Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وحدوث الأيام بوجود حركته واستعانته بالاسم الدهر على ذلك وحرف الجيم والطرف.
الفصل العشرون: في الاسم المقدّر وتوجهه على إيجاد فلك الكواكب الثابتة والجنات
وتقدير صور الكواكب في مقعر هذا الفلك وكونه أرض الجنة وسقف جهنم وحرف الشين
المعجمة والجبهة .
الفصل الحادي والعشرون: في الاسم الرب وتوجهه على إيجاد السماء الأولى والبيت
المعمور وسدرة المنتهى وإبراهيم الخليل ويوم السبت، وحرف الياء بالنقطتين من أسفل،
والخرثان من المنازل المقدرة وخانس هذه السماء وكوكبها .
الفصل الثاني والعشرون: في الاسم العليم وتوجهه على إيجاد السماء الثانية وخانسها
ويوم الخميس وموسى عليه السلام، وحرف الضاد المعجمة والصرفة من المنازل.
الفصل الثالث والعشرون: في الاسم القاهر وتوجهه على إيجاد السماء الثالثة وخانسها
ويوم الثلاثاء وحرف اللام والعوّا.
الفصل الرابع والعشرون: في الاسم النور وتوجهه على إيجاد السماء الرابعة وهي قلب
جسم العالم المركب وإيجاد الشمس وحدوث الليل والنهار في عالم الأركان وروح إدريس
عليه السلام وقطبيته وحرف النون والسماك الأعزل ويوم الأحد ونفخ الروح الجزئي عند كمال
تصوير النطف .
الفصل الخامس والعشرون: في الاسم المصوّر وتوجهه على إيجاد السماء الخامسة
وخانسها والتصوير والحسن والجمال ويوسف عليه السلام، وحرف الراء والغفر ويوم
الجمعة .
الفصل السادس والعشرون: في الاسم المحصي وتوجهه على إيجاد السماء السادسة
وخانسها وعيسى عليه السلام والاعتدال، وحرف الطاء المهملة والزبانا ويوم الأربعاء.
الفصل السابع والعشرون: في الاسم المتين وتوجهه على إيجاد السماء الدنيا والقمر
وآدم عليه السلام والمد والجزر، وحرف الدال المهملة والإكليل ويوم الاثنين.
الفصل الثامن والعشرون: في الاسم القابض وتوجهه على إيجاد الأثير وما يظهر فيه من ذوات
الأذناب والاحتراقات، ومن الحروف حرف التاء المنقوطة باثنتين من فوق والقلب من المنازل.
الفصل التاسع والعشرون: في الاسم الحيّ وتوجهه على إيجاد ما ظهر في ركن الهواء،
وحرف الزاي من الحروف ومن المنازل الشولة .
الفصل الثلاثون: في الاسم المحيي وتوجهه على إيجاد ما ظهر في الماء، وحرف
السين المهملة والنعائم.
الفصل الحادي والثلاثون: في الاسم المميت وتوجهه على إيجاد التراب وحرف الصاد
المهملة والبلدة .
الفصل الثاني والثلاثون: في الاسم العزيز وتوجهه على إيجاد المعادن وحرف الظاء
المعجمة والذابح.

٤٢
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الفصل الثالث والثلاثون: في الاسم الرزاق وتوجهه على إيجاد النبات، وحرف الثاء
المعجمة بثلاث ومن المنازل بلع .
الفصل الرابع والثلاثون: في الاسم المدل وتوجهه على إيجاد الحيوان، وحرف الذال
المعجمة ومن المنازل السعود.
الفصل الخامس والثلاثون: في الاسم القويّ وتوجهه على إيجاد الملائكة، وحرف الفاء
والأخبية .
الفصل السادس والثلاثون: في الاسم اللطيف وتوجهه على إيجاد الجن، حرف الباء
المعجمة بواحدة والفرع المقدم.
الفصل السابع والثلاثون: في الاسم الجامع وتوجهه على إيجاد الإنسان، وحرف الميم
والمؤخر.
الفصل الثامن والثلاثون: في الاسم رفيع الدرجات وتوجهه على تعيين الرتب
والمقامات والمنازل، وحرف الواو ومن المنازل الرشا.
الفصل التاسع والثلاثون: في النقل وأين مقامه في الأنفاس.
الفصل الأربعون: في معرفة الجلي والخفي من الأنفاس وهو بمنزلة الإدغام والإظهار
في الكلام.
الفصل الحادي والأربعون: في الاعتدال والانحراف في النفس وهو بمنزلة الفتح
والإمالة وبين اللفظين.
الفصل الثاني والأربعون: في الاعتماد على الناقص والميل إليه، وهو في الكلام معرفة
الوقف على هاء التأنيث وهو من باب الأنفاس أيضاً.
الفصل الثالث والأربعون: في الإعادة وهي التكرار وأين هو في النفس.
الفصل الرابع والأربعون: في اللطيف من النفس يرجع كثيفاً وما سببه والكثيف يرجع
لطيفاً من النفس وما سببه وعليه مبنى أصوات الملاحن.
الفصل الخامس والأربعون: في الاعتماد على أصناف المحدثات وهو في باب النفس
الإنساني الوقف على أواخر الكلم في اللسان.
الفصل السادس والأربعون: في الاعتماد على العالم من حيث ما هو في كتاب مسطور
في رق الوجود المنشور في عالم الأجسام الكائن من الاسم الظاهر.
الفصل السابع والأربعون: في الاعتماد على الوعد قبل كونه، وهو الاعتماد على
المعدوم لصدق الوعد وهو في الأنفاس السكوت على الساكن قبل الهمزة.
الفصل الثامن والأربعون: في الاعتماد على الكائنات وما يظهر منها من الفتوح وهو
الأينية في الطريق وكيف يرجع المعلول صحيحاً والصحيح عليلاً.
الفصل التاسع والأربعون: فيما يعدم ويوجد ممّا يزيد على الأصول التي هي بمنزلة
النوافل مع الفرائض.

٤٣
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الفصل الخمسون: في الأمر الجامع لما يظهر في النفس من الأحكام في كل متنفس
حقاً وخلقاً وحيواناً ونطقاً، وبه تمام باب النفس على الاقتصاد والاختصار إن شاء الله. ثم
اللواحق وهي الأقسام الإلهية التي نفس الله بها عن عباده وهي من نفس الرحمن.
الفصل الأول: في ذكر الله نفسه بنفس الرحمن. ورد في الحديث الصحيح كشفاً لغير
الثابت نقلاً عن رسول اللّه ◌َ* عن ربه جلّ وعزّ أنه قال ما هذا معناه: ((كُنْتُ كَنْزَاً لَمْ أُعْرِفْ
فَأَحْبَيْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ وَتَعَرَّفْتُ إِلَيْهِمْ فَعَرَفُونِي)): ولما ذكر المحبة علمنا من حقيقة
الحب ولوازمه ممّا يجده المحب في نفسه، وقد بيّنا أن الحب لا يتعلق إلاَّ بمعدوم يصح
وجوده وهو غير موجود في الحال والعالم محدث والله كان ولا شيء معه، وعلم العالم من
علمه بنفسه، فما أظهر في الكون إلاَّ ما هو عليه في نفسه، وكأنه كان باطناً فصار بالعالم
ظاهراً، وأظهر العالم نفس الرحمن لإزالة حكم الحب وتنفس ما يجد المحب، فعرف نفسه
شهوداً بالظاهر، وذكر نفسه بما أظهره ذكر معرفة وعلم وهو ذكر العماء المنسوب إلى الرب
قبل خلق الخلق وهو ذكر العام المجمل، وأن كلمات العالم بجملتها مجملة في هذا النفس
الرحماني وتفاصيله غير متناهية، ومن هنا يتكلم من يرى قسمة الجسم عقلاً إلى ما لا يتناهى
مع كونه قد دخل في الوجود، وكل ما دخل في الوجود فهو متناه، والقسمة لم تدخل في
الوجود فلا تتصف بالتناهي، وهؤلاء هم الذين أنكروا الجوهر الفرد الذي هو الجزء الذي لا
ينقسم، وكذلك العماء وإن كان موجوداً فتفاصيل صور العالم فيه على الترتيب دنيا وآخرة غير
متناهي التفصيل، وذلك أن النفس الرحماني من الاسم الباطن يكون الإمداد له دائماً، والذكر
له في الإجمال دائماً، فهو في العالم كآدم في البشر. لما علم آدم الأسماء كلها أعلمنا بهذا أن
العماء من حيث ما هو نفس رحماني قابل لصور حروف العالم وكلماته هو حامل الأسماء
كلها، وكلمات الله ما تنفد، فذكر الله لا ينقطع، والرحمن يذكر الله بأسمائه وهو أيضاً مسمّى
بها ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] ويذكر نفسه من كونه متكلماً ومفصلاً، فذكر
الرحمن مجمل وذكر الله مفصل.
الفصل الثاني: في كلام الله وكلماته. الكلام والقول نعتان لله، فبالقول يسمع المعدوم
وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] وبالكلام
يسمع الموجود وهو قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ١٦٤] وقد يطلق
الكلام على الترجمة في لسان المترجم، وينسب الكلام إلى المترجم عنه في ذلك، فالقول له
أثر في المعدوم وهو الوجود، والكلام له أثر في الموجود وهو العلم، والموصوف بالتبديل
في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٥] وقوله: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ
كَمَ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح: الآية ١٥] هو في الترجمة فإنها تقبل التبديل والمعاني تابعة للكلام، فلا
يفهم من الأمر الذي حرف به وبدل المعنى الذي يفهم من الأصل، ولذلك ألحق التبديل
والتحريف بالأصل، وإن كان لا يقبل التحريف ولا التبديل لأنه كلام إلهي لا يحكى ولا
يوصف بالوصف الذاتي، فإذا وقع التجلي في أي صورة كانت فلا تخلو أن تكون من الصور

٤٤
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
المنسوب إليها الكلام في العرف أو لا تكون، فإن كانت من الصور المنسوب إليها الكلام
فكلامها من جنس الكلام المنسوب إليها لحكم الصورة على التجلي مثل قوله: ﴿عُلِمْنَا مَنْطِقَ
اَلَطَّيْرِ﴾ [سورة النمل: الآية ١٦] ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [سورة النمل: الآية ١٨] وإن كان ممّا لا ينسب إليه
الكلام في العرف فلا يخلو إما أن تكون ممّن ينسب إليها القول بالإيمان مثل قوله: ﴿هَذَا كِتَبُنَا
يَطِقُّ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الجاثية: الآية ٢٩] وقوله: ﴿قَالَتَآ أَنْيْنَا طَيِعِينَ﴾ [سورة فصلت: الآية ١١]
و قوله: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُهُم﴾ [سورة النور: الآية ٢٤] وقوله: ﴿قَالُواْ أَنْطَقَنَا اَللَّهُ﴾
[سورة فصلت: الآية ٢١] وإما أن لا تكون ممّن نسب إليه قول ولا نطق، وهو الذي نسب إليه
التسبيح الذي لا يفقه وما قال لا يسمع، إذ الكلام أو القول هو الذي من شأنه أن يتعلق به
السمع والتسبيح، لو كان قولاً أو كلاماً لنفى عنه سمعنا وإنما نفى عنه فقهنا وهو العلم،
والعلم قد يكون عن كلام وقول وقد لا يكون، فإذا تجلّى في مثل هذه الصور فيكون النطق
بحسب ما يريده المتجلي ممّا يناسب تسبيح تلك الصورة لا يتعداه، فيفهم من كلام ذلك
المتجلي تسبيح تلك الصورة وهو علم عجيب قليل من أهل الله من يقف عليه فيكون الكلام
المنسوب إلى الله عزّ وجلّ في مثل هذه الصور بحسب ما هي عليه، هذا إذا وقع التجلي في
المواد النورية والطبيعية، فإن وقع التجلي في غير مادة نورية ولا طبيعية وتجلّ في المعاني
المجردة فيكون ما يقال في مثل هذا أنه كلام، فمن حيث أثره في المتجلى له لا من حيث إنه
تكلم بكذا، وتلك الآثار كلها من طبقات الكلام الذي تقدم تسمّى كلمات الله جمع كلمة وهي
أعيان الكائنات قال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٧١] وهو عين عيسى
لم يلق إليها غير ذلك ولا علمت غير ذلك، فلو كانت الكلمة الإلهية قولاً من الله وكلاماً لها
مثل كلامه لموسى عليه السلام لسرت ولم تقل: ﴿يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَنْسِيًّا﴾
[سورة مريم: الآية ٢٣] فلم تكن الكلمة الإلهية التي ألقيت إليها إلاَّ عين عيسى روح الله وكلمته
وهو عبده فنطق عيسى ببراءة أمه في غير الحالة المعتادة ليكون آية، فكان نطقه كلام الله في
نفس الرحمن، فنفس الله عن أمه بذلك ما كان أصابها من كلام أهلها بما نسبوها إليه ممّا
طهرها الله عنه، ومن هنا قالت المعتزلة: إن المتكلم من خلق الكلام وفيما ليس من شأنه أن
يتكلم فذلك كلام الله مثل الجماد والنبات وحالة عيسى إلاَّ القائلين بالشكل الغريب فيجعلون
مثل هذا من الأشكال الحادثة في الكون، فقد بيّنا لك معنى كلام الله وكلماته .
وكلام الله تعالى علمه وعلمه ذاته، ولا يصحّ أن يكون كلامه ليس هو، فإنه كان
يوصف بأنه محكوم عليه للزائد على ذاته وهو لا يحكم عليه عزّ وجلّ، وكل ذي كلام
موصوف بأنه قادر على أن يتكلم متمكن في نفسه من ذلك، والحق لا يوصف بأنه قادر على
أن يتكلم فيكون كلامه مخلوقاً، وكلامه قديم في مذهب الأشعري، وعين ذاته في مذهب
غيره من العقلاء، فنسبة الكلام إلى الله مجهولة لا تعرف، كما أن ذاته لا تعرف، ولا يثبت
الكلام للإله إلاَّ شرعاً ليس في قوّة العقل إدراكه من حيث فكره، فافهم أن النفس للرحمن،
والكلام لله والقول، وهو انتهاء النفس إلى عين كلمة من الكلمات، فيظهر عينها بعد بطونها

٤٥
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
وتفصيلها بعد إجمالها. فإن قلت: فائدة الكلام الإسماع وما في الوجود إلاَّ الله وهو متكلم
فمن أسمع؟ قلنا: ليس من شرط السامع أن يكون موجوداً فإنه يقول للمعدوم في حال عدمه:
﴿كُنْ﴾ فيكون المعدوم عندما يتعلق بسمعه الثبوتي كلام الله وأمره بالوجود، وكذلك المرئي
علة رؤيته جواز رؤيته الوجود بل الاستعداد والتهيؤ، سواء كان موجوداً أو معدوماً. والجواب
الآخر كما أنه تكلم من حيث ما هو منعوت بالكلام يسمع كلامه من كونه سميعاً وهما نسبتان
مختلفتان. فإن قلت: ففائدة سماع الكلام حصول العلم وهو عالم لذاته. قلنا: ما كل كلام
موضوع لحصول ما لا يعلم، فإن المتكلم يثني على نفسه بما هو عالم به أنه عليه فلا يستفيد
بل هو للابتهاج بالكمال الذاتي، فالحق لم يزل متكلماً وإن حدث في الكون فلا يدل على
حدوثه في نفس الأمر، قال تعالى: ﴿مَا يَأْنِيِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية
٢] يعني عندهم وإن كان قد تكلم به مع غيره قبل هذا مثل ما في التوراة وغيرها ممّا هو في
القرآن، هذا إذا قلنا إنه يريد كلام الله الذي هو صفة له، وإن كان الظاهر أن السامع إنما سمع
كلام المترجم عن الله كما قال إن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فلنذكر
فصول الأذكار الإلهية ما تيسر منها من المذكورة في القرآن فنبدأ بالتعوّذ من أجل أنه من أذكار
القرآن.
الفصل الثالث في ذكر التعوّذ: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [سورة النحل:
الآية ٩٨] وقال وَلّ: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) والحق هنا هو الذاكر بالقرآن نفسه، فالتعوّذ يكون باسم
إلهيّ من اسم إلهيّ وهو الذي نبّه عليه بََّ بقوله: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) فإن كان التالي أعني
الذاكر بالقرآن ممّن للشيطان عليه سبيل حينئذ يجب عليه أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم، فاستعاذة الحق بما هو عليه من صفات التقديس والتنزيه ممّا ينسب إليه ممّا لا يليق به
كما قال تعالى الله عمّا يقول الظالمون ﴿عُلُوَّا كَبِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٣] ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ
الْعِزَّةِ﴾ فوقع العياذ برب العزة ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] يريد مما يطلق عليه ممّا
لا ينبغي لجلاله من الصاحبة والولد والأنداد، فهذا كله عياذ إلهيّ لأنه كلامه، وأمّا الاستعاذة
به منه فهو ما ورد من تجليه في صورة تنكر فيتعوّذ المتجلي له منها بتجلّ في صورة يعرف
وهو عين الصورة الأولى والثانية، وقد بيّنا لك في هذا الكتاب أنه الظاهر في مظاهر الأعيان
فهو المستعيذ به منه، ومن هذا الباب قوله: ((أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ
عُقُوبَتِكَ)) هو قوله: ﴿وَإِنَّ رَبِّكَ لَشَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٦] ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام:
١٦٥] وقوله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمّ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ١٦٠] فيتعوّذ بالناصر من الخاذل وبالنافع من الضار، وهو القائل على لسان العبد ما ظهر
عنه من التعوّذ.
الفصل الرابع في ذكر البسملة: البسملة قولك: بسم الله، وهو للعبد كلمة حضرة الكون
للتكوين بمنزلة كلمة الحضرة في قوله ﴿كُنْ﴾ فينفعل عن العبد بالبسملة إذا تحقق بها ما ينفعل
عن كن فكأنه يقول: بسم الله يكون ظهور الكون، فهو إخبار عن حقيقة اقترن بها صدق

٤٦
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
محبوب كان الحق سمعه ولسانه فيكون عنه ما يكون عن ﴿كُنْ﴾ وهو قوله: ﴿فَتَنفُغُ فِيهَا
فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٠] فبإذني متعلق بقوله: فتنفخ ﴿وَتُبِّئُ اَلْأَكْمَةَ
وَاُلْأَنْرَصَ بِإِذْنِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٠] وإذ تخرج الموتى بإذني أي بأمري لما كنت لسانك
وبصرك تكوّنت عنك الأشياء التي ليست بمقدورة لمن لا أقول على لسانه، فالتكوين في
الحالين لي، فبسم الله عين كن.
الفصل الخامس في كلمة الحضرة الإلهية: وهي كلمة كن. لله تجلّ في صور تقبل
القول والكلام بترتيب الحروف، كماله تجلُ في غير هذا قد ذكرناه في التجلي الإلهيّ الذي
خرجه مسلم في الصحيح قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ فقولنا هو كونه متكلماً
﴿أَن نَّقُوَلَ لَهُ كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فکن عین ما تكلم به، فظهر عنه الذي قیل له کن
فأضاف التكوين إلى الذي يكون لا إلى الحق ولا إلى القدرة، بل أمر فامتثل السامع في حال
عدمه شيئية وثبوته أمر الحق بسمع ثبوتي فأمره قدرته وقبول المأمور بالتكوين استعداده
فظهرت الأعيان في النفس الرحماني ظهور الحروف في النفس الإنساني، والشيء الذي يكون
إنما هو الصورة الخاصة كظهور الصورة المنقوشة في الخشب أو الصورة في الماء المهين أو
الصورة في الضلع أو الصورة في الطين أو الصورة. فإن قلت: عن وجود صدقت، وإن
قلت: لم أكن صدقت. [مخلع البسيط]
ما قُلْتَ إلاَّ أنا هو أنْتَا
فلو رأيتَ الذي رأينا
فاعلَمْ بأن الذي سمعتًا
فظَاهِر الأمْر كان قَوْلٌ
والشَّكُلُ عينُ الذي بدا لي
قد أثْبَتَ الشّيءَ قَوْلُ ربي
فالعَدَمُ المَخْضُ ليس فيه
لو لم تَكُنْ ثمَّ يا حبيبي
فأيَّ شيءٍ قَبِلْتَ منه
من قَوْلٍ كُنْ منه قد خُلِقْتَا
وباطِن الأمر أنتَ كُنْتَا
وهو الوجودُ الذي رأيْتَا
لو لم يَكُنْ ذاك ما وُجِدْتَا
ثُبُوتُ عَيْنٍ فَقُلْ صَدَقْتًا
إذ قال كُنْ لمَّ تَكُنْ سمعْتَا
الكونَ أو كَوْنَ عَيْنٍ أنْتَا
فكلمة الحضرة كلمات كما قال ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةُ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٠] فلم يكرّر
فعين الأمر عين التكوين، وما ثم أمر إلهيّ إلاَّ ﴿كُنْ﴾ وكن حرف وجودي عند سيبويه من
واجب الوجود لا يقيل الحوادث، فالأمر في نفسه صعب تصوّره من الوجه الذي يطلبه الفكر
سهل في غاية السهولة من الوجه الذي قرّره الشرع، فالفكر يقول: ما ثم شيء ثم ظهر شيء لا
من شيء، والشرع يقول وهو القول الحق. [مخلع البسيط]
وكان غَيْباً فصار عَيْنَا
بل ثَمَّ شيءٌ فِصَارَ كَوْنَا
﴿أَفَلَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [سورة الغاشية: الآية ١٧] يعني السحاب الكائن من
الأبخرة هنا الصاعدة للحرارة التي فيها، والأبخرة نفس عنصريّ وليس بشيء زائد على
السحاب، ولم يكن سحاباً في المتنفس بل هو شيء فظهر سحاباً فتكائف ثم تحلل ماء فنزل

٤٧
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
فتكون بخاراً فصعد فكان سحاباً، فانظر ﴿إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿أَ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ
يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا فَرَى الْوَدْفَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ﴾ [سورة النور: الآية ٤٣] ﴿ وَأَنَزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ
مَ تَجَاجًا﴾ [سورة النبأ: الآية ١٤] فينشئه ﴿سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ، فِ السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُمُ كِسَفًا﴾ [سورة
الروم: الآية ٤٨] وهو تعدّد الأعيان ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا
هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤٨] فبما في السحاب من الماء يثقل فينزل كما صعد بما فيه من
الحرارة فإن الأصغر يطلب الأعظم، فإذا ثقل اعتمد على الهواء فانضغط الهواء فأخذ سفلاً
فحكّ وجه الأرض فتقوت الحرارة التي في الهواء فطلب الهواء بما فيه من الحرارة القوية
الصعود يطلب الركن الأعظم فوجد السحاب متراكماً فمنعه من الصعود تكاثفه فأشعل الهواء
فخلق الله في تلك الشعلة ملكاً سمّاه برقاً فأضاء به الجوّ، ثم انطفأ بقوّة الريح كما ينطفىء
السراج فزال ضوءه مع بقاء عينه فزال كونه برقاً وبقي العين كوناً يسبح الله، ثم صدع الوجه
الذي يلي الأرض من السحاب فلما مازجه كان كالنكاح فخلق الله من ذلك الالتحام ملكاً سمّاه
رعداً فسبح بحمد الله فكان بعد البرق لا بدّ من ذلك ما لم يكن البرق خلباً، فكل برق يكون
على ما ذكرناه لا بدّ أن يكون الرعد يعقبه، لأن الهواء يصعد مشتعلاً فيخلقه ملكاً يسميه برقاً
وبعد هذا يصدع أسفل السحاب فيخلق الله الرعد مسبحاً بحمد ربه لما أوجده ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ
إِلَّا يُسَبِعُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] وثم بروق وهي ملائكة يخلقها الله
في زمان الصيف من حرارة الجوّ لارتفاع الشمس فتنزل الأشعة الشمسية فإذا أحرقت ركن
الأثير زادت حرارة فاشتعل الجوّ من أعلى وما ثم سحاب لأنّ قوّة الحرارة تلطف الأبخرة
الصاعدة عن كثافتها فلا يظهر للسحاب عين، وهنالك حكم الشين المعجمة من الحروف
ولهذا سمّي حرف التفشي، فخلق الله من ذلك الاشتعال بروقاً خلباً لا يكون معها رعد أصلاً،
وهذه كلها حوادث ظهرت أعيانها عن كلمة ﴿كُنْ﴾ في أنفاس.
وإنما جئنا بمثل هذا تأنيساً لك لتعلم ما فتح الله من الصور والأعيان في هذا النفس
العنصريّ المسمّى بخاراً لتكون لك عبرة إن كنت ذا بصر فتجوز بالنظر في هذا إلى تكوين
العالم من النفس الرحمانيّ الظاهر من محبة الله أن يعرفه خلقه، فما في العالم أو ما هو العالم
سوى كلمات الله، وكلمات الله أمره وأمره واحدة وهو كلمح بالبصر أو هو أقرب لأنه ما ثم
أسرع من لمح البصر، فإنه زمان التحاظه هو زمان إلتحاقه بغاية ما يمكن أن ينتهي إليه في
التعلّق، وكذلك قوّة السمع دون ذلك، فتدبر يا أخي كلام الله، وهذا القرآن العزيز وتفاصيل
آياته وسوره، وهو أحديّ الكلام مع هذا التعداد، وهو التوراة والفرقان والإنجيل والزبور
والصحف، فما الذي عدّد الواحد أو وحّد العدد؟ انظر كيف هو الأمر؟ فإنك إذا علمته علمت
كلمة الحضرة، وإذا علمت كلمة الحضرة علمت اختصاصها من الكلمات بكلمة ﴿ كُنْ﴾ لكل
شيء مع اختلاف ما ظهر، ومن الحروف الظاهرة بالكاف والنون، ومن الحروف الباطنة
بالواو، وكيف حكم العارض على الثابت بمساعدته عليه، فردّه غيباً بعدما كان شهادة، فإن
السكون هو الحاكم من النون وهو عرض لأن الأمر الإلهيّ عرض له فسكنه فوجد سكون

٤٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الواو فاستعان عليها بها كما يستعين العبد بربه على ربه، فلما اجتمع ساكنان وأرادت النون
الاتصال بالكاف لسرعة نفوذ الأمر حتى يكون أقرب من لمح بالبصر كما أخبر فزالت الواو من
الوسط فباشرت الكاف النون، فلو بقيت الواو لكان في الأمر بطء، فإن الواو لا بدّ أن تكون
واو علة لأجل ضمة الكاف، فلا يصل النفس إلى النون الساكنة بالأمر إلاَّ بعد تحقق ظهور
واو العلة فيبطىء الأمر وهي واو علة، فيكون الكون عن علتين: الواو والأمر الإلهيّ وهو لا
شريك له، وإذا جاز أن يبطىء المأمور عن التكوين زماناً واحداً وهو قدر ظهور الواو لو بقيت
ولا تحذف لجاز أن يبقى المأمور أكثر من ذلك فيكون أمر الله قاصراً فلا تنفذ إرادته وهو نافذ
الإرادة، فحذف الواو من كلمة الحضرة لا بدّ منه والسرعة لا بدّ منها، فظهور الكون عن كلمة
الحضرة بسرعة لا بدّ منه، فظهر الكون فظهرت الواو في الكون لتدل أنها كانت في ﴿ كُنْ﴾
وإنما زالت لأمر عارض فعملت في الغيب فظهرت في الكون لما ظهر الكون بصورة ﴿إِنَّمَا
قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] قبل حذف الواو ليدل على أن
الواو لم تعدم وإنما غابت لحكمة ما ذكرناه، فليس الكون بزائد على ﴿كُنْ﴾ بواوها الغيبية
فظهر الكون على صورة كن، وكن أمره، وأمره كلامه، وكلامه علمه، وعلمه ذاته، فظهر
العالم على صورته، فخلق آدم على صورته، فقبل الأسماء الإلهية، وقد بيّنا ما فيه الكفاية
للعاقل في كلمة الحضرة والله يضرب الأمثال لعباده.
الفصل السادس في الذكر بالتحميد: الحمد ثناء عام ما لم يقيده الناطق به بأمر، وله
ثلاث مراتب: حمد الحمد، وحمد المحمود نفسه، وحمد غيره له، وما ثم مرتبة رابعة في
الحمد، ثم في الحمد بما يحمد الشيء نفسه أو يحمده غيره تقسيمان: إما أن يحمده بصفة
فعل، وإما أن يحمده بصفة تنزيه، وما ثم حمد ثالث هنا، وأما حمد الحمد له فهو في
الحمدين بذاته، إذ لو لم يكن لما صحّ أن يكون لها حمد. [الوافر]
ولولا الحمدُ ما كان الحَميدُ
فَحَمْدُ الحَمْدِ يُعطي الحَمْدَ فيه
ثم إن الحمد على المحمود قسمان: القسم الواحد أن يحمد بما هو عليه وهو الحمد
الأعمّ. والقسم الثاني: أن يحمد على ما يكون منه وهو الشكر وهو الأخص، فانحصرت
أقسام التحميدات والمحامد وتعيين الكلمات التي تدل على ما ذكرناه لا تتناهى، فإن
النبي ◌ٍَّ يقول في المقام المحمود: ((فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدٌ لاَ أَعْلَمُهَا الآنَ)) وقال: ((لاَ أُخْصِي ثَنَاءً
عَلَيْكَ)) لأَنَّ مَا لاَ يَتَنَاهَى لاَ يَدْخُلُ فِي الوُجُودِ. ولما كان كل عين حامدة ومحمودة في العالم
كلمات الحق الظاهرة من نفس الرحمن ونفس الرحمن ظهور الاسم الباطن والحكم الغيب
وهو الظاهر والباطن رجعت إليه عواقب الثناء، فلا حامد إلاَّ الله، ولا محمود إلاَّ الله، وحمد
الحمد صفته لأن الحمد صفته وصفته عينه إذ لا يتكثر : [المتقارب]
فحَمْدُ الحَمْد هو فليس إلاَّ هُو
ولا يَكْمُلُ بالزائد تعالى اللَّهُ
ومَحمودُهُ عَيْنُه لا سوَاهُ
فما حَمَدَ الله إلاَّ الإلهُ
فمن حمد الله على هذا النحو فقد حمده، ومن نقصه من ذلك شيئاً فهو بقدر ما نقصه،

٤٩
في الأحوال/ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
فإن كنت حامداً لله فلتحمده بهذا الحضور وهذا التصور، فيكون الجزاء من الله لمن هذا حمده
عينه فافهم .
الفصل السابع: في الذكر بالتسبيح. التسبيح التنزيه ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [سورة
النصر: الآية ٣] هذا أمر ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١] خبر التسبيح قسم من
أقسام الحمد، ولهذا فإن الحمد يملأ الميزان على الإطلاق ﴿وَسُبْحَنَ اَللَّهِ﴾ [سورة يوسف: الآية
١٠٨] وغير ذلك من الأذكار تحت حيطة الحمد، فإذا ظهر التسبيح فانظر كيف تسبحه، فإن
الجهل يتخلل هذا المقام تخللاً خفياً لا يشعر به فإنه كما قال ◌َ* لحسان بن ثابت لما أراد أن
يهجو قريشاً ينافح بذلك عن رسول الله وَ لي لما هجته قريش وهو منها فنفسها هجت ولم تعلم
بذلك وعلم بذلك رسول الله وَّر فإنه العالم الأتم، وقد علم رسول الله وَّل أن الذي انبعث
إليه حسان بن ثابت من هجاء قريش أن ذلك ممّا يرضي الله لحسن قصده في ذلك، وما علم
ذلك رسول الله وَّ إلاَّ لما رأى روح القدس الذي يجيئه قد جاء إلى حسان بن ثابت يؤيّده
من حيث لا يشعر ما دام ينافح عن عرض رسول الله وَّر، وإنما أقرّ الله ذلك إعلاماً لقريش
بأن أعمالهم تعود عليهم، إذ كان الهجاء ممّا عملته ﴿ وَلِتُجْزَى كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [سورة
الجاثية: الآية ٢٢] ليعلموا صدق رسول الله ﴿ه فقال له رسول الله وَ لَ: ((إِنّي مِنْهُمْ فَانْظُرْ مَا
تَقُولُ وَكَيْفَ تَقَولُ؟ وَاتْتِ أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهُ أَعْرَفُ بِالأَنْسَابِ فَيُخْبِرِكَ حَتّى لاَ تَقُولَ كَلاماً يَعُودُ على
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَتَكُونَ قَدْ وَقَعْتٌ فِيَما وَقَعُوا فِيهِ»، فَقَالَ لَهُ حَسّانُ بنُ ثَابِتٍ: وَاللَّهِ لأَسُلَّنْكَ
مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشّعْرَةُ مِنَ العَجینِ؛ لأنه لا يعلق بها شيء من العجين، وهكذا باب التسبيح
فإنه تنزيه، والتنزيه عبارة عن العدم ليس بتنزيه، وإنما يكون التنزيه عن كل صفة تدل على
الحدوث لاتصافه بالقدم، وصفات الحدوث إنما هي للمحدثات وهنا زلّت الأقدام في العلم
بالمحدثات ما هي المحدثات وما في الوجود إلاَّ الله، فإن الموجودات كلمات الله وبها يثنى
على الله، فإذا نزّه المنزّه ربه ولا ينزهه إلاَّ عما هو صفة للمحدث والمحدث ليس له من نفسه
شيء ولا عينه له وإنما هي لمن أظهرها، فإذا نزّه الحق عن شيء لا يثنى عليه إلاَّ به وبأمثاله
فقد تركت من الثناء عليه ما كان ينبغي لك أن تثني عليه به، فإذا سبحته فتحقق عن أي شيء
تنزهه إذ ما ثم إلاَّ هو، فإن نفس الرحمن هو جوهر الكائنات، ولهذا وصف الحق نفسه بما
هو من صفات المحدثات ممّا تحيله الأدلة النظرية العقلية .
واحذر أن تسبحه بعقلك، واجعل تسبيحه منك بالقرآن الذي هو كلامه فتكون حاكياً لا
مخترعاً ولا مبتدعاً، فإن كان هناك ما يقدح كنت أنت بريء الساحة من ذلك إذ ما سبحه إلاَّ
كلامه وهو أعلم بنفسه منك وهو يحمد ذاته بأتم المحامد وأعظم الثناء كما قال وَ الثّ: ((أَنْتَ
كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) وقد أثنى على نفسه بما يقول فيه دليل العقل أنه لا يجوز عليه ذلك
وينزهه عنه، وهذا غاية الذم وتكذيب الحق فيما نسبه إلى نفسه وعلمك بأنك أعرف به منه،
فاحذر أن تنزهه عن أمر ثبت في الشرع أنه وصف له كان ما كان، ولا تسبحه تسبيحة واحدة
بعقلك جملة واحدة وقد نصحتك فإن الأدلة العقلية كثيرة التنافر للأدلة الشرعية في الإلهيات،
الفتوحات المكية ج٤ - م٤

٥٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
فسبح ربك بكلام ربك وبتسبيحه لا بعقلك الذي استفاده من فكره ونظره، فإنه ما استفاد أكثر
ما استفاد إلاَّ الجهل فتحفظ ممّا ذكر لك فإنه داء عضال قليل فيه الشفاء، فذمّ بذم الله، وامدح
بمدح الله، وارحم برحمة الله، والعن بلعنة الله، تفز بالعلم وتملأ يديك من الخير والتسبيح
ثناء كل موجود في العالم لا غير التسبيح، وهذا هو الذي أضلّ العقلاء، وهو من المكر
الإلهيّ الخفي، وغابت عقولهم عن قوله تعالى بحمده وهو ما ذكرناه فقال تعالى: ﴿وَإِن مِّن
شَىءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِّدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] وما قال يحمد ولا يكبر ولا يهلل فإنها كلها ثناء
بإثبات وجودي، والتسبيح ثناء بعدم، فدخله المكر الإلهي فأثر في العقول المفكرة فجاء
العارفون فوجدوا الله قد قيد تسبيح كل شيء بحمده المضاف إليه، فسبحوه بما أثنى على
نفسه، فما استنبطوا شيئاً بخلاف الناظرين بعقولهم في الإلهيات ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] لأنهم نسوا بحمده حجتهم عن ذلك أدلة عقولهم إذ ستر الله
عنها ذلك بستر أفكارهم، فلم يؤاخذهم على ذلك لقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [سورة الإسراء:
الآية ٢٤] مع ما فيه من سوء الأدب من وجه لما كان الشفيع فيهم عند الله قوله: ﴿لَيْسَ کُمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وفيه غلطوا فقبل الله فيهم سؤال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ فعفا
عنهم فيما توقفوا فيه أو أحالوه ممّا أثبته الحق لنفسه من استواء ومعية وظرفية ونزول وغير
ذلك ممّا لا يحصى كثرة ممّا نطقت به كتبه ورسله، فقد أفهمتك كيف تسبح ربك وألقيت بك
على الطريق فاذكرني عند ربك .
الفصل الثامن: في الذكر بالتكبير. قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [سورة العنكبوت:
الآية ٤٥] وذكر الله القرآن فاذكره بالقرآن لا تكبره بتكبيرك إذ قد أمرك أن تكبره فقال: ﴿وَكَيِرَهُ
تَكْبِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١١] عن الولد والشريك والوليّ، ولا تغفل في هذا التكبير عن قوله:
﴿مِّنَ الذُّلِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١١] فقيده فإنه يقول: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرَّكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٧]
فما نصرناه من ذلّ فلهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١١] فإنه قد دعاك
إلى نصرته ليوفي الصورة التي خلقك عليها حقها لأنه يقول: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه:
الآية ٥٠] فمن إعطائه الصورة التي خلقك عليها خلقها الذي هو عين حقها أن يطلب منها نصرته
فإنه الناصر فقال: ﴿كُنُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [سورة الصف: الآية ١٤] والناصر هو الوليّ فلهذا قيده، فإذا
كبرته عن الوليّ فاعلم عن أيّ وليّ تكبره، وكذلك أيضاً الشريك في الملك، وعلى هذه
المسألة تبتني مسألة العبد هل يملك أو لا يملك؟ فمن رأى شركة الأسباب التي لا يمكن
وجود المسببات إلاَّ بها لم يثبت الشريك في الملك لأن السبب من الملك وهو كالآلة والآلة
يوجد بها ما هو ملك للموجد كما هي الآلة ملك للموجد، وما تملك الآلة شيئاً، فلهذا قيد
التكبير عن الشريك في الملك لا في الإيجاد، لأن الله تعالى أوجد الأشياء على ضربين:
ضرب أوجده بوجود أسبابه مثل صنائع العالم كالتابوت للنجار، والحائط للبناء، وجميع
صنائع العالم والكل صنعته تعالى، والإضافة إلى النجار وإن كان النجار ما استقلّ في عمل
التابوت بيده فقط بل بآلات متعدّدة من الحديد وغير ذلك فهذه أسباب النجارة، وما أضيف عمل

٥١
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
التابوت إلى شيء منها بل أضيف التابوت من كونه صنعة لصانعه ولم يصنع إلاَّ بالآلة، ثُمَّ ثَمَّ
إضافة أخرى وهو إن كان النجار صنع في حق نفسه أضيف التابوت إليه لأنه ملکه وهو قوله:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٦ ٥] ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [ سورة
الحديد: الآية ٢] وإن كان الخشب لغيره فالتابوت من حيث صنعته يضاف إلى النجار، ومن حيث
الملك يضاف للمالك لا إلى النجار، فالنجار آلة للمالك، والله ما نفى إلاَّ الشريك في الملك لا
الشريك في الصنعة ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٤].
وأمّا الضرب الثاني فهو ما أوجده لا بسبب وهو إيجاده أعيان الأسباب الأول، فإذا
كبرت ربك عن الوليّ والشريك فقيده في ذلك بما قيده الحق ولا تطلق فيفتك خير كثير وعلم
كبير، وكذلك قوله: ﴿وَكَبِرَهُ﴾ أن يتخذ ولداً فإن الولد للوالد ليس بمتخذ لأنه لا عمل له فيه
على الحقيقة، وإنما وضع ماء في رحم صاحبته وتولى إيجاد عين الولد سبب آخر والمتخذ
الولد إنما هو المتبنى كزيد لما تبناه رسول الله وَّ﴾ فقال لنا: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَنَّخِذْ
وَلَدًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١١] لأنه لو اتخذ ولداً لاصطفى ممّا يخلق ما يشاء فكان يتبنى ما شاء
فما فعل فعل من لم يتخذ ولداً. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٣] ذلك ولد
الصلب فليس له تعالى ولد ولا تبنى أحداً، فنفى عنه الولد من الجهتين لما ادّعت طائفة من
اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأرادوا التبني فإنهم عالمون بآبائهم، وقالوا في المسيح إنه ابن
الله إذا لم يعرفوا له أباً ولا تكوّن عن أب لجهلهم بما قال الله من تمثّل الملك لمريم ﴿بَشَرًا
سَوِنًا﴾ [سورة مريم: الآية ١٧] وجعله الحق تعالى روحاً إذ كان جبريل روحاً، فما تكوّن عيسى إلاَّ
عن اثنين، فجبريل وهب لها عيسى في النفخ فلم يشعروا لذلك، كما ينفخ الروح في الصورة
عند تسويتها، فما عرفوا روح عيسى ولا صورته، وأن صورة عيسى مثل تجسد الروح لأنه عن
تمثل، فلو تفطنت لخلق عيسى لرأيت علماً عظيماً تقصر عنه أفهام العقلاء، فإذا كبرت ربك
فكبره كما كبر نفسه تعالى عمّا يقول الظالمون ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٣] وهم الذين
يكبرونه عمّا لم يكبر نفسه في قوله: يفرح بتوبة عبده ويتبشبش إلى من جاء إلى بيته ويباهي
ملائكته بأهل الموقف ويقول: ((جعت فلم تطعمني)) فأنزل نفسه منزلة عبده، فإن كبرته بأن
تنزههُ عن هذه المواطن فلم تكبره بتكبيره بل أكذبته، فهؤلاء هم الظالمون على الحقيقة،
فليس تكبيره إلاَّ ما كبر به نفسه، فقف عند حدّك ولا تحكم على ربك بعقلك.
الفصل التاسع في الذكر بالتهليل: هذا هو ذكر التوحيد بنفي ما سواه وما هو ثم، فإن
لم يكن ثم ونفيت النفي فقد أثبت، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِنَّاهُ﴾
[سورة الإسراء: الآية ٢٣] فما عبد فيما عبد إلاّ الله، وهذا التوحيد على ستة وثلاثين أعني الواردة
في القران من حيث ما هو كلام الله، فمنه ما هو توحيد الواحد ولهذا يرى بعض العلماء
الإلهيين أن الله هو الذي وحد الواحد ولولا توحيده لم يكن، ثم من يقال فيه أنه واحد
فوحدانيته أظهرت الواحد ومنه ما هو توحيد الله وهو توحيد الألوهية، ومنه ما هو توحيد
الهوية، ولنذكر هذا كله في هذا الفصل وما له تعالى في هذا التهليل من الأسماء الإلهية ولا

٥٢
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
تزيد على ما ورد في القرآن من ذلك وهو ستة وثلاثون موضعاً وهي عشر درجات الفلك الذي
جعل الله إيجاد الكائنات عند حركاته من أصناف الموجودات من عالم الأرواح والأجسام
والنور والظلمة، فهذه الستة وثلاثون حق الله ممّا يكون في العالم من الموجودات، فإنها ممّا
تكون في عين التلفظ الإنساني بالقرآن، فهو كالعشر فيما سقت السماء وهو المسمّى الأعلى
من قوله: ﴿سَبِحِ اسْمَ رَيِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] فالتهليل عُشر الذكر وهو زكاته لأنه حق
الله فهو عشر ثلثمائة وستين درجة فمن ذلك :
التوحيد الأوّل: وهو قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وٌَِّّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة البقرة: الآية ١٦٣] فهذا توحيد الواحد بالاسم الرحمن الذي له النفس فبدأ به لأن النفس
لولاه ما ظهرت الحروف، ولولا الحروف ما ظهرت الكلمات، فنفى الألوهية عن كل أحد
وحده الحق تعالى إلاَّ أحديته، فأثبت الألوهية لها بالهوية التي أعاد على اسمه الواحد، وأوّل
نعت نعته به الرحمن لأنه صاحب النفس، وسمّى مثل هذا الذكر تهليلاً من الإهلال وهو رفع
الصوت، أي إذا ذكر بلا إله إلاَّ الله ارتفع الصوت الذي هو النفس الخارج به على كل نفس
ظهر فيه غير هذه الكلمة، ولهذا قال رسول الله رَله: ((أَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ
إِلَه إِلَّ اللَّهُ)) وما قالها إلاَّ نبي لأنه ما يخبر عن الحق إلاَّ نبي، فهو كلام الحق، فأرفع الكلمات
كلمة لا إله إلاَّ الله وهي أربع كلمات نفي ومنفي وإيجاب وموجب، والأربعة الإلهية أصل
وجود العالم، والأربعة الطبيعية أصل وجود الأجسام، والأربعة العناصر أصل وجود
المولدات، والأربعة الأخلاط أصل وجود الحيوان، والأربع الحقائق أصل وجود الإنسان،
فالأربعة الإلهية: الحياة والعلم والإرادة والقول وهو عين القدرة عقلاً والقول شرعاً. والأربع
الطبيعة: الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، والأربعة العناصر: الأثير والهواء والماء
والتراب. والأربعة الأخلاط: المرتان والدم والبلغم. والأربع الحقائق: الجسم والتغذي
والحسّ والنطق. فإذا قال العبد: لا إله إلا الله على هذا التربيع كان لسان العالم ونائب الحق
في النطق فيذكره العالم والحق يذكره، وهذه الكلمة إثنا عشر حرفاً، فقد استوعبت من هذا
العدد بسائط أسماء الأعداد وهي إثنا عشر: ثلاث عقود العشرات والمئين والآلاف ومن
الواحد إلى التسعة، ثم بعد هذا يقع التركيب بما لا يخرجك عن هذه الآحاد إلى ما لا يتناهى
فقد ضمّ ما يتناهى وهو هذه الإثنا عشر ما لا يتناهى وهو ما يتركب منها فلا إله إلا الله، وإن
انحصرت في هذا العدد في الوجود فجزاؤها لا يتناهى فبها وقع الحكم بما لا يتناهى، فبقاء
الوجود الذي لا يلحقه عدم بكلمة التوحيد وهي لا إله إلاّ الله فهذا عمل نفس الرحمن فيها
ولهذا ابتدأ به في القرآن وجعله توحيد الأحد لأن عن الواحد الحق ظهر العالم.
التوحيد الثاني: من نفس الرحمن ﴿اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥]
فهذا توحيد الهوية وهو توحيد الابتداء، لأن الله فيه مبتدأ ونعته في هذه الآية بصفة التنزيه عن
حكم السنة والنوم، لما يظهر به من الصور التي يأخذها السنة والنوم كما يرى الإنسان ربه في
المنام على صورة الإنسان التي من شأنها أن تنام، فنزّه نفسه ووحدها في هذه الصورة، وإن

٥٣
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
ظهر بها في الرؤيا حيث كانت فما هي ممّن تأخذها سنة ولا نوم، فهذا هو النعت الأخص بها
في هذه الآية، وقدم الحيّ القيوم لأن النوم والسنة لا يأخذ إلاَّ الحي القائم أي المتيقظ إذ كان
الموت لا يرد إلاَّ على حي، فلهذا قيل في الحق إنه الحي الذي لا يموت، كذلك النوم
والسنة، والسنة أول النوم كالنسيم للريح فإن النوم بخار وهو هواء والنسيم أوله، والسنة أوّل
النوم فلا يرد إلاَّ على متصف باليقظة، فهذا توحيد التنزيه عمّن من شأنه أن يقبل ما نزّه عنه
هذا الإله الحيّ القيوم، ولولا التطويل لذكرنا تمام الآية بما فيها من الأسماء الإلهيّة.
التوحيد الثالث: من نفس الرحمن وهو ﴿الّ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة آل
عمران: الآيتان ١، ٢]، وهذا توحيد حروف النفس وهو الألف واللام والميم، وقد ذكرنا من
حقائق هذه الحروف في الباب الثاني من هذا الكتاب ما فيه غنية، وهذا التوحيد أيضاً توحيد
الإبتداء، وله من أسماء الأفعال منزل الكتاب بالحق من الله المسمّى بالحيّ القيوم، فبين أنه
منزل الكتاب بالحق من الله المسمّى بالحيّ القيوم، فبين أنه منزل الأربعة الكتب يصدّق بعضها
بعضاً لأن أكثر الشهود أربعة، والكتب الإلهية وثائق الحق على عباده وهي كتب مواصفه
وتحقيق بماله عليهم وما لهم عليه ممّا أوجبه على نفسه لهم فضلاً منه ومنة، فدخل معهم في
العهدة فقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٠] فأدخلنا تحت العهد إعلاماً بأنا
جحدنا عبوديتنا له، إذ لو كنا عبيداً لم يكتب علينا عهده فإنا بحكم السيد، فلما أيقنا بخروجنا
عن حقيقتنا وادّعينا الملك والتصرّف والأخذ والعطاء كتب بيننا وبينه عقوداً وأخذ علينا العهد
والميثاق وأدخل نفسه معنا في ذلك، ألا ترى العبد المكاتب لا يكاتب إلاَّ أن ينزل منزلة
الأحرار، فلولا توهم رائحة الحريّة ما صحّت مكاتبة العبد وهو عبد، فإن العبد لا يكتب عليه
شيء ولا يجب له حق فإنه ما يتصرّف إلاَّ عن إذن سيده، فإذا كان العبد يوفى حقيقة عبوديته
لم يؤخذ عليه عهد ولا ميثاق، ألا ترى العبد الآبق يجعل عليه القيد وهو الوثاق لأباقه، فهذا
بمنزلة الوثائق التي تتضمن العهود والعقود التي لا تصحّ بين العبد والسيد، فمن أصعب آية
تمرّ على العارفين كل آية فيها: ﴿أَوَقُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ [سورة المائدة: الآية ١] أو ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ﴾ [سورة
الإسراء: الآية ٣٤] فإنها آيات أخرجت العبيد عن عبوديتهم لله .
التوحيد الرابع: من نفس الرحمن قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَّ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ الْعَهِزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦] هذا توحيد المشيئة ووصف الهوية بالعزة وهو
قوله: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [سورة الإخلاص: الآية ٣] فهو عزيز الحمى، إذ كان هو الذي صوّرنا في
الأرحام من غير مباشرة، إذ لو باشر لضمّه الرحم كما يضم القابل للصورة، ولو لم يكن هو
المصوّر لما صدقت هذه النسبة وهو الصادق فإنه ما أضاف التصوير إلى غيره فقال: ﴿كَيْفَ
يَشَاءُ﴾ أي كيف أراد، فظهر في هذه الكيفية أن مشيئته تقبل الكيفية مع نعته بالعزة ثم
بالحكمة، والحكيم هو المرتب للأشياء التي أنزلت منازلها، فالتصوير يستدعيه إذ كان هو
المصوّر لا الملك مع العزّة التي تليق بجلاله، فحيّر العقول السليمة التي تعرف جلاله، وأما
أهل التأويل فما حاروا ولا أصابوا أعني في خوضهم في التأويل، وإن وافقوا العلم فقد

٥٤
في الأحوال ؛ الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
ارتكبوا محرّماً عليهم يسئلون عنه يوم القيامة هم وكل من تكلم في ذاته تعالى ونزّهه عمّا نسبه
إلى نفسه ورجح عقله على إيمانه وحكم نظره في علم ربه ولم يكن ينبغي له ذلك وهو قوله
تعالى: ﴿كَذَّبَنِ ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ))، وذكر بعض ما كذبه فيه لا كله، وأبقى له ضرباً
من الرجاء حيث أضافه إليه في الحديث الذي يقول فيه عبدي فإن قال ابن آدم وهو الأصحّ في
الرواية فأبعده عن نفسه وأضافه إلى ظاهر آدم عليه السلام لأن المعصية بالظاهر وقعت وهو
القرب من الشجرة والأكل ونسي ولم يجد له عزماً وهو عمل الباطن فبرأ باطنه منها ﴿وَكَانَ عِنْدَ
اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٦٩] مجتبى كما قال تعالى.
التوحيد الخامس: من نفس الرحمن وهو قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَبِكَةُ
وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ قَبِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] هذا توحيد الهوية والشهادة على الاسم
المقسط وهو العدل في العالم وهو قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فوصف
نفسه بإقامة الوزن في التوحيد، أعني توحيد الشهادة بالقيام بالقسط، وجعل ذلك للهوية،
وكان الله الشاهد على ذلك من حيث أسماؤه كلها فإنه عطف بالكثرة وهو قوله: ﴿ وَالْمَلَتَبِكَةُ
وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ﴾ فعلمنا حيث ذكر الله ولم يعين اسماً خاصاً أنه أراد جميع الأسماء الإلهية التي
يطلبها العالم بالقسط إذ لا يزن على نفسه، فلم يدخل تحت هذا إلاّ ما يدخل في الوزن فهذا
توحيد القسط، وقد روينا في ذلك حديثاً ثابتاً وهو ما حدّثناه يونس بن يحيى عن أبي الوقت
عبد الأوّل الهروي عن ابن المظفر الداوديّ عن أبي محمد الحمويّ عن الفربريّ عن البخاري
عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله و الله قال:
((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَتْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)). وقال: ((يَدُ اللَّهِ مَلَأَى لاَ يُغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَخَّاءُ اللَّيْلَ
والنَّهَارَ)) وقال: (أَرَأَنْتُم مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضُ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الماءِ، وَبِيَدِهِ المِيزَان يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ)) خرجه مسلم أيضاً عن أبي هريرة وقال يمينه
لم يقل يده، وقال بيده الأخرى وهو حديث صحيح، فإذا قام العبد بالقسط في تهليل ربه
صدقه ربه فقال مثل قوله فهذا من تزكية الله عبده .
حدّثنا غير واحد منهم ابن رستم مكين الدين أبو شجاع الأصفهاني إمام المقام بالحرم
المكنيّ الشريف وعمر بن عبد المجيد الميانشيّ عن أبي الفتح الكرخيّ عن الترياقيّ أبي نصر
عن عبد الجبار بن محمد عن المحبوبي عن أبي عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع عن
إسماعيل بن محمد عن جحادة عن عبد الجبار بن عباس عن الأغرابي مسلم قال: أشهد على
أبي سعيد وأبي هريرة أنهما شهدا على النبيّ بِ ◌ّهِ قال: ((مَنْ قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ واللَّهُ أَكْبَرُ صَدَّقَهُ
رَبُّهُ وَقَالَ لاَ إِلَّهَ إِلاَّ أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لاَ إِلُه إِلاَّ اللَّه وَخْدَهُ قَالَ: يَقُول اللَّهُ: لا إِله إِلاَّ أَنَا
وَأَنَا وَخْدِي، وَإِذَا قَالَ: لاَ إِلَه إِلَّ اللَّه لَهُ المُلْكُ وَلَهَ الحَمْدُ، قَالَ اللَّهُ: لاَ إله إلاَّ أنَا لِيَ الَمُلْكُ
وَلِيَ الحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّه وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّه، قَالَ اللَّهُ: لاَ إِلَّهَ إِلَّ أَنَا وَلاَ
حَوْلَ وَلاَ قُوَّةٍ إلَّ بي)) وكان يقولُ: ((مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ)). فمن أعطى
الحق من نفسه لربه ولغيره ولنفسه من نفسه بإقامة الوزن على نفسه في ذلك فلم يترك لنفسه

٥٥
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
ولا لغيره عليه حقاً جملة واحدة قام في هذا المقام بالقسط الذي شهد به لربه فإنها شهادة أداء
الحقوق من يكتمها فإنه آثم قلبه، وما كان له من حق تعين له عند غيره أسقطه ولم يطالب به
إذ كان له ذلك فوقع أجره على الله .
ثم يؤيّد ما ذكرناه في إعطاء الحق في هذه الشهادة قوله بعد قوله: ﴿قَآَيِمًا بِالْقِسْطِّ لَآ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ اُلْغَيِزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] فشهد الله لنفسه بتوحيده وشهد لملائكته
وأولي العلم أنهم شهدوا له بالتوحيد، فهذا من قيامه بالقسط وهو من باب فضل من أتى
بالشهادة قبل أن يسألها، فإنّ الله شهد لعباده أنهم شهدوا بتوحيده من قبل أن يسأل منه عباده
ذلك، وبيّن في هذه الآية أن الشهادة لا تكون إلاَّ عن علم لا عن غلبة ظنّ ولا تقليد إلاَّ تقليد
معصوم فيما يدّعيه، فتشهد له بأنك على علم كما نشهد نحن على الأمم أن أنبياءها بلغتها
دعوة الحق ونحن ما كنا في زمان التبليغ ولكنا صدّقنا الحق فيما أخبرنا به في كتابه عن نوح
وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقوم موسى وشهادة خزيمة، وذلك لا يكون إلاَّ لمن
هو في إيمانه على علم بمن آمن به لا على تقليد وحسن ظنّ فاعلم ذلك .
التوحيد السادس: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿اَللَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوِّ لَيَجْمَعَتَّكُمْ إِلَى يَوْمِ
اُلْقِيَامَةِ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٧] هذا أيضاً توحيد الإبتداء وهو توحيد الهوية المنعوت بالاسم
الجامع للقضاء والفصل، فمن رحمة الله أنه قال: ﴿لَجْمَعَنَّكُمْ﴾ فما نجتمع إلاَّ فيما لا نفترق فيه
وهو الإقرار بربوبيته سبحانه، وإذا جمعنا من حيث إقرارنا له بالربوبية فهي آية بشرى وذكر خير
في حقنا بسعادة الجميع، وإن دخلنا النار فإن الجمعية تمنع من تسرمد الانتقام لا إلى نهاية لكن
يتسرمد العذاب وتختلف الحالات فيه، فإذا انتهت حالة الانتقام ووجدان الآلام أعطى من النعيم
والاستعذاب بالعذاب ما يليق بمن أقرّ بربوبيته ثم أشرك ثم وحّد في غير موطن التكليف،
والتكليف أمر عرض في الوسط بين الشهادتين لم يثبت، فبقي الحكم للأصلين الأوّل والآخر،
وهو السبب الجامع لنا في القيامة، فما جمعنا إلاَّ فيما اجتمعنا: [الخفيف]
من أليمِ العذابِ وهو الجَزّاءُ
فإذا استُغْذَبوا العذابَ أُريحوا
قال أبو يزيد الأكبر البسطاميّ: [الوافر]
سوى مَلْذوذٍ وَجْدي بالعَذَابِ
وكلُّ مآربي قد نِلْتُ منها
لم يقل بالألم، ولنا في هذا الباب نظم كثير.
التوحيد السابع: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَّ خَكَلِقُ
كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٢] هذا توحيد الرب بالاسم الخالق وهو توحيد
الهوية، فهذا توحيد الوجود لا توحيد التقدير، فإنه أمر بالعبادة ولا يأمر بالعبادة إلاَّ من هو
موصوف بالوجود وجعل الوجود للرب، فجعل ذلك الاسم بين الله وبين التهليل، وجعله
مضافاً إلينا إضافة خاصة إلى الرب، فهي إضافة خصوص لنوحده في سيادته ومجده وفي
وجوب وجوده فلا يقبل العدم كما يقبله الممكن فإنه الثابت وجوده لنفسه، ويوحد أيضاً في
ملكه بإقرارنا بالرق له، ولنوحده توحيد المنعم لما أنعم به علينا من تغذيته إيانا في ظلم

٥٦
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الأرحام وفي الحياة الدنيا، ولنوحده أيضاً فيما أوجده من المصالح التي بها قوامنا من إقامة
النواميس ووضع الموازين ومبايعة الأئمة القائمة بالدين، وهذه الفصول كلها أعطاها الاسم
الرب فوحدناه ونفينا ربوبية ما سواه، قال يوسف لصاحبي السجن: ﴿وَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرُ أَمِ
اللَّهُ الْوَاحِدُ اٌلْقَهَّارُ﴾ [سورة يوسف: الآية ٣٩].
التوحيد الثامن: من نفس الرحمن قوله تعالى: ﴿أَّعَ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن زَّكٌ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوِّ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٦] هذا توحيد الإتباع وهو من توحيد الهوية،
فهو توحيد تقليد في علم، لأنه نصب الأسباب وأزال عنها حكم الأرباب لما قالوا: ﴿مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] فلو قالوا ما نتخذهم وأبقوا العبودية
لجناب الله تعالى لكان لهم في ذلك مندوحة بوضع الأسباب الإلهية المقرّرة في العالم،
فأمر ◌ّ أن يعرض عن الشرك لا عن السبب فإنه قال في مصالح الحياة الدنيا ﴿وَلَكُمْ فِی
الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٩] فعلل، ولام العلة في القرآن كثير، وهذا أيضاً فيه ما في
السابع من توحيد الاسم الرب وعمّم إضافة جميعنا إليه، وهنا خصّص به الداعي، فكأنه
توحيد في مجلس محاكمة، فيدخل فيه توحيد المقسط لإقامة الوزن في الحكم بين الخصماء
بين ذلك قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٦] وخصّ به الداعي لمجيئه
بالتوحيد الإيماني لا التوحيد العقلي، وهو توحيد الأنبياء والرسل، لأنها ما وحدت عن نظر
وإنما وحدت عن ضرورة علم وجدته في نفسها لم تقدر على دفعه، فترك المشركين وآلهتهم
وانفرد بغار حرّاء يتحنث فيه من غير معلم إلاَّ ما يجده في نفسه حتى فجئه الحق وهو قوله :
﴿أَنَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيْكَْ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٦] أي إنه لا يقبل الشريك
فأعرض عنهم حتى يستحكم الإيمان وأقمه بنفس الرحمن فاجعل له أنصاراً وآمرك بقتال
المشركين لا بالإعراض عنهم.
التوحيد التاسع: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ
مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِ، وَيُمِيثٌ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٨] توحيد الهوية في
الاسم المرسل وهو توحيد الملك ولهذا نعته بأنه يحيي ويميت، إذ الملك هو الذي يحيي
ويميت ويعطي ويمنع ويضر وينفع، فمن أعطى أحيا ونفع، ومن منع أضرّ وأمات، ومن منع
لا عن بخل كان منعه حماية وعناية وجوداً من حيث لا يشعر الممنوع، وكان الضرر في حقّه
حيث لم يبلغ إلى نيل غرضه لجهله بالمصلحة فيما حماه عنه النافع، ومات هذا الممنوع
لكونه لم تنفذ إرادته كما لا تنفذ إرادة الميت، فهذا منع الله وضرره وإماتته فإنه المنعم
المحسان، فأرسل الرسل بالتوحيد تنبيهاً لإقرارهم في الميثاق الأوّل فقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّ
رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٧] فمن وحده بلسان رسوله لا من لسانه جازاه الله على
توحيده جزاء رسوله، فإن وحده لا بلسان رسوله بل بلسان رسالته جازاه مجازاة إلهية لا تعرف
يدخل تحت قوله: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. انتهى الجزء
العشرون ومائة .

٥٧
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
(الجزء الحادي والعشرون ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرّحمةِ
التوحيد العاشر: من نفس الرحمن قوله: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًّاً لََّ
إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٣١] هذا توحيد الأمر بالعبادة وهو من
أعجب الأمور كيف يكون الأمر فيما هو ذاتي للمأمور؟ فإن العبادة ذاتية للمخلوقين ففيم وقع
الأمر بالعبادة، فأما في حق المؤمنين فأمرهم أن يعبدوه من حيث أحدية العين لما قال في حق
طائفة: ﴿قَلِ أَدِّعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] فما
هي هذه الطائفة التي أمرت أن تعبد إلهاً واحداً؟ فلا تنظروا في الأسماء الإلهية من حيث ما
تدل على معان مختلفة فتتعبدهم معانيها فتكون عبادتهم معلولة حيث رأوا أن كل حقيقة منهم
مرتبطة بحقيقة إلهية يتعلق افتقارها القائم بها إليها وهي متعدّدة، فإن حقيقة الطلب للرزق إنما
تعبد الرزاق، وحقيقة الطلب للعافية إنما تعبد الشافي فقيل لهم: لا تعبدوا إلاَّ إلهاً واحداً،
وهو أن كل اسم إلهي وإن كان يدل على معنى يخالف الآخر فهو أيضاً يدل على عين واحدة
تطلبها هذه النسب المختلفة. وأما من حمل العبادة هنا على الأعمال فلا معرفة له باللسان،
فالعمل صورة والعبادة روح لتلك الصورة العملية التي أنشأها المكلف. وأما غير المؤمنين
وهم المشركون فهم الذين نسبوا الألوهة إلى غير من يستحقها ووضعوا اسمها على غير
مسمّاها وادّعوا الكثرة فيها، كما ادّعوا الكثرة في الإنسانية فدعواهم فيها صحيحة وما عرفوا
بطلانها في الإلهية، ولذلك تعجبوا من توحيدها فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ
◌ُجَابٌ﴾ [سورة ص: الآية ٥] وما علموا أن جعل الألوهة في الكثيرين أعجب فقيل لهم: وإن كنتم
ما عبدتم كل من عبدتموه إلاَّ بتخيلكم أن الألوهة صفته فما عبدتم غيرها ليس الأمر كذلك
فإنكم شهدتم على أنفسكم أنكم ما تعبدونها إلاَّ لتقربكم إلى الله زلفى فأقررتم مع شرككم أن
ثم إلهاً كبيراً هذه الآلهة خدمتكم إياها تقربكم من الله، فهذه دعوى بغير برهان وهو قوله:
﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٧] وهذه أرجى آية للمشرك
عن نظر جهد الطاقة وتخيّله في شبهه أنها برهان فيقوم له العذر عند الله، فإذ وقد اعترفوا أنهم
عبدوا الشريك ليقربهم إلى الله زلفى فتح القائل على نفسه باب الاعتراض عليه بأن يقال له:
ومن أين علمتم أن هذه الحجارة أو غيرها لها عند الله من المكانة بحيث إن جعلها معبودة لكم
كما قال: ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٦٣] فالذين عبدوا من ينطق ويدعي
الألوهة أقرب حالاً من عبادة من لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئاً، وهذا قول إبراهيم
لأبيه وهو الذي قال فيه تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ،﴾ [سورة الأنعام: الآية ٨٣]
وأبوه من قومه وهذه وغيرها من الحجة التي أعطاها الله فأمرهم الله أن لا يعبدوا إلاَّ إلهاً واحداً
لا إله إلاَّ هو في نفس الأمر سبحانه أي هو بعيد أن يشرك في ألوهته فهذا توحيد الأمر.
التوحيد الحادي عشر: من نفس الرحمن قوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا

٥٨
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
هُوِّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌّ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٩] هذا توحيد الاستكفاء وهو
من توحيد الهوية لما قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [سورة المائدة: الآية ٢] فأحالنا
علينا بأمره فبادرنا لامتثال أمره، فمنا من قال: لولا أن الله قد علم أن لنا مدخلاً صحيحاً في
إقامة ما كلفنا من البرّ والتقوى ما أحالنا علينا، ومنا من قال: التعاون الذي أمرنا به على البر
والتقوى أن يردّ كل واحد منا صاحبه إلى ربه في ذلك ويستكفي به فيما كلفه وهو قوله:
﴿ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢٨] خطاب تحقيق ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [سورة
البقرة: الآية ١٥٣] خطاب ابتلاء، فإذا سمع القوم الذين قالوا إن لنا مدخلاً محققاً في العمل
ولهذا أمرنا بالتعاون ما قاله من جعله خطاب ابتلاء أو حمله على الردّ إلى الله في ذلك لما
علمنا أن نقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] ﴿أُسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ﴾ وهو قول موسى
لقومه، مع أنهم ما طلبوا معونة الله إلاَّ وعندهم ضرب من الدعوى، ولكن أعلى من أصحاب
المقام الأوّل وأقرب إلى الحق، فتولوا عنهم في هذا النظر ولم يقولوا به، فكيف حالهم مع
من هو مشهده ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] فقال تعالى
لهم: ﴿فَإِنِ تَوَلَّوْ﴾ عمّا دعوتموهم إليه ﴿فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ﴾ أي في الله الكفاية ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا
هُوِّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ فإذا كان رب العرش والعرش محيط بعالم
الأجسام وأنت من حيث جسميتك أقل الأجسام فاستكف بالله الذي هو رب مثل هذا العرش،
ومن كان الله حسبه انقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء وجاء في ذلك بما يرضي الله،
والله ذو فضل عظيم على من جعله حسبه، والفضل الزيادة أي ما يعطيه على موازنة عمله بل
أزيد من ذلك ممّا يعظم عنده إذا رآه ذوقاً.
ومن أعجب ما رأيت من بعض الشيوخ من أهل الله ممّن كان مثل أبي يزيد في الحال
وربما أمكن منه فيه فقعدت مع هذا الشخص يوماً بجامع دمشق وهو يذكر لي حاله مع الله وما
يجري له معه في وقائعه فقال لي: إن الحق ذكر له عظم ملكه، قال الشيخ: فقلت له: يا رب
ملكي أعظم من ملكك، فقال لي: كيف تقول وهو أعلم؟ فقلت له: يا رب لأن مثلك في
ملكي فإنك لي تجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك وما في ملكك مثلك، قال: فقال لي:
صدقت وما رأيت أحداً ذهب إلى ما يقارب هذا المذهب أو هو هو سوى محمد بن عليّ
الترمذي الحكيم فإنه يقول في هذا المقام: مقام ملك الملك، وقد شرحناه في مسائل الترمذي
في هذا الكتاب التي سأل عنها أهل الله في كتاب ختم الأولياء ثم بكى هذا الشيخ أدباً مع الله
ويقول: يا أخي هو يجزئني عليه ويباسطني فكنت أقول له: إذا كان يفرح بتوبة عبده كما قاله
عنه رسوله وَّر فكيف يكون نظره إلى العارفين به؟
التوحيد الثاني عشر: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿حَتَّ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ
أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَِّيلَ﴾ [سورة يونس: الآية ٩٠] هذا توحيد الاستغاثة وهو توحيد
الصلة فإنه جاء بالذي في هذا التوحيد وهو من الأسماء الموصولة، وجاء بهذا ليرفع اللبس
عن السامعين كما فعلت السحرة لما آمنت برب العالمين فقالت: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ﴾ [سورة

٥٩
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
الأعراف: الآية ١٢٢] لرفع اللبس من أذهان السامعين، ولهذا توعدهم ثم تمّم وقال: ﴿وَأَنّ مِنَ
اُلْمُسَاءِينَ﴾ [سورة يونس: الآية ٩٠] لما علم أن الإله هو الذي ينقاد إليه ولا ينقاد هو الأحد. قال
علي بن أبي طالب: أهللت بما أهلّ به رسول الله وَ * وهو لا يعرف بما أهلّ به فقيل منه مع
كونه أهلّ على غير علم محقق، فأحرى إذا كان على علم محقق فاعلم بذلك فرعون ليعلم
قومه برجوعه عمّا كان ادعاه فيهم من أنه ربهم الأعلى فأمره إلى الله فإنه آمن عند رؤية البأس
وما نفع مثل ذلك الإيمان فرفع عنه عذاب الدنيا إلاَّ قوم يونس ولم يتعرض للآخرة. ثم إن الله
صدّقه في إيمانه بقوله: ﴿،َالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [سورة يونس: الآية ٩١] فدل على إخلاصه في
إيمانه، ولو لم يكن مخلصاً لقال فيه تعالى كما قال في الأعراب ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ
تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٤] فقد شهد الله
لفرعون بالإيمان وما كان الله ليشهد لأحد بالصدق في توحيده إلاَّ ويجازيه به وبعد إيمانه، فما
عصى فقبله الله إن كان قبله طاهراً، والكافر إذا أسلم وجب عليه أن يغتسل فكان غرقه غسلاً
له وتطهيراً حيث ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ﴾ في تلك الحالة ﴿نَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾ [سورة النازعات: الآية ٢٥] وجعل
ذلك ﴿لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَى﴾ [سورة النازعات: الآية ٢٦] وما أشبه إيمانه إيمان من غرغر فإن المغرغر
موقن بأنه مفارق قاطع بذلك، وهذا الغرق هنا لم يكن كذلك لأنه رأى البحر يبساً في حق
المؤمنين فعلم أن ذلك لهم بإيمانهم فما أيقن بالموت بل غلب على ظنه الحياة فليس منزلته
منزلة من حضره الموت فقال: ﴿إِنِّ تُبْتُ الْتَنَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٨] ولا هو من الذين يموتون
وهم كفار فأمره إلى الله تعالى. ولما قال الله له: ﴿فَلْيَّوْمَ تُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَّكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ
ءَايَةٌ﴾ [سورة يونس: الآية ٩٢] كما كان قوم يونس، فهذا إيمان موصول، وقدم الهوية لبعيد
ضميريه عليه ليلحق بتوحيد الهوية.
التوحيد الثالث عشر: من نفس الرحمن هو قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا أُنْزِلَ
بِعِلْمِ الَّهِ وَأَن لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [سورة هود: الآية ١٤] هذا توحيد الاستجابة، وهو
توحيد الهو وهو توحيد غريب، فإن قوله: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾ يعني المدّعين لكم يعني الداعين
﴿فَعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ فالضمير في فاعلموا يعود على الداعين وهم عالمون بأنه إنما أنزل
بعلم الله، ولو أراد المدعين لقال فيعلموا بالياء كما قال: ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾ بياء الغيبة، ثم قال:
﴿وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ أي واعلموا أنه لا إله إلاَّ هو كما علمتم أنه إنما أنزل بعلم الله، ثم قال:
﴿فَهَلْ أَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ وقد كانوا مسلمين، وهذا كله خطاب الداعين إن كانت هل على بابها،
وإن كانت هنا مثل ما هي في قوله: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنَنِ﴾ [سورة الإنسان: الآية ١] اعتماداً على
قرينة الحال فأخرجت عن الاستفهام، وإلاَّ فما هذا خطاب الداعين إلاَّ أن يكون مثل قولهم:
إياك أعني فاسمعي يا جاره. فالخطاب لزيد والمراد به عمرو ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة
الزمر: الآية ٦٥] ﴿فَإِن كُتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَفْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾ [سورة
يونس: الآية ٩٤] ومعلوم أنه مغفور له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وهو على بينة من ربه في مآله،
فعلمنا بقرائن الأحوال أنه المخاطب والمراد غيره لا هو، وحكمة ذلك مقابلة الإعراض

٦٠
في الأحوال / الباب الثامن والتسعون ومائة في معرفة النفس بفتح الفاء
بالإعراض لأنهم أعرضوا عن قبول دعوة الداعين، فأعرض الله عنهم بالخطاب والمراد به هم
فأسمعهم في غيرهم.
وأمّا فائدة العلم في ذلك فهي أن تقول لما علم الله أن قوماً لا يؤمنون ارتفعت الفائدة
في خطابهم وكان خطابهم عبثاً فأخبرهم الله تعالى أن نزول الخطاب بالدعوة لمن ليس يقبله
في علم الله أنه إنما أنزل بعلم الله أي سبق في علم الله إنزاله فلا بدّ من إنزاله لأن تبدل المعلوم
محال كما قال ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوَّلُ لَدَنَّ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩] لأنه سبق في علم الله أن تكون خمس
صلوات في العمل وخمسون في الأجر، فما زال يحط من الخمسين بعلم الله إلى أن انتهى
إلى علم الله بإثبات الخمس فمنع النقص من ذلك وقال: ﴿مَا يُبَدَُّ الْقَوّلُ لَدَنَّ﴾ وهكذا يكون الله
علمه في الأشياء سابق لا يحدث له علم بل يحدث التعلّق لا العلم، ولو حدث العلم لم تقع
الثقة بوعده لأنا لا ندري ما يحدث له. فإن قلت: فهذا أيضاً يلزم في الوعيد. قلنا: كذا كنا
نقول ولكن علمنا أنه ما أرسل رسولاً ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ،﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٤] وبما تواطؤا
عليه من كل ما هو محمود فيعاملهم بذلك في شرعهم كذا سبق علمه، وهذا لسان عربيّ
مبين، وممّا يتمدح به أهل هذا اللسان بل هو مدح في كل أمة التجاوز عن إنفاذ الوعيد في حق
المسيء والعفو عنه والوفاء بالوعد الذي هو في الخير وهو الذي يقول فيه شاعر العرب:
[الطويل]
وإني إذا أَوْعَدْتُه أو وَعَذْتُه
لمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ مَوْعِدي
فكان إنزال الوعيد بعلم الله الذي سبق بإنزاله ولم يكن في حق قوم إنفاذه في علم الله،
ولو كان في علم الله لنفذ فيهم كما ينفذ الوعد الذي هو في الخير لأن الإيعاد لا يكون إلاَّ في
الشرّ، والوعد يكون في الخير وفي الشرّ معاً، يقال: أوعدته في الشرّ ووعدته في الشرّ
والخير، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ فَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمّ﴾ فما بيّن لهم
تعالى التجاوز عن السيئات في حق من أساء من عباده والأخذ بالسيئة من شاء من عباده ولم
يفعل ذلك في الوعد بالخير، فأعلمنا ما في علمه، فكما هو واحد في ألوهيته هو واحد في
أمره، فما أنزل إلاَّ بعلم الله سواء نفذ أو لم ينفذ.
التوحيد الرابع عشر: من نفس الرحمن وهو قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَ رَتِ لَآَ
إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣٠] هذا توحيد الرجعة وهو توحيد
الهوية، أخبر أنهم يكفرون بالرحمن لأنهم جعلوا هذا الاسم إذ لم يكن عندهم ولا سمعوا به
قبل هذا فلما قيل لهم: ﴿أَسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ﴾ هذا الاسم
﴿نُفُورًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٠] فإنهم لا يعرفون إلاّ الله الذين يعبدون الشركاء ليقربوهم إلى الله
زلفى، ولما قيل لهم: اعبدوا الله لم يقولوا: وما الله؟ وإنما أنكروا توحيده، وقد نقل أنهم
كانوا يعرفونه مركباً الرحمن الرحيم اسم واحد كبعلبك ورام هرمز، فلما أفرده وبغير نسب
أنكروه فإنه يقال في النسب بعليّ فقال لهم الداعي الرحمن هو ربي ولم يقل هو الله وهم لا
ينكرون الرب، ولما كان الرحمن له النفس وبالنفس حياتهم فسره بالرب لأنه المغذي وبالغذاء