وهبة. وعلم صور الإعراض عن الحق والكل في قبضته. وعلم ما يتميز به الإنسان من سائر الحيوان كله والنبات والجماد والملائكة مخلوقون في المعارف إلا لطيفة الإنسان وأنها تخالف سائر المخلوقات في الخلق، وهل العقل الذي في الإنسان وجد لاقتناء العلوم أو لدفع الهوى خاصة ماله غير ذلك؟ وهذه المسألة من مسائل سهل بن عبد الله التستري ما رأيت غيره ذكرها ولا وصلت إلينا إلا من طريقه وعلوم هذا المنزل لا تحصى كثرة فاقتصرنا من ذلك على ما ذكرناه فإنه كالأمّهات لما بقي في المنزل من العلوم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الحادي عشر وثلاثمائة في معرفة منزل النواشىء الاختصاصية الغيبية من الحضرة المحمدية [الرمل] خَصَّهُ الرحمنُ بالعلم الحَسَنْ دَثْرُوني زَمِلُونِي قَوْلَ مَنْ حين جَلَّى الرُّوحَ بالأُقْقِ له نَفْسَه فيه لأمْرٍ جاءه لتَجَلُ قام في خاطره سُورةٌ سينيَّةٌ صَادِيَّةٌ فأتى يرجُفُ منها هَيْبَةً سأَلتْهُ ما الذي أَقْلَقَهُ هو أن الله قد أكرمني من رسولٍ ونبيِّ مُجْتَبّى كُلّما أَحْضِرُهُ في خَلَدي فلذا يُقلِقُني مشهدُه وهو في غَارِ حِرَاء قد سَجَنْ في غَيَابَات الفؤادِ المُسْتَكِنْ صُورَةٌ مجموعةٌ من كلٌّ فَنْ جُمِعَ السرُّ لديها والعَلَنْ غادة تؤنسهُ حتى سَكّنْ قال أمْرٌ قد نَفَى عَنِّي الوَسَنْ بالذي أكرم أصحابَ اللَّسَنْ في علوم وبلاءٍ ومِحَنْ حَنَّ قلبيّ لتجلّيه وأنْ ولذا أزْهَدُ في دندن دن اعلم أنه ليلة تقييدي هذا الباب رأيت رؤيا سررت بها واستيقظت وأنا أنشد بيتاً كنت قد عملته قبل هذا في نفسي وهو من باب الفخر، وهو : [الكامل] وأنا لباقي العَصْر ذاكَ الوَاحِدُ في كُلِّ عَصْرٍ وَاحِدٌ يَسْمُو بِهِ وذلك أني ما أعرف اليوم في علمي من تحقق بمقام العبودية أكثر مني، وإن كان ثم فهو مثلي، فإني بلغت من العبودية غايتها فأنا العبد المحض الخالص لا أعرف للربوبية طعماً؛ رئي يوماً عتبة الغلام وهو يخطر في مشيته شغل التائه المعجب بنفسه فقيل له: يا عتبة ما هذا التيه الذي أنت فيه ولم يكن يعرف هذا منك قبل اليوم؟ فقال: وحقيق لمثلي أن يتيه وكيف لا أتيه وقد أصبح لي مولى وأصبحت له عبداً؟ واعلم أنه في كل زمان لا بدّ من واحد فيه في كل مرتبة متبرز حتى في أصحاب الصنائع وفي كل علم لو تفقد ذلك الزمان وجد الأمر على ما