Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
أحببتُ ذاتيَ حُبَّ الواحد الثاني
والحبُّ منه إلهيٍّ أَتَتْكَ به
وقد سألت وما أدري سؤالَكُمُ
فكل حبِّ له بدءٌ يحقّقُهُ
وكل حب له بدءً وليس له
لا يُوصَفَان إذا حقَّقْتَ شأنَهُمَا
فغايةُ الحب في الإنسان وُضْلَتُه
وغايةُ الوَصْلِ بالرحمن زَنْدَقَةٌ
إن لم أصوّره لم تَعْلمْ بمن كَلِفَتْ
وممّا يتضمنه هذا الباب أيضاً قولنا: [الرمل]
أنا محبوبُ الهَوَى لو تعلموا
فإذا أنتُمْ فهمتُمُ غَرَضي
ما لِقَومي عن كلامي أَعْرضوا
ما لقومي عن عَيَانٍ ما بَدَى
لستُ أهْوَى أحداً من خَلْقِهِ
مذ تألَّهْتُ رجعْتُ مظهراً
أنا حَبْلُ الله في كَوْنِكُمُ
وإذا قلتُ هوَيْتُ زينباً
أنَّه رمزٌ بديعٌ حَسَنْ
وأنا الثَّوْبُ على لابِسِهِ
ليس في الجُبَّةِ شيءٌ غير ما
وحَيَاةِ الحبِّ لو أشهده
ما يرى عينَ وجودِ الحقِّ من
وممّا يتضمنه هذا الباب قولنا: [البسيط]
إن الوجودَ لَحَرْفٌ أنتَ معناه
الحرفُ معنًى ومعنَى الحرفِ ساكِنُه
والقلبُ من حيثُ ما تُعْطيه فِطْرتُه
عزَّ الإلهُ فما يحويه من أحدٍ
وما أنا قلتُ بل جاء الحديثُ به
لما أراد الإلهُ الحقُّ يسْكُنه
فكان عَيْنُ وجودي عَيْنَ صورته
الله أكبرُ لا شيءٌ يُمَائِلُهُ
والحبُّ منه طبيعيٍّ وروحاني
ألفاظُ نور هُدّى في نَصِّ قرآنِ
عن أي حب ولا عن أي ميزان
علمي سوى حبٌّ ربِّ ما له ثاني
نهايةٌ غير حبِّ الطَّبْعِ واثْنَانٍ
وما هما بنهاياتٍ ونُقْصانٍ
روحاً بروح وجُثْماناً بجُثْمانِ
فإن إحسَانَه جُزْءُ إحسانِ
نفسي وتَضْويرُه ردِّ لبُزهانِ
والهَوَى محبوبُنَا لو تَفْهَمُوا
فاخمَدوا الله تعالى واعلمُوا
أَبِهِمْ عن دَرْكُ لفظي صَمَمُ
من حبيبي في وجودي قد عَمُوا
لا ولا غير وجودي فافْهَمُوا
وكذا كنْتُ فبي فاعْتَصِمُوا
فالزموا البابَ عَبِيدأ واخْدُمُوا
أو نظاماً أو عَنَاناً فاحكُمُوا
تحته ثوبٌ رفيعٌ مُعْلَمُ
والذي يَلْبَسُه ما يعْلَمُ
قاله الحلاَّجُ يوماً فانْعَمُوا
لاعتراني لشُهُودِي بَكَمُ
أَضْلُهُ في كلّ حالٍ عَدَمُ
وليس لي أملٌ في الكون إلاَّ هُو
وما تشاهدُ عَيْنٌ غيرَ معناهُ
يجولُ ما بين مَغْنَاه ومَعْنَاهُ
وبعد هذا فإنا قد وَسِعْنَاهُ
عن الإلهِ وهذا اللَّفْظُ فَحْوَاهُ
لذاك عدَّلَهُ خلقاً وسَوَّاهُ
وَحْيٌ صحيحٌ ولا يدريه إلاَّ هُو
وليس شيءٌ سواه بل هو إيَّاهُ
الفتوحات المكية ج٣ - م٣١

٤٨٢
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
فصَحَّ أن الوجودَ المُذْرَكَ الله
فما تَرَى عينُ ذِي عَیْنٍ سوى عدمِ
فلا يرى الله إلاَّ الله فاعتبرواً
قولي ليُغْلَمَ مَنْحَاه ومَغْزَاهُ
وممّا يتضمنه هذا الباب أيضاً قولنا في واقعة رأيت الحق فيها يخاطبني بمعنى ما في هذه
الأبيات وسمّاني باسم ما سمعت به قط إلا منه تعالى في تلك الواقعة وهو نرديار فسألته تعالى
عن تفسير هذا اللفظ فقال: ممسوك الدار وهي هذه الأبيات، وقد تقدمت في هذا الكتاب
بأطول ممّا هي هنا وما سقت منها هنا إلاَّ ما وقع: [الطويل]
فسُبْحانَكُم مُجْلَى وسُبْحَانَ سُبْحَانًا
مَسَكْتُكَ في داري لإظهار صورتي
ولا نظرتْ عَيْنٌ كمثلك إنسانًا
فما نظرتْ عيناك مثليَ كاملاً
نَصَبتُ على هذا من الشَّرْعِ بُرْهَانَا
على كل وجهٍ كان ذلك ما كانّا
وقرَّرْتُ هذا في الشرائع إيمانًا
لكان وجودُ النَّقْص فيَّ إذا كانَا
وأكْمَلُ مني ما يكونُ فقد بَانًا
فلم يَبْقَ في الإمكان أكملُ منكُمُ
فأيُّ كمالٍ كان لم يَكُ غيرُكُمْ
ظهَرْتُ إلى خلقي بصورة آدم
فلو كان في الإمكان أكملُ منْكُمٌّ
لأنك مخصوصٌ بصورة حضرتي
وممّا ضمنته هذا الباب أيضاً قولنا: [البسيط]
الله أكبرُ أن يَحْظَى به أَحَدٌ
الشمسُ تدركنا والشمسُ ندركها
وإننا لنراها وهي ظاهرةٌ
النورُ يمنعنا من أن نُكَيِّفَها
الكيفُ والكمُّ من نَعْتِ الجُسوم وما
وهو الحبيبُ العَليُّ السَّيِّدُ الصَّمَدُ
نَعَمْ ومنها إلينا العَطْفُ والرَّفَدُ
مثل الشَّجَلْي ولم يظفَز به أَحَدُ
فكيف من لا له كَيْفٌ فِيَنَّحِدُ
هناك جسمٌ ولا حالٌ ولا عَدَدُ
وممّا يتضمنه هذا الباب أيضاً قولنا: [البسيط]
بادِرْ لجَبْرِ الذي قد فات من عُمُرِكْ
وقل له بالهوى يا مُنْتَهَى أملي
لقد علمتُ بأني حين أبصِرُ مَنْ
لولا الفناءُ ونَفْيُ المِثْل عنك وما
ما كان لي أملٌ في غير مَشْهَدِكُمْ
إني سألتُكَ يا من لا شَبيهَ له
فقال لي من قضائي أن تَرَى قَدَري
قد جاءكُمْ عن نبيٍّ في إزالة ما
لكم كلامٌ نفيسٌ كلُّه دُرَرٌ
ولتشَّخِذْ زادَكَ الرَّحمنَ في سَفَرِكْ
ما أشْوَقَ السرَّ والمعنى إلى خَبَرِكْ
كان الوجودُ به ما زلتُ من نَظَرِّكْ
قد جاء عنك من الإحراق من بَصَرِكْ
ولا قرأتُ كتاباً ليس في سِيَرِكْ
أمراً أراد به المَخثُومَ من قَدَرِكْ
يردُّه قَدَري والكلُّ من أَثَرِكْ
قَضَيْتُه وبما يزيد في عُمُرِكْ
وذا من الدرّ فلْنُلْحِقْه في دُرَرِكْ
وممّا يتضمنه هذا الباب في حب الحب قولنا: [الطويل]
ومالي به حتى المَمَات يَدَانِ
ولما رأيتُ الحبَّ يَعْظُمُ قَدْرُهُ

٤٨٣
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
تعشَّقْتُ حُبَّ الحبِّ دهري ولم أقلْ
فأبْدَى ليَ المَحْبُوبُ شَمْسَ اتِّصالِهِ
وذاب فؤادي خِيفَةً من جلالهِ
ونزَّهَني في رَوْضٍ أُنْسٍ جَمَالُه
وأحضَرَني والسرُّ منّي غائبٌ
فإن قلتُ أنا واحدٌ فوجوده
ولكنَّه مَزْجٌ رقيقٌ منَزَّةٌ
فقلتُ له وهو القَؤُولُ وأنه
أيا من بَدَى في نفسه لنَفيسه
فنفْسَك شاهدْت النَّفيسةَ مُنْعِماً
فيا غائباً من كان هذا مَقَامُه
فلا والذي طارتْ إلى حُسْنٍ ذاته
كفاني الذي قد نلْتُ منه كُفَاني
أَضَاءَ بِها كَوْني وعَيْنَ جِنَانِي
فوقَّعَ لي في الحين خَطَّ أَمَانٍ
فغبْتُ عن الأرواح والثَّقَلانِ
وغيَّبني والأمرُ منّيَ داني
وإن أثبتوا عيني فمُزْدَوجانِ
يُرَى واحداً والعلمُ يَشْهَد ثاني
عبارته المُثْلَى جَرَتْ بلسانِ
ولا عَدَدّ فالعينُ منِّيَ فاني
بنفسك وانظر في المِراةِ تَرَاني
يُرَى في جنان النَّاعِمات بجانٍ
قلوبٌ فأفناها عن الطيَرانِ
اعلم وفقك الله أن الحب مقام إلهيّ فإنه وصف به نفسه وتسمّى بالودود، وفي الخبر
بالمحب، وممّا أوحى الله به إلى موسى في التوراة: يا ابن آدم إني وحقي لك محب فبحقي
عليك كن لي محباً، وقد وردت المحبة في القرآن والسنّة في حق الله وفي حق المخلوقين،
وذكر أصناف المحبوبين بصفاتهم، وذكر الصفات التي لا يحبها الله، وذكر الأصناف الذين لا
يحبهم الله فقال تعالى لنبيه وَ﴿ آمراً أن يقول لنا: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾
[سورة آل عمران: الآية ٣١] وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَ مِنَّكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] وقال في ذكر الأصناف الذين يحبهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ
وَيُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٢] ﴿يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٨] ﴿يُحِبُّ
الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] ﴿يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٤٦] ويحب الشاكرين
﴿وَالْمُنَصَدِّقِينَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٣٤] ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ
يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [سورة الصف: الآية ٤] كما نفى عن نفسه أن
يحب قوماً لأجل صفات قامت بهم لا يحبها، ففحوى الخطاب أنه سبحانه يحب زوالها ولا
تزول إلاَّ بضدها ولا بدّ فقال: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٤] ﴿لَا يُحِبُّ
اُلْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠٥] وضده الصلاح فعين ترك الفساد صلاح وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اُلْفَرِحِينَ﴾ [سورة القصص: الآية ٧٦] ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٨] ﴿لَا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٠] ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤١] ﴿لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾
[سورة الروم: الآية ٤٥] ﴿لَا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٤٨] ﴿لَا يُحِبُّ
اٌلْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٧].
ثم إنه سبحانه حبّب إلينا أشياء منها بالتزيين ومنها مطلقة فقال ممتناً علينا ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ﴾ [سورة الحجرات: الآية ٧] وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [سورة آل عمران:

٤٨٤
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
الآية ١٤] الآية، وقال في حق الزوجين: ﴿وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٢١]
ونهانا أن نلقي بالمودّة إلى أعداء الله فقال: ﴿لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم ◌ِلْمَوَدَّةِ﴾.
[سورة الممتحنة: الآية ١] والمحبة الواردة في القرآن كثيرة.
وأما الأخبار فقوله وَّ عن الله أنه قال: ((كُنْتُ كَنْزاً لَم أُعْرَفْ فَأَخْبَيْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ
الخَلْقَ وَتَعَرَّفْتُ إِلَيْهِمْ فَعَرَفُونِي)) فما خلقنا إلا له لا لنا، لذلك قرن الجزاء بالأعمال فعملنا لنا لا
له، وعبادتنا له لا لنا، وليست العبادة نفس العمل، فالأعمال الظاهرة في المخلوقين خلق له
فهو العامل، ويضاف إليه حسنها أدباً مع الله مع كونها كل من عند الله لأنه قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّنِهَا فَهَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنُهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٧ - ٨] ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات:
الآية ٩٦] وقال: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢] فدخلت أعمال العباد في ذلك.
وقال رسول الله وَل﴾: ((إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَا تَقَرَّبَ المُتَقَرِّبُونَ بِأَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِمْ
وَلاَ يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَّيَّ بِالنوَافِلِ حَتَى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَخْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ
الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)) الحديث. ومن هذا التجلّ قال من قال بالاتحاد، وبقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] وبقوله: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦] وفي
الخبر: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ مِفتن تَواب)) وفي الخبر: ((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِينَ فِيَّ)) وفي الخبرِ:
((أَحَبّوا اللَّه لِمَا أَسْدَى إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِهِ)) وفي الخبر: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُ الجَمَالَ، وَإِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ أَنْ يُمْدَحَ)) وقال عليه السلام: ((حبّب إليّ من دنياكم ثلاث)) الحديث، والأخبار في هذا
الباب كثيرة جداً، واعلم أن مقامها شريف وأنها أصل الوجود: [مجزوء الرمل]
وعلى الحبِّ جُبِلْنَا
وَعَنِ الحبُّ صَدَرْنا
ولهذا قد قُبِلْنَا
فلذا جثْنَاهُ قَضْداً
ولهذا المقام أربعة ألقاب: منها الحب وهو خلوصه إلى القلب وصفاؤه عن كدورات
العوارض فلا غرض له ولا إرادة مع محبوبه.
واللقب الثاني: الودّ وله اسم إلهيّ وهو الودود، والودّ من نعوته وهو الثابت فيه، وبه
سمّي الودّ ودّاً لثبوته في الأرض .
واللقب الثالث: العشق وهو إفراط المحبة، وكنى عنه في القرآن بشدة الحب في قوله :
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٥] وهو قوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [سورة يوسف:
الآية ٣٠] أي صار حبها يوسف على قلبها كالشغاف وهي الجلدة الرقيقة التي تحتوي على
القلب فهي ظرف له محيطة، وقد وصف الحق نفسه في الخبر بشدة الحب غير أنه لا يطلق
على الحق اسم العشق، والعاشق والعشق التفاف الحب على المحب حتى خالط جميع
أجزائه، واشتمل عليه اشتمال الصماء مشتق من العشقة.
واللقب الرابع: الهوى وهو استفراغ الإرادة في المحبوب والتعلّق به في أوّل ما يحصل
في القلب وليس لله منه اسم، ولحصوله سبب نظرة أو خبر أو إحسان وأسبابه كثيرة، ومعناه
في الخبر الإلهي الصحيح حب الله عبده إذا أكثر نوافل الخيرات، وكذلك اتباع الرسول فيما

٤٨٥
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
شرع، وهذا منزلته فينا مسمّى الهوى، قال بعضهم في الحب المولد عن الخبر: [البسيط]
والأذنُ تعْشَقُ قبل العَيْنِ أَحْيَانًا
يا قَوْمُ أذني لبعض الحَيِّ عاشقةٌ
ولنا في الحب المولد عن النظر والخبر في الغزليات : [البسيط]
حُبِّي لغيرك مَوْقُوفٌ على النَّظَرِ
الله يعلم أني ما عَلِمْتُ لها
فَبُغْيَتي من عُزْلتي أن أفوزَ بها
ولنا أيضاً في هذا المعنى: [مجزوء الرجز]
حقيقتي هِمْتُ بها
ولو رآها لَغّدَا
فـعـنـدمـا أبـصَرْتُهـا
فَبتُ مَسْحوراً بها
يا حَذَري من حَذَري
حُكْمُ القَضَاءِ والقَدَزْ
واللَّهِ ما هيَّمني
ياحُسْنَها مِن ظَبْيَةٍ
إذا رَنتْ أو عَطَفَتْ
تَفْتَرُّ عن ظُلَم وعن
كأنما أَنْفَاسُّها
كأنها شَمْسُ ضُحّى
إن سَفَرَتْ أَبرَزَهَا
أو سَدَلَتْ غيَّبَها
يا قمراً تحت دُجَى
عيني لكَيْ أُبصركم
فإنَّ مَبْنَى كَلَفي
ولنا أيضاً في هذا المعنى : [البسيط]
الأذنُ عاشقةٌ والعينُ عاشقةٌ
فالأذنُ تعشق ما وَهْمي يُصَوِّره
فصاحبُ العِين إن جاء الحبيبُ له
وصاحبُ الأُذن إن جاء الحبيبُ له
إلاّ هَوَى زَيْنَب فإنه عَجَبٌ
إلاَّ هواك فمَبْنَاه على الخَبَرِ
على الذي قيل لي أُخْتاً من البَشَرِ
وأن تَجُودَ علي عينيَّ بالنَّظَرِ
وما رآها بَصّري
قَتيلَ ذاك الحَوَرِ
صرْتُ بحُكْم النَّظَرِ
أهيمُ حتَّى السَّحَرِ
لو كان يُغْنِي حَـذَري
وإنَّما هَيَّمني
جمالُ ذاك الخَفَرِ
تَرْعَى بذات الخَمَرِ
تَسْبي عقولَ البَشَرِ
حَبُّ غَمَّامِ نَشِرِ
أعرافُ مِسْكٍ عَطِرِ
في النُّور أو كالقَمَرِ
نورُ صباحٍ مُسْفِرِ
ظلامُ ذاك الشَّعَرِ
خذي فؤادي وَذَرٍ
إذا كان حَظّي نَظَري
بحبها من خَبَري
شَتَّانَ ما بين عَشْقِ العينِ والخَبَرِ
والعينُ تعشق مَحْسُوساً من الصُوَّرِ
يوماً ليُبْصرَهِ يَلْتَذُّ بِالنَّظَرِ
في صورة الحِسِّ ما يَنْفَكُ عن غِيَر
قَدِ اسْتَوَى فيه حَظُّ السَّمْعِ والبَصَرِ
وألطف ما في الحب ما وجدته وهو أن تجد عشقاً مفرطاً وهوى وشوقاً مقلقاً وغراماً
ونحولاً، وامتناع نوم، ولذة بطعام ولا يدري فيمن ولا بمن ولا يتعين لك محبوبك وهذا

٤٨٦
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
ألطف ما وجدته ذوقاً، ثم بعد ذلك بالاتفاق، أما يبدو لك تجلّ في كشف فيتعلق ذلك الحب
به، أو ترى شخصاً فيتعلق ذلك الوجد الذي تجده به عند رؤيته فتعلم أن ذلك كان محبوبك
وأنت لا تشعر، أو يذكر شخص فتجد الميل إليه بذلك الهوى الذي عندك فتعلم أنه صاحبك،
وهذا من أخفى دقائق استشراف النفوس على الأشياء من خلف حجاب الغيب، فتجهل حالها
ولا تدري بمن هامت ولا فيمن هامت ولا ما هيمها، ويجد الناس ذلك في القبض والبسط
الذي لا يعرف له سبب، فعند ذلك يأتيه ما يحزنه فيعرف أن ذلك القبض كان لهذا الأمر، أو
يأتيه ما يسرّه فيعرف أن ذلك البسط كان لهذا الأمر، وذلك لاستشراف النفس على الأمور من
قبل تكوينها في تعلّق الحواس الظاهرة وهي مقدمات التكوين، ويشبه ذلك أخذ الميثاق على
الذرية بأنه ربنا فلم يقدر أحد على إنكاره بعد ذلك، فتجد في فطرة كل إنسان افتقاراً لموجود
يستند إليه وهو الله ولا يشعر به، ولهذا قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة فاطر:
الآية ١٥] يقول لهم ذلك الافتقار الذي تجدونه في أنفسكم متعلقه الله لا غيره ولكن لا تعرفونه،
فعرفنا الحق به، ولما ذقنا هذا المقام قلنا فيه : [الطويل]
عَلِقْتُ بمن أهواه عشرين حِجَّةً
ولا نَظَرَتْ عيني إلى حُسْنِ وَجْهِهَا
إلى أن تَرَاءى البَرْقُ من جانب الحِمَى
ولم أَذْرٍ من أَهوى ولم أَغْرِفِ الصَّبْرَا
ولا سَمِعَتْ أذنايَ قَطْ لها ذِكْرًا
فنَغَّمَني يوماً وعذَّبني دَهْرًا
ولنا أيضاً في هذا المعنى ذوقاً فإنا لا نعبر إلاَّ عمّا ذقناه: [الطويل]
عَلِقْتُ بمن أَهْوَاه من حَيْثُ لا أدري
فقد حِرْتُ في حالي وحَارَتْ خَوَاطري
فَبَيْنا أننا من بعدِ عشرين حِجَّةً
ولم أدر مَنْ أهوى ولا أعرفُ اسْمَهُ
إلى أن بدا لي وَجْهُهَا من نِقَابها
فقلتُ لهم من هذه قِيلَ هذه
فكبَّرْتُ إجلالاً لها ولأصلها
عَشِقْتُ وما أدري الذي قد عَشِقْتُه
ولا سمعَتْ أذناي قَطُّ بذكره
فجُبْتُ بلادَ الله شرقاً ومَغْرباً
فلم أر إلاَّ ذا حبيبٍ معين
فقلتُ إلهي إن قلبي مُهَيَّمٌ
ولا أدري من هذا الذي قال لا أَذري
وقد حَارَتِ الحَيْرَاتُ فيَّ وفي أمْري
أُتَرْجِمُ عن حبِّ يعانقه سِرِّي
ولا أدر من هذا الذي ضَمّه صَذري
كمثل سَحَابِ اللَّيْلِ أَسْفَرَ عن بَدْرِ
كمثل عَيْنِ القلب بِنْتُ أخِ الصَّدْرِ
فَلَيْلي بهَا أَرْبَى على ليلَةِ القَدْرِ
ولنا في هذا المعنى ذوقاً في أوّل دخولي إلى الشام وجدت ميلاً مجهولاً مدّة طويلة في
قصة طويلة إلهية متخيلة في صورة جسدية فقلنا نخاطبها في ذلك بالحال ولسانه: [الطويل]
مَقَالَةُ من قال الحبيبُ له قُلْ لي
أقولُ وعندي من هَوَاك الذي عِنْدي
ولما دَخَلْتُ الشامَ خُولِطتُ في عقلي
فلم أَرَ قبلي في الهوى عاشقاً مِثْلي
أخالقي المَخْبُوبُ أم هو من شَكْلي
فهل قال هذا عاشقٌ غيرنا قَبْلي
العلي أَرَى شخصاً يُوافِقُني عَلْي
يُلازمه طبعاً مُلازَمَةَ الظُّلِّ
ولم أَذْرٍ فانظُرْ في مقامي وفي ذُلِّي

٤٨٧
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
لقد غُصْتَ يا مِسْكِينُ في أَبْحُرِ الجَهْلِ
فإنّيَ من أهل الشَّعاليم والفَضْلِ
إذا أنتَ حَصَّلْتَ اثنتين على وَضْلي
تماماً على الوَصْلِ الذي فيه والفَصْلِ
فكان اسمُ مَخْبُوبي على صورة الأَصْلِ
وهذا من العِلْم المُضَافِ إلى البُخْلِ
مُثَلَّئَةِ التَّرْبَيْعِ جَامِعَةِ الشَّمْلِ
لها حُسْنُ إدلالٍ يدلُّ على دَلْيَ
هما أهلُ بيتٍ للسَّمَاحَةِ والبَذْل*
من السنَّةِ الأعلام من أحرف الفَضْل
فِنَادَى مُنَادي الحبِّ من بين أضلعي
ألا فاستَمِعْ قولي وخُذْ سرَّ حِكْمتي
بسبع وعشرٍ ثم خمسينَ بعدها
يقومُّ لكُمْ شَكْلٌ بديعٌ مربَّعٌ
كَمِثْلِ اسمِه الله بياناً مُحَقَّقاً
فذاك اسمُ مَنْ تَهْواه إن كنتَ عالماً
فإن كنتَ ذا فَهْم فلا تَبْتَغي سوى
فَثُلَيْثُها بَيْتٌ وبَيَتْ مُصَحَّف
فبيت إليّ العين ثم لمَاحِدٍ
وأوَّلُه حرفٌ نزيهٌ مسَبَّعْ
وهذا ألطف ما يكون من المحبة، ودونه حب الحب وهو الشغل بالحب عن متعلّقه.
جاءت ليلى إلى قيس وهو يصيح: ليلى ليلى ويأخذ الجليد ويلقيه على فؤاده فتذيبه حرارة
الفؤاد فسلمت عليه وهو في تلك الحال فقالت له: أنا مطلوبك، أنا بغيتك، أنا محبوبك، أنا
قرّة عينك، أنا ليلى. فالتفت إليها وقال: إليك عني، فإن حبك شغلني عنك. هذا ألطف ما
يكون، وأرق في المحبة، ولكن هو دون ما ذكرناه في اللطف.
وكان شيخنا أبو العباس العريبيّ رحمه الله يسأل الله أن يرزقه شهوة الحب لا الحب،
واختلف الناس في حدّه فما رأيت أحداً حدّه بالحدّ الذاتي بل لا يتصوّر ذلك، فما حدّه من
حدّه إلاَّ بنتائجه وآثاره ولوازمه، ولا سيما وقد اتصف به الجناب العزيز وهو الله. وأحسن ما
سمعت فيه ما حدثنا به غير واحد عن أبي العباس ابن العريف الصنهاجيّ قالوا: سمعناه يقول
وقد سئل عن المحبة فقال: الغيرة من صفات المحبة، والغيرة تأبى إلاّ الستر فلا تحدّ.
واعلم أن الأمور المعلومات على قسمين: منها ما يحد، ومنها ما لا يحد، والمحبة عند
العلماء بها المتكلمين فيها من الأمور التي لا تحد، فيعرفها من قامت به ومن كانت صفته ولا
يعرف ما هي ولا ينكر وجودها. واعلم أن كل حب لا يحكم على صاحبه بحيث أن يصمه عن
كل مسموع سوى ما يسمع من كلام محبوبه، ويعميه عن كل منظور سوى وجه محبوبه،
ويخرسه عن كل كلام إلاّ عن ذكر محبوبه وذكر من يحب محبوبه، ويختم على قلبه فلا يدخل
فيه سوى حب محبوبه، ويرمي قفله على خزانة خياله فلا يتخيل سوى صورة محبوبه، إما عن
رؤية تقدمته، وإما عن وصف ينشىء منه الخيال صورة فيكون كما قيل : [الطويل]
ومَثْوَاكَ في قلبي فأَيْنَ تَغِيبُ
خَيَالُكَ في عيني وذكْرُكَ في فمي
فبه يسمع، وله يسمع، وبه يبصر، وله يبصر، وبه يتكلم، وله يتكلم، ولقد بلغ بي قوّة
الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوبي من خارج لعيني كما كان يتجسد جبريل
لرسول الله وَّ فلا أقدر أنظر إليه، ويخاطبني وأصغي إليه وأفهم عنه، ولقد تركني أياماً لا
* في الأصل :
فبيت إليَّ لعين عين وثم بيت لماجد ... الخ. فتأمل.

٤٨٨
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
أسيغ طعاماً، كلما قدّمت لي المائدة يقف على حرفها وينظر إليّ ويقول لي بلسان أسمعه
بأذني : تأكل وأنت تشاهدني فأمتنع من الطعام ولا أجد جوعاً وامتلىء منه حتى سمنت وعبأت
من نظري إليه فقام لي مقام الغذاء، وكان أصحابي وأهل بيتي يتعجبون من سمني مع عدم
الغذاء لأني كنت أبقى الأيام الكثيرة لا أذوق ذواقاً، ولا أجد جوعاً ولا عطشاً، لكنه كان لا
يبرح نصب عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني.
واعلم أنه لا يستغرق الحب المحب كله إلاّ إذا كان محبوبه الحق تعالى أو أحداً من
جنسه من جارية أو غلام، وأما ما عدى من ذكرته فإنه لا يستغرقه حبّه إياه، وإنما قلنا ذلك
لأن الإنسان لا يقابل بذاته كلها إلاَّ من هو على صورته إذا أحبّه، فما فيه جزء إلاَّ وفيه ما
يماثله، فلا تبقي فيه فضلة يصحو بها جملة واحدة فيهيم ظاهره في ظاهره وباطنه في باطنه،
ألا ترى الحق قد تسمّى بالظاهر والباطن؟ فتستغرق الإنسان المحبة في الحق وفي أشكاله
وليس ذلك فيما سوى الجنس من العالم فإنه إذا أحبّ صورة من العالم إنما يستقبله بالجزء
المناسب ويبقى ما بقي من ذاته صاحية في شغلها، وأما استغراق حبّه إذا أحبّ الله فلكونه
على صورته كما ورد في الخبر، فيستقبل الحضرة الإلهية بذاته كلها، ولهذا تظهر فيه جميع
الأسماء الإلهية، ويتخلق بها من ليست عنده صفة الحب ويكونها من عنده صفة الحب، فلهذا
يستغرق الإنسان الحب، وإذا تعلّق بالله وكان الله محبوبه فيفنى في حبّه في الحق أشدّ من فنائه
في حب أشكاله، فإنه في حب أشكاله فاقد في غيبته ظاهر المحبوب، وإذا كان الحق هو
المحبوب فهو دائم المشاهدة، ومشاهدة المحبوب کالغذاء للجسم به ینمي ویزید، فكلما زاد
مشاهدة زاد حباً، ولهذا الشوق يسكن باللقا والاشتياق يهيج باللقاء، وهو الذي يجده العشاق
عند الاجتماع بالمحبوب، لا يشبع من مشاهدته ولا يأخذ نهمته منا لأنه كلما نظر إليه زاد
وجداً به وشوقاً مع حضوره معه كما قيل : [الطويل]
وأسأل شوقاً عنهُمُ وهُمْ مَعِي
ومن عَجَبٍ أني أحنُّ إليهمُ
وتَشْتَاقُهم نفسي وهم بين أَضْلُعِي
وتبكيهمُ عيني وهم في سوادها
وكل حب يبقى في المحب عقلاً يعقل به عن غير محبوبه أو تعقّلاً فليس بحب خالص
وإنما هو حديث نفس، قال بعضهم: ولا خير في حب يدبر بالعقل. وحكايات المحبين في
هذا الباب أكثر من أن تحصى، ولنا في ازدياد المحبة مع المشاهدة والشوق: [الطويل]
فلا أَشْتَفِي فالشَّوْقُ غيباً ومَحْضَرًا
أَغيبُ فيُفْني الشوقُ نفسي فألتقي
مكانَ الشِّفَا داءً من الوجْد آخَرَا
ويُحدث لي لُقْيَاهُ ما لم أظنّه
إذا ما التقيناه نحوةً وتَكَيُّرًا
لأني أرى شخصاً يَزيدُ جَمَالُه
لما زاد من حُسْنٍ نظاماً مُحرَّرًا
فلا بدَّ من وَجْدٍ يكون مقارناً
أشير إلى تجليه سبحانه في صور مختلفة في الآخرة لعباده وفي الدنيا لقلوب عباده، كما
ورد في صحيح مسلم من تحوُّله سبحانه في الصور، كما ينبغي لذاته من غير تشبيه ولا
تكييف، فوالله لولا الشريعة التي جاءت بالخبر الإلهيّ ما عرف الله أحد، ولو بقينا مع الأدلة

٤٨٩
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
العقلية التي دلّت في زعم العقلاء على العلم بذاته بأنه ليس كذا وليس كذا ما أحبه مخلوق،
فلما جاء الخبر الإلهيّ بألسنة الشرائع بأنه سبحانه كذا وأنه كذا من أمور تناقض ظواهرها الأدلة
العقلية أحببناه لهذه الصفات الثبوتية، ثم بعد أن أوقع النسب وثبت السبب والنسب الموجبات
للمحبة قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فثبت الأسباب الموجبة للحب
التي نفاها العقل بدليله، وهذا معنى قوله: ((فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني)) فما يعرف
الله إلاَّ بما أخبر به عن نفسه من حبّه إيانا ورحمته بنا، ورأفته وشفقته وتحببه ونزوله في التحديد
لنمثله تعالى ونجعله نصب أعيننا في قلوبنا وفي قبلتنا وفي خيالنا حتى كأنا نراه لا بل نراه فينا
لأنا عرفناه بتعريفه لا بنظرنا .
ومنا من يراه ويجهله، فكما أنه لا يفتقر إلى غيره كذلك والله لا يحب في الموجودات
غيره، فهو الظاهر في كل محبوب لعين كل محب، وما في الموجود إلاَّ محب، فالعالم كله
محب ومحبوب، وكل ذلك راجع إليه، كما أنه لم يعبد سواه، فإنه ما عبد من عبد إلاَّ بتخيل
الألوهية فيه ولولاها ما عبد، يقول تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية
٢٣] وكذلك الحب ما أحب أحد غير خالقه، ولكن احتجب عنه تعالى بحب زينب وسعاد
وهند وليلى والدنيا والدرهم والجاه وكل محبوب في العالم، فأفنت الشعراء كلامها في
الموجودات وهم لا يعلمون، والعارفون لم يسمعوا شعراً ولا لغزاً ولا مديحاً ولا تغزلاً إلاَّ فيه
من خلف حجاب الصور، وسبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحب سواه، فإن الحب سببه الجمال
وهو له لأن الجمال محبوب لذاته، والله جميل يحب الجمال فيحب نفسه، وسببه الآخر
الإحسان وما ثم إحسان إلاَّ من الله، ولا محسن إلاَّ الله، فإن أحببت للإحسان فما أحببت إلاَّ
الله فإنه المحسن، وإن أحببت للجمال فما أحببت إلاَّ الله تعالى فإنه الجميل، فعلى كل وجه
ما متعلق المحبة إلاَّ الله، ولما علم الحق نفسه فعلم العالم من نفسه فأخرجه على صورته
فكان له مرآة يرى صورته فيه فما أحب سوى نفسه، فقوله: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية
٣١] على الحقيقة نفسه أحب إذ الاتباع سبب الحب، واتباعه صورته في مرآة العالم سبب
الحب لأنه لا يرى سوى نفسه، وسبب الحب النوافل وهي الزيادات، وصورة العالم زيادة في
الوجود فأحب العالم نافلة فكان سمعه وبصره حتى لا يحب سوى نفسه، وما أغمضها من
مسألة، وما أسرع تفلتها من الوهم، فإنه اتفق في الوجود أمر غريب، وذلك أن ثم أموراً
يتحقق بها العقل ويثبت عليها ولا يتزلزل وتتفلت من الوهم ولا يقدر يبقى على ضبطها مثل
هذه المسألة يثبتها العقل ولا يقدر يزول عنها، وتتفلت من الوهم ولا يقدر على ضبطها، وثم
أمور أخر بالعكس تتفلت من العقل وتثبت في الوهم ويحكم عليها ويؤثر فيها، كمن يعطيه
العقل بدليله أن رزقه لا بدّ أن يأتيه سعى إليه أو لم يسع فيتفلت هذا العلم عن العقل ويحكم
عليه الوهم بسلطانه أنك إن لم تسع في طلبه تمت فيغلب عليه فيقوم يتعمل في تحصيله،
فحقه من جهة عقله زائل، وباطله من جهة وهمه ثابت لا يتزلزل، وكمن يرى حية أو أسداً
على صورة لا يتمكن فيما يغطيه العقل أن يصل ضرره إليه فيغيب عن ذلك الدليل ويتوهم

٤٩٠
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
ضرره فينفر منه ويتغير وجهه وباطنه بحكم الوهم وسلطانه وهذا موجود، فللوهم سلطان في
مواطن، وللعقل سلطان في مواطن.
فلنذكر في هذا الباب إن شاء الله من لوازم الحب ومقاماته ما تيسّر فنقول: إن الحب
تعلّق خاص من تعلّقات الإرادة، فلا تتعلق المحبة إلاَّ بمعدوم غير موجود في حين التعلّق
يريد وجود ذلك المحبوب أو وقوعه، وإنما قلت أو وقوعه لأنها قد تتعلق بإعدام الموجود
وإعدام الموجود في حال كون الموجود موجوداً ليس بواقع، فإذا عدم الموجود الذي تعلقت
به المحبة فقد وقع، ولا يقال وجد الإعدام فإنه جهل من قائله، وقولنا يريد وجود ذلك
المحبوب وأن المحبوب على الحقيقة إنما هو معدوم، فذلك أن المحبوب للمحب هو إرادة
أوجبت الاتصال بهذا الشخص المعين كائناً من كان، إن كان ممّن شأنه أن يعانق فيحب
عناقه، أو ينكح فيحب نكاحه، أو يجالس فيحب مجالسته، فما تعلق حبّه إلاَّ بمعدوم في
الوقت هذا الشخص فيتخيل أن حبّه متعلق بالشخص وليس كذلك، وهذا هو الذي يهيجه
للقائه ورؤيته، فلو كان يحب شخصه أو وجوده في عينه فهو في شخصيته أو في وجوده فلا
فائدة لتعلق الحب به. فإن قلت: إنا كنا نحب مجالسة شخص أو تقبيله أو عناقه أو تأنيسه أو
حديثه ثم نرى تحصل ذلك والحب لا يزول مع وجود العناق والوصال فإذاً متعلق الحب قد
لا يكون معدوماً. قلنا: أنت غالط إذا عانقت الشخص الذي تعلقت المحبة بعناقه أو مجالسته
أو موآنسته، فإن متعلق حبك في تلك حال ما هو بالحاصل وإنما هو بدوام الحاصل
واستمراره، والدوام والاستمرار معدوم ما دخل في الوجود ولا تتناهى مدته، فإذا ما تعلق
الحب في حال الوصلة إلاَّ بمعدوم وهو دوامها وما أحسن ما جاء في القرآن قوله: ﴿ُهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥٤] بضمير الغائب والفعل المستقبل، فما أضاف متعلق الحب إلاّ
الغائب ومعدوم وكل غائب فهو معدوم إضافي.
فمن أوصاف المحبة أن يجمع المحب في حبه بين الضدين ليصحّ كونه على الصورة
لما فيه من الاختيار، وهذا هو الفرق بين الحب الطبيعي والروحاني والإنسان يجمعهما وحده
والبهائم تحب ولا تجمع بين الضدين بخلاف الإنسان، وإنما جمع الإنسان في حبّه بين
الضدين لأنه على صورته وقد وصف نفسه بالضدين وهو قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَّذِرُ
وَالْبَاِنٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] وصورة جمع الحب بين الضدين أن الحب من صفاته اللازمة له
حب الاتصال بالمحبوب، ومن صفاته اللازمة حب ما يحبه المحبوب فيحب المحبوب
الهجر، فإن أحب المحب الهجر فقد فعل ما لا تقتضيه المحبة فإن المحبة تطلب الاتصال،
وإن أحب الاتصال فقد فعل ما لا تقتضيه المحبة، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ولم
يفعل، فالمحب محجوج على كل حال، وغاية الجمع بينهما أن يحب حب المحبوب للهجر
لا الهجر ويحب الاتصال، ولا تخرج هذه المسألة على أكثر من هذا كالراضي بالقضاء فيصح
له اسم الرضا بالقضاء مع كونه لا يرضى بالمقضي إذا كان المقضي به كفراً، كذا ورد الشرع،
وهكذا في مسألة الحب يحب المحب الاتصال بالمحبوب، ويحب حب المحبوب الهجر لا

٤٩١
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
يحب الهجر لأن الهجر ما هو عين حب المحبوب الهجر، كما أن القضاء ما هو عين
المقضي، فإن القضاء حكم الله بالمقضي لا عين المقضي فيرضى بحكم الله، وحب الحيوان
ليس كذلك لأنه حب طبيعي لا روحاني فيطلب الاتصال بمن يحب خاصة ولا يعلم أن
محبوبه له حب في كذا لا علم له بذلك، فلهذا قسمنا الحب الذي هو صفة للإنسان إلى
نوعين: فيه حب طبيعيّ وبه يشارك البهائم والحيوانات، وحب روحانيّ وبه ينفصل ويتميز عن
حب الحيوان، وإذا تقرّر هذا وصل، فاعلم أن الحب منه إلهيّ وروحانيّ وطبيعيّ وما ثم حب
غير هذا، فالحب الإلهيّ هو حب الله لنا وحبنا الله أيضاً قد يطلق عليه أنه إلهيّ، والحب
الروحانيّ هو الذي يسعى به في مرضاة المحبوب لا يبقى له مع محبوبه غرض ولا إرادة بل
هو بحكم ما يراد به خاصة، والحب الطبيعيّ هو الذي يطلب به جميع نيل أغراضه سواء سر
ذلك المحبوب أو لم يسرّه، وعلى هذا أكثر حب الناس اليوم، فلنقدّم أوّلاً الكلام على الحب
الإلهيّ في وصل، ثم يتلوه وصل في الحب الروحانيّ، ثم يتلوه وصل ثالث في الحب
الطبيعيّ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الوصل الأوّل: في الحب الإلهيّ: وهو أن يحبنا لنا ولنفسه أما حبه إيانا لنفسه فهو
قوله: ((أحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتعرّفت إليه فعرفوني)) فما خلقنا إلاّ لنفسه حتى
نعرفه. وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فما خلقنا إلاَّ
لنفسه. وأمّا حبّه إيانا لنا فلما عرفنا به من الأعمال التي تؤدّينا إلى سعادتنا ونجاتنا من الأمور
التي لا توافق أغراضنا ولا تلائم طباعنا، خلق سبحانه الخلق ليسبحوه فنطقهم بالتسبيح له
والثناء عليه والسجود له، ثم عرفنا بذلك فقال: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحْدِهِ﴾ [سورة الإسراء:
الآية ٤٤] أي بالثناء عليه بما هو عليه وما يكون منه، وعرفنا أيضاً فقال: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ
يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السََّوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ صَنَّغَّتٍ كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ [سورة النور: الآية ٤١]
فلزم ذلك وثابر عليه وخاطب بهذه الآية نبيه # الذي أشهده ذلك ورآه فقال له: ﴿أَمْ
تَرَ﴾ ولم يقل: ألم تروا فإنا ما رأينا فهو لنا إيمان وهو لمحمد وَّل عيان، وكذا قال له أيضاً
لما أشهده سجود كل شيء: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالذَّوَآتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] فما ترك أحداً
فإنه ذكر من في السموات ومن في الأرض فذكر العالم العلويّ والسفلّ فأشهده سجود كل
شيء، فكل من أشهده الله ذلك ورآه دخل تحت هذا الخطاب، وهذا تسبيح فطريّ ذاتيّ عن
تجلّ تجلى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي، وهذه هي
العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه، وكذلك قال في أهل
الكشف وهم عامّة الإنس وكل عاقل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ
أَلْيَمِينِ وَالشَّمَآَبِلِ سُبَدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٨] هذا حظ النعيم البصري، ثم
أخبر أن ذلك التفيؤ يميناً وشمالاً أنه سجود لله وصغار وذلة لجلاله فقال: ﴿سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ
دَخِرُونَ﴾ فوصفهم بعقليتهم أنفسهم حتى سجدوا لله داخرين، ثم أخبر فقال متمماً: ﴿وَللَّهِ

٤٩٢
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَآبَةٍ﴾ أي ممّن يدب عليها يقول يمشي وهم يعني
أهل السموات ﴿وَالْمَلَتِكَةُ﴾ يعني التي ليست في سماء ولا أرض، ثم قال: ﴿وَهُمْ لَا
يَسْتَكْرُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٩] يعني عن عبادة ربهم. ثم وصفهم بالخوف ليعلمنا أنهم
عالمون بمن سجدوا له.
ثم وصف المأمورين منهم أنهم يفعلون ما يؤمرون، وهم الذين قال فيهم: ﴿لَّا يَعْصُونَ
اَللََّ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم: الآية ٦] ثم قال في الذين هم عند ربهم ﴿يُسَبِّحُونَ
لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْثَمُونَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣٨] أي لا يملون، كل ذلك يدل على أن
العالم كله في مقام الشهود والعبادة إلاَّ كل مخلوق له قوّة التفكّر وليس إلاَّ النفوس الناطقة
الإنسانية والجانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم، فإن هياكلهم كسائر
العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء البدن كلها بتسبيحه ناطقة، ألا تراها تشهد على
النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل والألسنة والسمع والبصر
وجميع القوى ﴿فَلْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [سورة غافر: الآية ١٢] وهذا كله من حكم حبّه إیانا
لنفسه، فمن وفى شكره، ومن لم يوف عاقبه، فنفسه أحب، وتعظيمه والثناء عليه أحب، وأما
حبّه إيانا لنا فإنه عرّفنا بمصالحنا دنيا وآخرة، ونصب لنا الأدلة على معرفته حتى نعلمه ولا
نجهله، ثم إنه رزقنا وأنعم علينا مع تفريطنا بعد علمنا به وإقامة الدليل عندنا، على أن كل
نعمة نتقلب فيها إنما ذلك من خلقه وراجعة إليه، وإنه ما أوجدها إلا من أجلنا لننعم بها ونقيم
بذلك وتركنا نرأس ونربع. ثم أنه بعد هذا الإحسان التامّ لم نشكره والعقل يقضي بشكر
المنعم، وقد علمنا أنه لا محسن إلاَّ الله، فمن إحسانه أن بعث إلينا رسولاً من عنده معلماً
ومؤدّباً فعلمنا بمالنا في نفسه، فشرع لنا الطريق الموصل إلى سعادتنا وأبانه وحذرنا من الأمور
المردية واجتناب سفساف الأخلاق ومذامها، ثم أقام الدلالة على صدقه عندنا فجاء بالبينات
وقذف في قلوبنا نور الإيمان وحبّبه إلينا وزيّنه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان
فآمنا وصدقنا ثم منّ علينا بالتوفيق فاستعملنا في محابه ومراضيه، فعلمنا أنه لولا ما أحبنا ما
كان شيء من هذا كله، ثم أن رحمته سبقت غضبه وإن شقي من شقي، فلا بدّ من شمول
الرحمة والعناية والمحبة الأصلية التي تؤثر في العواقب.
ولما سبقت المحبة وحقّت الكلمة وعمّت الرحمة وكانت الدار الدنيا دار امتزاج
وحجاب بما قدّره العزيز العليم خلق الآخرة ونقلنا إليها وهي دار لا تقبل الدعاوى الكاذبة،
فأقرّ الجميع بربوبيته هناك، كما أقرّوا بربوبيته في قبضة الذر من ظهر آدم، فكنا في الدار الدنيا
وسطاً بين طرفين: طرفي توحيد وإقرار، وفي الوسط وقع الشرك مع ثبوت الوجود فضعف
الوسط ولذلك قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] فنسبوا العظمة
والكبرياء إلى الله تعالى في شركهم. ثم أخبر تعالى أنه طبع على قلب كل من ظهر في ظاهر
لقومه بصفة الكبرياء والجبروت، وما جعل ذلك في قلوبهم بسبب طابع العناية فهم عند
نفوسهم بما يجدونه من العلم الضروري أذلاء صاغرين لذلك الطابع، فما دخل الكبرياء على

٤٩٣
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
الله قلب مخلوق أصلاً، وإن ظهرت منه صفات الكبرياء فثوب ظاهر لا بطانة له منه، وهذا
كله من رحمته ومحبته في خلقه ليكون المآل إلى السعادة، فلما ضعف الوسط وتقوّى الطرفان
غلب في آخر الأمر وامتلأت الداران وجعل في كل واحدة منهما نعيماً لأهلها يتنعمون به
بعدما طهرهم الله بما نالوه من العذاب لينالوا النعيم على طهارة، ألا ترى المقتول قوداً كيف
يطهره ذلك القتل من ظلم القتل الذي قتل من قتل به فالسيف محاء، وكذلك إقامة الحدود في
الدنيا كلها تطهير للمؤمنين حتى قرصة البرغوت والشوكة يشاكها، وثم طائفة أخرى تقام
عليهم حدود الآخرة في النار ليتطهروا ثم يرحمون في النار لما سبق من عناية المحبة وإن لم
يخرجوا من النار، فحب الله عباده لا يتصف بالبدء ولا بالغاية فإنه لا يقبل الحوادث ولا
العوارض، لكن عين محبته لعباده عين مبدأ كونهم متقدميهم ومتأخریهم إلى ما لا نهاية له،
فنسبة حب الله لهم نسبة كينونته كانت معهم أينما كانوا في حال عدمهم وفي حال وجودهم،
فكما هو معهم في حال وجودهم هو معهم في حال عدمهم لأنهم معلومون له مشاهد لهم
محب فيهم لم يزل ولا يزال لم يتجدد عليه حكم لم يكن عليه بل لم يزل محباً خلقه كما لم
يزل عالماً بهم، فقوله: ((فأحببت أن أعرف)) تعريفاً لنا ممّا كان الأمر عليه في نفسه كل ذلك
كمالاً يليق بجلاله لا يعقل تعالى إلاَّ فاعلاً خالقاً وكل عين فكانت معدومة لعينها معلومة له
محبوباً له إيجادها ثم أخذت له الوجود بل أحدث فيها الوجود بل كساها حلة الوجود فكانت
هي ثم الأخرى ثم الأخرى على التوالي والتتابع من أوّل موجود المستند إلى أولية الحق، وما ثم
موجود آخر بل وجود مستمر في الأشخاص فالآخر في الأجناس والأنواع، وليس الأشخاص
في المخلوقات إلاّ في نوع خاص متناهية في الآخرة وإن كانت الدنيا متناهية، فالأكوان جديدة
لا نهاية لتكوينها لأن الممكنات لا نهاية لها فأبدها دائم كما الأزل في حق الحق ثابت لازم، فلا
أوّل لوجوده فلا أوّل لمحبته عباده سبحانه ذكر المحبة يحدث عند المحبوب عند التعريف
الإلهيّ لا نفس المحبة، القرآن كلام الله لم يزل متكلماً ومع هذا قال معرّفاً: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن
ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم ◌ُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] فحدث عندنا الذكر لا في نفسه من سيدنا ومالكنا
ومصلحنا ومغذينا وما يأتينا ﴿مِّنِ ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ تُحْدَثٍ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٥] فحدث عندنا الذكر من
الرحمن لا في نفسه، فالرحمة والنعمة والإحسان في البدء والعاقبة والمآل، ولم يجر لاسم من
أسماء الشقاء ذكر في الإتيان إنما هو رب أو رحمن ليعلمكم ما في نفسه لكم.
تكملة في الحب الإلهيّ: وهي كوننا نحب الله فإن الله يقول: ﴿ُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [سورة
المائدة: الآية ٥٤] ونسبة الحب إلينا ما هو نسبة الحب إليه والحب المنسوب إلينا من حيث ما
تعطيه حقيقتنا ينقسم قسمين: قسم يقال فيه حب روحاني والآخر حب طبيعيّ، وحبنا الله
تعالى بالحبين معاً وهي مسألة صعبة التصور، إذ ما كل نفس ترزق العلم بالأمور على ما هي
عليه، ولا ترزق الإيمان بها على وفق ما جاء من الله في إخباره عنه، ولذلك امتن الله بمثل
هذا على نبيه وَل﴿ فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ
وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] فنحن بحمد الله ممّن شاء

٤٩٤
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
من عباده وما بقي لنا بعد التقسيم في حبنا إياه إلاَّ أربعة أقسام وهي: إما أن نحبه له أو نحبه
لأنفسنا أو نحبه للمجموع أو نحبه ولا لواحد ممّا ذكرناه، وهنا يحدث نظر آخر وهو لماذا
نحبه، إذ وقد ثبت أنا نحبه فلا نحبه له ولا لأنفسنا ولا للمجموع، فما هو هذا الأمر الرابع؟
هذا فصل، وثم تقسيم آخر وهو وإن أحببناه فهل نحبه بنا أو نحبه به أو نحبه بالمجموع أو
نحبه ولا بشيء ممّا ذكرناه؟ وكل هذا يقع الشرح فيه والكلام عليه إن شاء الله، وكذلك نذكر
في هذه التكملة ما بدء حبنا إياه وهل لهذا الحب غاية فيه ينتهي إليها أم لا؟ فإن كانت له غاية
فما تلك الغاية؟ وهذه مسألة ما سألني عنها أحد إلاَّ امرأة لطيفة من أهل هذا الشأن، ثم نذكر
أيضاً إن شاء الله هل الحب صفة نفسية في الحب أو معنى زائد على ذاته وجوديّ أو هو نسبة
بين المحب والمحبوب لا وجود لها؟ كل ذلك تحتاج إليه هذه التكملة، فاعلم أن الحب لا
يقبل الاشتراك، ولكن إذا كانت ذات المحب واحدة لا تنقسم، فإن كانت مركبة جاز أن يتعلق
حبها بوجوه مختلفة ولكن الأمور مختلفة وإن كانت العين المنسوب إليها تلك الأمور المختلفة
واحدة أو تكون تلك الأمور في كثيرين فيه فتتعلق المحبة بكثيرين فيحب الإنسان محبوبين
كثيرين، وإذا صحّ أن يحبّ المحب أكثر من واحد جاز أن يحب الكثير كما قال أمير
المؤمنين : [الكامل]
وحَلَلْن من قلبي بكلْ مَكَانٍ
ملكُ الثَّلاث الآنساتِ عَنَاني
هنا سرّ خفي في قوله عناني فأفرد وما أعطى لهؤلاء المحبوبين من نفسه أعنة مختلفة،
فدلّ أن هذا المحب وإن كان مركباً فما أحب إلاَّ معنى واحداً قام له. في هؤلاء الثلاثة أي
ذلك المعنى موجود في عين كل واحدة منهن، والدليل على ذلك قوله في تمام البيت:
وحللن من قلبي بكل مكان، فلو أحب من كل واحدة معنى لم يكن في الأخرى لكان العنان
الذي يعطي لواحدة غير العنان الذي يعطي الأخرى، ولكان المكان الذي تحلّه الواحدة غير
المكان الذي تحلّه الأخرى، فهذا واحد أحب واحداً، وذلك الواحد المحبوب موجود في
كثيرين فأحبّ الكثير لأجل ذلك، وهذا كحبّنا الله تعالى له، ومنا من يحبه لنفسه ومنّا من يحبه
للمجموع وهو أتم في المحبة لأنه أتم في المعرفة بالله والشهود، لأن منّا من عرفه في الشهود
فأحبه للمجموع ومنّا من عرفه لا في الشهود ولكن في الخبر فأحبّه له، ومنا من عرفه في النعم
فأحبّه لنفسه، ومنّا من أحبه للمجموع وذلك أن الشهود لا يكون إلاّ في صورة والصورة مركبة
والمحب ذو صورة مركبة فيسمع من وجه فيحبه للخبر مثل قوله على لسان نبيّه: هل واليت
لي ولياً أو عاديت فيّ عدوّاً؟ فإذا أحببت الأشياء من أجله وعاديت الأشياء من أجله فهذا معنى
حبّنا له ليس غير ذلك، فقمنا بجميع ما يحبه منّا أن نقوم به عن طيب نفس، ويكون من لا
يشاهده من صورتي في حكم التبع كما هي الجوارح منّا وحيوانيتنا بحكم النفس الناطقة لا
تقدر على مخالفتها لأنها كالآلات لها تصرّفها كيف تريد في مرضاة الله وفي غير مرضاته.
وكل جزء من جوارح الإنسان إذا ترك بالنظر إلى نفسه لا يتمكن له أن يتصرّف إلاَّ فيما
يرضي الله فإنه له وجميع ما في الوجود بهذه المثابة إلاّ الثقلان وهو قوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا

٤٩٥
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
يُسَّبِعُ بِحْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] يريد بذلك التسبيح الثناء على الله لا للجزاء لأنه في عبادة
ذاتية لا يتصوّر معها طلب مجازاة، فهذا من حبّه له سبحانه، إلا بعض النفوس الناطقة لما
جعل لها في معرفة الله القوّة المفكرة لم تفطر على العلم بالله ولهذا قبض عليها في قبض
الذرية من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم شهادة قهر فسجدت لله كرهاً لا طوعاً من أجل
القبض عليها، ثم أرسلها مسرّحة من تلك القبضة الخاصة وهي مقبوض عليها من حيث لا
تشعر فتخيلت أنها مسرّحة، فلما وجدت مدبرة لهذا الهيكل المظلم جرت في الأمور بحسب
ما يعطيها غرضها لا تحب من الأمور إلاَّ ما يلائم طبعها، وغفلت عن مشهد الإقرار بالربوبية
عليها لموجدها، فبينا هي كذلك إذ قالت لها القوّة المفكرة: جميع القوى قد استعملتها
وغفلت عني وتركتني وأنا من بعض آلاتك وما لك بي عناية فاستعمليني فقالت لها: نعم لا
تؤاخذيني فإني جهلت رتبتك وقد أذنت لك في التصرّف فيما تعطيه حقيقتك حتى أتحقق بما
أنت عليه فأصرّفك فيه وأستعملك، فقالت: سمعاً، ثم ردّت وجهها القوّة الفكرية إليها
كالمعلمة وقالت لها: لقد غفلت عن ذاتك وعن وجودك أنت لم تزالي هكذا موجودة لذاتك
أو لم تكوني ثم كنت، قالت النفس: لم أكن ثم كنت، قال الفكر: فهذا الذي كوّنك عينك أو
غيرك فكري وحققي واستعمليني فلهذا العمل أنا، ففكرت النفس فعلمت بما أعطاها الدليل
أنها لم توجد لعينها وأنها موجودة لغيرها، فالفقر للموجد لها ذاتيّ بما تجده في نفسها ممّا
يقوم بها من الآلام الطبيعية فتفتقر إلى الأسباب المعتادة لإزالة تلك الآلام، فبذلك الافتقار
علمت أنها فقيرة في وجود لعينها للسبب الموجد لها، فلما ثبت لها حدوثها وثبت أن لها سبباً
أوجدها ثم فكرت فعلمت أن ذلك السبب لا ينبغي أن يشبهها فيكون فقيراً مثلها وأنه لا يناسب
هذه الأسباب المزيلة لآلامها لمشاهدتها حدوث هذه الأسباب بعد أن لم تكن وقبولها
للاستحالات والفساد فثبت عندها أن لها موجداً أوجدها، وأوجد كل من يشبهها من الحوادث
والأسباب المزيلة لآلامها فتنبهت أن ثم أمراً ما لولاه لبقيت ذات مرض وعلة، فمن رحمته بها
أوجد لها هذه الأسباب المزيلة آلامها، وقد كانت تحب هذه الأسباب وتجري إليها بالطبع
فانتقل تعلق ذلك الحب في السبب الموجد تلك الأسباب وقالت: هو أولى بي أن أحبه ولكن
لا أعلم ما يرضيه حتى أعامله به، فحصل عندها حبّه فأحبته لما أنعم عليها من وجودها وجود
ما يلائمها، وهنا وقفت وهي في ذلك كله غافلة ناسية إقرارها بربوبية موجدها في قبضة الذر،
فبينا هي كذلك إذ جاءها داع من خارج من جنسها ادّعى أنه رسول من عند هذا الذي أوجدها
فقالت له: أنت مثلي وأخاف أن لا تكون صادقاً فهل عندك من يصدقك؟ فإن لي قوّة مفكرة
بها توصلت إلى معرفة موجدي، فقام لها بدليل يصدقه في دعواه ففكرت فيه إلى أن ثبت
صدقه عندها فآمنت به، فعرّفها أن ذلك الموجد الذي أوجدها كان قد قبض عليها وأشهدها
على نفسها بربوبيته وأنها شهدت له بذلك فقالت: ما عندي من ذلك خبر ولكن من الآن أقوم
بواجب ذلك الإقرار فإنك صادق في خبرك ولكن ما أدري ما يرضيه من فعلي، فلو حددت
حدوداً، ورسمت لي مراسم أقف عندها حتى تعلم أني ممّن وفى بشكره على ما أنعم به عليّ

٤٩٦
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
فرسم لها ما شرع فقامت بذلك شكراً، وإن خالف غرضها ولم تفعل ذلك خوفاً ولا طمعاً لأنه
لما رسم لها ما رسم ابتداء وعرفها أن وقوفها عند تلك المراسم يرضيه وما ذكر لها ما لها في
ذلك من الثواب وما عليها إن خالفت من العقاب فبادرت هذه النفس الزكية لمراضيه في ذلك
فقالت: لا إله إلاَّ الله كما قيل لها، ثم بعد ذلك عرفها بما لها في ذلك من الثواب الجزيل
والإنعام التام، وما لمن خالف شرعه من العقاب فانضاف إلى عبادتها إياه حباً ورضى خاصة
عبادة أخرى تطلبها رغبة في الثواب ورهبة من العقاب، فجمعت في عبادتها بين أمرين: بين
عبادة له وعبادة رغبة ورهبة، فأحبته له ولنفسها من حيث ما هي كثيرة بطبيعتها وروحانيتها،
فتعلقت الرغبة والرهبة من حيث طبيعتها وتعلقت عبادتها إياه محبة له من روحانيتها، فإن
أحبت شيئاً من الموجودات سواه فإنما تحبه من روحانيتها له ومن طبيعتها النيل غرضها .
فلما رآها الحق على ذلك وقد علم أن من حقيقتها الانقسام وقد جمعت بين الحبين وهو
قد وصف نفسه بالغيرة فلم يرد المشاركة وأراد أن يستخلصها لنفسه فلا تحب سواه، فتجلّى لها
في صورة طبيعية وأعطاها علامة لا تقدر على إنكارها في نفسها وهي المعبر عنها بالعلم
الضروري، فعلمت أنه هو هذه الصورة فمالت إليه روحاً وطبعاً، فلما ملكها وعلم أن الأسباب
لا بدّ أن تؤثر فيها من حيث طبيعتها أعطاها علامة تعرفه بها ثم تجلى لها بتلك العلامة في جميع
الأسباب كلها فعرفته فأحبت الأسباب من أجله لا من أجلها فصارت بكلها له لا لطبيعتها ولا
لسبب غيره، فنظرته في كل شيء فزهت وسرّت ورأت أنها قد فضلت غيرها من النفوس بهذه
الحقيقة فتجلى لها في عين ذاتها الطبيعية والروحانية بتلك العلامة، فرأت أنها ما رأته إلاَّ به لا
بنفسها وما أحبته إلاَّ به لا بنفسها، فهو الذي أحبّ نفسه ما هي أحبته، ونظرت إليه في كل
موجود بتلك العين عينها فعلمت أنه ما أحبه غيره، فهو المحب والمحبوب والطالب
والمطلوب، وتبين لها بهذا كله أن حبّها إياه له ولنفسها فما شاهدته في هذه المرتبة الأخرى من
حبّها إياه إنما كان به لا بها ولا بالمجموع، وما ثم أمر زائد إلاَّ العدم.
فأرادت أن تعرف ما قدر ذلك الحب وما غايته فوقفت على قوله: كنت كنزاً لم
أعرف فأحببت أن أعرف وقد عرفته لما تجلى لها في صورة طبيعية فعلمت أنه يستحق من
تلك الصورة التي ظهر لها فيها اسم الظاهر والباطن، فعلمت أن الحب الذي أحب به أن
يعرف إنما هو في الباطن المنسوب إليه، وعلمت أن المحب من شأنه إذا قام بالصورة أن
يتنفس لما في ذلك التنفس من لذة المطلوب، فخرج ذلك النفس عن أصل محبة في
الخلق الذي يريد التعرف إليهم ليعرفوه، فكان العماء المسمّى بالحق المخلوق به، فكان
ذلك العماء جوهر العالم، فقبل صور العالم وأرواحه وطبائعه كلها وهو قابل إلى ما لا
يتناهی، فهذا بدء حبه إیانا .
وأما حبنا إياه فبدؤه السماع لا الرؤية وهو قوله لنا ونحن في جوهر العماء: ﴿كُنْ﴾
فالعماء من نفسه والصور المعبر عنها بالعالم من كلمة ﴿كُنْ﴾ فنحن كلماته التي لا تنفد، قال
تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ وهي عيسى ﴿وَرُوعُ مِنْهُ﴾ [سورة النساء: الآية ١٧١] وهو

٤٩٧
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
النفس، وتلك الحقيقة سارية في الحيوان، فإذا أراد الله إماتته أزال عنه النفس، فبالنفس كانت
حياته، وسيأتي في باب النفس صور التكوينات عنه في العالم، فلما سمعنا كلامه ونحن
ثابتون في جوهر العماء لم نتمكن أن نتوقف عن الوجود فكنا صوراً في جوهر العماء فأعطينا
بظهورنا في العماء الوجود للعماء بعدما كان معقولي الوجود حصل له الوجود العيني، فهذا
كان سبب بدء حبنا إياه، ولهذا نتحرك ونطيب عند سماع النغمات لأجل كلمة ﴿كُنْ﴾ الصادرة
من الصورة الإلهية غيباً وشهادة، فشهادة صورة كلمة ﴿كُنْ﴾ إثنان: كاف ونون، وهكذا عالم
الشهادة له وجهان: ظاهر وباطن، فظاهره النون وباطنه الكاف، ولهذا مخرج الكاف في
الإنسان أدخل لعالم الغيب فإنه من آخر حروف الحلق بين الحلق واللسان والنون من حروف
اللسان وغيب هذه الكلمة هو الواو بين الكاف والنون وهي من حروف الشفتين فلها الظهور
وهي حرف علة لا حرف صحيح، ولهذا وجد عنه التكوين لأنه حرف علة، ولما كان من
حروف الشفتين بامتداد النفس من خارج الشفتين إلى ظاهر الكون لهذا كان ظهور الحكم في
الجسم للروح، فظهرت منه الأفعال والحركات من أجل روحه، وكان روحه غيباً لأن الواو لا
وجود لها في الشهادة لأنها حذفت لسكونها وسكون النون فهي تعمل من خلف الحجاب فهي
غائبة العين ظاهرة الحكم، فغاية حبنا إياه أن نعلم حقيقة ما حبنا؟ هل هو صفة نفسية للمحب
أو معنوية فيه؟ أو نسبة بين المحب والمحبوب وهي العلاقة التي تجذب المحب لطلب
الوصلة بالمحبوب؟ فقلنا: هي صفة نفسية للمحب. فإن قيل: نراها تزول. قلنا: من المحال
زوالها إلاَّ بزوال المحب من الوجود والمحب لا يزول من الوجود فالمحبة لا تزول، وإنما
الذي يعقل زواله إنما هو تعلقه بمحبوب خاص يمكن أن يزول ذلك التعلّق الخاص، وتزول
تلك العلاقة بذلك المحبوب المعين، وتتعلق بمحبوب آخر وهي متعلقة بمحبوبین کثیرین،
فتنقطع العلاقة بين المحب ومحبوب خاص وهي موجودة في نفسها فإنها عين المحب فمن
المحال زوالها، فالحب هو نفس المحب وعينه لا صفة معنى فيه يمكن أن ترتفع فيرتفع
حكمها، فالعلاقة هي النسبة بين المحب والمحبوب، والحب هو عين المحب لاغيره، فصف
بالحب من شئت من حادث وغيره فليس الحب سوى عين المحب، فما في الوجود إلاَّ محب
ومحبوب، لكن من شأن المحبوب أن يكون معدوماً ولا بدّ فيجب إيجاد ذلك المعدوم أو
وقوعه في موجود ولا بدّ لا في معدوم، هذا أمر محقق لا بدّ منه، فالعلاقة التي في المحب
إنما هي في ذلك الموجود الذي يقبل وجود ذلك المحبوب أو وقوعه لا وجوده إذا كان
المحبوب لا يمكن أن يتصف بالوجود ولكن يتصف بالوقوع، مثال ذلك أن يحب إنسان
إعدام أمر موجود لما في وجوده من الضرر في حقّه كالألم فإنه أمر وجودي في المتألم فيحب
إعدامه فمحبوبه الإعدام وهو غير واقع، فإذا زال الألم فإزالته عدمه بعد وجوده بانتقاله إلى
العدم، فلهذا قلنا في مثل هذا بالوقوع لا بالوجود، فالمحبوب معدوم أبداً ولا تصح محبة
الموجود جملة واحدة إلاَّ من حيث العلاقة إذ لا تتعلق إلاَّ بموجود يظهر فيه وجود ذلك
المحبوب المعدوم، وقد بيّناه قبل هذا في هذا الباب، فقد تبين لك في هذه التكلمة ماهية
٠٠١١-٠١١٠١

٤٩٨
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
الحب وبدؤه وغايته وبما أحب المحب وحبه لمحبوبه أو لنفسه، كل ذلك قد تبين، فلنعدل
إلى الكلام في الوصل الثاني إن شاء الله تعالى، فقد حصل في الحب الإلهيّ ما فيه غنية على
قدر الوقت. انتهى الجزء الثالث عشر ومائة .
(الجزء الرابع عشر ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرّحمةِ
الوصل الثاني: في الحب الروحاني وهو الحب الجامع في المحب أن يحب محبوبه
لمحبوبه ولنفسه، إذ كان الحب الطبيعيّ لا يحب المحبوب إلا لأجل نفسه. فاعلم أن الحب
الروحاني إذا كان المحب موصوفاً بالعقل والعلم كان بعقله حكيماً وبحكمته عليماً، فرتب
الأمور ترتيب الحكمة ولم يتعد بها منازلها، فتعلم إذا أحب ما هو الحب وما معنى المحب
وما حقيقة المحبوب وما يريد من المحبوب وهل لمحبوبه إرادة واختيار فيحب ما يحب
المحبوب أم لا إرادة له فلا يحب إلاَّ لنفسه؟ أو الموجود الذي لا يريد وجود محبوبه إلاَّ في
عين ذلك الموجود، فبهذا القدر نقول في الموجود أنه محبوب وإن لم يكن إلاَّ فيه لا عينه،
فذلك الموجود إن كان ممّن يتصف بالإرادة فيمكن أن يحبه له لا لنفسه، وإن لم يتصف
بالإرادة فلا يحب المحب محبوبه إلاَّ لنفسه أعني لنفس المحب لا لمحبوبه، فإن محبوبه غير
موصوف بأن له محبة في شيء أو غرضاً، لكن الذي يوجد فيه هذا المحبوب قد يكون ذا
إرادة فيتعين على المحب أن يحب محبوب ذلك الموجود فيحبه له، ولكن بحكم التبع هذا
تعطيه المحبة فإن المحب يطلب بذاته الوصلة بعد طلبه وجود محبوبه فإن عين وجود محبوبه
عين وصلته لا بدّ من ذلك وهو قولنا: [المتقارب]
زمانُ الودادِ كُلُوا واشْرَبُوا
زمانُ الوجودِ زمانُ الوصالْ
وهذا البيت من قصيدة لنا في مجلى حقيقة تجلت لنا في حضرة شهودية وهي :
[المتقارب]
وليس لنا غَيْرَها مَذْهَبُ
تعجَّبْتُ من زينبٍ في الهوى
أنار الحَشَى فانْجَلَى الْغَيْهَبُ
فلما تَجَلَّى لنا نورُ مَنْ
بها والهوى أبداً مُشْعِبُ
بذلتُ لها نَفْسَها ضِنَّةً
ونَيْلِ المُنَى أَمَدٌ يُضْرَبُ
فلم يَكُ بين حُصول الهَوَى
لأنه عندما يحصل الهوى يقع التنفس والتنهد فيخرج النفس بشكل ما تصوّر في نفس
المحب من صورة المحبوب فيظهره صورة من خارج يشاهدها فيحصل له مقصوده ونعيمه بها
من غير زمان كما تقدم في ذكر وجود العماء فتممنا وقلنا بعد هذا في القصيدة عينها:
[المتقارب]
ومن مثل ذا يَنْبَغي تَعْجَبُوا
تعجَّبْتُ من رحمة الله بي
زمانُ الوصالِ كلوا واشْرِبُوا
زمانُ الوداد زمانُ الوجودِ

٤٩٩
في المعاملات/ الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
وأينَ الهُيَامُ ألا فاعْجَبُوا
فأينَ الغَرامُ وأينَ السَّقَامُ
فليست إلى أحدٍ تُنْسَبُ
مطهَّرَةُ الثَّوْبِ مَخْجُوبةٌ
فإن المحبوب كما قلنا لا بدّ أن يكون معدوماً وفي حال عدمه فهو طاهر الثوب في أوّل
ما يوجد لأنه ما اكتسب منه ممّا يشينه ويدنسه في أوّل ظهوره ووجوده، فالأصل الطهارة وهو
قوله: ((كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ)) وهي الطهارة. وقولنا: محجوبة هو عدمها الذي قلنا من
شهود الوجود. وقولنا: فليست إلى أحد تنسب لأن المعدوم لا ينسب ولكن المحب يطلبه
لنفسه، ثم تممنا فقلنا وهو آخر القصيدة: [المتقارب]
هي البِكْرُ لي وأنا الثَّيِّبُ
فقد وَجَبَ الشُّكْرُ الله إذ
لأن المحبوب وجد عن عدم فهو بكر، وقد كنت أحببت قبل ذلك فأنا ثيب، فإذا كان
المحبوب الذي هو المعدوم إذا وجد لا يوجد في موجود يتصف بالإرادة لم يتصف هذا
المحب بأنه يريده له فيحبه لنفسه بالضرورة كالحب الطبيعيّ، فإذا كان المحبوب لا يوجد إلاَّ
في موجود متصف بالإرادة كالحق تعالى أو جارية أو غلام وما ثم من يتعلق به حب المحب
إلاَّ من ذكرناه فحينئذ يصحُّ أن يحب ما يحب هذا الموجود الذي لا يوجد محبوبه إلاَّ فيه، فإن
اتفق أن يكون ذلك لا يريد ما أحب هذا المحب بقي المحب على أصله في محبته محبوبه لأن
محبوبه ما له إرادة كما قلنا، فلا يلزم من هذا أن يحب ما أحب هذا الموجود الذي لا يحب ما
يحبه هذا المحب، إذ كان ذلك الموجود ما هو عين المحبوب وإنما هو محل لوجود ذلك
المحبوب، وليس في قوّة المحب إيجاد ذلك المحبوب في هذا الوجود إلاَّ إن أمكنه من نفسه.
وأما إن كان المحبوب ممّن لا يكون وجوده في موجود فلا يتمكن له إيجاد المحبوب
البتة إلاَّ أن تقوم من الحق به عناية فيعطيه التكوين كعيسى عليه السلام ومن شاء الله من عباده،
فإذا أعطى هذا فبالضرورة يحمله الحب على إيجاد محبوبه، وهذه مسألة لا تجدها محققة
على ما ذكرناه فيها في غير هذا الكتاب، لأني ما رأيت أحداً حقق فيها ما ذكرناه وإن كان
المحبون كثيرين بل كل من في الوجود محب ولكن لا يعرف متعلق حبه، وينحجبون
بالموجود الذي يوجد محبوبه فيه فيتخيلون أن ذلك الموجود محبوبهم وهو على الحقيقة
بحكم التبعية، فعلى الحقيقة لا يحب أحد محبوباً لنفس المحبوب وإنما يحبه لنفسه هذا هو
التحقيق، فإن المعدوم لا يتصف بالإرادة فيحبه المحب له ويترك إرادته لإرادة محبوبه، ولما
لم يكن الأمر في نفسه على هذا لم يبق إلاَّ أن يحبه لنفسه فافهم.
فهذا هو الحب الروحاني المجرد عن الصورة الطبيعية فإن تلبس بها وظهر فيها كما قلنا
في الحب الإلهيّ وهو في الروحانيّ أقرب نسبة لأنه على كل حال صورة من صور العالم،
وإن كان فوق الطبيعة فاعلم أنه إذا قبل الروح الصورة الطبيعية في الأجساد المتخيلة لا في
الأجسام المحسوسة التي جرت العادة بإدراكها فإن الأجساد المتخيلة أيضاً معتادة الإدراك،
لكن ما كل من يشهدها يفرق بينها وبين الأجسام الحقيقية عندهم، ولهذا لم يعرف الصحابة
جبريل حين نزل في صورة أعرابيّ، وما علمت أن ذلك جسد متخيل حتى عرّفهم النبي وَّر

٥٠٠
في المعاملات / الباب الثامن والسبعون ومائة في معرفة مقام المحبة
لما قال لهم: هذا جبريل ولم يقم بنفسهم شك أنه عربي، وكذلك مريم حين تمثل لها الملك
بشراً سوياً لأنه ما كانت عندها علامة في الأرواح إذا تجسدت، وكذا يظهر الحق لعباده يوم
القيامة فيتعوّذون منه لعدم معرفتهم به، فكان الحكم في الجناب الإلهيّ والروحاني في الصور
سواء في حق المتجلى له من الجهل به، فلا بدّ لمن اعتنى الله به من علامة بها يعرف تجلي
الحق من تجلي الملك من تجلي الجان من تجلي البشر إذا أعطوا قوّة الظهور في الصور
كقضيب البان وأمثاله، فإذا كان البشر بهذه النشأة الترابية العنصرية له قوة التحوّل في الصور
في عين الرائي وهو على صورته فهذا التحوّل في الأرواح أقرب، فاعلم من ترى وبماذا ترى
وما هو الأمر عليه؟ وقد بيّنا ذلك في باب المعرفة في علم الخيال فانظره هناك، فإذا تجلّى
الروح في صورة طبيعية مشى الحكم عليها كما ذكرناه في الحب الإلهي، سواء من حيث قبول
تلك الصورة للظاهر والباطن لا تعدل عن ذلك المجرى فاعلم ذلك، فيجمع الروحاني بين
الحب الطبيعي والروحاني وبين الحب لنفسه ولمحبوبه إن كان محبوبه كما قلنا ذا إرادة،
ويتبين لك بما قررناه أن الناس لا يعرفون ما يحبون، وأنه يندرج محبوبهم في موجود ما
فيتخيلون أنهم يحبون ذلك الموجود وليس كذلك، فاعلم قدر ما أعلمتك به واشكر الله حيث
خلصك من الجهل بي، وهذا القدر كاف في الغرض المقصود، فإن فيه تفاريع كثيرة وغرضنا
في هذا الكتاب تحصيل الأصول والحمد لله .
الوصل الثالث: في الحب الطبيعي وهو نوعان: طبيعي وعنصري، ونسينا أن نذكر غاية
الحب الروحاني فلنذكره في الحب الطبيعي لتعلقه بالصورة الطبيعية فغايته الاتحاد، وهو أن
تصير ذات المحبوب عين ذات المحب، وذات المحب عين ذات المحبوب وهو الذي تشير
إليه الحلولية ولا علم لها بصورة الأمر، فاعلم أن الصورة الطبيعية على أي حال كان ظهورها
جسماً أو جسداً بأي نسبة كانت فإن المحبوب الذي هو المعدوم وإن كان معدوماً فإنه ممثل
في الخيال فله ضرب من ضروب الوجود المدرك بالبصر الخيالي في الحضرة الخيالية بالعين
الذي تليق بها، فإذا تعانق الحبيبان وامتص كل واحد منهما ريق صاحبه وتخلل ذلك الريق في
ذات كل واحد من الحبيبين وتنفس كل واحد من الصورتين عند التقبيل والعناق فخرج نفس
هذا فدخل في جوف هذا ونفس هذا في جوف هذا وليس الروح الحيواني في الصور الطبيعية
سوى ذلك النفس وكل نفس فهو روح كل واحد من المتنفسين وقد حيي به من قبله في حال
التنفيس والتقبيل فصار ما كان روحاً لزيد هو بعينه يكون روحاً لعمرو، وقد كان ذلك النفس
خرج من حب فتشكل بصورة حب فصحبته لذة المحبة، فلما صار روحاً في هذا الذي انتقل
إليه، وصار نفس الآخر روحاً في هذا الآخر عبر عن ذلك بالاتحاد في حق كل واحد من
الشخصين وصحّ له أن يقول: أنا من أهوى ومن أهوى أنا. وهذا غاية الحب الروحاني في
الصور الطبيعية وهو قوله في القصيدة في أوّل هذا الباب: روحاً بروح وجثماناً بجثمان.
ثم نرجع إلى الحب الطبيعي فنقول: إن الحب الطبيعيّ هو العام، فإن كل ما تقدّم من
الحب في الموصوفين به قبلوا الصور الطبيعية على ما تعطيه حقائقهم، فاتصفوا في حبهم بما