Indexed OCR Text
Pages 1-20
الْفُوْحَاتُ. المَكْيَّة الشيخ الأمام خاتم الأولياءأبي بكر محيي الدّين محمّد بن علي بن محمّد بن أحمد بن عبدالله الحاتمي "المعروف بابن عربي" المتوفى سنة ٦٣٨ هـ عَبَطَهِ وَمَّهُ وَوَضَ فَارَسَه أحمد شمس الدين المجلد الخامس مسودات محمد على بيضون دار الكتب العلمية بسبيروت - لبنان الفِتَوَاتَةُ المكية تأليف الشيخ الإمَام خاتم الأولياء أبي بكر محي الدين محَمد بن على بن محمّد بن أحمد بن عَبْدُ اللّه الحاتي المعروف بابن عَرَبي المتوفى سنة ٦٣٨هـ ضَبَطَهِ وَصَحّه وَوَضعَ فَارَسَه أحمدمر الدِّين الجُزء الخَامِس منشورات محمد عَلى بيضون دار الكتب العلمية بيروت- لبنان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ الباب الموفي ثلاثمائة في معرفة منزل انقسام العالم العلوي من الحضرة المحمدية [البسيط] حَمَلَ المحقّقُ ما يُلْقيه خالقُهُ تمتدُّ منه إلى قلبي رقائقُه فالضَّمُّ واللّثْمُ والتعنيقُ يجمعُنا على الدوام فلا صُبْحْ يفرّقنا من بيننا تظهر الأسرارُ في حُجُبِ الْـ لا شَرْقَ يُظْهرها لا غَرْبَ يستُرُها زمانُها الآن لا ماض فتَفْقِدُهُ فيا أُولي الفِكْرِ والألباب قاطبةً إني لَحَيٍّ بحيٍّ لا حياةً له إنّ الحياة التي تجري إلى أَمَدٍ فيه ليُظْهِرَ ما في الغيب من خبَرٍ مِثْلَ امتداد شُعاع الشمس للبَصَرِ مِثْلَ العرائس كالأُنْثَى مع الذَّكَرِ مُنَزَّهين عن الآصال والبُكَ آفاقٍ طالعة شمساً بلا غِيّرٍ لا عَيْنَ تُذْركها من أعْيُنِ البَشَرِ ولا بمُسْتقلُّ يأتي علَى قَدَرِ لا تَعْجَبُوا إنها نتيجةُ العُمُرِ ولا حياة لنا في عالم السُّوَرِ هي الحياة التي في عالم الصُوَرِ اعلم أن هذا المنزل يتضمن شرف الجماد على الإنسان، وشرف الجنّ من المؤمنين في استماع القرآن على المؤمنين من الإنس لمعنى خلقهم الله عليه وخلقه فيهم، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] أترى هذا الكبر في الجرم وعظم الكمية هيهات لا والله فإن ذلك معلوم بالحس، وإنما ذلك لمعنى أوجده فيهم لم يكن ذلك للإنسان يعطيه العلم بالمراتب ومقادير الأشياء عند الله تعالى، فننزل كل موجود منزلته التي أنزله الله فيها من مخلوق وأسماء إلهية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا اَلْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] أترى ذلك لجهلهم لا والله بل الحمل للأمانة كان لمجرّد الجهل من الحامل، وهل نعت الله بالجهل على المبالغة فيه وبالظلم لنفسه فيها ولغيره إلا الحامل لها وهو الإنسان فعلمت الأرض ومن ذكر قدر الأمانة وأن حاملها على خطر، فإنه ليس على يقين من الله أن يوفقه لأدائها إلى أهلها، وعلمت مراد الله بالعرض أنه يريد ميزان العقل، فكان عقل الأرض والجبال والسماء أوفر من عقل الإنسان حيث لم يدخلوا أنفسهم فيما لم يوجب الله عليهم؛ فإنه كان عرضاً لا أمراً، فتتعين عليهم الإجابة طوعاً أو كرهاً أي على مشقة لمعرفتهم تعظيم ما أوجب الله عليهم، فأتوا طائعين حين قال لهما: ﴿أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ ٣ ٤ في المنازل/ الباب الموفي ثلاثمائة في معرفة منزل انقسام العالم العلوي من الحضرة المحمدية كَرْهاً﴾ [ فصلت: ١١] أي تهياً لقبول ما يلقى فيكما، فلما أتيا طائعين وتهياً لقبول ما شاء الحق أن يجعل فيهما مستسلمين خائفين، فقدرٍ في الأرض أقواتها وجعلها أمانة عندها حملها إياها جبراً لا اختياراً ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] وجعل ذلك أمانة بيدها تؤدّيها إلى أهلها، حملها إياها جبراً لا اختياراً. ومن معرفتهم أيضاً بما يعطيه حمل الأمانة بالعرض والاختيار من ظلم الحامل إياها لنفسه حيث عرض بها إلى أمر عظيم، وإذا لم يوفق لأدائها كان ظالماً لغيره ولنفسه، وجهل الإنسان ذلك من نفسه ومن قدرها، وإن كان عالماً بقدرها فما هو عالم بما في علم الله فيه من التوفيق إلى أدائها بل هو جهول كما شهد الله فيه، فكان قبول الإنسان الأمانة اختياراً لا جبراً فخان فيها لأنه وكل إلى نفسه، وكان حمل الأرض والسماء لها جبراً لا اختياراً فوفقهما الله إلى أدائها إلى أهلها وعصما من الخيانة وخذل الإنسان، قال رسول الله وَ له: ((مَنْ طَلَبَ الإِمَارَةَ وُكْلَ إِلَيْهَا وَمَنْ أُعْطِيَهَا مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ بَعَثَ الله أَوْ وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكاً يُسَدِّدُهُ)) ومن شرف الأرض والسماء والجبال على الإنسان قول الله فيهم: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] أترى ذلك لجهله بما نزل عليه؟ لا والله إلا بقوة علمه بذلك وقدره، ألا تراه عز وجل يقول لنا في هذه الآية: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] فإنهم إذا تفكروا في ذلك علموا شرف غيرهم عليهم، فإن شهادة الله بمقدار المشهود له بالتعظيم كالواقع منه لأنه قول حق، وعلموا إذا تفكروا جهلهم بقدر القرآن حيث لم تظهر منهم هذه الصفة التي شهد الله بها للجبل . خرّج أبو نعيم الحافظ في دلائل النبوة: أن الله بعث جبريل عليه السلام إلى نبيه وَل بشجرة فيها كوكري طائر فقعد جبريل في الواحد وقعد رسول الله وَّل في الآخر وصعدت بهما الشجرة فلما قربا من السماء تدلى لهما أمر شبه الرفرف درّاً وياقوتاً، فأما جبريل فغشي عليه حين رآه، وأما النبي ◌َّ فما غشي عليه، ثم قال ◌ََّ: ((فَعَلِمْتُ فَضْلَ جِبْرِيلَ عَلَيَّ في العِلْم لأَنَّهُ عَلِمَ مَا هُوَ ذَلِكَ فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَمَا عَلِمْتُ)) فاعترف بََّ، فلو علم الإنسان قدر القرآن ومَا حمله لما كانت حالته هكذا، فانظر إلى ما كان يقاسي وقّلّ في باطنه من حمله القرآن لمعرفته به، وما أبقى الله عليه جسده وعصم ظاهره من أن يتصدع كالجبل لو أنزل عليه القرآن إلا لكون الله تعالى قد قضى بتبليغه إلينا على لسانه، فلا بد أن يبقي صورته الظاهرة على حالها حتى نأخذه منه، وكذلك بقاء صورة جبريل النازل به، وإنما الكرم فينا ومن شرف من ذكرناه على الإنسان وشرف الإنسان إذا مات وصار مثل الأرض في الجمادية على حاله حياً في الإنسانية قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِمَ بِهِ الْمَوْنَى﴾ [ الرعد: ٣١] يعني لكان هذا القرآن، فحذف الجواب لدلالة الكلام عليه، ومعنى ذلك لو أنزلناه على من ذكرناه لسارت الجبال وتقطعت الأرض وأجاب الميت وما ظهر شيء من ذلك فينا وقد كلمنا به . ومن شرف الجن علينا أن النبي وَل حين تلا على أصحابه سورة الرحمن وهم يسمعون في المنازل / الباب الموفي ثلاثمائة في معرفة منزل انقسام العالم العلوي من الحضرة المحمدية فقال لهم: ((لَقَدْ تَلَوْتُهَا عَلَى إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ اسْتِمَاعاً لَهَا مِنْكُمْ))، وذكر الحديث وفيه: «فَمَا قُلْتُ لَهُمْ: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ إِلاَّ قَالُوا: وَلاَ بِشَيْءٍ مِنْ آَلاَئِكَ رَبّنَا نُكَذِّبُ)) فانظر ما أعلمهم بحقائق ما خوطبوا كيف أجابوا بنفس ما خوطبوا به حتى بالاسم الرب ولم يقولوا يا إلهنا ولا غير ذلك، ولم يقولوا ولا بشيء منها وإنما قالوا من آلائك كما قيل لهم لاحتمال أن يكون الضمير يعود على نعمة مخصوصة في تلك الآية وهم يريدون جميع الآلاء حتى يعم التصديق، فيلحق الإنسان بهؤلاء كلهم من حيث طبيعته لا من حيث لطيفته بما هي مدبرة لهذا الجسم ومتولدة عنه فيدخل عليها الخلل من نشأتها، فجسده كله من حيث طبيعته طائع لله مشفق، وما من جارحة منه إذا أرسلها العبد جبراً في مخالفة أمر إلهيّ إلا وهي تناديه: لا تفعل لا ترسلني فيما حرّم عليك إرسالي إني شاهدة عليك لا تتبع شهوتك وتبرأ إلى الله من فعله بها، وكل قوة وجارحة فيه بهذه المثابة، وهم مجبورون تحت قهر النفس المدبرة لهم وتسخيرها فينجيهم الله تعالى دونه من عذاب يوم أليم إذا آخذه الله يوم القيامة وجعله في النار، فأما المؤمنون الذين يخرجون إلى الجنة بعد هذا فيميتهم الله فيها إماتة كرامة للجوارح حيث كانت مجبورة فيما قادها إلى فعله فلا تحس بالألم وتعذب النفس وحدها في تلك الموتة، كما يعذب النائم فيما يراه في نومه وجسده في سريره وفرشه على أحسن الحالات وأما أهل النار الذين قيل فيهم لا يموتون فيها ولا يحيون فإن جوارحهم أيضاً بهذه المثابة ألا تراها تشهد عليهم يوم القيامة؟ فأنفسهم لا تموت في النار لتذوق العذاب، وأجسامهم لا تحيا في النار حتى لا تذوق العذاب، فعذابهم نفسي في صورة حسية من تبديل الجلود، وما وصف الله من عذابهم كل ذلك تقاسيه أنفسهم فإنه قد زالت الحياة من جوارحهم فهم ينضجون كما ينضج اللحم في القدر، أتراه يحس بذلك؟ بل له نعيم به إذا كان ثم حياة يجعل الله في ذلك نعيماً وإلا ما تحمله النفوس، كشخص يرى بعينه نهب ماله وخراب ملكه وإهانته، فالملك مستريح بيد من صار إليه، والأمير يعذب بخرابه وإن كان بدنه سالماً من العلل والأمراض الحسية ولكن هو أشد الناس عذاباً حتى أنه يتمنى الموت ولا يرى ما رآه، وجميع ما ذكرناه إنما أخبرنا الله به لنتفكر ونتذكر ونرجع إليه سبحانه ونسأله أن يجعلنا في معاملته كمن هذه صفته فنلحق بهم وهو قد ضمن الإجابة لمن اضطر في سؤاله فيكون من الفائزين فأي شرف أعظم من شرف شخص قامت به صفة الله إياها أسعده بها وجعل من خلقه على صورته يسأله تعالى أن يلحق بهم في تلك الصفة، فقد علمت قدر كبره على خلق الناس ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. فكن يا أخي بما أعلمتك ونبهتك عليه من القليل الذي يعلم ذلك جعلنا الله منهم آمين بعزته . ومما يتضمن هذا المنزل السماع الإلهي وهو أوّل مراتب الكون وبه يقع الختام، فأوّل وجود الكون بالسماع، وآخر انتهائه من الحق السماع، ويستمر النعيم في أهل النعيم والعذاب في أهل العذاب. فأما في ابتداء كون كل مكوّن فإنما ظهر عن قول ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠] ٦ في المنازل/ الباب الموفي ثلاثمائة في معرفة منزل انقسام العالم العلوي من الحضرة المحمدية فأسمعه الله فامتثل فظهر عينه في الوجود وكان عدماً، فسبحان العالم بحال من قال له كن فكان، فأوّل شيء ناله الممكن مرتبة السماع الإلهي، فإن ﴿كُنْ﴾ صفة قول قال تعالى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا﴾ [النحل: ٤٠] والسماع متعلقه القول. وأما في الانتهاء في حق الكفار: ﴿أَخَْثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فخاطبهم وهم يسمعون. وأما في حق أهل الجنة فبعد الرؤية والتجلي الذي هو أعظم النعم عندهم في علمهم فيقول: هل بقي لكم شيء؟ فيقولون: يا ربنا وأيّ شيء بقي لنا نجيتنا من النار وأدخلتنا الجنة وملكتنا هذا الملك ورفعت الحجب بيننا وبينك فرأيناك، وأي شيء بقي يكون عندنا أعظم مما نلناه؟ فيقول سبحانه: رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً، فأخبرهم بالرضا ودوامه وهم يسمعون، قال: فذلك أعظم نعيم وجدوه، فختم بالسماع كما بدأ، ثم استصحبهم السماع دائماً ما بين بدايتهم وغاية مراتب نعيمهم، فطوبى لمن كانت له أذن واعية لما يورده الحق في خطابه، فالعارف المحقق في سماع أبداً إذ لا متكلم عنده إلا الله بكل وجه، فمن خاطبه من المخلوقين يجعل العارف ذلك مثل خطاب الرسول عن الحق، فيتأهب لقبول ما خاطبه به ذلك الشخص، وينظر ما حكمه عند الله الذي قرره شرعاً فيأخذه على ذلك الحد، قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] والمتكلم به إنما كان رسول الله صل﴿، فليس أحد من خلق الله يجوز أن يخبر عن نفسه ولا عن غيره وإنما إخبار الجميع عن الله. فإنه سبحانه هو الذي يخلق فيهم بكل ما يخبرون به، فالكل كلماته، فليس للعبد على الحقيقة إلا السماع وكلام المخلوق سماع، فلا يرمي العارف ولا يهمل شيئاً من كلام المخلوقين، وينزله منزلته خبيثاً ومنكراً وزوراً، كان ذلك القول في حكم الشرع أو طيباً ومعروفاً وحقاً، فالعارف يقبله وينزله في المنزلة التي عينها الله على لسان الشرع والحكمة لذلك القول. ومن علوم هذا المنزل الغمام الذي يقع الإتيان فيه في تجلي القهر والرحمة، وهو حين تشقق السماء بالغمام أي بسبب الغمام أي لتكون غماماً فتفتح أبواباً كلها فتصير غماماً وقد كان الملائكة عمارها وهي سماء فيكونون فيها وهي غمام، وفيها يأتون يوم القيامة إلى الحشر التقديري والملائكة في ظلل من الغمام والظلل أبوابها يقول الله في ذلك: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] وقال: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِلْغَمَمِ وَنُزْلَ الْمَلَئِكَةُ تَغْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] وهو إتيانهم في ذلك الغمام الإتيان الله للقضاء والفصل بين عباده يوم القيامة، فالعارف إذا شقت سماؤه بالغمام وتنزلت قواه في ذلك الغمام وأتى الله للفصل والقضاء في وجوده في دار دنياه فقد قامت قيامته واستعجل حسابه، فيأتي يوم القيامة آمناً لا خوف عليه ولا يحزن لا في الحال ولا في المستقبل، ولهذا أتى سبحانه بفعل الحال في قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فإن هذا الفعل يرفع الحزن في الحال والاستقبال، بخلاف الفعل الماضي والمخلص للاستقبال بالسين أو سوف. واعلم أن الأرض في كل نفس لها ثلاثة أحوال: قبول الولد والمخاض والولادة ما لم تقم القيامة، والإنسان من حيث طبيعته مثل الأرض فينبغي له أن يعرف في كل نفس ما يلقي ٧ في المنازل/ الباب الموفي ثلاثمائة في معرفة منزل انقسام العالم العلوي من الحضرة المحمدية إليه فيه ربّه وما يخرج منه إلى ربه، وما هو فيه مما ألقي فيه، ولم يخرج منه مع تهيئه للخروج، فإنه مأمور بمراقبة أحواله مع الله في هذه الثلاث المراتب والأحوال، وإلقاء الله إليه تارة بالوسائط وتارة بترك الوسائط، والوسطة تارة تكون محمودة، وتارة مذمومة، وتارة لا محمودة ولا مذمومة، وإن كانت تؤدي هذه الحالة إلى الندم والغبن، فالمحقق يسمع ويأخذ ويعرف ممن يسمع وممن يأخذ وما يلد، ومن يقبل ولده إذا ولد، ومن يربيه؟ هل يربيه ربه أو غير ربه؟ كما ورد في الخبر الصحيح: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ وَهِيَ مِمَّا يَلِدُها العَبْدُ تَقَعُ بِيَدِ الرَّحْمُنِ فَالرَّحْمُنُ قَابِلُها فَيُرَبِّيها كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)) ولم يقل كما يربي أحدكم ولده فإن الولد قد لا ينتفع به إذا كان ولد سوء، فالنفع بالولد غير محقق، بل ربما يطرأ عليه منه من الضرر بحيث أن يتمنى أن الله لم يخلقه، والفلو والفصيل ليس كذلك فإن المنفعة بهما محققة، ولا بد إما بركوبه أو بما يحمل عليه أو بثمنه أو بلحمه يأكله إن احتاج إليه، فشبهه سبحانه بما يتحقق الانتفاع به ليعلم المصدق أنه ينتفع بصدقته ولا بدّ، وأوّل الانتفاع بها أنها تظله يوم القيامة من حرّ الشمس حتى يقضى بين الناس ومما يلده الإنسان الكلمة الطيبة وقد قالِ وَلّ: ((إنَّ الكَلِمَةَ الطَّيْبَةَ صَدَقَةٌ)) فتربى أيضاً له ويتولى الحق بنفسه تربية كل ما يلده العبد من النكاح لا من السفاح، وإذا كان الملك يتولى تربية ولد عبده بنفسه هل يقدر ما يصل إليه من الخير من جهة ولده؟ فأول ذلك أن الولد يعرف منزلة أبيه من الملك وأنه ما رباه الملك وأكرمه بذلك إلا لعلوّ رتبة أبيه عنده فيرى المنة لأبيه عليه بذلك، فيكون باراً به محسناً إليه بنفسه إعظاماً لمرتبة الملك وعنايته بأبيه، وعلى هذا تجري أفعال العارفين من عباده، وكل ما تكلمنا فيه من هذا المنزل فهو من خارج بابه لم نتعرّض لما يحوي عليه لضيق الوقت وطلب الاختصار، وما اتفق لي مثل هذا في العبارة عن غيره من المنازل لأني وجدت عند باب هذا المنزل صور علم ما ذكرته ولم نستوف جميع ما رأيته على بابه، فكان هذا القدر مما في هذا المنزل كالغلمان والحدادين والحجاب الذين على باب الملك. وأمّا فهرست ما يتضمنه هذا المنزل فهو معرفة العالم العلوي والسفلي بين الدارين، وعلم إبراز الغيوب من خلف الحجب ولماذا حجبت؟ ولماذا أخرجت؟ وما أخرج منها وما بقي؟ وما ينتظر إخراجه من ذلك؟ وما لا يصح إخراجه مما هو ممكن أن يخرج فمنعه مانع فما ذلك المانع؟ وهل يخرج عن سماع أو عن غير سماع؟ وإذا كان عن سماع فعن كراهة أو عن محبة وسرور؟ أو ينقسم إلى هذا وإلى هذا بحسب الأحوال التي تعطيها الأوقات. ومن علوم هذا المنزل أيضاً علم الزيادة في الشيء من نفسه لا من غيره كنشر المطوي وبسط المقبوض وعلم إخراج الكنوز المحسوسة بالأسماء وما تعطيه من الخواص في ذلك بحيث أن يقف العارف بذلك على موضع الكنز فيتكلم بالاسم فيشق الأرض عن المال المكنوز فيها كما تنشق الكمامة عن الزهرة فإذا أبصرها تكلم باسم آخر فيخرج المال بتلك الخاصية، كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس حتى لا يبقى من ذلك المال في ذلك الموضع شيء، ويتضمن علم الأعمال المشروعة وأين مآلها وما يلقاه منها، ويتضمن علم السعادة في المنازل/ الباب الأحد وثلاثمائة في معرفة منزل الكتاب المقسوم بين أهل النعيم وأهل العذاب ٨ والشقاء بالعلامات، ويتضمن علم الجهات ولماذا ترجع، واتصاف الحق بالفوقية هل هي فوقية جهة أو فوقية رتبة؟ ويتضمن معرفة أحوال الناس في منازلهم التي ينزلونها في الدار الآخرة وما سبب تلك الأحوال التي يتقلبون فيها في تلك المنازل؟ وهل تتكرّر عليهم بأعيانها في أزمنتها التي كانت فيها أم لا؟ ويتضمن رؤية الله عباده لأية نسبة ترجع، ويتضمن شرف الكواكب والزمان من غير مفاضلة، ويتضمن علم نفي الإيمان مع وجود العلم وهذا من أقلق الأمور عند المحقق وفيها علم البشرى وأنها لا تختص بالسعداء في الظاهر وإن كانت مختصة بالخير فقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [ التوبة: ٣٤] والكلام على هذه البشرى لغة وعرفاً، فأمّا البشرى من طريق العرف فالمفهوم منها الخير ولا بد، ولما كان هذا الشقيّ ينتظر البشرى في زعمه لكونه يتخيل أنه على الحق قيل ((بشره)) لانتظاره البشرى ولكن كانت البشرى له بعذاب أليم وأما من طريق اللغة فهو أن يقال له ما يؤثر في بشرته، فإنه إذا قيل له خير أثر في بشرته بَسْطَ وجه وضحكاً وفرحاً واهتزازاً وطرباً، وإذا قيل له شّر أثر في بشرته قبضاً وبكاء وحزناً وكمداً واغبراراً وتعبيساً ولذلك قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَيِدٍ عَلَيْهَا غَرَّةٌ تَرْهَقُهَا قَةُ﴾ [عبس ٣٨ - ٤١] فذكر ما أثر في بشرتهم، فلهذا كانت البشرى تنطلق على الخير والشرّ لغة، وأما في العرف فلا، ولهذا أطلقها الله تعالى ولم يقيدها فقال في حق المؤمنين: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ اَلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] ولم يقل بماذا فإن العرف يعطي أن ذلك بالخير وقرينة الحال. وفيه العلم بالأبد ولماذا يرجع؟ وهل الأبد زماني أو هو عين الزمان؟ وبماذا يبقى الزمان؟ هل يبقى بنفسه أو يبقى بغيره يكون له ذلك الغير كهو معنا ظرفاً لبقائه ودوامه، أو هو أمر متوهم ليس له وجود حقيقيّ عيني؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الأحد وثلاثمائة في معرفة منزل الكتاب المقسوم بين أهل النعيم وأهل العذاب [البسيط] إن المُقَرَّبَ من كانت سَجيَّتُهُ القربُ منزل من لا شيء يشبهه إجماله قد علا قُدُساً ومَنْزِلَةً إن العوالمَ بالميزان تُدْرِكُها ولْيَثَّقِ الشُّحَّ إِنَّ الشُّحَّ يقتلُهُ قد كُنْتَ بالغير في دنياك تُنْزِلُهُ فكيف يُشْكره أم كيف يَجْهَلُهُ قال الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ اٌلْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: ١ -٢] على أي قلب ينزل ﴿خَلَقَ سَجِيَّةَ البرِّ والأبرارُ تجهلُهُ عيناً قد أنزله فيه منزلهُ ولا لسانَ لمخلوقٍ يُفَصِّلُهُ فلا تُغَرّطْ ولا تُغْرِطْ فِتُهْمِلُهُ يكون قُوتاً لنفس منه تسألُهُ القربُ أمر إضافيّ فرُبَّ أذِى فَلْيُعْطِهِ سُؤْلَهُ إن كان ذا كُرَم إِنَّ العَذَابَ الذي يأتيك من كُثَبٍ ومن أتاه الذي قد كان يفعله ٩ في المنازل/ الباب الأحد وثلاثمائة في معرفة منزل الكتاب المقسوم بين أهل النعيم وأهل العذاب اُلْإِنْسَنَ﴾ [الرحمن: ٣] فعين له الصنف المنزل عليه ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] أي نزل عليه القرآن فأبان عن المراد الذي في الغيب ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] ميزان حركات الأفلاك ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [ الرحمن: ٦] لهذا الميزان أي من أجل هذ الميزان فمنه ذو ساق وهو الشجر ومنه ما لا ساق له وهو النجم فاختلفت السجدتان ﴿ وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧] وهي قبة الميزان ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] ليزن به الثقلان ﴿أَلَّا تَطْغَوْاْ فِى الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: ٨] بالإفراط والتفريط من أجل الخسران ﴿وَأَقِيمُواْ أَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] مثل اعتدال نشأة الإنسان إذا الإنسان لسان الميزان ﴿ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] أي لا تفرطوا بترجيح إحدى الكفتين إلا بالفضل، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فاعلم أنه ما من صنعة ولا مرتبة ولا حال ولا مقام إلا والوزن حاكم عليه علماً وعملاً، فللمعاني ميزان بيد العقل يسمى المنطق يحوي على كفتين تسمى المقدمتين، وللكلام ميزان يسمى النحو يوزن به الألفاظ لتحقيق المعاني التي تدل عليه ألفاظ ذلك اللسان، ولكل ذي لسان ميزان وهو المقدار المعلوم الذي قرنه الله بإنزال الأرزاق فقال: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَدٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الحج: ٢١] ولكن ينزل بقدر ما يشاء، وقد خلق جسد الإنسان على صورة الميزان، وجعل كفتيه يمينه وشماله، وجعل لسانه قائمة ذاته، فهو لأيّ جانب مال، وقرن الله السعادة باليمين، وقرن الشقاء بالشمال، وجعل الميزان يوزن به الأعمال على شكل القبان، ولهذا وصف بالثقل والخفة ليجمع بين الميزان العددي وهو قوله تعالى: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] وبين ما يوزن بالرطل وذلك لا يكون إلا في القبان فلذلك لم يعين الكفتين بل قال: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] في حق السعداء ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] في حق الأشقياء، ولو كان ميزان الكفتين لقال: وأما من ثقلت كفة حسناته فهو كذا، وأما من ثقلت كفة سيئاته فهو كذا، وإنما جعل ميزان الثقل هو عين ميزان الخفة كصورة القبان، ولو كان ذا كفتين لوصف كفة السيئات بالثقل أيضاً إذا رجحت على الحسنات، وما وصفها قط إلا بالخفة، فعرفنا أن الميزان على شكل القبان، ومن الميزان الإلهيّ قوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْفَهُ﴾ [طه: ٥٠] وقال رََّ: ((وُزِنْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتُ وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ بِالأَمَّةِ فَرَجَحَهَا)) . واعلم أن الأمر محصور في علم وعمل، والعمل على قسمين: حسي وقلبي. والعلم على قسمين: عقلي وشرعي، وكل قسم فعلى وزن معلوم عند الله في إعطائه وطلب من العبد لما كلفه أن يقيم الوزن بالقسط فلا يطغى فيه ولا يخسره فقال تعالى: ﴿لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ [ المائدة: ٧٧] وهو معنى ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِىِ الْمِيزَانِ﴾ [ الرحمن: ٨] ولا تقولوا على الله إلا الحق وهو قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [ الرحمن: ٩] فطلب العدل من عباده في معاملتهم مع الله ومع كل ما سوى الله من أنفسهم وغيرهم، فإذا وفق الله العبد لإقامة الوزن فما أبقى له خيراً إلا أعطاه إياه، فإن الله قد جعل الصحة والعافية في اعتدال الطبائع وأن لا يترجح إحداهن على الأخرى، وجعل العلل والأمراض والموت بترجيح بعضهن على بعض، فالاعتدال سبب البقاء، والانحراف سبب الهلاك والفناء، وترجيح الميزان في موطنه هو إقامته، وخفة الميزان ١٠ في المنازل/ الباب الأحد وثلاثمائة في معرفة منزل الكتاب المقسوم بين أهل النعيم وأهل العذاب في موطنه إقامته فهو بحسب المقامات، وإذا كان الأمر على ما قرّرناه فاعلم أن المحقق هو الذي يقيم هذا الميزان في كل حضرة من علم وعمل على حسب ما يقتضيه من الرجحان والخفة في الموزون بالفضل في موضعه والاستحقاق، فإن النبي وقّ ندب في قضاء الدين وقبض الثمن إلى الترجيح فقال: (( أزجِخ له )) حين وزن له فما أعطاه خارجاً عن استحقاقه بعين الميزان فهو فضل لا يدخل الميزان إذ الوزن في أصل وضعه إنما وضع للعدل لا للترجيح، وكل رجحان يدخله فإنما هو من باب الفضل وإن الله لم يشرع قط الترجيح في الشر جملة واحدة وإنما قال: ﴿وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال: ﴿وَجَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَبِئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ [الشورى: ٤٠] ولم يقل أرجح منها وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ولم يقل بأرجح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فرجح في الإنعام . وما ندب الله عباده إلى فضيلة وكريم خلق إلا وكان الجناب الإلهي الأعلى أحق بذاك، وهذا من سبق رحمته غضبه، فالنار ينزل فيها أهلها بالعدل من غير زيادة، والجنة ينزل فيها أهلها بالفضل فيرون ما لا تقتضيه أعمالهم من النعيم، ولا يرى أهل النار من العذاب إلا قدر أعمالهم من غير زيادة ولا رجحان إلى أن يفعل الله بهم ما يريد بعد ذلك، ولذلك قال في عذابهم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [ هود: ٧] وما يعلم أحد من خلق الله حكم إرادة الله في خلقه إلا بتعريفه، ألا تراه في حق السعداء يقول عطاء ﴿غَيّرَ تَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨] والصورة واحدة والمدة واحدة؟ ولم يقل في العذاب إنه غير مجذوذ لكن يقطع بأنهم غير خارجين من النار ولا يعرف حالتهم فيها في حال الاستثناء ما يفعل الله فيهم فلا يقضي في ذلك بشيء مع علمنا بأن رحمته سبقت غضبه، وعلمنا بأن الله يجزي كل نفس بما عملت، وقد قام الدليل على الفضل في أهل السعادة وما جاء مثل ذلك في الأشقياء وهذه مسألة يقف عندها صاحب الفكر أو يحكم بغلبة الظن لا بالقطع إلا صاحب الكشف فإنه يعلم بما أعلمه الله من ذلك، غير أن ابن قسي وهو من أهل هذا الشأن قال: لا یحکم عدله في فضله ولا فضله في عدله، وهذا كلام مجمل، فلا أدري هل قاله عن كشف أو عن اعتبار وفكر؟ وهذا الكلام من وجه ينافي قوله تعالى: ((سَبَقَتْ رَحْمَتي غَضَبي))، ومن وجه لا ينافيه، فإن الحقائق تعطي أن الفضل لا يحكم في العدل وأن العدل لا يحكم في الفضل، فإنه ليس كل واحد من النعتين محلاً لحكم الآخر، وإن محل حكم الصفة إنما هو في المفضول عليه أو المعدول فيه، وإنا قد علمنا من الله تعالى أن الله يتفضل بالمغفرة على طائفة من عباده قد عملوا الشرّ ولم يقم عليهم ميزان العدل ولا آخذهم بعدله وإنما حكم فيهم بفضله، ولا يقال في مثل هذا إنه حكم فضله في عدله وهو الذي يليق بابن قسي رحمه الله أنه أنبأ عن حقيقة كما هو الأمر عليه في نفسه، وإذا خالف الكشف الذي لنا كشف الأنبياء عليهم السلام كان الرجوع إلى كشف الأنبياء عليهم السلام، وعلمنا أن صاحب ذلك الكشف قد طرأ عليه خلل بكونه زاد على كشفه نوعاً من التأويل بكفره فلم يقف مع كشفه كصاحب الرؤيا فإن كشفه صحيح وأخبر عما في المنازل/ الباب الأحد وثلاثمائة في معرفة منزل الكتاب المقسوم بين أهل النعيم وأهل العذاب ١١ رأى، ويقع الخطأ في التعبير لا في نفس ما رأى، فالكشف لا يخطىء أبداً، والمتكلم في مدلوله يخطىء ويصيب إلا أن يخبر عن الله في ذلك. فأما ميزان العلم العقليّ فهو على قسمين: قسم يدركه العقل بفكره وهو المسمى بالمنطق في المعاني وبالنحو في الألفاظ وهذا ليس هو طريق أهل هذا الشأن أعني علم ما اصطلحوا عليه من الألفاظ المؤدية إلى العلم به من البرهان الوجودي والجدلي والخطابي والكلية والجزئية والموجبة والسالبة والشرطية وغير الشرطية وإن اجتمعنا معهم في المعاني ولا بد من الاجتماع فيها، ولكن لا يلزم من الاجتماع في المعنى أن لا يكون ذلك إلا من طريق هذه الألفاظ، وكذلك لا يلزمنا معرفة المبتدأ أو الابتداء، والفاعل والمفعول، والمضاف والمصدر والإضافة واسم كان واسم إن والإعراب والبناء وإن علمنا المعاني، ولكن لا يلزم أن نعرف هذه الألفاظ، فصاحب الكشف على بصيرة من ربه فيما يدعو إليه خلقه، ولكن للعقل قبول كما له فكر، ولذلك القبول في الكشف ميزان قد عرفه فيقيمه في كل معلوم يستقل العقل بإدراكه لكن لا يعلمه هذا الولي من طريق الفكر وميزان المنطق، فالذي دخل في طريقنا من ميزان العلم العقلي هو إذا ورد العلم الذي يحصل عقيب التقوى من قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ومن قوله: ﴿إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] فالعارف عند ذلك ينظر في تقواه وما اتقى الله فيه من الأمور وما كان عليه من العمل، وينظر في ذلك العلم، ويناسب بينه وبين تقواه في العمل الذي كان عليه فإن موازين المناسبات لا تخطىء، فإذا رأى المناسبة محققة بين العلم المفتوح عليه به وبين ذلك العمل ورأى أن ذلك العمل يطلبه فذلك العلم مكتسب له بعمله، فإذا رآه خارجاً عن الميزان وترتفع المناسبة أو يكون ما زاد من جنس ما حصل ولكن لا يقتضيه قوّة عمله لضعف أو نقص كان في عمله، فما زاد على هذا المقدار فهو من علوم الوهب، وإن كان له أصل في الكسب فيتعين عليه أن يشكر الله سبحانه على ما منحه، فيكون ذلك الشكر يجبر له ما نقص من العمل الذي لو عمله نتج له هذا الذي وهب له، فهذا مسبب قد تقدم سببه بل عاد سبباً لما كان ينبغي أن يكون مسبباً عنه ويزيده الله لذلك الشكر فتحاً في قلبه على الحد الذي ذكرناه، وتؤخذ جميع الأعمال على ذاكم فهذا حد الميزان العقلي في الطريق . واختلفنا فيما يستقل العقل بإدراكه إذا أخذه الولي من طريق الكشف والفتح هل يفتح له مع دليله أم لا؟ فذهبنا نحن إلى أنه قد يفتح له فيه ولا يفتح له في دليله وقد ذقناه، وذهب بعضهم منهم صاحبنا الشيخ الإمام أبو عبد الله الكتاني بمدينة فاس سمعته يقول: لا بد أن يفتح له في الدليل من غير فكر ويرى ارتباطه بمدلوله، فعلمت أن الله ما فتح عليه في مثل هذا العلم إلا على هذا الحد فقال أيضاً ذوقه فإخباره أنه كذا رآه صحيح، وحكمه أنه لا يكون إلا هكذا باطل، فإن حكمه كان عن نظره لا عن كشفه، فإنه ما أخبر عن الله أنه قال له هكذا أفعله وأن غير هذا الرجل من أهل هذا الشأن قد أدرك ما ذهبنا إليه ولم يعرف دليله العقلي، فأخبر كل واحد بما رآه وصدق في إخباره، وما يقع الخطأ قط في هذا الطريق من جهة الكشف ١٢ في المنازل/ الباب الأحد وثلاثمائة في معرفة منزل الكتاب المقسوم بين أهل النعيم وأهل العذاب ولكن يقع من جهة التفقه فيه فيما كشف إذا كان كشف حروف أو صور. وأما الميزان الشرعي فهو أن الله إذا أعطاك علماً من العلوم الإلهية لا من غيرها فإنا لا نعتبر الغير في هذا الميزان الخاص فننظر في الشرع إن كنا عالمين به وإلا سألنا المحدّثين من علماء الشرائع لا نسأل أهل الرأي فنقول لهم: هل رويتم عن أحد من الرسل أنه قال عن الله كذا وكذا؟ فإن قالوا نعم فوازنه بما علمت وبما قيل لك، واعلم أنك وارث ذلك النبي في تلك المسألة أو ينظر هل يدل عليها القرآن وهو قول الجنيد (( علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فهو الميزان)»، وليس يلزم في هذا الميزان عين المسألة أن تكون مذكورة في الكتاب أو السنة، وإنما الذي يطلب عليه القوم أن يجمعهما أصل واحد في الشرع المنزل من كتاب أو سنة على أي لسان نبيّ كان من آدم عليه السلام إلى محمد ريَّ، فإن أموراً كثيرة ترد في الكشف على الأولياء وفي التعريف الإلهيّ لا تقبلها العقول وترمي بها، فإذا قالها الرسول أو النبيّ عليه السلام قبلت إيماناً وتأويلاً ولا تقبل من غيره وذلك لعدم الإنصاف، فإن الأولياء إذا عملوا بما شرع لهم هبت عليهم من تلك الحضرة الإلهية نفحات جود إلهيّ كشف لهم من أعيان تلك الأمور الإلهية التي قبلت من الأنبياء عليهم السلام ما شاء الله، فإذا جاء بها هذا الولي كفر، والذي يكفره يؤمن بها إذا جاء بها الرسول فما أعمى بصيرة هذا الشخص، وأقل الأمور أن يقول له: إن كان ما تقوله حق أنك خوطبت بهذا أو كشف لك فتأويله كذا وكذا إن كان ذلك من أهل التأويل، وإن كان ظاهرياً يقول له: قد ورد في الخبر النبوي ما يشبه هذا فإن ذلك ليس هو من شرط النبوّة ولا حجره الشارع لا في كتاب ولا سنة. ومن هذا الباب في هذا المنزل يعلم الإنسان ميزانه من الحضرة الإلهية في قوله: ((إن الله خلق آدم على صورته)) فقد أدخله الجود الإلهيّ في الميزان فيوازن بصورته حضرة موجده ذاتاً وصفة وفعلاً، ولا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين، فإن الذي يوزن به الذهب المسكوك هو صنجة حديد فليس يشبهه في ذاته ولا صفته ولا عدده، فيعلم أنه لا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة بجميع ما تحوي عليه بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده وأظهرت آثارها فيه، وكما لم تكن صنجة الحديد توازن الذهب في حد ولا حقيقة ولا صورة عين كذلك العبد وإن خلقه الله على صورته فلا يجتمع معه في حدّ ولا حقيقة إذ لا حد لذاته والإنسان محدود بحد ذاتي لا رسمي ولا لفظي، وكل مخلوق على هذا الحد، والإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته، فإذا وقفت على حقيقة هذا الميزان زال عنك ما توهمته في الصورة من أنه ذات وأنت ذات وأنك موصوف بالحيّ العالم وسائر الصفات وهو كذلك، وتبين لك بهذا الميزان أن الصورة ليس المراد بها هذا، ولهذا جمع في صورة واحدة خلق الإنسان ووضع الميزان وأمرك أن تقيمه من غير طغيان ولا خسران وما له إقامة إلا على حد ما ذكرت لك فإنه الله الخالق وأنت العبد المخلوق، وكيف للصنعة أن تكون تعلم صانعها وإنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته وأنت صنعة خالقك، فصورتك مطابقة لصورة علمه بك وهكذا كل مخلوق، ولو لم يكن في المنازل/ الباب الأحد وثلاثمائة في معرفة منزل الكتاب المقسوم بين أهل النعيم وأهل العذاب ١٣ الأمر كذلك وكان يجمعكما حد وحقيقة كما يجمع زيداً وعمراً لكنت أنت إلهاً أو يكون هو مألوهاً حتى يجمعكما حد واحد والأمر على خلاف ذلك، فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك ولا تعجب بنفسك، واعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوته يتيمة لا أخت لها، وإن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر ولا في الذات ولا في الخاصية تعالى الله، فالزم عبوديتك واعرف قدرك واعلم أنّ الله قد جعل من مخلوقاته من هو أكبر منك وإن كان خلقه من أجلك، ولكن لا يلزم إذا خلق شيئاً من أجلك أن تكون أنت أكبر منه، فإنّ السكين عمل من أجل أمور منها قطع يد السارق، والنار خلقت من أجل عذاب الإنسان، فالإنسان أشرف من النار لأنها خلقت من أجله، فهذا الفصل لا يطرد فلا تدخله ميزانك فأنت أنت وهو هو ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَهِزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فبهذا قد أعلمتك بالميزان العلمي المشروع والمعقول وما يحتاج إليه من ذلك، فلنبين لك ميزان العمل فاعلم أن العمل منه حسي وقلبي وميزانه من جنسه، فميزان العمل أن ينظر إلى الشرع وكيف أقام صور الأعمال على أكمل غاياتها قلبياً كان ذلك العمل أو حسياً أو مركباً من حس وقلب كالنية والصلاة من الحركات الحسية فقد أقام الشرع لها صورة روحانية يمسكها عقلك، فإذا شرعت في العمل فلتكن عينك في ذلك المثال الذي أخذته من الشارع، واعمل ما أمرت بعمله في إقامة تلك الصورة، فإذا فرغت منها قابلها بتلك الصورة الروحانية المعبر عنه بالمثال الذي حصلته من الشارع عضواً عضواً ومفصلاً مفصلاً، ظاهراً وباطناً؛ فإن جاءت الصورة فيها بحكم المطابقة من غير نقصان ولا زيادة فقد أقمت الوزن بالقسط ولم تطغ فيه ولم تخسره فإن الزيادة في الحد عين النقص في المحدود، فإذا وزنت عملك مثل هذا الوزن كانت صورة عملك مقداراً للجزاء الذي عينه الحق لك عليه، سواء كان ذلك العمل محموداً أو مذموماً، فإن الشرع أيضاً كما أقام لك صورة العمل المحمود لتعمله وبينه لك لتعرفه كذلك أقام لك صورة العمل المذموم لتعرفه وتميزه من المحمود ونهاك أن تعمل عليه صورة تطابقه، فإن خالفت وعملت صورة تطابق تلك الصورة طلبت تلك الصورة موازنتها من الجزاء، فإن اتفق أن يدخلها الحق في الميزان بالجزاء فإنه لا يزيد عليها في المقدار وزن ذرّة أصلاً، هذا إذا أقام الوزن عليه بالجزاء وكان عذابه في النار جزاء على قدر عمله لا يزيد ولا ينقص لا في العمل ولا في مقدار الزمان. والإصرار من الأعمال المنهي عن عملها ولا يزيله إلا التوبة، فإن مات عليه خيف عليه ولم يقطع، وإذا أدخل الحق صورة العمل الصالح الميزان ووزنه بصورة الجزاء رجحت عليه صورة الجزاء أضعافاً مضاعفة وخرجت عن الحد والمقدار منة من الله وفضلاً وهو قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةُ فَلاَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠] كما ذكرناه. وقال في الأخرى: ﴿مَنْ جَّءَ بِالَْنَةٍ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقال: ﴿َثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِائَةُ حَبَّهُ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] ولم يجعل للتضعيف في الخير مقداراً يوقف عنده بل ١٤ في المنازل/ الباب الأحد وثلاثمائة في معرفة منزل الكتاب المقسوم بين أهل النعيم وأهل العذاب وصف نفسه بالسعة فقال: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَبِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] وقال: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وغضبه شيء فقد وسعته الرحمة وحصرته وحكمت عليه فلا يتصرّف إلا بحكمها، فترسله إذا شاءت وفيه رائحة الرحمة من أجل المنزل وتمسكه إذا شاءت، ولهذا ليس في البسملة شيء من أسماء القهر ظاهراً بل هو الله الرحمن الرحيم وإن كان يتضمن الاسم الله القهر فكذلك يتضمن الرحمة، فما فيه من أسماء القهر والغلبة والشدة يقابله بما فيه من الرحمة والمغفرة والعفو والصفح وزناً بوزن في الاسم الله من البسملة، ويبقى لنا فضل زائد على ما قابلنا به الأسماء في الاسم الله وهو قوله: ﴿الََّنِ الرَّحَيَةِ﴾ فأظهر عين الرحمن وعين الرحيم خارجاً زائداً على ما في الاسم الله منه فزاد في الوزن فرجع فكأن الله عزّفنا بما يحكمه في خلقه، وأن الرحمة بما هي في الاسم الله الجامع من البسملة هي رحمته بالبواطن، وبما هي ظاهرة في الرحمن الرحيم هي رحمته بالظواهر فعمت فعظم الرجاء للجميع. وما من سورة من سور القرآن إلا والبسملة في أوّلها فأولناها أنها إعلام من الله بالمآل إلى الرحمة فإنه جعلها ثلاثاً : الرحمة المبطونة في الاسم الله الرحمن الرحيم ولم يجعل للقهر سوى المبطون في الاسم الله فلا عين له موجودة كالكناية في الطلاق ينوي فيه الإنسان بخلاف الصريح فافهم. وأما سورة التوبة فاختلف الناس فيها هل هي سورة مستقلة كسائر سور القرآن؟ أو هل هي وسورة الأنفال سورة واحدة؟ فإنهم كانوا لا يعرفون كمال السورة إلا بالفصل بالبسملة ولم يجىء هنا فدل أنها من سورة الأنفال وهو الأوجه وإن كان لتركها وجه وهو عدم المناسبة بين الرحمة والتبري، ولكن ما لهذا الوجه تلك القوّة بل هو وجه ضعيف، وسبب ضعفه أنه في الاسم الله المنعوت بجميع الأسماء ما هو في اسم خاص يقتضي المؤاخذة والبراءة إنما هي من الشريك، وإذا تبرأ من المشرك فلكونه مشركاً لأن متعلقه العدم، فإن الخالق لا يتبرأ من المخلوق، ولو تبرأ منه من كان يحفظ عليه وجوده ولا وجود للشريك فالشريك معدوم فلا شركة في نفس الأمر، فإذا صحت البراءة من الشريك فهي صفة وتبرئه تبرئة لله من الشريك وللرسول من اعتقاد الجهل ووجه آخر في ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أن البسملة موجودة في كل سورة أوّلها ويل وأين الرحمة من الويل؟ ولهذا كان للقراء في مثل هذه السورة مذهب مستحسن فيمن يثبت البسملة من القراء، وفيمن يتركها كقراءة حمزة، وفيمن يخير فيها كقراءة ورش، والبسملة إثباتها عنده أرجح فأثبتناها عند قراءتنا بحرف حمزة في هذين الموضعين لما فيهما من قبح الوصل بالقراءة وهو أن يقول: ﴿وَاُلْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] ﴿وَيْلٌ﴾ [ المطففين: ١] فبسملوا هنا وأمّا مذهبنا فيه فهو أن يقف على آخر السورة ويقف على آخر البسملة ويبتدىء بالسورة من غير وصل . والقراء في هذا الفصل على أربعة مذاهب: المذهب الواحد لا يرونه أصلاً وهو أن يصل آخر السورة بالبسملة ويقف ويبتدىء بالسورة هذا لا يرتضيه أحد من القراء العلماء منهم، وقد رأيت الأعاجم من الفرس يفعلون مثل هذا مما لا يرتضيه علماء الأداء من القراء، ١٥ في المنازل/ الباب الثاني وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب العالم الأعلى ووجود العالم الأسفل والمذهب الحسن الذي ارتضاه الجميع ولا أعرف لهم مخالفاً من القراء الوقوف على آخر السورة ووصل البسملة بأوّل السورة التي يستقبلها، والمذهبان الآخران وهما دون هذا في الاستحسان أن يقطع في الجميع أو يصل في الجميع، وأجمع الكل أن يبتدىء بالتعوذ والبسملة عند الابتداء بالقراءة في أول السورة، وأجمع على قراءة البسملة في الفاتحة جماعة القراء بلا خلاف، واختلفوا في سائر سور القرآن ما لم يبتدىء أحد منهم بالسورة، فمنهم من خير في ذلك كورش، ومنهم من ترك كحمزة ومنهم من بسمل ولم يخير كسائر القراء، ولوجه التخيير والترك وعدم الترك لهذه البسملة حكم عجيبة لا يسع الوقت لذكرها ولأنها خارجة عن مقصود هذا الباب وهي آية حيثما وقعت إلا في سورة النمل في كتاب سليمان عليه السلام فإنها بعض آية ولا أعلم فيها خلافاً . فهكذا قد أبنت لك عن الميزان العمليّ والعلميّ على التقريب والاختصار، فلنبين لك ما يتضمنه هذا المنزل من الأمور التي لم نذكرها مخافة التطويل: فاعلم أن هذا المنزل يتضمن علم علل هذه الموازين التي ذكرناها، وفيه علم ما يستحقه الرب من التعظيم، وفيه علم الآخرة الذي بين الدنيا ونزول الناس في منازلهم من الجنة والنار، وفيه علم البعث، وفيه علم بعض منازل الأشقياء والسعداء، وفيه علم الستور، وفيه علم الاصطلام، وفيه علم مراتب العالم العلوي والسفلي والطبيعيّ والروحانيّ، وفيه منزل القربة ولنا فيه جزء لطيف، وفيه علم المفاضلة، وفيه علم موازنة الجزاء، وفيه علم التخليص والامتزاج، وفيه معرفة الوصف الذي لا ينبغي أن يتصف به نبي وعصمة الولي من ذلك وهو عزيز، وفيه علم ما يكره في الدنيا ويمقت فاعله وهو محبوب في الآخرة وهو ذلك الفعل بعينه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثاني وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب العالم الأعلى ووجود العالم الأسفل من الحضرة المحمدية والموسوية والعيسوية [مجزوء الرجز] مَنْزلُ مَنْ كان دَرَجْ مَنْزِلُ تَلْقينِ الحُجَجْ إِنْ فُتِحَ البابُ خَرَجُ فلا تَكُنْ كمِثْلِ مَنْ إن فُتِِحَ البَابُ وَلَجْ والزمُ وكُنْ كمِثْلِ مَنْ ومن أَلَخَّ يَنْدَرِجْ مَنْ لاذَ بالله اخْتَمَى مِنْ كلُّ ضِيقٍ وفَرَجْ في كل ما تسألُهُ قد قيل ذا في مَثَلٍ في مثل هذا يا أخي كم من لَبِيبِ هالكِ وما على نفس تَرَى بأنَّ مَنْ أَذْلَجَ حَجْ تَفْنَى النفوسُ والمُهَجْ في بَحْرِه وَسْطَ اللُّجَجْ فيه الهلاكَ مِنْ حَـرَجْ ١٦ في المنازل/ الباب الثاني وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب العالم الأعلى ووجود العالم الأسفل اعلم أن الغيب ظرف لعالم الشهادة وعالم الشهادة هنا كل موجود سوى الله تعالى مما وجد ولم يوجد أو وجد ثم ردّ إلى الغيب كالصور والأعراض وهو مشهود لله تعالى، ولهذا قلنا إنه عالم الشهادة ولا يزال الحق سبحانه يخرج العالم من الغيب شيئاً بعد شيء إلى ما لا يتناهى عدداً من أشخاص الأجناس والأنواع، ومنها ما يردّه إلى غيبه، ومنها ما لا يرده أبداً، فالذي لا يردّه أبداً إلى الغيب كل ذات قائمة بنفسها وليس إلا الجواهر خاصة، وكل ما عدا الجواهر من الأجسام والأعراض الكونية واللونية فإنها تردّ إلى الغيب ويبرز أمثالها، والله يخرجها من الغيب إلى شهادتها أنفسها فهو ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [التوبة: ١٠٥] والأشياء في الغيب لا كمية لها إذ الكمية تقتضي الحصر فيقال: كم كذا وكذا؟ وهذا لا ينطلق عليها في الغيب فإنها غير متناهية، فكم وكيف والأين والزمان والوضع والإضافة والعرض وأن يفعل وأن ينفعل كل ذلك نسب لا أعيان لها فيظهر حكمها بظهور الجوهر لنفسه إذا أبرزه الحق من غيبه، فإذا ظهرت أعين الجواهر تبعتها هذه النسب فقيل: كم عين ظهرت؟ فقيل: عشرة أو أكثر أو أقل، فقيل: كيف هي؟ فقيل: مؤلفة فعرض لها الجسمية فصحت الكيفية بالجسمية وحلول الكون واللون، فقيل: أين؟ فقيل في الحيز أو المكان، فقيل: متى؟ فقيل: حين كان كذا في صورة كذا؟ فقيل: ما لسانه؟ فقيل: أعجمي أو عربيّ، فقيل: ما دينه؟ فقيل: شريعة كذا فقيل هل ظهر منه ما يكون من ظهور آباء كما ظهر هو من غيره؟ فقيل: هو ابن فلان، قيل: ما فعل؟ قيل: أكل، قيل: ما انفعل عن أكله؟ قيل: شبع. فهذه جملة النسب التي تعرض للجواهر إذا أخرجها الله من غيبه، فليس في الوجود المحدث إلا أعيان الجوهر والنسب التي تتبعه، فكان الغيب بما فيه كأنه يحوي على صورة مطابقة لعالمه، إذ كان علمه بنفسه علمه بالعالم، فبرز العالم على صورة العالم من كونه عالماً به فصورته من الجوهر ذاته، ومن الكم عدد أسمائه، ومن الكيف قوله: ﴿كُلَّ يَوْرٍ هُوَ فِي شَأْنِ﴾ [الرحمن: ٢٩] و﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١] و﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأمثال هذا فيما أخبر به عن نفسه كثير والأين كان الله في عماء وهو الله في السماء والزمان، كان الله في الأزل والوضع ﴿وَكَلَّمَ اُللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فجميع الشرائع وضعه والإضافة خالق الخلق مالك الملك، وأن يفعل بيده الميزان يخفض القسط ويرفعه، وأن ينفعل يدعى فيجيب، ويسأل فيعطي، ويستغفر فيغفر، وهذه كلها صورة العالم، ولك ما سوى الله قد ظهر على صورة موجده فما أظهر إلا نفسه، فالعالم مظهر الحق على الكمال فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم إذ ليس أكمل من الحق تعالى، فلو كان في الإمكان أكمل من هذا العالم لكان ثم من هو أكمل من موجده وما ثم إلا الله، فليس في الإمكان إلا مثل ما ظهر لا أكمل منه فتدبر ما قلته فهو لباب المعرفة بالله . ثم إن الله اختصر من هذا العالم مختصراً مجموعاً يحوي على معانيه كلها من أكمل الوجوه سماه آدم، وقال إنه خلقه على صورته، فالإنسان مجموع العالم وهو الإنسان الصغير، والعالم الإنسان الكبير أو سمِّ الإنسان العالم الصغير كيفما شئت إذا عرفت الأمر كما هو عليه ١٧ في المنازل/ الباب الثاني وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب العالم الأعلى ووجود العالم الأسفل في نفسه وعينه فانسب إليه واصطلح كما تريد، فلا فضل للإنسان على العالم بجملته، والعالم أفضل من الإنسان لأنه يزيد عليه درجة وهي أن الإنسان وجد عن العالم الكبير فله عليه درجة السببية لأنه عنه تولد، قال تعالى: ﴿وَلِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لأن حوّاء صدرت من آدم فلم تزل الدرجة تصحبه عليها في الذكورة على الأنوثة، وإن كانت الأم سبباً في وجود الابن فابنها يزيد عليها بدرجة الذكورة لأنه أشبه أباه من جميع الوجوه، فوجب على الإنسان تعظيم أبويه، فأمه العالم بأسره وأبوه معروف غير منكور والنكاح التوجه فخرج الولد على صورة أبويه، ولما كان الولد لا يدعى إلا لأبيه ولا ينسب إلى أمه لأن الأب له الدرجة وله العلوّ فينسب إلى الأشرف، ولما لم يتمكن لعيسى عليه السلام أن ينسب إلى من وهبه لها بشراً سوياً أعطيت أمه الكمال وهو المقام الأشرف فنسب عيسى إليها فقيل عيسى ابن مريم، فكان لها هذا الشرف بالكمال مقام الدرجة التي شرف بها الرجال على النساء، فنسب الابن إلى أبيه لأجلها، وكمال مريم شهد لها بذلك رسول الله وَل# ولآسية امرأة فرعون فأما كمال آسية فلشرف المقام الذي ادعاه فرعون فلم يكن ينبغي لذلك المقام أن يكون العرش الذي يستوي عليه إلا موصوفاً بالكمال فحصل لآسية الكمال بشرف المقام الذي شقي به فرعون ولحق بالخسران المبين وفازت امرأته بالسعادة، ولشرف المقام الذي حصل لها به الكمال قالت: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] فما أنطقها إلا قوة المقام بعندك ولم تطلب مجاورة موسى ولا أحد من المخلوقين ولم يكن ينبغي لها ذلك فإن الحال يغلب عليها فإن الكامل لا يكون تحت الكامل فإن التحتية نزول درجة، ولما كان كمال مريم بعيسى في نسبته إليها لم تقل ما قالت آسية، آسية تقول: ﴿وَفِىِ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَحِى مِنَ الْقَوْمِ اَلَالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١] حتى لا تنتهك حرمة النسبة، ومريم تقول: ﴿يَلَيْتَنِى مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] وهي بريئة في نفس الأمر عند الله فما قالت ذلك من أجل الله كما قالت آسية عندك فقدمته وطلبت جواره والعصمة من أيدي عداته ولكن قالت ذلك مريم حياء من الناس لما علمته من طهارة بيتها وآبائها فخافت من إلحاق العار بهم من أجلها . ولما ذكرنا أن العالم كان مستوراً في غيب الله وكان ذلك الغيب بمنزلة الظل للشخص فلو سلخ من الظل جميعه أمر ما لخرج على صورة الظل والظل على صورة ما هو ظل له، فالخارج من الظل المسلوخ منه على صورة الشخص، ألا ترى النهار لما سلخ من الليل ظهر نوراً فظهرت الأشياء التي كانت مستورة بالليل ظهرت بنور النهار فلم يشبه النهار الليل وأشبه النور في ظهور الأشياء به، فالليل كان ظل النور والنهار خرج لما سلخ من الليل على صورة النور؟ كذلك العالم في خروجه من الغيب خرج على صورة العالم بالغيب كما قرّرناه، فقد تبين لك من العلم بالله من هذا المقام ما فيه كفاية إن عرفت قدره ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]. وأما مسألة روح صورة هذا العالم وأرواح صور العالم العلوي والسفلي فها أنا أبسطها لك في هذه المسألة من هذا المنزل في الدرجة الثامنة منه، فإن هذا المنزل يحوي على سبعة عشر صنفاً من العلم هذا أحدها فنقول: إن روح العالم الكبير هو الغيب الذي خرج عنه الفتوحات المکیة ج٥ - م٢ ١٨ في المنازل/ الباب الثاني وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب العالم الأعلى ووجود العالم الأسفل فافهم، ويكفيك أنه المظهر الأكبر الأعلى إن عقلت وعرفت قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] وبعد أن بان لك روح العالم الكبير فبقي لك أن تعلم أرواح صور العالم هل هي موجودة عن صورة أو قبلها أو معها؟ ومنزلة الأرواح من صور العالم كمنزلة أرواح صور أعضاء الإنسان الصغير كالقدرة روح اليد والسمع روح الأذن، والبصر روح العين، فاعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة على ما ذكرنا تفصيله، والتحقيق في ذلك عندنا أن الأرواح المدبرة للصور كانت موجودة في حضرة الإجمال غير مفصلة لأعيانها مفصلة عند الله في علمه، فكانت في حضرة الإجمال كالحروف الموجودة بالقوّة في المداد فلم تتميز لأنفسها وإن كانت متميزة عند الله مفصلة في حال إجمالها، فإذا كتب القلم في اللوح ظهر صور الحروف مفصلة بعدما كانت مجملة في المداد فقيل: هذا ألف وباء وجيم ودال في البسائط وهي أرواح البسائط، وقيل: هذا قام وهذا زيد وهذا خرج وهذا عمرو وهي أرواح الأجسام المركبة، ولما سوّى الله صور العالم أي عالم شاء كان الروح الكل كالقلم واليمين الكاتبة والأرواح كالمداد في القلم والصور كمنازل الحروف في اللوح، فنفخ الروح في صور العالم فظهرت الأرواح متميزة بصورها فقيل: هذا زيد وهذا عمرو وهذا فرس وهذا فيل وهذه حية وكل ذي روح وما ثم إلا ذو روح لكنه مدرك وغير مدرك، فمن الناس من قال: إن الأرواح في أصل وجودها متولدة من مزاج الصورة، ومن الناس من منع من ذلك، ولكل واحد وجه يستند إليه في ذلك، والطريقة الوسطى ما ذهبنا إله وهو قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَّ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وإذا سوّى الله الصور الجسمية ففي أية صورة شاء من الصور الروحية ركبها إن شاء في صورة خنزير أو كلب أو إنسان أو فرس على ما قدّره العزيز العليم، فثم شخص الغالب عليه البلادة والبهيمية، فروحه روح حمار وبه يدعى إذا ظهر حكم ذلك الروح فيقال : فلان حمار، وكذلك كل صفة تدعى إلى كتابها فيقال: فلان كلب، وفلان أسد، وفلان إنسان وهو أكمل الصفات وأكمل الأرواح، قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] وتمت النشأة الظاهرة للبصر ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رََّّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] من صور الأرواح فتنسب إليها كما ذكرنا وهي معينة عند الله فامتازت الأرواح بصورها. ثم إنه إذا فارقت هذه المواد فطائفة من أصحابنا تقول: إن الأرواح تتجرد عن المواد تجرداً كلياً وتعود إلى أصلها كما تعود شعاعات الشمس المتولدة عن الجسم الصقيل إذا صدىء إلى الشمس، واختلفوا هنا على طريقين: فطائفة قالت: لا تمتاز بعد المفارقة لأنفسها كما لا يمتاز ماء الأوعية التي على شاطىء النهر إذا تكسرت فرجع ماؤها إلى النهر فالأجسام تلك الأوعية والماء الذي ملئت به من ذلك النهر كالأرواح من الروح الكل. وقالت طائفة: بل تكتسب بمجاورتها الجسم هيئات رديئة وحسنة فتمتاز بتلك الهيئات إذا فارقت الأجسام، كما أن ذلك الماء إذا كان في الأوعية أمور تغيره عن حالته إما في لونه أو رائحته أو طعمه، فإذا فارق الأوعية صحبه في ذاته ما اكتسبه من الرائحة أو الطعم أو اللون وحفظ الله عليها تلك الهيئات المكتسبة ووافقوا في ذلك بعض الحكماء وطائفة قالت الأرواح المدبرة لا تزال مدبرة في عالم الدنيا فإذا انتقلت إلى ١٩ في المنازل/ الباب الثاني وثلاثمائة في معرفة منزل ذهاب العالم الأعلى ووجود العالم الأسفل البرزخ دبرت أجساداً برزخية وهي الصورة التي يرى الإنسان نفسه فيها في النوم، وكذلك هو الموت وهو المعبر عنه بالصور، ثم تبعث يوم القيامة في الأجسام الطبيعية كما كانت في الدنيا وإلى هنا انتهى خلاف أصحابنا في الأرواح بعد المفارقة. وأما اختلاف غير أصحابنا في ذلك فكثير وليس مقصودنا إيراد كلام من ليس من طريقنا . واعلم يا أخي تولاك الله برحمته أن الجنة التي يصل إليها من هو من أهلها في الآخرة هي مشهودة اليوم لك من حيث محلها لا من حيث صورتها، فأنت فيها تتقلب على الحال التي أنت عليها ولا تعلم أنك فيها فإن الصورة تحجبك التي تجلت لك فيها، فأهل الكشف الذين أدركوا ما غاب عنه الناس يرون ذلك المحل إن كان جنة روضة خضراء، وإن كان جهنماً يرونها بحسب ما يكون فيه من نعوت زمهريرها وحرورها وما أعد الله فيها، وأكثر أهل الكشف في ابتداء الطريق يرون هذا، وقد نبه الشارع على ذلك بقوله: ((بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ)) فأهل الكشف يرونها روضة كما قال، ويرون نهر النيل والفرات وسيحان وجيحان نهر عسل وماء وخمر ولين كما هو في الجنة، فإن النبي ◌َ﴾ أخبر أن هذه الأنهار من الجنة، ومن لم يكشف الله عن بصره وبقي في عمى حجابه لا يدرك ذلك مثل الأعمى يكون في بستان فما هو غائب عنه بذاته ولا يراه. فلم يلزم من كونه لا يراه أنه لا يكون فيه؟ بل هو فيه، وكذلك تلك الأماكن التي ذكر رسول الله 18 أنها من النار كبطن محسر بمنى وغيره ولهذا شرع الإسراع في الخروج عنه لأمته فإنه ◌َّ يرى ما لا يرون ويشهد ما لا يشهدون، ومن الناس من يستصحبه هذا الكشف، ومنهم من لا يستصحبه على ما قد أراده الله من ذلك لحكمة أخفاها في خلقه، ألا ترى أهل الورع إذا حماهم الله عن أكل الحرام من بعض علاماته عندهم أن يتغير في نظره ذلك المطعوم إلى صورة محرّمة عليه فيراه دماً أو خنزيراً مثلاً فيمتنع من أكله، فإذا بحث عن كسب ذلك الطعام وجده مكتسباً على غير الطريقة المشروعة في اكتسابه؟ فلأهل الله تعالى أعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها، وقلوب يعقلون بها، وألسنة يتكلمون بها غير ما هي هذه الأعين والآذان والقلوب والألسنة عليه من الصورة، فبتلك الأعين يشهدون، وبتلك الآذان يسمعون، وبتلك القلوب يعقلون، وبتلك الألسنة يتكلمون فكلامهم مصيب ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى اُلْأَنْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] عن الحق والأخذ به ﴿صُّ بُكْمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] عن الله ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الله، ووالله إن عيونهم لفي وجوههم، وإن سمعهم لفي آذانهم، وإن ألسنتهم لفي أفواههم، ولكن العناية ما سبقت لهم ولا الحسنى، فالحمد لله شكراً حيث أحيانا بتلك القلوب والألسن والآذان والأعين. ولقد ورد في حديث نبوي عند أهل الكشف صحيح وإن لم يثبت طريقه عند أهل النقل لضعف الراوي ولو صدق فيه قال: قال رسول الله وَّ: (لَوْلاَ تَزْبِيدٌ فِي حَدِيثِكُمْ وَتَمْرِيجٌ فِي قُلُوبِكُمْ لَرَأيْتُمْ مَا أَرَى وَلَسَمِعْتُمْ مَا أَسْمَعُ)) قال الله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وأكثر من هذا البيان الصريح ما يكون لكن أين من يفرّغ محله لآثار ربه؟ أين من ينقل ما يسمع من غير زيادة فيه؟ هذا قليل جدّاً والله ولي التوفيق. ٢٠ في المنازل/ الباب الثالث وثلاثمائة في معرفة منزل العارف الجبرئيليّ من الحضرة المحمدية واعلم أن هذا المنزل يتضمن علم التحليل وعلم ما يحصل لأهل النار في النار من العلوم إذا دخلوها، وعلم ما يعطيه عالم الطبيعة من الأسرار الإلهية التي لا تعلم من غيره، وعلم السابقة واللاحقة وهي العاقبة، وعلم تركيب البراهين الوجودية، وعلم الإيجاد الروحانيّ والصوري، وعلم السبب المؤدّي إلى الشقاء، وعلم ما يبقى به نظام العالم وحفظ صورته عليه، وعلم التجلي في الحجاب، وعلم الأحكام الإلهية على غير طريق الشارع، وعلم توحيد الأفعال، وعلم إلحاق الأعالي بالأسافل والأسافل بالأعالي وهو أو قريب منه علم التحام الأباعد بالأداني والأداني بالأباعد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الثالث وثلاثمائة في معرفة منزل العارف الجبرئيليّ من الحضرة المحمدية [البسيط] يَذْري بذلك أقوامٌ إذا مَاتُوا للشَّمْسِ في الفَلَكِ الأقْصَى عَلامَاتُ لا تَنْجَلي لهم إلاّ إذا بَاتُوا تَسْري به أنْفُسْ مُثْلَى مطهّرةٌ وما لهم في وُجُودِ السُّكْرِ نِيَّاتٌ من الخُمُورِ سُكَارى في مَحَارِبِهِمْ تُثْلَى عليهم من القرآن آيَاتُ فلو أراد زَوَالَ السُّكْرِ صَخْرُهُمُ اعلم أيدك الله أن من الأرواح العلوية السماوية المعبر عنها بالملائكة مقدمين لهم أمر مطاع فيمن قدموا عليه من الملأ الأعلى وهم أصحاب أمر لا أصحاب نهي ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وقد نبه الله تعالى على أن جبريل عليه السلام منهم بقوله ﴿قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] ولا يكون مطاعاً إلا من له الأمر فيمن يطيعه. فاعلم أن العارف إذا كان يمدّه من الملأ الأعلى روح من هذه الأرواح الآمرة التي لها التقدّم على غيرها كإسرافيل وإسماعيل وعزرائيل وجبريل وميكائيل والنور والروح وأمثالهم، فإن العارف يكون له أثر في العالم العلويّ والسفليّ بقدر مرتبة ذلك الروح الذي يتولاه من هناك، فمن تولاه إسرافيل يكون له من الأثر بحسب مرتبة إسرافيل وما يكون تحت نظره وأمره، وكذلك كل روح بهذه المثابة له رجل أو امرأة على مقامه وهو الذي تسمعونه من الطائفة من أن فلاناً على قلب آدم أو جماعة على قلب آدم وجماعة على قلب إبراهيم أي لهم من المنازل ما لإبراهيم وآدم من مقام الولاية التي لهم لا من مقام النبوّة وإن كان لهم منها شرب فمن بعض مقاماتها لا كلها كالرؤيا جزء من أجزاء النبوّة وغيرها، وأما النبوّة بالجملة فلا تحصل إلا لنبيّ، وأما الوليّ فلا إلا أن يكون له من ظهره تمده وتقويه وتؤيده، هكذا أخذتها مشاهدة من نفسي وأخبرت أن كل وليّ كذا يأخذها من المكملين في الولاية ويترجم عنها ولكن من حجاب الظهر، ويكون للنبيّ من الفوق أو من الأمام تنزل على قبله أو يخاطب بها في سمعه، فالولي يجد أثرها ذوقاً وهو فيها كالأعمى الذي يحس بجانبه شخص ولا يعرف من هو ذلك الشخص، ولهذا تقول الطائفة: لا يعرف الله إلا الله، ولا النبيّ إلا النبيّ، ولا الوليّ إلا وليّ مثله، فالنبيّ