Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
العالم جزء إلاَّ وهو يقصد تعظيم موجده. ويوم الخميس وجدت حركته عن صفة القدرة فما
في الوجود جزء إلاَّ وهو متمكن من الثناء على موجده. ويوم الجمعة وجدت حركته عن صفة
العلم فما في العالم جزء إلاَّ وهو يعلم موجده من حيث ذاته لا من حيث ذات موجده،
وقيل: إنما وجد عن صفة العلم يوم الأربعاء وهو صحيح فإنه أراد علم العين وهو علم
المشاهدة، والذي أردناه نحن إنما هو العلم الإلهي مطلقاً لا العلم المستفاد، وهذا القول
الذي حكيناه أنه قيل ما قاله لي أحد من البشر بل قاله لي روح من الأرواح فأجبته بهذا
الجواب فتوقف فألقى عليه أن الأمر كما ذكرناه. ويوم السبت وجدت حركته عن صفة الكلام
فما في الوجود جزء إلا وهو يسبح بحمد خالقه ولكن لا نفقة تسبيحه ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِمًا غَفُورًا﴾
[سورة فاطر: الآية ٤١] فما في العالم جزء إلاَّ وهو ناطق بتسبيح خالقه عالم بما يسبح به ممّا ينبغي
لجلاله قادر على ذلك قاصد له على التعيين لا لسبب آخر، فمن وجد عن سبب مشاهدة
عظمة موجده حي القلب سميع لأمره فتعينت الأيام أن تكون سبعة لهذه الصفات وأحكامها،
فظهر العالم حياً سميعاً بصيراً عالماً مريداً قادراً متكلماً فعمله على شاكلته كما قال تعالى :
﴿قُلْ كُلِّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ والعالم عمله فظهر بصفات الحق. فإن قلت فيه أنه حق صدقت
فإن الله قال: ﴿وَلَكِننَّ اللَّهَ رَمَىَّ﴾ وإن قلت فيه أنه خلق صدقت فإنه قال: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾
فعرى وكسى وأثبت ونفى فهو لا هو وهو المجهول المعلوم، ولله الأسماء الحسنى، وللعالم
الظهور بها في التخلق فلا يزاد في الأيام السبعة ولا ينقص منها، وليس يعرف هذه الأيام كما
بيناها إلاَّ العالم الذي فوق الفلك الأطلس لأنهم شاهدوا التوجهات الإلهيات من هناك على
.يجاد هذه الأدوار وميّزوا بين التوجهات فانحصرت لهم في سبعة ثم عاد الحكم فعلموا النهاية
في ذلك. وأما من تحت هذا الفلك فما علموا ذلك إلاَّ بالجواري السبعة، ولا علموا تعيين
نيوم إلاَّ بفلك الشمس حيث قسمته الشمس إلى ليل ونهار، فعين الليل والنهار اليوم.
ثم إن الله تعالى جعل في هذا الفلك الأطلس حكم التقسيم الذي ظهر في الكرسي لما
نقسمت الكلمة فيه بتدلي القدمين إليه وهما خبر وحكم، والحكم خمسة أقسام: وجوب
وحظر وإباحة وندب وكراهة. والخبر قسم واحد وهو ما لم يدخل تحت حكم واحد من هذه
لأحكام، فإذا ضربت اثنين في ستة كان المجموع اثني عشر، ستة إلهية وستة كونية لأنها على
نصورة، فانقسم هذا الفلك الأطلس على اثني عشر قسماً عينها ما ذكرناه من انقسام الكلمة
في الكرسي، وأعطى لكل قسم حكماً في العالم متناهياً إلى غاية ثم تدور كما دارت الأيام،
سواء إلى غير نهاية فأعطى قسماً منها اثنتي عشر ألف سنة وهو قسم الحمل كل سنة ثلاثمائة
وستون دورة مضروبة في اثني عشر ألفاً، فما اجتمع من ذلك فهو حكم هذا القسم في العالم
تقدير العزيز العليم الذي أوحى الله فيه من الأمر الإلهي الكائن في العالم، ثم تمشى على كل
قسم بإسقاط ألف حتى تنتهي إلى آخر قسم وهو الحوت وهو الذي يلي الحمل، والعمل في
كل قسم بالحساب كالعمل الذي ذكرناه في الحمل، فما اجتمع من ذلك فهو الغاية، ثم يعود
-ور كما بدا ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٩] فالمتحرك ثابت العين والمتجدّد إنما

١٠٢
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
هي الحركة، فالحركة لا تعود عينها أبداً لكن مثلها، والعين لا تنعدم أبداً فإن الله قد حكم
بإبقائها فإنه أحب أن يعرف، فلا بدّ من إبقاء أعين العارفين وهم أجزاء العالم، وهذا الفلك
هو سقف الجنة، وعن حركته يتكون في الجنة ما يتكون وهو لا ينخرم نظامه، فالجنة لا تفنى
لذاتها أبداً ولا يتخلل نعيمها ألم ولا تنغيص وإن كانت طبائع أقسام هذا الفلك مختلفة، فما
اختلفت إلاَّ لكون الطبيعة فوقه، فحكمت عليه بما تعطيه من حرارة وبرودة ويبوسة ورطوبة،
إلاَّ أنه لما كان مركباً ولم يكن بسيطاً لم يظهر فيه حكم الطبيعة إلاّ بالتركيب، فتركب الناري
من هذه الأقسام من حرارة ويبوسة، وتركب الترابي منها من برودة ويبوسة، وتركب الهوائي
منها من حرارة ورطوبة، وتركب المائي منها من برودة ورطوبة، فظهرت على أربع مراتب لأن
الطبيعة لا تقبل منها إلاَّ أربعة تركيبات لكونها متضادة وغير متضادة على السواء، فلذلك لم
تقبل إلاَّ أربع تركيبات كما هي في عينها على أربع لا غير، وإن كانت الطبيعة في الحقيقة اثنين
لأنها عن النفس، والنفس ذات قوتين: علمية وعملية، فالطبيعة ذات حقيقتين فاعلتين من غير
علم، فهي تفعل بعلم النفس لا بعلمها إذ لا علم لها ولها العمل فهي فاعلة بالطبع غير
موصوفة بالعلم، فهي من حيث الحرارة والبرودة فاعلة، ثم انفعلت اليبوسة عن الحرارة
والرطوبة عن البرودة، فكما كانت الحرارة تضاد البرودة كان منفعل الحرارة يضاد منفعل
البرودة، فلهذا ما تركب من المجموع سوى أربع فظهر حكمها في أقسام هذا الفلك بتقدير
العزيز العليم، ثم جعلها على التثليث كل ثلث أربع، فإذا ضربت ثلاثة في أربعة كان المجموع
إثني عشر، فلكل برج ثلاثة أوجه مضروبة في أربعة أبراج كان المجموع إثني عشر وجهاً،
والأربعة الأبراج قد عمّت تركيب الطبائع لأنها منحصرة في ناري وترابي وهوائي ومائي، فإذا
ضربت ثلاث مراتب في إثني عشر وجهاً كان المجموع ستة وثلاثين وجهاً وهو عشر الدرج
أي جزء من عشرة، والعشرة آخر نهاية الأحقاب، والحقبة السنة، فأرجو أن يكون المآل إلى
رحمة الله في أي دار شاء، فإن المراد أن تعمّ الرحمة الجميع حيث كانوا، فيحيى الجميع
بعدما كان منه من لا يموت ولا يحيا وذلك حال البرزخ.
واعلم أن هذا الفلك يقطع بحركته في الكرسي كما يقطعه من دونه من الأفلاك، ولما
كان الكرسي موضع القدمين لم يعط في الآخرة إلاَّ دارين: ناراً وجنة فإنه أعطى بالقومين
فلكين: فلك البروج وفلك المنازل الذي هو أرض الجنة وهما باقيان، وما دون ذلك المنازل
يخرب نظامه وتبدّل صورته ويزول ضوء كواكبه كما قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
وَالسَّمَوَتُ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤٨] وقال: ﴿فَإِذَا اُلتُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [سورة المرسلات: الآية ٨] فما ذكر من
السموات إلاَّ المعروفة بالسموات وهي السبع السموات خاصة، وأما مقعر فلك المنازل فهو
سقف النار، ومن فعل هاتين القدمين في هذا الفلك ظهر في العالم من كل زوجين اثنين
بتقدير العزيز لوجود حكم الفاعلين من الطبيعة، والقوتين من النفس، والوجهين من العقل،
والحرفين من الكلمة الإلهية ﴿كُنْ﴾ من الصفتين الإلهية في ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة
الشورى: الآية ١١] وهي الصفة الواحدة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وهي الصفة

١٠٣
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الأخرى، فمن نزّه فمن ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ ومن شبه فمن ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فغيب
وشهادة غيب تنزيه وشهادة تشبيه، فافهم إن كنت تفهم واعلم ما الحقيقة التي حكمت على
الثنوية حتى أشركوا وهم المانية مع استيفائهم النظر وبذل الاستطاعة فيه، فلم يقدروا على
الخروج من هذه الاثنينية إلى العين الواحدة وما ثم إلاَّ الله ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ
لُهُ بِهِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٧] فلم يعذر لأنه نزل عن هذه الدرجة فقلد فنجا صاحب النظر
وهلك المقلد، فإنه استند إلى أمر محقق في الصفة والكلمة فأضله الله على علم وختم على
سمعه فلم يسمع ﴿ وَإِلَهُّكُمْ إِلَهٌ وَحٌِّ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٣] وختم على قلبه فلم يعلم أنه إله
واحد لأنه لم يشاهد تقليب قلبه، وجعل على بصره غشاوة فلم يدرك فردية الكلمة بالواو التي
بين الكاف والنون فمنعته الغشاوة من إدراكها فلم يشاهد إلاَّ اثنين: الكاف والنون لفظاً وخطاً،
والكاف كافان: كاف ﴿كُنْ﴾ وهي كاف الإثبات وكاف ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ وهي كاف النفي، وفي
هذه الكاف طلعت لنا الشمس سنة تسعين وخمسمائة فأثبتنا نفي التشبيه بطلوع الشمس
في ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٤]، ومن لم تطلع له فيه شمس قال بالتعطيل والشمس
طالعة، ولا بدّ في لم يكن نصف القرص منها ظاهر والنصف فيها مستتر، والغشاوة منعت هذا
الرائي أن يدرك طلوعها فقال بالتعطيل وهو النفي المطلق، فما من ناظر إلاَّ وله عذر والله أجل
من أن يكلف نفساً ما ليس في وسعها: [الطويل]
فكلُّهُمُ في رحمة الله خالدٌ
موحِّدُه أو ذو الشَّريكِ وجَاحِدُ
ومن هذا الاسم وجد حرف الجيم والطرف من المنازل، وسيأتي الكلام على كل واحد
من هذه الحروف والمنازل في بابها .
الفصل العشرون في الاسم المقدر: وتوجهه على إيجاد فلك المنازل والجنات وتقدير
صور الكواكب في مقعر هذا الفلك وكونه أرض الجنة وسقف جهنم، وله حرف الشين
لمعجمة من الحروف، ومنزلة جبهة الأسد.
قال تعالى: ﴿وَأَلْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٩] ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
: سورة يس: الآية ٣٨] فالمنازل مقادير التقاسيم التي في فلك البروج عينها الحق تعالى لنا إذ لم
يميزه البصر بهذه المنازل، وجعلها ثماني وعشرين منزلة من أجل حروف النفس الرحمانيّ،
وإنما قلنا ذلك لأن الناس يتحيلون أن الحروف الثمانية والعشرين من المنازل حكم هذا العدد
نها وعندنا بالعكس، بل عن هذه الحروف كان حكم عدد المنازل، وجعلت ثماني وعشرين
مقسمة على إثني عشر برجاً ليكون لكل برج في العدد الصحيح قدم، وفي العدد المكسور
قدم، إذ لو كان لبرج من هذه البروج عدد صحيح دون كسر أو مكسور دون صحيح لم يعم
حكم ذلك البرج في العالم بحكم الزيادة والنقص والكمال وعدم الكمال، ولا بدّ من الزيادة
والنقص لأنّ الاعتدال لا سبيل إليه، لأن العالم مبناه على التكوين، والتكوين بالاعتدال لا
بصخ، فلا بدّ من عدد مكسور صحيح في كل برج، فكان لكل برج منزلتان وثلث، فثم برج
يكون له منزلتان صحيحتان وثلث منزلة كسر، وثم برج يكون له منزلة صحيحة في الوسط،

١٠٤
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
ويكون في آخره كسر، وفي أوله كسر، فيلفق من الكسرين منزلة صحيحة مختلفة المزاج
وثلث منزلة، وإنما قلنا مختلفة المزاج فإن كل منزلة على مزاج خاص فإذا جمع جزء منزلة
إلى جزء أي منزلة أخرى ليكمل بذلك عين منزلة لأن المنزلة مثلثة كالبرج له ثلاثة وجوه،
ومن وجوه منازله سبعة وجوه، فكل برج ذو سبعة أوجه وله من نفسه ثلاثة أوجه فكان
المجموع عشرة أوجه، فالمنزلة الصحيحة ذات مزاج واحد، والمنزلة الكائنة من منزلتين
بمنزلة المولد من اثنين يحدث له مزاج آخر ليس هو في كل واحد من الأبوين وفيه سرّ عجيب
وهو أحدية المجموع، فإن لها من الأثر ما ليس لأحدية الواحد، ألا ترى أن العالم ما وجد إلاَّ
بأحدية المجموع؟ وأن الغنى الله ما ثبت إلاَّ بأحدية الواحد، فهذا الحكم يخالف هذا الحكم
بلا شك، فالثريا لها مزاج خاص وقد أخذ الحمل منها ثلثها، وجاء الثور يحتاج إلى منزلتين
وثلث فأخذ منزلة الدابران صحيحة بمزاج واحد أحديّ وبقي له منزلة وثلث لم يجد منزلة
صحيحة ما يأخذ فأخذ ثلثي الثريا وأضاف إلى ذلك ثلثي الهقعة فكملت له منزلة واحدة
بأخذية المجموع فتعطيه هذه المنزلة عين حكم الثريا وعين حكم الهقعة ثم يأخذ الثلث الثاني
من الهقعة فلا يعمل من الهقعة إلاَّ بالثلث الوسط، وأما الثلث الأوّل المضاف إلى ثلثي الثريا
لكمال المنزلة فإنه يحدث لهذا الثلث ويحدث لثلث الثريا بكمال وصورة منزلة ما هي عين
واحدة منهما حكم ليس هو لثلثي أحدهما ولا الثلث الآخر، فهذا هو السبب الذي يكون
لأجله للبرج ثلاثة أوجه، فمنه برج خالص وبرج ممتزج، وهل كل برج يكون من ثلثين وثلثين
وهي بروج معلومة يعينها لك تقسيم المنازل عليها، وقد تكون المنزلة المركبة قامت من منزلة
سعيدة ونحسة فتعطي بالمجموع سعداً، ولا يظهر لنحس الأخرى أثر، وقد تعطي نحساً ولا
يظهر لسعد الأخرى أثر، بخلاف المنزلة الصحيحة فإنها تجري على ما خلقت له، فإن الله
أعطاها خلقها كما أعطى للمركبة خلقها، فكل علامة ودليل على برج لا بدّ فيه من التركيب
ويكون بالتثليث، فإن الدليل أبداً مثلث النشأة لا بدّ من ذلك مفردان وجامع بينهما وهو الوجه
الثالث لا بدّ من ذلك في كل مقدمتين من أجل الإنتاج کل اب، وكل ب ج، فتكرّرت الباء
فقام الدليل من ألف باء جيم، فالوجه الجامع الباء لأنه تكرّر في المقدمتين فأنتج كل ألف جيم
وهو كان المطلوب الذي ادعاه صاحب الدعوى، فإنه ادّعى أن كل ألف جيم فنوزع فساق
الدليل بما اعترف به المنازع فإنه علم أن كل اب وسلم أن كل ب ج، فثبت عنده صحة قول
المدعي أن كل اج فمن هنا ظهرت البراهين في عالم الإنسان، وعن هذه التقاسيم التي أعطت
المنازل في البروج .
وبعد أن علمت هذا فاعلم أن هذا الفلك الأطلس لما قام له الكرسيّ مقام العرش وفوق
الأطلس الكرسيّ والعرش أعطت هذه الثلاثة وجود فلك المنازل كما أعطت المقدمات
المركبة من ثلاث النتيجة، وكما حملت النتيجة قوى الثلاث اللاتي في المقدمتين حمل فلك
الكواكب قوّة الأطلس والكرسيّ والعرش، والكرسيّ هو الوجه الجامع بين المقدمتين لأنه
الوسط بين العرش والأطلس فله وجه إلى كل واحد منهما، فمن قوّة العرش اتحدت أو

١٠٥
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
توحدت فيه الكلمة الإلهية فكان أهل الجنة وهم أهل هذا الفلك المكوكب يقولون للشيء كن
فيكون، ومن قوّة الكرسيّ كان لكل إنسان فيه زوجتان لأنه موضع القدمين، ومن قوّة الفلك
الأطلس غابت إنسانيته في ربه فتكوّنت عنه الأشياء ولا تتكوّن إلاّ عن الله وغابت الربوبية في
إنسانيته، فالتذّ بالأشياء وتنعم وأكل وشرب ونكح فهو خلق حق فجهل كما أن الفلك الأطلس
مجهول، فلهذا قلنا إن هذا الفلك قد حصّل قوّة ما فوقه لأنه مواد عنه، وهكذا كل ما تحته
أبداً المولد يجمع حقائق ما فوقه حتى ينتهي إلى الإنسان وهو آخر مولد، فتجمع فيه قوى
جميع العالم والأسماء الإلهية بكمالها فلا موجود أكمل من الإنسان الكامل، ومن لم يكمل
في هذه الدنيا من الأناسيّ فهو حيوان ناطق جزء من الصورة لا غير لا يلحق بدرجة الإنسان،
بل نسبته إلى الإنسان نسبة جسد الميت إلى الإنسان، فهو إنسان بالشكل لا بالحقيقة، لأنّ
جسد الميت فاقد في نظر العين جميع القوى، وكذلك هذا الذي لم يكمل وكماله بالخلافة فلا
يكون خليفة إلاَّ من له الأسماء الإلهية بطريق الاستحقاق أي هو على تركيب خاص يقبلها، إذ
ما كل تركيب يقبلها، وهذا من الأسرار الإلهية التي تجوزها العقول وهي محال كونها.
ولما خلق الله هذا الفلك كون في سطحه الجنة فسطحه مسك وهو أرض الجنة، وقسم
الجنات على ثلاثة أقسام للثلاثة الوجوه التي لكل برج جنات الاختصاص وهي الأولى،
وجنات الميراث وهي الثانية، وجنات الأعمال وهي الثالثة، ثم جعل في كل قسم أربعة أنهار
مضروبة في ثلاثة يكون منها اثنا عشر نهراً، ومنها ظهر في حجر موسى اثنتا عشرة عيناً لاثني
عشر سبطاً ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٦٠]، النهر الواحد نهر الماء الذي
هو غير آسن يقول غير متغير وهو علم الحياة، ونهر الخمر وهو علم الأحوال، ونهر العسل
وهو علم الوحي على ضروبه، ولهذا تصعق الملائكة عندما تسمع الوحي كما يسكر شارب
تخمر ونهر اللبن وهو علم الأسرار واللب الذي تنتجه الرياضات والتقوى، فهذه أربعة علوم،
والإنسان مثلث النشأة: نشأة باطنة معنوية روحانية، ونشأة ظاهرة حسيّة طبيعية، ونشأة
متوسطة جسدية برزخية مثالية، ولكل نشأة من هذه الأنهار نصيب كل نصيب نهر لها مستقل
يختلف مطعمه باختلاف النشأة، فيدرك منه بالحسّ ما لا يدركه بالخيال، ويدرك منه بالخيال
ما لا يدركه بالمعنى، وهكذا كل نشأة، فللإنسان إثنا عشر نهراً في جنة الاختصاص أربعة،
رفي جنة الميراث مثلها، وفي جنة الأعمال مثلها لمن له جنة عمل، إما من نفسه وإما ممّن
"هدى له من الأعمال شيئاً، فيحصل للإنسان من العلوم في كل جنة بحسب حقيقة تلك الجنة
وبحسب مأخذ النشآت منه، فإنها تختلف مآخذها، وتختلف العلوم، وتختلف الجنات
فتختلف الأذواق، ونفس الرحمن فيها دائم لا ينقطع، تسوقه ريح تسمّى المثيرة، وفي الجنة
شجرة ما يبقى بيت في الجنة إلاَّ دخل فيه منها تسمى المؤنسة يجتمع إلى أصلها أهل الجنة في
عنها يتحدثون بما ينبغي لجلال الله بحسب مقاماتهم في ذلك بطريق الإفادة، فيحصل بينهم
ـكل واحد علم لم يكن يعرفه فتعلو منزلته بعلو ذلك العلم، فإذا قاموا من تحت تلك الشجرة
وجدوا لهم درجات ومنازل لم يكونوا يعرفونها في جناتهم فيجدون من اللذة بها ما لا يقدر

١٠٦
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
قدرة فيتعجبون ولا يعرفون من أين ذلك فتهب عليهم الريح المثيرة من نفس الرحمن تخبرهم
أن هذه الدرجات التي حصلتموها هي منازلكم في منازل العلم الذي اكتسبتموه تحت الشجرة
المؤنسة في ناديكم هذه منازله، فيحصل لكل واحد منزل يعلمه فلا يمر لهم نفس إلاَّ ولهم فيه
نعيم مقيم جديد، فهذا ما يحوي عليه سطح هذا الفلك وأمثال هذا، ووجدت هذه الجنان
بطالع الأسد وهو برج ثابت فلها الدوام وله القهر، فلهذا يقول أهله للشيء كن فلا يأبى إلاَّ أن
يكون، لأنه ليس في البروج من له السطوة مثله، فله القهر على إبراز الأمور من العدم إلى
الوجود.
وأما مقعر هذا الفلك فجعله الله محلاً للكواكب الثابتة القاطعة في فلك البروج، ولها
من الصور فيه ألف صورة وإحدى وعشرون صورة، وصور السبعة الجواري في السموات
السبع، فمبلغ الجميع ألف وثمان وعشرون صورة كلها تقطع في فلك البروج بين سريع
وبطيء، ويوم كل كوكب منها بقدر قطعه فلك البروج فأسرعها قطعاً القمر، فإن يومه ثمانية
وعشرون يوماً من أيام الدورة الكبرى التي تقدر بها هذه الأيام وهي الأيام المعهودة عند الناس
كما أشار إلى ذلك تعالى في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلَفٍ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [سورة
الحج: الآية ٤٧] يعني هذه الأيام المعروفة، فأقصر أيام هذه الكواكب يوم القمر ومقداره ثمانية
وعشرون يوماً ممّا تعدون، وأطول يوم لكوكب منه مقداره ست وثلاثون ألف سنة ممّا
تعدون، ويوم ذي المعارج من الأسماء الإلهية خمسون ألف سنة، ويوم الاسم الرب كألف
سنة ممّا تعدون، ولكل اسم إلهيّ يوم، فإذا أردت أن تعرف جميع أيام صور الكواكب أعني
مقدارها من الأيام المعروفة فاضرب ألفاً وأحداً وعشرين في ستة وثلاثين ألف سنة فما خرج
فذلك حصر أيام الكواكب من الأيام المعروفة، فإن يوم كل واحد منها ست وثلاثون ألف
سنة، ثم تضيف إلى المجموع أيام الجواري السبعة فما اجتمع فهو ذلك، ثم تأخذ هذا
المجموع وتضربه فيما اجتمع من سني البروج وسني ما اجتمع من ضرب ثلثمائة وستين في
مثلها فما خرج لك من المجموع فهو عدد الكوائن في الدنيا من أوّل ما خلقها الله إلى
انقضائها، فاعلم ذلك. والمجموع من ضرب ثلثمائة وستين في مثلها مع سنيّ البروج مائتا
ألف وسبعة آلاف وستمائة، وفي هذا المجموع تضرب ما اجتمع من عدد أيام الكواكب كلها،
فهذا تقدير الكواكب التي وقّتها وقدرها العزيز العليم، فيبقى في الآخرة في دار جهنم حكم
أيام الكواكب التي في مقعر هذا الفلك والجواري السبعة مع انكدارها وطمسها وانتشارها،
فتحدث عنها في جهنم حوادث غير حوادث إنارتها وثبوتها وسير أفلاكها بها وهي ألف وثمانية
وعشرون فلكاً كلها تذهب، وتبقى السباحة للكواكب بذاتها مطموسة الأنوار، ويبقى في
الآخرة في الجنة حكم البروج وحكم مقادير العقل عنها يحدث في الجنان ما يحدث ويثبت.
وأما كثيب المسك الأبيض الذي في جنة عدن الذي تجتمع فيه الناس للرؤية يوم الزور
الأعظم وهو يوم الجمعة فأيامه من أيام أسماء الله ولا علم لي ولا لأحد بها، فإن الله أسماء
استأثر بها في علم غيبه فلا تعلم أيامها، فعدن بين الجنات كالكعبة بيت الله بين بيوت الناس،

١٠٧
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
والزور الأعظم فيه كصلاة الجمعة، والزور الخاص كالصلوات الخمس في الأيام، والزور
الأخلص الأخص كمساجد البيوت لصلاة النوافل، فتزور الحق على قدر صلاتك وتراه على
قدر حضورك، فأدناه الحضور في النية عند التكبير وعند الخروج من الصلاة، وأعظمه
استصحاب الحضور إلى الخروج من الصلاة وما بينهما في كل صلاة، فهنا مناجاة وهناك
مشاهدة وهنا حركات وهناك سكون، ولهذا الاسم من الحروف الشين المعجمة، ومن المنازل
الجبهة. انتهى الجزء الثالث والعشرون ومائة .
(الجزء الرابع والعشرون ومائة)
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
الفصل الحادي والعشرون: في الاسم الرب وتوجهه على إيجاد السماء الأولى والبيت
المعمور والسدرة والخليل ويوم السبت وحرف الياء بالنقطتين من أسفل والخرتان وكيوان.
قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] فما طلب الزيادة من العلم إلاّ
من الرب، ولهذا جاء مضافاً لاحتياج العالم إليه أكثر من غيره من الأسماء لأنه اسم لجميع
المصالح وهو من الأسماء الثلاثة الأمّهات فجاء ﴿رَبِّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٨]
﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الدخان: الآية ٧] ﴿بَبِّ الْشَرِقِ﴾ [سورة المعارج: الآية ٤٠] ﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ
وَرَبُّ الْغْرِبَيْنِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٧] ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة
الشعراء: الآية ٢٨] ﴿بَبِّ الْشَرِقِ﴾ وهو المتخذ وكيلاً. وهذا الاسم أعطى السدرة نبقها وخضرتها
ونورها منه ومن الاسم الله، وأعطى الاسم الرحمن من نفسه عرفها كما قال في الجنة عرفها
نهم يعني بالنفس من العرف وهي الرائحة، ومن الاسم الله أصولها وزقومها لأهل جهنم، وقد
جلّل الله هذه السدرة بنور الهوية فلا تصل عين إلى مشاهدتها فتحدها أو تصفها والنور الذي
كساها نور أعمال العباد ونبقها على عدد نسم السعداء، لا بل على عدد أعمال السعداء، لا بل
هي أعيان أعمال السعداء، وما في جنة الأعمال قصر ولا طاق إلاَّ وغصن من أغصان هذه
السدرة داخل فيه، وفي ذلك الغصن من النبق على قدر ما في العمل الذي هو الغصن صورته
من الحركات، وما من ورقة في ذلك الغصن إلاَّ وفيها من الحسن بقدر ما حضر هذا العبد مع
الله في ذلك العمل، وأوراق الغصن بعدد الأنفاس في ذلك العمل، وشوك هذه السدرة كله
لأهل الشقاء وأصولها فيهم والشجرة واحدة ولكن تعطي أصولها النقيض ممّا تعطيه فروعها
من كل نوع، فكل ما وصفنا به الفروع حد النقيض في الأصول هذا كثير الوقوع في علم
النبات. كما حكي أن أبا العلا بن زهر وكان من أعلم الناس بالطب ولا سيما بعلم الحشائش.
وأبا بكر بن الصائغ المعروف بابن باجة وكان دون ابن زهر في معرفة الحشائش إلاَّ أنه كان
أفضل منه في العلم الطبيعيّ وكان يتخيل في زعمه أنه أعلم من ابن زهر في علم الحشائش
فركبا يوماً فمرّا بحشيشة فقال ابن زهر لغلامه: اقطع لنا من هذه الحشيشة وأشار إلى حشيشة
معينة فأخذ شيئاً منها وفتلها في يده وقرّبها من أنفه كأنه يستنشقها ثم قال لأبي بكر: انظر ما

١٠٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
أطيب ريح هذه الحشيشة، فاستنشقها أبو بكر فرعف من حينه فما ترك شيئاً يمكن في علمه أن
يقطع به الرعاف ممّا هو حاضر إلاَّ وعمله وما نفع حتى كاد يهلك وأبو العلاء يتبسم ويقول:
يا أبا بكر عجزت؟ قال: نعم، فقال أبو العلا لغلامه: استخرج لي أصول تلك الحشيشة فجاء
بها فقال له: يا أبا بكر استنشقها فاستنشقها أبو بكر فانقطع الدم عنه فعلم فضله عليه في علم
الحشائش .
وأسعد الناس بهذه السدرة أهل بيت المقدس، كما أن أسعد الناس بالمهدي أهل
الكوفة، كما أنه أسعد الناس برسول الله وَله أهل الحرم المكي، كما أنه أسعد الناس بالحق
أهل القرآن. وإذا أكل أهل السعادة من هذه الشجرة زال الغل من صدورهم ومكتوب على
ورقها: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وإلى هذه السدرة تنتهي أعمال بني آدم، ولهذا
سميت سدرة المنتهى، وللحق فيها تجلّ خاص عظيم يقيد الناظر ويحير الخاطر وإلى جانبها
منصة وتلك المنصة مقعد جبريل عليه السلام، وفيها من الآيات ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت ولا خطر على قلب بشر كما قال رسول الله بَ﴿ فيها: ((أَنَّها غَشِيَهَا مِنْ نُورِ اللَّهِ مَا
غَشِيَ)) فلا يستطيع أحد أن ينعتها إنما ينظر الناظر إليها فيدركه البهت.
وأوجد الله في هذه السماء البيت المعمور المسمّى بالضراح وهو على سمت الكعبة كما
ورد في الخبر: ((لَوْ سَقَطَتْ مِنْهُ حَصَاةٌ لَوَقَعَتْ عَلَى الكَعْبَةِ)) وهذا البيت في هذه السماء
والسماء ساكنة لا حركة فيها ولهذا لا ينتقل البيت من سمت الكعبة لأنّ الله جعل هذه
السموات ثابتة مستقرة هي لنا كالسقف للبيت ولهذا سمّاها السقف المرفوع، إلاَّ أنه في كل
سماء فلك وهو الذي تحدثه سباحة كوكب ذلك السماء، فالكواكب تسبح في أفلاكها لكل
﴿كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة الأنبياء:
کو کب فلك فعدد الأفلاك بعدد الكواكب، يقول تعالى:
الآية ٣٣] وأجرام السموات أجرام شفافة وهي مسكن الملائكة والأفلاك لولا سباحة الكواكب ما
ظهر لها عين في السموات فهي فيها كالطرق في الأرض تحدث كونها طريقاً بالماشي فيها فهي
أرض من حيث عينها طريق من حيث المشي فيها، وهذا البيت له بابان يدخل فيه كل يوم
سبعون ألف ملك ثم يخرجون على الباب الذي يقابله ولا يعودون إليه أبداً يدخلون فيه من
الباب الشرقي لأنه باب ظهور الأنوار ويخرجون من الباب الغربي لأنه باب ستر الأنوار
المذهبة فيحصلون في الغيب فلا يدري أحد حيث يستقرّون، وهؤلاء الملائكة يخلقهم الله في
كل يوم من نهر الحياة من القطرات التي تقطر من انتفاض جبريل لأنّ الله قد جعل له في كل
يوم غمسة في نهر الحياة، وبعدد هؤلاء الملائكة في كل يوم تكون خواطر بني آدم، فما من
شخص مؤمن ولا غيره إلاّ ويخطر له سبعون ألف خاطر في كل يوم لا يشعر بها إلاَّ أهل الله
وهؤلاء الملائكة الذين يدخلون البيت المعمور يجتمعون عند خروجهم منه مع الملائكة الذين
خلقهم الله من خواطر القلوب، فإذا اجتمعوا بهم كان ذكرهم الاستغفار إلى يوم القيامة، فمن
كان قلبه معموراً بذكر الله مستصحباً كانت الملائكة المخلوقة من خواطره تمتاز عن الملائكة
التي خلقت من خواطر قلب ليس له هذا المقام، وسواء كان الخاطر فيما ينبغي أو فيما لا

١٠٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
ينبغي فالقلوب كلها من هذا البيت خلقت فلا تزال معمورة دائماً، وكل ملك يتكون من
الخاطر يكون على صورة ما خطر سواء.
وخلق الله في هذه السماء كوكباً وأوحى فيها أمرها وأسكنها إبراهيم الخليل وجعل لهذا
الكوكب حركة في فلكه على قدر معلوم، من أعجب المسائل مسألة هذه الحركات فإنها من
خفيّ العلم فإنه يعطي أنه لا يستحيل مؤثر فيه بين مؤثرين، لأنّ مثل هذه الحركة لهذا الكوكب
یکون عن حكمين مختلفين: حكم قسري وحكم إراديّ أو طبيعيّ، وذلك له مثال ظاهر وهو
أنه إذا كان حيوان على جسم قاصداً جهة بحركته من هذا الجسم وتحرّك الجسم إلى غير تلك
الجهة فتحرك الحيوان إلى جهة حركة هذا الجسم مع حركته إلى النقيض فيجمع بين حركتين
متقابلتين معاً في زمان واحد، فهو يقطع في ذلك الجسم الذي هو عليه والجسم يقطع به في
جسم آخر فيقطع الحيوان فيه بحكم التبعية كنملة على ثوب مطروح في الأرض تمشي فيه
مشرقة ويجذب جاذب ذلك الثوب إلى جهة الغرب فتكون متحرّكة إلى جهة الشرق في الآن
الذي تتحرّك فيه بتحرّك الثوب إلى جهة الغرب فهي حركة قهرية لها غالبة عليها وهاتان
حركتان متقابلتان في آن واحد، فانظر هل لاجتماع الضدين وجوه في هذه المسألة أم لا؟ فإن
الكواكب تقطع في الفلك في رأي العين من الغرب إلى الشرق، والفلك الأكبر المحيط يقطع
بها من الشرق إلى الغرب، فالكوكب متحرّك من الشرق إلى الغرب في الآن الذي هو فيه
متحرّك من الغرب إلى الشرق، ففلكه الذي تحدثه حركته شرقاً عين فلكه الذي تحدثه حركته
غرباً، فهذه مثل مسألة الجبر في عين الاختيار، فالعبد مجبور في اختياره، ومن هذه المسألة
تعرف أفعال العباد لمن هي منسوبة بحكم الخلق هل ينفرد بها أحد القادرين أو هل هي
القادرين؟ لكل قادر فيها نسبة خاصة بها وقع التكليف، ومن أجلها كان العقاب والثواب، وقد
ذكرنا ما لهذا الفلك من الأثر في قلوب العارفين وذكر غيرنا، وذكرنا ما له من الأثر في عالم
الخلق من الكون والفساد وهو عالم الأركان والمولدات كل ذلك من هذا النفس الرحماني
لأنه يعطي الحركات والحركة سبب الوجود، ألا ترى الأصل لولا توجه الإرادة وهي حركة
معنوية والقول وهو حركة معنوية، وبها سميت اللفظة لفظة لهذه الحركة ما ظهر وجود.
ومن هذا الفلك أعطى الله وجود يوم السبت وهو يوم الأبد فليله في الآخرة لا انقضاء
نه، ونهاره أيضاً في المحل الثاني لا انقضاء له وفيه تحدث الأيام السبعة ومنها السبت، وهذا
من أعجب الأمور أيضاً أن الأيام التي منها السبت تحدث في يوم السبت فهو من جملة الأيام
وفيه يظهر الأيام. ولهذا مستند في الحقيقة الإلهية وذلك أن الترمذي خرج في غريب الحسان
عن أبي هريرة عن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ فَقَالَ لَهُ
الحَقُّ: قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ: الحَمْدُ للَّهِ فَحَمِدَ اللَّهُ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يَا آدَمُ لِهذا
خَلَقْتُكَ)) هذه الزيادة ليست من الترمذي، ثم رجعنا إلى حديث الترمذي: ((يَا آدَمُ اذْهَبْ إِلى
"أولئكَ الملائِكَةِ إِلى مَلإِ منهم جُلُوسٍ فَقُلْ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، قَالُوا: وَعَليْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ،
حْ رَجِعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكُ بَيْتَهُمْ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ

١١٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
أَيَّهَما شِئْتَ قالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِي وَكِلْتَا يدي رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ وَبَسَطَهَا وإِذَا فِيها آدَمُ وَذُرِيَتُهُ))
الحديث، فهذا آدم في تلك القبضة في حال كونه خارجاً عنها وهكذا عين هذه المسألة. وإذا
نظرت وجدت العالم مع الحق بهذه المثابة موضع حيرة هو لا هو ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فختم بما به بدأ، فياليت شعري من الوسط فإنه وسط
بين نفي وهو قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ وبين إثبات وهو قوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ وهو قوله: ما
أنت إذ أنت لكن الله أنت، فهذا معنى قولنا في كلامنا في الظاهر والمظاهر وأنه عينه مع
اختلاف صور المظاهر فنقول في زيد أنه واحد مع اختلاف أعضائه فرجله ما هي يده وهي زيد
في قولنا زيد وكذلك أعضاؤه كلها وباطنه وظاهره وغيبه وشهادته مختلف الصور وهو عين
زيد ما هو غير زيد، ثم تضاف كل صورة إليه ويؤكد بالعين والنفس والكل والجمع، وفي هذا
الفلك عين الموت ومعدن الراحة وسرعة الحركة في ثبات وطرح الزينة والأذى وله حصل هذا
الكوكب في برج الأسد وهو نقيضه في الطبع ونظيره في الثبوت، ومن هنا يعرف قول من
قال: إن المثلين ضدان هل أخطأ أو أصاب؟ وإذا نزل الكوكب في البرج هل يمتزج الحكم
فيكون للمجموع حكم ما هو لكل واحد منهما على انفراد أو يغلب حكم المنزلة والبرج على
الكوكب النازل فيه، أو يغلب حكم الكوكب على البرج أو يتصف أحدهما بالأكثر في الحكم
والآخر بالأقل مع وجود الحكمين؟ فعندنا لا يحكم واحد في آخر، وإن حكم جمعيتهما
يظهر في المحكوم فيه ولكل واحد منهما قوّة في ذلك المحكوم فيه بذلك الحكم لأنه عنهما
صدر ذلك الحكم من حالة تسمّى الاجتماع كما يكون ذلك في الاقترانات بين الكواكب،
وهذا نوع من الاقتران وليس باقتران ولكنه نزول في منزل.
الفصل الثاني والعشرون: في الاسم العليم وتوجهه على إيجاد السماء الثانية وخانسها
ويوم الخميس وموسى عليه السلام، وحرف الضاد المعجمة والصرفة من المنازل.
قال الله تعالى آمراً لنبيه وَ له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] الكلام في كون
هذه السماء وباقي السموات والأفلاك كما تقدم، غير أني أشير إلى ما يختص به كل سماء
خاصة من الحكم، فأمّا هذه السماء فأوحى الله فيها أمرها وتفصيل أمر كل سماء يطول، وقد
ذكرنا من ذلك طرفاً جيداً فى التنزلات الموصلية، فمن أمرها حياة قلوب العلماء بالعلم واللين
والرفق وجميع مكارم الأخلاق ولذلك لم ينبه أحد من سكان السموات من أرواح الأنبياء
عليهم السلام رسول الله وَّل ليلة فرض الله على أمته وَل خمسين صلاة غير موسى عليه
السلام فإنه قال له: راجع ربك، فإنه كان أعلم منه بهذه الأمور لذوقه مثله في بني إسرائيل وما
ابتلي به منهم فتكلم عن ذوق وخبرة، فكل شيخ لا يتكلم في العلوم عن ذوق ومجلى إلهيّ لا
عن كتب ونقل فليس بعالم ولا أستاذ فلولاه لكان الفرض علينا في الصلاة خمسين صلاة مع
كونه أرسله الله رحمة للعالمين، ومن كثر تكليفه قّت رحمته فقيض الله له في مدرجة إسرائه
موسى عليه السلام فخفف الله عن هذه الأمة به وَّله، فهذا ما كان إلاَّ من حكم أمر هذه السماء
الذي أوحى الله فيها أمرها ولها من الأيام يوم الخميس، فكل سر يكون للعارفين وعلم وتجلّ

١١١
في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
فمن حقيقة موسى من هذه السماء، وكل أثر يظهر في الأركان والمولدات يوم الخميس فمن
كوكب هذه السماء وحركة فلكها مجملاً من غير تفصيل ولها الضاد المعجمة ومن المنازل
الصرفة، فأما وجود الحروف المذكورة في كل سماء فلتلك السماء أثر في وجودها، وأما قولنا
أن لها من المنازل الصرفة أو كذا لكل سماء فلسنا نريد أن لها أثراً في وجود المنزلة كما أردنا
بالحرف، وإنما أريد بذلك أن هذا الكوكب الخاص بهذا الفلك أوّل ما أوجده الله وتحرّك
أوجده في المنزلة التي نذكرها له بعينها فهي منزلة سعده حيث ظهر فيها وجوده، فهذا معنى
قولي له من المنازل كذا ولكل سماء وفلك أثر في معدن من المعادن السبعة يختص به وينظر
إلى ذلك المعدن بقوته .
الفصل الثالث والعشرون: في الاسم القاهر. توجه هذا الاسم الإلهيّ على إيجاد السماء
الثالثة، فأظهر عينها وكوكبها وفلكه وجعلها مسكن هارون عليه السلام، وبهذا الاسم الإلهيّ
أوحى فيها أمرها وكان وجود كوكبها حركة فلكه في منزلة العوا يوم الثلاثاء، فمن الأمر
الموحى فيها إهراق الدماء والحميات، وعن حركة هذا الفلك ظهر حرف اللام من الحروف
اللفظية، فكل علم وسرّ من الأسرار الإلهيّة يظهر على العارفين يوم الثلاثاء فهو من هذه
السماء من روح هارون، وكل أثر في الأركان والمولدات فمن أمر هذا الفلك وحركة كوكبه
فإن الله لما أوحى في كل سماء أمرها أوحى بالاسم الإلهيّ الخاص بذلك فذلك الاسم هو
الممدّ لها.
الفصل الرابع والعشرون: في الاسم النور. وتوجه هذا الاسم الإلهيّ على إيجاد السماء
الرابعة وهي قلب العالم وقلب السموات فأظهر عينها يوم الأحد وأسكن فيها قطب الأرواح
الإنسانية وهو إدريس عليه السلام، وسمّي الله هذه السماء مكاناً علياً لكونها قلباً، فإن التي
فوقها أعلى منها فأراد علوّ مكانة المكان، فلهذا المكان من المكانة رتبة العلو، وأوجدها في
منزلة السماك وأظهر كوكبها وفلكه وكوّن حرف النون عنها وأظهر بحركة كوكبها الليل
والنهار، فقسم اليوم فتقسم فيه الحكم الإلهيّ في العالم فجعل كل واحد منهما أنثى والآخر
ذكراً لإنتاج ما يظهر في الأركان من المولدات، فكل ما ولد وظهر من الآثار عموماً في الأيام
كنها بالنهار فأمه النهار وأبوه الليل، وما ظهر من ذلك بالليل فأمه الليل وأبوه النهار فيولج
نبيل في النهار إذا كان النهار أنثى ويولج النهار في الليل إذا كان الليل أنثى، وقد بيّنا ذلك في
كتاب الشأن، فكل ما ظهر من العلم والآثار في المولدات يوم الأحد فمن هذه السماء وساكنها
ا بل في كل يوم وفي كل العالم الذي تحت حيطته ولا يخنس كوكبها .
الفصل الخامس والعشرون: في الاسم المصور. توجه هذا الاسم الإلهيّ على إيجاد
السماء الخامسة وفلكها وكوكبها، وكان ظهور ذلك في منزلة الغفر، وأوحى فيها إظهار صور
الأرواح والأجسام والعلوم في العالم العنصري، واختصّت بالأثر الكامل بطريق التولية بيوم
ـجمعة، وأسكن فيها يوسف عليه السلام وعنها ظهر حرف الراء.
الفصل السادس والعشرون: في الاسم المحصي. قال تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾

١١٢
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
[سورة الجن: الآية ٢٨] يريد موجوداً وتوجه هذا الاسم الإلهيّ على إيجاد السماء السادسة وكوكبها
وفلكها يوم الأربعاء في منزلة الزبانا، وأسكن فيها عيسى عليه السلام، فكل ما ظهر في يوم
الأربعاء في العالم العنصري من الآثار الحسيّة والمعنوية وما يحصل للعارفين في قلوبهم من
ذلك فمن وحي هذه السماء ومنها ظهر حرف الطاء المهملة .
الفصل السابع والعشرون: في الاسم المبين. توجه هذا الاسم على إيجاد السماء الدنيا
وكوكبها وفلكها يوم الاثنين في منزلة الإكليل، وعن حركة هذا الفلك حرف الدال المهملة،
وله كل حكم يظهر في العالم يوم الاثنين روحاً وجسماً وهذا كله بنهار ذلك اليوم لا بليله،
فإن ليلة كل يوم ما هي الليلة التي يكون ذلك اليوم في صبيحتها ولا الليلة التي تكون بغروب
شمسه في ذلك اليوم، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الشأن، وإنما ليلته التي لذلك اليوم هي في
أول ساعة من الليل الذي هو حاكم في أول ساعة من النهار، فذلك يوم تلك الليلة، وتلك
الليلة ليلة ذلك اليوم فهذا أريد.
اعلم أن هذه السماء الدنيا أوحى الله فيها أمرها وأسكنها آدم وهو الإنسان الفرد أصل
هذا النوع وهو قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَبِدَةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ١] إلاَّ أنه جعله الله أعني
الإنسان سريع التغيير في باطنه كثير الخواطر، يتقلب في باطنه في كل لحظة تقلبات مختلفة
لأنه على الصورة الإلهيّة وهو سبحانه ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] فمن المحال
ثبوت العالم زمانين على حالة واحدة، بل يتغير عليه الأحوال والأعراض في كل زمان فرد
وهو الشؤون التي هو الحق فيها لمن علم ما قال الله، ولا يظهر سلطان ذلك إلاَّ في باطن
الإنسان فلا يزال يتقلب في كل نفس في صور تسمى الخواطر لو ظهرت إلى الأبصار لرأيت
عجباً، وأسرع الحركات الفلكية حركة هذا الفلك بكوكبه الذي هو القمر، فهو أسرع سير في
قطع فلك المنازل من غيره من السيارة وله في كل يوم منزلة فيقطع الفلك في ثمانية وعشرين
يوماً، فكان ظهور الأثر في الكون سريعاً لسرعة الحركة فناسب آدم في سرعة خواطره فأسكنه
هذه السماء، وجعل نسم بنيه عن يمينه ويساره أسودة يرى شخوصها أهل الكشف، وعن
يمينه عليون، وعن يساره السفل، فلا يخفى عنه من أحوال بنيه شيء.
واعلم أن هذه الحقيقة التي جعلته يسمى إنساناً مفرداً هي في كل إنسان ولكن كانت في
آدم أتم لأنه كان ولا مثل له، ثم بعد ذلك انتشأت منه الأمثال فخرجت على صورته، كما
انتشأ هو من العالم ومن الأسماء الإلهيّة فخرج على صورة العالم وصورة الحق فوقع الاشتراك
بين الأناسي في أشياء وانفرد كل شخص بأمر يمتاز به عن غيره كما هو العالم، فبما ينفرد به
الإنسان يسمّى الإنسان المفرد، وبما يشترك به يسمّى الإنسان الكبير، ولما كان آدم أبا البشر
كانت منه رقيقة إلى كل إنسان ونسبة، ولما كان هو من العالم ومن الحق بمنزلة بنيه منه كانت
فيه رقيقة ممن كل صورة في العالم تمتد إليه لتحفظ عليه صورته ورقيقة من كل اسم إلهي
تمتد إليه لتحفظ عليه مرتبته وخلافته، فهو يتنوع في حالاته تنوع الأسماء الإلهيّة، ويتقلب في
أكوانه تقلب العالم كله، وهو صغير الحجم لطيف الجرم سريع الحركة، فإذا تحرك حرك

١١٣
في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
جميع العالم، واستدعى بتلك الحركة توجه الأسماء الإلهيّة عليه لترى ما أراد بتلك الحركة
فتفضي في ذلك بحسب حقائقها، ولم يكن في الأفلاك أصغر من فلك سماء الدنيا فأسكنه الله
فيها للمناسبة، ولصغر هذا الفلك كان أسرع دورة فناسب سرعة الخواطر التي في الإنسان
فأسكنه فيه من حيث إنَّه إنسان مفرد خاصة لا من حيث اشتراكه، ثم إنه جعل الله له من بنيه
في كل سماء شخصاً وهو عيسى ويوسف وإدريس وهارون ويحيى وموسى وإبراهيم عليهم
السلام، فهو ناظر إليهم في كل يوم بما هو أب لهم، وهم ناظرون إليه من حيث ما هم في
منازل معينة لا من حيث هم أبناء له .
وهذا الإنسان المفرد يقابل بذاته الحضرة الإلهيّة، وقد خلقه الله من حيث شكله
وأعضاؤه على جهات ستة ظهرت فيه، فهو في العالم كالنقطة من المحيط، وهو من الحق
كالباطن، ومن العالم كالظاهر، ومن القصد كالأول، ومن النشء كالآخر، فهو أول بالقصد،
آخر بالنشء، وظاهر بالصورة، وباطن بالروح، كما أنه خلقه الله من حيث طبيعته وصورة
جسمه من أربع، فله التربيع من طبيعته إذ كان مجموع الأربعة الأركان، وأنشأ جسده ذا أبعاد
ثلاثة من طول وعرض وعمق فأشبه الحضرة الإلهيّة ذاتاً وصفات وأفعالاً، فهذه ثلاث مراتب:
مرتبة شكله وهو عين جهاته، ومرتبة طبيعته، ومرتبة جسمه، ثم إنّ الله جعل له مثلاً وضداً
وما ثم سوى هذه الخمسة، واختصّ بالخمسة لأنه ليس في الأعداد من له الاسم الحفيظ إلاَّ
هي وهي تحفظ نفسها وغيرها بذاتها وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [سورة البقرة: الآية
٢٥٥] فثنى وهو قولنا: تحفظ نفسها وغيرها، فأما كونه ضداً فبما هو عاجز جاهل قاصر ميت
أعمى أخرس ذو صمم فقير ذليل عدم، وبما هو مثل ظهوره بجميع الأسماء الإلهيّة والكونية
فهو مثل للعالم ومثل للحضرة فجمع بين المثليتين وليس ذلك لغيره من المخلوقين، فهو حيّ
عالم مريد قادر سميع بصير متكلم عزيز غني إلى جميع الأسماء الإلهيّة كلها والأسماء
الكونية، فله التخلق بالأسماء، فله حالات خمس يقابل بها كل ما سواه بحسب ما ينظرون إليه
.ذ هو الكلمة الجامعة، وأعطاه الله من القوّة بحيث أنه ينظر في النظرة الواحدة إلى الحضرتين
فيتلقى من الحق ويلقي إلى الخلق، فمنهم الناظر إليه من حيث شكله فيمده من ذلك المقام
بأمور خاصة تختص بالشكل. ومنهم الناظر إليه من حيث طبيعته فيمده من ذلك المقام بأمور
خاصة تختص بالطبع، كما يمده الحق في شكله من اسمه المحيط، وفي طبيعته من حياته
وعلمه وإرادته وقدرته. ومنهم من ينظر إليه من حيث جسمه فيمده من ذلك المقام بأمور
خاصة تختص بالجسم، كما يمده الحق من حضرته بما يظهر في ذاته وصفاته وأفعاله. ومنهم
تنظر إليه كفاحاً لا منازعة فيمده من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بالمكافحة، كما يمده
بحق من اسمه البعيد والمعزّ إن كان ذليلاً، والمذل إن كان عزيزاً. ومنهم الناظر إليه من
حيث إنه مثّل له في المرتبة، فإنه بالمرتبة كان خليفة وقد شورك فيها فقال: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ
حتِّفَ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣٩] وقال: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فِىِ الْأَرْضِ﴾ [سورة ص: الآية ٢٦]
مهم نواب الحق في عباده، فيمدّهم من ذلك المقام بأمور خاصة تختص بتلك المثلية، كما
الفتوحات المكية ج٤ - م٨

١١٤
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
يمدّه الحق من صورته بجميع أسمائه وليس إلاَّ هذه، وقد قسم الله خلقه إلى شقي وسعيد،
وجعل مقرّ عباده في دارين: دار جهنم وهي دار كل شقي، ودار جنان وهي دار كل سعيد،
وسمّوا هؤلاء أشقياء لأنهم أقيموا فيما يشق عليهم وهو المخالفة، وسمّوا هؤلاء سعداء لأنهم
أقيموا فيما يسهل عليهم وهو المساعدة والموافقة، فمن كان مع الله على مراد الله فيه وفي
خلقه لم يشق عليه شيء ممّا يحدث في العالم.
حكي عن رابعة رضي الله عنها أنه ضرب رأسها ركن جدار فأدماها فما التفتت فقيل لها
في ذلك فقالت: شغلي بموافقة مراده فيما جرى شغلني عن الإحساس بما ترون من شاهد
الحال، فما شق عليها ما جرى فلو شق عليها لتعذبت في نفسها منها. فالأشقياء ليس لهم
عذاب إلاَّ منهم لأنهم أقيموا في مقام الاعتراض والتعليل لأفعال الله في عباده، ولأيّ شيء
كان كذا ولو كان كذا كان أحسن وأليق، ونازعوا الربوبية وشاقوا الله ورسوله فشقاؤهم
شقاقهم فهي دار الأشقياء بدخولها في هذه الحال، فإذا طال عليهم الأمد تغيّر الحال لأن طول
الأمد له حكم بقوله تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ١٦] فإذا طال
الأمد على الأشقياء وعلموا أن ذلك ليس بنافع قالوا: فالموافقة أولى فتبدّلت صورهم، فأثر
ذلك التبديل هذا الحكم فزالت المشاققة فارتفع العذاب عن بواطنهم فاستراحوا في دارهم
ووجدوا في ذلك من اللذة ما لا يعلمه إلاَّ الله لأنهم اختاروا ما اختار الله لهم، وعلموا عند
ذلك أن عذابهم لم يكن إلاَّ منهم، فحمدوا الله على كل حال فأعقبهم ذلك أن يحمدوا الله
المنعم المتفضل.
ثم إن لهذا الإنسان المفرد الذي هو آدم ولكل إنسان أقيم فيما هو منفرد به نظر آخر إلى
منازل السعداء وهي التي عيّنها الفلك المكوكب وهي منازل الجنان ومنازل النار، فإن الجنة
مائة درجة والنار مائة درك على عدد الأسماء الإلهيّة فهي بحكم الاشتراك تسعة وتسعون اسماً
ينالها كل إنسان بما هو مشارك غيره، والاسم الموفي مائة وهو وتر الغيب كما كانت التسعة
والتسعون وتر الشهادة لأن الله وتر يحب الوتر، فالاسم الموفي مائة مفرد منه يتجلى الحق
للإنسان المفرد إذا كان مع الأمر الذي يسمّى به إنساناً مفرداً، وإذا كان مع هذا الاسم الفرد
كانت منازله ثمانياً وعشرين منزلة لأن حروف نفسه ثمانية وعشرون حرفاً ظهر منها في مقام
الجمع والوجود علامات تدل على الحق وهي خمس آلاف علامة وثمانمائة علامة وثمان
وثلاثون علامة، وهذه كلها منازل في هذه المنازل، ولهذا يقال يوم القيامة القارىء القرآن:
اقرأ وارق فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ، ولهذا تمدّح أبو يزيد بأنه ما مات حتى استظهر
القرآن.
وينبغي القارىء القرآن إذا لم يكن من أهل الكشف ولا من أهل التعليم الإلهيّ أن يبحث
ويسأل علماء الرسوم أي شيء يثبت عندهم أو رأوه أنه كان قرآناً ونسخ لفظه من هذا
المصحف العثماني ولا يبالي إذا قالوا له كذا وكذا صحيحاً كان الطريق إلى ذلك أو غير
صحيح فينبغي أن يحفظه فإنه يزيد بذلك درجات، وقد اختلفت المصاحف فهذا ينفعه ولا

١١٥
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
يضره، فإن هذا الذي بأيدينا هو قرآن بلا شك ونعلم أنه قد سقط منه كثير، فلو كان
رسول الله ◌ّو هو الذي جمعه لوقفنا عنده وقلنا هذا وحده هو الذي تتلوه يوم القيامة إذا قيل
القارىء القرآن: اقرأ وارق، والاحتياط فيما قلناه، ولكن لا أريد بذلك أنه يصلي به وإنما
يحفظه خاصة فإنه ليس بمتواتر مثل هذا، وما نازع أحد من الصحابة في مصحف عثمان أنه
قرآن فإذا حصل الإنسان بما انفرد به في منزلة من هذه المنازل فإنها تعطيه حقيقة ما هي عليه
ممّا وضعها الله له من الأمور الظاهرة في أفعال العباد في حركاتهم وسكونهم وتصرفاتهم، وما
منعني من تعيينها إلاَّ ما يسبق إلى القلوب الضعيفة من ذلك ووضع الحكمة في غير موضعها
فإن الحافظين أسرار الله قليلون، وإذا وفى الإنسان المفرد علم هذه الأمور ودخل الجنات
الثمانية ورأى الكثيب الأبيض وعاين درجات الناس في الرؤية وتميز مراتبهم ومنازلهم في
ذلك ونظر إلى التكوينات الجنائية والرقائق الممتدة إليها من فلك البروج علم أن الله أسراراً في
خلقه فأراد أن يعرفه آثار ذلك فارتقى بنفسه إلى هذا الفلك ودار معه دورة واحدة لكل برج
حتى أكمل اثنتي عشرة دورة ونظر بحلوله في كل دورة ما يعطي من الأثر في جنات النعيم،
وفي جهنم، وفي عالم الدنيا، وفي البرزخ، وفي يوم القيامة، وفي أحوال الكائنات
العرضيات في العالم والخاصة بجسد الإنسان وروحه والمولدات، وربما نشير إلى شيء من
هذه الأسرار متفرقاً في هذا الكتاب في المنازل منه إن شاء الله تعالى.
وجميع الأسماء الإلهية المختصة بهذا الإنسان الموصوف بهذه الصفة التي ينزل بها هذه
لمنازل معلومة محصاة وهي: الرفيع الدرجات، الجامع، اللطيف، القوي، المذل، رزاق،
عزيز، مميت، محيي، حي، قابض، مبين، محص، مصوّر، نور، قاهر، عليم، رب،
مقدّر، غنيّ، شكور، محيط، حكيم، ظاهر، باطن، باعث، بديع. ولكل اسم من هذه
الأسماء روحانية ملك تحفظه وتقوم به، وتحفظها لها صور في النفس الإنساني تسمّى حروفاً
في المخارج عند النطق وفي الخط عند الرقم فتختلف صورها في الكتابة ولا تختلف في
نرقم، وتسمّى هذه الملائكة الروحانيات في عالم الأرواح بأسماء هذه الحروف فلنذكرها
على ترتيب المخارج حتى تعرف رتبتها: فأوّلهم ملك الهاء ثم الهمزة، وملك العين المهملة،
وملك الحاء المهملة، وملك العين المعجمة، وملك الخاء المعجمة، وملك القاف وهو ملك
عظيم رأيت من اجتمع به، وملك الكاف، وملك الجيم، وملك الشين المعجمة، وملك
ـياء، وملك الضاد المعجمة، وملك اللام، وملك النون، وملك الراء، وملك الطاء
مهملة، وملك الدال المهملة، وملك التاء المعجمة باثنتين من فوقها، وملك الزاي، وملك
ـسين المهملة، وملك الصاد المهملة، وملك الظاء المعجمة، وملك الثاء المعجمة بالثلاث،
وملك الذال المعجمة، وملك الفاء، وملك الباء، وملك الميم، وملك الواو. وهذه الملائكة
رواح هذه الحروف، وهذه الحروف أجساد تلك الملائكة لفظاً وخطاً بأي قلم كانت، فبهذه
الأرواح تعمل الحروف لا بذواتها أعني صورها المحسوسة للسمع والبصر المتصوّرة في
نخيال، فلا يتخيل أن الحروف تعمل بصورها وإنما تعمل بأرواحها، ولكل حرف تسبيح

١١٦
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وتمجيد وتهليل وتكبير وتحميد يعظم بذلك كله خالقه ومظهره وروحانيته لا تفارقه، وبهذه
الأسماء يسمون هؤلاء الملائكة في السموات، وما منهم ملك إلاَّ وقد أفادني.
وكذلك هذه الكواكب التي ترونها إنما هي صور لها أرواح ملكية تدبرها مثل ما لصورة
الإنسان، فبروحه يفعل الإنسان وكذلك الكوكب والحرف لولا الروح ما ظهر منه فعل، فإن
الله سبحانه ما يسوّي صورة محسوسة في الوجود على يد من كان من إنسان أو ريح إذا هبت
فتحدث أشكالاً فى كل ما تؤثر فيه حتى الحية والدودة تمشي في الرمل فيظهر طريق، فذلك
الطريق صورة أحدثها الله بمشي هذه الدودة أو غيرها فينفخ الله فيها روحاً من أمره لا يزال
يسبحه ذلك الشكل بصورته وروحه إلى أن يزول فتنتقل روحه إلى البرزخ وذلك قوله: ﴿كُلُّ
مَنْ عَلَيْهَا قَانٍ ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٦] وكذلك الأشكال الهوائية والمائية لولا أرواحها ما ظهر منها
في انفرادها ولا في تركيبها أثر، وكل من أحدث صورة وانعدمت وزالت وانتقل روحها إلى
البرزخ فإن روحها الذي هو ذلك الملك يسبح الله ويحمده ويعود ذلك الفضل على من أوجد
تلك الصورة الذي كان هذا الملك روحها، فما يعرف حقائق الأمور إلاَّ أهل الكشف والوجود
من أهل الله، ولهذا نبّه الله قلوب الغافلين ليتنبهوا على الحروف المقطعة في أوائل السور فإنها
صور ملائكة وأسماؤهم، فإذا نطق بها القارىء كان مثل النداء بهم فأجابوه فيقول القارىء:
ألف لام ميم، فيقول هؤلاء الثلاثة من الملائكة مجيبين ما تقول؟ فيقول القارىء ما بعد هذه
الحروف تالياً، فيقولون: صدقت إن كان خيراً، ويقولون: هذا مؤمن حقاً نطق حقاً وأخبر
بحق فيستغفرون له وهم أربعة عشر ملكاً: ألف لام ميم صاد راء كاف هاء ياء عين طاء سين
حاء قاف نون، ظهروا في منازل من القرآن مختلفة، فمنازل ظهر فيها واحد مثل: ﴿قَّ
وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ ﴿تْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ﴿صَنَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذَّكْرِ﴾ ومنازل ظهر فيها اثنان مثل
﴿ِسَنَّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ تُِّينٍ﴾ ﴿يَسّ﴾ ﴿حَمّ﴾ وهي سبعة أعني الحواميم ﴿طه﴾
ومنازل ظهر فيها ثلاثة وهم ﴿الَمّ﴾ البقرة ﴿الَّ﴾ آل عمران ﴿الرَّ ◌ِلْكَ مَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾
يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر ﴿طنّمّ﴾ الشعراء والقصص والعنكبوت ولقمان والروم
والسجدة. ومنها منازل ظهر فيها أربعة هم ﴿الّصّ﴾ الأعراف ﴿الَّتَرْ﴾ الرعد. ومنازل ظهر
فيها خمسة وهي: مريم والشورى، وجميعها ثمان وعشرون سورة على عدد منازل السماء
سواء، فمنها ما يتكرّر في المنازل، ومنها ما لا يتكرر، فصورها مع التكرار تسعة وسبعون
ملكاً بيد كل ملك شعبة من الإيمان، ((وأن الإيمان بضع وسبعون شعبة أرفعها لا إله إلاَّ الله))،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والبضع من واحد إلى تسعة فقد استوفى غاية البضع، فمن
نظر في هذه الحروف بهذا الباب الذي فتحت له يرى عجائب، وتكون هذه الأرواح الملكية
التي هذه الحروف أجسامها تحت تسخيره، وبما بيدها من شعب الإيمان تمدّه وتحفظ عليه
إيمانه، وهذا كله من النفس الرحمانيّ الذي نفس الله به عن خلقه.
واعلم أن هذه الحروف الأربعة عشر التي في أوائل السور كل حرف منها له ظاهر وهو
صورته، وله باطن وهو روحه، ولكل حرف ليلة من الشهر أعني الشهر الذي يعرف بالقمر

١١٧
.في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
فإذا مشى القمر وقطع في سيره أربع عشرة منزلة أعطى في كل حرف من هذه الحروف من
حيث صورها قوّتين من حيث ذاته ومن حيث نوره، وأعطاه قوّتين أخريين من حيث المنزلة
التي نزل بها ومن حيث البرج الذي لتلك المنزلة ولكن بقدر ما لتلك المنزلة من البرج فيصير
في ذلك الحرف أربع قوى، فيكون عمله أقوى من عمل كل واحد من أصحاب هذه القوى،
ويكون عمله في ظهور أعيان المطلوب، فإذا أخذ القمر في النقص فقد أخذ في روحانية هذه
الحروف إلى أن يكملها بكمال المنازل فتلك ثمان وعشرون، والقوى مثل القوى إلاَّ أنه يكون
العمل غير العمل، فالعمل الظاهر في المنافع والعمل الثاني في دفع المضار، وفي قوّة النور
الذي للقمر لهذا الحرف مراتب بحسب المنزلة والبرج الذي تكون فيه الشمس واتصالات
القمر بالمنزلة في تسديسها وتربيعها وتثليثها ومقابلتها ومقارنتها، فتختلف الأحكام باختلاف
ذلك، هذا للحرف من قوّة النور القمري، فالعمل بالحروف يحتاج إلى علم دقيق، فهذه
القوى تحصل للحرف من سير القمر، وقد ذكرنا حرف كل منزلة، وأما لام ألف فمرتبته مرتبة
الجوهر وهو من الحروف المركبة أنزلوه منزلة الحرف الواحد لكمال نشأة الحروف، ولهذا
الحرف ليلة السرار الذي يكون للقمر، فإن كسف القمر الشمس فذلك أسعد الحالات وأقواها
في العمل بلام ألف، وإن لم يكسفها ضعف عمله بقدر ما نزل عنها، وكذلك اتصالات القمر
بالخمسة لها أثر في الحرف على ما وقع عليه اتصاله بذلك الكوكب من الأحكام الخمسة كما
كان حاله مع الشمس، ويعتبر العامل أيضاً شرف القمر وهبوطه وكونه خالي السير وبعيد النور
وكونه مع الرأس وكونه مع الذنب، لأن الله ما قدر هذا ﴿وَالْقَمَرَ قَّذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرُونِ
اَلْقَدِيرِ﴾ [سورة يس: الآية ٣٩] واختصه بالذكر سدى، بل ذلك لحكمة إلهية يعلمها من أوتي
الحكمة التي هي الخير الكثير الإلهيّ، فإن الستة الباقية قدرها أيضاً منازل في نفس الأمر وما
خصّها بالذكر، فلما دخل القمر في الذكر كان له من القوّة الإلهيّة والشرف في الولاية والحكم
الإلهيّ ما ليس لغيره فإنه ما ذكر إلاَّ بالحروف وبها نزل إلينا الذكر، فكان نسبته إلى الحروف
أتم من نسبة غيره، فصار إمداده للحروف إمدادين: إمداد جزاء وشكر لأن بها حصل له الذكر،
وإمداداً طبيعياً كإمداد سائر الستة لهذه الحروف، وإنما ذكرنا ما يختص بالقمر دون سائر الستة
لأنها في سماء الدنيا وهو موضع القمر وهو في ليلة السرار بارد رطب، وفي ليلة الإبدار حار
رطب لما فيه من النور فهو مائيّ هوائيّ وفيما بينهما بحسب ما فيه من النور فإن النور له الشرف،
ولما اجتمع النار مع النور في الإحراق وقوّة الفعل في بقية العناصر لهذا افتخر إبليس على آدم
وتكبّر عليه، فإن النار لا يقبل التبريد بخلاف بقية الأركان فإن الهواء يسخن وكذلك الماء
وكذلك التراب، فللنار في نفس الأركان أثر ليس لواحد منها في النار أثر، وكذلك الماء له أثر
في الهواء والتراب فيبرد الهواء ويزيد في رطوبته ويرطب التراب ويزيد في برودتها، وليس للهواء
والتراب في هذين العنصرين أثر فأقوى الأركان النار وبعده الماء، فالحرارة للنار والبرودة للماء،
ولهذا جعلهما فاعلين، والإثنين الآخرين منفعلين رطوبة الهواء ويبوسة التراب، سبحان الخبير
تعليم الخلاق مرتب الأمور ومقدرها لا إله إلاَّ هو العزيز الحكيم.

١١٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وفي ليلة تقييدي لهذا الفصل وهي الليلة الرابعة من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين
وستمائة الموافقة ليلة الأربعاء الذي هو الموفى عشرين من شباط رأيت في الواقعة ظاهر الهوية
الإلهيّة وباطنها شهوداً محققاً ما رأيتها قبل ذلك من مشهد من مشاهدنا، فحصل لي من
مشاهدة ذلك من العلم واللذة والابتهاج ما لا يعرفه إلاَّ مَن ذاقه، فما كان أحسنها من واقعة
﴿لَسَ لِوَقْعَنِهَا كَذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٢ - ٣] وصورتها مثالاً في الهامش كما هو،
فمن صوّره لا يبد له، والشكل نور أبيض في بساط أحمر له نور أيضاً في طبقات أربع صورة
وأيضاً روحها في ذلك البساط في الطرف الآخر في طبقات أربع، فمجموع الهوية ثمانية في
طرفين مختلفين من بساط واحد، فأطراف البساط ما هي البساط ولا غير البساط، فما رأيت
ولا علمت ولا تخيلت ولا خطر على قلبي صورة ما رأيت في هذه الهوية، ثم إنها لها حركة
خفية في ذاتها أراها وأعلمها من غير نقلة ولا تغير حال ولا صفة.
الفصل الثامن والعشرون: في الاسم الإلهيّ القابض. وتوجهه على إيجاد ما يظهر في
الأثير من ذوات الأذناب والإحتراقات ووجود حرف التاء المعجمة باثنتين من فوقها من
الحروف، وله من المنازل منزلة القلب الأثير ركن النار، وهذه الأركان وجودها قبل وجود
هذه الأفلاك من حيث ما تقول سموات لا من حيث ما هي أفلاك، وهو متصل بالهواء والهواء
حار رطب، فيما في الهواء من الرطوبة إذا اتصل بهذا الأثير أثر فيه لتحرّكه اشتعالاً في بعض
أجزاء الهواء الرطبة، فبدت الكواكب ذوات الأذناب وذلك لسرعة اندفاعها تظهر في رأي
العين تلك الأذناب، وإذا أردت تحقيق هذا فانظر إلى شرر النار إذا ضرب الهواء النار
بالمروحة وغيرها يتطاير منها شرر أمثال الخيوط في رأي العين ثم تنطفي، كذلك هذه
الكواكب، وجعلها الله من زمان بعث رسول الله ومية رجوماً للشياطين، فإن الشياطين وهم
كفار الجن لهم عروج إلى السماء الدنيا يسترقون السمع أي ما تقوله الملائكة في السماء
وتتحدّث به ممّا أوحى الله به فيها، فإذا سلك الشيطان أرسل الله عليه شهاباً رصداً ثاقباً، ولهذا
يعطي ذلك الضوء العظيم الذي تراه ويبقى ذلك الضوء في أثره طريقاً، ورأيت مرة طريقه قد
بقي ضوؤه ساعة وأزيد من ساعة وأنا بالطواف رأيته أنا وجماعة الطائفين بالكعبة وتعجب
الناس من ذلك وما رأينا قط ليلة أكثر منها ذوات أذناب الليل كله إلى أن أصبح حتى كانت
تلك الكواكب لكثرتها وتداخل بعضها على بعض كما يتداخل شرر النار تحول بين أبصارنا
وبين رؤية الكواكب فقلنا: ما هذا إلاّ لأمر عظيم، فبعد قليل وصل إلينا أن اليمن ظهر فيه
حادث في ذلك الوقت الذي رأينا هذا وجاءتهم الريح بتراب شبيه التوتيا كثير إلى أن عمّ
أرضهم وعلا على الأرض إلى حدّ الركب وخاف الناس وأظلم عليهم الجوّ بحيث أن كانوا
يمشون في الطرق في النهار بالسرج وحال تراكم الغمام بينهم وبين نور الشمس، وكانوا
يسمعون في البحر بزبيد دوياً عظيماً وذلك في سنة ستمائة أو تسع وتسعين وخمسمائة الشك
مني فإني ما قيدته حين رأيت ذلك، وما قيدته في هذا المكان إلاّ في سنة سبع وعشرين
وستمائة ولذلك أصابني الشك لبعد الوقت لكنه معروف عند الخاص والعام من أهل الحجاز

١١٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
واليمن، ورأينا في تلك السنة عجائب كثيرة، وفي تلك السنة حلّ الوباء بالطائف حتى ما بقي
فيها ساكن حلّ بهم من أوّل رجب إلى أوّل رمضان سنة تسع وتسعين وخمسمائة عن تحقيق،
وكان الطاعون الذي نزل بهم إذا كانت علامته في أبدانهم ما يتجاوزون خمسة أيام حتى يهلك
فمن جاز خمسة أيام لم يهلك، وامتلأت مكة بأهل الطائف وبقيت ديارهم مفتحة أبوابها
وأقمشتهم ودوابهم في مراعيها، فكان الغريب في تلك المدّة إذا مرّ بأرضهم فتناول شيئاً من
طعامهم أو قماشهم أو دوابهم إذ لم يكن هناك حافظ يحفظه أصابه الطاعون من ساعته، وإذا
مرّ ولم يتناول شيئاً سلم فحمى الله أموالهم في تلك المدّة لمن بقي منهم ولمن ورثهم وتابوا
وورثوا البنات في تلك السنة وسكنت الفتن التي كانت بينهم، فلما نجاهم الله من ذلك ورفعه
عنهم واستمرّ لهم الأمان عادوا إلى ما كانوا عليه من الإدبار، وهذه الكواكب ذوات الأذناب
ما تحدث في الأثير وإنما يحدث منه في الهواء تشعله فهو على الحقيقة هواء محترق لا
مشتعل، هذا هو الأثير فهو كالصواعق فإنها أهوية محترقة لا شعلة فيها فما تمرّ بشيء إلاَّ
أثرت فيه، ولا يحدث في هذا الركن شيء سوى ما ذكرناه إلاّ أنه في نفس الأمر ملك كريم له
تسبيح خاص وسلطان قويّ والسماء الدنيا في غاية من البرودة لولا أن الله حال بيننا وبين برد
هذه السماء بهذه النار التي بين الهواء وبين السماء ما كان حيوان ولا نبات ولا معدن في
الأرض لشدة البرد، فسخن الله عالم الأرض والماء والهواء بما ترميه الكواكب من الشعاعات
إلى الأرض بوساطة هذا الأثير فسخن العالم فتسري فيه الحياة وذلك بتقدير العزيز العليم لا
إله إلاَّ هو رب كل شيء ومليكه.
الفصل التاسع والعشرون: في الاسم الإلهيّ الحيّ وتوجهه على إيجاد ما يظهر في ركن
الهواء، وله من الحروف حرف الزاي ومن المنازل منزلة الشولة، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ
الْرِيَجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رُبَّةً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [سورة ص: الآية ٣٦] فجعلها مأمورة يعلمنا أنها تعقل، ولا
يسمّى الهواء ريحاً إلاَّ إذا تحرّك وتموّج، فإن اشتدت حركته كان زعزعاً، وإن لم تشتد كان
رخاء أي ريحاً لينة، والريح ذو روح يعقل كسائر أجسام العالم وهبوبه تسبيحه تسري به
الجواري، ويطفىء السرج، ويشعل النيران، ويحرّك المياه والأشجار، ويموّج البحار،
ويزلزل الأرض، ويلعب بالأغصان، ويزجي السحاب، وهو ركن أقوى من الماء، والماء
أقوى من النار، والنار أقوى من الحديد، والحديد أقوى من الجبال، والجبال أقوى من
الأرض، وما ثم شيء أقوى من الهواء إلَّ الإنسان حيث يقدر على قمع هواه بعقله الذي
وجده الله فيه فيظهر عقله في حكمه على هواه، فإنه لقوّة الصورة التي خلق عليها الرياسة له
ذاتية، ولكونه ممكناً الفقر والذلة له ذاتية فإذا غلب فقره على رياسته فظهر بعبوديته ولم يظهر
لربوبية الصورة فيه أثر لم يكن مخلوق أشد منه، وهكذا أخبر ◌ّر على ما حدثناه محمد بن
قسم بن عبد الرحمن بن عبد الكريم التميمي الفاسي قال: حدثنا عمر بن عبد المجيد
میانشي، حدثنا عبد الملك ابن قاسم الهرويّ، حدثنا محمود بن القاسم الأزدي، حدثنا
عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى

١٢٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا
العوّام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي وَلّ قال: ((لَمّا
خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ الجِبَالَ فَقَالَ بِهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ فَعَجِبَتِ المَلائِكَةُ مِنْ شِدَّةٍ
الجِبَالِ فَقَالُوا: يَا رَبّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الجِبَالِ؟ قالَ: نَعَمِ الحَدِيدُ، فَقَالوا: يَا رَبّ
فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شيءٍ أَشَدُّ مِنَ الحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَم النَّارُ، قَالُوا: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ
أَشَدَّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَم الماء، قَالوا: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الماءِ؟ قَالَ: نَعَم
الرِّيحُ، قَالوا: يَا رَبَ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: ابنُ آدَمَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ
يُخْفِيهَا عَنْ شمَالِهِ)) هذا حديث غريب. ففي هذا الحديث علم جوارح الإنسان بالأشياء،
ولهذا وصفها الله تعالى يوم القيامة بأنها تشهد فقال: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِيِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النور: الآية ٢٤].
فالهواء موجود عظيم وهو أقرب الأركان نسبة إلى نفس الرحمن فهو أحق بهذا الباب،
والهواء هو نفس العالم الكبير وهو حياته وله القوّة والاقتدار، وهو السبب الموجب لوجود
النغمات بتحريك الآلات من حركات الأفلاك وأغصان الأشجار وتقاطع الأصوات، فيؤثر
السماع الطبيعي في الأرواح فيحدث فيها هيمان وسكر وطرب، فالهواء إذا تحرك أقوى
المؤثرات الطبيعية في الأجسام والأرواح، وقد جعل الله هذا الركن أصل حياة العالم الطبيعي،
كما جعل الماء أصل الصور الطبيعية، فصورة الهواء من الماء، وروح الماء من الهواء، ولو
سكن الهواء لهلك كل متنفس وكل شيء في العالم متنفس، فإن الأصل نفس الرحمن،
وجعله الله لطيفاً ليقبل سرعة الحركة فإن العالم المتنفس يحتاج في وقت إلى نفس كثير وفي
وقت إلى نفس قليل، ألا ترى الإنسان في زمان الصيف إذا حمى بدنه حرك الهواء بالمروحة
ليبرد عنه ما يجده من الحرارة لما في الهواء من برودة الماء من حيث صورته وإن كانت له
حركة خفية ولكن لا تكفي المحرور، كما أنه إذا كثر بحيث أن يتأذى منه الإنسان طلب التستر
عنه لأنه ليس في قوّة الحيوان تقليله الهواء إلاّ إذا كان الإنسان هو الذي يثير حركة الهواء فإنه
يقدر على تقليله بضعف حركة السبب الذي به أثاره، وأما إذا كان السبب خارجاً عن حكم
الإنسان فإنه لا يقدر على تقليله، والهواء هو الذي يسوق الأرواح إلى المشامّ من طيب
وخبيث وفيه تظهر صور الحروف والكلمات، فلولا الهواء ما نطق ناطق ولا صوت مصوّت.
ولما كان البارىء متكلماً ووصف نفسه بالكلام وصف نفسه بأن له نفساً وإن كان ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] ولكن نبّه عباده العارفين أن علمه بالعالم علمه بنفسه،
ووصف نفسه سبحانه بأنه ينفخ الأرواح فيعطي الحياة في الصور المسوّاة فجاء بالنفخ الذي
يدل على النفس، فحياة العالم بالنفخ الإلهيّ من حيث أن له نفساً فلم يكن في صور العالم
أحق بهذه الحياة من الهواء، فهو الذي خرج على صورة النفس الرحماني الذي ينفس الله به
عن عباده ما يجدونه من الكرب والغم الذي تعطيه الطبيعة .
وبعد أن عرفتك بمنزلة الھواء من العالم فلنذکر ما يحدث فيه، فما يحدث فيه صور