Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ في المنازل/ الباب الثالث وثلاثمائة في معرفة منزل العارف الجبرئيليّ من الحضرة المحمدية ذو عين مفتوحة لمشاهدة النبوّة، والوليّ ذو عين مفتوحة لمشاهدة الولاية ذو عين عمياء لمشاهدة النبوّة فإنها من خلفه، فهو فيها كحافظ القرآن لأنه من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوّة بين جنبيه ولم يقل في صدره ولا بين عينيه ولا في قلبه فإن تلك رتبة النبيّ لا رتبة الوليّ. وأين الاكتساب من التخصيص؟ فالنبوّة اختصاص من الله يختص بها من يشاء من عباده، وقد أغلق ذلك الباب وختم برسول الله محمد ◌َله والولاية مكتسبة إلى يوم القيامة، فمن تعمل في تحصيلها حصلت له، والتعمُّل في تحصيلها اختصاص من الله يختص برحمته من يشاء، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦] كما قال تعالى: ﴿َهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] فبنور النبوّة تكتسب الولاية، فالأولياء هم ولاة الحق على عباده والخواص منهم الأكابر يقال لهم رسل وأنبياء، ومن نزل عنهم بقي عليه اسم الولاية، فالولاية الفلك المحيط الجامع للكل، فهم وإن اجتمعوا في منصب الولاية فالولاة لهم مراتب، فالسلطان وال على الخلق، والقاضي وال، والمحتسب وال، وأين رتبة السلطان من مرتبة صاحب الحسبة؟ وكلهم لهم الأمر في الولاية، وهكذا ما ذكرناه في حق الأنبياء والرسل والأقطاب كل وليّ على مرتبته، فالسلطنة لا تحصل بالكسب جملة وما عداها يتعمل في تحصيلها، فثم وال يقدم للسلطان خدمة من مال أو متاع فيوليه السلطان المنصب الذي يليق به وخدم عليه وهو يمنزلة من تحصل له الولاية من عند الله بالصدقة والقرض الحسن وصلة الرحم، ومن الناس من يلازم خدمة السلطان في ركوبه وخروجه ويتعرّض له، فإذا أمر السلطان بأمر يفعل ما لم يعين أحداً بادر هذا الشخص لا متثال أوامر السلطان، فيراه السلطان ملازماً مشاهدته مبادراً لأوامره فيوليه، فهذا بمنزلة من تحصل له الولاية من الله بمراقبته والمبادرة لأوامر الله التي ندب إليها لا التي افترضها عليه وهو قوله: ((وَلاَ يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعاً وَبَصَراً وَيَداً وَمُؤَيِّدًا)) فهذا معنى الكسب في الولاية. وكذلك من تعرّض للسلطان وخدمه عن أمره وواجهه بالأمر فرأى محافظته على الأوامر السلطانية التى أوجبها عليه لا يغفل عنها ولا يتأوّلها بل يأخذها على الوجوب ويسارع إليها ويسبق إلى امتثالها حين يبطىء عنها ويتأوّلها من هو معه في رتبته فيرى له السلطان ذلك فيوليه ويعطيه النيابة عنه في رعيته، كذلك المسارع إلى ما أوجب الله عليه من الطاعات وافترضها عليه وأخذ أوامره على الوجوب ولم يتأوّل عليه كلامه ولا أمره فإن الله يصطفيه ويوليه أكبر ولاياته، وقد عرفت الكسب ومحله والاختصاص وأهله فاسلك عليه فهو الباب الذي من دخل عليه نجا وتولى ودنا وتدلى ونودي بالأفق الأعلى. واعلم أن الوليّ الذي تمتد إليه رقيقة روحانية جبرئيلية هو من الأمناء الذين الله تعالى في خلقه الذين لا يعرفون في الدنيا، فإذا كان في الآخرة وظهرت منزلته هناك وما كان ينطوي عليه في هذه الدار مما لا يعرف هنا فإنه كان إما تاجراً في السوق أو بائعاً صاحب حرفة أو صنعة أو والياً من ولاة المسلمين من حسبة أو قضاء أو سلطنة وبينه وبين الله أسرار لا تعرف منه، فيقال عنه يوم القيامة عند ظهور ما كان عنده في الآخرة إن الله أمناء حيث كان هذا عندهم ٢٢ في المنازل/ الباب الثالث وثلاثمائة في معرفة منزل العارف الجبرئيليّ من الحضرة المحمدية وما ظهروا به في الدنيا حين ظهر غيرهم بما أعطاه الله من الكشف بالكلام على الخواطر أو على الأرض واختراق الهواء والمشي على الماء والأكل من الكون وما ظهر عليه شيء من ذلك وهو في قوّته وتحت تصريفه، وأبى أن يكون إلا على ما هم عليه عامة المسلمين ألا وهم الملامية من أهل هذا الطريق خاصة كبيرهم وصغيرهم، فيكون هذا الشخص في الأمة المحمدية كجبريل في الأمة الملكية مطاع الباطن، فإن جبريل روح وله الباطن غير مطاع في الظاهر لو أمر لكنه لا يأمر فإنه ما امتاز عن العامة بشيء، فلو امتاز عندهم بخرق عادة تظهر منه مما لا يقتضيها الموطن عظم وامتثل أمره للتفوق الذي ظهر له على العامة، فهذا سبب ردّ أمره لو أمر لكنه لا يأمر ولكنه في الباطن مطاع الأمر، ورأينا من هؤلاء جماعة مثل عبد الله بن تاخمست ومثل ابن جعدون الحناوي وهو من الأوتاد كان كبير الشأن، فهذا العارف الذي له هذا المقام الذي ذكرناه له التمكن من نفسه، ومن مكن من نفسه فهو أقوى خلق الله فإن النفس تريد الظهور في العالم بالربوبية، وصاحب هذا المقام قد خلع الله عليه من أوصاف السيادة وقواه بحيث أن يقول للشيء كن فيكون ذلك الشيء لمكانته من ربه، فكان من قوّته أنه ملك نفسه فلم يظهر عليه من ذلك شيء لا في أقواله ولا في أفعاله ولا عبادته، وهو ممن نص عليه رسول الله وَّله في الحديث الحسن الغريب: ((حين خَلَقَ اللهُ الجبالَ عند مَيْدِ الأرض فَرَسَتْ وسَكَنَ مَيْدُها فقالت الملائكة: يا ربَّنا هل خلقت شيئاً أشدّ من الجبال؟ قال: نَعَم الحديد، قالت: يا ربنا هل خلقت شيئاً أشدّ من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: يا ربنا هل خلقت شيئاً أشدّ من النار؟ قال: نعم الماء، قالت: يا ربنا هل خلقت شيئاً أشد من الماء؟ قال: نعم الهواء، قالت: يا ربنا هل خلقت شيئاً أشد من الهواء؟ قال: المؤمن يتصدّق بيمينه لا تعرف بذلك شماله؛ أو قال: فيخفيها عن شماله)). وهذه حالة من ذكرنا، وقد وصفه رسول الله وَليل بالقوّة وأن له منها أكثر مما ذكره من الأقوياء، فإن النفس مجبولة على حب الرياسة على جنسها هذا في أصل جبلتها وخلقها ومن قيل له اخرج عن جبلتك وطبعك فقد كلف أمراً عظيماً فسبحان من رزقهم من القوّة بحيث أن هان عليهم مثل هذا، وسبب ذلك أنه أعطاهم من المعرفة بالله التي خلقوا لها ما شغلهم الوفاء بحق العبودة عن مثل هذا، فهم على الطريقة المثلى التي اختارها الله لعباده ولهم المكانة الزلفى بثبوتهم عليها مكرمون عند الله، وهذا العارف الذي بهذه المثابة من الأفراد الذين أفردهم الحق إليه واختصهم له وأرخى الحجاب حجاب العادة بينهم وبين الخلق فاستخلصهم لنفسه ورضي عنهم ورضوا عنه، وأعطى صاحب هذا المقام من القوى المؤثرة في العالم الأعلى والأسفل ألفاً ومائتي قوّة، قوّة واحدة منها لو سلطها على الكون أعدمته، ومع هذا التمكن من هذه القوى إذا نزل الذباب عليه لا يقدر على إزالته حياء من الله ومعرفة، فأما المعرفة التي له فيه فإن ذلك الذباب رسول من الحق إليه وهو الذي أنزله عليه فهو يراقب ما جاءه به من العلم، فإذا فرغ من رسالته، إن شاء نهض إن استدعاه خالقه وإن شاء أقام فيكون هذا العارف كرسيّ ذلك الرسول الذبابيّ، فهذا سبب تركه إياه ولا يشرده عن نفسه كما تفعله العامة للمعرفة، . وأما الحياء من الله فإن ٢٣ في المنازل/ الباب الثالث وثلاثمائة في معرفة منزل العارف الجبرئيليّ من الحضرة المحمدية في إزالة الذباب راحة للنفس ونعيماً معجلاً وما خلق الله الإنسان في هذه الدار للراحة والنعيم وإنما خلق لعبادة ربه فيستحي أن يراه الله في طلب الراحة من أذى الذباب حيث أن الموطن لا يقتضيه . فإن قلت: فالمتنعم في الدنيا المباح له التنعم في الحلال؟ قلنا: لا نمنع ذلك في حق غير العارف ولكن العارف تحت سلطان التكليف، فما من نعمة ينعم الله بها عليه باطنة كانت أو ظاهرة إلا والتكليف من الله بالشكر عليها يصحبها، فذلك التكليف ينغص على العارف التنعم بتلك النعمة لاشتغاله بموازنة الشكر عليها، وإذا وفى الشكر عليها فالوفاء به نعمة من الله عليه يجب عليه الشكر عليها، فلا يزال متعوب الخاطر في إقامة الوزن بالقسط أن لا يخسر الميزان، ومن هذه حالته كيف ينعم؟ فظاهرها نعمة وباطنها غصص، وهو لا يبرح يتقلب في نعم الله ظاهراً وباطناً ولا تؤثر عنده إلا ألماً وتنغيصاً، والعامة تفرح بتلك النعم وتتصرّف فيها أشراً وبطراً، والعارف مسدود عليه في الدنيا باب الراحة في قبله، وإن استراح في ظاهره فهو يموت في كل نفس ألف موتة ولا يشعر به، يقول عمر بن الخطاب: ((ما ابتلاني الله بمصيبة إلا رأيت الله عليّ فيها ثلاث نعم: إحداها: أن لم تكن في ديني، الثانية: حيث لم تكن أكبر منها، الثالثة: ما وعد الله عليها من الثواب)). ومن كان في مصيبية واحدة يرى ثلاث نعم فقد انتقل ألى مصيبة أعظم من تلك المصيبة، فإنه يتعين عليه إقامة ميزان الشكر على ثلاث نعم فابتلاه الله بمصيبة واحدة ليصبر عليها، وابتلته معرفته في تلك المصيبة بثلاث مصائب كلفه الله الشكر عليها حيث أعلمه بتلك النعم في تلك المصيبة الواحدة، فانظر إلى معرفة عمر رضي الله عنه كيف أوجب على نفسه مثل هذا، وانظر إلى ما فيها من الأدب حيث عدل عن النظر فيها من كونها مصيبة إلى رؤية النعم فتلقاها بالقبول لأن النعمة محبوبة لذاتها فرضي، فكان له مقام الرضا والاستسلام والتفويض والصبر والاعتماد على الله، وأين الناس من هذا الذوق الشريف. ولم يحكم أحد من الأولياء ولا قام فيه مثل هذا المقام مثل أبي بكر الصدّيق إلا من لا أعرفه فإنه رضي الله عنه ما ظهر قط عليه مما كان عليه في باطنه من المعرفة شيء لقوته إلا يوم مات رسول الله صلّ وذهلت الجماعة وقالوا ما حكي عنهم؛ إلا الصديق فإن الله تعالى وفقه لإظهار القوة التي أعطاه لكون الله أهله دون الجماعة للإمامة والتقدم، والإمام لا بد أن يكون صاحياً لا يكون سكران، فقامت له تلك القوّة في الدلالة على أن الله قد جعله مقدم الجماعة في الخلافة عن رسول الله # في أمته كالمعجزة للنبي وضَّ في الدلالة على نبوّته فلم يتقدم ولا حصل الأمر إلا له عن طوع من جماعة وكره من آخرين، وذلك ليس نقصاً في إمامته كراهة من كره فإن ذلك هو المقام الإلهيّ والله يقول: ﴿وَلِلَِّ يَسْجُدُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] فإذا كان الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء يسجد له كرهاً فكيف حال خليفته ونائبه في خلقه وهم الرسل؟ فكيف حال أبي بكر وغيره؟ فلا بد من طائع وكاره يدخل في الأمر على كره لشبهة تقوم عنده إذا كان ذا دين أو هوى نفس إذا لم يكن له دين، فأما من كره إمامته من الصحابة رضي الله عنهم فما كان عن هوى نفس نحاشيهم من ذلك على ٢٤ في المنازل/ الباب الثالث وثلاثمائة في معرفة منزل العارف الجبرئيليّ من الحضرة المحمدية طريق حسن الظنّ بالجماعة، ولكن كان لشبهة قامت عندهم رأى من رأى ذلك أنه أحق بها منه في رأيه وما أعطته شبهته لا في علم الله، فإن الله قد سبق علمه بأن يجعله خليفة في الأرض، وكذلك عمر وعثمان وعليّ والحسن، ولو تقدم غير أبي بكر لمات أبو بكر في خلافة من تقدمه، ولا بد في علم الله أن يكون خليفة فتقدمهم بالزمان بأنه أوّلهم لحوقاً بالآخرة، فكان سبب هذا الترتيب في الخلافة ترتيب أعمارهم، فلا بد أن يتأخر عنها من يتأخر مفارقته للدنيا ليلي الجميع ذلك المنصب، وفضل بعضهم على بعض مصروف إلى الله هو العالم بمنازلهم عنده، فإن المخلوق ما يعلم ما في نفس الخالق إلا ما يعلمه به الخالق سبحانه، وما أعلم بشيء من ذلك فلا يعلم ما في نفسه إلا إذا أوجد أمراً علمنا أنه لولا ما سبق في علم الله كونه ما كان، فالله يعصمنا من الفضول إنه ذو الفضل العظيم. فبهذا قد أبنت لك منزلة العارف من هذا المنزل على غاية الاختصار بطريق التنبيه والإيماء، فإن المقام عظيم فيه تفاصيل عجيبة فلنذكر فهرست ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم: فمن ذلك علم ذهاب النور الأعظم وبقاء حكمه وهو من أعجب الأشياء وجود الحكم مع عدم عين الحاكم، ويتعلق بهذه المسألة فقد النبي وَّ وبقاء شريعته في المكلفين إلا في مذهب من يقول إن الشارع هو الله وهو موجود، وفيه علم طموس العلوم وما سببها، ومنها سبب عزل أهل المراتب من مراتبهم مع وجود الأهلية منهم ولماذا عزلوا وهم يستحقونها وهل يصح هذا العزل أم لا مع وجود الأهلية؟ وهل للسلطان عزل القاضي العادل إذا ولاه أو لا ينعزل في نفس الأمر إذا جار عليه السلطان وأخره عن الحكم؟ فإن حكم وهو بهذه المثابة هل ينفذ حكمه شرعاً أو لا ينفذ؟ وبعد أن يحكم وهو بهذه المثابة لشخص بأمر ما فيأبى السلطان إمضاءه ويطلب الخصم المحكوم عليه الرجوع إلى القاضي الذي ولاه السلطان فيظهر عند القاضي الثاني أن الحكم للذي كان الحكم عليه عند الأوّل هل لهذا المحكوم له عند القاضي الثاني أن يأخذ ما حكم له به مما كان قد انتزعه منه خصمه بالحاكم الأول أم لا؟ وهل يصح قضاء هذا الثاني أم لا؟ وإن صح فهل هو مستقل فيه كالأوّل أو هو كالنائب عن الأوّل إلا أنه بأمر سلطانيّ أو ينعزل الحاكم الأوّل إذا عزله السلطان من هذا المنزل يعرف ذلك؟ ومن أراد تحقيق هذه المسألة ودليلها فلينظر في النسخ الوارد في الشريعة الواحدة فيصح العزل، ومن نظر في حكم المشرّعين وأن الله ما عزل نبياً رسولاً عن رسالته بغيره في تلك الأمة التي له إلا بعد موته قال لا ينعزل فهو على حسب ما يكشف له فافهم. ومن علو هذا المنزل علم الجور في العالم من أيّ حضرة صدر وما ثم إلا العدل المحض فمن أين هذا الجور؟ وأيّ حقيقة ترتبط به؟ وأيّ اسم يدل عليه؟ وذهاب الرجال الذين يحفظ الله بهم العالم وعلم نزول الكلم والهمم على مراكب الأعمال لم كان ذلك؟ وعلم البعث الأخرويّ هل هو عام في كل حيوان أو خاص بالإنس والجان؟ وما معنى قوله : ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] وعلم الاستحالات العنصرية، وعلم ما يتولد عن تأليف الروح والجسم الطبيعيّ وهل الجسم للروح كالمرأة للبعل في النكاح لما يتولد بينهما أم لا؟ ٢٥ في المنازل/ الباب الثالث وثلاثمائة في معرفة منزل العارف الجبرئيليّ من الحضرة المحمدية وهل الموت طلاق رجعيّ أو بائن؟ فإن العلماء قالوا: إن المرأة إذا ماتت كانت من زوجها كالأجنبية ولا بد فليس له أن يكشف عليها، وذهب آخرون إلى بقاء حرمة الزوجية فله أن يغسلها وحاله معها كحاله في حياتها، فإن كان رجعياً فإن الأرواح تردّ إلى أعيان هذه الأجسام من حيث جواهرها في البعث، وإن لم يكن رجعياً وكان بائناً فقد تردّ إليها ويختلف التأليف، وقد تنشأ لها أجسام أخر لأهل النعيم أصفى وأحسن ولأهل العذاب بالعكس، وعلم كلام الأطفال من أين ينطقون؟ ومن ينطقهم؟ مثل كلام عيسى في المهد، وصبيّ يوسف عليه السلام، وجريج. وأما أنا فرأيت في زماننا شخصاً شاباً اسمه والله أعلم عبد القادر بمدرسة ابن رواحة بمدينة دمشق فجاء وسلم فأخبرني عنه جماعة منهم الزكيّ ابن رواحة صاحب المدرسة قالوا : إن أمّ هذا الشاب لما كانت حاملة به عطست فحمدت الله فقال لها من جوفها: يرحمك الله بصوت سمعه كل من حضر هنالك. وأما أنا فكانت لي بنت ترضع وكان عمرها دون السنتين وفوق السنة لا تتكلم فأخذت ألاعبها يوماً فقلت لها: يا زينب فأصغت إليّ فقلت لها: إني أريد أن أسالك عن مسألة مستفتياً ما قولك في رجل جامع امرأته ولم ينزل ماذا يجب عليه؟ قالت لي: يجب عليه الغسل بكلام فصيح وأمّها وجدّتها يسمعان فصرخت جدّتها وغشي عليها . وعلم النشر بعد الطي كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّاتٌ بَِمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] وعلم المحو والإثبات، وعلم تضاعف الأنوار، وعلم القرب الإلهية التي تعطي التجلي، وعلم الغيبة والحضور، وعلم النجوم، وعلم الزمان، وعلم تنزيل الشرائع وصفة من ينزل بها ومن تنزل عليه وهل هي من باب الاختصاص أم لا؟ وعلم التأييد والسلطان والنيابة عن الحق في العالم حتى الإنسان في نفسه، وعلم الكشف وما الحجاب الذي بين الناس وبين ما يكشفه هذا المكاشف وهل هو شرط في الطريق أم لا؟ وعلم رؤية الأرواح العلوية وعلامة الصدق فيمن يدعي رؤية الأرواح الصادق فيه من الكاذب، ولنا فيهم علامات تعرف من يصدق منهم ممن يكذب، وعلامات أخر لنا أيضاً في الصادق منهم إذا أخبر عمّا رأى هل هو مخبر عن الأرواح أنفسها أو عن خيالات قامت له فيتخيل أنه رأى الملك أو الجني وهو ما رأى إلا أمثلة في خياله قامت له لقوّة سلطان الخيال عليه خارجة عن وهمه، فلنا في مثل هؤلاء علامات فهو يصدق فيما يراه ويخطىء في الحكم أنه رأى ملكاً أو جاناً وذلك المرئي ليس بملك ولا جان، فهذا من خصائص علم هذا المنزل. وعلم الوعيد ولماذا يرجع؟ ومن عارض القرآن من أين أتى عليه؟ كالحلاج حين دخل عليه عمرو بن عثمان المكي فقال له: يا حلاج ما تصنع؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن، فدعا عليه فكانت المشيخة تقول: ما أصيب الحلاج إلا بدعاء هذا الشيخ عليه، وكالمهذب ثابت بن عنتر الحلوي لقيته بالموصل سنة إحدى وستمائة عارض القرآن وسمعته يتلو منه سوراً وكان في مزاجه اختلال إلا أنه كان من أزهد الناس وأشرفهم نفساً ومات في تلك السنة . ٢٦ في المنازل/ الباب الرابع وثلاثمائة في معرفة منزل إيثار الغنى على الفقر وفي هذا المنزل علم المشيئة المحدثة هل لها أثر في الأفعال كما تقوله الأشاعرة في مسألة الكسب أو لا أثر لها؟ وهل هي مظهر من مظاهر الحق أو تكون في وقت من مظاهر الحق وهي المشيئة التي ينفذ حكمها وفي أوقات لا تكون مظهر الحق فتكون قاصرة؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الرابع وثلاثمائة في معرفة منزل إيثار الغنى على الفقر من المقام الموسويّ وإيثار الفقر على الغنى من الحضرة العيسوية [الوافر] غِنَى نَفْسِ المُحَقّقِ مُسْتعارُ فلو أنّ الفقير يكونُ مَلْكاً ولو أن الغَنِيَّ يكونُ عَبْداً فحُكْمُ الجهل قد عَمَّ البرايا ومن هذا المنزل أيضاً قولنا: [البسيط] الكونُ أعمى لنَقْصٍ كَامِنٍ فيهِ لك الكمالُ ولي ضدُّ الكمال لِذَا قد قلت إنّك معروف بمعرفتي هَبْني من الحال ما قد كُنْتُ فيه لكم إني لأعْجَبُ مني حين أُسْرِيَ بي الولا دُنُوَّي لما قام الثَّدَلْلُ به فقُلْ لعلمك لا تفرخ فما ظَفِرَتْ ومن هذا المنزل أيضاً قولنا: [مخلع البسيط] وفَقْرُ النفسِ ذُلِّ وانْكِسَارُ لزار العالمين ولا يُزَارُ لكان له التَّقَدُمُ والفَخَارُ ولا تُذْرَى لحُكْمِ العلم دَارُ والنُّورُ ليس به نَقْصٌ فِيُخْفِيهِ بيني وبينك وَعْدٌ ما نُوَفِّيهِ وبَخْرُ جهلي عقلي مُغْرَقٌ فيه لا لي فإنّ حجابي في تَجَلِيهِ وكيف أثَّرَ قُرْبي في تَدَلِّيهِ وما أنا علَّةٌ فيما يُؤدّيهِ يداك إلا بجهل ظاهر فيه لولا دُنُوّي لما تَدَلَّى فآبَ عنه وُجُودُ عَيْني فقُمْتُ في أرضه إماماً أحكمُ فيه بحُكْم رَبِّي فعندما تَمَّ لي مرادي خُذْني إلى ما خَرَجْتُ منه ولا تَدَانى ولا تَجَلَّى وقد تعالى لما تَحَلَّى خليفةً سيِّداً مُعَلَّى وَهُوَ عن العينِ ما تَخَلَّى ناديتُ مولاي قال مَهْلَا فقال أهلاً بكم وسَهْلاً اعلم وفقك الله تعالى أن الله سبحانه يغار لعبده المنكسر الفقير أشد مما يغار لنفسه، فإنه طلب من عباده أن يغاروا لله إذا انتهكت حرماته، غير أن غيرتك لله تعود محمدتها عليك، وغيرته عز وجل لك تعود محمدتها أيضاً عليك، لا عليه، فهو سبحانه وتعالى يثني ٢٧ في المنازل/ الباب الرابع وثلاثمائة في معرفة منزل إيثار الغنى على الفقر عليك بغيرته لك ويثني عليك بغيرتك له، فأنت المحمود على كل حال وبكل وجه، وهذا الفصل أرفع مقام يكون للعبد ليس وراءه مقام أصلاً، فينبغي للعبد أن يغار لنفسه في هذا المقام ولا بد فإن الله يغار له، فإذا حضر ملك مطاع نافذ الأمر وقد جاءك مع عظم مرتبته زائراً وجاءك فقير ضعيف في ذلك الوقت زائراً أيضاً، فليكن قبولك على الفقير وشغلك به إلى أن يفرغ من شأنه الذي جاء إليه، فإن تجلي الحق عند ذلك الفقير أعلى وأجل من تجليه في صورة ذلك الملك فإنك تعاين الحق في الملك المطاع تجلياً في غير موطنه اللائق به على غير وجه التنزيه الذي ينبغي له، أو أتى للعبد برتبة السيادة فإذا ظهر فيها وبها فقد أخل بها وأشكل الأمر على الأجانب فما عرفوا السيد من العبد إذا رأوه على صورته في مرتبته ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ وَلَا تَعْدُ عَيْنَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةً اٌلْحَيَوَةِ الدُّنّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾ [الكهف: ٢٨ -٢٩] أي لا تأخذكم في الله لومة لائم، وكان سبب هذه الآية أن زعماء الكفار من المشركين كالأقرع بن حابس وأمثاله قالوا: ما يمنعنا من مجالسة محمد إلا مجالسته لهؤلاء الأعبد. يريدون بلالاً وخباب بن الأرت وغيرهما فكبر عليهم أن يجمعهم والأعبد مجلس واحد، وكان رسول الله ◌َّ حريصاً على إيمان مثل هؤلاء فأمر أولئك الأعبد إذا رأوه مع هؤلاء الزعماء لا يقربوه إلى أن يفرغ من شأنهم، أو إذا أقبل الزعماء والأعبد عنده أن يخلو لهم المجلس، فأنزل الله هذه الآية غيرة لمقام العبودية والفقر أن يستهضم بصفة عز وتأله ظهر في غير محله، فكان رسول الله وَله بعد ذلك إذا جالس هؤلاء الأعبد وأمثالهم لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يقومون من عنده ولو أطالوا الجلوس، وكان يقول وَّهُ: ((إنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أَخْبِسَ نَفْسِي مَعَهُمْ)) فكان إذا أطالوا الجلوس معه يشير إليهم بعض الصحابة مثل أبي بكر وغيره أن يقوموا حتى يتسرح رسول الله وَّل لبعض شؤونه، فهذا من غيرة الله لعبده الفقير المنكسر، وهو من أعظم دليل على شرف العبودة والإقامة عليها وهو المقام الذي ندعو له الناس، فإن جميع النفوس يكبر عندهم رب الجاه ورب المال لأن العزة والغنى لله تعالى، فحيثما تجلت هذه الصفة تواضع الناس وافتقروا إليها، ولا يفرقون بين ما هو عز وغنى ذاتيّ وبين ما هو منهما عرضيّ إلا بمجرّد مشاهدة هذه الصفة، ولهذا يعظم في عيون الناس من استغنى عنهم وزهد فيما في أيديهم، فترى الملوك على ما هم عليه من العزة والسلطان كالعبيد بين يدي الزهاد وذلك لغناهم بالله وعدم افتقارهم إليهم في عزهم وما في أيديهم من عرض الدنيا، فإذا التمس الفقير من الغنيّ بالمال شيئاً من عز أو مال سقط من عينه بقدر ذلك مع كونه يبادر لقضاء حاجته حتى لو وزنت مرتبته في قلب الملك قبل طلب تلك الحاجة ووزنتها بعد طلب الحاجة نقصت عنها بقدر ما طلب، فصفة الحق تعالى حيثما ظهرت محبوبة مطلوبة عند الناس الذين لا يفرقون بين ظهورها عند من يستحقها وبين ظهورها عند من لا يستحقها، ولو علم هذا الجاهل أن أفقر الناس إلى المال أكثرهم مالاً وذلك أن صاحب ٢٨ في المنازل/ الباب الرابع وثلاثمائة في معرفة منزل إيثار الغنى على الفقر الفقر المدقع محتاج بالضرورة إلى ما يسد به خلته فهو فقر ذاتيّ والغنيّ بالمال مع كثرة ماله بحيث لو قسمه على عمره وعمر بنيه وحفدته لكفاهم ومع هذا يترك أهله وولده ويسافر بماله ويخاطر به في البحار والأعداء وقطع المفازات إلى البلاد القاصية شرقاً وغرباً في اقتناء درهم زائد على ما عنده لشدة فقره إليه، وربما هلك في طلب هذه الزيادة وغرق ماله أو أخذ، وربما استؤسر في سفره أو قتل، ومع هذه المعضلات كلها لا يترك سفراً في طلب هذه الزيادة، فلولا جهله وشدة فقره ما خاطر بالأنفس في طلب الأخس، فالفقير الزاهد يرى أن هذا الغنيّ أفقر منه بكثير وهو في فقره مذموم، وأن هذا الزاهد لولا غناه بربه عن هذه الأعراض لكان أشد حرصاً في طلبها من التجار والملوك، ولنا في هذا المعنى أبيات منها : [مخلع البسيط] من عَالَم الأرض والسَّمَاءِ بالمال يَنْقَادُ كُلُّ صَغْبٍ لم يعرفَوا لذَّةَ العَطَاءِ يَخْسَبُهُ عَالَمٌ حجاباً لم يُجِبِ اللهُ في دُعَاءِ لولا الذي في النفوس منه لا تَخْسَبِ المالَ ما تراهُ من عَسْجَدٍ مُشْرِقِ الرَّاءِ يَ به غَنِيًّا عن السَّواءِ بل هو ما كنتَ يا بُنَيْـ وعَامِلِ الحَقِّ بالوَفَاءِ فكُنْ برَبِّ العلا غنيّاً ولنا فيه أيضاً من قصيدة: [الكامل] المَالُ يُصْلِحُ كُلَّ شيءٍ فَاسِدٍ وبه يَزُولُ عَنِ الجَوادِ عِثَارُهُ وهذه طريقة أغفلها أهل طريقنا، ورأوا أن الغنى بالله تعالى من أعظم المراتب، وحجبهم ذلك عن التحقق بالتنبيه على الفقر إلى الله الذي هو صفتهم الحقيقية، فجعلوها في الغنى بالله بحكم التضمين لمحبتهم في الغنى الذي هو خروج عن صفتهم، والرجل إنما هو من عرف قدره وتحقق بصفته ولم يخرج عن موطنه وأبقى على نفسه خلعة ربه ولقبه واسمه الذي لقبه به وسماه فقال: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] فلرعونة النفس وجهالتها أرادت أن تشارك ربها في اسم الغنيّ، فرأت أن تتسمى بالغنى بالله وتتصف به حتى ينطلق عليها اسم الغنيّ وتخرج عن اسم الفقير، فانظر ما بين الرجلين، وما رأيت أحداً من أهل طريقنا أشار إلى ما ذكرناه أصلاً من غوائل النفوس المبطونة فيها إلا الله تعالى، فهو الذي نبه عباده عليها وبعد هذا فما سمعوا وتعاموا، وكم جهدت أن أرى لأحد في ذلك تنبيهاً عليه فما وجدت، وأسأل من الله تعالى أن لا يجعلنا ممن انفرد بها وأن يشاركنا فيها إخواننا من العارفين، وأما أصحابنا فإنهم أخذوها عنا وتحققوا بها في نفوسهم وما بقي عليهم فيها إلا التخلق بها وأن تكون صفتهم دائماً، ولكن بعد أن عرّفنا أولادنا فعرفوا هذه المرتبة وتنبهوا إلى ما جهل الناس من العارفين من ذلك فقد حصل لهم خير كثير منعهم هذا القدر أن يسيئوا الأدب مع الله تعالى. ومن إساءة الأدب في طريق الله تعالى وهو مما يستدرج الله به العارفين عزة الشيوخ على أتباعهم من المريدين بما افتقروا إليهم فيه من التربية وامتيازهم عنهم، فإن ٢٩ في المنازل/ الباب الرابع وثلاثمائة في معرفة منزل إيثار الغنى على الفقر الشيخ إذا لم يوف هذا المقام حقه يحجبه فقر المريد إليه عن فقره إلى ربه حالاً، ويكون مشهده عند ذلك غناه بالله، والغنى بالله يطلب العزة وحال المحقق صاحب هذا المقام إذا رأى المريدين يفتقرون إليه فيما عنده من الله شكر الله على ذلك حيث ألزم الله به فقراء إليه يثبتونه بصفة فقرهم إليه على فقره إليه الله تعالى، فإنه ربما لو لم يظهر صفة فقرهم إليه نسي فقره إلى الله تعالى، فهكذا هو حال الشيخ المحقق، فينظر هذا الشيخ المريدين المفتقرين إليه بعين من يثبته على طريقه لئلا تزل به القدم فيه، فهو كغريق وجد من يأخذ بيده كيف يكون حب ذلك الغريق فيه حيث أمسك عليه حياته فيرى هذا الشيخ حق المريد عليه أعظم من حقه على المريد، فالمريد هو شيخ الشيخ بالحال، والشيخ هو شيخ المريد بالقول والتربية، وإن كنت عاقلاً فقد نبهتك على الطريق الأنفس فاعمل عليه فما أبقيت لك في النصيحة. ولنا: [الخفيف] لا أُرَاني للْعِزْ بالحَقِّ أَهْلاً أنا عَبْدٌ والذُّلُّ بالعَبْد أَوْلَى كان قَوْلِيَ حالاً وعقداً وفِعْلا فانظروني فكلّما قلتُ قولاً فإذا ما سَبَبْتُهُ قال مَهْلاً إنَّ غيري يقول إنِّيَ عَبْدٌ فيا أيها الولي الحميم لا تنسخ العلم بالظن، فأخسر الأخسرين من كانت حاله هذه عزة الإيمان أعلى وعزة الفقر أولى، فليكن شأنك تعظيم المؤمن الفقير على المؤمن الغني بماله العزيز بجاهه المحجوب عن نفسه، فإن الفقير المؤمن هو مجلى حقيقتك، وأنت مأمور بمشاهدة نفسك حذر الخروج عن طريقها، فالفقير المؤمن مرآتك ترى فيه نفسك، والمؤمن الغني بالمال عنك هو مرآة لك صدئت فلا ترى نفسك فيها فلا تعرف ما طرأ على وجهك من التغيير، فما عتب الله نبيه سدى بل أبان والله في ذلك عن أرفع طريق الهدى وزجر عن طريق الردى فقال كلا ردعاً وزجراً لحالة تحجبك عما ذكرته وقرّرته لك في هذه النصيحة فلا تعدل بالغنى والعزة مستحقهما وهو الله تعالى تكن من العلماء الكُمَّل الذين لم يدنسوا علمهم بغفلة ولا نسيان معذرة، وبعد أن أبنت لك عن الطريقة المثلى التي غاب عنها الرجال الذين شهد لهم بالكمال فاعلم أن الأحوال تملك الإنسان لا بد من ذلك، وإذا سمعت بشخص يملك الأحوال فإنه لا يملك حالاً ما إلا بحال آخر، فالحال الذي أوجب له ملك هذا الحال هو الحاكم عليه في الوقت فإن الوقت له، فإن بعض الناس غلط في هذه المسألة من أهل طريقنا، وجعلوا من الفروق بين الأنبياء عليهم السلام وبين الأولياء ملك الحال فقالوا الأنبياء يملكون الأحوال والأولياء تصرفهم الأحوال وهو غلط كبير من كل وجه، فإن الإنسان لا يخلو أبداً عن حال يكون عليه به يعامل وقته وهو الحاكم عليه . واعلم أن الله قد قرّر في نفوس الأكابر من رجال الله تعظيم صفات الحق حيثما ظهرت، فإن ظهرت على من هي فيه بحكم العرض كان تعظيم هذا الرجل الولي لصفة الحق لا للمحل الظاهرة فيه، فإن غفل انحجب بالموصوف عن الصفة فعظمها من أجلها وينبغى أن لا يكون ذلك إلا فيمن ألبسه الحق إياها لا فيمن سرقها، فكان كلابس ثوبي زور كالمتشبع بما ٣٠ في المنازل/ الباب الرابع وثلاثمائة في معرفة منزل إيثار الغنى على الفقر لا يملك، وإذا عظم الولي صفة الحق إذا ظهرت له في شخص وبدت له صفته في شخص آخر أعرض عن صفته إعظاماً أن يعرض عن الحق بمشاهدة نفسه فلم يقصد إلا التعظيم، وينجر مع ذلك تعظيم المحل الذي ظهرت فيه صفة الحق وإن كان ليس مقصوداً للمعظم، ومع هذا فالذي نبهناك عليه أولى وأحق بالتقديم من هذا؛ وما أحسن قول النبي ◌ُّ حيث قال: ((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)) أو قال: ((أُمِرْتُ أَنْ أُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)) ومنازل الناس والله معلومة، ولم يقل كل أحد منزلته وإنما قال الناس فالصفة التي تعمهم هي التي أمر النبي ◌ِّثة. أن ننزلهم فيها وهي التي ذكرناها ونبهناك عليها من الذلة والافتقار، وكل ما ورد في القرآن من وصف الإنسان بما ليس له بحقيقة فإنما هو في مقابلة أمر قد ادعاه من ليس من أهله فقوبل به من جنسه ليكون أنكى في حقه، قال في ذلك عبد الله بن أبيّ ابن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فنخرج منها محمداً وأصحابه فجاء ولده فأخبر بذلك رسول الله وَيّ واستأذنه في قتل أبيه لما سمع الله يقول: ﴿لَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُؤَآَذُونَ مَنْ حَاذَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَبَآءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] وكان من المنافقين، فقال رسول الله وَّ: ((مَا أُرِيدُ أَنْ يُتَحَدَّثَ بأَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ)) فأضاف الله العزة لرسوله وللمؤمنين في مقابلةٍ دعوى المنافقين إياها فقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] لمن ينسبون العزة فكيف ينسبونها إلى غير الله من المؤمنين وما حظ الرسول والمؤمن منها، ولم يقل تعالى بإخراجهم وكذلك ما أخرجهم، بل هذا القائل لم يزل بالمدينة إلى أن مات ودفع لكفنه رسول الله الليل ثوبه جزاء ليد كانت له عند النبي ◌ّية من جهة عمه العباس حين أسره في غزوة بدر فكساه هذا المنافق ثوبه فلم يبق للمنافق يوم القيامة مطالبة للنبي وعَّ. من أجل ذلك، إذا رأيت عارفاً قد وقع في مثل هذا فاعلم أنه ما قصد سوى تعظيم صفة الحق وتصغير نفسه، فإن كنت مثله في المقام أو أكبر منه فاذكره بما عرفتك به، وإذا كان هذا المقام لك وأنت شاهد له فبالضرورة تكون أكبر منه في تلك الحالة وإن كنت نازلاً عنه في غيرها، فعلى كل وجه ذكره، وإن كان حاله الإيمان في ذلك الوقت فإنه يقبل الذكرى، فإن انتهرك وقال لك لمثلي تقول هذا فاعلم أنه قد سقط من عين الله وقد حجبه الله عن عبوديته وعن الإيمان فاتركه فقد فعلت ما فرضه الله عليك وادع له فإن الله قد أعمى بصيرته عن سبيل الله . واعلم أن هذه الصفة التي نبهتك عليها أعطتنا حالاً ومشاهدة من حضرة القدس فهي مقرّها ولا يتصف بها إلا من له عند الله أرفع المنازل، فإن كان رسولاً فأرفع المنازل في الرسالة، وإن كان نبياً فأرفع المنازل في النبوة، وإن كان ولياً فأرفع المنازل في الولاية، وإن كان مؤمناً فأرفع المنازل في الإيمان، وإن كان نصرانياً أو مجوسياً أو يهودياً أو معطلاً فهو في أرفع المنازل بها في صنفه وفي مقامه: [الكامل] لا يَدَّعِيهِ مُقَيَّداً ومُسَوَّدَا إنَّ الكبيرَ من الرجال هُو الّذي ومُعَطُلاً ومُشَرِّكاً ومُوَحِّدًا ومُهَوَّداً ومُنَصَّراً ومُمَجَّساً ٣١ في المنازل/ الباب الرابع وثلاثمائة في معرفة منزل إيثار الغنى على الفقر ومُمَكِّناً ومُرَوْحِناً ومُجَسِّدا ومُنَزّهاً ومُشَبِّهاً ومُحَيِّزاً كُلَّ الأنام وكان حتى يُقْصَدَا عَمَّتْ صفاتُ جلاله وجماله عن نفسه حَالَ الضلالة والهُدَى إن الغَيُورَ هو الذي لا يَنْثَني وإن المحل الذي تقوم به هذه الصفة لا بد لصاحبها إن كان على أي ملة كان أو نحلة أن يرجع إلى دين الهدى ويسلم ويؤمن ويبادر إلى مكارم الأخلاق عن كشف محقق وعلم صحيح، فيكون أكمل الناس إيماناً وأعظمهم منزلة عند الله عارفاً بمنازل الرسل والأنبياء عليهم السلام وفضل بعضهم على بعض والأولياء والمؤمنين، فإن الصفة التي قادته إلى الإسلام أعظم الصفات عند الله قدراً في حق العبد، فتنزله المنازل العلية وترفعه في عليين ويتلقاه من الملائكة كل ملك كريم على الله محسن في عبادة ربه هو الذي ينزل إلى هذا العبد من عند الله للمناسبة التي بين هذا الملك وبينه فيأخذ بيده فيرفعه إلى منزل هذه الصفة في عليين، فلا يكون في صنفه أعلى منه منزلة إلا من عمل بعمله فإنه في درجته ومعه، ويكفي هذا القدر من هذا المنزل. وأما ما يحوي عليه من المسائل والعلوم فعلم كفران النعم وتفاصيل الكفر وأين ينتهي كل كفر بصاحبه مثل كفر الآبق وتارك الصلاة والكافر ببعض ما أنزل الله وعلم البدو وعلم وضع الشرائع وعلم البرازخ وعلم البعث وعلم أقوات الأرض وأمر السموات وما يتولد بين السماء والأرض وبين توجهات الحق والكون وبين كل زوجين وعلم الإنسان والحيوان وعلم الساعة ولم سميت ساعة، وهل هي في كل لسان بهذا المعنى المفهوم من اسم الساعة أم لا؟ وهل للساعة صورة لها إدراك سمع وبصر وتميز أم لا؟ وعلم الصفات المقوّمة لكل مرتبة حتى يمتاز بها أهلها، وعلم الكتابين اللذينِ خرج بهما رسول الله وَّر في يديه على أصحابه فقال بَّهَ: ((إنَّ فِي الكِتَابِ الوَاحِدِ أَسْمَاءَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، وَفِي الكِتَابِ الآخَرِ أَسْمَاء أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ)) مع صغر حجم الكتابين وكثرة الأسماء، فيعلم من ذلك إيراد الكبير على الصغير من غير تصغير الكبير أو تكبير الصغير، وإلا فأي ديوان يحصر أسماء هؤلاء؟ ويعلم أن الأمر الذي يحيله العقل لا يستحيل نسبة إلهية، فتعلم أن الله قادر على المحال العقلي كإدخال الجمل في سم الخياط مع بقاء هذا على صغره وهذا على كبره، ويشاهد من هذا المنزل المقام الذي وراء طور العقل من حيث ما يستقل بإدراكه من كونه مفكراً، وإلا فعقل الأنبياء عليهم السلام والأولياء قبل هذا الأمر من كونه قابلاً لا من كونه ما ذكرناه، فللعقول حد تقف عنده وليس لله حد يقف عنده بل هو خالق الحدود فلا حد له سبحانه فهو القادر على الإطلاق. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . ٣٢ في المنازل/ الباب الخامس وثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال ... الباب الخامس وثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال من الحضرة المحمدية [البسيط] : تُقَلْبُ الكَوْنَ من حَالٍ إلى حَالٍ حقائقُ الحَقِّ بالأسماء والحَالِ للعَقْل فيه مَجَالٌ دون إمْلالٍ وليس يدري به إلا القُلُوبُ وما للعَقْلِ شيءٌ سوى قَيْدٍ وأغْلالٍ يخالفُ العَقْلُ تَقْلِيبَ الوُجُودِ فما فالعقلُ يشهدُ ذاتاً لا انتقال لها إنَّ المظاهرَ تقليبُ الإله لنا عنها وقلبُك في تقليب أخوَالٍ في نفسه وَهْوُ عندي عينُ إِضْلالٍ اعلم وفقك الله أن هذا المنزل يحوي على علوم كثيرة، منها علم القوّة وهو الرمي بالقوس والدخول فيه وعقد الأصابع على الوتر والسهم وكيفية الإطلاق وسداد السهم والمناضلة، فإن الله تعالى ما اعتنى بشيء من آلة الحرب ما اعتنى بعلم الرمي بالقوس وأقامه في هذا المنزل مرتب المنازل بالاسم القوي وأمرنا في القرآن بالاستعداد به فقال: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] فقال رسول الله وَّرَ: ((ألا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ القُؤَّةَ الرَّمْيُ)) وجعله في هذا المنزل على أربع مراتب، وأشهدها أصحاب الأذواق لهذه المنازل لحكمة علمها أهلها ليعلم الإنسان كيف يصيب الفعل ويؤثر من غير مباشرة من الاسم البعيد عن هذا الوصف، ومن هذا العلم ينكشف لك سر القدر وكيف تحكم في الخلائق ولماذا يرجع أصله؟ ولا دليل عليه إلا الرمي بالقوس وهو روح ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] للإيجاد، وروح المشيئة للإعدام. ويحوي هذا المنزل على علم الأرواح المدبرة للأجسام العلوية والسفلية وما حكمها في الأجسام النورية وأن حكمها فيها تشكلها في الصور خاصة، كما أن حكمها في الأجسام الحيوانية الإنسانية التشكل في القوّة الخيالية مع غير هذا من الأحكام، فإن الأجسام النورية لا خيال لها بل هي عين الخيال والصور تقلباتها عن أرواحها المدبرة لها وهو علم شريف، وكما لا يخلو خيال الإنسان عن صورة كذلك ذات الملك لا تخلو عن صورة وهو علم شريف يحوي على أسرار كثيرة، وبيد هذه الأرواح تعيين الأمور التي يريدها الحق بهذه الأجسام كلها، فالإنسان عالم بجميع الأمور الحقية فيه من حيث روحه المدبر وهو لا يعلم أنه يعلم فهو بمنزلة الساهي والناسي والأحوال تذكره والمقامات والمنازل، وقد قالها الحكيم في التقسيم الرباعي وهو الرجل الذي يدري ولا يدري أنه يدري فذلك الناسي فذكروه، وفي هذا المنزل علم الصيحتين اللتين بالواحدة منهما يصعق العالم أصحاب السماع وبالأخرى يفيقون فيفزعون إلى ربهم تسمى نفخة البعث ونفخة الفزع، وفيه علم القلوب وسرعة تقليبها، وفيه علم البصيرة والبصر وما يتجلى لكل واحد منهما، وفيه علم الإعادة وكيفيته وماذا يرد منه وما لا يرد، وفيه علم الدور والكور وهل يكون ذلك في الصور أو في الأعيان الحاملة للصور؟ ٣٣ في المنازل/ الباب الخامس وثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال ... وفيه علم اختصاص القيومية بالتبديل، وفيه علم الكلام الإلهيّ المسموع بالأذن لا المسموع بالقلب في المواد الثواني، وفيه علم الكبرياء الموجود في الثقلين خاصة ولما اختص بهما دون سائر الموجودات وما الحقيقة التي أعطتهما ذلك؟ وهل هو في الجنّ كما هو في الإنس؟ أو يختلف السبب فيكون سببه في الإنسان وجوده على الصورة الكاملة، ويكون في الجنّ كونه من نار وعلى من تكبر الإنسان وعلى من تكبر الجان، وفيه علم ما يزول به هذا الكبرياء من العالمين، وفيه علم الإعجاز وتفاضل الأمر المعجز وما يبقى منه وما لا يبقى، وهل له حد ينتهي إليه أم لا؟ ولماذ يرجع هل إلى الصرف أم لغير الصرف؟ فإن كان إلى الصرف فهل إذا انقضى زمان الدعوى في عين ذلك الفعل وانفصل المجلس هل يقدر المنازع على الإتيان بذلك؟ وإذا أتى هل يقدح في الدعوى الأولى من المتحدي أم لا يقدح؟ وفيه ما السبب المانع من الرجوع إلى الحق بعد العلم به؟ وهل ذلك علم أو ليس بعلم؟ وفيه علم ما يفرّ إليه الفار مما يهوله وإلى أين يفر مع علمه بأن الذي يفرّ إليه منه يفرّ فماذا يحركه ويدعوه إلى الفرار مع هذا العلم، وفيه علم الاعتبار ومن أهله ولماذا وضعه الله في العالم وأمر به وما المطلوب منه؟ وفيه علم الخلق ولماذا خلق هل من أجل الإنسان أو من أجل الحيوان أو من أجلهما؟ لو فيه علم الآخرة وما فيها في الموقف، وعلم الجنة والنار، وعلم الصفات التي تطلب كل واحدة منهما وفيه إباحة التشريع للإنسان بالأمر والنهي في نفسه لا في غيره، وأنه إن خالف ما تأمر به نفسه أو تنهى عوقب أو غفر له مثل ما هو حكم الشارع ومن أي حضرة صح له ذلك؟ وهل لها ذوق في النبوّة أو هي نبوّة خاصة لا نبوّة الأنبياء المحجورة؟ وفيه علم منتهى القيامة، وفيه علم طي الزمان. فهذا جميع ما يتضمنه هذا المنزل من أجناس العلوم وتحت كل جنس من العلوم وأنواعها على حسب ما تعطيها تقاسيم كل جنس ونوع منها، فلنذكر منها مسألة واحدة أو ما تيسر كما عملنا في كل منزل، والله المؤيد والعاصم لا رب غيره: فمن الأحوال التي يتضمنها هذا المنزل حال الإنسان قبل أخذ الميثاق عليه وهو الحال الذي كان فيها ◌َللّـ حين عرّف بنبوّته قبل خلق آدم عليه السلام، وقد ورد ذلك في الخبر عنه وَّهُ: فقال: ((كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ وَالطِّينِ)) فكان له التعريف في تلك الحالة، وذلك أن هذه النشأة الإنسانية كانت مبثوثة في العناصر ومراتبها إلى حين موتها التي يكون عليها في وجود أعيان أجسامها معلومة معينة في الأمر المودع في السموات لكل حالة من أحواله التي تتقلب فيها في الدنيا صورة في الفلك على تلك الحالة قد أخذ الله بأبصار الملائكة عن شهودها مكتنفة عند الله في غيبه معينة له سبحانه لا تعلم السموات بها مع كونها فيها، وقد جعل الله وجود عينها في عالم الدنيا في حركات تلك الأفلاك، فمن الناس من أعطي في ذلك الموطن شهود نفسه ومرتبته، إما على غاياتها بكمالها، وإمّا يشهد صورة مّا من صوره وهو عين تلك المرتبة له في الحياة الدنيا فيعلمها فيحكم على نفسه بها، وهنا شاهد رسول الله وال نبوّته ولا ندري هل شهد صورة جميع أحواله أم لا؟ فالله أعلم، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] وهذا من أمرها، وشأنها حفظ هذه الصور إلى وصول وقتها فتعطيها الفتوحات المکیة ج٥ - م٣ ٣٤ في المنازل / الباب الخامس وثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال ... مراتبها في الحياة الدنيا تلك الصورة الفلكية من غير أن تفقد منها ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]. وهذه الصور كلها موجودة في الأفلاك التسعة وجود الصورة الواحدة في المرايا الكثيرة المختلفة الأشكال من طول وعرض واستقامة وتعويج واستدارة وتربيع وتثليث وصغر وكبر، فتختلف صور الأشكال باختلاف المجلى والعين واحدة، فتلك صور المراتب حكمت على تلك العين كما حكمت أشكل المرايا على الصورة، فالعارف من عرف ذاته لذاته من غير مجلى، وإن كان بهذه المثابة لم تؤثر فيه المراتب إذا نالها كما قال ◌َّ وهو في المرتبة العليا: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرَ)) فلم تحكم فيه المرتبة، وقال في كل وقت وهو في مرتبة الرسالة والخلافة: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فلم تحجبه المرتبة عن معرفة نشأته، وسبب ذلك أنه رأى لطيفته ناظرة إلى مركبها العنصريّ وهو متبدد فيها فشاهد ذاته العنصرية فعلم أنها تحت قوّة الأفلاك العلوية ورأى المشاركة بينها وبين سائر الخلق الإنسانيّ والحيوان والنبات والمعادن فلم ير لنفسه من حيث نشأته العنصرية فضلاً على كل من تولد منها وأنه مثل لهم وهم أمثال له فقال: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)) ثم رأى افتقاره إِلى ما تقوم به نشأته من الغذاء الطبيعيّ كسائر المخلوقات الطبيعية فعرف نفسه فقال: ((يَا أَبَا بَكْرِ ما أَخْرَجَكَ؟)) قال: الجوع، قال: ((وَأَنَا أَخْرَجَنِي الجُوعُ)) فكشف عن حجرين قد وضعهما على بطنه يشد بهما أمعاءه وكان يتعوذ من الجوع ويقول: إنه بئس الضجيع وَّ فقد عرفت أن قوله بَّ: «كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ وَالطّينِ)) إنما كان هذا القول بلسان تلك الصورة التي فيها من جملة صور المراتب، فترجم لنا في هذه الدار عن تلك الصورة. فهذا من أحوال الخلق . ولنا صور أيضاً فوق هذا لم نذكرها لأنه ليس لنا استرواح من قول شارع ولا من دليل عقلي نركن إليه في تعريفنا إياك بها فسكتنا عنها، وإلا فلنا صورة في الكرسي، وصورة في العرش، وصورة في الهيولى، وصورة في الطبيعة، وصورة في النفس، وصورة في العقل وهو المعبر عنهما باللوح والقلم، وصورة في العماء، وصورة في العدم، وكل ذلك معلوم مرئيّ مبصر لله تعالى، وهو الذي يتوجه عليه خطاب الله إذا أراد إيجاد مجموعنا في الدنيا بكن فنبادر ونجيب إلى الخروج من حضرة العدم إلى حضرة الوجود فينصبغ بالوجود وهو قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَغَحْنُ لَمُ عَبِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨] أي أذلاء خاضعون، ونحن في كل ما ذكرنا لنا حال نتميز به في ذلك المقام وحالنا هو عين صورتنا فيه، فما أوسع ملك الله وما أعظمه، وكل ما ذكرناه في جنب الله كلا شيء. ومن الأحوال أيضاً التي ترد على قلوبنا حال كوننا في الميثاق الذي أخذه ربنا علينا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ ءَآدَمَ مِن ◌َظُهُورِهِمْ ذُرِيَّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بٌَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أنت ربنا فلولاك ما كان لنا وجود في صورة آدم العنصرية معينين مرئيين متميزين عند الله في علمه ورؤيته، وعندنا ما قلنا بلى أنت ربنا فأخلصنا له التوجه، وكيف لا نخلص ونحن في قبضته مشاهدة عين محصورين، واللّه بكلّ شيء محيط. فاعلم أن آدم عليه السلام لما أوجده الله وسواه كما سوّى الأفلاك وجميع الحضرات التي ذكرنا جعل لنا في ٣٥ · في المنازل/ الباب الخامس وثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال ... صورته صوراً مثل ما فعل فيما تقدم من المخلوقات ثم قبض على تلك الصور المعينة في ظهر آدم وآدم لا يعرف ما يحوي عليه، كما أنه كل صورة لنا في كل فلك ومقام لا يعرف بها ذلك الفلك ولا ذلك المقام وأنه للحق في كل صورة لنا وجه خاص إليه من ذلك الوجه يخاطبنا، ومن ذلك الوجه نرد عليه، ومن ذلك الوجه نقر بربوبيته، فلو أخذنا من بين يدي آدم لعلمنا فكان الأخذ من ظهره إذ كان ظهره غيباً له، وأخذه أيضاً معنا في هذا الميثاق من ظهره، فإن له معنا صورة في صورته فشهد كما شهدنا ولا يعلم أنه أخذ منه أو ربما علم، فإنه ما نحن على يقين من أنه لم يعلم بأنه أخذ منه ولا بأنا أخذنا منه، ولكن لما رأينا أن الحضرات التي تقدمته لا تعلم بصورنا فيها قلنا: ربما يكون الأمر هنا كذلك فرحم الله عبداً وقف على علم ذلك أنه علم آدم أو لم يعلم فليحق ذلك في هذا الموضع من هذا الكتاب، فإن بعد عن فهمك ما ذكرناه من تعداد الصور فقد ورد في الخبر المشهور الحسن الغريب: أَنَّ الله تَجَلَّى لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ فَقَالَ لَهُ: يَا آدَمُ اخْتَرْ أَيْتَهُمَا شِئْتَ، فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ قَالَ: فَبَسَطِها فَإِذَا آدَمُ وَذُرِّيَتُهُ فَنَظَرَ إلى شَخْصٍ مِنْ أَضْوَئِهِمْ أَوْ أَضْوَئِهِمْ فَقَالَ: مَنْ هُذا يَا رَبِّ؟ فَقَالَ الله لَهُ: هذا ابنك داود، فقال: يا رَب كم كتبت له؟ فقال: أربعين سنة، فقال: يا رب وكم كتبت لي؟ فقال الله: ألف سنة، فقال: يا رَبِّ فَقَدْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ عُمُرِي سِتْيْنَ سَنَةً، قَالَ الله لَهُ: أنتَ وذاكَ فما زالَ يعدُّ لِنَفْسِهِ حَتَّى بَلَغَ تسعمائةٍ وأربعينَ سنةً فِجَاءَه مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ فقالَ له آدمُ: إنه بقيَ لي ستونَ سنةً فَأوْحَى الله إلى آدمَ: يا آدمُ إِنَّكَ وَهَبْتَهَا لابنكَ دَاوِدَ فَجَحَدَ آدمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ قال رسول اللهِ وَ: ((فَمِنْ ذُلِكَ اليَوْمِ أُمِرَ بِالكِتَابِ وَالشُّهُودِ) فهذا آدم وذريته صور قائمة في يمين الحق، وهذا آدم خارج عن تلك اليد وهو يبصر صورته وصور ذريته في يد الحق فما لك تقرّ به في هذا الموضع وتنكره علينا؟ فلو كان هذا محالاً لنفسه لم يكن واقعاً ولا جائزاً بالنسبة إذ الحقائق لا تتبدل فاعلم ذلك، وأكثر من هذا التأنيس ما أقدر لك عليه فلا تكن ممن قال الله فيهم: ﴿ُمْ بُكْمُ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] ﴿صُمْ بُكْمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] وأخذ الله الصور من ظهر آدم وآدم فيهم وأشهدهم على أنفسهم بمحضر من الملأ الأعلى والصور التي لهم في كل مجلى: ألست بربكم؟ قالوا بلى، فشهد على نطقهم من حضر ممن ذكرنا بالإقرار بربوبيته عليهم وعبوديتهم له، فلو كان له شريك فيهم لما أقرّوا بالملك له مطلقاً، فإن ذلك موضع حق من أجل الشهادة، فنفس إطلاقهم بالملك له بأنه ربهم هو عين نفي الشريك، وإنما قلنا ذلك لأنه لم يجر للتوحيد هنا لفظ أصلاً ولكن المعنى يعطيه. ولما كان الموت سبباً لتفريق المجموع وفصل الاتصالات وشتات الشمل سمي التفريق الذي هو بهذه المثابة موتاً فقال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أي كنتم متفرّقين في كل جزء من عالم الطبيعة فجمعكم وأحياكم ثم يميتكم أي يردكم متفرقين أرواحكم مفارقة لصور أجسامكم، ثم يحييكم الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] بعد مفارقة الدنيا وأن الله سيذكر عباده يوم القيامة بما ٣٦ في المنازل / الباب الخامس وثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال ... شهدوا به على أنفسهم في أخذ الميثاق فيقولون: ﴿رَبَّنَّا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] أي كما قبلنا حياة بعد موت وموتاً بعد حياة مرتين فليس بمحال أن نقبل ذلك مراراً، فطلبوا من الله أن يمن عليهم بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا ما يورثهم دار النعيم، وحين قالوا هذا لم يكن الأمد المقدر لعذابهم قد انقضى، ولما قدر الله أن يكونوا أهلاً للنار وأنه ليس لهم في علم الله دار يعمرونها سوى النار قال تعالى: ﴿وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] حتى يدخلوا النار باستحقاق المخالفة إلى أن يظهر سبق الرحمة الغضب فيمكثون في النار مخلدين لا يخرجون منها أبداً على الحالة التي قد شاءها الله أن يقيمهم عليها، وفيها يرد الله الذرية إلى أصلاب الآباء إلى أن يخرجهم الله إلى الحياة الدنيا على تلك الفطرة، فكانت الأصلاب قبورهم إلى يوم يبعثون من بطون أمهاتهم ومن ضلع آبائهم في الحياة الدنيا، ثم يموت منهم من شاء الله أن يموت، ثم يبعث يوم القيامة كما وعد. واختلف أصحابنا في الإعادة هل تكون على صورة ما أوجدنا في الدنيا من التناسل شخصاً عن شخص كما قال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] بجماع وحمل وولادة في آن واحد للجميع وهو مذهب أبي القاسم بن قسي، أو يعودون روحاً إلى جسم وهو مذهب الجماعة؟ والله أعلم. واعلم أن من الأحوال التي هي أمهات في هذا الباب فإن تفاصيل الأحوال لا تحصى كثرة ولكن نذكر منها الأحوال التي تجري مجرى الأمهات: فمنها أحوال الفطرة التي فطر الله الخلق عليها وهو أن لا يعبدوا إلا الله فبقوا على تلك الفطرة في توحيد الله، فما جعلوا مع الله مسمى آخر هو الله بل جعلوا آلهة على طريق القربة إلى الله ولهذا قال: ﴿قُلّ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣] فإنهم إذا سموهم بان أنهم ما عبدوا إلا الله، فما عبد كل عابد إلا الله في المحل الذي نسب الألوهية له فصح بقاء التوحيد لله الذي أقرّوا به في الميثاق وأن الفطرة مستصحبة، والسبب في نسبة الألوهية لهذه الصور المعبودة هو أن الحق لما تجلى لهم في أخذ الميثاق تجلى لهم في مظهر من المظاهر الإلهية فذلك الذي أجرأهم على أن يعبدوه في الصور، ومن قوة بقائهم على الفطرة أنهم ما عبدوه على الحقيقة في الصور وإنما عبدوا الصور لما تخيلوا فيها من رتبة التقريب كالشفعاء، وهاتان الحقيقتان إليهما مآل الخلق في الدار الآخرة وهما الشفاعة والتجلي في الصور على طريق التحوّل، فإذا تمكنت هذه الحالة في قلب الرجل وعرف من العلم الإلهيّ ما الذي دعا هؤلاء الذين صفتهم هذا وأنهم تحت قهر ما إليه يؤولون تضرعوا إلى الله في الدياجي وتملقوا له في حقهم وسألوه أن يدخلهم في رحمته إذا أخذت منهم النقمة حدها وإن كانوا عمار تلك الدار فليجعل لهم فيها نعيماً به، إذ كانوا من جملة الأشياء التي وسعتهم الرحمة العامة، وحاشا الجناب الإلهيّ من التقييد وهو القائل بأن رحمته سبقت غضبه فلحق الغضب بالعدم، وإن كان شيئاً فهو تحت إحاطة الرحمة الإلهية الواسعة، وقد قال رَّمَ: ((إنَّ الأنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ وَسَلامُهُ تَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ إذا سُئِلُوا فِي الشَّفَاعَةِ إِنَّ اللهَ قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)) وهذا من أرجى حديث يعتمد عليه في هذا الباب أيضاً، فإن اليوم الذي أشار إليه ٣٧ في المنازل/ الباب الخامس وثلاثمائة في معرفة منزل ترادف الأحوال على قلوب الرجال ... الأنبياء هو يوم القيامة، ويوم القيامة هو يوم قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، قال تعالى : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] وفي ذلك اليوم يكون الغضب من الله على أهل الغضب، وأعطى حكم ذلك الغضب الأمر بدخول النار وحلول العذاب والانتقام من المشركين وغيرهم من القوم الذين يخرجون بالشفاعة والذين يخرجهم الرحمن كما ورد في الصحيح ويدخلهم الجنة إذا لم يكونوا من أهل النار الذين هم أهلها ولم يبق في النار إلا أهلها الذين هم أهلها، فعمّ الأمر بدخول النار كل من دخلها من أهلها ومن غير أهلها لذلك الغضب الإلهيّ الذي لن يغضب بعده مثله، فلو سرمد عليهم العذاب لكان ذلك عن غضب أعظم من غضب الأمر بدخولها وقد قالت الأنبياء: إن الله لا يغضب بعد ذلك مثل ذلك الغضب، ولم يكن حكمه مع عظم ذلك الغضب إلا الأمر بدخول النار، فلا بد من حكم الرحمة على الجميع، ويكفي من الشارع التعريف بقوله: (وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا)) ولم يقل أهل العذاب ولا يلزم من كان من أهل النار الذين يعمرونها أن يكونوا معذبين بها فإن أهلها وعمارها مالك وخزنتها وهم ملائكة وما فيها من الحشرات والحيات وغير ذلك من الحيوانات التي تبعث يوم القيامة ولا واحد منهم تكون النار عليه عذاباً، كذلك من يبقى فيها لا يموتون فيها ولا يحيون وكل من ألف موطنه كان به مسروراً وأشد العذاب مفارقة الوطن، فلو فارق النار أهلها لتعذبوا باغترابهم عما أهلوا له، وأن الله قد خلقهم على نشأة تألف ذلك الموطن فعمرت الداران وسبقت الرحمة الغضب ووسعت كل شيء جهنم ومن فيها والله أرحم الراحمين كما قال عن نفسه . وقد وجدنا في نفوسنا ممن جبلهم الله على الرحمة أنهم يرحمون جميع عباد الله حتى لو حكمهم الله في خلقه لأزالوا صفة العذاب من العالم بما تمكن حكم الرحمة من قلوبهم وصاحب هذه الصفة أنا وأمثالي ونحن مخلوقون أصحاب أهواء وأغراض، وقد قال عن نفسه جل علاه إنه أرحم الراحمين فلا نشك أنه أرحم منا بخلقه، ونحن قد عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة فكيف يتسرمد عليهم العذاب وهو بهذه الصفة العامة من الرحمة؟ إن الله أكرم من ذلك، ولا سيما وقد قام الدليل العقلي على أن الباري لا تنفعه الطاعات ولا تضره المخالفات، وأن كل شيء جَارٍ بقضائه وقدره وحكمه، وأن الخلق مجبورون في اختيارهم، وقد قام الدليل السمعيّ أن الله يقول في الصحيح: ((يا عبادي)) فأضافهم إلى نفسه، وما أضاف الله قط العباد لنفسه إلا من سبقت له الرحمة أن لا يؤبد عليهم الشقاء وإن دخلوا النار فقال: ((يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمُ اجْتَمَّعُوا عَلَى أنْجَرِ قَلْبٍ رَجُلَ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً»، فقد أخبر بما دل عليه العقل أن الطاعات والمعاصي ملكه وأنه على ما هو عليه لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص ملكه مما طرأ عليه وفيه فإن الكل مُلكه ومِلكه، ثم قال من تمام هذا الخبر الصحيح: ((يا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذلكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً) الحديث، ولا شك أنه ما من أحد إلا وهو يكره ما يؤلمه طبعاً فما ٣٨ في المنازل/ الباب السادس وثلاثمائة في معرفة منزل اختصام الملأ الأعلى من الحضرة الموسوية من أحد إلا وقد سأله أن لا يؤلمه وأن يعطيه اللذة في الأشياء، ولا يقدح ما أومأنا إليه فيه قوله في الحديث إذا تعلق به المنازع في هذه المسألة إدخال لو في ذلك فإن السؤال من العالم في ذلك قد علم وقوعه بالضرورة من كل مخلوق، فإن الطبع يقتضيه والسؤال قد يكون قولاً وحالاً كبكاء الصغير الرضيع وإن لم يعقل عند وجود الألم الحسيّ بالوجع أو الألم النفسي بمخالفة الغرض إذا منع من الثدي، وقد أخذت المسألة حقها والأحوال التي ترد على قلوب الرجال لا تحصى كثرة، وقد أعطيناك منها في هذا الباب أنموذجاً وعلى هذا الأسلوب تكون الأحوال المنسوبة إلى الرجال. وأما الأحوال في نفوسها فلها الحكم العامّ في كل شيء ولها الوجود الدائم في كل شيء، ففعل الحال يسمى الدائم ويتعلق بالقديم والمحدث، قال تعالى: ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ النَّقَلَنِ﴾ [الرحمن: ٣١] فهذا من الحال إن كنت تعلم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى السفر العشرون من الفتوحات المكية. [السفر الحادي والعشرون] الباب السادس وثلاثمائة في معرفة منزل اختصام الملأ الأعلى من الحضرة الموسوية [البسيط]: تَخَاصُمُ المَلإِ العُلْويِّ بُزْهَانُ على تَنَاسُبِنا في أصل خِلْقَتِنَا أَنَّ الطبيعة دون النفس مَوْضِعُهَا وإنْ تولَّدَ عن روحِ وعن فَلَكِ فكلّ جسْم لهُ رُوحٌ مُدَبْرَةٌ وكُلّ جِسْم فإنَّ الطبعَ يحكُمُه فانْظُرْ ترى عَجَباً إذْ ليس يخرج عن وما أنا قلتُ هذا بل أَتَتْكَ به مَعَ اغْتِرَاضٍ بَدا منهم ونِسْيَانُ في الطّبْعِ وَهْوَ كمالٌ فيه نُقْصَانُ فحُكْمُهَا في الهَباء الكل جُثْمَانُ عَنَاصِرُ هي في الأبيات أَزْكَانُ مِنْ طَبْعِهِ فَهْوَ نَوَّامٌ وَيَقْظَانُ فالجسمُ والروحُ تَنُورٌ وَبُزْكَانُ حُكْمٍ الطبيعة أملاك وإنسانُ الأنبياءُ وتوراةٌ وقرآنُ وأما ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم علم المقامات مقامات الملائكة من العالم ومرتبتهم، وهل يعلم ذلك هنا أو في الدار الآخرة؟ وعلم المقام الذي ظهر منه في العالم علم الخلاف الواقع في العالم والجدلي وما له من أحوال الأسماء الإلهية المعارضة كالغفار والمنتقم إذا طلب كل واحد منهما حكمه في العاصي وعلم الأرض ولأي سبب وجدت؟ وعلم الجبال وهل هي من الأرض أم لا؟ وهل وجدت دفعة أو كما ذهبت إليه الحكماء؟ وعلم النكاح الساري في العالم العقليّ والمعنوي والحسي والحيوانيّ وعلم النوم وهل هو في الجنة أم لا؟ وهل له حكم في العالم الإلهيّ؟ وعلم الليل والنهار واليوم والزمان، وعلم السموات، وعلم الشمس، وعلم المولدات، وعلم الغيوب، وعلم الآخرة وما يتعلق به من تفاصيله، وعلم الأسباب الأخروية، وعلم كلام الرحمن وهل ينسب إليه الكلام كما ينسب في المنازل/ الباب السادس وثلاثمائة في معرفة منزل اختصام الملأ الأعلى من الحضرة الموسوية ٣٩ إلى الاسم الله أم لا؟ وعلم السكتة العامّة، وعلم ما جاءت به الرسل من التعريفات لا من الأحكام، فهذه أمهات المسائل من العلوم التي يتضمنها هذا المنزل، فلنذكر منها ما يسر الله على لساني، والله المؤيد سبحانه والمعين وعليه أتوكل وبه أستعين: يقول الله تعالى مخبراً عن نبيه وَله: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِلْمَلَا الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ﴾ [صّ: ٦٩] ولما قال النبيّ بَّر في ((أن اختصام الملأ الأعلى في الكفارات ونقل الأقدام إلى الصلاة في الجماعات وإسباغ الوضوء في المكاره والتعقيب في المساجد أثر الصلوات)) فمعنى ذلك أيّ هذه الأعمال أفضل؟ ومعنى أفضل على وجهين: الواحد أيّ الأعمال أحب إلى الله من هذه الأعمال؟ والوجه الآخر: أي الأعمال أعظم درجة في الجنة للعامل بها؟ وأما أسرار هذه الأعمال فهي التي يطلبها هذا المنزل فاعلم ابتداء أن الملائكة عليهم السلام لو لم تكن الأنوار التي خلقت منها موجودة من الطبيعة مثل السّموات التي عمرتها هؤلاء الملائكة، فإنها كانت دخاناً والدخان والبخار من عالم الطبيعة، فالبخار غايته دون دائرة الزمهرير، وذلك أن الأبخرة، إنما تصعد بما فيها من الحرارة وتنزل عن الدخان بما فيها من الرطوبة، فإن الأبخرة عن الحرارة التي في الأرض فإن هذه العناصر مركبة من الطبائع الأربع غير أنه ما هي في كل واحد منها على الاعتدال فما غلب عليه برده ورطوبته سمي ماء، وكذلك ما بقي فالبخار من الخارج من الماء والأرض وإنما هو بما فيهما من الحرارة، وإنما علا الدخان فوق كرة الأثير لغلبة الحرارة واليبوسة عليه، لأن كمية الحرارة والييس فيه أكثر من الرطوبة، ولذلك كانت السموات أجساماً شفافة، وخلق الله عمار كل فلك من طبيعة فلكه فلذلك كانت الملائكة من عالم الطبيعة ونعتوا بأنهم يختصمون والخصام لا يكون إلا فيمن ركب من الطبائع لما فيها من التضادّ، فلا بد فيمن يتكوّن عنها أن يكون على حكم الأصل، فالنور الذي خلقت منه الملائكة نور طبيعيّ فكانت الملائكة فيها الموافقة من وجه والمخالفة من وجه، فهذا سبب اختلاف الملأ الأعلى فيما يختصمون فيه. فلو أن الله يعلمهم بما هو الأفضل عنده من هذه الأعمال والأحب إليه ما تنازعوا، ولو أنهم يكشفون ارتباط درجات الجنان بهذه الأعمال لحكموا بالفضيلة للأعلى منها، وإنما الله سبحانه غيب عنهم ذلك، فهم في هذه المسألة بمنزلة علماء البشر إذا قعدوا في مجلس مناظرة فيما بينهم في مسألة من الحيض الذي لا نصيب لهم فيه، بخلاف المسائل التي لهم فيها نصيب، وإنما قلنا ذلك لأن الكفارات إنما هي الإحباط ما خالف فيه المكلف ربه من أوامره ونواهيه، والملائكة قد شهد الله لهم بالعصمة أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون به، وما بلغنا أن عندهم نهي، وإذا لم يعصوا وكانوا مطيعين فليس لهم في أعمال الكفارات قدم فهم يختصمون فيما لا قدم لهم فيه، وكذلك ما بقي من الأعمال التي لا قدم لهم فيها فهم مطهرون فلا يتطهرون فلا يتصفون في طهارتهم بالإسباغ والإبلاغ في ذلك وغير الإسباغ، وكذلك المشي إلى مساجد الجماعات لشهود الصلوات ليس لهم هذا العمل. فإن قلت: فإنهم يسعون إلى مجالس الذكر ويقول بعضهم لبعض: هلموا إلى بغيتكم فاعلم أن الذكر ما هو عين الصلاة، ونحن إنما نتكلم في ٤٠ في المنازل/ الباب السادس وثلاثمائة في معرفة منزل اختصام الملأ الأعلى من الحضرة الموسوية عمل خاص في الجماعة ليس لهم فيه دخول مثل ما لبني آدم فإنهم ليسوا على صور بني آدم بالذات وإنما لهم التشكل فيهم، وقد علم جبريل عليه السلام رسول الله وَّة الصلوات بالفعل وتلك من جبريل حكاية يحكيها للتعليم والتعريف بالأوقات، وأما التعقيب أثر الصلوات فإنما ذلك للمصلين على هذه الهيئة المخصوصة التي ليست للملائكة فما اختصموا في أمر هو صفتهم، فلهذا ضربنا مسألة الحيض مثلاً، وسبب ذلك أن الملائكة تدعو بني آدم في لماتها إلى العمل الصالح وترغبهم في الأفضل فلهذا اختصمت في الأفضل حتى تأمرهم به. وبعد أن نبهناك على سبب الخصام فلنبين لك ما اختصموا فيه: فاعلم أن الكفارات إنما شرعت لتكون حجباً بين العبد وبين ما عرّض إليه نفسه من حلول البلايا بالمخالفات التي عملها مأموراً كان بذلك العمل أو منهياً عنه، فإذا جاء المنتقم بالبلاء المنزل الذي تطلبه هذه المخالفة وجدت هذه الأعمال قد سترته في ظهر جناحها واكتنفته وصارت عليه جنة ووقاية والاسم الغفار حاكم هذه الكفارات فلم يجد منفذاً فلم ينفذ فيه الوعيد لغلبة سلطان هذا العمل المسمى كفارة والكفر الستر، ومنه سمي الزراع كافراً لأنه يستر البذر في الأرض ويغطيه بالتراب، وقد أشار إلى ذلك وَّ حيث قال في الزاني: ((إنَّ الإيمانَ يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يَصِيرَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ فَإِذا أَقْلَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الإيمانُ)) وذلك أن الزاني أو المخالف في حال الزنى يطلبه البلاء والعقوبة من الله إما في حال الزنى أو عقبه، فإن كان في حال الزنى فله من البلاء على قدر ما مضى منه، فإنه قد يطرأ عارض يمنعه من تمام الفعل وهو إنزال الماء أو خروج الذكر من الفرج فيجد الإيمان على الزاني كالظلة وهو حجاب قويّ فلا يستطيع النفوذ معه ولا الوصول إليه، فإذا كان الزاني في حال الزنى محفوظاً معصوماً من البلاء لشرف الإيمان في الدنيا فما ظنك به في الآخرة؟ فإنّ صولته في الآخرة أتم من حكمه في الدنيا، فالكفارات كلها جنن هذه مرتبتها لا تزيد عليها، وما زاد على ذلك من درجة في الجنة أو منزلة فهو ما خرج في ذلك العمل من حد كونه كفارة، والكفارة لا ترفع الدرجات وإنما هي عواصم من هذه القواصم. وأما قوله ((كفارات)) جمع كفارة ببنية المبالغة إنباء بذلك على أنه لصورة العمل الواحد أنواع كثيرة من البلاء، وذلك لأن العمل يتضمن حركات مختلفة ولكل حركة بلاء خاص من عند الله، فيكون هذا العمل المكفر له في كل بلاء تطلبه المخالفة ستراً يستره به من الوصول إليه والتأثير فيه، فهو وإن كان مفرد اللفظ فهو متكثر في المعنى، وكذلك عمل الكفارة فهو واحد من حيث الاسم، وهو كثير من حيث أجزائه، فإن كان العمل لا يتجزى كالتوبة التي هي مكفرة فالبلاء الخاص الذي تدفعه هذه التوبة هو بلاء واحد لا تعداد فيه ولا كثرة، فإن الأمور الإلهية تجري على موازين إلهية قد وضعها الله في العالم ولا سيما في العقوبات فلا تطفيف فيها أصلاً، وإذا كان الشيء الواحد وإن لم يكن معصية كفارات مختلفة مثل الحاج يحلق رأسه لأذى يجده أو المتمتع أو المظاهر أو من حلف على يمين فرأى خيراً منها فإن مثل هذا له كفارات مختلفة أيّ عمل مكفر فعل سقط عنه الآخر فقام هذا العمل الواحد مقام ما بقي مما سقط عنه، فإن كانت اليمين غموساً فإن الكفارة فيه ككفارة سائر الخطايا فيتصوّر خطاب