Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ في المنازل/ الباب السبعون ومائتان في معرفة منزل القطب والإمامين اتصف به، وجرت السنّة الإلهية في القطب إذا ولي المقام أن يقوم في مجلس من مجالس القربة والتمكين وينصب له فيه تخت عظيم لو نظر إلى بهائه الخلق لطاشت عقولهم فيقعد عليه ويقف بين يديه الإمامان اللذان قد جعلهما الله له ويمدّ يده للمبايعة الإلهية والاستخلاف وتؤمر الأرواح الملكية والجن والبشر الروحاني بمبايعته واحداً بعد واحد، فإنه جلّ جناب الحق أن يكون مصدر الكل وارد وأن يرد عليه إلاَّ واحد بعد واحد، فكل روح يبايعه في ذلك المقام يسأله أعني يسأل الروح القطب عن مسألة من المسائل فيجيبه أمام الحاضرين ليعرفوا منزلته من العلم فيعرفون في ذلك الوقت أي اسم إلهيّ يختصّ به، وقد أفردنا لهذه المبايعة كتاباً كبيراً سميناه مبايعة القطب في حضرة القرب، وذكرنا فيه معاني مسائل كثيرة ممّا سئل عنها فأجاب، ولا تبايعه إلاَّ الأرواح المطهرة المقربة، ولا يسأله من الأرواح المبايعة من الملائكة والجن والبشر إلاَّ أرواح الأقطاب الذين درجوا خاصة، فذكرنا في ذلك الكتاب سؤالاتهم وجوابه عليها موفى، وهكذا هي حالة كل قطب يبايع في زمانه. فلنذكر في هذا الباب من بعض أحواله العامّة لكل قطب دون الأحوال الخاصة به ليعلم الواقف على كتابي هذا صاحب الذوق المشاهد إياه أنا ما عدلنا في كتابنا هذا عن الطريقة التي لا يجهلها كل عارف من أهل هذا الشأن، فلو ذكرنا الحال الخاص به ربما كان يقول: هذه دعوى، فلنبدأ أوّلاً بحال الإمام الأقصى ثم الإمام الأدنى، ثم القطب. فأمّا الإمام الأقصى وهو عبد ربه فإن حاله البكاء شفقة على العالم لما يراهم عليه من المخالفات وينظر إلى توجه الأسماء الإلهية التي تقتضي العقاب والأخذ، ولا يتجلى له من الأسماء الإلهيّة ما تقتضيه المخالفات من العفو والتجاوز فلهذا يكثر بكاؤه، فلا يزال داعياً لعباد الله رحيماً بهم سائلاً الله سبحانه أن يسلك بهم طريق الموافقات، ولقد عاينت في بعض سياحاتي هذا الإمام فما رأيت ممّن رأيت من الصالحين أشدّ خوفاً منه على عباد الله ولا أعظم رحمة فقلت له: لم لا تأخذك الغيرة لله؟ فقال: إني لا أريد أن يغار لله من أجلي ولكن أريد أن يسأل الله من أجلي ليرحمني ويتجاوز فلا أحب لعباد الله إلاَّ ما أحبه لنفسي، ولا ينبغي للصادق مع الله أن يتصوّر في صورة حال لا يعطيه مقامه، ولهذا الإمام قوّة سلطان على الشياطين الملازمين أهل الخير والصلاح ليصرفوهم عن طريقهم فإذا وقع نظر الشيطان على هذا الإمام وهو عند بعض الصالحين يحتال كيف يصرفه عن طريقته يذوب كما يذوب الرصاص في النار فيناديه الإمام باسمه عسى يسلم فيدبر هارباً، فلا يزال ذلك الصالح محفوظاً من إلقاء هذا الصنف من الشياطين إليه ما يخرجه عن صلاحه ما دام هذا الإمام حاضراً ناظراً إليه وإن كان ذلك الصالح لا يعرفه ولا يعرف ما جرى، وقد عاينا هذه الطائفة فيدفع الله عن عباده بهذا الإمام الشرور التي تختص بالصالحين من عباده خاصة عناية منه بهم. ومن خاصية هذا الإمام التصديق بكل خبر مخبر به عن الله سواء كان ذلك المخبر صادقاً في أخباره أو مفترياً، فإن هذا الإمام يصدقه لكونه ناظراً إلى الاسم الإلهيّ الذي يتولى هذا المخبر في أخباره، فإن كان صادقاً فأخباره عن كشف محقق فيستوي هو والإمام في ٣٠٢ في المنازل / الباب السبعون ومائتان في معرفة منزل القطب والإمامين ذلك، وإن لم يكن له كشف وأخبر عمّا وقع عنده وهو لا يدري من أوقعه ويقصد الكذب فإن هذا الإمام يصدقه في أخباره، والمخبر معاقب من الله محروم بقصده الكذب وهو في نفس الأمر ليس كذلك، فوبال قصده عاد عليه فعذب أن آخذه الله بذلك. ومن أحوال هذا الإمام أن يسأل دائماً الانتقال إلى مقام المشاهدة من الأحوال ومقام الصلاح من المقامات وله اطلاع دائم إلى الجنان، وإنما خصّه الله بهذا الإطلاع إبقاء عليه فيقابل ما هو عليه من البكاء والحزن المؤدّي إلى القنوط بما يراه ويطلعه الله عليه من سرور الجنان ونعيم أهله فيه ويعاين اشتياق أهله إليه وانتظارهم لقدومه، فيكون ذلك سبباً لاعتداله، ومقام هذا الإمام الإحسان الأوّل وهو قول جبريل عليه السلام لرسول الله عليه الصلاة والسلام: ما الإحسان؟ وجوابه اَليل : ((الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، والذي بعده ليس لهذا الإمام، وبید ھذا الإمام مصالح العالم وما ينتفعون به وهو يربي الأفراد ويغذيهم بالمعارف الإلهية، ويقسم المعارف على أهلها بميزان محقق على قدر ما يرى فيه صلاح ذلك العارف لتحيا بتلك المعرفة نفسه، وله السيادة على الثقلين والحكم والتصرّف فيهما بما تعطيه المصلحة لهم، ومن خصائص هذا الإمام الإقامة على كل ما يحصل له من الأحوال والمقامات وليس ذلك لكل أحد فما يتصف بحال فينتقل عنه ولا بمقام، وغير هذا الإمام إذا انتقل إلى مقام أو حال حكم عليه سلطان ذلك المقام والحال وغيبه عما انتقل عنه وهذا الإمام ليس كذلك، فإن المقام الذي انتقل عنه محفوظ عليه لا يغيب عنه قوّة إلهية خصّه الله بها ولروحه من الأجنحة مائتا جناح وأربعة أجنحة أي جناح نشر منها طار به حيث شاء، وله قدم في المرتبة الثالثة والأولى، ويدعى في بعض الأحايين بالبر الرحيم، وكانت بدايته من المرتبة الثالثة ونهايته إلى المرتبة الأولى، فكان طريقته من غايته إلى بدايته بخلاف السلوك المعروف، فرجع القهقرى بقطع المقامات والدرجات والمنازل، فمن نهايته إلى بدايته تسعة عشر منزلاً فيها منزل البداية والنهاية، فتمّ منزل درجاته مائة اثنتان وعشرة وتسعون وعشرون وثلاثة وأربعة وثلاثون وخمسة وأربعون وستة وخمسون وسبعة وستون وثمانية وسبعون وثمانون وتسعة ومائتان. ولما كانت المراتب أربعاً لا زائد عليها وكل مرتبة تقتضي أموراً لا نهاية لها من علوم وأسرار وأحوال، فالمرتبة الأولى إيمان، والثانية ولاية، والثالثة نبوّة، والرابعة رسالة، والرسالة والنبوّة وإن انقطعت في هذه الأمة بحكم التشريع فما انقطع الميراث منهما، فمنهم من يرث نبوّة، ومنهم من يرث رسالة ونبوّة معاً. وإذ قد ذكرنا ما لهذا الإمام الأقصى فلنذكر ما للإمام الأدنى وهو عبد الملك فنقول والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: إن لهذا الإمام من جهة روحانيته من الأجنحة تسعين جناحاً أي جناح نشر منها طار به حيث شاء، وكانت بدايته ونهايته في المرتبة الثانية ليس له قدم في باقي المراتب الثلاثة، فلم يكن له منازل ولا درجات ولا مقامات يقطعها، ولهذا الإمام الشدّة والقهر وله التصرّف بجميع الأسماء الإلهيّة التي تستدعي الكون مثل: الخالق والرازق والملك والبارىء على بعض وجوهه وغير ذلك، وليس له تصرّف بأسماء التنزيه ٣٠٣ في المنازل/ الباب السبعون ومائتان في معرفة منزل القطب والإمامين بخلاف الإمام الذي تقدم ذكره، ويلجأ إليه في الشدائد والنوازل الكبار فيفرجها الله على يده فإن الله قد جعل له عليها سلطاناً وله الكرم وليس له الإيثار لنزاهته عن الحاجة إلى ما يقع به الإيثار، وله الإنعام على الخلق من حيث لا يشعرون، ولقد أنعم علي هذا ببشارة بشرني بها وكنت لا أعرفها في حالي وكانت حالي فأوقفني عليها ونهاني عن الإنتماء إلى من لقيت من الشيوخ وقال لي: لا تنتم إلاّالله فليس لأحد ممّن لقيته عليك يد ممّا أنت فيه بل الله تولاك بعنايته، فاذكر فضل من لقيت إن شئت ولا تنتسب إليهم وانتسب إلى ربك، وكان حال هذا الإمام مثل حالي سواء لم يكن لأحد ممّن لقيه عليه يد في طريق الله إلاّ لله، هكذا نقل لي الثقة عندي عنه، وأخبرني الإمام بذلك عن نفسه عند اجتماعي به في مشهد برزخي اجتمعت به فيه الله الحمد والمنة على ذلك، وولاة أمور الخلق راجعون إلى هذا الإمام فيولي ويعزل ويدفع الله به الشرور، وله سلطان قوي على الأرواح النارية من الشياطين المبعودين من رحمة الله، ويجتمع مع الإمام الأوّل الأقصى في درجة واحدة من خمس درجات وينفرد عنه الإمام الأقصى بأربع درجات، وقد ذكرنا من أحواله في جزء لنا في معرفة القطب والإمامين ما فيه كفاية، فلنقتصر على ما قد ذكرناه رغبة في الاختصار. وإذ قد ذكرنا من أحوال الإمامين هذا القدر فلنذكر أيضاً من حديث القطب ما تقع به الكفاية في هذه العجالة إن شاء الله، فأما القطب وهو عبد الله وهو عبد الجامع فهو المنعوت بجميع الأسماء تخلقاً وتحققاً، وهو مرآة الحق، ومجلى النعوت المقدسة، ومجلى المظاهر الإلهية، وصاحب الوقت وعين الزمان وسرّ القدر، وله علم دهر الدهور الغالب عليه الخفاء محفوظ في خزائن الغيرة ملتحق بأردية الصون، لا تعتريه شبهة ولا يخطر له خاطر يناقض مقامه، كثير النكاح راغب فيه محب للنساء، يوفي الطبيعة حقها على الحدّ المشروع له، ويوفي الروحانية حقّها على الحدّ الإلهيّ، يضع الموازين ويتصرّف على المقدار المعين، الوقت له ما هو للوقت، هو الله لا لغيره، حاله العبودية والافتقار، يقبح القبيح، ويحسن الحسن، يحب الجمال المقيد في الزينة والأشخاص، تأتيه الأرواح في أحسن الصور، يذوب عشقاً، يغار لله ويغضب الله، لا تتقيد له المظاهر الإلهية بالتدبير بل له الإطلاق فيها، فتظهر له في تدبير المدبر روحانيته من البشر المحسوس من خلف حجاب الشهادة والغيب، لا يرى من الأشياء إلاَّ وجه الحق، فيها يضع الأسباب ويقيمها ويدل عليها ويجري بحكمها، ينزل إليها حتى تحكم عليه وتؤثر فيه، لا يكون فيه ربانية بوجه من الوجوه، مصاحب لهذا الحال دائماً، إن كان صاحب دنيا وثروة تصرّف فيها تصرّف عبد في مال سيد كريم وإن لم يكن له دنيا وكان على ما يفتح له لم تستشرف له نفس بل يقصد بنفسه عند الحاجة إلى بعض ما تحتاج إليه طبيعته بيت صديق ممّن يعرفه يعرض عليه ما تحتاج إليه طبيعته كالشفيع لها عنده فيتناول لها منه قدر ما تحتاج إليه وينصرف، لا يجلس عن حاجته إلا من ضرورة، فإذا لم يجد لجأ إلى الله في حاجة طبيعته لأنه مسؤول عنها لكونه والياً عليها، ثم ينتظر الإجابة من الله فيما سأله، فإن شاء أعطاه ما سأل عاجلاً أو آجلاً، فمرتبته الإلحاح في السؤال والشفاعة في حق طبيعته ٣٠٤ في المنازل/ الباب السبعون ومائتان في معرفة منزل القطب والإمامين بخلاف أصحاب الأحوال فإن الأشياء تتكوّن عن همتهم وطرحهم الأسباب عن نفوسهم، فهم ربانيون، والقطب منزه عن الحال ثابت في العلم مشهود فيه فيتصرّف به، فإن أطلعه الحق على ما يكون أخبر بذلك على جهة الافتقار والمنة لله لا على جهة الافتخار، لا تطوى له أرض، ولا يمشي في هواء ولا على ماء، ولا يأكل من غير سبب، ولا يطرأ عليه شيء ممّا ذكرناه من خرق العوائد، وما تعطيه الأحوال إلاَّ نادراً لأمر يراه الحق فيفعله، لا يكون ذلك مطلوباً للقطب، يجوع اضطراراً لا اختياراً ويصبر عن النكاح، كذلك لعدم الطول يعلم من تجلي النكاح ما يحرّضه على طلبه والتعشّق به، فإنه لا يتحقق له ولا لغيره من العارفين عبوديته أكثر ممّا يتحقق له في النكاح لا في أكل ولا في شرب ولا في لباس لدفع مضرة، ولا يرغب في النكاح للنسل بل لمجرد الشهوة، وإحضار التناسل في نفسه لأمر مشروع، والتناسل في ذلك للأمر الطبيعي لحفظ بقاء النوع في هذه الدار، فإن نكاح صاحب هذا المقام كنكاح أهل الجنة لمجرّد الشهوة، إذ هو التجلي الأعظم الذي خفي عن الثقلين إلاَّ من اختصه الله به من عباده، وعلى هذا يجري نكاح البهائم لمجرّد الشهوة، لكن غاب عن هذه الحقيقة كثير من العارفين فإنه من الأسرار التي لا يقف عليها إلاَّ القليل من أهل العناية، ولو لم يكن فيه من الشرف التام الدال على ما تستحقه العبودية من الضعف إلاَّ ما يجد فيه من قهر اللذة المفنية له عن قوّته ودعواه، فهو قهر لذيذ إذ القهر مناف للالتذاذ به في حق المقهور، لأن اللذة في القهر من خصائص القاهر لا من خصائص المقهور إلاَّ في هذا الفعل خاصة، وقد غاب الناس عن هذا الشرف وجعلوه شهوة حيوانية نزهوا نفوسهم عنها مع كونهم سمّوها بأشرف الأسماء وهو قولهم حيوانية أي هي من خصائص الحيوان، وأي شرف أعظم من الحياة، فما اعتقدوه قبحاً في حقهم هو عين المدح عند العارف المكمل هذا مضى بسبيله. وأما حب القطب الجمال المقيد المندرج في الجمال المطلق فذلك لقربه في المناسبة إلى الجمال، فلا يحتاج فيه إلى غور بعيد وقوّة يشق بها حجاب قبح الطبع إلى إدراك الجمال الإلهيّ المودع في ذلك القبح، فالجمال المقيد يعطيه بأوّل وهلة مقصوده حتى يتفرّغ إلى أمر آخر آكد عليه من مقاومة القبح الطبيعيّ لإدراك الجمال المطلق، إذ الأنفاس عزيزة في دار التكليف، ويريد أن لا يكون له نفس إلا وقد تلقاه بأحسن أدب وصرفه بأحسن خلعة وزينة، وقد غاب عن هذا القدر من المعرفة جماعة من العارفين وأنفت نفوسهم من ذلك لمشاركة أهل الأغراض من العامة فيه، وما علموا أن هذا الرجل له مشاهدة الجمال المطلق في الجمال المقيد وفي غيره بخلاف العامة. واعلم أن القطب هو الرجل الكامل الذي قد حصل الأربعة الدنانير الذي كل دينار منها خمسة وعشرون قيراطاً وبها توزن الرجال، فمنهم ربع رجل ونصف وثمن وسدس ونصف سدس وثلاثة أرباع ورجل كامل، فالدينار الواحد للمؤمن الكامل، والدينار الثاني للوليّ الخاص، والدينار الثالث للنبوّتين، والدينار الرابع للرسالتين أعني الأصلية بحكم الأبوة والوراثة بحكم البنوة، فمن حصل الثاني كان له الأوّل، ومن حصل الثالث كان له الثاني ٣٠٥ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون ومائتان في معرفة منزل ((عند الصباح يحمد القوم السرى)) والأوّل، ومن حصل الرابع حصل الكل، والقطب من الرجال الكمل، وإنما قلنا من الرجال الكمل من أجل الأفراد فإنهم مكملون، ومن أحوال القطب تقرير العادات والجري عليها ولا يظهر عليه خرق عادة دائماً كما يظهر على صاحب الحال، ولا يكون خرق العادة مقصوداً له بل تظهر منه ولا تظهر عنه، إذ لا اختيار له في ذلك كما قال العارف أبو السعود بن الشبل في الرجل يتكلم على الخاطر وما هو مع الخاطر فيكون في حقه بحكم الاتفاق الوجودي وفي حق الله بحكم الإرادة والقصد، فقد بيّنا بحمد الله الضروري الخاص من أحوال القطب وبيّنا رتبته لمن جهلها، وأن الرجولية ليست فيما يتخيله الجهال من عامّة الطريق بطريق الله، فينحجبون بالحال عمّا يقتضيه العلم والمقام فيقولون: كل علم لا يكون بالحال فليس بشيء، فقل له: لا تقل ذلك يا أخي فإنه خلاف الأمر وإنما الصحيح أن تقول: كل علم لا يكون عن ذوق فليس بعلم أهل الله، فأراك لا تفرق بين الحال والذوق، وما ثم علم قط إلاَّ عن ذوق لا يكون غير هذا، والمتمكن في العبودة لا حال له البتة يخرجه عن عبودته، فلو لم يكن في الأحوال من النقص إلاّ أنها تخرج العبد عن مقامه إلى ما لا يستحقه ولا هو حق له حتى أنه لو مات في حال الحال لمات صاحب نقص وحشر صاحب نقص، فليست الأحوال من مطالب الرجال لكن الأذواق مطالبهم وهي لهم لما يحصل لهم فيها من العلوم بمنزلة الأدلة لأصحاب النظر فيها، فالله يجعلنا ممّن فهم ففهم عن الله مراده، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وفي هذا الباب من العلوم علم ما يستند إليه من الحضرة الإلهية، وعلم نسبة بني آدم إلى الله من أسماء مخصوصة، وعلم ما يتقى ويحذر من العالم الروحاني، وعلم رجعة العالم الروحاني من أين وإلى أين، وعلم الصدور البشري. الباب الأحد والسبعون ومائتان في معرفة منزل ((عند الصباح يحمد القوم السری» من المناجاة المحمدية وهو أيضاً من منازل الأمر [نظم: الرجز] عندَ الصباحِ يَحمَدُ القوم السُّرَى ما لَفْظةٌ يقولها كلُّ الورى كلَّ الأنام في الإمام والوَرَأ ماذا تَرَى في قَوْلهم يا مَنْ يَرَى على الإلهِ عالماً بما جَرَى قد خابَ في أنبائه مَنِ افْتَرَى اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أن هذا المنزل منزل علم السرى وأهله، ويتضمن معرفة عالم الخلق والظلال، ومنه يعرف كسوف القمر أهل الكشف وأنه من الخشوع الطارىء عن القمر من التجلي، ويتعلق بهذا المنزل علم هاروت وماروت من علم السحر وعلم طلوع الأنوار. اعلم وفقك الله للقبول أن الأنوار على قسمين: أنوار أصلية وأنوار متولدة عن ظلمة الكون كنور قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٧] الفتوحات المكية ج٤ - م٢٠ ٣٠٦ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون ومائتان في معرفة منزل ((عند الصباح يحمد القوم السرى» وكقوله عزّ وجلّ: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٦] ينظر إلى ذلك: ﴿إِلَيْهَا﴾ [سورة الروم: الآية ٢١] ليكون له على النور ولادة، والنور المتكلم عليه في هذا المنزل هو النور المولد الزماني، وهذا المنزل مخصوص بالإمام الواحد من الإمامين اللذين للقطب وهو المسمّى بعبد ربه، وتارة يكون هذا النور ذكراً وتارة يكون أنثى، فإذا غشي الليل النهار فالمتولد منه هو النور المطلوب، وهذا النور المولد الذي شرعنا فيه هو نور العصمة للنبي والحفظ للولي وهو يعطي الحياء والكشف التام فإنه يكشف ويكشف به، والنور الأصلي يكشف ولا يكشف به لأنه يغلب على نور الأبصار فتزول الفائدة التي جاء لها النور، ولهذا تلجأ نفوس العارفين بالأنوار ومراتبها إلى هذا النور المولد من الظلمة للمناسبة التي بيننا وبينه من خلق أرواحنا، فإن الأرواح الجزئية متولدة عن الروح الكلي المضاف إلى الحق والأجسام الطبيعية الظلمانية بعد تسويتها وحصول استعدادها للقبول، فيظهر بينهما في الجسم الروح الجزئي الذي هو روح الإنسان ينفلق عنه الجسم كانفلاق الصباح من فالق الإصباح في الليل، فتقع المناسبة بين هذا النور وبين روح الإنسان فلذلك يأنس به ويستفيد منه، وهكذا أجرى الله العادة ولم يعط من القوّة أكثر من هذا ولو شاء لفعل، وهكذا جرت المظاهر الإلهية المعبر عنها بالتجليات، فإن النور الأصلي مبطون فيها غيب لنا، والصور التي يقع فيها التجلي محل لظهور المظهر فتقع الرؤية منا على المظاهر، ولهذا هي المظاهر مقيدة بالصور ليكون الإدراك منا بمناسبة صحيحة، فإن المقصود من ذلك حصول الفائدة به وبما يكون منه، وهذا منزل عال كبير القدر العالم به متميز على أبناء جنسه وهو سار في الأشياء، فكما أنه سبحانه ذكر أنه فالق الإصباح كذلك هو فالق الحب والنوى بما يظهر منهما، فما وقعت الفوائد إلاَّ بمثل هذا النور، وكانت الأنبياء عليهم السلام تتخذه وقاية تتقي به حوادث الأكوان التي هي ظلم الأغيار. وكما تبين لك قدر هذا النور المولد ومنزلته فلنبين ما يتخذ له وقاية، وذلك أن الوقاية لا تكون إلاَّ من أجل الأمور التي يكرهها الإنسان طبعاً وشرعاً، وهي أمور مخصوصة بعالم الخلق والتركيب الطبيعي لا بعالم الأمر، وقد بينا في هذا الكتاب وغيره ما نريده بعالم الأمر وعالم الخلق والكل لله تعالى، قال عزّ وجلّ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٤] فخصّه بالاسم الرب دون غيره. ولما كان عالم الخلق والتركيب يقتضي الشر لذاته لهذا قال عالم الأمر الذي هو الخير الذي لا شرّ فيه حين رأى خلق الإنسان وتركيبه من الطبائع المتنافرة والتنافر هو عين التنازع والنزاع أمر مؤد إلى الفساد ﴿قَالُواْ أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] من غير تعرّض لمواقع الأحكام المشروعة، وكذلك وقع مثل ما قالوه ورأوا الحق سبحانه يقول: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٤] وقال: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠٥] فكرهوا ما كره الله، وأحبوا ما أحب الله، وجرى حكم الله في الخلق بما قدره العزيز العليم، فما ظهر من عالم التركيب من الشرور فمن طبيعته التي ذكرتها الملائكة، وما ظهر منه من خير فمن روحه الإلهيّ الذي هو ٣٠٧ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون ومائتان في معرفة منزل ((عند الصباح بحمد القوم السرى)) النور المولد فصدقت الملائكة ولذلك قال: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٩] وإذا كان عالم الخلق بهذه المثابة فواجب على كل عاقل أن يعتصم بهذا النور المذكور في هذا المنزل، فالشرور كلها مضافة إلى عالم الخلق، والخير كله مضاف إلى عالم الأمر. واعلم أن الطبيعة لما تألفت واجتمعت لظهور عالم الخلق بعد أن كانت متنافرة ليظهر بذلك شرف هذا النور بما يكون فيه من الخير مع تولده من هذا التركيب لقوته وغلبة عالم الأمر على نشأته دخلت في الوجود الحسيّ فسميت جسماً وحيواناً ونباتاً وجماداً، وما من شيء من هذا كله إلاَّ والفساد والتغيير موجود فيه في كل حال، ولولا هذا النور الاعتصامي لهلك عالم الخلق جملة واحدة، فأمر الله سبحانه أن يلجأ إليه بالدعاء في دفع هذه المكاره كلها، فيؤيد الله هذا الروح بما يعطيه من هذا النور من الاسم الرب ليدفع به ما تقع له به المضرة من جانب ظلمة الطبع. واعلم أن مسمّى الشر على الحقيقة ومسمّى الخير إنما هو راجع إما لوضع إلهيّ جاءت به ألسن الشرائع، وإما لملائمة مزاج فيكون خيراً في حقه، أو منافرة مزاج فيكون شراً في حقه، وإما لكمال مقرّر اقتضاه الدليل فيكون خيراً، أو نقص عن تلك الدرجة فيكون شراً، وإما لحصول غرض فيكون خيراً في نظره، أو عدم حصوله فيكون شراً في نظره، فإذا رفع الناظر نظره عن هذه الأشياء كلها لم تبق إلاَّ أعيان موجودات لا تتصف بالخير ولا بالشر، هذا هو المرجوع إليه عند الإنصاف والتحقيق، ولكن ما فعل الله سبحانه إلاّ ما قد حصل في الوجود من كمال ونقص وملائمة ومنافرة وشرائع موضوعة بتحسين وتقبيح، وأغراض موجودة في نفوس تنال وقتاً ولا تنال وقتاً، وما خلا الوجود من هذه المراتب، وكلام المتكلم إنما هو بما حصل في الوجود لا بالنظر الآخر المنسوب إلى جانب الحق، ثم أصل هذا الأمر كله إنما هو من جانب وجود واجب الوجود لذاته وهو الخير المحض الذي لا شر فيه، ومن جانب العدم المطلق الذي في مقابلة الوجود المطلق، وهذا العدم هو الشر المحض الذي لا خير فيه، فما ظهر من شر في العالم فهذا أصله لأنه عدم الكمال أو عدم الملايمة أو عدم حصول الغرض فهي نسب، وما ظهر من خير فالوجود المطلق فاعله ولذلك قال: ﴿قُلْ كُلِّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] وما هو موصوف بأنه عندك فليس هو عينك، والإعدام والإيجاد بين إرادته سبحانه وقدرته ولهذا قلنا: إن الخير فعل الحق، ولم نقل في الشر فعلاً وإنما قلنا إن ذلك العدم المطلق أصله، فحررنا العبارة عنه ليعرف العاقل الناظر في كتابي هذا ما أردناه. وإذ قد تبين هذا الأصل النافع في هذا الباب فلنقل: وممّا يلجأ إليه في دفع ما يكره من الأفعال ما تتلوه الشياطين على ملك سليمان من علم السحر الذي مزجوه بما أنزل على الملكين هاروت وماروت من علم الحق فعلم الحق من ذلك هو العلم بالأمور التي تسمّى معجزات، فإن الحق معجز وهو النور الذي يستند إليه، وعلم الباطل من ذلك علم الخيال الذي قال فيه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِخِرِهِمْ أََّ تَتْعَى﴾ [سورة طه: الآية ٦٦] ولهذا سمّي السحر سحراً مأخوذ من السحر وهو اختلاط الضوء والظلمة، فالسحر له وجه إلى الظلمة وليس ظلاماً ٣٠٨ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون ومائتان في معرفة منزل ((عند الصباح يحمد القوم السرى)) خالصاً، وله وجه إلى الضوء وليس ضوءاً خالصاً، كذلك السحر له وجه إلى الحق وهو ما ظهر إلى بصر الناظر فإنه حق، وله وجه إلى الباطل لأنه ليس الأمر في نفسه على ما أدركه البصر فلهذا سمته العرب سحراً وسمّي العامل به ساحراً لا العالم به، ولهذا سمّي كيداً من كاد يكيد أي كاد يقارب الحق، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [سورة الطارق: الآية ١٥] أي يقاربون الحق فيما يظهر لكم، وكاد من أفعال المقاربة، تقول العرب: كاد العروس يكون أميراً أي قارب أن يكون أميراً، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍ﴾ [سورة طه: الآية ٦٩] أى فعلوا ما يقارب الحق في الصورة الظاهرة للبصر، فإذا لم يكن حقاً ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُّ فَأَنَ تُصْرَفُونَ﴾ [سورة يونس: الآية ٣٢] أي كيف تصرفون عن معرفة هذه الحقائق؟ وممّا يتعلق بهذا العلم من الشر مقلوب الحمد ولهذا قال: ﴿فَلَا تَكْفُرّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٢] فإنّ مقلوب الحمد كفر وهو الذمّ، إذ الحمد هو الثناء على المحمود بما هو عليه من الخلال، وبما يكون منه ممّا تعطيه مكارم الأخلاق والذم في مقابلة ما ذكرناه، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ أي من المعلمين ﴿مَا يُفَرِقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه٤ِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٢] والله قد كره ذلك وقد ذمّه وندب إلى الألفة وانتظام الشمل. ولما علم سبحانه أن الافتراق لا بدّ منه لكل مجموع مؤلف لحقيقة خفيت عن أكثر الناس شرع الطلاق رحمة بعباده ليكونوا مأجورين في أفعالهم محمودين غير مذمومين إرغاماً للشياطين، ومع هذا فقد ورد في الخبر النبوي أنه بَّ قال: «مَا خَلَقَ اللَّهُ حَلاَلاً أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاَقِ)) لأنه رجوع إلى العدم إذ كان بائتلاف الطبائع ظهر وجود التركيب وبعدم الإئتلاف كان العدم، فكانت الأسماء الإلهية معطلة التأثير، فمن أجل هذه الرائحة كره الفرقة بين الزوجين، فعدم عين الاجتماع أي هذه الحالة ارتفعت بافتراق هذين الزوجين وإن بقيت أعيانهما، وإن كان الاجتماع والافتراق والحركة والسكون الحاصل من ذلك راجع إلى نسب معقولة لا أعيان موجودة كما يراه بعضهم، وبهذا النور الخاص بهذا المنزل يندفع جميع ما ذكرناه من الشرور، وما لم نذكره ممّا ينطلق عليه اسم شر بالإضافة إلى ما قرّرناه من الكمال والملائمة وغير ذلك، وهذا القدر من السحر الذي يعطي التفرقة هو الذي يدفعه سبب وجود هذا النور في هذا المنزل خاصة وعند الخروج من هذه السدف والظلم بالإدلاج فيها حتى يطلع لك الصباح وتشرق الأنوار وذلك عالم الآخرة حيث كان حينئذ تحمد مسعاك، وما فاتك بذلك السهر في سيرك من لذة النوم والاضطجاع والسكون، فوضعوا لذلك لفظاً مطابقاً وهو قولهم: عند الصباح يحمد القوم السرى، والصباح عبارة عن هذا النور، ومن حصل له هذا النور كان الناس فيه بين غابط وحاسد، فالغابط من طلب من الله أن يكون له مثل ما حصل لهذا من هذه الحال من غير أن يسلب ذلك عن صاحبه، والحاسد من يطلب زوال هذا الأمر من صاحبه ولا يتعرّض في طلبه لنيله جملة واحدة، فإن طلب مع طلب إزالته من ذلك نيله فيه يقع الاشتراك بين الغابط والحاسد، وما يقع به الاشتراك غير ما يقع به الامتياز، فطلب نيل ذلك محمود وهو الغبط، وطلب إزالته مذموم وهو الحسد، فلذلك فصلنا فيه هذا التفصيل، وإن كان ٣٠٩ في المنازل/ الباب الأحد والسبعون ومائتان في معرفة منزل ((عند الصباح يحمد القوم السرى)) الشرع قد أطلق لفظ الحسد في موضع الغبط فقال ◌َّير: ((لاَ حَسَدَ إلاَّ فِي اثْنَيْنِ: رَجُلْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاَ فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقْ فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ وَيُفَرَّقُهُ يَمِيناً وَشِمَالاً)) وفي هذا سرّ وتنبيه على فضل الكرم والعطاء لغير عوض، فإنه من أعطى لعوض فهو شراء ليس بكرم إذ الكريم من لا يطلب المعاوضة فلذا قال: ((يميناً وشمالاً)) ولو عنى بالشمال الإنفاق في معصية من زنا أو غيره فليس بكرم لأنه يحصل به عوضاً هو أحب إليه من المال، فإن قيل: إن العوض له لازم فإن الثناء بالكرم لازم لذي الكرم. قلنا: هذا لا يقع إلاَّ من الجاهل لأن الثناء الحسن من لوازم الكرم سواء طلبه أو لم يطلبه، فاشتغاله بطلب الحاصل جهل فإن الحاصل لا يبتغى واللازم للشيء لا بدّ له منه وإلاّ فليس بلازم، فإن فعل ذلك التحق بأصحاب الأعواض ولم يتصف عند ذلك بالكرم ولا لبسه. والرجل الآخر: ((رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَهُوَ يَبُثُّهُ فِي النَّاسِ)) أي يفرقه فيهم الحديث كما قاله عليه السلام، فإنا أوردناه من جهة المعنى وبعض ألفاظه ◌َّ فسمّاه حسداً، وقد يسمّى الشيء باسم الشيء بما يقاربه أو يكون منه بسبب. وبعد أن فصلنا ما أردنا ارتفع الإشكال فيما قصدناه، ونحن إنما أردنا ما أراد الله تعالى بقوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [سورة الفلق: الآية ٥] وليس الشرّ في طلب نيل مثله وإنما الشرّ في طلب زواله ممّن هو عنده. ولما قلنا إنّ عبد الرب له خمس درجات وأنه يزيد على عبد الملك بأربع درجات كان هذا المنزل على خمس درجات والدرجة السادسة التي لهذا المنزل فيها خلاف بين أهل هذا الشأن، فمنهم من جعلها درجة مستقلة بنفسها لكنها فاصلة بين مقامين من المقامات الإلهية وليس هو مذهبنا، ومنهم من جعلها درجة سادسة في عين هذا المقام وهو مذهبنا، وهذه الدرجة تتضمن منزلاً واحداً من منازل الغيب بالإجماع من أهل هذا الشأن، وقيل: ثلاث منازل بخلاف بينهم. فأمّا ابن برجان فانفرد دون الجماعة بإظهار المنزل الثاني في هذه الدرجة من منازل الغيب ولم أعلم ذلك لغيره وله وجه في ذلك ولكن فيه بُعد عظيم، وإن كنا نحن قد ذهبنا إلى هذا المذهب في بعض كتبنا ولكن ليس في وجوده تلك القوّة وإنما يظهر عند صنعة التحليل، والكلام على المفردات من علم هذا الطريق وهو ممّا يتعلق بمعرفة الهوية، ولهذه الدرجة تسعة عشر منزلاً من منازل الشهادة كل منزل من هذه المنازل يمنع ملكاً من التسعة عشر الذين على النار فلا يصيب صاحب هذه الدرجة من النار شيء قال تعالى: ﴿عَلَّهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [سورة المدثر: الآية ٣٠] فلوجود هذه المنازل في هذه الدرجة جعلت ملائكة النار تسعة عشر، ولا نعكس فنقول: من أجل هؤلاء الملائكة جعلت هذه المنازل تسعة عشر فإن الأمر لم يكن كذلك، ولم تكن هذه المنازل بحكم الجعل بخلاف الملائكة فإن هذه الدرجة اقتضت هذه المنازل لذاتها. وقال في الملائكة: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ﴾ [سورة المدثر: الآية ٣١] فكانوا بحكم الجعل، وكانوا في عالم الشهادة، لأن النار محسوسة مشهودة، وتتضمن هذه الدرجة السادسة من العلوم علم الأسماء الإلهيّة المتعلقة بالكون، ولها صورة في العموم من حيث الإيجاد وفي الخصوص من حيث السعادة. واعلم أنه ما من منزل من هذه المنازل التي في هذا الكتاب إلاَّ وله هذه الدرجة، وتختلف آثارها باختلاف المنازل ٣١٠ في المنازل / الباب الأحد والسبعون ومائتان في معرفة منزل ((عند الصباح يحمد القوم السرى) إلاَّ منزلاً واحداً من منازل القهر وسيأتي ذكره إن شاء الله، وكنا قد ذكرنا في كتاب هياكل الأنوار هذا المنزل وما يختص به وما يعطيه هيكله فلينظر هناك وهو الهيكل الثاني عشر ومائة، وهذه العجالة تضيق عن أسرارها في كل منزل من هذه المنازل المودعة فيه أعني في هذا الكتاب، وكذلك المنازلات . والفرق بين المنزل والمنازلات ما نبينه لك، وذلك أن المنزل عبارة عن المقام الذي ينزل الحق فيه إليك، أو تنزل أنت فيه عليه، ولتعلم الفرق بين إليك وعليه. والمنازلة أن يريد هو النزول إليك ويجعل في قلبك طلب النزول عليه فتتحرك الهمة حركة روحانية لطيفة للنزول عليه فيقع الاجتماع به بين نزولين: نزول منك عليه قبل أن تبلغ المنزل، ونزول منه إليك أي توجه اسم إلهيّ قبل أن يبلغ المنزل، فوقوع هذا الاجتماع في غير المنزلين يسمّى منازلة، وهنا يكون لصاحب هذه الحالة أحد ثلاثة أمور: إما تحصل الفائدة عند اللقاء المطلوبة لذلك الاسم من هذا العبد ولهذا العبد من ذلك الاسم فينفصل عنه الاسم إلى مسمّاه ويرجع العبد إلى مقامه الذي منه خرج. وإما أن يحكم عليه الاسم الإلهيّ بالرجوع إلى ما منه خرج ويكون ذلك الاسم الإلهيّ معه إلى أن يوصله إلى ما منه خرج. وإما أن يأخذه الاسم الإلهيّ معه ويعرج به إلى مسمّاه، وأيّ الأمرين حصل من هذا الذي ذكرنا فيسمّى عندنا هذا المنزل الذي رجعا إليه بهذه الصفة الخاصة منزل المنازلات لأنه يعطي من الأحكام خلاف ما يعطيه إذا لم يكن نزوله عن منازلة، يعرف هذا أهل الأذواق وأهل الشرب والريّ، وقد جعلنا في هذا الكتاب من المنازلات ما تقف عليه إن شاء الله . واعلم أن المنازل لا ينطلق عليها هذا الاسم إلاَّ عند النزول فيها، فإن أقام فيها ولم ينتقل عنها حدث لها اسم الموطن لاستيطانه فيها واسم المسكن لسكونه إليها وعدم انتقاله إلى منزل، إلاَّ أنه لا بدّ له أن ينتقل في نفس هذا المنزل في دقائقه بحيث لا يخرج عنه، كمثل الذي يتصرّف في بيوت الدار التي هو ساكنها فما دام العارف مستصحباً لاسم واحد إلهيّ مع اختلاف تصرّفه فيه كان موطناً له من حيث الجملة، ومن المحال أن يقيم أحد نفسين على حالة واحدة فلا بدّ له من الانتقال في كل نفس، ولهذا منع بعضهم من أهل الله أن يكون الاسم موطناً أو مسكناً لأنه تخيل أن لكل نفس وكل حال اسماً إلهيّاً، ولم يدر أن الاسم الإلهيّ قد يكون له حكم أو يكون له أحكام كثيرة مختلفة، فيكون موطناً لهذا الشخص ما دام يتصرّف تحت أحكامه. فأما قولهم من المحال بقاؤه نفسين على حكم واحد على أن يكون واحد نعتاً لحكم فصحيح. وأما إن أرادوا استحالة بقائه نفسين على حكم واحد على طريق الإضافة إضافة الحكم إلى الواحد فليس بصحيح، فإن الوجوه لهذا الاسم الإلهيّ، فالغفار يستره عن كذا وكذا، وكذا وكذا بحسب المطالب التي تطلبه في كل نفس ممّا يصحّ أن يستره عنها الاسم الغفار على التتالي والتتابع من غير أن يتخللها ما يطلب اسماً آخر، ولهذا صحّت فيه المبالغة لأنه يكثر منه ذلك، وهكذا الخلاق والرزاق، وجميع الأسماء التي لها حكم في الكون إذا توالى على الإنسان ما يطلب هذا الاسم ولا بدّ فالأسماء الإلهيّة منازل بوجه، ٣١١ في المنازل/ الباب الثاني والسبعون ومائتان في معرفة منزل تنزيه التوحيد ومساكن ومواطن بوجه، وقد بيّنا في هذا الباب على طريق الإشارة وضيق الوقت ما تقع به الفائدة لصاحب الذوق، وما نودع كل باب ممّا عندنا فيه إلاَّ نقطة من بحر محيط هذا بالنظر إلى ما عندنا فيه فكيف هو بالنظر إلى ما هو عليه في نفسه هو البحر الذي لا ساحل له، وهذا المنزل من منازل الأمر، وهذه المنازل الأمرية وإن كانت سبعة في العدد فمن حيث الأمهات وإنما هي أكثر من ذلك، ولا بدّ لنا إن تفرّغنا إليها من حصرنا إياه حتى يعلم إلى كم تنتهي من جناب الحق، فإن فيها فوائد جمة هي مثبوتة في كتبنا، والله سبحانه يقول الحق وهو يهدي السبيل. وفي هذا المنزل من العلوم: علم إخراج المغيبات بالأسماء الإلهية، وعلم الخلق، وعلم الغيب الداخل في الشهادة، وعلم الشبه، وعلم نفث الروح في الروع. الباب الثاني والسبعون ومائتان في معرفة منزل تنزيه التوحيد [نظم: الطويل] وذلك نور ما لديه أُفولُ بتَنْزيه تَوْحيدِ الإله أقولُ وإن الذي يدري به لَقَليلُ وتَنْزِيهُه ما بين ذاتٍ ورتبةٍ فمن شاء قولاً فليَقُلْ بيقولُ تَنَزَّه عن تنزيه كل مُنَزّهِ فحرفُ حُضورٍ ما عليه قَبُولُ فإن وجودَ الحق في حَرْفٍ غَيْچِهِ اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أن المراد بلفظة تنزيه التوحيد أمران: الواحد أن يكون التوحيد متعلق التنزيه لا الحق سبحانه. والأمر الآخر أن يكون التنزيه مضافاً إلى التوحيد على معنى أن الحق تعالى قد ينزّه بتنزيه التوحيد إياه لا بتنزيه من نزّهه من المخلوقين بالتوحيد مثل حمد الحمد، فإن قيام الصفة بالموصوف ما فيها دعوى، ولا يتطرّق إليها احتمال، والواصف نفسه أو غيره بصفة ما يفتقر إلى دليل على صدق دعواه فيتعلق بهذا فصول تدل عليها آيات من الكتاب منها هل يصحّ الإضمار قبل الذكر في غير ضرورة الشعر أم لا؟ فالشاعر يقول: جزى ربه عني عدي بن حاتم. فأضمر قبل الذكر، ولكن الشعر موضع الضرورة، ومن فصول هذا المنزل الأمر بتوحيد الله فلا يكون فيه توحيد الحق نفسه ويتعلق به التقليد في التوحيد لأن الأمر لا يتعلق بمن يعطيه الدليل ذلك إلاَّ أن يكون متعلق الأمر الاستدلال لا التعريف على طريق التسليم أو الاستدلال بالتنبيه على موضع الدلالة مثل قوله: ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ٩١] وكقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٢] وكقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٣] ومن فصول هذا المنزل قوله تعالى: ﴿مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا﴾ [سورة الجن: الآية ٣] لعدم الكفاءة إذ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٤] فلو كانت الكفاءة موجودة لجاز ذلك قال عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تَنْكِعُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢١] فجعل الكفاءة بالدين، وقوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [سورة الزمر: الآية ٤] فجعله من قبيل الإمكان فقال: ﴿لََّصْطَفَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٣١٢ في المنازل/ الباب الثاني والسبعون ومائتان في معرفة منزل تنزيه التوحيد ٤] والاصطفاء جعل والمجعول ينافي الكفاءة للجاعل، وأين مرتبة الفاعل من المفعول؟ ومن فصول هذا المنزل التنزيه أن يكون مدركاً بالمقدمات التي تنتج وجوده أو المعرفة به تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً . ومن فصول هذا المنزل أنه لا يكون مقدّمة لإنتاج شيء للتركيب الذي يتصف به المقدمات والسبب الرابط في المقدمات فيستدعي المناسبة، والمناسبة بين الخلق والحق غير معقولة ولا موجودة، فلا يكون عنه شيء من حيث ذاته، ولا يكون عن شيء من حیث ذاته، وكل ما دلّ عليه الشرع أو اتخذه العقل دليلاً إنما متعلقه الألوهة لا الذات، والله من كونه إلهاً هو الذي يستند إليه الممكن لإمكانه، فلنذكر ما يتعلق بفصول هذا المنزل على الاختصار إن شاء الله . اعلم أن هذا المنزل هو الرابع من منازل العظمة في حق أصحاب البدايات وهو الحادي عشر والعاشر ومائة في حق الأكابر الروحانيين، ولما كانت الحضرة الإلهية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ذات، وصفات، وأفعال، كان هذا المنزل أحدها وهو الثالث منها، ولما كانت الصفات على قسمين: صفة فعل، وصفة تنزيه، كان هذا المنزل صفة التنزيه منهما، فأما تنزيه التوحيد فهو أن هذا التوحيد الذي ننسبه إلى جناب الحق منزّه أن ينسب إلى غير الحق فهو المنزه على الحقيقة لا الحق، وإنما قلنا هذا لأنه يجوز أن يوصف به غير الحق فيما يعطيه اللفظ كما وقعت المشاركة في إطلاق لفظة الوجود والعلم والقدرة وسائر الأسماء في حق الحق والخلق، فهذا المنزل ينزّه هذا التوحيد المنسوب إلى الله أن يوصف به غيره فإنه توحید الذات من جميع الوجوه، ولا يوصف بهذا التوحيد غيره لا في اللفظ ولا في المعنى، وكانت ذات الحق المنسوب إليها هذا التوحيد لا يتعلق بها تنزيه لأنه لا يجوز عليها فتبعد عن وصفها الذي يجوز عليها إذ كانت في نفس الأمر منزهة لا بتنزيه منزه، وأما إذا كان تنزيه التوحيد متعلقه الحق سبحانه فيكون منزهاً من حيث ذاته بلسان عين هذا الوصف الذي هو التوحيد له كثناء لسان صفة الكرم بالكريم لقيامه به لا بقول القائل، ودليل الناظر أنه سبحانه واحد فقد كان له هذا الوصف ولا أنت وله هذا الوصف وأنت أنت، وإذا كان هذا الأمر على هذا الحدّ فما ثم موجود يصحّ أن يضمر قبل الذكر إلاّ من يستحق الغيب المطلق الذي لا يمكن أن يشهد بحال من الأحوال، فيكون ضمير الغيب له كالاسم الجامد العلم للمسمّى يدل عليه بأوّل وهلة من غير أن يحتاج إلى ذكر متقدم مقرر في نفس السامع يعود عليه هذا الضمير، فلا يصح أن يقال هو إلاَّ في الله خاصة، فإذا أطلق على غير الله فلا يطلق إلاَّ بعد ذكر متقدم معروف بأيّ وجه كان ممّا يعرف به فيقال هو، وعين محل هذا الضمير مشهود عند من لا يصح أن يقال فيه هو لحضوره عنده فيزول عنه اسم الهو بالنظر إلى ذلك، ويثبت له اسم الهو بالنظر إلى من غاب عنه. فإن قيل: إذا صحّ ما قررته فإنه سبحانه مشهود لنفسه فيزول عنه الهو بالنظر إلى شهوده نفسه، فإذا الهو ليس له بمنزلة الاسم العلم كما زعمت. قلنا: وإن شهد نفسه فإن الهوية ٣١٣ في المنازل/ الباب الثاني والسبعون ومائتان في معرفة منزل تنزيه التوحيد معلومة غير مشهودة وهي التي ينطلق عليها اسم الهو، هذا على مذهبنا وهو مذهب أهل الحق كيف وثم طائفة تقول: إنه لا يعلم نفسه فلا يزال الهو له منا ومنه، قال تعالى في أوّل سورة الإخلاص لنبيه عليه السلام: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ١] فابتدأ بالضمير ولم يجر له ذكر متقدم يعود عليه في نفس القرآن، وإن كانت اليهود قد قالت له: انسب لنا ربك ؛ فربما يتوهم صاحب اللسان أن هذا الضمير يعود على الرب الذي ذكرته اليهود، ولتعلم أن هذا الضمير لا يراد به الرب الذي ذكرته اليهود لأن الله يتعالى أن يدرك معرفة ذاته خلقه ولذلك قال: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ وما ذكر في السورة كلها شيئاً يدل على الخلق بل أودع تلك السورة التبري من الخلق فلم يجعل المعرفة به نتيجة عن الخلق فقال تعالى: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٣] ولم يجعل الخلق في وجوده نتيجة عنه كما يزعم بعضهم بأيّ نسبة كانت فقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٣] ونفى التشبيه بأحدية كل أحد بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّمُ كُفُوا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٤] وأثبت له أحدية لا تكون لغيره، وأثبت له الصمدانية وهي صفة تنزيه وتبرئة، فارتفع أن يكون الضمير يعود على الرب المذكور المضاف إلى الخلق في قولهم له ◌ّله: أنسب لنا ربك، فأضافوه إليه لا إليهم، ولما نسبه وَل بما أنزل عليه لم يضفه لا إليه ولا إليهم بل ذكره بما يستحقه جلاله، فإذاً ليس الضمير في هو الله يعود على من ذكر، وأين المطلق من المقيد؟ فهوية المقيد ليست هوية المطلق، فهوية المقيد نسبة تتعلق بالكون فتتقيد به إذ تقيد الكون بها فيقال: خالق ومخلوق، وقادر ومقدور، وعالم ومعلوم، ومريد ومراد، وسميع ومسموع، وبصير ومبصر، ومكلم ومكلم، والحيّ ليس كذلك فهو هويته لا تعلق له بالكون وليس القيوم كذلك، فإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن الإضمار قبل الذكر لا يصحّ إلاَّ على الله وبعد الذكر تقع فيه المشاركة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا مَُّ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢] فأعاد الضمير على الله المذكور في أوّل الآية. واعلم أن التوحيد الذي يؤمر به العبد أن يعلمه أو يقوله ليس هو التوحيد الذي يوحد الحق به نفسه، فإن توحيد الأمر مركب، فإن المأمور بذلك مخلوق ولا يصدر عن المخلوق إلاَّ ما يناسبه وهو مخلوق عن مخلوق، فهو أبعد في الخلق عن الله من الذي وجد عنه هذا التوحيد على كل مذهب من نفاة الأفعال عن المخلوقين ومثبتيها لأنّ النفاة قائلون بالكسب وغير النفاة قائلون بالإيجاد، فكيف يليق بالجناب العزيز ما هو مضاف إلى الخلق؟ وإن كنا تعبدنا به شرعاً فنقرّره في موضعه ونقوله كما أمرنا به على جهة القربة إليه مع ثبوت قدمنا فيما أشهدنا الحق من المعرفة به من كونه لا يعرف في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وفيما ذكره في سورة الإخلاص وفي عموم قوله بالتسبيح الذي هو التنزيه ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] والعزّة تقتضي المنع أن يوصل إلى معرفته. ومن أسرار هذا المنزل قوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [سورة الزمر: الآية ٤] فإن كان لو حرف امتناع ولكنه امتناع شيء لامتناع غيره فهو عدم لعدم، فإذا جاء حرف لا بعد لو كان لو حرف امتناع لوجود ولم يأت في هذه الآية لا فنفى الإرادة أن تتعلق باتخاذ الولد، ولم يقل أن يلد ولداً فإنه يقول: ٣١٤ في المنازل/ الباب الثاني والسبعون ومائتان في معرفة منزل تنزيه التوحيد ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ والولد المتخذ يكون موجود العين من غير أن يكون ولداً فيتبنى بحكم الاصطفاء والتقريب في المنزلة أن ينزله من نفسه منزلة الولد من الوالد الذي يكون له عليه ولادة، والحقيقة تمنع من الولادة والتبني لأن النسبة مرتفعة عن الذات، والنسبة الإلهيّة من الله لجميع الخلق نسبة واحدة لا تفاضل فيها إذ التفاضل يستدعي الكثرة فلهذا أتى بلفظة لو ولم يجعل بعدها لفظة لا فكان حرف امتناع، أي لم يقع ذلك ولا يقع لامتناع الذات أن توصف بما لا تستحقه ولهذا قال: ﴿مَا أَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا﴾ [سورة الجن: الآية ٣] فوصفه بالعلوّ عن قيام هذا الوصف لعظمة الرب المضاف إلى المربوب بالذكر، فكيف بالرب من غير إضافة لفظية؟ فكيف بالاسم الله؟ فكيف بالذات من غير اسم؟ فأعظم من هذا التنزيه ما يكون. وأما نفي الكفاءة والمثل فربما يتوهم من لا معرفة له بالحقائق أنه لو وجدت الكفاءة جاز وقوع الولد بوجود الصاحبة التي هي كفؤ فليعلم أن الكفاءة مشروعة لا معقولة، والشرع إنما لزمها من الطرف الواحد لا من الطرفين، فمنع المرأة أن تنكح ما ليس لها بكفؤ ولم يمنع الرجل أن ينكح ما ليس بكفؤ له، ولهذا له أن ينكح أمته بملك اليمين وليس للمرأة أن ينكحها عبدها والحق ليس بمخلوق وهو الوالد لو كان له ولد، والكفاءة من جهة الصاحبة لا تلزم فارتفع المانع لوجود الولد لا لعدم الكفاءة، بل لما تستحقه الذات من ارتفاع النسب والنسب ولما تستحقه أحدية الألوهة إذ الولد شبيه بأبيه، فبطل مفهوم من حمل ﴿مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا﴾ [سورة الجن: الآية ٣] على جواز ذلك إذ كان متخذاً وكان المفهوم منه ومن نفي الكفء والمثل ما ذكرناه. ولما كان التنزيه للذات على ما قرّرناه بطل أن تكون المعرفة به القائمة بنا نتيجة عن معرفتنا بنا لاستنادنا إليه من حيث إمكاننا، وأن ذلك لا يتضمن معرفة ذاته بالصفة الثبوتية النفسية التي هو عليها بالأصح من ذلك إلاَّ الاستناد لذات منزهة عمّا ينسب إلينا مجهولة عندنا ما ينسب إليها من حيث نفسيتها فلا يعرف سبحانه أبداً، وإذا كانت المعرفة به من النزاهة والعلوّ بهذا الحدّ فأحرى أن يكون وجوده معلولاً لعلة تتقدّمه في الرتبة أو مشروطاً بشرط متقدم أو محققاً لحقيقة حاكة أو مدلولاً لدليل يربطه به وجه ذلك الدليل، فلا جامع سبحانه بيننا وبينه من هذه الجوامع الأربعة، فالتحقت المعرفة به منا بوجوده في النزاهة والرفعة عن الإدراك لها، وكما لم يصحّ أن ينتجه شيء فلا تكون هويته أيضاً من حيث هويته لا من حيث مرتبته تنتج شيئاً، إذ لو ارتبط به شيء من حيث هويته لارتبطت هويته بذلك الشيء، فلا يصح أن يكون علة لمعلول، ولا شرطاً لمشروط، ولا حقيقة لمحقق، ولا دليلاً لمدلول، ولا سيما وقد قال سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ مطلقاً وما فيها، فلو كان حقيقة لولد محققاً، ولو كان دليلاً الولد مدلولاً، ولو كان علة لولد معلولاً، ولو كان شرطاً لولد مشروطاً، فهو سبحانه المستند المجهول الذي لا تدركه العقول ولا تفصل إجماله الفصول، فهذا أيضاً وجه من وجوه تنزيه التوحيد . وأما ما يتعلق بالواحد والأحد من التوحيد في أحديته فإن لفظ الأحدية جاءت ثابتة ٣١٥ في المنازل/ الباب الثاني والسبعون ومائتان في معرفة منزل تنزيه التوحيد الإطلاق على من سواه فقال: ﴿ وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَيَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف: الآية ١١٠] وإن كان المفهوم منه بالنظر إلى تفسير المعاني على طريق أهل الله أنه لا يعبد من حيث أحديته لأن الأحدية تنافي وجود العابد فكأنه يقول: لا يعبد إلاَّ الرب من حيث ربوبيته. فإن الرب أوجدك فتعلق به وتذلل له ولا تشرك الأحدية مع الربوبية في العبادة فتتذلل لها كما تتذلل للربوبية فإن الأحدية لا تعرفك ولا تقبلك، فيكون تعبد في غير معبد، وتطمع في غير مطمع، وتعمل في غير معمل، وهي عبادة الجاهل، فنفى عبادة العابدين من التعلّق بالأحدية فإن الأحدية لا تثبت إلاَّ لله مطلقاً، وأما ما سوى الله فلا أحدية له مطلقاً، فهذا هو المفهوم من هذه الآية عندنا من حيث طريقنا في تفسير القرآن، ويأخذ أهل الرسوم من ذلك قسطهم أيضاً تفسيراً للمعنى، فيحملون الأحد المذكور على ما اتخذوه من الشركاء وهو تفسير صحيح أيضاً، فالقرآن هو البحر الذي لا ساحل له إذا كان المنسوب إليه يقصد به جميع ما يطلبه الكلام من المعاني بخلاف كلام المخلوقين، وإذا علمت هذا علمت المراد بقوله جلّ ثناؤه لنبيه عليه السلام: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ أي لا يشارك في هذه الصفة. وأما الواحد فإنا نظرنا في القرآن هل أطلقه على غيره كما أطلق الأحدية؟ فلم أجده وما أنا منه على يقين، فإن كان لم يطلقه فهو أخص من الأحدية ويكون اسماً للذات علماً لا يكون صفة كالأحدية فإن الصفة محل الاشتراك، ولهذا أطلقت الأحدية على كل ما سوى الله في القرآن، ولا يعتبر كلام الناس واصطلاحهم وإنما ينظر ما ورد في القرآن الذي هو كلام الله، فإن وجد في كلام الله لفظ الواحد كان حكمه حكم الأحدية للاشتراك اللفظي فيه، وإن كان لا يوجد في كلام الله لفظ الواحد يطلق على الغیر فیلحقه بخصائص ما تستحقه الذات ویکون کالاسم الله الذي لم يتسم به أحد سواه. وممّا يتعلق بهذا المنزل من التنزيه الخاص به ما يحصل من المعارف التي ذكرناها في كتاب مواقع النجوم في التجلي الصمداني، ولا نريد بذلك ما أراد العارف أبو عبد الله البستي في كتابه الذي جعله في عبد الرب وعبد الصمد فإن الصمد الذي نريده لا يضاف ولا يضاف إليه، فإن المتضايفين لا بدّ أن يكون لهما بينية فيكون بينهما نسبة رابطة بها يصحّ أن تكون الإضافة محققة لهما، فالصمد الذي أراده البستيّ بعبد الصمد هو الذي يلجأ إليه ويتعلق به ويقابل بالتوجه، ولهذا أنهت الشريعة للمصلي إذا استتر بأصطوانة أو عصا أو مؤخرة رحل أو ما هو مثلها أن يصمد إليها صمداً ولكن ينحرف عنها قليلاً يميناً أو شمالاً، وليس من أوصاف التنزيه من يصمد إليه ولكنه من أوصاف الكرم، فالصمدية المطلقة عن هذا التقييد هي التي تستحق أن تكون صفة تنزيه إذ لا تعلق للكون بها وهي المطلوبة في هذا المنزل وشرحها في اللغة مذكور، واعلم أن هذا المنزل وإن كان يطلب الأحدية والتنزيه من جميع الوجوه فإنه يظهر في الكشف الصوري المقيد بالمظاهر كالبيت القائم على خمسة أعمدة عليها سقف مرفوع محيط به حيطان لا باب فيها مفتوح فليس لأحد فيه دخول بوجه من الوجوه، لكن خارج البيت عمود قائم ملصق إلى حائط البيت يتمسح به أهل الكشف كما يقبلون ويتمسحون بالحجر الأسود الذي جعله الله خارج البيت وجعله يميناً له وأضافه إليه لا إلى البيت، كذلك ٣١٦ في المنازل/ الباب الثاني والسبعون ومائتان في معرفة منزل تنزيه التوحيد هذا العمود لا يضاف إلى هذا المنزل وإن كان منه إلاَّ أنه ليس هو خاصاً به فإنه موجود في كل منزل إلهيّ، وكأنه ترجمان بيننا وبين ما تعطيه المنازل من المعارف، وقد نبّه على ذلك ابن مسرة الجبلي في كتاب الحروف له، وهذا العمود له لسان فصيح يعبر لنا عمّا تحويه المنازل فنستفيد منه علم ذلك، ومن المنازل ما ندخل فيه ونمشي في زواياه فنجد الأمر على حدّ ما عرفناه فيه، ومن المنازل ما لا سبيل لنا إلى الدخول فيه مثل هذا المنزل فنأخذ من هذا العمود التعريف بحكم التسليم فإنه قد قام الدليل لنا على عصمته فيما يخاطبنا به في عالم الكشف كالرسول في عالم الحسّ فهو لسان حق، ومن الناس من يلحقه بأعمدة البيت فإن بعض الحائط عليه ولا يظهر لنا منه إلاَّ وجه واحد وسائره مستور في الحائط فيقول بعض المكاشفين: إن البيت قائم على ستة أعمدة فلا تناقض بين مثبتي الخمسة والستة في قيام البيت عليها، فقد بينا لك ذلك حتى لا تتخيل أن الحق في أحد القولين ومع إحدى الطائفتين، فكل طائفة منهما صادقة فلهذا أخبرتك بكيفية ذلك، وهكذا جميع ما يظهر للناس أنهم اختلفوا فيه، فليس بين القوم بحمد الله خلاف فيما يتحققون به بل هم في شغلهم أصحّ وأحق من أهل الحسّ فيما يدركونه بحواسهم. واعلم أن الدخول لهذا المنزل من الدينار الثاني الذي للرجولية والنهاية فيه إلى الدينار الرابع وهو تمام الرجولية التي بها يسمّى الشخص رجلاً كما قد قدمناه في ترتيب الإيمان والولاية والنبوّة والرسالة ولا خامس لها يكون خامس خمسة بل قد يكون لها خامس أربعة فاعلم ذلك، وإذا تفطنت إلى ما فصله الحق تعالى عرفت أنت تفصيله فيما أجمله في قوله : ﴿وَلَّ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] يعني الاثنين ﴿ وَلَّ أَكْثَرَ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] يعني السبعة فما فوقها من الأفراد، ففصل الحق بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَاِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧] ولم يقل ولا أربعة إلاَّ هو خامسهم فعرفنا من أدنى ذلك وأكثر أنه يريد الإفراد يشفعها بما ليس منها، فتحققنا أن الغيرة حكمت هنا فلم تثبت لأحد فردية إلاَّ شفعتها هوية الحق حتى لا تكون الأحدية إلاَّ له، فلا يشفع فرديته مخلوق ويشفع هو فردية المخلوقين ولذلك قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] ولم يقل وأنتم معه لأنه مجهول المصاحبة فيعلم سبحانه كيف يصحبنا ولا نعرف كيف نصحبه، فالمعية له ثابتة فينا منفية عنا فيه فلم يقل: ولا أربعة إلاَّ هو خامسهم ولا اثنين إلاَّ هو ثالثهما لأن الغيرة لا تتعلق بالشفعية في الأكوان لأن الشفع لها حقيقة، وإنما تتعلق بالوترية إذا نسبت إلى الأكوان وهي لا تستحقها فنوترها بالحق ليكون الظهور له تعالى في الأشياء، وهذا من أقوى الدلائل على وصفه تعالى بالغيرة لأنها مشتقة من رؤية الغير لأنه يستدعي المشاركة والله بريء من مشاركة الغير، فهو بريء أن يكون غير الأحد أو يكون أحد غير إله، قال وَالر: ((لا أَحَدَ - أَوْ كما قالَ - أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ» فوصفه بالغيرة وحكمها في هذا المقام قوي، فهذا قد ذكرنا نبذاً مما يعطيه هذا المنزل على ضيق الوقت، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وفي هذا المنزل من العلوم علم الأحدية والفرق بينها وبين الوحدانية وعلم النسب الإلهيّ يقول الله ٣١٧ في المنازل/ الباب الثالث والسبعون ومائتان في معرفة منزل الهلاك للهوى والنفس تعالى يوم القيامة: ((اليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي))، أين المتقون وعلم البسائط والعلم الضروري وعلم التماثل؛ والحمد لله رب العالمين. الباب الثالث والسبعون ومائتان في معرفة منزل الهلاك للهوى والنفس من المقام الموسوي [نظم: الهزج] إذا ما هبَّ في اللَّوْحِ هَلاكُ الخَلْقِ في الرِّيح إلهِ الجسم والرُّوحِ ولاذَ بغير مَؤْلاهُ بماقد جاء في نُوحٍ وَوَغَّرَ مَسْلكاً سهلاً على ما قُلْتُه نُوحي وفي لوطٍ فيا نَفْسي بريقٌ من سَنًا يُوحي ولولا العشقُ آداه اعلم أن الله تعالى لما خلق الأفلاك وعمرها بالأملاك، وقدّر للكواكب السبعة السيارة فيها منازل تجري فيها إلى أجل مسمى، تعين الزمان بجريانها وسباحتها، وخلق المكانة قبل الأمكنة، ومدّ منها رقائق إلى أمكنة مخصوصة في السموات السبعة والأرض، ثم أوجد المتمكنات في أمكنتها على قدر مكانتها، فكان من تقدير الله العزيز العليم أن خلق عقلاً من العقول إعلاماً بما أودعه فيه من صفة القدرة لا من صفة غيرها خصّه بذلك على أبناء جنسه وذلك من الاسم الظاهر الذي يختص بهذا العقل، فألقى إليه ذلك بضرب من القهر سار فيه مودة لها ثلج وبرد وسرور فتفجرت فيه خمسة أنهار من العلم من الاسم الأوّل والآخر الذي يختصّ به هذا العقل، ثم جرت هذه الأنهار في الاسم الباطن الذي له فتقدست أوّليته على سائر الأوّليات وآخريته على سائر الآخريات، وكذلك ظاهره وباطنه، وصدر عن أم الكتاب الذي عنده حضرة تسمّى أم الجمع، أدخلني الحق إياها فرأيتها ورأيت ظاهرها وباطنها وعاينت مكان هذا العقل منها نكتة سوداء مستورة نقية ما بين حمرة وصفرة وعاينت الرقيقة التي بين المكانة وهذا المكان المعين، ورأيت موسى وهارون ويوسف عليهم السلام ناظرين إلى هذا العقل، وفرّع سبحانه من هذه الحضرة الجامعة التي اختصها لنفسه حضرات لا يعلم عددها إلاَّ الله في السماء والأرض وما بينهما وما تحت الثرى إلى حد الاستواء، كل هذه الحضرات للحق إليها نظر خاص رفعها بذلك على غيرها، فلها عند من يعرفها ممّن عرفه الحق بها حرمة وبرّ وإكرام، تسمّى هذه الحضرات مقامات التنزيه، إذا دخلتها الروحانيات العلى اكتسبت من أحوال التنزيه الإلهيّ ما لا يعلم قدره إلاّ الله، وحصل لهم من الخضوع والخشوع والذلة والإفتقار ما لم يكن لهم قبل دخولهم، ومن هذه الحضرات وفي هذه المقامات يحصل لهم رؤية وجه الحق في كل شيء على التمام والكمال، لكن من الرجال من يشاهدها ومن الرجال من يعطيهم هذه الحال ولا يعرفها ولا يدري في أيّ رتبة حصلت له على قدر ما سبق به علم الله فيه فمنهم ومنهم، فلنرجع إلى ذلك العقل الذي ذكرناه الذي له ٣١٨ في المنزل الباب الثالث والسبعون ومائتان في معرفة منزل الهلاك للهوى والنفس أثر انفعال بمكانته في هذا المنزل، ونذكر ما كان له وما كان عنه وبسببه ممّا يختص بهذا المنزل عند كل من شاهده وشخص سبحانه مقام الصدق والصفاء وعين فيه اثنتين وسبعين مرقاة كل مرقاة منها تعطي علوماً لمن يرقى فيها للصفاء الذي استلزمته هذه الصورة فهي علوم كشف إلى أن ينتهي إلى ذروتها، فتقابله حضرة الأم بذاتها فتعطيه من التنزيه الإلهيّ والثناء بالوحدانية والصدق والقهر والنصر والإخلاص والذلّة. ولما أدخلني الله هذه المراقي رأيته سبحانه قد حجبها عن الأعين بظلمة الطبيعة حجاباً لا يرفع، فليس اليوم لراق فيها قدم موضوعة لكنه يكاشف بها من خلف ظلمة الطبع ولا يحصل له فيها قدم كذا رأيته، ورأيت معي من حقائق العارفين جملة كثيرة على مراتب مختلفة من عال وأعلى وهم فيها بهذه المثابة، فأمر لهذا العقل المخصوص بهذا المنزل أن يرقى فيما شخصه ممّا ذكرناه، واجتمعت العقول إليه وأنا أنظر ما يصنع وما يقول لأستفيد منه، ثم رأيته شخص ولم يتكلم ولا أدري بأمر إلهيّ أشخص، فرأيت عليه حين رجع أثر كآبة وقهر وإنزعاج، فعلمت أنه في مقام إنذار من الإنذارات الحق للأرواح. روي في خبر أن جبريل وميكائيل عليهما السلام قعدا يبكيان فأوحى الله إليهما ما هذا البكاء؟ فقالا: إنّا لا نأمن من مكرك، فأوحى الله إليهما كذلك فلتكونا، فلما ألقي إلينا ما ألقي إليه بخشوع وذلّة واتفق أني اطلعت على اليسار فرأيت الهوى والشهوة وهما يتناجيان، وقد أعطى الله من القوّة النافذة لهذا الهوى ما يظهر بها على أكثر العقول إلاَّ أن يعصم الله تعالى فوقف الهوى في ذلك الموقف وقال: أنا الإله المعبود عند كل موجود وأعرض عن العقل وما جاء به من النقل فاتبعته الشياطين والشهوة بين يديه حتى توسط بحبوحة النار ففرش له فراش من القطران واعتمد على أمر تخيل أنه ينجيه من عذاب الله فحال الله بينه وبين من اعتمد عليه واستند إليه فهلك ومن تبعه بنعيم السعداء، وكان مشهداً كريماً هائلاً مفزعاً ما صدقنا التخلص منه أنا وكل عارف حضره معنا في ذلك اليوم. ثم إني أردت أن أحيط بما في هذا المنزل من المراتب والحقائق والأسرار والعلوم فأخذ بيدي ذلك العقل صاحب هذا المنزل وبسببه ظهر هذا المنزل وقال لي: هذا منزل الهلاك ومصرع الهلاك، فرأيت فيه خمسة أبيات: في البيت الأوّل أربع خزائن على الخزانة الأولى ثلاثة أقفال وعلى الثانية مثل ذلك وعلى الثالثة ستة أقفال وعلى الرابعة ثلاثة أقفال فأردت فتحها فقال لي: سر حتى ترى ما في كل بيت من الخزائن وبعد ذلك تفتح أقفالها وتعرف ما فيها، ثم أخذ بيدي وقمنا فخرجنا إلى البيت الثاني فدخلته فرأيت فيه أربع خزائن: على الخزانة الأولى ستة أقفال وعلى الخزانة الثانية ثلاثة أقفال وعلى الخزانة الثالثة أربعة أقفال وعلى الخزانة الرابعة ستة أقفال، ثم أخذ بيدي فخرجنا من ذلك البيت فدخلت البيت الثالث فرأيت فيه ثلاث خزائن: على الخزانة الأولى خمسة أقفال وعلى الخزانة الثانية أربعة أقفال وعلى الخزانة الثالثة ستة أقفال، ثم أخذ بيدي فخرجنا من ذلك البيت وكل ذلك أدخل من باب وأخرج من باب آخر فدخلت البيت الرابع وإذا فيه ثلاث خزائن: على الخزانة الأولى ٣١٩ في المنازل/ الباب الثالث والسبعون ومائتان في معرفة منزل الهلاك للهوى والنفس سبعة أقفال وعلى الخزانة الثانية خمسة أقفال وعلى الثالثة خمسة أقفال، ثم أخذ بيدي فخرجنا منها فدخلت البيت الخامس فرأيت فيه ثلاث خزائن: على الخزانة الأولى سبعة أقفال وعلى الخزانة الثانية ثلاثة أقفال وعلى الخزانة الثالثة خمسة أقفال، ثم أخذ بيدي وخرجنا نطلب البيت الأوّل لنفتح تلك الأقفال فنبصر ما تحوي عليه تلك الخزائن من الودائع. فدخلت البيت الأوّل إلى الخزانة الأولى فرأيت معلقاً على كل قفل مفتاحه وبعض الأقفال عليه مفتاحان وثلاثة، فرأيت على القفل الأوّل ثلاثة مفاتيح تحوي تلك المفاتيح على أربعمائة حركة فمددت يدي وفتحت ذلك القفل، ثم رأيت على القفل الثالث كذلك ثلاثة مفاتيح تحوي على أربعمائة حركة ففتحت الثالث ورجعت إلى الثاني وعليه مفتاحان وهو قفل مطبق فهما قفلان في قفل واحد يحوي على أربع حركات في حركتين، فلما فتحت الأقفال وأطلعت في الخزائن بدا لي من صور العلوم على قدر حركات مفاتيح تلك الخزانة لا تزيد ولا تنقص، فرأيت علوماً مهلكة ما اشتغل بها أحد إلاَّ هلك من علوم العقل المخصوصة بأرباب الأفكار من الحكماء والمتكلمين، فرأيت منها ما يؤدّي صاحبها إلى الهلاك الدائم، ورأيت منها ما يؤدّي صاحبه إلى هلاك ثم ينجو، غير أنه ليس لنور الشرع فيها أثر البتة قد حرمت صاحبها السعادة فيها من علوم البراهمة كثير ومن علوم السحر وغير ذلك، فحصلت جميع ما فيها من العلوم لنجتنبها وهي أسرار لا يمكن إظهارها وتسمّى علوم السرّ، وكان ممّن اختصّ بها من الصحابة رضي الله عنهم حذيفة بن اليمان خصّه بها رسول الله وَل# فلذلك كان بين الصحابة يقال له صاحب علم السرّ وبه كان يعرف أهل النفاق، حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استحلفه يوماً بالله هل فيّ من ذلك شيء؟ قال: لا ولا أقوله لأحد بعدك، وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة بحضور حذيفة حتى يرى حذيفة يقول بالصلاة عليها فإن صلَّى حذيفة صلَّى عمر وإلاَّ فلا، فمن علمها ليحذرها فقد سعد، ومن علمها يعتقدها ويعمل عليها فقد شقي، فلما حصلتها وأحطت بها علماً ونزهت نفسي بما عصمني الله به من العناية الإلهية عن العمل بها والإتصاف بأثرها شكرت الله على ذلك، وفي هذه المقامات هلك كثير من سالكي هذه الطريقة لأنهم يرون علوماً تتعشق بها النفوس ويكونون بها أرباباً ويكونون بها أشياخاً، والنفوس تطلب الشفوف والرياسة على أبناء جنسها فيخرجون بها فيستعملونها في عالم الملك فيضلون ويضلون فأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. ثم إني انتقلت إلى الخزانة الثانية فرأيت على قفلين منها مفاتيح والقفل الثالث لا مفتاح عليه فرأيت على القفل الأوّل ثلاثة مفاتيح تحوي على عشر حركات ففتحته، ثم جئت القفل الثاني فوجدت عليه مفتاحاً واحداً يحوي على أربع حركات فأخذته وفتحت به القفل، ثم جئت إلى القفل الثالث فلم أر عليه مفتاحاً فحرت ولم أدر كيف أصنع فقيل لي: اقرأ على كل قفل لا مفتاحٍ له: إن ربك هو الفتاح العليم، ثم قيل لي: هذا القفل مفتاحه من مفاتيح الغيب لا يعلمه إلاّ هو فقلت ذلك فانفتح القفل وانفتحت الخزانة فرأيت صور العلوم على عدد حركات المفاتيح، ورأيت صورة علم زائد على ما رأيت من الصور التي ظهرت على عدد ٣٢٠ في المنازل/ الباب الثالث والسبعون ومائتان في معرفة منزل الهلاك للهوى والنفس حركات المفاتيح فقلت: ما هذا العلم؟ فقال: العلم الساري في المعلومات والعلوم فجميع العلوم معلومات بهذا العلم لا بأنفسها، فعلمت أن أبا المعالي الجوينيّ لما قال: إذ بالعلم يعلم العلم كما يعلم به سائر المعلومات، وأراد أن العلم الذي به يعلم معلوم ما به يعلم نفس العلم وليس الأمر كما زعم بل يعلم العلم بهذا العلم الساري فتكون العلوم به معلومة وهو لا يعلم فاعلم ذلك، فهذا هو الذي أعطاه الكشف كشف المعاني لا كشف الصور، وهذه العلوم التي رأيت في هذه الخزانة الثانية علوم القدرة والاقتدار والعلوم التي تتكوّن عنها الأشياء وتظهر بها الأعيان المضافة إلى الأكوان، وهي أعيان أفعال منسوبة إلى العباد، فهذا المنزل يحكم عليها بالهلاك بسبب العلم الساري الذي صحبها وهو هلاك إضافة ونسبة لا هلاك عين، فالذي هلك إنما هو نسبة هذه الأفعال إلى العباد فيعطيه هذا المنزل أن هذه النسبة ليست بصحيحة وهو عين هلاكها، وأطلعه العلم الساري أنها أفعال الله، فأعيان أفعال العباد بريئة من ﴾ الساري في كل متكوّن. الهلاك، فحصلت من هذه الحركة علوم التكوين وسرقوا له : ثم إني انتقلت إلى الخزانة الثالثة التي عليها ستة أقفال ومفاتيحها على أقفالها، فعلى القفل الأوّل مفتاح واحد يحوي على حركة واحدة، وعلى الثاني مفتاحان يحويان على حركتين، وعلى الثالث مفتاحان يحويان على عشر حركات، وعلى الرابع مفتاح واحد يحوي على ثلاثين حركة، وعلى الخامس مفتاح واحد يحوي على خمس حركات، وعلى السادس مفتاحان يحويان على حركتين، فأخذت المفاتيح وفتحت الأقفال فلما انفتحت الخزانة رأيت جهنم تحطم بعضها بعضاً وفي وسطها روضة خضراء ورأيت رجلاً قد أخرج من النار ووقف به في تلك الروضة ساعة ثم ردّ إلى النار فيعذب بستة أنواع من العذاب ثم يعاد إلى الروضة ساعة ثم يخرج منها إلى النار فيعذب بستة أنواع من العذاب، فحصلت من علم ما يتقى به ذلك العذاب المؤلم والنار المحرقة من ماء شربته من تلك الروضة كانت في تلك الشربة عصمتي. ثم انتقلت إلى الخزانة الرابعة فرأيت على القفل الأوّل منها مفتاحاً واحداً له ست حركات هندسية، وعلى القفل الثاني ثلاثة مفاتيح تحوي الثلاثة المفاتيح على أربعمائة حركة بصنعة معلومة، وعلى القفل الثالث وهو قفلان في قفل يعرف بالقفل المطبق مفتاحان يحويان على حركتين في أربع حركات، ففتحت الأقفال فرأيت بقية علوم الخزانة الأولى من هذا البيت، غير أن تلك العلوم التي في الخزانة الأولى من هذا البيت يتعلق إهلاكها بأعيان الصفات، وهذه العلوم التي في الخزانة الرابعة يتعلق إهلاكها بأعيان الذوات الموصوفين بتلك الصفات الهالكة، فحصلت علومها أيضاً لأتقيها وأجتنب الأفعال التي تطلبها بالخاصية، وصور العلوم فيها أيضاً على قدر ما تحويه المفاتيح من الحركات، وهكذا هي علوم هذا المنزل كلها عددها على عدد حركات مفاتيحها، ولها تفاصيل وأحوال أضربنا عن ذكرها مخافة التطويل . ثم انتقلنا إلى البيت الثاني لأطلع أيضاً على ما في خزائنه وهي أربع خزائن، فجئت الخزانة الأولى فإذا عليها ستة أقفال، على القفل الأوّل مفتاح واحد يحوي على أربعين