Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
في الأحوال / الباب السادس والأربعون ومائتان في السكر
وبرهانه، ويقويه على ذلك ما تعطيه بعض الأخبار الإلهية من النعوت في حقّه الموافقة لبرهانه
ودليله فهذا سكر عقلي، فالسكر الطبيعي سكر المؤمنين، والسكر العقلي سكر العارفين،
وبقي سكر الكمل من الرجال وهو السكر الإلهيّ الذي قال فيه رسول الله وَلير: ((اللَّهُمَّ زِذنِي
فِيكَ تَحَيْراً)) والسكران حيران، فالسكر الإلهيّ ابتهاج وسرور بالكمال وقد يقع في التجلي في
الصور سكر بحق قال بعضهم: [مخلع البسيط]
وكان سُكّري من المُديرِ
وأَسْكَرَ القَوْمَ دَوْرُ كأسٍ
فمن أسكره الشهود فلا صحو له البتة، وكل حال لا يورث طرباً وبسطاً وإدلالاً وإفشاء
أسرار إلهية فليس بسكر، وإنما هو غيبة أو فناء أو محق، ولا يقاس سكر القوم في طريق الله
على سكر شارب الخمر فإنه ربما أورث بعض من يشربه غماً وبكاء وفكرة وذلك لما يقتضيه
مزاج ذلك الشارب ويسمونه سكران، ومثل هذا لا يكون في سكر الطريق، وقليل من الناس
من يفرق بين الحيوان والسكران، وعندنا في العلم الطبيعي أن شارب الخمر إذا أورثه غماً
وبكاء وحزناً وفكرة وإطراقاً لما يقتضيه طبعه ومزاجه فليس بسكران ولا هو صاحب سكر،
فإن بعض الأمزجة لا تقبل السكر ولا أثر له فيها، فغيبة السكران ليست عن إحساسه وإنما
غيبته عن مقابل الطرب لا غير، ونظير هؤلاء الذين لا يطربون نظير أصحاب الفكرة والغيبة
والفناء، ويفارق السكر سائر الغيبات لأن الصحو لا يكون إلاَّ عن سكر والسكر يتقدم
صحوه، وليس الحضور مع الغيبة كذلك ولا الفناء مع البقاء كذلك، لكنه مثل الصعق مع
الإفاقة والنوم مع اليقظة، فإن النوم مقدم على الانتباه والغشية متقدمة على الإفاقة، وإنما ذكرنا
هذا التفصيل من أجل مذهبهم في حدّ السكر أنه غيبة بوارد قوي فأطلقوا عليه اسم الغيبة،
فيتخيل من لا ذوق له أن حكمه حكم الغيبة، فيقيس فيخطئ في تربيته للمريد إن كان من
المتشيخين فيلتبس عليه الأمر فلا يفرق في حال المريد بين سكره وغيبته وفنائه، والسكران في
هذا الطريق لا يغيب عن إحساسه، فإن غاب كما يراه الحنفيون في سكر شارب الخمر فقد
انتقل عندنا من حال السكر إلى حال فناء أو غيبة أو محق ولم يعقب سكره صحو بل انتقل من
حال سكر إلى حال فناء أو غيره من الأحوال المغيبة عن بعضه أو كله، ولا يتخيل أن السكر
لما كان على هذه المراتب المتميزة أنه يمكن أن يكون لصاحب هذه الحال سكران أو يجمعها
كلها لما هو عليه من الحقائق كما قررنا في بعض المسائل من جمع الإنسان لأمور كثيرة
لحقائق تطلبها منه، ولا سيما وقد أنشد بعض من أسكره الخمر والهوى فقال: [الكامل]
فَتَّى يفيقُ فَتّى به سُكْرَانٍ
سُكْرَانِ سُكْرُ هوّی وسُكْرُ مُدَامَةٍ
فأخبر أنه قام به سكران وسكر أهل الله ليس كذلك فإن المعرفة تمنع منه، فإن السكران
الإلهي لا يتمكن أن يكون له السكر العقلي فإن الشهود يمنع من ذلك، والسكران بالسكر
العقلي لا يتمكن له أن يتمكن منه السكر الطبيعي فإن دليله ينفيه، فإنه إذا كان يردّ حكم السكر
الإلهيّ فكيف يقبل حكم السكر الطبيعي؟ وإنما السكران من أهل الله يرتقي في سكره من
سكر إلى سكر لا يجمع بينهما مثل ما قال هذا الشاعر، وما استشهد به في الطريق إلاَّ صاحب

٢٦٢
في الأحوال / الباب السابع والأربعون ومائتان في الصحو
قياس لا صاحب ذوق، فمن أسكره السكر الطبيعي ثم جاءه السكر العقلي فإن السكر الطبيعي
يفارق المحل بالضرورة ويزول حكمه عن صاحبه، وما هو الأمر في هذه الإسكارات بالتدريج
قد يوهب الإنسان السكر ابتداء أعني السكر الإلهي فلا يمكن أن يكون له ذوق السكر العقلي
أبداً لكنه قد يكون له العلم به وبمرتبته من غير أن يكون له أثر فيه وهو الذوق، وقد يوهب
السكر العقلي ابتداء ذوقاً فلا يتمكن له أن يكون له ذوق في السكر الطبيعي، لكن قد يتنقل إلى
السكر الإلهيّ ذوقاً فيزول عنه حكم السكر العقلي ذوقاً وحالاً، ويبقى له العلم به من طريق
الذوق لأنه قد تقدمه ذوقه قبل أن ينتقل، فهكذا هو الأمر في سكر أهل الطريق في الإلهيات،
وأما في غير الإلهيات فقد يمكن أن يجمع بين السكرين في الصورة، وإذا حققت الأمر فيه
وجدته على خلاف ذلك، فإنه قد يتخيل في الإنسان أنه إذا علم شيئاً فهو صاحب ذوق له
وليس الأمر كذلك فإن الذوق لا يكون إلاَّ عن تجلّ والعلم قد يحصل بنقل الخبر الصادق
الصحيح فهكذا فلتعرف طريق الله يا وليّ فقد أعطيتك ميزان الأمور في هذه المقامات وأريتك
مستندها، وما تجد هذا البيان في غير هذا الكتاب في كلام هذه الطائفة إلاَّ أن تكون إشارات
منهم إلى ذلك في بعض ما ينقل عنهم فإنهم عالمون به ضرورة إذا كانوا أصحاب ذوق وهم
أصحاب ذوق، إذ لا يكون منهم إلاّ من هو صاحب ذوق، فالطبع يشهده فيسكر، والعقل
يشهده فيسكر، والسر يشهده فيسكر، ولا تجتمع هذه الإسكارات أبداً لأحد في وقت واحد
وإن كان الكل من أهل الله، كما أن الظالم لنفسه ما هو مقتصد فيما هو ظالم ولا سابق فيما
هو مقتصد مع كون كل واحد منهم مصطفى من ورثة الكتاب الإلهيّ، بل يعطي الكشف
الصحيح أنه لا يكون ظالماً لنفسه من ذاق الاقتصاد، وكذا ما بقي من غير تقييد فإن حكم
الأذواق في الأمور وحصول العلم عنها ما هو مثل حكم سائر الطرق فاعلم ذلك، والله يقول
الحق وهو يهدي السبيل، ولو شاء لهداكم أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الباب السابع والأربعون ومائتان
في الصحو
[نظم: البسيط]
الصَّخوُ يأتي بعين العلم والأدبِ
إن لم يكنْ صَيْلَماً للحُكْم والسَّبَبِ
من واردِ السُّكرِ إذ يُغْني عن الطَّرَبِ
ووارِدُ الصَّخو أقْوَى عندَ طائفةٍ
واللَّهْوُ تحيا به كلُّ النفوس وما
في واردِ الصَّخو من لهوٍ ومن لَعبٍ
قومٌ وعندي فحُكْمُ الوقت للنَّسَبِ
لذاك قوَّاه أقوامٌ وأضْعَفَهُ
اعلم أن الصحو عند القوم رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قوي، واعلم أنهم قد
جعلوا في حدّ السكر أنه وارد قوي، وكذلك الصحو أنه وارد قوي، وما قالوا إنه أقوى،
وذلك أن المحل الموصوف بالسكر والصحو لهذين الواردين مع استوائهما في القوّة
فيتمانعان، بل وارد السكر أولى فإنه صاحب المحل فله المنع، ولكن لا يتمكن لورود وارد

٢٦٣
في الأحوال/ الباب السابع والأربعون ومائتان في الصحو
على محل إلاَّ بنسبة واستعداد من المحل يطلب بتلك النسبة أو الاستعداد ذلك الوارد المناسب
وإن تساوت الواردات، فإذا جاء الوارد وفي المحل غيره فوجد النسبة والاستعداد يطلبه حكم
عليه وأزال عنه حكم الوارد الآخر الذي كان فيه لا لقوته وضعف الآخر بل للنسبة
والاستعداد. واعلم أنه لا يكون صحو في هذا الطريق إلاّ بعد سكر، وأمّا قبل السكر فليس
بصاح ولا هو صاحب صحو، وإنما يقال فيه ليس بصاحب سكر بل يكون صاحب حضور أو
بقاء وغير ذلك.
ثم اعلم أن صحو كل سكران بحسب سكره على ميزان صحيح، فلا بدّ أن يأتي بعلم
محقق استفاده في غبية سكره، فإن كان صحوه صيلماً فما كان قط سكران سكر الطريق إذ
العلم شرط في الصاحي من السكر هكذا هو طريق أهل الله، لأنّ الجود الإلهيّ ما فيه بخل
ولا في قدرته عجز، فإذا صحا كتم ما ينبغي أن يكتم وأذاع ما ينبغي أن يذاع، وقوله في حال
صحوه مقبول لأنه شاهد عدل، وقول السكران وإن كان شاهد عدل فإنه لا يقبل إذا ناقض
قول الصاحي وإن كان حقاً، ولكن إذا قيل الحق في غير موطنه لم يقبل وربما عاد وباله على
قائله مع كونه حقاً إذ كل قول حق لا يكون محموداً عند الله، وهذا معلوم مقرّر في شرع الله
في العموم والخصوص كالشبليّ والحلاج، فقال الشبليّ: شربت أنا والحلاج من كاس واحد
فصحوت وسكر فعربد فحبس حتى قتل، والحلاج في الخشبة مقطوع الأطراف قبل أن يموت
فبلغه قول الشبليّ فقال: هكذا يزعم الشبليّ لو شرب ما شربت لحلّ به مثل ما حلّ بي أو قال
مثل قولي، فقبلنا قول الشبليّ ورجحناه على قول الحلاج لصحوه وسكر الحلاج، فالصحو
بالله والسكر بالله لا بدّ فيه من علم بالله، وما لا يعطي علماً فليس بصحو الطريق ولا سكره،
وقد تقدم تقسيم السكر فذلك التقسيم يرد على الصحو فإنه لكل سكر صحوان لم يمت
صاحب السكر في حال سكره فيكون صحوه في البرزخ، ومنهم من يبقى على سكره في
البرزخ إلى البعث.
واعلم أنه إن تقدم للعبد سكر طبيعيّ أو عقليّ ثم أزالهما أو أحدهما السكر الإلهيّ
فالسكر الإلهيّ صحو من هذا السكر الذي كان في المحل، وإن لم يتقدم لصاحب السكر
الإلهيّ في المحل سكر عقليّ ولا طبيعيّ فليس سكره الإلهيّ بصحو بل هو حال سكر ورد
عليه، ومعنى الصحو أنه ينكشف له حق الله في الأمور التي استفادها في حال سكره فيعلم
عند صحوه ما ينبغي أن يذاع منها في العموم والخصوص وما ينبغي أن يستر، فإن كان قد أذاع
منها في حال سكره شيئاً فيعطيه الصحو أن يستغفر الله من ذلك وعذره مقبول، وإنما يستغفر
لأنّ السكران لا بدّ أن يبقى فيه من الإحساس ما يكون معه الطرب، فلو لم يبق معه إحساس
لكان مثل النائم يرتفع عنه القلم أي لا يلزمه الاستغفار، وهذا الفرق بين السكران والمجنون،
وإن كان كل واحد منهما من أهل الإحساس فإن المجنون ارتفع عنه الحكم ولم يرتفع عن
السكران، ومن حاله الاستغفار ممّا ظهر منه ما هو مثل حال من لم يقع منه ما يوجب
الاستغفار، فإن الاستغفار عندنا في طريق الله يكون في مقامين: المقام الواحد ما ذكرناه وهو

٢٦٤
في الأحوال/ الباب السابع والأربعون ومائتان في الصحو
أن يبدو منه ما ينبغي أن يكون مستوراً فيجب عليه الاستغفار من ذلك، وقد يقع الاستغفار
ممّن لم يبد منه شيء يوجب الاستغفار فيستغفر من هذا مقامه أي يطلب أن يستره الله في كنف
عنايته أن يحكم عليه حال من شأنه إذا لم يستره الله في كنف عنايته أن يبدو منه بحكم ذلك
الحال ما ينبغي أن يستر، وهذا هو المقام الثاني الذي لأهل الاستغفار، فيبتدؤون بطلب الستر
من الله عن حكم حال يوجب عليهم الاعتذار من وقوعه، وهذا هو استغفار الأكابر من الرجال
المعصومين، ولذلك ما سمع من نبي قط في حال نزول الوحي عليه كلام حتى يسري عنه،
فإذا صحا حينئذ يخبر بما يجب، ولهذا ما نقل عن نبي قط أنه ندم على ما قاله ممّا أوحي إليه
فيه، وأمّا ما كان عن نظر من غير وارد وحي فقد يمكن أن يرجع عن ذلك ويندم على ما جرى
منه في ذلك، وقد وقع منه مثل هذا في أسارى بدر وسوق الهدي في حجة الوداع وغير ذلك.
ولما كان في الصحو انكشاف لمراتب الأمور قدمناه في الفضيلة على السكر أي صاحبه
مقبول الحكم لمعرفته بالمواطن، وإن كان السكران صاحب حق، ألا ترى الصحو في السماء
إذا أصحت أي زال غيمها وانكشفت لتعطي الشمس من حرارتها لما يخرج من الأرض من
النبات وتسخين العالم لأنّ لها أثراً في ذلك، كما أعطى الغيم ما في قوّته من الرطوبة في
الأرض لأجل ذلك النبات فأفاد حال السكر وحال الصحو في الطبيعة، فإذا لم تقع فائدة عند
السكران في الطريق ولا عند الصاحي منه فما هو من أهل الطريق بل يكون كالصحو الذي معه
القحط المسمّى صيلماً وهو الذي أشرنا إليه في الأبيات في أوّل هذا الباب، فصحو السكر كله
أدب وعلم والناس فيه متفاضلون تفاضلهم في السكر: [مخلع البسيط]
فكلُّ سُكْرٍ له اختِكَامٌ وكلُّ صَخوٍ له ثَبَاتُ
واعلم أن من الصاحين من يصحو بربه، ومنهم من يصحو بنفسه، والصاحي بربه لا
يخاطب في صحوه إلاَّ ربّه ولا يسمع إلاَّ منه، فلا يقع له عين إلاَّ على ربه في جميع
الموجودات وهو على أحد مقامين: إما أن يكون يرى الحق من وراء حجاب الأشياء بطريق
الإحاطة مثل قوله: ﴿وَاللّهُ مِن وَرَآءِهِم ◌ُحِيطٌ﴾ [سورة البروج: الآية ٢٠] وإما أن يرى الحق عين الأشياء
وهنا ينقسم رجال الله على قسمين: قسم يرى الحق عين الأشياء في الأحكام والصور، وقسم
يرى الحق عين الأشياء من حيث ما هو قابل لحكم الصور وأحكامها لا من حيث عين
الصور، فإن الصور من جملة أحكام الأعيان الثابتة، فتختلف أحوال رجال الله في صحوهم
بالله، وأما من صحا بنفسه فإنه لا يرى إلاَّ أشكاله وأمثاله ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾
[سورة الشورى: الآية ١١] خاصة ولا يعطي مقامه ولا حاله أن يتم الآية ذوقاً وإن تلاها وهو قوله:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وصاحب الذوق الأوّل يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ ذوقاً وتلاوة فيرى صاحب صحو النفس أن الحق في عزلة عنه كما يراه من جعله في
قبلته إذا صلّى ولا يراه أنه هو المصلي، وهذا القدر من الإشارة في معرفة الصحو كاف،
والصحو والسكر من الألفاظ المحجورة المختصة بالأكوان فافهم، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .

٢٦٥
في الأحوال / الباب الثامن والأربعون ومائتان في الذوق
الباب الثامن والأربعون ومائتان
في الذوق
[نظم: البسيط]
ذوقٌ ينبِىءُ عن مَغْنَى تَخَلْيهِ
لكلِّ مبدٍ مَجْلَى في تَجَلِيهِ
وذلك الحكمُ من أعْلَى تَوَلِّيهِ
إن النَّجَلْيَ بالأسماء يحكُمُها
كان الدنوُ إلينا في تَدَلِيهِ
إذا تدلّى إلى أمرٍ يعنُّ له
كان الشّرقِّي به إلى تَجَلِّيهِ
لما تَلَقَّاه قلبي في مَنَازِلِهِ
اعلم أن الذوق عند القوم أوّل مبادي التجلي وهو حال يفجأ العبد في قلبه، فإن أقام
نفسين فصاعداً كان شرباً، وهل بعد هذا الشرب ري أم لا؟ فذوقهم في ذلك مختلف فيه،
وقد ذكر عن بعضهم أنه شرب فارتوى نقل عنه ذلك، ونقل عن أبي يزيد أن الري محال،
وكل نطق بحاله، ولكل صاحب قول وجه عندنا صحيح في الطريق، وعندنا في هذه المسألة
تفصيل يرد إن شاء الله فيما بعد في باب الشرب أو الريّ أو في باب عدم الري إن ذكرنيه الله
فابحث عليه في آخر هذه الأبواب من هذا الكتاب.
اعلم أن قولهم أوّل مبادئ التجلي إعلام أن لكل تجلّ مبدأ هو ذوق لذلك التجلي،
وهذا لا يكون إلاّ إذا كان التجلي الإلهيّ في الصور أو في الأسماء الإلهية أو الكونية ليس غير
ذلك، فإن كان التجلي في المعنى فعين مبدئه عينه ماله بعد المبدأ حكم يستفيده الإنسان
بالتدريج، كما يستفيد معاني تلك الصورة المتجلي فيها أو معاني الأسماء كلها كل اسم منها،
فيرى في المبدأ ما لا يراه من ذلك الاسم بعد ذلك، وصاحب المعنى مبدأ كل شيء عينه فلا
يستفيد منه بعد هذه الإفادة الكلية، فله التفصيل في التعبير عن ذلك الأمر الواحد وهو المراد
بقولنا في صدر هذا الكتاب: [الكامل]
حتَّى بدَتْ للعين سُبْحَةُ وجْهِهِ
وإلى هَلُمَّ لَمْ تكُنْ إلاَّ هِيَ
فكان مبدؤها عينها، وكل ما نأتي به بعد ذلك في جميع كلامنا إنما هو تفصيل لذلك
الأمر الكلي تتضمنه تلك النظرة في تلك العين الواحدة وأكثر الناس على خلاف هذا الذوق
ولهذا لا ينتظم كلامهم، ويطلب الناظر فيه أصلاً يرجع إليه جميع أقوالهم فلا يجد، وكلامنا
مرتبط بعضه ببعضه لأنه عين واحدة وهذا تفصيلها، ويعرف ما قلناه من يعرف مناسبة آي
القرآن في نسق بعضها إلى بعض، فيعرف الجامع بين الآيتين وإن كان بينهما بعد ظاهر فذلك
صحيح، ولكن لا بدّ من وجه جامع بين الاسمين مناسب هو الذي أعطى أن تكون هذه الآية
مناسبة لما جاورها من الآيات لأنه نظم إلهيّ، وما رأينا أحداً ذهب إلى النظر في هذا إلاّ
الرمانيّ من النحويين فإن له تفسير للقرآن أخبرني من وقف عليه أنه نحا في القرآن هذا المنحى
وما وقفت عليه، لكني رأيت بمراكش ببلاد المغرب أبا العباس السبتي صاحب الصدقات
يسلك هذا المسلك وفاوضته فيه وكان من أصحاب الموازين.

٢٦٦
في الأحوال / الباب الثامن والأربعون ومائتان في الذوق
ثم أعلم أن الذوق يختلف باختلاف التجلي، فإن كان التجلي في الصور فالذوق
خيالي، وإن كان في الأسماء الإلهية والكونية فالذوق عقلي، فالذوق الخياليّ أثره في النفس،
والذوق العقليّ أثره في القلب، فيعطي حكم أثر ذوق النفس المجاهدات البدنية من الجوع
والعطش وقيام الليل، وذكر اللسان، والتلاوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
والجهاد في سبيل الله، ورمي ما تملكه اليدان، كان وحده لا تكون له عائلة ولا شيخ، فإن
كان بين يدي شيخ معتبر يربيه فيرمي ما بيده بين يدي ذلك الشيخ ويخرج عنه بالكلية ظاهراً
وباطناً ولا يبقى له ملكاً، وإن كره ذاك بباطنه لضعفه أو أدركته فيه مشقة فلا ينظر بإخراج ذلك
من يده الالتذاذ بذلك، بل إذا أخرجه عن مشقة أخرجه بنظر صحيح ثابت لا يتمكن له في
نفسه إزالة ما نواه في ذلك، وإذا أخرجه عن يده بلذة فما أخرجه بعقله، فإن ارتفعت اللذة
يمكن أن يدركه الندم بخلاف الكاره، فإنه إذا أخرجه مع الكره ثم بدا له في نفسه بالعناية
الإلهية ما أزال الكره عنه انتقل إلى حالة الالتذاذ بذلك فهو أثبت في المقام، وهكذا كان
خروجنا عما بأيدينا، ولم يكن لنا شیخ نحکمه في ذلك ولا نرميه بين يديه، فحكمنا فيه الوالد
رحمه الله لما شاورناه في ذلك، فإنا تركنا ما بأيدينا ولم نسند أمره إلى أحد لأنا لم نرجع على
يد شيخ ولا كنت رأيت شيخاً في الطريق بل خرجت عنه خروج الميت عن أهله وماله، فلما
شاورنا الوالد وطلب منا الأمر في ذلك حكمناه في ذلك، ولم أسأل بعد ذلك ما صنع فيه إلى
يومي هذا، هذا ما يعطي حكم ذوق النفس ولا بدّ منه لكل طالب، وأصله إتيان أبي بكر
بجميع ما يملكه إلى النبي بَّر حين قال له: انتني بما عندك، وأتاه عمر بشطر ماله فإنه وَلّ ما
حدّ لهم في ذلك، ولو حدّ لهم في ذلك ما تعدّى أحد منهم ما حدّه له رسول اللهِ وََّ، وإنما
أراد ◌َ# أن تتميز مراتب القوم عندهم فقال لأبي بكر: ما تركت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله،
وهذا غاية الأدب حيث قال: ورسوله، فإنه لو قال: الله لم يتمكن له أن يرجع في شيء من
ذلك إلاَّ حتى يردّه الله عليه من غير واسطة حالاً وذوقاً، فلما علم ذلك قال: ورسوله، فلو ردّ
إليه رسول الله وَ﴿ من ماله شيئاً قبله لأهله من رسول الله وَ له فإنه تركه لأهله، فما حكم فيه
إلاَّ من استنابه رب المال، فانظر ما أحكم هذا وما أشدّ معرفة أبي بكر بمراتب الأمور، وتخيل
عمر أنه يسبق أبا بكر في ذلك اليوم لأنه رأى إتيانه بشطر ماله عظيماً. ثم قال لعمر بن
الخطاب: ما تركت لأهلك؟ قال: شطر مالي، فقال رسول الله وَط ◌َر: بينكما ما بين
كلمتيكما، قال عمر: فعلمت أني لا أسبق أبا بكر أبداً، والإنسان ينبغي أن يكون عالي الهمة
يرغب في أعلى المراتب عند الله ويوفي كل مرتبة حقها، فلم يردّ رسول الله وم طر على أبي بكر
شيئاً من ماله تنبيهاً للحاضرين على ما علمه من صدق أبي بكر في ذلك، فإن رسول الله اله
قد علم منه الرفق والرحمة، فلو ردّ شيئاً من ذلك عليه تطرّق الاحتمال في حق أبي بكر أنه
خطر له رفق رسول الله # فعوض رسول الله ◌َ أهل أبي بكر بما يقتضيه نظره وَلـ
وجاءه عبد الرحمن بن عوف بجميع ماله فرّه عليه كله وقال: أمسك عليك مالك فإنه ما دعاه
إلى ذلك ولو دعاه إلى ذلك لقبله منه كما قبله من أبي بكر .

٢٦٧
في الأحوال / الباب التاسع والأربعون ومائتان في الشرب
ويعطي حكم ذوق العقل الرياضات النفسية وتهذيب الأخلاق فتتضمن الرياضة
المجاهدات البدنية ولا تتضمن المجاهدة الرياضات والرياضات أتم في الحكم، فإن
النبيّ ◌َّ بعث ليتمم مكارم الأخلاق، فمن جبل عليها فهو منوّر الذات مقدس ومن لم
يجبل عليها فإن الرياضة تلحقه بها وتحكم عليه والرياضة تذليل الصعب من الأمور، فمن
ذلّل صعباً فقد راضه وأزال عن النفس جموحها فإنها تحب الرياسة والتقدم على أشكالها،
والرياضة تمنع النفس من هذا الخاطر وسلطانه ولا ترى لها شفوفاً على غيرها لاشتراكها
معهم في العبودية وإحاطة القبضة بالكل فبماذا ترأس فتمتثل أمر الله من حيث أنها مخاطبة
من عند الله بذلك، وتود أن يكون كل مخاطب من العبيد مسارعاً إلى امتثال أمر سيده إيثاراً
لجنابه ما يخطر لها في المسارعة أن تسبق غيرها من النفوس، فيكون لها بذلك مزية على
غيرها لا يقتضي مقام الرياضة ذلك، فإن الرياضة خروج عن الأغراض النفسية مطلقاً من
غير تقييد.
وأما الذوق الذي مبدؤه نفس عينه كما قدمنا فلا يحتاج إلى رياضة ولا مجاهدة، فإن
الرياضة لا تكون إلاَّ في صعب الانقياد كثير الجموح أو منعوت بالجموح، والمجاهدة
إحساس بالمشقة، وهذه العين التي ذكرناها ما تركت صعباً فتحكم عليه الرياضات فهو ذلول
في نفسه أعطته ذلك مشاهدة تلك العين دفعة.
وأما الإحساس بالمشقات البدنية فذلك حسّ الطبع لا حسّ النفس، فهو صاحب لذة
في مشقة يحكم فيها بحكم ما عين الله له من الحقوق حيث قال له على لسان المبين عنه وهو
رسول الله وَ له: ((إِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ
حَقّاً فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٌّ حَقَّهُ)) فالذائق لهذه العين حكمه ما شرع له ليس له ولا عنده رياضة في
قبول ذلك أصلاً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والذوق يعطيك بعد ذلك التجلي العلم
ومنه تحقيق ميزانه ومرتبته فيتأدب معه بما يستحقه في النظر إليه فإنه نظير العين فيما لا مساغ
لها فيه، وهو الذي يورث عندك الظمأ إذا لم تكن مؤمناً فإن كنت مؤمناً فالإيمان يعطيك الظمأ
ويشتد عطشك ويقل على قدر إيمانك، ومن ليس بمؤمن لا ظمأ عنده البتة لشرب التجلّي،
وإن أدركه العطش للعلم فمن حيث النظر الفكري، وأما العلوم التجلي فليس إلاَّ الإيمان ولا
يحصل إيمان إلاَّ والظمأ يصحبه فيزيد بالذوق فافهم.
الباب التاسع والأربعون ومائتان
في الشرب
[نظم: البسيط]
الشُّرْبُ بين مَقَام الذَّوْقِ والرَّيِّ
إن الحقوقَ التي للحقْ قائمةٌ
أنتَ الغنيُّ به إذ كان عَيْنَكُمُ
مثل القَضيَّة بين النَّشْر والطَّيِّ
عليكَ فاحذَرْ إذا ما كنتَ في الغَيِّ
فلا سبيلَ إلى مَطْلٍ ولا لَيِّ

٢٦٨
في الأحوال/ الباب التاسع والأربعون ومائتان في الشرب
إذا تَنَاظَرتِ العُشَّاقُ في مَيٍّ
غَيْلانُ لم يكُ مثلي في محبَّتهِ
فإنني حاتِمِيُّ الأصْلِ من طَيٍّ
وضلُ الوفاء وهَجْرُ المَطْل من شِيَمي
اعلم أيّدك الله أن الشرب هو ما تستفيده في النفس الثاني مضافاً إلى ما استفدته في نفس
الذوق بالغاً ما بلغ على مذهب من يرى الري ومن لا يراه. واعلم أن الشرب قد يكون عن عطش
وقد يكون عن التذاذ لا عن عطش كشرب أهل الجنة بعد شربهم من الحوض الذي قام لهم مقام
الذوق فشربهم من الحوض عن ظمأ ثم لا يظمؤون بعد ذلك أبداً، فإن أهل الجنة لا يظمؤون
فيها وهم يشربون فيها شرب شهوة والتذاذ لا شرب ظمأ ولا دفع ألمه. واعلم أن الشرب يختلف
باختلاف المشروب، فإن كان المشروب نوعاً واحداً فإنه يختلف باختلاف أمزجة الشاربين وهو
استعدادهم، فمن الناس من يكون مشروبه ماء، ومنهم من يكون مشروبه لبناً، ومنهم من يكون
مشروبه خمراً، ومنهم من يكون مشروبه عسلاً بحسب الصورة التي يتجلّى فيها ذلك العلم، فإن
هذه الأصناف صور علوم مختلفة قد ذكرناها في جزء لنا سميناه مراتب علوم الوهب، ودليلنا
على ما قلناه أنها علوم رؤيا النبيّ بِّ فإنه قال: ((أُرِيتُ كَأَنِي أُوتِيتُ بِقَدَح ◌َبَنِ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتّى
وَأَيْتُ الرِّيَّ يَخْرِجُ مِنْ أَظَافِرِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلي عُمَرَ، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَّهُ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
العِلْمُ)) فهذا علم تجلّى في صورة لبن، كذلك تتجلى العلوم في صور المشروبات.
ولما كانت الجنة دار الرؤية والتجلي وما ذكر الله فيها سوى أربعة أنهار ﴿أَنْهَرٌ مِنِ مَّآءٍ غَيْرٍ
ءَاسِنٍ﴾ [سورة محمد: الآية ١٥] ﴿ وَأَنْهَرٌ مِّنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَغَيَّرْ طَعْمُ﴾ [سورة محمد: الآية ١٥] ﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ
لَّذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ﴾ [سورة محمد: الآية ١٥] ﴿وَأَنْهَذٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفَّى﴾ [سورة محمد: الآية ١٥] علمنا قطعاً أن
التجلي العلمي لا يقع إلاّ في أربع صور: ماء، ولبن، وخمر، وعسل، ولكل تجلّ صنف
مخصوص من الناس وأحوال مخصوصة في الشخص الواحد، فمنه ما هو لأصحاب المنابر
وهم الرسل، ومنه ما هو لأصحاب الأسرة وهم الأنبياء، ومنه ما هو لأصحاب الكراسي وهم
الورثة الأولياء العارفون، ومنه ما هو لأصحاب المراتب وهم المؤمنون، وما ثم صنف
خامس، وكل صنف يفضل بعضه على بعضه كما قال الله في ذلك: ﴿ِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ
عَلَى بَعْضِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] وقوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَ التَّيْكِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٥٥] فإن
الأعمال كانت هنا في زمن التكليف مقسمة على أربع جهات، ولذلك لما علم إبليس بهذه
الجهات قال: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمَّ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧]
ولم يذكر بقية الجهات لأنه لم يقترن بها عمل فإنها للتنزل الإلهيّ والوهب الربانيّ الرحمانيّ
الذي له العزّة والمنع والسلطان، فالعلوم وإن كثرت فإن هذه الأربعة تجمعها وهي مجال إلهية
في منصات ربانية في صور رحمانية، وهي في حق قوم مع الأنفاس دائماً، وهم الذين لا
يقولون بالري وفي حق قوم إلى أمد معين عينه لهم قوله تعالى يوم الزور والرؤية ردّوهم إلى
قصورهم وهم الذين يقولون بالري في هذه المشروبات كلها وفي بعضها، والمتنوع في الكل
من الناس من يكون مشروبه واحداً ممّا ذكرناه لا ينتقل عنه أبداً .
ومنهم من يتنوّع في المشروبات وهو الأتم، وكان رسول الله وَل# يحب مزج الماء

٢٦٩
في الأحوال / الباب التاسع والأربعون ومائتان في الشرب
باللبن فيشربه ومزج العسل باللبن، وما بقي إلاَّ الخمر وليست دار الدنيا بمحل لإباحته في
شرع محمد ◌ّ الذي مات عليه، فلم يمكن لنا أن نضرب به المثل بالفعل كما ضرب
النبي ◌َّ بالفعل بشرب اللبن بالماء وشرب العسل باللبن فشربه رسول الله وَ لّ خالصاً
وممزوجاً بما هو حلال له، ولذلك أيضاً كان رسول الله وَ* يقول في اللبن إذا شربه: «اللَّهُمَّ
بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ)) لأنه تقوم معه صورة ضرب المثل به في العلم في حديث الرؤيا
الصحيح وهو مأمور بطلب الزيادة من العلم بقوله: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طُه: الآية ١١٤]
فكان اللبن مذكراً له بطلب الزيادة منه، وكان يقول في سائر الأطعمة: ((اللَّهُمَّ بَارِكُ لَنَا فِيهِ
وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْه)) وكان ◌َّ: ((إِذَا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ تَضَلّعَ مِنْهُ)) وكان يحب الحلوى والعسل،
فهذه كلها أعني المشروبات وضعها الله ضرب أمثلة لأصناف علوم تتجلى للعارفين في صور
هذه المحسوسات، وخصّ الخمر بالجنة دون الدنيا، وقرن به اللذة للشاربين منه، ولم يقل
ذلك في غيره من المشروبات وذلك لأنه ما في المشروبات من يعطي الطرب والسرور التام
والإبتهاج إلاَّ شرب الخمر فيلتذ به شاربه وتسري اللذة في أعضائه وتحكم على قواه الظاهرة
والباطنة، وما في المشروبات من له سلطان وتحكم على العقل سوى الخمر، فهو للعلم
الإلهيّ الذوقي الذي تمجه العقول من جهة أفكارها ولا يقبله إلاَّ الإيمان، كما أن علم العلماء
في علم هذا الطريق تهمة لأن علم هذا الطريق له أثر فيها فهو الحاكم المؤثر في غيره من
أصناف العلوم، ولا يؤثر فيه غيره لقوّة سلطانه لأنه مؤثر في العقل، والعقل أقوى ما يكون،
وكذلك يزيل حكم الوهم والوهم سلطان قوي، وليس يزيل حكمه من المشروبات إلاَّ
الخمر، فلا يقف لقوّة سلطانه عقل ولا وهم، وأعظم قوّة من هاتين في الإنسان ما يكون، ألا
ترى إلى السكران يلقي نفسه في المهالك التي يقضي العقل والوهم باجتنابها، فحكم العلم
المشبه به في العلوم حكمه، فلو أبيح في هذه الشريعة مع ما أعطى الله هذه الأمّة من الكشف
والفتوح والإمداد في العلوم وثبوت القدم فيها لظهرت أسرار الحق على ما هي عليه وبطلت
أشياء كثيرة كان الشرع من علم اللبن قد قررها، فهذا التجلي في صورة الخمر لا يحصل في
الدنيا إلاَّ للأمناء فيلتذون به في بواطنهم ولا يظهر عليهم حكمه وهو ما أشار إليه سهل بن عبد
الله التستريّ بقوله: إن للربوبية سرّاً لو ظهر لبطلت النبوّة، وإن للنبوّة سرّاً لو ظهر لبطل
العلم، وإن للعلم سرّاً لو ظهر لبطلت الأحكام، فلو وقع التجلي في صورة الخمر وظهر هذا
العلم في العموم ولم يكن الإنسان في طبعه ومزاجه على مزاج أهل الجنة لظهرت الأسرار
بإظهاره إياها في العالم، فأدى ظهورها إلى فساد لقوّة سلطانه في الإلتذاذ والابتهاج والفرح
ومغيب حكم العقول عن شاربه، ولهذا ضرب الله مثلاً فيمن حصل له هذا التجلي في الدنيا
ولم يظهر عليه حكمه مثل الأنبياء وأكابر الأولياء كالخضر والمقرّبين من عباده، فخلق بعض
الأجسام البشرية هنا على مزاج لا يقبل السكر ليعلم أن ثم لله عباداً حصل لهم هذا التجلي
الإلهيّ في صورة الخمر وهم على استعداد يعطي الكتمان وعدم الإنشاء.
واعلم أن من أعطاه الله المعاني مجردة عن الخطاب أو النصوص في الخطاب فهو عن

٢٧٠
في الأحوال / الباب الخمسون ومائتان في الريّ
تجليه في صورة الماء غير الآسن وهو العلم الإلهيّ الذي لا تعلّق له بالطبيعة. ومن أعطاء الله
العلم بأسرار الشرع وأحكامه وعلم حكمة قوله: ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سورة
إبراهيم: الآية ٤] وعرف ميزان الأحكام بعلم الأوقات والأحوال فيحرم في شرع ما يحلل في غيره
فذلك من علم تجليه في صورة اللبن، أعني الحليب منه الذي لم يتغير طعمه بعقده أو مخضه أو
تربيبه، ومن أعطاه الله العلم بالكمال والأحوال والجمال فإنه عن تجلّي العلم في صورة الخمر،
ومن أعطاه الله العلم بطريق الوحي والإيمان وصفاء الإلهام وعمّ علمه كل شيء ممّا يصحّ أن
يعلم حتى يعلم أنه ما لا يصحّ أن يعلم لا يعلم فذلك العلم عن التجلّي في صورة العسل، فإذا
كان شربه شيئاً من هذه المشروبات أو كلها كان محصلاً لما شرب كالنبي الذي قال: فعلمت
علم الأوّلين والآخرين، ولم يذكر أنه اختصّ به، فلما لم يذكر الاختصاص أبقى الباب غير
مغلق لمن أراد الدخول منه إلى نيل هذا المقام، فالواجب على كل عاقل أن يتعرض لنفحات
الجود الإلهيّ، فإن لله نفحات فتعرضوا لها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخمسون ومائتان
في الريّ
[نظم: البسيط]
علمٌ بأنَّ وجودَ الرِيِّ مَعْدُومُ
الريُّ قال به قومٌ وليس لهم
أمدادُه وزياداتٌ وتَعْليمُ
لو كان ريٍّ تَنَاهَى الأمرُ وانقطعَتْ
لكنَّه الرزقُ في الأشخاصِ مَقْسُومُ
فالأمرُ ليس له حذَّ يُحيطُ به
الريّ ما يحصل به الاكتفاء ويضيق المحل عن الزيادة منه. اعلم أنه لا يقول بالريّ إلاَّ
من يقول بأن ثم نهاية وغاية وهم المكشوف لهم عالم الحياة الدنيا ونهاية مدّتها، وهم أهل
الكشف في اللوح المحفوظ المعتكفون على النظر فيه، أو من كان كشفه في نظرته ما هو
الوجود عليه، ثم يسدل الحجاب دونه ويرى التناهي إذ كل ما دخل في الوجود متناه، وليس
لصاحب هذا الكشف من الكشف الأخروي شيء، فمن رأى الغاية قال بالري وعلّق همته
بالغاية، وهؤلاء هم الذين قال فيهم شيخنا أبو مدين: إنه من رجال الله من يحن في نهايته إلى
البداية، وذلك لأنّ الله ما كشف لهم عن حقيقة الأمر على ما هو عليه كالقائلين برجوع
الشمس في طول النهار وما هو رجوع في نفس الأمر، والقائلون بالريّ هم القائلون بالدور لما
يرونه من تكرار أيام الجمعة والشهور، والذين لا يقولون بالريّ هم الذين يسمون النهار والليل
الجديدين وليس عندهم تكرار جملة واحدة، فالأمر له بدء وليس له غاية، لكن فيه غايات
بحسب ما تتعلق به همم بعض العارفين فيوصلهم الله إلى غاياتهم، ومن هناك يقع لهم
التجديد فيه لا عليه، فيفوتهم خير كثير من الحكم وعلم كبير في الإلهيات، بل يفوتهم من
علم الطبيعة خير كثير، فإن تركيبها لا نهاية له في الدنيا والآخرة، ويحجبهم عن عدم الريّ
قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٥] فسمّاه رجوعاً وذلك لكونه شغلهم عنه

٢٧١
في الأحوال / الباب الأحد والخمسون ومائتان في عدم الريّ
بالنظر في ذواتهم وذوات العالم عند صدورهم من الله، فإذا وفوا النظر فيما وجد من العالم
تعلقوا بالله فتخيلوا أنهم رجعوا إليه من حيث صدورهم عنه، وما علموا أن الحقيقة الإلهية
التي صدروا عنها ما هي التي رجعوا إليها بل هم في سلوك دائماً إلى غير نهاية، وإنما نظروا
لكونهم رجعوا إلى النظر في الإله بعدما كانوا ناظرين في نفوسهم لما لم يصحّ أن يكون وراء
الله مرمى، وسبب الريّ الحقيقيّ أنه لما لم يتمكن أن يقبل من الحق إلا ما يعطيه استعداده
وليس هناك منع فحصل الاكتفاء بما قبله استعداد القابل وضاق المحل عن الزيادة من ذلك
فقال صاحب هذا الذوق: ارتويت، فما يقول بالريّ إلاَّ من هو واقف مع وقته وناظر إلى
استعداده، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الأحد والخمسون ومائتان
في عدم الريّ
وقال به قوم: [نظم: الرمل]
أن أحكامَ الثَّنَاهِي لا تَكُونْ
عَدَمُ الريِّ دليلٌ واضحٌ
ورأوا أن الذي قِيْلَ يَهُونْ
قال بالريّ رجالٌ غلطوا
ورأوا ما يَقْتَضي كُنْ فيكونْ
وهُمُ لو عرفوا مقْدَارَهُ
للذي أنْكَرَهُ يَعْتَذرونْ
لم يقولوا مثلَ هذا وأتَوْا
أمر الله تعالى نبيه أن يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] ومن طلب الزيادة فما
ارتوى، وما أمره إلى وقت معين ولا حدّ محدود بل أطلق فطلب الزيادة والعطاء دنيا وآخرة،
يقول النبيّ وَّرَ في شأن يوم القيامة: ((فَأَحْمَدُهُ) يعني إذا طلب الشفاعة «بِمَحَامِدَ يُعلِّمُنِيها اللَّهُ
لاَ أَعْلَمُها الآنَ)) فالله لا يزال خلاقاً إلى غير نهاية فينا، فالعلوم إلى غير نهاية، وليس غرض
القوم من العلم إلاَّ ما يتعلق بالله كشفاً ودلالة، وكلمات الله لا تنفد وهي أعيان موجوداته، فلا
يزال طالب العلم عطشاناً أبداً لا ريّ له، فإن الاستعداد الذي يكون عليه يطلب علماً يحصله،
فإذا حصل أعطاه ذلك العلم استعداداً لعلم آخر كونيّ أو إلهيّ، فإذا علم بما حصل له أن ثم
أمراً يطلبه استعداده الذي حدث له بالعلم الحاصل عن الاستعداد الأوّل يعطش إلى تحصيل
ذلك العلم، فطالب العلم كشارب ماء البحر كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً، والتكوين لا
ينقطع، فالمعلومات لا تنقطع، فالعلوم لا تنقطع، فأين الريّ؟ فما قال به إلاَّ من جهل ما
يخلق فيه على الدوام والاستمرار، ومن لا علم له بنفسه لا علم له بربه، قال بعض العارفين:
النفس بحر لا ساحل له، يشير إلى عدم النهاية، وكل ما دخل في الوجود أو اتصف بالوجود
فهو متناه، وما لم يدخل في الوجود فلا نهاية له وليس إلاَّ الممكنات، فلا يصحّ أن يعلم إلاَّ
محدث، فإن المعلوم لم يكن ثم كان ثم يكون آخر أيضاً، فلو اتصف المعلوم بالوجود لتناهى
واكتفي به، فلا تعلم من الله إلاَّ ما يكون منه ويوجده فيك إما إلهاماً أو كشفاً عن حدوث تجلّ،
وهذا كله معلوم محدث فلا علم لأحد إلاَّ بمحدث ممكن مثله، والممكنات لا تتناهى لأنها غير

٢٧٢
في الأحوال / الباب الثاني والخمسون ومائتان في المحو
داخلة في الوجود دفعة واحدة بل توجد مع الآنات، فلا يعلم الله إلاَّ الله، ولا يعلم الكون
المحدث إلاَّ محدثاً مثله يكوّنه الحق فيه، قال تعالى: ﴿مَا يَأْنِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم ◌ُحْدَثٍ﴾
[سورة الأنبياء: الآية ٢] وهو كلامه وحدث فيهم فتعلق علمهم به فما تعلق إلاَّ بمحدث وذلك الذي
يتخيله من لا علم له من أنه علم الله فلا صحة له لأنه لا يعلم الشيء إلاَّ بصفته النفسية الثبوتية
وعلمنا بهذا محال، فعلمنا بالله محال، فسبحان من لا يعلم إلاَّ بأنه لا يعلم، فالعالم بالله لا
يتعدّى رتبته، ويعلم ما يعلم أنه ممّن لا يعلم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
الباب الثاني والخمسون ومائتان
في المحو
[نظم: البسيط]
في سورة الرَّعْد والبرهانُ يَحمِلُهُ
للمَخوِ حُكُمْ إِلهِيٍّ يقولُ به
ضدٍّ وهل بوجود الضدّ تَعْقِلُهُ
المَخْوُ يُثْبِتُه الإثباتُ وهو له
فابحَثْ على عالم به يُفَصِّلُهُ
المَحْوُ ثَبْتٌ ولکنْ حُكْمُه عَدَمٌ
اعلم أن المحو عند الطائفة رفع أوصاف العادة وإزالة العلة وما ستّره الحق ونفاه قال
تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتٌ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٩] فثبت المحو وهو المعبر عنه بالنسخ
عند الفقهاء، فهو نسخ إلهيّ رفعه الله ومحاه بعدما كان له حكم في الثبوت والوجود وهو في
الأحكام انتهاء مدّة الحكم، وفي الأشياء انتهاء المدّة فإنه تعالى قال: ﴿كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ تُسَنَّىَّ﴾
[سورة الرعد: الآية ٢] فهو يثبت إلى وقت معين ثم يزول حكمه لا عينه فإنه قال: ﴿يَجْرِى لِأَجَلِ
تُسَقَّىَ﴾ فإذا بلغ جريانه الأجل زال جريانه، وإن بقي عينه فالعادة التي في العموم يمحوها الله
عن الخصوص، فمنهم من تمحى عن ظاهره، ومنهم من تمحى عن باطنه وتبقى عليه أوصاف
العادة وهو الكامل مع كونه صاحب محو، كما أنه يكون المسخ في القلوب وهم اليوم كثير.
وكان في بني إسرائيل ظاهراً بالصورة فمسخهم الله قردة وخنازير وجعل ذلك في هذه الأمّة في
باطنها تمييزاً لها، ولكن لا تقوم الساعة حتى يظهر في صورها شيء من ذلك مع خسف
وقذف، كذا ورد الخبر عن رسول الله وَله .
ومن العادة الركون إلى الأسباب والعلل، فصاحب المحو يزول عنه الركون إلى
الأسباب لا الأسباب، فإن الله لا يعطل حكم الحكمة في الأشياء والأسباب حجب إلهية
موضوعة لا ترفع أعظمها حجابا عينك، فعينك سبب وجود المعرفة بالله تعالى، إذ لا يصح
لها وجود إلاَّ في عينك، ومن المحال رفعك مع إرادة الله أن يعرف فيمحوك عنك فلا تقف
معك مع وجود عينك وظهور الحكم منه كما محا الله رسول الله وَّ في حكم رميه مع وجود
الرمي منه فقال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ فمحاه ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ فأثبت السبب ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىْ﴾ [سورة
الأنفال: الآية ١٧] وما رمى إلاَّ بيد رسول الله وَلّ وفي الصحيح: ((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ»
فإزالة العلة في المحو إنما هي في الحكم لا في العين، إذ لو زالت العلة والسبب لزال وهو لا

٢٧٣
في الأحوال/ الباب الرابع والخمسون ومائتان في معرفة الستر وهو ما سترك عمّا يفنيك
يزول، فمن الحكمة إبقاء الأسباب مع محو العبد من الركون إليها على حكم نفي أثرها في
المسببات، فالأسباب ستور وحجب ولا يكون محو أبداً إلاَّ فيما له أثر وإلاَّ فليس بمحو،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والخمسون ومائتان
في معرفة الإثبات وهو إحكام العادات وإثبات المواصلات
[نظم: الطويل]
من المَحْو لما أن دَعَاني إمامُهَا
إلى حَضْرَةِ الإِثْبَاتِ أعْمَلْتُ همَّتي
بهادٍ وَحَادٍ خَلْفَها وأمامَهَا
فلما أتينا حَضْرَةً لم نَزَلْ بها
وقد ساقها شَوْقاً إليَّ غَرَامُهَا
إلى أن تراءت بين سَلْعِ وحَاجِرٍ
الإثبات هو الأمر المقرّر الذي عليه جميع العالم، فمن طلب من غير نبي أو مشدّ لنبي
رفع حكم العوائد فقد أساء الأدب وجهل، وأما هذا الذي يسمونه خرق عادة هو عادة إذ كان
ثبوت خرق العادة عادة فما محوت العادات إلاَّ بإثباتها، غير أن صاحب الإثبات لا بدّ أن
تكون له وصلة بالحق ولهذا يثبت أحكام العادات فإن صاحبه وضعها، ومن شرط الصحبة
الموافقة فكيف يصحبه ويكون مواصلاً له ويحكم عليه بإزالة ما يرى الحكمة في ثبوته؟ ولا
سيما وقد علم صاحب هذا المقام أن الله حكيم عليم بما يجريه ويثبته، فيثبت ما أثبته صاحبه،
وإن لم يفعل وطلب غير ذلك فهو منازع، ومن نازعك فما هو بصاحب لك ولا أنت بصاحب
له إن نازعته، وكان إلى العناد أقرب، فصاحب الإثبات دائم المواصلة مع الحق فإنه يثبت
أحكام العادات لأنه يشهده فيها، فلا يمكن له مع هذا أن يطلب رفع أحكامها ولا محوها،
فهذا مقام الإثبات على غاية الإيجاز والبيان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع والخمسون ومائتان
في معرفة الستر وهو ما سترك عمّا يفنيك
[نظم: البسيط]
والله ما تُسْدَلُ الأستارُ والكُلَلُ
إلاَّ مِنَ آجلِ الذي تَخْظى به المُقَلُ
أو للذي يَقْتَضيه الطَّبْعُ والمَلَلُ
وقد يكونُ حَذاراً من تأمُّلِهَا
أساساً لها قامَتِ الأغراضُ والمِلَلُ
إذا نَظَرْتَ الذي يحويه من عِبَرٍ
لم يُذْرَ ما كان لي غَرَضٌ ولا أمَلُ
الولا السُّتورُ التي تُخْفِي ضَنَائنَها
إلاَّ لأمرٍ عظيم خَطْبُهُ جَلَلُ
والله ما تُرْسَلُ الأستارُ والكُلَلُ
الستر غطاء الكون والوقوف مع العادات ونتائج الأعمال، وقَد أعلمناك أن الأسباب
حجب إلهية لا يصحّ رفعها إلا بها، فعين رفعها سدلها، وحقيقة محوها إثباتها، والستر رحمة
عامة إلهية في حق العامة لما قدر عليهم من المخالفة لأوامره، فلا بدّ لهم من إيقاعها ومع
الفتوحات المكية ج٤ - م١٨

٢٧٤
في الأحوال / الباب الرابع والخمسون ومائتان في معرفة الستر وهو ما سترك عمّا يفنيك
الكشف والتجلي فلا تقع أبداً فلا بدّ من الستر، ولهذا أهل التجلي العلمي رفع عنهم الحجر
فلم يبق في حقهم تحجير بل أبيح لهم ما شاؤوه في تصرفهم، فإنه ورد في صحيح الخبر أن
الله يقول لمن أذنب فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب: ((اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ
لَكَ)) فأباح لمن هذه صفته ما حجره على غيره، ومن المحال أن يأمره بإتيان ما حجر عليه
الإتيان به، فإن الله لا يأمر بالفحشاء فأسدل الستور دون أهل الحجر، هذا حكمه في العامة،
وأما في الخاصة فقول القائل : [الطويل]
ولولاكَ لم يُطْبَعْ عليه خِتَامُهُ
فأنتَ حجابُ القلبِ عن سرُّ غَیْبِهِ
فجعلك عين ستره عليك، ولولا هذا الستر ما طلبت الزيادة من العلم به، فأنت المتكلم
والمخاطب من خلف ستر الصورة التي كلمك منها، فانظر في بشريتك تجدها عين سترك
الذي كلمك من ورائه فإنه يقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾
[سورة الشورى: الآية ٥١] وقد يكلمك منك فأنت حجاب نفسك عنك وستره عليك، ومن المحال
أن تزول عن كونك بشراً فإنك بشر لذاتك، ولو غبت عنك أو فنيت بحال يطرأ عليك
فبشريتك قائمة العين فالستر مسدل فلا تقع العين إلاَّ على ستر لأنها لا تقع إلاَّ على صورة،
وهذا لما تقتضيه الألوهية من الغيرة والرحمة فأما الغيرة فإنه يغار أن يدركه غير فيكون محاطاً
لمن أدركه ﴿بِكُلِّ شَىءٍ تُحِيطٌ﴾ والمحاط فلا يكون محيطاً لمن أحاط به. وأما الرحمة فإنه
علم أن المحدثات لا تبقى لسبحات وجهه بل تحترق بها فسترهم رحمة بهم لإبقاء عينهم.
ثم إن الله أيضاً أسدل للعالمين ستور نتائج أعمالهم بقوله: إن عمل كذا ينتج لعامله كذا
فيقف العامل مع النتيجة لا رغبة فيها إذا كان من أهل الخصوص، وإنما يرغب من يرغب فيها
ليصحّح بها ويشهودها عمله الذي كلفه به سيده. وأما العامة فلرغبتها فيها وتعشقها بها، فلما
جعل الله علامات تدل على صحة الأعمال في العاملين رغبت الخاصة في مشاهدة نتائج
الأعمال ليكونوا على بصيرة في أمورهم إذ كان مطلوبهم وهمهم القيام بما أشهدهم عليه من
الحقوق وليست الحقوق سوى الأعمال التي كلفهم، وقد يسدل الستر خوفاً من نفوذ العين
وإصابته، ويدخل في هذا سدل الحجب من أجل السبحات الوجهية المحرقة أعيان الممكنات
وأما في حق بعض الناس ممّن ليست له تلك القدم في العلم بالله فلا يعلم أن الله تجلياً في كل
نفس ما هو على صورة التجلي الأوّل، فلما غاب عنه هذا الإدراك ربما استصحب تجلياً ودام
عليه شهوده والطبع يطلبه بحقيقته فيدركه الملل، والملل في هذا المقام عدم احترام بالجناب
الإلهيّ فإنهم ﴿ فِى لَبِسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥] مع الأنفاس، وهم يتخيلون أن الأمر ما
تغير، فسدل الستر من أجل الملل الذي يؤدي إلى عدم الاحترام لما حرمهم الله العلم بهم
وبالله فهم يتخيلون أنهم هم في كل نفس وهم هم من حيث جوهريتهم لا من حيث ما
يتصفون به، ولا تقل إن الأمر ليس كذلك، هذا من الأسرار الإلهية التي قد حجب الله عن
إدراكها خلقاً كثيراً من أهل الله أرباب فتوح المكاشفة فكيف حال غيرهم فيها؟ فالستر لا بدّ
منه إذ لا بدّ منك فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٢٧٥
في الأحوال / الباب الخامس والخمسون ومائتان في معرفة المحق
الباب الخامس والخمسون ومائتان
في معرفة المَحْقِ وهو فناؤك في عينه
وفي معرفة مَحْقِ المَحْقِ وهو ثبوتك في عينه
[نظم : الوافر]
وعَيْنُ الكون حقُّ ثم خَلْقُ
فَنَاءُ الكون في الأعيان مَحْقُ
يقومُ بذاتٍ من يَبْغيه مَحقٌ
فإن قام الدليلُ على وجودي
مِنَ أسماءِ الحقيقةِ فيَّ شِقُّ
وإني بالذي يَخويه كَوْني
هذا المحق. وأما محق المحق فهو : [المديد]
وهو في التَّحقيقِ إنذَارُ
إن مَحْقَ المَحقِ إِنْدَارُ
فيَّ لم تُذْرِكُه أَبْصَارُ
فإذا أبصَرْتَ طَلْعَتَهُ
دونَه حُجْبٌ وأسْتَارُ
قالَ للحَذَّاد حين أتَى
ودليلي فيكَ آثارُ
من أنا فقال خالِقُنَا
اعلم أن المحق ظهورك في الكون به بطريق الاستخلاف والنيابة عنه فلك التحكم في
العالم، ومحق المحق ظهورك بطريق الستر عليه والحجاب، فأنت تحجبه في محق المحق،
فيقع شهود الكون عليك خلقاً بلا حق لأنهم لا يعلمون أن الله أرسل ستراً دونهم حتى لا
ينظرون إليه، فمحق المحق يقابل المحق ما هو مبالغة في المحق وإنما هو مثل عدم العدم،
فإذا أقيم العبد خروجه عن حضرة الحق إلى الخلق بطريق التحكيم فيهم من حيث لا
يشعرون، وقد يشعرون في حق بعض الأشخاص، من هذا النوع كالرسل عليهم السلام الذين
جعلهم الله خلائف في الأرض يبلغون إليهم حكم الله فيهم وأخفى ذلك في الورثة فهم خلفاء
من حيث لا يشعر بهم، ولا يتمكن لهذا الخليفة المشعور به وغير المشعور به أن يقوم في
الخلافة إلاّ بعد أن يحصل معاني حروف أوائل السور سور القرآن المعجمة مثل ألف لام ميم
وغيرها الواردة في أوائل بعض سور القرآن، فإذا أوقفه الله على حقائقها ومعانيها تعينت له
الخلافة وكان أهلاً للنيابة، هذا في علمه بظاهر هذه الحروف، وأما علمه بباطنها فعلى تلك
المدرجة يرجع إلى الحق فيها فيقف على أسرارها ومعانيها من الاسم الباطن إلى أن يصل إلى
غايتها، فيحجب الحق ظهوره بطريق الخدمة في نفس الأمر، فيرى مع هذا القرب الإلهيّ
خلقاً بلا حق كما يرى العامّة بعضهم بعضاً، فيحكم في العالم عند ذلك بما تقتضيه حقيقته بما
هو نسخة كونية للمناسبة التي بينه وبين العالم، فلا يعلم العالم هذا القرب الإلهيّ، وهذا هو
محق المحق الذي يصل إليه رجال الله، فهو يشهد الله بالله، ويشهد الكون بنفسه لا بالله،
ويكون في هذا المقام متحققاً من حروف أوائل السور المعجمة بالألف والراء خاصة مع علمه
بما بقي منها، غير أن الحكم فيه للألف والراء في هذا المقام حيثما وقعا من السور.
وأما حكمه في العالم في هذا المقام فمن باقي هذه الحروف من لام وميم وصاد وكاف
وهاء وياء وعين وطاء وسين وحاء وقاف ونون، فبهذه الحروف يظهر في العالم في مقام محق

٢٧٦
في الأحوال / الباب السادس والخمسون ومائتان في معرفة الإبدار وأسراره
المحق، وبالألف والراء يظهر في المحق وهم الأولياء الذين قال فيهم النبي وَله: ((إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ
اللَّهُ)) وذلك لأن عين تجليهم بهذين الحرفين في الصورة الظاهرة عين تجلي الحق، فمن رآهم
رأى الحق، فهم إذا رؤوا ذكر الله لتحققهم بصفته، فهم يشاهدون الحق فيه إذا تجلّى لهم في
صورة حق، ولقد رأيته في هذا التجلي، ورأيت كثيرين من أهل الله لا يعرفونه وينكرونه،
وتعجبت من ذلك حتى أعلمت بأنهم وإن كانوا من أهل الله من حيث إنهم عاملون بأوامر الله لا
عالمون فهم أهل إيمان، ولما كان بين رتبة الألف من هذه الحروف وبين الراء ثلاث مراتب
لذلك لم تقو الراء قوّة الألف، فإنّ الألف لا تحمل الحركة ولا تقبلها والراء ليست كذلك.
واعلم أن محق المحق أتمّ عند أهل الله في الدنيا والمحق أتم في الآخرة، ومحق
المحق لا يفوز به إلاَّ أخص أهل الله، وهو للعقول المنوّرة هياكلها، والمحق يفوز به
الخصوص وهو للنفوس المنوّرة جعلنا الله ممّن محق محقه فانفرد به حقّه، وهذه التي تسمّى
خلوة الحق فإنه لا يشهد ولا يرى، وإن علمه بعض الناس فلا يكون مشهوداً له، ومن هذه
الحقيقة اتخذ أهل الله الخلوة للإنفراد لما رأوه تعالى اتخذها للانفراد بعبده، ولهذا لا يكون
في الزمان إلاَّ واحد يسمّى الغوث والقطب وهو الذي ينفرد به الحق ويخلو به دون خلقه، فإذا
فارق هيكله المنور انفرد بشخص آخر لا ينفرد بشخصين في زمان واحد، وهذه الخلوة الإلهية
من علم الأسرار التي لا تذاع ولا تفشى، وما ذكرناها وسميناها إلاَّ لتنبيه قلوب الغافلين عنها
بل الجاهلين بها، فإني ما رأيت ذكرها أحد قبلي ولا بلغني مع علمي بأن خاصة أهل الله بها
عالمون، وقد ورد خبر صحيح في التنبيه على هذا يوم القيامة حيث الجمع الأكبر في انفراد
العبد مع ربه وحده فيضع كنفه عليه ويقرّره على ما كان منه ثم يقول له: إني سترتها عليك في
الدنيا وأنا أسترها عليك هنا ثم يأمر به إلى الجنة، فنبّه على الانفراد بالله، ونبهناك نحن على
الانفراد الإلهيّ بالعبد، وذلك العبد عين الله في كل زمان لا ينظر الحق في زمانه إلاَّ إليه، وهو
الحجاب الأعلى، والستر الأزهى، والقوام الأبهى.
الباب السادس والخمسون ومائتان
في معرفة الإبدار وأسراره
[نظم: البسيط]
فانظُرْ بِهَلْ وبلَمْ وثمَّ کیف وَمَا
بَذْرُ الرجوع إلى بَدْر السَّلوكِ عَمَى
لا فرقَ بين استوى فيه وبین عَمَا
فإن تعالى وجودٌ عن مَطَالِبها
ذاك الذي حارَ في تَوْحيدِهِ القُدَمَا
من لا يؤثّرُ في توحيده نَسَبٌ
في حَضْرةِ الذات في تَوْحيده قَدَمَا
وما رأينا لعقلٍ في تَقَلُّبِه
اعلم أنه لا يقال في مذكور هل هو موجود أم لا حتى يكون خفي الوجود، ومن كان
وجوده ظاهراً لكل عين فإنه يرتفع عنه طلب هل فإنه استفهام، والاستفهام لا يكون إلاَّ عن
جهالة بحال ما استفهم عنه، وكذلك لا يقال لم إلاَّ في معلول، ولا يقال ما إلاَّ في محدود،

٢٧٧
في الأحوال / الباب السادس والخمسون ومائتان في معرفة الإبدار وأسراره
ولا يقال كيف إلاَّ في قابل للأحوال، والحق منزه عن هذه الأمور المعقولة من هذه المطالب،
فهو منزّه الذات عن هذه المطالب، بل لا يجوز عليه لا في حق من يرى أن الوجود هو الله
ولا في حق من لا يراه، فإن الذي يرى أن الوجود هو الله فيرى أن حكم ما ظهر به الحق إنما
هو أحكام أعيان الممكنات، فما وقعت هذه المطالب إلاَّ على مستحقها، فإنه ما طلبت عين
الحق إلاَّ من حيث ظهورها بحكم عين الممكن، فعين الممكن هو المطلوب والتبس على
الطالب، وأما من لا يرى أن عين الوجود هو الحق فلا تجوز عليه المطالب.
ثم نرجع فنقول: أما الأبدار الذي نصبه الله مثالاً في العالم لتجليه بالحكم فيه فهو
الخليفة الإلهيّ الذي ظهر في العالم بأسماء الله وأحكامه، والرحمة والقهر والانتقام والعفو،
كما ظهر الشمس في ذات القمر فأناره كله فسمّي بدراً، فرأى الشمس نفسه في مرآة ذات البدر
فكساه نوراً سمّاه به بدراً، كما رأى الحق في ذات من استخلفه فهو يحكم بحكم الله في
العالم، والحق يشهده شهود من يفيده نور العلم، قال تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
[سورة البقرة: الآية ٣٠] وعلمه جميع الأسماء وأسجد له الملائكة لأنه علم أنهم إليه يسجدون،
فإن الخليفة معلوم أنه لا يظهر إلاّ بصفة من استخلفه فالحكم لمن استخلفه. قال الحق لأبي
يزيد في بعض مكاناته مع الحق: أخرج إلى الخلق بصفتي فمن رآك رآني ومن عظمك
عظمني، فتعظيم العبيد لتعظيم سيدهم لا لنفوسهم فهذا سرّ الإبدار، فنصب الله صورة البدر
مع الشمس مثلاً للخلافة الإلهيّة، وأن الحق يرى نفسه في ذات من استخلفه على كمال
الخلقة، فإنه لا يظهر له إلاّ في صورته وعلى قدره، ومن يرى أن الحق مرآة العالم وأن العالم
يرى نفسه فيه جعل العالم كالشمس والحق كالبدر وكلا المثلين صحيح واقع.
واعلم أن الله قصد ضرب الأمثال للناس فقال: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ
لِرَبِهِمُ﴾ [سورة الرعد: الآية ١٧، ١٨] الآية، فالعالم كله بما فيه ضرب مثل ليعلم منه أنه هو فجعله
دليلاً عليه وأمرنا بالنظر فيه، فما ضرب الله في العالم من المثل صورة القمر مع الشمس فلا
يزال الحق ظاهراً في العالم دائماً على الكمال فالعالم كله كامل، وجعل الله للعالم وجهين :
ظاهراً وباطناً فما نقص في الظاهر من إدراك تجليه أخذه الباطن وظهر فيه فلا يزال العالم بعين
الحق محفوظاً أبداً ولا ينبغي أن يكون إلاَّ هكذا، وأحوال العالم مع الله على ثلاث مراتب:
مرتبة يظهر فيها تعالى بالاسم الظاهر فلا يبطن عن العالم شيء من الأمر وذلك في موطن
مخصوص وهو في العموم موطن القيامة ومرتبطة يظهر فيها الحق في العالم في الباطن فتشهده
القلوب دون الأبصار ولهذا يرجع الأمر إليه، ويجد كل موجود في فطرته الاستناد إليه والإقرار
به من غير علم به ولا نظر في دليل، فهذا من حكم تجليه سبحانه في الباطن ومرتبطة ثالثة له
فيها تجلّ في الظاهر والباطن، فيدرك منه في الظاهر قدر ما تجلّ به، ويدرك منه في الباطن
قدر ما تجلّى به، فله تعالى التجلي الدائم العام في العالم على الدوام، وتختلف مراتب العالم
فيه لاختلاف مراتب العالم في نفسها، فهو يتجلى بحسب استعدادهم، فمن فهم هذا علم أن
الإبدار لا يزال فافهم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٢٧٨
في الأحوال / الباب السابع والخمسون ومائتان في معرفة المحاضرة
الباب السابع والخمسون ومائتان
في معرفة المحاضرة وهي حضور القلب بتواتر البرهان ومجاراة
الأسماء الإلهية بما هي عليه من الحقائق التي تطلبها الأكوان
[نظم: المديد]
دليلٌ على الماضي دليلٌ على الآتي
محاضرةُ الأسماء في حَضْرة الذَّاتِ
لوجدانِ آلامٍ ووجدانِ لَذَّاتِ
أقولُ بها والكونُ يعطي وجودَها
ولا عند من يدري وجودٌ لإثباتِ
فلولا وجودُ المَخو ما صحَّ عندنا
المحاضرة صفة أهل الاعتبار والنظر المأمور به شرعاً، فما يفرغون من نظر في دليل
بعد إعطائه إياهم مدلوله إلاَّ ويظهر الله لهم دليلاً آخر فيشتغلون بالنظر فيه إلى أن يوفى لهم ما
هو عليه من الدلالة، فإذا حصلوا مدلوله أراهم الحق دليلاً آخر هكذا دائماً وهو قوله تعالى:
﴿سَنُرِيِهِمْ ءَايَئِنَا فِىِ الْأَفَاقِ وَفِىّ أَنفُسِهِمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] فذكر أنه يريهم آيات ما جعل
ذلك آية واحدة، ثم قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] وهو عثورهم على
وجه الدليل وحصول المدلول، وهذه مسألة تختلف فيها فتوح المكاشفة، فمنهم من يعطي
الدليل ومدلوله كشفاً ولا يعطي أبداً ذلك المدلول دون دليله، حتى زعم بعض العلماء به أن
علوم الوهب التي من شأنها أن لا تدرك في النظر إلاَّ بالدليل العقليّ لا توهب لمن وهبت إلاّ
بأدلتها فإنها بها مرتبطة ارتباطاً عقلياً. ومنهم من يقول: إنه قد يعطي الله ما يشاء من العلوم
التي لا تدرك في العقل إلاَّ بالأدلة بغير دليلها لأن المقصود ما هو الدليل وإنما المقصود
مدلوله، فإذا حصل بوجه من الحق من غير الدليل الذي يرتبط به في النظر العقليّ فلا حاجة
للدليل، إذ قد علمنا أن الدليل يقابل حصول المدلول في النفس وأنهما لا يجتمعان وهذا
غلط، وإنما الذي لا يجتمع مع المدلول النظر في الدليل لا عين الدليل، فإن الناظر في الدليل
فاقد واجد ومحصل للمدلول، وقد تكون المحاضرة من العبد مع الأسماء الإلهيّة والكونية من
حيث أن الأسماء الكونية قد وسم الحق بها نفسه، والأسماء الإلهيّة قد وسم الكون بها نفسه
واستحق الجنابان الأسماء جميعها، وهذا ممّا يقوي حديث خلق العالم على الصورة، فإذا
حضرت الأسماء الحسنى وأسماء الكون وجرت في ميدان المفاخرة فإن الله يستهزىء
بالمنافقين وبأهل الاستهزاء بالجناب الإلهيّ ويمكر سبحانه بالماكرين ويعجب ممّن قهر
الطبيعة على قوّتها في الحكم، وهذا كله سمات المحدثات، وقد وسم الحق بها نفسه كما
وسمها بكونه قديراً وخلاقاً وعليماً وغير ذلك، فالكل عند طائفة أصل للأصل النسبي الذي
أوجد العالم، وبعضهم فرق فجعل خلاف الأسماء الحسنى أصلاً في الكون منقولاً في
الجناب الإلهيّ، وحكم هذه المحاضرة في كل شخص بحسب ما يتقوّى عنده ويعطيه
النظر، فتختلف أحوال أهل الله في ذلك وهو قوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة الرعد: الآية ٣] والتفكّر في ذات الله محال، فلا يبقى إلاَّ التفكّر في الكون ومتعلّق الفكرة

٢٧٩
في الأحوال / الباب التاسع والخمسون ومائتان في معرفة الهجوم والبواده
الأسماء الحسنى وسمات المحدثات، فالأسماء كلها أصل في الكون على هذا النظر، فإذا
وقف على محاضرة الأسماء ومناظرتها علم من أثر في وجود الكون بعد أن لم يكن هل أثر
فيه الحق الوجود أو استعداده أو المجموع، هذه فائدة المحاضرة، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل.
الباب الثامن والخمسون ومائتان
في معرفة اللوامع وهي ما ثبت من أنوار التجلِّي وقتين وقريباً من ذلك
[نظم: المديد]
عند تَغْريدي بتّجريدي
لَمَعَتْ أنوارُ توحيدي
أذنّتْ فينا بتَحديدي
كُلَّما أَبْدَتْ لوامِعَها
حلٌ تركيبٍ وتَبْديدٍ
١٠٠
كل مَخدودٍ يؤولُ إلى
ظاهرٌ بنّقْصِ تَوْحيدي
فَضْلُه من جنسه عَلَمْ
اللوامع فوق الذوق فإنها تزيد على المبدأ ودون الشرب فإن الشرب قد ينتهي إلى
الري وقد لا ينتهي، فإذا ثبتت أنوار التجلي وقتين وقريباً من ذلك فهي اللوامع، وهذا لا
يكون في التجلي الذاتي وإنما يكون في تجلي المناسبات، فإذا تجلى في المناسبات دام
بقدر ثبوت تلك المناسبة، والمناسبات صغيرة الزمان قصيرة في الثبوت، لأنّ الشؤون
الإلهيّة لا تتركها، وما سوى الأعيان القائمة بأنفسها أعراض سريعة الزوال، وإنما ثبتت
وقتين وقريباً من ذلك، لأنّ الوقت الأوّل لظهورها، والوقت الثاني لإفادة ما تعطيه ممّا
لمعت له، فإن المحل يدهش عند لمعانها، وهو حديث عهد بالتجلي الذي فارقه،
فتتربص هذه اللوامع حتى يزول الدهش والتعلّق بما كان عليه فيقبل ما أتته به هذه اللوامع
وأعني بتربصها تواليها، فإذا حصل القبول مضى حكمها فزالت وجاء غيرها مثلها أو
خلافها، وصاحبها أبداً سريع الرجوع إلى عالم الحسّ، ولا تردّ هذه اللوامع إلاَّ بعلوم
إلهية لا تعلق لها بعلوم الكون فهي إلهية مجرّدة هذه ميزانها، فإن وجد الإنسان علماً
يكون في حاله فما هي لوامع لأن ضروب التجلي كثيرة متنوّعة الحكم فاعلم ذلك، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والخمسون ومائتان
في معرفة الهجوم والبواده فالهجوم ما يرد على قلب بفوت الوقت من غير تصنع
منك، والبواده ما يفجأ القلب من الغيب على سبيل الوهلة وهو إما موجب فرح أو ترح
[نظم: البسيط]
قلبٍ تَقَلَّب في ظَلْمَائِهِ زَمَنَا
نورُ البَوَادِهِ فَجْآتُ الغُيوب على
حالاً فتُلْحِقُهُ بحالة الزَّمْنَى
ووارداتُ هُجوم الكَشْفِ تُؤْرِثُها

٢٨٠
في الأحوال/ الباب التاسع والخمسون ومائتان في معرفة الهجوم والبواده
ما دَبَّرتْ روحَنَا نفساً ولا بَدَنَا
لو أنها وردت لروح نَشْأتنا
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أن البواده والهجوم والصحو والسكر والذوق والشرب
وأمثالها إنما هي واردات الغيب ترد على القلوب فتؤثر فيها أحوالاً مختلفة فيمن قامت به
ويسمّون ذلك الحال بالوارد، وليس للعبد تعمّل في تحصيل هذه الواردات، مع أنها ما ترد إلاَّ
على قلب مستعدّ لقبولها فإذا ورد الوارد على القلب فجأة من غير تصنع فيعطيه ذلك الوارد
حسرة فوت الوقت فإنه منبّه لمن غفل عن حكم وقته فيه، فلم يتأذّب مع وارد وقته أراد الحق
أن ينبّهه عناية منه به فبعث إليه هذا الوارد رسولاً من الله يكشف له عن فوت وقته وأنه ممّن
أساء الأدب مع الله فيندمه على ما كان منه من فوت الوقت، فيجبر له هذا الندم فضيلة ما فاته
من وقته حتى يكون كأنه ما فاته شيء، وهذا غلط عظيم فيتزين وقته بزينة ندمه، كما كان
يتزين بزينة أدبه معه لو حضر معه ولم يفته، فهذه فائدة الهجوم يجبر الوقت الذي فاته، ولنا
في ذلك : [البسيط]
والتشَّخذْ زادَكِ الرَّحْمْنَ في سَفَرِكْ
بَادِرْ لجَبْر الذي قد فاتَ من عُمُرِكْ
وأما البواده فهي أيضاً فجأة إلهية تفجأ القلوب من حضرة الغيب بحكم الوقت، ولا
تأتي في اصطلاحهم هذه البواده إلاَّ أن تعطي فرحاً في القلب أو حزناً فتضحك وتبكي وهو
قول أبي يزيد: ضحكت زماناً وبكيت زماناً يريد أنه كان في حكم البواده، ثم قال: وأنا اليوم
لا أضحك ولا أبكي، يعرف بانتقاله من تأثّر حال البواده فيه إلى حال العظمة، ولا تكون
البواده إلاَّ فيمن يتصف، ومن لا وصف له لا بديهة له، غير أنه لما كانت البواده من حضرة
الهو لم يعرف متى تأتي، فإذا وردت إنما ترد فجأة وبغتة فتعطى ما وردت به وتنصرف. وأما
البديهة التي تعرفها الناس فليست تتقيد بفرح ولا ترح فما هي التي اصطلح عليها القوم وهي
عينها إلاَّ أن القوم ما سمّوا بديهة إلاَّ ما أوجب فرحاً أو ترحاً، وأما إذا لم يوجب ذلك
فأحوالهم فيها أحوال الناس، غير أن أهل الطريق يعلمون أن البواده إذا وردت لا يخطئ
حكمها البتة ولها الإصابة في كل ما ترد به، ولهذا إذا سأل الشيوخ تلاميذهم عن مسألة على
تعليم الأخذ عن الله لا يتركونه يفكر في الجواب فيكون جوابهم نتيجة فكر، وإنما يقولون لا
تجب إلاَّ بما يخطر لك فيما سئلت عنه عند السؤال، فتنظر إلى قلبك ما ألقى فيه عند ورود
السؤال فاذكره ببادئ الرأي، فإن لم يفعل فلا يقبل منه الجواب، وإن أصاب عن فكر ونظر
فإنّ الله لا يغفل في كل نفس عن قلب أحد من عباده بل هو الرقيب عليه، فيهبه في كل نفس
بحسب ما يريده سبحانه، فأصحاب القلوب المراقبين قلوبهم من أجل آثار ربهم فيها يجيبون
بورود الوارد في كل نفس، فيعملون بمقتضاه إن وافق الميزان الشرعي الذي قد شرع
لسعادتهم، وإن لم يوافق طريق السعادة فإنّ لهم لهذا الوارد أخذاً مخصوصاً فيأخذونه تنبيهاً
من الحق وتعريفاً لا مؤثراً في ظاهرهم ولا باطنهم، فهذا قد بيّنا معنى البواده والهجوم عند
القوم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.