Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ في المنازل/ الباب الحادي والتسعون ومائتان في معرفة منزل صدر الزمان هذه الحالة لم يبق حكم للمعصية فيك جملة وكان الحكم في ذلك للقدر، فإذا توجهت العقوبة على من هذه حالته لما تطلبه المخالفة من وجه من وجوهها توجه العفوّ والغفور والرحيم وهم الأسماء التي تطلبها المخالفة ويعتضدون بالأسماء التي تطلبها الكراهة التي كانت فيك لذلك الفعل والإيمان بالقدر السابق فيها ويد الله مع الجماعة، فتكون الغلبة والحكم لهؤلاء الأسماء التي تعطيه السعادة والخير مع وقوع المعصية، وتكون معصيته بحضوره فيها مع الله حية ذات روح إلهيّ يستغفر له إلى يوم القيامة، ويبدّل الله سيئها حسناً كما بدّل عقوبتها مثوبة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الباب الحادي والتسعون ومائتان في معرفة منزل صدر الزمان وهو الفلك الرابع من الحضرة المحمدية [نظم: البسيط] أقسمتَ بالدهر إن الذَّهْرَ ليس له فإن حلفتَ به فاحلفْ على عَدَم واعلَمْ بأن الذي لا أُمَّ تُؤنسُةً إلاَّ الذي رقيَتْ فيه مَعَارِفُه كما الذي تاهَ في بحرٍ وليس له وإن نُقلْتَ إلى فَقْرٍ بغير غنّى عينٌ ولكنَّه للعقل مَعْقُولُ لا في وجودٍ فإن الحَنْثَ تعطيلٌ ولا أبّ هو في الأحكام مَبْتُولُ وكان عنه فذاك الشخص مَقبولُ هادٍ فذلك بالأهواء مَغلولُ فإنكم لدليلِ العَقْلِ مَذْلُولُ اعلم وفّق الله الوليّ الحميم أن لكل شيء صدراً، ومعرفته في هذا الطريق من أرفع العلوم والمعارف، إذ كان العالم وكل جنس على صورة الإنسان وهو آخر موجود، وكان الإنسان وحده على الصورة الإلهية في ظاهره وباطنه، وقد جعل الله له صدراً، فما بين الحق والإنسان الذي له الآخرية وللحق الأوّلية صدور لا يعلم عددها إلاَّ الله، فلنعين منها بعض ما يصل إليه فهمك وما يمكن أن يقبله عقلك، ونسكت عمّا لا يصل إليه فهمك ولا يقبله عقلك، فلنبتدىء أوّلاً بالأعلى وننزل إلى آخر درجة فنقول: إن الصدر في الرتبة الثانية من كل صورة سواء كانت الصورة جنسية أو نوعية أو شخصية، فصدر الواجبات الحياة الأزلية المنعوت بها الحق عزّ وجلّ، وصدر الأسماء المؤثرة العالم، وصدر صفات التنزيه نفي المثلية، وصدر الأينيات العماء الذي ما فوقه هواء وما تحت هواء، وصدر الوجود الممكنات، وصدر الموجودات العقل الأوّل، وصدر الدهر ما بين الأزل والأبد، وصدر الزمان زمان قبول الهيولى للصورة، وصدر الطبيعة كيفية الجسم الأوّل، وصدر الكيفيات تعلق القدرة بالإيجاد، وصدر الكميات تقسيم المعاني، وصدر الأفلاك الكرسي، وصدر العناصر الماء، وصدر الليل مغيب الشفق الأحمر، وصدر النهار إشراق الشمس لا شروقها، وصدر المولدات الحيوان، وصدر الإنسان معروف، وصدر الأمّة زمان إدريس، وصدر هذه الأمة القرن الأوّل، وصدر الدنيا وجود آدم، وصدر الأيام يوم ٤٢٢ في المنازل/ الباب الحادي والتسعون ومائتان في معرفة منزل صدر الزمان الاثنين، وصدر الآخرة البعث، وصدر البرزخ النوم، وصدر النار الموبق، وصدر الجنة النزول في المنازل منها، وصدر العذاب والنعيم رؤية أسبابهما، وصدر الدين فلان رسول الله. واعلم أن لكل صدر قلباً فما دام القلب في الصدر فهو أعمى لأن الصدر حجاب عليه، فإذا أراد الله أن يجعله بصيراً خرج عن صدره فرأى، فالأسباب صدور الموجودات والموجودات كالقلوب، فما دام الموجود ناظراً إلى السبب الذي صدر عنه كان أعمى عن شهود الله الذي أوجده، فإذا أراد الله أن يجعله بصيراً ترك النظر إلى السبب الذي أوجده الله عنده ونظر من الوجه الخاص الذي من ربه إليه في إيجاده جعله الله بصيراً، فالأسباب كلها ظلمات على عيون المسببات وفيها هلك من هلك من الناس، فالعارفون يثبتونها ولا يشهدونها ويعطونها حقها ولا يعبدونها، وما سوى العارفين يعاملونها بالعكس يعبدونها ولا يعطون حقها بل يغصبونها فيما تستحقه من العبودية التي هي حقها ويشهدونها ولا يثبتونها، فما تسمع أحداً من الناس إلاَّ وهو يقول: ما ثم إلاَّ الله، وينفي الأسباب، فإذا أخذته بقوله أونزلت به نازلة شاهد السبب وعمي عمّن أثبته وكفر به وآمن بما نفاه، فإذا اتفق لبعض الناس أن تلك النازلة ما ارتفعت بهذا السبب الذي استند إليه وانقطعت به الأسباب حينئذ يكفر بها ويرجع إلى الله خالق الأسباب، فلم يدرِ بماذا كفر ولا بما به آمن، ولم يدر ما معنى السبب ولا غيره، إذ لو علم أن السبب لا يصحّ إلاَّ أن يكون عنه المسبب لعلم أن السبب الذي استند إليه في رفعه لهذه النازلة لم يكن سببها بوجه من الوجوده إذ لو كان سببها لرفعها، وإنما كان ذلك السبب في منعه رفع النازلة سبباً في رجوعه إلى الله في رفعها، فلم يزل في المعنى تحت تأثير الأسباب فإن الأسباب محال رفعها، وكيف يرفع العبد ما أثبته الله ليس له ذلك ولكن الجهل عمّ الناس فأعماهم وحيّرهم وما هداهم ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة النور: الآية ٤٦] بالروح الموحى من أمر الله فيهدي به من يشاء من عباده فقد أثبت الهداية بالروح وهذا وضع السبب في العالم، فالوقوف عند الأسباب لا ينافي الاعتماد على الله، ولهذا جعل سبحانه الأسباب مسببات لأسباب غيرها من الأدنى حتى ينتهي فيها إلى الله سبحانه، فهو السبب الأوّل لا عن سبب كان به، نعم سبب الكون المرتبة لا الذات، وسبب المرتبة الكون، فسبب الكون في الإيجاد المرتبة، وسبب المرتبة في المعرفة الكون فافهم. فلما أضاء النهار للحركة وقعت الولادة للأشياء بها فطهرت الأعيان في عالم الحسّ غالباً، وهبت الرياح في البحار فتلاطمت الأمواج وجرت السفن ورمت البحار ما فيها لتلاطم الأمواج، ولما أظلم الليل للسكون سكنت الرياح وسكنت الأمواج وأمسك البحر ما فيه غالباً وظهرت الولادة في البرزخ فكانت الأحلام ورؤيا المبشرات والمفزعات كالصورة القبيحة الجميلة في صور المولدات في الحسّ من الأفعال والنشآت، وأغلب وقوع هذا في صدر الليل وفي صدر النهار لأن الرياح لا تهب إلاَّ بعد طلوع الشمس حينئذ تكون الرياح، كما أن رياح النصر لا تهب إلاّ في صدر العشي وهو بعد الزوال ولهذا يستحب فيه القتال، ولما كان ٤٢٣ في المنازل/ الباب الحادي والتسعون ومائتان في معرفة منزل صدر الزمان الليل محلاً للسكون والمسامرة ولا يبيت شخص إلاَّ مع من يحبه ويسكن إليه غالباً ولا يسامر إلاَّ من يأنس به لذلك كان الليل أصل المودة والرحمة حتى إن الذين تعذبهم الملوك لا تعذبهم إلاَّ بالنهار غالباً وأما الليل فلا لأن المعذب يتعذب بالليل إذا عذب للسهر وعدم النوم والذي يلحقه، فالليل زمان السكون والراحة، والمعذب لا يريد أن يعذب نفسه فيترك العذاب إلى النهار الذي هو محل الحركة، فأصل الود والمحبة موجود من الليل وضده موجود بالنهار. ثم إنّ الغيبة أعني غيبة المحبوب عن المحب غيبة تعليم وتأديب لما تعطيه المحبة، فإن المحب إذا كان صادقاً في دعواه وابتلاه الله بغيبة محبوبه ظهرت منه الحركة الشوقية إلى مشاهدته فيصدق دعواه في محبته فيعظم منزلته وتتضاعف جائزته من التنعيم بمحبوبه، فإن اللذة التي يجدها عند اللقاء أعظم من لذة الاستصحاب كحلاوة ورود الأمن على الخائف لا يقوي قوّتها حلاوة إلاَّ من المستصحب فهو يزيد به تضاعف النعيم، ولهذا أهل الجنة في نعيم متجدّد مع الأنفاس في جميع حواسهم ومعانيهم وتجليهم فهم في طرب دائمون، فلهذا نعيمهم أعظم النعيم لتوقع الفراق وتوهم عدم المصاحبة، ولجهل الإنسان بهذه المرتبة يطلب الاستصحاب، والعالم يطلب استصحاب تجديد النعيم والفرق بين النعيمين حتى يقع الالتذاذ بنعيم جديد كما هو في نفس الأمر، وإن لم يعرفه كل إنسان ولا شاهدته كل عين ولا عقل فهو متجدّد مع الآنات في نفس الأمر، وللجهل القائم بهذا الشخص لعدم مشاهدته التجديد في النعيم يقع الملل، فلو ارتفع عنه هذا الجهل ارتفع الملل من العالم، فالملل أقوى دليل على جهل الإنسان بالله في حفظ وجوده عليه وتجديد آلائه مع الأنفاس، فالله يحققنا بالكشف الأتم والمشهد الأعم، فما أشرف عين اليقين وما أسعد صاحب مشاهدة الأمور على ما هي عليه، ولكن راعى الله سبحانه بهذا الجهل أصحاب الهموم فهو رحمة في حقهم، فإنهم لو شاهدوا تحديداً لهم في كل زمان فرد لم يزل عذابه كبيراً عندهم وآلامه متضاعفة، فلما حيل بينهم وبين هذه المشاهدة وتخيّلوا أن الهمّ الأوّل هو الذي استصحبهم لم يقم عندهم مقام فجأته في الفعل، وهان عليهم حمله للاستصحاب الذي تخيلوه رحمة من الله بهم وتخفيفاً عنهم إلاّ في جهنم، فإن أهلها مع الأنفاس يشاهدون تجديد العذاب، وكلامنا إنما هو في هذه الدار الدنيا محل الحجاب إلاَّ للعارفين فإن لهم مقام الآخرة في الدنيا فلهم الكشف والمشاهدة وهما أمران يعطيهما عين اليقين وهو أتم مدارك العلم، فالعلم الحاصل عن العين له أعظم اللذات في المعلومات المستلذة فهم في الآخرة حكماً وفي الدنيا حسّاً، وهم في الآخرة مكانة وفي الدنيا مكاناً، ثم يتصل لهم ذلك بالآخرة من القبر إلى الجنة وما بينهما من منازل الآخرة وهو قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة يونس: الآية ٦٤] وهي ما هم فيه من مشاهدة ما ذكرناه وفي الآخرة من القبر إلى الجنة فهو نعيم متصل، فهذا نعيم العارفين وليس لغيرهم هذا النعيم الدائم. ثم إن الحق سبحانه وتعالى في هذا المنزل أمر عبده المعتنى به أن يكون مع خلقه كما كان الحق معه في مثل هذا المشهد وكل ما يؤدّي إلى سعادتهم، وذلك بالنصيحة والتبليغ ليس ٤٢٤ في المنازل/ الباب الحادي والتسعون ومائتان في معرفة منزل صدر الزمان بيده من الأمر غير هذا، فللعارف إيضاح هذا الطريق الموصل إلى هذا المقام والإفصاح عنه وليس بيده إعطاء هذا المقام فإن ذلك خاص بالله تعالى، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧] فلما بلغ قيل له : (( ما عليك إلاَّ البلاغ)) ليس عليك هداهم ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [سورة القصص: الآية ٥٦] وما أحسن قوله في الحقائق ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة القصص: الآية ٥٦] فإن العلم إنما يتعلق بالمعلوم على ما هو المعلوم عليه، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَحِعُ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٣] فوظيفة الرسل والورثة من العلماء إنما هي التبليغ بالبيان والإفصاح لا غير ذلك، وجزاهم جزاء من أعطى ووهب والدال على الخير كفاعل الخير، فإن الدلالة على الخير من الخير، فيتضمن هذا المنزل من علم الاستناد، والمستند إليه أعظم الاستنادات وهو الاستناد الإلهيّ وهو استناد الأسماء الإلهية إلى محال وجود آثارها لتعيين مراتبها، واستناد المحال إلى الأسماء الإلهيّة لظهور أعيانها فهذا أعلى الاستنادات وأعلى المستندات إليها وقد رمينا بك على الطريق فأدرج عليه نازلاً وصاعداً، ومن هنا يعرف ما تخبط فيه الناس من تفضيل الفقر على الغنى والغنى على الفقر، والخوض في هذه المسألة من الفضول الذي في العالم والجهل القائم به، فإن الحالات تختلف والمنازل تختلف وكل حالة كمالها في وجود عينها فالله يقول: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فما تركت هذه الآية لأحد طريقاً إلى الخوض في الفضول لمن فهمها وتحقق بها غير أن الفضول أيضاً من خلق الله فقد أعطى الله الفضول خلقه ثم هدى أي بيّن أن من قام به الفضول فهو المعبر عنه بالمشتغل بما لا يعنيه وجهله بالأمر الذي يعنيه، والفقر في عينه كامل الخلق لا قدم له في الغنى، والغني في حاله كامل الخلق لا قدم له في الفقر، ولو تداخلت الأمور لكان الفقر عين الغنى والغنى عين الفقر، إذ كان كل واحد منهما من مقوّمات صاحبه، والضدّ لا يكون عين الضدّ، وإن اجتمعا في أمر ما فلا يجتمع الغنى والفقر أبداً، فليس للفقر منزلة عند الله في وجوده، وليس للغنى منزلة عند العبد في وجوده، فكما لا يقال الله أفضل من الخلق أو الخلق كذلك لا يقال: الغنى أفضل من الفقر أو الفقر أفضل من الغنى، فالفقر صفة الخلق والغنى صفة الحق، والمفاضلة لا تصحّ إلاَّ فيمن يجمعهما جنس واحد، ولا جامع بين الحق والخلق فلا مفاضلة بين الغنى والفقر، قال تعالى في الغنى: ﴿فَإِنَّ اُللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وقال في الفقر: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فمن قال بعد علمه بهذا: الغنى أفضل من الفقر أم الفقر أفضل؟ كمن قال: من أفضل الله أم الخلق؟ وكفى بهذا جهلاً من قائله. وأما الذي بأيدي الناس الذي يسمونه غنى فكيف يكون غنى وأنت فقير إليه غير مستغن في غناك عن غناك، فغناك عين فقرك، وهذا على الحقيقة لا يسمّى غنى، فكيف تقع المفاضلة ما بين ماله وجود حقيقيّ وهو الفقر وبين ما ليس له وجود حقيقي وهو غناك؟ وإذا سمي الإنسان غنياً فهو عبارة عن وجود السبب المؤثر عنده فيما له فيه غرض في الوقت فيكون بذلك السبب غنياً فيما يفتقر إليه لوجوده به فهو الفقير الذاتي في غناه العرضي، وإذا لم ٤٢٥ في المنازل/ الباب الحادي والتسعون ومائتان في معرفة منزل صدر الزمان يكن عنده وجود السبب المؤثر فيما افتقر إليه سمّي فقيراً من غير غنى فالفقر له في الحالين معاً لأن ذاته له في الحالين معاً، والأمر إذا كان على هذا فطلب المفاضلة جهل بين الوصف الحقيقيّ والإضافي العرضي، وممّا يتضمنه هذا المنزل ما يلزم العالم والمتعلم والسائل والمسؤول، فلنبين من ذلك طرفاً لمسيس الحاجة إليه فإنه يقع من الناس في غالب الأوقات، وذلك أن الجاهل إذا جاء ليسأل العالم في أمر لا يعلمه من الوجه الذي يسأل عنه ويعلم منه قدر الوجه الذي دعاه إلى السؤال عنه كمن سمع حساً من خلف حجاب فيعلم قطعاً أن خلف الحجاب أمراً لا يدري ما هو، أو لا يدري محل ذلك الحسّ ولعله ليس خلف ذلك الستر، فيسأل من يعلم محل ذلك الستر هل خلفه ما يمكن أن يحسّ أم لا؟ وإذا كان فما هو؟ فيتصوّر السؤال من السائل عمّا لا يعلم لوجه ما معلوم عنده يتضمن ما لا يعلم إلاَّ بعد السؤال عنه، وعلى هذا المقام أورد بعض النظار أشكالاً وبهذا القدر ينفصل عن ذلك الإشكال، وليس كتابنا ممّا قصد به النسب الفكرية النظرية وإنما هو موضوع للعلوم الوهبية الكشفية، فجرت العادة عند العلماء القاصرين عمّا ذكرناه أن المتعلم السائل إذا جاء ليسأل العالم عن أمر لا يعلمه، فإن كانت المسألة بالنظر إلى حالة السائل عظيمة قال له: لا تسأل عمّا لا يعنيك وهذا ليس قدرك وتقصر عن فهم الجواب على هذا السؤال، وليس الأمر كذلك عندنا ولا في نفس الأمر، وإنما القصور في المسؤول حيث لم يعلم الوجه الذي تحتمله تلك المسألة بالنظر إلى هذا السائل فيعلمه به ليحصل له الفائدة فيما سأل عنه ويستر عنه الوجوه التي فيها ممّا لا يحتمله عقله ولا يبلغ إليه فهمه، فيسرّ السائل بجواب العالم ويصير عالماً بتلك المسألة من ذلك الوجه وهو وجه صحيح، إن فات علمه للعالم الفهم الفطن فقد فاته من المسألة بقدر ذلك الوجه، فاستوى الفهم الفطن مع القدم في عدم استيعاب وجوه تلك المسألة، فما سأل سائل قط في مسألة ليس فيه أهلية لقبول جواب عنها. ولقد علمنا رسول الله # من هذا الباب في تأديب الصحابة ما يتأذّب به في ذلك، وذلك أن رجلاً جاء إلى رسول الله وَ* وهو بين ظهراني أصحابه فقال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ ثِيَابٍ أَهْلِ الجَنَّةِ أَخَلْقٌ تُخْلَقُ أَمْ نَسِيجْ تنسج؟ فَضَحِكَ الحَاضِرُونَ مِنْ سُؤَالِهِ فَغَضِبَ رَسُول اللَّهِ وََّ وَقَالَّ: أَتَضْحَكُونَ أَنَّ جَاهِلاَ سَأَلَ عَالِماً؟ يا هَذا الرَّجل إِنَّها تَشَقَّقُ عَنْها ثَمَرُ الجَنَّةِ)) فأجابه بما أرضاه، وعلم أصحابه الأدب مع السائل، فأزال خجله وانقلب عالماً فرحاً. وقال الله تعالى: ﴿وَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾ [سورة الضحى: الآية ١٠] فعمّم، وإن كان المقصود في سبب نزولها السؤال في العلم لأنه تعليم لحال سابق كان لرسول الله وَّه وهو قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى﴾ [سورة الضحى: الآية ٧] أي حائراً فأبان لك عن الأمر. فأما السائل إذا جاءك يسألك فإنما هو بمنزلتك حين كنت ضالاً فلا تنهره كما لم أنهرك وبيّن له كما بيّنت لك كما قال له تعليماً لحال سبق له في قوله: ﴿أَلَمَّ يَجِدْكَ يَّتِيمًا فَشَاوَى﴾ [سورة الضحى: الآية ٦] فلم يذلّك ولا طردك بالقهر ليتمك وكسرك ﴿فَمَّا الْنِيْمَ﴾ إذا وجدته ﴿فَلَ نَقْهَرْ﴾ [سورة الضحى: الآية ٩] والطف به وآوه وأحسن إليه. قال رسول الله بَّ: ((إِنَّ اللَّه أَدَّبَنِي فَحَسَّنَ تَأْدِيبِي)» فينبغي لنا أن نتبع ٤٢٦ في المنازل / الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة الآداب الإلهية التي أدّب الله سبحانه بها أنبياءه مثل هذا، ومثل قوله لنوح: ﴿إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ اُلْجَهِلِينَ﴾ [سورة هود: الآية ٤٦] فرفق به في قوله: ﴿أَعِظُكَ﴾ لشيخوخته وكبر سنه، ومخاطبة الشيوخ لها حد ووصف معلوم، ومخاطبات الشباب لها حد معلوم، وقال في حق محمد رسوله وَا﴾: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٥] فأين ذلك اللطف من هذا القهر؟ فذلك لضعف الشيخوخة، وذا لقوَّة الشباب، وأين مرتبة الخمسين سنة من رتبة خمسمائة وأزيد، فوقع الخطاب على الحالات في أوّل الرسل وهو نوح، وفي آخرهم وهو محمد رّيّة وعلى جميع الأنبياء. ومن الآداب الإلهية كل ما ورد في القرآن من افعل كذا ولا تفعل كذا فانظره في القرآن تحظ بالأدب الإلهيّ فاستعمله توفق إن شاء الله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة من الحضرة الموسوية [نظم: البسيط] الليلُ يستر ما في الغَيْب من عَجَبٍ والشخصُ إن كان أنْثَى ليس يَذْکره والجودُ أصلّ وضدُّ الجود ليس بذي لا شيء يُغْنيك غير الله فارضَ به وقم به عَلَماً في رأس رابيةٍ وإن دعاك الهوى يوماً لمنقصةٍ عطاؤه منه أُولى وآخرةٌ إن الجزاءَ وفاقُ لا على عِوَضٍ والشمسُ تُظْهرُ ما الإظلامُ يَسْتُرُهُ حتى إذا جاءت الأخرى تُذَكِّرهُ أصلٍ ولكنَّ عينَ الجود تُظْهرهُ رباً وَلا تَكُ ممَّنْ ظِلّ يُضْمِرُه وإن شهدتَ هلالاً فهو يُبْدرُه فإن داعِيَه عن ذاك يَزْجرهُ وليس عن عوضٍ كذاك أذكرُه فإن يَكُنْ عوضٌ فَلستُ أوثِرُه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اعلموا يا إخواننا أن هذا المنزل من أعظم المنازل قدراً هو منزل النكاح الغيبي وهو نكاح المعاني والأرواح، ويختص بهذا المنزل علم التجلي الإلهيّ المشبه بالشمس ليس دونها سحاب دون التجلي القمري البدري وهو قوله بَلَّ: «تَرَوْنَ رَبَّكُم كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَذْرِ)) وليس لهذا التجلي مدخل في هذا المنزل، وكما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب وهذا المنزل منزله ومن هنا يعرف وهو مظهر إلهيّ عجيب، ومن هذا المنزل يعرف الجود المقيد بالخوف والجزاء، ومرتبة الصدق وإن قبح، ومرتبة الكذب وإن حسن، والغنى المكتسب وهو الغنى العرضي، وعلامات السعادة وعلامات الشقاء، وخيبة المعتمد على الأمور التي قد نصبها الله للاعتماد عليها، ولماذا يخيب صاحبها مع كون الحق نصبها لهذا وأهلها لها، وعلم الإفصاح عن درجات التقريب الإلهيّ من حضرة اللسن، ومعرفة المقام الذي تتألف فيه الضرتان وتتحابان، ومعرفة الاصطلام اللازم، وصفة من أعطي مقام هذا الاصطلام من المقربين من أمثالهم ممّن لم يعطه، والجود بما يجده العارف من كل شيء ممّا لا ٤٢٧ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة يجب عليه وهو خلق الجود الإلهي، وهل يكون الحق عوضاً ينال بعمل خاص أم لا؟ ولنبين إن شاء الله حقائق هذا المنزل فصلاً فصلاً إيماء وتلويحاً فإنه يطول والله المؤيد لا رب غيره. فمن ذلك النكاح الغيبي المنتج قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٣٢] وقال. ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢] وقد تقدم الكلام على هذا الفصل في فصل المعارف من هذا الكتاب في باب الآباء العلويات والأمهات السفليات فلينظر هنالك، ولنذكر في هذا المنزل ما يتعلق به وهو أن المعاني تنكح الأجسام نكاحاً غيبياً معنوياً فيتولد بينهما أحكامهما، وذلك حجاب على اليد الإلهيّة الغيبية التي ما من شأنها أن تدرك، ومن ذلك جميع الصور الظاهرة في الهباء، الهباء لها كالمرأة والصور لها كالبعل ولا يوجد عنهما إلاَّ أعيانهما، وهذا من أعجب الأسرار أن يكون الولد عين الأب والأمّ لمن هو لهما ولد، والأب والأمّ عين الولد لمن هما له أبوان، وهو الذي أشار إليه الحلاج رحمه الله في قوله: ولدت أمي أباها، ولا يكون الوالد عين الولد لمن هو له والد وهو له ولد إلاَّ في هذا النكاح، ومن هذا الباب قوله: ﴿كُنْ﴾ وهي كلمة أمر التكوين، وقال في عيسى أنه كلمة الله، وفي الموجودات أنها كلمات الله، وما له كلمة في الموجودات إلاَّ ﴿كُنْ﴾ وهي عين الموجود فإنه الكلمة وتوجهها على العيون الثابتة، فالأعين لها كالأمّ فظهرت الكلمات وهو وجود تلك الأعيان عن هذا النكاح الغيبي وكان الولد بينهما عينهما ليس غيرهما وهذا ألطف من الأمر الأوّل، فإن الولد هنا عين كلمة الحضرة فكن عين المكوّن وهو منسوب إلى الله، والأوّل في الدرجة الثانية فإنه منسوب إلى الهباء والصورة، وهذا النكاح مدرج فيه فافهم فقد رميت بك على الطريق . فالجسمانيات كلها أولاد عن نكاح غيبي، والأجسام كلها منها ما هو عن نكاح غيبي، ومنها ما هو عن نكاح غيبي مدرج في نكاح حسي كنكاح الرياح والمياه والحيوانات والنبات والمعادن وما يتولد في الأجسام العنصرية لا الأجسام الطبيعية، فإن العالم الملكي لا يتولد عنه من جنسه شيء إلاَّ أن يكون أباً في وقت لأمّ عنصرية بما يلقي إليها، فما ينتج فذلك الولد بينهما قد يخلق ملكاً وهو المعبر عنه بلمة الملك وهو ما يلقيه إلى النفس الإنسانية، فيتولد بينهما تسبيحة أو تهليلة تخرج نفساً من المسبح والمهلل فينفتح في عين ذلك النفس وجوهره صورة ملكية يكون ذلك الملك الملقى أباها والنفس أمها فترتقي تلك الصورة إلى أبيها وتلازمه بالاستغفار لأمه التي هي النفس الإنسانية إلى يوم القيامة، ومن هنا يحكم في الشريعة للوالد بأخذ ولده عن أمه إذا ميّز وعقل بلا خلاف، فإن هذا الملك يخلق عاقلاً ومن أعجب الأنكحة الإعدام، ولهذا اختلف فيه أهل الكشف، فالله سبحانه علّقه بالمشيئة فقال: ﴿إِن يَشَأ يُذْهِبْكُمْ﴾ وعلّق الاقتدار بإيجاد قوم آخرين فقال: ﴿وَيَأْتِ بِثَاخِرِينَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٣٣] وكان الله على ذلك ولم يقل ذينك على التثنية، فكانت الإشارة من حيث أحديتها للأقرب وهو الذي أتى به، ومن هذا الباب إرسال الريح العقيم فإنها لإزالة أعيان الصور الظاهرة عن ٤٢٨ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة التأليف لا أعيان الجواهر، فما أنتجت وجوداً فنسب إليها العقم ونفى عنها أن تكون لاقحة، فهذا نكاح لمجرّد الشهوة لا لوجود الولد كنكاح أهل الجنة فما يكون عن كل شهوة كيان، ولا بدّ وجود عيني لنفسه، ومن هنا وقع الخلاف بين أهل الكشف، فمن كشف رجوع أعيان الصور التي كانت موجودة إلى كونها ثابتة غير موجودة قال بأن الريح العقيم قد أنتجت في حضرة الثبوت ما كان قد خرج عنها وهو مشهود للحق وبه تعلقت المشيئة بقوله: ﴿إِن يَشَأ يُذْعِبْكُمْ﴾ أي يردكم إلى الحالة التي كنتم موصوفين فيها بالعدم، وإنما كان هذا عقماً لأنه لم يظهر عنه وجود العين لنفسه وإن كان ظاهراً مشهوداً لخالقه، ومن لم يشهد رجوع أعيان الصور الموجودة إلى العدم عند توجّه المشيئة أو هبوب الريح العقيم قال: إن ذلك لا ينتج شيئاً فإن الإيجاد للاقتدار لا للمشيئة فقط وللريح اللاقحة لا للعقيم، إذ لو ظهر شيء وجودي عنها لم تكن عقيماً فهذا سبب الخلاف بين أهل الكشف، فمتعلق النافي عين الوجود، ومتعلق المثبت عين الثبوت، فما تواردا على شيء واحد فلا خلاف في الحقيقة إذ كان هذا الطريق عند المحققين منا لا يتصوَّر فيه خلاف إلا أن يكون مثل هذا وهذا خلاف لفظي، فإذا فسّر كل واحد ما أراده بذلك اللفظ ارتفع الخلاف ويكفي ما أومأنا إليه . ومن هذه المنزل التجلي الشمسي لما وقع التشبّه عند علماء الرسوم في رفع الشك عن الرائي في المرئي بالشمس والقمر ليلة البدر وهو من بعض الوجوه المقصودة في هذا الحديث، ولكن عرف المحققون زائداً على هذا أن المظهرين مختلفان وأن التجلي المشبه بالقمر ليلة البدر مظهر خاص لأنه قال ليلة البدر ولم يقل في إبداره فأضافه إلى الليلة فإني أشاهده بدراً مع وجود الشمس بالنهار، فما أضافه إلى الليلة إلاَّ لأمر عرفه المحققون وليس هذا منزل الكلام عليه، ولكن هذا المنزل يتضمن منزل التجلي في الشمس فإن الحق يتعالى عند المحققين أن يتجلى في صورة واحدة مرتين أو لشخصين، فلا تكرار في أمر عند الحق للإطلاق الذي هو عليه، والاتساع الإلهيّ والتكرار مؤدّ إلى الضيق والتقييد، فاعلم أن التجلي الشمسي أي المشبه بالشمس هو يسمّى عندنا التجلي الأوسع وهو التجلي الذي لا يفنى الإنسان عن رؤية نفسه فيه، وقد أومأنا إليه في أوّل هذا الكتاب في باب الأرض التي خلقت من بقية الطينة الآدمية، وهذا التجلي مظهر ذاتي عجيب ونسب التجلي فيه إلى معلوله لا إلى علته مع ظهور العلة في معلولها عيناً محققة مجهولة الكيفية كظهور الشمس في النهار مع كون النهار معلولاً عن ظهور الشمس، ونور السراج عن السراج المنبسط في زوايا الكون، فمثل هذا يسمّى شهود العلة ومعلولها معاً فكل تجلّ لا يغنيك عنك فهو بهذه المثابة، وإنما سمّي أوسع لأن المشاهد يعمّ رؤيته المتجلي والمتجلى فيه وله، وغير الأوسع لا تشاهد غيره لا نفسك ولا غيرك ولا تعلم شهودك ولا ما أنت فيه حتى تعود إليك ويقع الحجاب، فلو قرع الحجاب كان ذلك التجلي مقيداً ضيقاً إذ قيده الحجاب والأوسع يظهر في الحجاب وفي غير الحجاب ويفرق الشاهد بين الصورتين ولهذا يقال فيهم: ردّوهم إلى قصورهم للإشارة إلى عجزهم أي يحبسون فيه، وهنا بحور تحوي على أنواع من نفيس الجواهر لا يدركها إلاَّ كل ٤٢٩ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة غوّاص واسع النفس عاشق في الغيب، فقد بيّنت لك المقصود من هذا التجلي الذي يحويه هذا المنزل وفوائده لا تحصى لو ذهبنا نذكرها ما وسعها ديوان، فإن له التأبيد في العالم العلوي في الدنيا وله التأبيد في العالم الأخروي السفلي، وما ثم تجل يجمع فيما يكون عنه بين الضدين من ألم ولذة إلاّ هذا التجلي وهو كتجلي المحبوب للمحب يعانق غيره ويقبله فهو من نظره في لذة ومن نظره في ألم، ومن هذا المنزل معرفة الجود المقيد بالخوف والجزاء، ومرتبة الصدق وإن قبح، ومرتبة الكذب وإن حسب، والغنى المكتسب وهو الغنى العرضي وعلامات السعادة وعلامات الشقاء. واعلم أن أسباب العطاء تختلف، فمنهم من يعطي للعوض ويسمّى شراء وبيعاً ففيه من الجود أن المشتري قد أنعمت عليه من كونك بائعاً ما له غرض عظيم في تحصيله وقد أعطاك هو ما هو مستغن عنه، فكل واحد منهما قد جاد على صاحبه بإيصاله إليه ما كان له غرض في تحصيله إذا كان له منع ذلك، فبهذا القدر يلحق بباب الجود من جهة المعطى له اسم مفعول لا من جهة المعطي اسم فاعل، وقد يعطي الإنسان من هذا الباب خوفاً على عرضه أو حلول آلام حسية تحل به، فكأنه يشتري الثناء الحسن والعافية والأمن بذلك العطاء فهو كالأوّل، والفرق بينهما أن الذي اشترى به في الأوّل هو ممّا يمكن أن يكون له فيه غرض، وهذا لا يمكن أن يكون له في الألم وإزالة العافية والأمن غرض أصلاً، ومن يقول بخلاف هذا من أصحابنا إن كان محققاً كأبي يزيد في قوله: [الوافر] وكلُّ مآربي قد نلتُ منها سوى مَلْذوذٍ وَجْدي بالعذابِ فقد أبان عن مقصوده وهو اللذة وهو ما قلناه وذهبنا إليه، وإن لم يكن محققاً فما هو من أصل طريقنا بالمعنى، وإن ظهر بالصورة فلا كلام لنا معه، ومنهم من يعطي للإنعام وغير ذلك، وليس من هذا المنزل إلاَّ ما ذكرناه خاصة، ومن هذا الباب قول رسول الله وَئية: ((أَحِبُّوا اللَّه لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ)) فأمرنا بمحبته لإنعامه وإحسانه، وهل يكون منه سبحانه في حق العباد أمر وجودي يخرج عن الإنعام بوجه من الوجوه؟ اختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من رأى أن الإنعام فيه عين وجوده ولا يلتفت إلى الأغراض المتعلقة ممّا يعطيه حكم هذا الموجود المنعم عليه بالوجود فإنه قد أنعم على الألم بوجود عينه، وإن كان من يتألم به لا يوافق غرضه فهو نعمة الله على نفسه، ولو توقف الأمر على عموم النعمة على الكل بالعين الواحدة ما كان شيء أصلاً فإن الحقائق تأبى ذلك، فإذا له في كل وجود نعمة، فمن كان مقامه الإيثار يصدق في غرضه بزهده إذا قام به حكم الألم أن يشكر الله على ما أنعم به على الألم من وجود عينه بعد أن لم يكن إيثاراً لجناب الله على غرضه، حيث ظهر في الملك من يساعده على تعظيم الله وشكره لأنه يشاهد شكر الألم الله تعالى على إيجاد عينه، فأعظم شفيع يكون لمن هذه حاله عند الله الألم من الموجودات والاسم المبلي والمسقم من الإلهيات، فيكون نتيجة تلك الشفاعة وجود اللذة ورحلة الألم إما بزوال السبب أو ببقائه فيكون خرق عادة، وهذا من أعظم الخلق الذي يشرف به الإنسان. وأما إيثاره في هذا لإرادة الله فلا يدري ٤٣٠ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة أحد ما يحصل له من اسمه المريد من الخير إلاَّ الله الذي خصّه بهذه الحال الشريفة فهذا هو الصدق مع الله في المعاملة وإن قبح، فإنه لو نزل ذلك الألم بغيره فلا بدّ أن تصحبه هذه الحالة، وقبيح عليه في حق الغير أن يراه يشكر الله على ما قام بذلك الغير من الألم، ولا سيما إن كان محبوباً له أو نبياً أو رسولاً، وبما ينتجه هذا المقام من وجود العافية في ذلك الغير ستر القبح الذي كان لبسه هذا المحقق. وأما من ترك العطاء في مثل هذا الموطن الذي ذكرناه فأنت تعرف ممّا بيناه لك ما سبب ذلك الترك وما المشهود لهذا التارك في وقت الترك؟ فإنه يندرج علم ذلك كله فيما قرّرناه فابحث عنه فإنه يطول إن أوردناه، وقد أعطيناك المفتاح وعيّنا لك قفله فافتح ما شئته من ذلك. وأما الغنى المكتسب في هذا الباب فهو حكمه فإن الإنسان إذا استغنى عن الغير كان دليلاً على جهله بالحقائق إذ كان الغير لا أثر له فيه فقد علّق غناه بغير متعلق، وإن استغنى عن الله تعالى فأجهل وأجهل، فإنه خرج بهذا الوصف عن العلم المحقق وعن الإسلام فلا أخسر منه لأنه لا أجهل منه فالاستغناء لا يصحّ حقيقة، فإذا أضيف الغنى إلى أحد فهي إضافة عرضية لا ذاتية، ولهذا هو الاسم الغنيّ للحق تعالى وصف سلبي سلب عنه الافتقار إلى العالم، ومن افتقر إلى شيء لم يستغن عنه البتة، فالاستغناء على الحقيقة إنما هو بالأسباب من حيث النسب أي من حيث أنها نسب، فكل نسبة أذهبت عنك ضدها فهي الحاكمة عليك، وهل تسمّى بغني أم لا؟ فلك النظر فيها بحسب ما تعطيك حقيقة تلك النسبة، فإن كانت أغنتك عن غيرها فهي غنى وأنت غني بها، وإن لم تغنك فما هي غنى ولا أنت غني بها، فالشبع مثلاً بمجرّد حقيقته لا يقال فيه إنك قد استغنيت به عن الجوع من حيث حقيقة الجوع لأن الجوع ليس مطلوباً لك حتى تستغني بالشبع عنه، ولكن إن كان الجوع إذا قام بك أعطاك من الصفاء والرقة واللطافة والتحقق بالعبودة والافتقار ما يعطيه حقيقته فأنت طالب له غير مستغن عنه، فإن أعطاك الشبع ما أعطاك الجوع من كل ما ذكرناه فقد استغنيت بالشبع عن الجوع إذا الجوع ليس مطلوباً لنفسه وإنما هو مطلوب لما ذكرناه، فإذا وجدنا ذلك في ضده فلا حاجة لنا به إذ الطبع يرده كما أن الطبع يوجده، ولذلك كان رسول الله وَل# يتعوذ من الجوع ويقول: ((إِنَّهُ بِئْس الضَّجِيع)) وذلك لأنه أيضاً وإن أعطى ما ذكرناه ولكن لا يقطع أن يكون افتقاره ذلك إلى الله بل قد يكون لغير الله، فلذا قال رسول الله وَله فيه: ((إِنَّهُ بِئْس الضَّجِيع)) في العموم، فإن شيوخ الطريق يقولون: لو بيع الجوع في السوق لزم المريد أن يشتريه، ومن نظر منهم إلى ما نظره النبيّ ◌َّ جعله من أغاليط أهل الطريق كأبي عبد الرحمن السلمي إذ عمل أوراقاً فيما غلطت فيه الصوفية وهو مذهبنا، وللجوع حدّ ومقدار وهو الجوع المحقق بخلاف الجوع المتخيل، فما وقعت الاستعاذة النبوية إلاّ من الجوع المحقق فإنه يكون به الإنسان عاصياً للشرع ظالماً لنفسه إذا كان اختياراً، ولهذا كان رسول الله وَلَو لا يجوع قط إلاَّ اضطراراً وهو حال العلماء بالله لأنهم من صفتهم العدل، وقد أبنت لك ما فيه كفاية فإنه تلويح يغني عن التصريح. ٤٣١ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة وأما أعمال السعادة فعلاماتها أن يستعمل الإنسان في الحضور مع الله في جميع حركاته وسكناته، وأن تكون مشاهدة نسبة الأفعال إلى الله تعالى من حيث الإيجاد والارتباط المحمود منها، وأما الارتباط المذموم منها فإن نسبه إلى الله فقد أساء الأدب وجهل علم التكليف وبمن تعلق ومن المكلف الذي قيل له افعل، إذ لو لم يكن للمكلف نسبة إلى الفعل بوجه ما لما قيل له افعل وكانت الشريعة كلها عبثاً وهي حق في نفسها، فلا بدّ أن يكون للعبد نسبة صحيحة إلى الفعل من تلك النسبة قيل له افعل وليس متعلقها الإرادة كالقائلين بالكسب وإنما هو سبب اقتداري لطيف مدرج في الاقتدار الإلهيّ الذي يعطيه الدليل كاندراج نور الكواكب في نور الشمس، فتعلم بالدليل أن للكواكب نوراً منبسطاً على الأرض لكن ما ندركه حساً لسلطان نور الشمس، كما يعطي الحسّ في أفعال العباد أن الفعل لهم حساً وشرعاً وأن الاقتدار الإلهيّ مندرج فيه يدركه العقل ولا يدركه الحسّ، كاندراج نور الشمس في نور الكواكب فإن نور الكواكب هو عين نور الشمس والكواكب لها مجلى، فالنور كله للشمس والحسّ يجعل النور للكواكب فيقول: قد اندرج نور الكواكب في نور الشمس، وعلى الحقيقة ما ثم إلاَّ نور الشمس فاندرج نوره في نفسه إذ لم يكن ثم نور غيره، والمرائي وإن كان لها أثر فليس ذلك من نورها وإنما النور يكون له أثر من كونه بلا واسطة في الكون، ويكون له أثر آخر في مرآة تجليه بحكم يخالف حكمه من غير تلك الواسطة، فنور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر لا شك في ذلك، وكذلك الاقتدار الإلهيّ إذا تجلّى في العبيد فظهرت الأفعال عن الخلق فهو وإن كان بالاقتدار الإلهيّ ولكن يختلف الحكم لأنه بوساطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه وكما ينسب النور الشمسي إلى البدر في الحسّ والفعل النور البدر وهو للشمس، فكذلك ينسب الفعل للخلق في الحسّ والفعل إنما هو لله في نفس الأمر ولاختلاف الأثر تغير الحكم النوري في الأشياء، فكان ما يعطيه النور بوساطة البدر خلاف ما يعطيه بنفسه بلا واسطة، كذلك يختلف الحكم في أفعال العباد، ومن هنا يعرف التكليف على من توجه وبمن تعلق، وكما تعلم عقلاً أن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء وأن الشمس ما انتقلت إليه بذاتها وإنما كان لها مجلى وأن الصفة لا تفارق موصوفها والاسم مسماه كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حلّ فيه، وإنما هو مجلى له خاصة ومظهر له. وكما ينسب نور الشمس إلى البدر كذلك ينسب الاقتدار إلى الخلق حساً والحال الحال، وإذا كان الأمر بين الشمس والبدر بهذه المثابة مع الخفاء وأنه لا يعلم ذلك كل أحد فما ظنك بالأمر الإلهيّ في هذه المسألة مع الخلق أخفى وأخفى؟ فمن وقف على هذا العلم فهو من أعلى علامات السعادة، وفقد مثل هذا من علامات الشقاء، وأريد بهذا سعادة الأرواح وشقاوتها المعنوية، وأما السعادة الحسية والشقاوة فعلاماتهما الأعمال المشروعة بشروطها وهو الإخلاص قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الذِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [سورة البينة: الآية ٥] ويكفي هذا القدر من العلامات مجملاً والله الموفق لا رب غيره. ٤٣٢ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة وأما خيبة المعتمد على الأمور التي نصبها الله للاعتماد عليها ولماذا يخيب صاحبها مع كون الحق نصبها لهذا الأمر وأهلها له؟ فاعلم أيها الأخ الوليّ أن الأمور التي نصبها الحق للاعتماد عليها ما خرجت عنه ولكن جعلها هذا الخائب أرباباً من دون الله، فاعتمد عليها لذواتها لا على من جعلها فأضرّ به الجهل كما ذكرناه آنفاً، فالآثار الظاهرة عن نور الشمس في مرآة البدر إذا نظر فيه الناظر واعتمد على الشمس في ذلك من حيث هذا المجلى الخاص الذي ربط الله الأثر به فهذا لا يخيب فإنه أعطى الأمر حقه وهذا لا ينكسف البدر في حقه أبداً، والذي يخيب هو الذي ينكسف البدر في حقه فيبقى في ظلمة جهله مع وجود ذات المرآة القمرية، فيكون هذا الخائب مع ذلك المظهر في الظلمات، فإن القمر قد حجب في حق هذا الشخص الذي كان يعتمد عليه ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩٨] وهي الظلمة فإن الظلمة جهنم، وأية ظلمة وأي جهنم أعظم من الجهل وبها شبه الله في قوله ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ﴾ [سورة النور: الآية ٤٠] فقال: ﴿ُظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [سورة النور: الآية ٤٠] وهو جهل على جهل، وهو من جهل ولا يعلم أنه جهل، فنفى عنه أن يقارب رؤية يده فكيف إن يراها وأدخل اليد هنا دون غيرها لأنها محل وجود الاقتدار وبها يقع الإيجاد أي إذا أخرج اقتداره ليراه لم يقارب رؤيته لظلمة الجهل لأنه لو رآه لرآه عين الاقتدار الإلهيّ، ألا تراه إذا أخرجه في النور الذي هو العلم رأى يده وهو اقتداره، فعلم أن الاقتدار الكوني هو اقتدار الحق لارتفاع الظلمات المتراكمة التي كانت بعضها فوق بعض ولهذا وقع التشبيه بأشد الظلمات، فإن ظلمة الجوّ تقترن معها ظلمة البحر، تقترن معها ظلمة الموج، تقترن معها ظلمة تراكم الموج، تقترن معها ظلمة السحاب التي تحجب أنوار الكواكب فلا يبقى للنور ظهور لا في عينه ولا في مجلى من مجاليه، فظلمة الليل ظلمة الطبع، وظلمة البحر ظلمة الجهل وهو فقد العلم، وظلمة الفكر ظلمة الموج، وظلمة الموج المتراكم ظلمة تداخل الأفكار في الشبه، وظلمة السحاب ظلمة الكفر، فمن جمع هذه الظلمات ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [سورة النساء: الآية ١١٩] وهذه حالة المعطلة لا غيرهم. وأما ما يتضمنه هذا المنزل من علم الإفصاح عن درجات القرب الإلهيّ من حضرة اللسن فاعلم أن ذلك معرفة علم الشارع المترجم عن الله الذي أمرنا بالإيمان بمحكمه ومتشابهه ولنقبل جميع ما جاء به، فإن تأوّلنا شيئاً من ذلك على أنه مراد المتكلم به في نفس الأمر زال عنا درجة الإيمان فإن الدليل حكم على الخبر فيعطل حكم الإيمان وجاء العلم الصحيح من المؤمن يقول لصاحب هذا الدليل: أما القطع منك بأن هذا الذي أعطاك نظرك هو مقصود المفصح بما أفصح به فهو عين الجهل وفقد العلم الصحيح، وإن صادف العلم وقد زال عنك الإيمان والسعادة مرتبطة بالإيمان وبالعلم الصحيح عن علم والعلم الصحيح هو الذي يبقى معه الإيمان فعلى العارف أن يبين طريق السعادة نيابة عن الله تعالى في خلقه كنيابة القمر عن الشمس في إيصال النور، فالأنبياء المرسلون عليهم السلام هم التراجمة عن الحق والورثة على درجتهم بما يعطيهم الله من الفهم فيما جاءت به الرسل من كتاب وسنّة، فهذا هو علم الإفصاح مختصر . ٤٣٣ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة وأمّا علم تألف الضرتين فاعلم أن أبا سعيد الخراز قيل له: بم عرفت الله؟ فقال: بجمعه بين الضدين وتلا: ﴿هُوَ اْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] أي هو أوّل من عين ما هو آخر وظاهر من حيث ما هو باطن، لأن الحيثية في حقه واحدة وكل ضدين ضرتان، وهذا لا يدرك من قوّة العقل فإن قوّة العقل لا تعطيه، وإنما يدرك هذا من المقام الذي وراء طور العقل الذي كان من ذلك الطور أعطى الواجبات وجوبها، والجايزات جوازها، والمستحيلات إحالتها، والأحديات أحديتها، فهو الذي جعل الواحد واحداً، كما جعل الواجب واجباً بإعطائه الوجوب، وليس في قوّة العقل إدراك ما ذكرناه من حيث فكره، فهذا علم صحيح إلهيّ لا عقلي، فإذا اجتمع الضدان في العلم الإلهيّ فقد تألفت الضرتان وتحابا إذا كانا لعين واحدة فتدبر هذا الفصل بنور الإيمان لا بنور العقل فإنه مردود عقلاً غير مقبول، وكما لم يكن في قوّة البصر أن يدرك المعقولات ولم يتعد حدّه كذلك العقل ليس في قوّته أن يدرك ما يعطيه البصر بذاته من غير واسطة البصر، فإذا عجزت قوّة العقل أن تستقل بعلم المبصرات من حيث ما هي مبصرات وهي مخلوقة وقوّة البصر مخلوقة، فمن له بإدراك ما يخرج عن طوره إلى ما هو أعلى في نسبته إلى الحق، وقد عجز عن إدراك ما خرج عن طوره إلى ما هو أنزل درجة وهو الحسّ في زعمه، ومن افتقر إلى مخلوق مثله في أمر فهو إلى الخالق أفقر، ويكفي هذه الإشارة فيما يعرفه العارفون من ذلك. وأما معرفة الاصطلام اللازم وصفة من أعطي مقام هذا الاصطلام من المقرّبين من أمثالهم ممّن لم يعطه فاعلم أن الاصطلام نار ترد على قلوب المحبين تحرق كل شيء تجده ما سوى المحبوب، وقد تذهب في أوقات بصورة المحبوب من نفس المحب وهو الوقت الذي يطلب المحب أن يتخيل محبوبه فلا يقدر على تخيله ولا يقيم صورته لقوّة سلطان حرقة لهيب نار الحب، فيقال فيه في ذلك الحال مصطلم وهو الذي أراد القائل بقوله: [السريع] ذاتَك تُوذي أنت في أضْلُعي أودِعْ فؤادي حُرَقاً أَوْ دعِ وارمٍ سهامَ الحبِّ أو كُفَّهَاَ أنت بما تَرْمي مُصَابٌ معي مَسْكَنُه بذاك المَوْضعِ مَوْقِعُها القلبُ وأنت الذي ومن هذه الحال قال قيس بن الملوح مجنون بني عامر صاحب ليلى وكان قد جاءته ليلى وهو مصطلم يأخذ الجليد ويلقيه على صدره فتذيبه من ساعته حرارة الفؤاد وهو يصيح: ليلى ليلى طلباً لها لفقد صورتها من خياله فنادته: يا قيس أنا مطلوبك أنا ليلى، فلم يكن لها في نفسه صورة متخيلة يعرفها بها إلاّ أنه لما سمع منها اسمها قال لها: إليك عني فإن حبك شغلني عنك، فهذا حال الاصطلام، وهو نعت لازم للحضرة الإلهية مؤثر، ولكل اسم إلهيّ مشهود فيه جمال الحق يحول بين العبد وبين تكييف الحق، ويذهب بكل صورة يضبطها أو يتخيلها، ولهذا قال ◌ََّ: ((أَلِظُوا بِيا ذا الجَلالِ وَالإِكْرَام)) من الإلظاظ وهو المثابرة، وقرن الجلال بالإكرام، وما ورد الجلال قط في النبوّيات إلاَّ والإكرام مصاحب له ليبقى رسم العبد ولا يذهب بعينه، فالجلال الذي هو جلال الجمال يكسوك الهيبة فتهاب المقام وهو الذي الفتوحات المكية ج٤ - م٢٨ ٤٣٤ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة يجده المحب والعارف في نفسه من تعظيم المحبوب فيؤثر جنابه على كل شيء، فإكرام الله به أنه يؤثره على كل شيء، وثم اصطلام يزول في الوقت وهو ما يرد على القلب من مشاهدة المحبوب في صورة الخيال، فما دام هذا الخيال دام اصطلامه، والجلال يمحو هذه الصورة من النفس غيرة من تقييده بصورة وله الإطلاق، فيزول اصطلام تلك الصورة المقيدة بزوالها، ويبقى الاصطلام اللازم الذي هو أثر الجلال في النفس، فيرى المحب يكذب الصورة المتخيلة في نفسه التي تقول له: أنا محبوبك، ويعرض عنها إجلالاً لمحبوبه أن يقيده لمعرفته بأن محبوبه لا يتقيد، فلهذا يحترق في نفسه حيث يريد أن يتمنى أن يضبط ما لا ينضبط لينعم به، ولهذا كان العلم أشرف من المحبة، وبه أمر الله تعالى نبيه وَلو أن يسأله الزيادة منه لأنه عين الولاية الإلهية به يتولى الله عباده وبه يكرمهم وبه يعرفون أنه لا يعرف. وأما المحب إذا لم يكن عارفاً فهو يخلق في نفسه صورة يهيم فيها ويعشقها، فما عبد ولا اشتاق إلاَّ لمن هو تحت حيطته، ولا يزيله عن هذا المقام إلاَّ المعرفة، فحيرة العارف في الجناب الإلهيّ أعظم الحيرات لأنه خارج عن الحصر والتقييد: [الوافر] فما يدري خِداشٌ ما يَصيدُ تَفَرَّقتِ الظُّباءُ على خِدَاشٍِ فله جميع الصور وما له صورة تقيده، ولهذا كان يقول وَّ: ((اللَّهُمَّ زِدْنِي فِيكَ تَحَيْراً)» لأَنَّهُ المَقَامُ الأَعْلَى وَالمُنَظَرُ الأَجْلَى، وَالمَكَانَةُ الزُّلْفَى، وَالمَظْهَرُ الأَزْهَى، والطَّرِيقَةُ المُثْلَى، ومن هذه الحضرة صدر الإنذار فعدم القرار وحلّ البوار بساحة الكفار، فلم يبق ستر ولا حجاب إلاّ مزقه وخرقه هذا المشهد الأسنى، فإن الستر يقيد المستور، والحجاب يحدّ المحجوب، ولا حدّ لذاته ولا تقييد لجلاله فكيف يستره شيء أو تغيب له عين تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر، فمن قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ فقد صدق لأنه ما ثم موجود لا يغيب له عين ولا يحصره أين إلاّ الله، فجميع الصور الحسية والمعنوية مظاهره فهو الناطق من كل صورة لا في كل صورة، وهو المنظور بكل عين، وهو المسموع بكل سمع، وهو الذي لم يسمع له كلام فيعقل، ولا نظر إليه بصر فيحدّ، ولا كان له مظهر فيتقيد، فالهو له لازم لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم يمحو وهو عين ما يمحو، قال: ويثبت وهو عين ما يثبت، فليس كمثله شيء في هذا الحكم، وبه شهد له العلم الصحيح الموهوب. فعلم الدليل ينفيه إذ لم يكن بيده منه ولا له تعلق بسوى صفات السلب والتنزيه، وعلم الكشف يثبته ويبقيه ولا يبدو له مظهر إلاَّ ويراه فيه، والعلمان صحيحان فهو لكل قوّة مدركة بحسبها ليعرفها أنها ما زالت عن منصبها وأنها لم تحصل بيدها من العلم بالله إلاَّ ما هي عليه في نفسها فذاتها عرفت ونفسها وصفت، فخرج عن التقييد والحدود بظهوره فيها ليكون هو المعبود، فقد قضى أن لا يعبد إلاَّ أإياه، فكانت الأصنام والأوثان مظاهر له في زعم الكفار فأطلقوا عليها اسم الإله فما عبدوا إلاَّ الإله، وهو الذي دلّ عليه ذلك المظهر، فقضى حوائجهم وسقاهم وعاقبهم، إذ لم يحترموا ذلك الجناب الإلهيّ في هذه الصورة الجمادية فهم الأشقياء، وإن أصابوا أو لم يعبدوا إلاَّ الله فانظر إلى هذا السريان الوجودي في هذه ٤٣٥ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة المظاهر كيف سعد به قوم وشقي به آخرون. قال بعضهم: كل ما تخيلته في نفسك أو صوره وهمك فالله بخلاف ذلك فصدق وكذب وأظهر وحجب. وقال الآخر: لا يكون الحق مدلولاً الدليل ولا معقولاً للعقول لا تحصله العقول بأفكارها ولا تستنزله المعارف بأذكارها، فإذا ذكر فبه يذكر وبه يفكر ويعقل، فهو عقل العقلاء، وفكرة المفكرين، وذكر الذاكرين، ودليل الدالين، لو خرج عن شيء لم يكن. ولو كان في شيء لم يكن، فهذا قد أبنت لك ما أثره الاصطلام اللازم، وأن العلماء هم المقرّبون الذين أدركوا هذا المشهد الأحمى وهذه المعرفة العظمى، ومن سواهم فقد نصب له علامة يعبدها وحقيقة يشهدها وهي ما انطوى عليه اعتقاده لدليل قام عنده أو قلد صاحب دليل فهو عند نفسه قد ظفر بمطلوبه واعتكف على معبوده وسكن إليه واستراح من الحيرة وكفر بما ناقض ما عنده وكفر بلا شك غيره ممن اعتقد غير معتقده، فلهذا يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً دنيا وآخرة. والعالم المحقق لما هو الأمر في عينه يتفرّج في ذاته، وفي العالم ظاهره وباطنه فهو العين المصيبة، وهو المثل المنزّه المنصوص عليه الذي نفى الحق أن يماثل أو يقابل بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ أي ليس مثل مثله شيء، فالكاف كاف الصفة ما هي زائدة كما يرى بعضهم، فبعض العلماء يرى في ذلك أن لو فرض له مثل لم يماثل ذلك المثل فأحرى أن يماثل هو في نفسه، وعند بعضهم نفي المثل عن المثل المحقق الذي ذكرناه. سئل الجنيد عن المعرفة والعارف فقال: لون الماء لون إنائه، فأثبت الماء والإناء، فأثبت الحرف والمعنى والإدراك ونفي الإدراك ففرق وجمع فنعم ما قال. وبعد أن أبنت لك عن مرتبة الاصطلام اللازم فلنبين لك ما بقي من هذا المنزل وهو العلم بالجود الإلهيّ الخارج عن الوجوب، وهل يكون الحق عوضاً ينال بعمل خاص أم لا؟ فاعلم أن الله جوداً مقيداً وجوداً مطلقاً، فإنه سبحانه قد قيد بعض جوده بالوجود فقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] أي أوجب وفرض على نفسه الرحمة القوم خواص نعتهم بعمل خاص، وهو أنه ﴿مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بَجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] فهذا جود مقيد بالوجوب لمن هذه صفته، وهو عوض عن هذا العمل الخاص، والتوبة والإصلاح من الجود المطلق فجلب جوده بجوده، فما حكم عليه سواه ولا قيده غيره، والعبد بين الجودين: عرض زائل وعرض ماثل . قال سهل بن عبد الله عالمنا وإمامنا: لقيت إبليس فعرفته وعرف مني أني عرفته فوقعت بيننا مناظرة فقال لي وقلت له وعلا بيننا الكلام وطال النزاع بحيث أن وقفت ووقف وحرت وحار، فكان من آخر ما قال لي: يا سهل الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] فعم ولا يخفى عليك أني شيء بلا شك لأن لفظة ((كل)) تقتضي الإحاطة والعموم وشيء أنكر النكرات فقد وسعتني رحمته، قال سهل: فوالله لقد أخرسني وحيرني بلطافة سياقه وظفره بمثل هذه الآية، وفهم منها ما لم نفهم، وعلم منها ومن دلالتها ما لم نعلم، فبقيت حائراً متفكراً وأخذت أتلو الآية في نفسي فلما جئت إلى قوله تعالى فيها : ٤٣٦ في المنازل/ الباب الثاني والتسعون ومائتان في معرفة منزل اشتراك عالم الغيب وعالم الشهادة ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] الآية سررت وتخيلت أني قد ظفرت بحجة وظهرت عليه بما يقصم ظهره وقلت له: يا ملعون إن الله قد قيدها بنعوت مخصوصة يخرجها من ذلك العموم فقال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ فتبسم إبليس وقال: يا سهل ما كنت أظن أن يبلغ بك الجهل هذا المبلغ ولا ظننت أنك ها هنا، ألست تعلم يا سهل أن التقييد صفتك لا صفته؟ قال سهل : فرجعت إلى نفسي وغصصت بريقي وأقام الماء في حلقي ووالله ما وجدت جواباً ولا سددت في وجهه باباً وعلمت أنه طمع في مطمع وانصرف وانصرفت ووالله ما أدري بعد هذا ما يكون فإن الله سبحانه ما نص بما يرفع هذا الإشكال فبقي الأمر عندي على المشيئة منه في خلقه لا أحكم عليه في ذلك بأمد ينتهي أو بأمد لا ينتهي. فاعلم يا أخي أني تتبعت ما حكي عن إبليس من الحجج فما رأيت أقصر منه حجة ولا أجهل منه بين العلماء، فلما وقفت له على هذه المسألة التي حكى عنه سهل بن عبد الله تعجبت وعلمت أنه قد علم علماً لا جهل فيه فهو أستاذ سهل في هذه المسألة، وأمّا نحن فما أخذناها إلاَّ من الله فما لإبليس علينا منة في هذه المسألة بحمد الله ولا غيرها، وكذا أرجو فيما بقي من عمرنا وهي مسألة أصل لا مسألة فرع، فإبليس ينتظر رحمة الله أن تناله من عين المنة، والجود المطلق الذي به أوجب على نفسه سبحانه ما أوجب وبه تاب على من تاب وأصلح، فالحكم لله العليّ الكبير عن التقييد في التقييد، فلا يجب على الله إلاَّ ما أوجبه على نفسه، فالعارف كذلك في جوده لا يتقيد ولا يعطي واجباً يجب عليه، فإن وجوب العطا إنما سببه الملك ولا ملك للعارف مع الله، فالمال الذي بيد العارف هو الله ليس له، والزكاة تجب في عين المال على رب المال ولا رب له سواه سبحانه، فقد أوجب على نفسه أن يخرج من هذا المال مقداراً معيناً هو حق لطائفة من خلقه أوجبه لهم على نفسه في هذا المال الذي بيد العارف، فيخرج العارف من هذا المال حق تلك الطائفة نيابة عن رب المال، كما يخرج الوصي عن اليتيم بحكم الوكالة فإنه وليّه، ومن هذا الباب زلت طائفة في كشفها لهذا المقام فلم تؤدّ زكاة ما بيدها من المال، ورأيت منهم جماعة مع كونهم يخرجون ما هو أكثر من الزكاة ولا يزكونه ويقولون: إن الله تعالى لا يجب عليه شيء وهذا المال الله ليس لي ويدي فيه عارية، وأنا في هذه المسألة حنفي المذهب، فكما لا يجب على وليّ اليتيم إخراج الزكاة عن اليتيم لأن اليتيم لا تجب عليه الزكاة في ماله لأنه المخاطب فلا أزكيه، فقد بينت لك وفقك الله الجود الإلهيّ وتقسيمه . وأما هل يكون الحق عوضاً لعمل خاص أم لا؟ فاعلم أن مالك بن أنس رضي الله عنه يقول في الرجل يعطي الرجل هدية ثم إن المعطى له لا يكافئه فيطلبه بالمكافأة عند الحاكم فللحاكم أن يفصل عليه الأمر لما فيه من الإجمال ليترتب الحكم على التعيين فيقول له: حين أعطيته هذه الهدية ما ابتغيت بها؟ هل ابتغيت بها جزاء من الجنة أو معاوضة في الدنيا أو ابتغيت بها وجه الله؟ فإن قال الخصم: ابتغيت بها الأجر في الآخرة من الجنة أو المعاوضة في الدنيا حكم على المعطى إياه برد عين ما أخذه منه إن كانت عينه باقية، وإن كانت العين قد ٤٣٧ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة .. ذهبت حكم له بالقيمة على الخلاف في ذلك هل تعتبر القيمة في الشيء في زمان العطا أو في زمان القضاء، وإن قال: إنما أعطيتها ابتغاء وجه الله لم يحكم له بشيء في ذلك وقال: ليس بيد صاحبك ما قصدته بهديتك، فمن وجه أثبته عوضاً عنها فيما يظهر فإنه لم يصرح مالك بأكثر من هذا، ومن وجه ينفي أن يكون عوضاً فإنه لا يماثله في القدر شيء من مخلوقاته والكل نعمته غير أنه المعاوضة على الله لهذا المعطي في الدار الآخرة ممّا يناسب هديته، فإن زاد على ذلك فمن باب المنة، وقد قيل: [البسيط] لكل شيء إذا فارقْتَه ◌ِوَضٌ وليس لله إن فَارقْتَ من عِوَض والتحقيق في هذه المسألة أن الحق من حيث ذاته ووجوده لا يقاومه شيء ولا يصحّ أن يراد ولا يطلب لذاته، وإنما يطلب الطالب ويريد المريد معرفته أو مشاهدته أو رؤيته، وهذا كله منه ليس هو عينه، وإذا كان منه لا عينه فقد يصحّ أن يكون عوضاً فيكون عمله في الدنيا الذي هو الحضور مع الله في قوله: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)) فيكون هذا العمل جزاؤه عند الله رؤيته وهي أرفع المنازل، فهي للحاضر هنا في عمله جزاء، وهي لغير الحاضر زيادة ومنّة، فهو عند هذا ليس عوضاً وهو عند الآخر عوض، فيكون الحضور في الدنيا من الجود المطلق من عين المنّة، وتكون الرؤية من الجود المقيد جزاء بما وجبه على نفسه، فمن جوده شهدت جوده فما خرج عنه شيء ولا أوجب مخلوق عليه شيئاً لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم. فإذا أعطى العبد ابتداء لغيره لا جزاء يستحقه ذلك الغير فيكون هذا المعطي لأجل ذلك الاستحقاق تحت قيد الحق فيكون عطاه مثل هذا لا عن استحقاق لا يطلب بذلك إلاَّ وجه الله سواء طلبه بنيته أو لم يطلبه، فإن حالة العطاء المبتدأ يعطي ذلك فإنه اتصف فيه بصفة الحق من الجود المطلق حيث لم يكن عطاؤه جزاء، ولما كان حاله هذا فكما أن الله تعالى يطلب الجزاء على ما امتن به من النعم على عباده وهو الشكر عليها ومعرفة النعم منه ويجازى هو على ذلك الشكر وعلى تلك المعرفة، كذلك يعطي هذا العبد المنعم على غيره ابتداء إطلاق لسان المنعم عليه بالشكر والثناء عليه، ثم يتولى الله جزاءه به لا بالجنة حتى اتصف بهذا العطاء بصفته تعالى، فهذا قد أبنت محتملات ما يتضمنه هذا المنزل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة وسبب ظهور عالم الغيب من الحضرة الموسوية [نظم: الوافر] فذاك النورُ من قِبَلي أتاهَا إذا ما الشمسُ كان لها شعاعٌ فذاك الموتُ من ربِّ بَرَاهَا إذا ما الموتُ حلَّ بكل نفس مزيَّنَةً إلينا في حُلاهَا إذا ما جنَّةُ المَأوى تجلّثٌ ٤٣٨ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة .. نّعمْنا بالرياح لما حَوَتْهُ وإن طُمِسَتْ نجومٌ في سماءٍ وإن دخلتْ نفوسٌ في نفوس وعمَّارُ القفار لها شُرُوَّدٌ ولو أن الرَّسُولَ يرى نُفوساً ولو عرضَتْ عليه الحُجْبُ عما ولو أن الجَواريّ سابحاتٌ ولو أن اللَّياليَ مُرْسِلاتٌ ولو أن الصَّباحَ يَرى وجوهاً لأخْجَلَه ومات بها غراماً ولو أن الهلالَ يكون بَذْراً ولو أن البحارَ تكون ماءً ولو أن الأراضيَ ذاتُ سَطْحِ وأظْهَرَ فيه زينةً كلُّ شيءٍ ولو أن الديارَ بها أنيسٌ ولكن لا يصحُ الأنسُ عندي ولو أن العَوَاليَ في سَفَالٍ ولو أن الرَّواسيَ شامخاتٌ ولكنَّ الشموخَ لها مقامٌ ولو أن الصَّحيفةَ قَيَّدتْ مَنْ ولو أن الجحيمَ تكون ناراً ولكن العذابَ وجودُ ضدّ ولو أن المحبَّةَ ذاتُ شَخْصٍ ولو نَظَرَ المشرّعُ حين تخلّوّ ولو أن السماءَ بلا نجوم ولو أن الرياحَ جَرَتْ رُخَاءً ولو أن المياهَ تَغُور غَوْراً ولو أن السَّحابَ حَمَثْ حياها ولو أن الجبالَ تسيرُ سَيْراً ولو أن العيونَ تَرَى سَنَاها ولو أن الملوكَ تراكَ عَيْناً ولو نَطَق الكتابُ بكل حَمْدٍ من الطِّيبِ المُمَسَّك في شَذاهَا فذاك الطَّمْسُ أورثَها زَمَاهَا فإن دُخُولَها فيها مُنَاهَا من الصَّيْد الذي يفني ذَمَاهَا تردُّ رسالتَيْه لما أتّاهَا يجيء به المنازعُ ما أبَاهَا إلى أَمَدٍ لحُقْقَ مُنْتَهاهَا غدائرَها لما شَقُّوا دُجَاهَا مُنَوَّرةَ الجوانبِ من ضُحَاهَا وهيَّمَه وتيَّمه هَوَاهَا الأربعةٍ وعَشْرِ ما تَلاهَا فُراتاً لم يَلَذِّ به سواهَا لما قال المُهَيْمِنُ قد دحاها وأخْفَى حكمةً فيه ثراهَا لكان أنيسَها ربِّ بناهَا بذاتٍ ما لها صفةٌ تراهَا لكان سَفَالُها أعلى ذُرَاهَا لكان شُموخُها ممَّنْ عَلاهَا به ربُّ البريَّةِ قد حَبَاهَا يُقيِّدُها لريّ قد مَحَاها بلا بَرْدٍ مَشَيْتُ على هَواهَا تراه النفسُ ذَوْقاً في جَنَاهَا لأضْعَفَ شَوْقُها منها قُوَاهَا بمن تَهْواه شَرْعاً ما نَهَاهَا لنَوَّرَها قليلٌ من سَنَاهَا لزَعْزَعها وافقَدَها رُخَاهَا لأخيَا العالمينَ ندا يَدَاهَا عن الكُفَّار أغْنَاهم حَيَّاهَا لكان سَمَاؤها منها ثَرَاهَا بلا حُجْبٍ لحلّ بها عَمَاهَا إذا أقْبَلْثِّمُ حلَّتْ حَبَاهَا على أحدٍ من الدنيا عَنَاهَا ٤٣٩ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة .. عليها في الفَلاة لما سَبَاهَا ولو أن المُغيرَ يُغيرُ صُبْحاً ويَثْبتُ في مواقفَ مُهْلِكاتٍ لقد أقسمْتُ بالسَّبْعِ المَثَانِي لقد أبصَرْتُ عينَ الشمسِ تَخْفَى فتُبْصِرُ جوَّها بيدي سَحَاباً وتُظْهرُ حُسْنَها لعَمَى عيونٍ ولما قِيلَ قد رحلَتْ وغابَتْ أجَبْتُ رسولَها لما أتاني فقلتُ السّتْرُ أَوْلَى بي لأني فما رحلَتْ لبغضٍ كان منها أجابَتْهُ لأمرٍ واعتناءٍ فصار الكلُّ مُفْتَقراً إليها فكم من حُفْرةٍ قد كنتُ فيها لعلَّةٍ شَهْوةٍ لو أن عيسى وكم من طَعْمَةٍ أكلَتْ بحرْصٍ وكم من شَهْوةٍ نظرتْ إلينا ولم تَكُ نفسُنا يوماً نوتها مَخَافةً أن تطالبه نفوسٌ ولا خطرَتْ له يوماً ببالٍ ولكنَّ الشريعةَ أثبتَتْها فنالوها ولم تُعْقِبْ حجاباً لقوّتها إذا أمرٌ دَهَاهَا ومن سُوَرِ الحروف بعين طَه عن الأبصار إذ تُعْطي نَدَاهَا وتُبْصِرُ أرضَها تزهو رُبَاهَا ويُخْفي طَرْفُها عنا عَنَاهَا وقد تركَتْ خليفَتَها أَخَاهَا ليسأل أن تكلّمَني شفَاهَا رأيتُ فناءَ عيني في فَنَّاهَا ولكن كان عن حادٍ حَدَاهَا به جُودُ المُهَيْمِنِ قد حَذَاهَا وصار الكونُ يَرْغَبُ في حِدَاهَا ولولاها لمِلْتُ على شَفَاهَا تؤيّده الأُسَاءُ لما شَفَاهَا لشهوتها ولم تَبْلُغْ أَنَاهَا ونلناها عُصِمْنَا من أذاهَا وكان العقلُ قد أخْفَى نَواهَا بها والعقلُ يَخذرُ من جَفَاهَا ولا حكمَتْ عليه ولا نَوَاهَا إلى أهلِ السعادة في خَسَاهَا وصانَهُمُ المُهَيْمِنُ عن زَكَاهَا اعلم أيّدنا الله وإياك أن هذه القصيدة وكل قصيدة في أوّل كل باب من هذا الكتاب ليس المقصود منها إجمال ما يأتي مفصلاً في نثر الباب والكلام عليه، بل الشعر في نفسه من جملة شرح ذلك الباب، فلا يتكرر في الكلام الذي يأتي بعد الشعر، فلينظر الشعر في شرح الباب كما ينظر النثر من الكلام عليه، ففي الشعر من مسائل ذلك الباب ما ليس في الكلام عليه بطريق النثر وهي مسائل مفردات تستقل كل مسألة في الغالب بنفسها إلاَّ أن يكون بين المسألتين رابط، فيطلب بعضها بعضاً كالإنسان فإنه يطلب الكلام في الحيوان بما فيه من الإحساس، ويطلب النبات بما فيه من النموّ والغذاء، ويطلب الجماد بما فيه ممّا لا يحسّ كالأظفار والشعر، فيتعلق بالنبات لنموّها ويتعلق بالجماد لعدم إحساسها، وما في الوجود شيء أصلاً لا يكون بينه وبين شيء آخر ارتباط أصلاً حتى بين الرب والمربوب، فإن المخلوق يطلب الخالق والخالق يطلب المخلوق، ولذا كان العلم من العالم على صورة المعلوم وخرج المعلوم على صورة العلم وإن لم يكن كذلك فمن أين يقع التعلّق؟ فلا تصح ٤٤٠ في المنازل/ الباب الثالث والتسعون ومائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة . . المنافرة من جميع الوجوه أصلاً، فلا بدّ أن تتداخل المسائل للارتباط الذاتي الذي في الوجود بين الأشياء كلها، فافهم ما أشرت به إليك في هذا الارتباط فإنه ينبىء عن أمر عظيم إن لم تتحققه زلّت بك قدم الغرور في مهواة من التلف، فإنه من هنا تعرف ما معنى قول من قال بحدوث العالم ومن قال بقدم العالم مع الإجماع من الطائفتين بأنه ممكن، وأن كل جزء منه حادث وليس له مرتبة واجب الوجود بنفسه، وإنما هو عند بعضهم واجب الوجود بغيره، إما لذات الموجد عند بعضهم، وإما لسبق العلم بوجوده عند آخرين. ولولا صحة الارتباط الذي أشرنا إليه لما صح أن يكون العالم أصلاً وهو كائن، فالارتباط كائن والمنافرة وعدم المنافرة من وجه آخر، فكل حقيقة إلهية لها حكم في العالم ليس للأخرى وهي نسب، فنسبة العالم إلى حقيقة العلم غير نسبته إلى حقيقة القدرة، فحكم العلم فيه لا مناسبة بينه وبين المقدور، وإنما مناسبته بينه وبين المعلوم، والأمر من كونه معلوماً يغاير كونه مقدوراً، فإذا نظرته على هذا النسق قلت: لا مناسبة بين الله وبين عباده، وإذا نظرت بالعين الأخرى أثبت النسبة فإنها موجودة في الكل فاحكم بحسب ما تراه وما يغلب عليك في الوقت، وإذا تبينت الحقائق لذي عينين فليقل ما حدّ له الشرع أن يقول ولا يقل بعقله، فإن إطلاق الألفاظ منها ما هو محجور علينا مع صحة المعنى، ومنها ما هو مباح لنا مطلقاً مع فساد المعنى، كإطلاق نسبة الظرفية لمن لا يقبل الظرفية، وكنسبة استفادة العلم لمن لا يستفيد علماً، فالإطلاق مشروع والوجه المنافي معقول، كما حجر إطلاق نسبة الولد وأدخله تحت حكم لو، وكما حجر تبديل القول الإلهيّ في قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوَّلُ لَدَىَّ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩] وأدخله تحت لو، ولا يدخل تحت لو إلاَّ الممكن، والعقل يدل على الإحالة في الولد دلالة عقلية، ويدل على الإمكان في هداية الناس أجمعين دلالة عقلية، ويدل على إحالة هداية الناس أجمعين لما سبق في العلم من الاختلاف دلالة عقلية، وتدل لفظة لو على أنه مخيّر في نفسه إن شاء شاء أمراً ما، وإن شاء لم يشأ ذلك الأمر، وهذا ورد به الإخبار الإلهيّ ويحيله العقل، وقد أمرنا الله بالعلم به وجعل الآيات دلائل لأولي الألباب ولكن ما هي دلائل عليه خاصة فلا يخلو الأمر في أمره إيانا بالعلم به هل نسلك في ذلك دلالة الشارع والوقوف عند إخباره تقليداً أو نسلك طريقة النظر فيكون معقولاً؟ أو نأخذ من دلالة العقل ما يثبت به عندنا كونه إلهاً؟ ونأخذ من دلالة الشرع ما نضيفه إلى هذا الإله من الأسماء والأحكام، فنكون مأمورين في العلم به سبحانه شرعاً وعقلاً وهو الصحيح، فإن الشرع لا يثبت إلاَّ بالعقل، ولو لم يكن كذلك لقال كل أحد في الحق ما شاء ممّا تحيله العقول وما لا تحيله، وهم قد فعلوا ذلك مع الإيمان بالشرع، ودخلوا بالتأويل في أمور لا حاجة لهم بها، ولو استغنوا عنها لم يطالبهم العقل بذلك ولا سألهم الشرع عن ترك ذلك، بل يسألهم الشرع عن فعل ذلك وهم فيه على خطر، ولا حجة على ساكت إلاَّ إذا وجب عليه الكلام فيما سكت فيه. وقد اندرج في هذا الكلام جميع ما ذكرناه في القصيدة التي في أوّل الباب، فإنه جميع ما عدد فيها من الأمور تطلب حقائق إلهية تستند إليها وتنافر حقائق إلهية، فممّا يتضمن هذا