Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ في المعاملات/ الباب الخامس والخمسون ومائة في معرفة مقام النبوة وأسرارها جعل له شرعة من دليله ومنهاجاً وهو عين دليله في إثبات الحكم، ويحرم عليه العدول عنه، وقرّر الشرع الإلهيّ ذلك كله. فحرّم الشافعيّ عين ما أحلّه الحنفيّ وأجاز أبو حنيفة عين ما منعه أحمد بن حنبل. فأجاز هذا ما لم يجز هذا: فاتفقوا في أشياء واختلفوا في أشياء، وكل في هذه الأمة شرع مقرّر لنا من عند الله، مع علمنا أن مرتبتهم دون مرتبة الرسل الموحى إليهم من عند الله. فالنبوّة والرسالة من حيث عينها وحكمها ما نسخت، وإنما انقطع الوحي الخاص بالرسول والنبيّ من نزول الملك على أذنه وقلبه وتحجير لفظ اسم النبيّ والرسول، فلا يقال في المجتهد إنه نبيّ ولا رسول، كما حجر الاجتهاد على الأنبياء فيما شرعه، والمجتهد وإن كان يرشد الناس بما أدّاه إليه دليله واجتهاده فلا يطلق عليه هذا الاسم فهو لفظ خاص بالأنبياء والرسل ما هو الله ولا للأولياء بل هو اسم خاص للعبودية التي هي عين القرب من السيد وعدم مزاحمة السيد في رتبته بخلاف الولاية فإن العبد مزاحم له في اسم الولي تعالى، ولهذا شقّ على المستخلصين من العبيد انقطاع اسم النبيّ واسم الرسول لما كان من خصائصها ولم يكن له في الأسماء الإلهية عين. وإذا كانت النبوّة نعتاً إلهياً في أحكامها ومنها أوجب الحق على نفسه ما أوجب لأن الوجوب للشرع ما هو لغير الشرع فقال: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٤] هذا من حكم الشرع فاعلم ذلك وتثبت في معرفة ما ذكرناه فإنه سهل المرتقى صعب النزول عنه، هكذا رأيته في الواقعة ليلة أردت أن أقيد هذا الباب، فما تكلمنا في هذا الباب بما تكلمنا به إلاَّ بما شاهدناه في الواقعة ورأينا فيها باب اسم الرسول والنبيّ مغلقاً على يميني والمعراج بإدراجه منه إلى الطريق الشارع الذي يمشي الناس عليه وأنا عند الباب واقف وليس فوق ذلك المقام الذي أوقفني الحق فيه مقام لأحد إلاَّ ما في داخل ذلك المغلق الموثق الغلق ومع غلقه ما ينحجب عني ما وراءه إلاَّ أنه لا قدم لأحد فيه إلاَّ الكشف، ولقد طلع إلي شخص فلما وصل بسهولة ورآه توعر عليه النزول وحار ولم يقدر على الثبات فيه فتركني وسلك الطريق الذي عليه جئت أنا إلى ذلك الموضع وراح وتركني راجعاً، واستيقظت على هذه الحالة فقيدت ما أودعته في هذا الباب، ورأيت في هذه الليلة رسول الله وَ ل وهو يكره إدخال الجنازة في المسجد، ويكره أيضاً أن يستر الميت من الذكران بثوب زائد على كفنه، وأمر أن يسلب عنه ويترك على نعشه في كفنه وأن لا يستر في تابوت أصلاً، وأمرني إذا كان البرد أن أسخن الماء للغسل من الجنابة ولا أصبح على جنابة، ورأيته يشكر على الجماع ويستحسن ذلك من فاعله، هذا كله رأيته في هذه الليلة. ورأيت أحمد بن حنبل في هذه الليلة وذكرت له أن رسول الله وكل أمرني أن أسخن الماء للغسل من الجنابة فقال لي: هكذا ذكر البخاري أنه رأى النبيّ وَلّ في النوم فأمره بذلك. ورأى الفربري البخاري في النوم فأمره بذلك. ورآني الفربري في النوم وعلمت أنه رآني في النوم ورأيته أنا في نومه فذكر لي أن البخاري ذكر له هذا فعلمته أنا من قول الفربري وثبت عندي، وها أنا في النوم قد قلته لك فاعمل به، واستيقظت فأمرت أهلي أن يسخنوا لي ماء واغتسلت مع الفجر وهذه كلها من المبشرات. ٣٨٢ في المعاملات / الباب الخامس والخمسون ومائة في معرفة مقام النبوة وأسرارها وأما النبوّة التي هي غير مهموزة فهي الرفعة ولم يطلق على الله منها اسم ولها في الإله اسم رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده. ولها أيضاً الاسم العلي والأعلى وهي النبوة المهموزة وهي مولدة عن النبوّة التي هي الرفعة، فالقصر الأصل والمد زيادة، ألا ترى العرب في ضرورة الشعر تجوز قصر الممدود لأنه رجوع إلى الأصل، ولا تجوز مدّ المقصور لأنه خروج عن الأصل، والروح بينه تعالى وبين من شاء من عباده بالبشارة والنذارة، وللأولياء في هذه النبوّة مشرب عظيم كما ذكرنا ولا سيما والنبيّ وَّ قد قال فيمن حفظ القرآن: ((إن النبوّة قد أدرجت بين جنبيه)) فإنها له غيب وهي للنبيّ شهادة، فهذا هو الفرقان بين النبيّ والوليّ في النبوّة، فيقال فيه نبيّ، ويقال في الوليّ وارث، والوراثة نعت إلهيّ فإنه قال عن نفسه: ﴿خَيْرُ الْوَرِثِنَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٨٩] فالولي لا يأخذ النبوّة من النبيّ إلاّ بعد أن يرثها الحق منهم ثم يلقيها إلى الوليّ ليكون ذلك أتم في حقه حتى ينتسب في ذلك إلى الله لا إلى غيره، وبعض الأولياء يأخذونها وراثة عن النبيّ وهم الصحابة الذين شاهدوه أو من رآه في النوم، ثم علماء الرسوم يأخذونها خلفاً عن سلف إلى يوم القيامة فيبعد النسب. وأما الأولياء فيأخذونها عن الله تعالى من كونه ورثها وجاد بها على هؤلاء فهم أتباع الرسل بمثل هذا السند العالي المحفوظ الذي ﴿لَّا يَأْيِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢]. قال أبو يزيد: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت. قال الله تعالى لنبيّه وَّ ﴿ في مثل هذا المقام لما ذكر الأنبياء عليهم السلام في سورة الأنعام: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُّ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠] وكانوا قد ماتوا وورثهم الله وهو خير الوارثين. ثم جاد على النبيّ ◌َّو بذلك الهدى الذي هداهم به فجعله وصل﴿ مقتدياً بهداهم والموصل الله، ونعم السند ونعم المولى ونعم النصير. وهذا عين ما قلناه في علم الأولياء اليوم بهدي النبيّ وَّر وهدي الأنبياء أخذوه عن الله ألقاه في صدورهم من لدنه رحمة بهم وعناية سبقت لهم عند ربهم كما قال في عبده الخضر: ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَّا عِلْمًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٥] وهذه النبوّة سارية في الحيوان مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ﴾ [سورة النحل: الآية ٦٨] وكلهم بهذه المثابة، فمن علمه الله منطق الحيوانات وتسبيح النبات والجماد وعلم صلاة كل واحد من المخلوقات وتسبيحه علم أنّ النبوّة سارية في كل موجود يعلم ذلك أهل الكشف والوجود، لكنه لا ينطلق من ذلك اسم نبيّ ولا رسول على واحد منهم إلاَّ على الملائكة خاصة الرسل منهم وهم المسمّون ملائكة، وكل روح لا يعطي رسالة فهو روح لا يقال فيه ملك إلاَّ مجازاً كالأرواح المخلوقة من أنفاس المؤمنين الذاكرين الله يخلق الله من أنفاسهم أرواحاً يستغفرون لصاحب ذلك الذكر إلى يوم القيامة، وكذلك من أعمالهم كلها المحمودة التي فيها أنفاسهم، ولقد رأيتهِ وَّل في مبشرة وهو يقول ويشير إلى الكعبة: يا ساكني هذا البيت لا تمنعوا أحداً طاف به وصلَّى في أي وقت شاء من ليل أو نهار، فإن الله يخلق له من صلاته ملكاً يستغفر له إلى يوم القيامة، وهؤلاء كلهم أرواح مطهرة، فمن أرسل منهم في أمر سمّي ملكاً. ٣٨٣ في المعاملات / الباب السادس والخمسون ومائة في معرفة النبوة البشرية وأسرارها الباب السادس والخمسون ومائة في معرفة النبوّة البشرية وأسرارها [نظمم: البسيط] مُقَيَّدين بأرواحٍ وأشْباحٍ إن النبوَّة إخبارٌ لأرواحٍ بكل وَجْهٍ من التَّشْرِيعِ وَضَّاحِ لها القُصُورُ عليهم كلما وَرَدَثَ بما يكون مِنَّ اتْراحِ وأفراحٍ وقد تكون بلا شَرْعِ مُخَبِّرةً اعلم أن النبوّة البشرية على قسمين: قسم من الله إلى عبده من غير روح ملكي بينّ الله وبين عبده، بل إخبارات إلهيّة يجدها في نفسه من الغيب، أو في تجليات لا يتعلق بذلك الإخبار حكم تحليل ولا تحريم، بل تعريف إلهيّ ومزيد علم بالإله، أو تعريف بصدق حكم مشروع ثابت أنه من عند الله لهذا النبيّ الذي أرسل إلى من أرسل إليه، أو تعريف بفساد حكم قد ثبت بالنقل صحته عند علماء الرسوم، فيطلع صاحب هذا المقام على صحة ما صحّ من ذلك وفساد ما فسد، مع وجود النقل بالطرق الضعيفة، أو صحة ما فسد عند أرباب النقل، أو فساد ما صحّ عندهم، والإخبار بنتائج الأعمال، وأسباب السعادات، وحكم التكاليف في الظاهر والباطن، ومعرفة الحد في ذلك والمطلع، كل ذلك ببينة من الله وشاهد عدل إلهيّ من نفسه، غير أنه لا سبيل أن يكون على شرع يخصّه يخالف شرع نبيّه ورسوله الذي أرسل إليه وأمرنا باتباعه فيتبعه على علم صحيح وقدم صدق ثابت عند الله تعالى. ثم إن لصاحب هذا المقام الاطلاع على الغيوب في أوقات، وفي أوقات لا علم له بها، ولكن من شرطه العلم بأوضاع الأسباب في العالم، وما يؤول إليه الواقف عندها أدباً والواقف معها اعتماداً عليها، كل ذلك يعلمه صاحب هذا المقام، وله درجات الاتباع، وهو تابع لا متبوع، ومحكوم لا حاكم. ولا بدّ له في طريقه من مشاهدة قدم رسوله وإمامه لا يمكن أن يغيب عنه حتى في الكثيب، وهذا كله كان في الأمم السالفة، وأما هذه الأمّة المحمدية فحكمهم ما ذكرناه وزيادة، وهو أن لهم بحكم شرع النبيّ محمد ◌َل ◌ّر أن يسنوا سنّة حسنة ممّا لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، وممّا لها أصل في الأحكام المشروعة وتسنينه إياها ما أعطاه له مقامه، وإنما حكم به الشرع وقرّره بقوله: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً)) الحديث، كمسألة بلال في الركعتين بعد الأذان، وإحداث الطهارة عند كل حدث، وركعتين عقيب كل وضوء، والقعود على طهارة، وركعتين بعد الفراغ من الطعام، وصدقة على وجه خاص بسنّة، وكل أدب مستحسن مما لم يعينه الشارع، فلهذه الأمّة تسنينه ولهم أجر من عمل بذلك غير أنهم كما قلنا لا يحلّون حراماً ولا يحرّمون حلالاً، ولا يحدثون حكماً، ثم لهم الرفعة الإلهية العامة التي تصحبهم في الدنيا والآخرة. والقسم الثاني من النبوّة البشرية هم الذين يكونون مثل التلامذة بين يدي الملك ينزل عليهم الروح الأمين بشريعة من الله في حق نفوسهم يتعبدهم بها فيحلّ لهم ما شاء ويحرم ٣٨٤ في المعاملات/ الباب السابع والخمسون ومائة في معرفة مقام النبوة الملكية عليهم ما شاء ولا يلزمهم إتباع الرسل، وهذا كله كان قبل مبعث محمد بَله، فأمّا اليوم فما بقي لهذا المقام أثر إلاّ ما ذكرناه من حكم المجتهدين من العلماء بتقرير الشرع لذلك في حقّهم، فيحلّون بالدليل ما أدّاهم إلى تحليله اجتهادهم وإن حرمه المجتهد الآخر، ولكن لا يكون ذلك بوحي إلهيّ ولا بكشف، والذي لصاحب الكشف في هذه الأمّة تصحيح الشرع المحمّدي ما له حكم الاجتهاد، فلا يحصل لصاحب هذا المقام اليوم أجر المجتهدين ولا مرتبة الحكم، فإن العلم بما هو الأمر عليه في الشرع المنزّل يمنعهم من ذلك، ولو ثبت عند المجتهد ما ثبت عند صاحب هذا المقام من الكشف بطل اجتهاده وحرم عليه ذلك الحكم، ولذلك ليس للمجتهد أن يفتي في الوقائع إلاَّ عند نزولها لا عند تقدير نزولها، وإنما ذلك للشارع الأصلي لاحتمال أن يرجع عن ذلك الحكم بالاجتهاد عند نزول ما قدر نزوله، ولذلك حرم العلماء الفتيا بالتقليد، فلعل الإمام الذي قلّده في ذلك الحكم الذي حكم به في زمانه لو عاش إلى اليوم كان يبدو له خلاف ما أفتى به فيرجع عن ذلك الحكم إلى غيره، فلا سبيل أن يفتي في دين الله إلاَّ مجتهد أو بنص من كتاب أو سنّة لا بقول إمام لا يعرف دليله، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فلم يبق في هذه الأمّة المحمدية نبوّة تشريع، فلا نطيل الكلام فيها أكثر من هذا، ولكن نطيل الكلام إن شاء الله أكثر من هذا في باب الرسالة البشرية لتقرير حكم المجتهدين والأمر الإلهيّ بسؤالهم فيما جهل من حكم الله في الأشياء. انتهى الجزء السادس ومائة . (الجزء السابع ومائة) بِسْمِ أَقَّهِ الَّغَنِ الرَّحْمَةِ الباب السابع والخمسون ومائة في معرفة مقام النبوّة الملكية [نظم: البسيط] بأمره ما لهم في النَّهْي من قَدَمِ ضدٍّ وقد مُنحوا مَفَاتِحَ الكَرَمِ ورأسُهم ملكُ سمّاه بالقَلَمُ خلقٌ وأنَّ له في رُتْبة القِدَمِ في سورة القلب جلّ الله من حَكّمَ بلا خلافٍ وهم من جُمْلة الأُمَمَ معلومةٌ ظهرت للعين كالعَلَمِ تقريبهم ولهم جَوَامِعُ الکَلِمِ أوحى الإلهُ إلى الأَمْلاَك تَعْبُدُهُ وهم عبيدُ اختصاص لا يقابله لا يعرفون خروجاً عن أوامره أعطاه من عِلْمه ما لا يقدّره حكماً كما قال في العُرجون خالقنا هم أنبياءٌ أحبَّاءٌ بأجمعهم لكل شخصٍ من الأملاك مرتبةٌ وهم على فضلهم على التَّفاضُل في قال الله تعالى لإبليس: ﴿أَسْتَكْبَرَتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْمَالِينَ﴾ [سورة ص: الآية ٧٥] وهم أَرفع ٣٨٥ في المعاملات/ الباب السابع والخمسون ومائة في معرفة مقام النبوة الملكية الأرواح العلوية وليسوا بملائكة من حيث الاسم فإنه موضوع للرسل منهم خاصة، فمعنى الملائكة الرسل وهو من المقلوب وأصله مألكة والألوكة الرسالة والمألكة الرسالة، فما تختص بجنس دون جنس، ولهذا دخل إبليس في الخطاب بالأمر بالسجود لما قال الله للملائكة: ﴿أَسْجُدُواْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٤] لأنه ممّن كان يستعمل في الرسالة فهو رسول فأمره الله ف﴿ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٤] وقال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢] فالرسالة جنس حكم يعمّ الأرواح الكرام البررة السفرة والجن والإنس، فمن كل صنف من أرسل ومنه من لم يرسل، فالنبوءة الملكية المهموزة لا ينالها إلاَّ الطبقة الأولى الحافون ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرَشِ﴾ ولهذا ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧٥] وأفراد من ملائكة الكرسي والسموات وملائكة العروج، وآخر نبي من الملائكة إسماعيل صاحب سماء الدنيا، وكل واحد منهم على شريعة من ربه متعبد بعبادة خاصة وذلك قولهم: ﴿وَمَا مِنَّآَ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٦٤] فاعترفوا بأن لهم حدوداً يقفون عندها لا يتعدّونها، ولا معنى للشريعة إلاّ هذا، فإذا أتى الوحي إليهم وسمعوا كلام الله بالوحي ضربوا بأجنحتهم خضعاناً يسمعونه كسلسلة على صفوان فيصعقون ما شاء الله، ثم ينادون فيفيقون فيقولون: ماذا؟ فيقال لهم: ربكم، فيقولون الحق، وهو قوله تعالى في حقّهم: ﴿حََّ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٣] فجاؤوا في ذكرهم بالاسم العلي في كبريائه إن كان من قولهم فإنه محتمل أن يكون قول الله أو يكون حكاية الحق عن قولهم والعالون هم الذين قالوا لهؤلاء الذين أفاقوا ربكم وهم الذين نادوهم وهم العالون، فلهذا جاء بالاسم العليّ لأن كل موجود لا يعرف الحق إلاّ من نفسه ولذلك قال وَله: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فجاء بمن وهي نكرة فعم كل عارف من كل جنس وعلّق المعرفة بالربوبية، وكذا قال العالون لهؤلاء الذين صعقوا حين استفهموهم ربكم وما قالوا إلهكم وهم العالون فقالوا: ﴿اٌلْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢٣]. واعلم أن العبادة في كل ما سوى الله على قسمين: عبادة ذاتية وهي العبادة التي تستحقها ذات الحق وهي عبادة عن تجلّ إلهيّ وعبادة وضعية أمرية وهي النبوّة، فكل من عبده عن أمره ووقف عند حدّه كـ ﴿ وَالقَّنَفَّتِ صَفًا فَالزَّجِرَتِ زَحْرًا فَالنَّلِيَتِ ذِكْرًا﴾ [سورة الصافات: الآيات ١ - ٣] ﴿فَالْمُلْفِيَتِ ذِكْرًا﴾ [سورة المرسلات: الآية ٥] ﴿وَالنَّشِطَتِ نَشْطًا وَالسَِّحَتِ سَبْحًا فَالسَِّقَتِ سَبْقًا قَالْمُدَبَِّتِ أَمْرًا﴾ [سورة النازعات: الآيات ٢ - ٥] ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾ [سورة المرسلات: الآية ١] وهم صنف من الملائكة التاليات ﴿وَالنَّشِرَتِ نَشْرًا فَلْفَرِقَتِ فَرْقًا﴾ [سورة المرسلات: الآيات ٣ - ٤] ﴿فَالْمُقَسِّمَتِ أَمْرًا﴾ [سورة الذاريات: الآية ٤] وهم إخوان المدبرات من الملائكة حضرتهم متجاورة، وكل هؤلاء أنبياء ملكيون عبدوا الله بما وصفهم به، فهم في مقامهم لا يبرحون إلاَّ من أمر منهم بأمر يبلغه. وسيأتي في الرسالة الملكية وهو قول جبريل: ﴿وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبٌِّ﴾ [سورة مريم: الآية ٦٤] فهم تحت تسخير رب محمد وَل# من الاسم الذي يخصّه، ولله ملائكة في الأرض سياحون فيها يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر نادى بعضهم بعضاً: هلموا إلى الفتوحات المکیہ ج٣ - م٢٥ ٣٨٦ في المعاملات / الباب الثامن والخمسون ومائة في مقام الرسالة وأسرارها بغيتكم وهم الملائكة الذين خلقهم الله من أنفاس بني آدم، فينبغي للمذكر أن يراقب الله ويستحي منه ويكون عالماً بما يورده وما ينبغي لجلال الله، ويجتنب الطامات في وعظه، فإن الملائكة يتأذون إذا سمعوا في الحق وفي المصطفين من عباده ما لا يليق وهم عالمون بالقصص، وقد أخبر وَلّ: ((إنَّ العَبْدَ إِذَا كَذَبَ الكِذْبَةَ تَبَاعَدَ عَنْهُ المَلَكُ ثَلاثِينَ مِيلاً مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَهُ فَتَمْقُتُهُ المَلائِكَة)) فإذا علم المذكر أن مثل هؤلاء يحضرون مجلسه فينبغي له أن يتحرى الصدق ولا يتعرض لما ذكره المؤرخون عن اليهود من زلات من أثنى الله عليهم واجتباهم ويجعل ذلك تفسيراً لكتاب الله ويقول: قال المفسرون، وما ينبغي أن يقدم على تفسير كلام الله بمثل هذه الطوام كقصة يوسف وداود وأمثالهم عليهم السلام ومحمد ◌َّل* بتأويلات فاسدة وأسانيد واهية عن قوم قالوا في الله ما قد ذكر الله عنهم، فإذا أورد المذكر مثل هذا في مجلسه مقتته الملائكة ونفروا عنه ومقته الله، ووجد الذي في دينه رخصة يلجأ إليها في معصيته ويقول: إذا كانت الأنبياء قد وقعت في مثل هذا فمن أكون أنا؟ وحاشا والله الأنبياء مما نسبت إليهم اليهود لعنهم الله، فينبغي للمذكر أن يحترم جلساءه ولا يتعدّى ذكر تعظيم الله بما ينبغي لجلاله ويرغب في الجنة ويحذر من النار وأهوال الموقف والوقوف بين يدي الله من أجل من عنده من البطالين المفرطين من البشر، وقد ذكرنا في شرح كلام الله فيما ورد من ذكر الأنبياء عليهم السلام من التنزيه في حقّهم ما هو شرح على الحقيقة لكلام الله، فهؤلاء المذكورون نقلة عن اليهود لا عن كلام الله لما غلب عليهم من الجهل، فواجب على المذكر إقامة حرمة الأنبياء عليهم السلام، والحياء من الله أن لا يقلد اليهود فيما قالوا في حق الأنبياء من المثالب ونقلة المفسرين خذلهم الله، ومنها مراعاة من يحضر مجلسه من الملائكة السياحين، فمن يراعي هذه الأمور ينبغي أن يذكر الناس ويكون مجلسه رحمة بالحاضرين ومنفعة . الباب الثامن والخمسون ومائة في مقام الرسالة وأسرارها [نظم : الوافر] ولا يَحتاج صاحبُها لنيَّه ألا إن الرسالةَ بَرْزَخيَّه تلقّتْها بقوَّتها البُنَيَّة إذا أعطَتْ بُنَيَّتُه قواها سؤوساً في تَصَاريف البريَّه فيُضحي مقْسِطاً حكماً عليماً كما تعطي مراتبها العَليَّة يُصَرِّفُهم ويصرفه إليها نَفَى أحكامَ كَسْبٍ فَلْسَفيَّهْ فمن فَهِمَ الذي قلناه فيها كما دلَّتْ عليه الأشْعريَّة وأن الاختصاص بها مَنُوطٌ ولا من شرطها نَفْسٌ زكيَّه وما من شرطها عملٌ وعلمٌ على خَيْرٍ وأحوالٍ رَضِيّة ولكنَّ العوائدَ أن تراه اعلم أن الولاية هي المحيطة العامة وهي الدائرة الكبرى، فمن حكمها أن يتولى الله ٣٨٧ في المعاملات / الباب الثامن والخمسون ومائة في مقام الرسالة وأسرارها من شاء من عباده بنبوّة وهي من أحكام الولاية وقد يتولاه بالرسالة وهي من أحكام الولاية أيضاً، فكل رسول لا بدّ أن يكون نبياً، وكل نبيّ لا بدّ أن يكون ولياً، فكل رسول لا بدّ أن يكون ولياً، فالرسالة خصوص مقام في الولاية، والرسالة في الملائكة دنيا وآخرة لأنهم سفراء الحق لبعضهم وصنفهم ولمن سواهم من البشر في الدنيا والآخرة. والرسالة في البشر لا تكون إلاَّ في الدنيا وينقطع حكمها في الآخرة، وكذلك تنقطع في الآخرة بعد دخول الجنة والنار نبوّة التشريع لا النبوّة العامة، وأصل الرسالة في الأسماء الإلهيّة، وحقيقة الرسالة إبلاغ كلام من متكلم إلى سامع فهي حال لا مقام، ولا بقاء لها بعد انقضاء التبليغ وهي تتجدّد وهو قوله: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] فالإتيان به هو الرسالة، وحدوث الذكر عند السامع المرسل إليه هو الكلام المرسل به، وقد يسمّی الكلام المرسل به رسالة وهو علم يوصله إلى المرسل إليه، ولهذا ظهر علم الرسالة في صورة اللبن والرسل هو اللبن، لكن للرسالة مقام عند الله منه يبعث الله الرسل، فلهذا جعلنا للرسالة مقاماً وهو عند الكرسي ذلك هو مقام الرسالة ونبوّة التشريع وما فوق ذلك فنبوّة لا رسالة، فالرسل لا يفضل بعضهم بعضاً من حيث ما هم رسل، وإنما فضل الله بعض الرسل على بعض وبعض النبيين على بعض. وما من جماعة يشتركون في مقام إلاَّ وهم على السواء فيما اشتركوا فيه، ويفضل بعضهم بعضاً بأحوال أخر ما هي عين ما وقع فيه الاشتراك، وقد يكون ما يقع به المفاضلة يؤدّي إلى التساوي وهو مذهب أبي القاسم بن قسي من الطائفة ومن قال بقوله، فيكون كل واحد من الرسل فاضلاً من وجه مفضولاً من وجه، فيفضل الواحد منهم بأمر لا يكون عند غيره، ويفضل ذلك المفضول بأمر ليس عند الفاضل، فيكون المفضول من ذلك الوجه الذي خصّ به يفضل على من فضله، وعندنا قد لا يكون التساوي ويجمع لواحد جميع ما عند الجماعة، فيفضل الجماعة بجمع ما فضل به بعضهم على بعض لا بأمر زائد، فهو أفضل من كل واحد واحد ولا يفاضل فيكون سيد الجماعة بهذا المجموع، فلا ينفرد في فضله بأمر ليس عند آحاد الجنس، هكذا هو في نفس الأمر في كل جنس، فلا بدَّ من إمام في كل نوع من رسول ونبيّ ووليّ ومؤمن وإنسان وحيوان ونبات ومعدن وملك، وقد نبهنا على ذلك قبل هذا في الاختيارات. فمقام الرسالة الكرسي لأنه من الكرسي تنقسم الكلمة الإلهية إلى خبر وحكم، فللأولياء والأنبياء الخبر خاصة، ولأنبياء الشرائع والرسل الخبر والحكم، ثم ينقسم الحكم إلى أمر ونهي، ثم ينقسم الأمر إلى قسمين: إلى مخيّر فيه وهو المباح، وإلى مرغب فيه، ثم ينقسم المرغب فيه إلى قسمين: إلى ما يذمّ تاركه شرعاً وهو الواجب والفرض، وإلى ما يحمد بفعله وهو المندوب ولا يذمّ بتركه. والنهي ينقسم قسمين: نهي عن أمر يتعلق الذمّ بفاعله وهو المحظور، ونهي يتعلق الحمد بتركه ولا يذمّ بفعله وهو المكروه. وأما الخبر فينقسم قسمين: قسم يتعلق بما هو الحق عليه، وقسم يتعلق بما هو العالم عليه. والذي يتعلق بما هو الحق عليه ينقسم قسمين: قسم يعلم وقسم لا يعلم، فالذي لا ٣٨٨ في المعاملات/ الباب التاسع والخمسون ومائة في مقام الرسالة البشرية يعلم ذاته، والذي يعلم ينقسم قسمين: قسم يطلب نفي المماثلة وعدم المناسبة وهو صفات التنزيه والسلب مثل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] والقدّوس وشبه ذلك، وقسم يطلب المماثلة وهو صفات الأفعال، وكل اسم إلهيّ يطلب العالم، وهذه الأقسام كلها مجموع الرسالة وبه أتت الرسل، والرسالة إذا ثبتت وثبت أنها اختصاص إلهيّ غير مكتسبة يثبت بها كون الحق متكلماً أي موصوفاً بالكلام فإنه مبلغ ما قيل له قل، ولو كان مبلغاً ما عنده أو ما يجده من العلم في نفسه لم يكن رسولاً ولكان معلماً، فكل رسول معلم وما كل معلم رسول، وما سميت رسالة إلاَّ من أجل هذه الأقسام التي تحتوي عليها، ولولا هذه الأقسام لم تكن رسالة، لأن الأمر الواحد من غير معقولية سواه لا تقع الفائدة بتبليغه عند المرسل إليه لأنه لا يعقله، ولهذا لا يعقل الذات الإلهية لأنها لا سوى لها ولا غير، وتعقل الألوهية والربوبية لأن سواها المألوه والمربوب، فتنبه لما أشرنا إليه تعثر على العلم المخزون ﴿وَالْمُرْسَتِ عُرْفًا﴾ [سورة المرسلات: الآية ١] تنبيه على التتابع والكثرة ﴿فَلَّلِيَتِ ذِكْرٌ﴾ [سورة الصافات: الآية ٣] يتلو بعضها بعضاً، فالرسالة يتلو بعضها بعضاً ولهذا انقسمت والله الهادي. الباب التاسع والخمسون ومائة في مقام الرسالة البشرية [نظم: البسيط] إن الرسولَ لسانُ الحقِّ للبَشَرِ هم أذكياءٌ ولكنْ لا يُصَرِّفهم ألا تراهم لتَأبير النخيل وما هم سالمون من الأفكار إن شرعوا إن الرسالةَ في الدنيا قَدِ انقطعَتْ وقد مضى حكمُها دنيا وآخرة لولا التكاليفُ لم يُخْتَصَّ صاحبُها النَّخلُ يوحى إليه دائماً أبداً بالأمر والنَّهْي والإعلام والعِبَرِ ذاك الذكاءُ لما فيه من الغَرَرِ قد كان فيه على ما جاء من ضَرّرٍ حكماً بِحِلْ وتَخريم على البَشَرِ في وقتنا للذي قد جّاء في الخَبَرِ وما لها في وجود العين من أَثَرٍ عن غيره لوجود الوَخي والنَّظَرِ إلى القيامة في السُّكْنَى وفي الثَّمَرِ الرسالة نعت كوني متوسط بين مرسل ومرسل إليه والمرسل به قد يعبر عنه بالرسالة، وقد تكون الرسالة حال الرسول، وهي بالجملة ليست بمقام وإنما هي نسبة حال، وتنقطع بانقطاع التبليغ بالفعل، ويزول حكمها بانقضاء التبليغ، قال تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٩٩] وأوجب عليه ذلك فقال: ﴿يََّيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧] فالرسالة هنا هي التي أرسل بها وبلّغها، وهكذا وردت في القرآن حيثما وردت، ولا يقبلها الرسول إلاَّ بوساطة روح قدسي أمين ينزل بالرسالة على قلبه وأحياناً يتمثل له الملك رجلاً، وكل وحي لا يكون بهذه الصفة لا يسمّى رسالة بشرية، وإنما يسمّى وحياً أو إلهاماً أو نفئاً أو إلقاء أو وجوداً، ولا تكون الرسالة إلاَّ كما ٣٨٩ في المعاملات/ الباب التاسع والخمسون ومائة في مقام الرسالة البشرية ذكرنا، ولا يكون هذا الوصف إلاَّ للرسول البشري، وما عدا هذا من ضروب الوحي فإنه يكون لغير النبيّ والرسول، والفرق بين النبيّ والرسول أن النبيّ إذا ألقى إليه الروح ما ذكرناه اقتصر بذلك الحكم على نفسه خاصة ويحرم عليه أن يتبع غيره فهذا هو النبيّ، فإذا قيل له: ﴿بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ إما لطائفة مخصوصة كسائر الأنبياء، وإما عامة للناس ولم يكن ذلك إلاَّ لمحمد رَّ لم يكن لغيره قبله، فسمّي بهذا الوجه رسولاً والذي جاء به رسالة، وما اختصّ به من الحكم في نفسه وحرّم على غيره من ذلك الحكم هو نبيّ مع كونه رسولاً، وإن لم يخصّ في نفسه بحكم لا يكون لمن بعث إليهم فهو رسول لا نبيّ، وأعني نبوة الشرائع التي ليست للأولياء، فكل رسول لم يخصّ بشيء من الحكم في حق نفسه فهو رسول لا نبيّ، وإن خصّ مع التبليغ فهو رسول ونبيّ، فما كل رسول نبيّ على ما قلناه، ولا كل نبيّ رسول بلا خلاف. ثم إن الورثة وهم الأتباع الذين أمروا بالتبليغ كمعاذ وعلي ودحية رسل رسول الله ولات ولا يزال كل متأخر مأموراً بالتبليغ ممّن أمر بالتبليغ متصل الطريق مأموراً عن مأمور إلى رسول الله ◌َّ يسمّى رسولاً، ولكن ما هي الرسالة التي انقطعت والرسالة التي انقطعت هي تنزل الحكم الإلهيّ على قلب البشر بوساطة الروح كما قررناه، فذلك الباب هو الذي سدّ، والرسالة والنبوّة التي انقطعت، وأما الإلقاء بغير التشريع فليس بمحجور، ولا التعريفات الإلهية بصحة الحكم المقرّر أو فساده فلم تنقطع، وكذلك تنزّل القرآن على قلوب الأولياء ما انقطع مع كونه محفوظاً لهم ولكن لهم ذوق الإنزال وهذا لبعضهم. ولهذا ذكر عن أبي يزيد أنه ما مات حتى استظهر القرآن أي أخذه عن إنزال وهو الذي نبّه النبيّ ◌َّ فيمن حفظ القرآن، يعني على هذا الوجه أن النبوة قد أدرجت بين جنبيه ولم يقل في صدره، وهذا معنى استظهار القرآن أي أخذه عن ظهر، فله مثل هذا التنزّل مستمر فيمن شاء الله من عباده، لكن على هذا النعت والصفة وهو قوله تعالى: ﴿يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَنْ يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [سورة غافر: الآية ١٥] فالرسل مبشرون ومنذرون، والورثة منذرون خاصة لا مبشرون لكنهم مبشرون اسم مفعول، فإذا بشّر الوليّ أحداً بسعادة فما هو من هذا الباب، بل البشارة في ذلك بتعيين السعيد، وبشارة الأنبياء متعلقة بالعمل المشروع وهو أنه من عمل كذا كان له كذا في الجنة أو نجاه الله من النار بعمل كذا، هذا لا يكون إلاّ للرسل ليس للوليّ فيه دخول، وله أن يعطي تعيين السعيد لا من حيث العمل فيقول في الكافر وهو في حال كفره إنه سعيد، وفي المؤمن في حال إيمانه إنه شقيّ فيختم لكل واحد بالسبب الموجب لسعادته أو شقاوته تصديقاً لقول الوليّ هذا القدر بقي للأولياء من نبوّة الإخبار لا من نبوّة التشريع، ولها من الحروف ياء العلة وله الدعوى والآيات وصاحبها مسؤول، وله الكشف في أوقات وهو قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [سورة القيامة: الآية ١٦] وهي وإن نزلت من الكرسي فإذا رجعت فلا تتعدى سدرة المنتهى. والرسالة تنزل معاني وتعود إلى السدرة صوراً ينشئها العبد إنشاء، وهذا له من الاسم الخلاق الذي أعطى ومعراجها براقي ورفرفي ولكن من السموات، ورئيس أرواحها النازلين ٣٩٠ في المعاملات / الباب الستون ومائة في معرفة الرسالة الملكية بها جبريل وهو أستاذ الرسل وهو الموكل بهذا المقام وما يتصور لهذا المقام نسخ، وإنما الأشخاص تختلف، وكل شخص يجري فيه إلى أجل مسمّى، ولهذا جاء: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾ [سورة المرسلات: الآية ١] وقال: رسلنا تترى ولا يقع فيها تفاضل، وإنما التفاضل بين المرسلين لا من كونهم مرسلين بل من مقام آخر، ولا يشترط على الرسول فيها إقامة الدليل للمرسل إليه بل لها الجبر، ولهذا مع وجود الدليل ما نجد وقوع الإيمان في محل المرسل إليه من كل أحد بل من بعضهم، فلو كان لنفس الدليل لعم ونراه يوجد ممّن لم يرد ليلاً، فدل أن الإيمان نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده لا لعين الدليل فلهذا لم نشترط فيه الدليل، فالإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه لا يقدر على دفعه، وكل من آمن عن دليل فلا يوثق بإيمانه فإنه معرض للشبه القادحة فيه لأنه نظري لا ضروري، وقد نبهتك في هذا على سرّ غامض لا يعرفه كل أحد ولا تشترط أيضاً في حقّه العصمة إلاَّ فيما يبلغه عن الله خاصة ويلزمه تبيين ما جاء به حتى يفهم عنه لإقامة الحجة على المبلغ إليه، فإن عصم من غير هذا فمن مقام آخر وهو أن يخاطب العباد المرسل إليهم بالتأسي به فيكون التأسي به أصلاً، فإن انفرد بأمر لزمه أن يبينه لا بدّ من ذلك كما قال في نكاح الهبة خالصة لك من دون المؤمنين، ومن شرط صاحب هذا المقام طهارة القلب من الفكر فله الراحة فإنه لا يشرع إلاَّ ما يوحى به إليه، وأما مشورته لأصحابه ففي غير ما شرع له وليس للرسول من حيث رسالته المشاورة، فإذا انضاف إلى رسالته أن تكون جامعة فلمقام الخلافة المشورة، ولما كان رسول الله ◌َو من الخلفاء قيل له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِی اُلْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٥٩] فينبغي لك أن تعرف الفرق بين الخلافة والرسالة . الباب الستون ومائة في معرفة الرسالة الملكية [نظم: الطويل] تنزَّلَتِ الأملاكُ ليلاً على قلبي حذاراً مِنِ آلقاء اللعين إذا يرى وذلك حِفْظُ الله في مثل طَوْرنا فنحن وإياهم مصانون بالجِمَى ويفترق الصِّنْفان عند رُجوعهم فيظهر هذا بالرسالة واضعاً وذلك مأمورٌ بسَتْر مَقَامِهِ فسبحان من أعطى الوجودَ بجوده فأشهد ذا فضلاً وسَبْقَ عِنَايةٍ فقفْ وتأذَّبْ وانَّعِظْ ثم ولا تَقُلْ ألا إنما العُقْبَى لمن بات سرُّه ودارتْ عليه مثْلَ دائرة القُلْبِ نزولَ علوم الغَيْب عيناً على قَلْبٍ وعضمَتُه في المرسَلين بلا رَيْبٍ تخاطبُنا الأسماءُ من حَضْرةِ القُربِ من المَشْهد الأعلَى إلى عَالَم التُربِ حدوداً وأحكاماً عن الرُّوحِ والرَّبّ وإن كان قد داناه في الذَّوْق والشّربِ وقسَّمه قسمين للكشف والحجبِ وأوقف ذا خلف الحجاب بلا ذَنْبِ حُجِبْتُ بلا ذنب وهذا من الذئبِ يرى البُعْدَ والتَّقْرِيبَ في الذنب والعَثْبِ في المعاملات/ الباب الأحد والستون ومائة في المقام الذي بين الصدّيقية والنبوة وهو مقام القربة ٣٩١ قال تعالى: ﴿فِى سُحُفٍ مُكَرََّةٍ فَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ﴾ [سورة عبس: الآية ١٣، ١٤] يعني التذكرة التي هي الرسالة ﴿ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ﴾ [سورة عبس: الآية ١٥] والسفرة هم الرسل من الملائكة هنا، كذلك ما يجودون به على المرسلين إليهم في رسالتهم ﴿كِرَامٍ بَرَةٍ﴾ [سورة عبس: الآية ١٦] أي محسنين، فهؤلاء هم سفراء الحق إلى الخلق بما يريد أن ينفذه فيهم من الحكم من عالم الأركان، فإذا أراد الله إنفاذ أمر في خلقه أوحى إلى الملك الأقرب إلى مقام تنفيذ الأوامر وهو الكرسي فيلقي إليه ذلك الأمر على وجوه مختلفة، ثم يأمره بأن يوحي به إلى من يليه ويوحي إليه أن يوحي إلى من يليه أن يوحي به إلى من يليه من أعلى إلى أدنى إلينا، هذا من حد انقسام الكلمة، وأما من أحدية الكلمة فهو نزولها من رتبة زلفى إلى مقام أدنى إلى مكان أزهى إلى محل أسنى إلى رفرف أبهى إلى عرش أعلى إلى كرسي أجلى، فتنقسم هناك الكلمة، أي يتعين هنالك ما أريد بها من حكم أو خبر، ثم تنزل إلى سدرة المنتهى إلى سماء فسماء إلى السماء الدنيا، فينادى بملك الماء فيودع تلك الرسالة فيضعها في الماء، وينادى ملائكة اللمات وهم ملائكة القلوب فيلقنوها فيجعلها لمات في قلوب العباد فتعرف الشياطين ما جاءت به الملائكة فتأتي بأمثاله إلى قلوب الخلق فتنطق الألسنة بما تجده في القلوب وهي الخواطر قبل التكوين بأنه كان كذا واتفق كذا لما لم يكن، فما يكون منه بعد الكلام به فذلك ممّا جاءت به الملائكة، وما لم يكن فهو ممّا ألقته الشياطين، ويسمّى ذلك في العالم الأرجاف، وتراه العامة مقدّمات التكوين . وأما ملك الماء فيلقي ما أوحي به إليه في الماء فلا يشرب الماء حيوان إلاَّ ويعرف ذلك السرّ إلاَّ الثقلين، ولكن لا يعرف من أين جاء ولا كيف حصل، ومن هذا المنزّل هو البلاء الذي ينزل في كانون فلا يجد إناء فيه ماء غير مغطّى إلاَّ دخل فيه. ومن هذا الباب ما يجده الإنسان من بغض شخص وحبّ شخص من غير سبب ظاهر معلوم له ويكون بالسماع وبالرؤية، وورد خبر في مثل هذا ومن هذا الباب السياسة الحكمية لمصالح العالم التي لم يأت بها شرع عند فقد الأنبياء عليهم السلام وأزمنة الفترات تنزل بها ملائكة الإلهام واللمات على قلوب عقلاء الزمان وحكماء الوقت فيلقونها في أفكارهم لا على أسرارهم فيضعونها ويحملون الناس عليها والملوك وما فيها شيء من الشرك، فهذه هي الرسالة الملكية التي فيها مصالح العالم في الدنيا، وهي البدع الحسنة التي أثنى الله على من رعاها حق رعايتها ابتغاء رضوان الله، وثم رسالات أخر أيضاً على أيدي الملائكة بتسخير العالم بعضه لبعض مطلقاً. الباب الأحد والستون ومائة في المقام الذي بين الصدّيقية والنبوّة وهو مقام القربة [نظم: البسيط] جماعةٌ من رجال الله أَنْكَرَهُ هو المَقَامُ الذي قامت شَوَاهِدُه لو أنهم دبَّروا القرآن لاحَ لهم وليس من شأنهم إنكارُ ما جَهِلُوا في الحَرْقِ والقَتْل والباقي الذي فَعَلُوا وجهُ الحقيقة فيما عنه قد غَفَلُوا ٣٩٢ في المعاملات/ الباب الأحد والستون ومائة في المقام الذي بين الصدّيقية والنبوة وهو مقام القربة وما تخصَّصَ عنهم في مَقَامِهِمُ ومنه أيضاً أبو بكر ومِيْزَتُهُ فليس بين أبي بكر وصاحبه هذا الصحيحُ الذي دلَّتْ دلائِلُهُ إلاَّ الذين عن الرحمن قد عَقَلُوا بالسرِّ لو نظروا في حكمنا كَمُلُوا إذا نظرتَ إلى ما قلته رَجُلٌ في الكَشْف عند رجالِ الله إذ عَمِلُوا القربة نعت إلهيّ وهو مقام مجهول أنكرت آثاره الخاصة من الرسل عليهم السلام مع الافتقار إليه منهم، وشهادة الحق لصاحبه بالعدالة والاختصاص وهو مقام الخضر مع موسى، وما أذهله إلاَّ سلطان الغيرة التي جعل الله في الرسل عليهم السلام على مقام شرع الله على أيديهم فللَّه أنكروا، وتكرّر منه عليه السلام الإنكار مع تنبيه العبد الصالح في كل مسألة، ويأبى سلطان الغيرة إلاَّ الاعتراض لأن شرعه ذوق له، والذي رآه من غيره أجنبيّ عنه وإن كان علماً صحيحاً، ولكن الذوق أغلب والحال أحكم، ولذلك قيل لرسول الله وَالرّ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] ولم يقل له قل ربّ زدني حالاً، فلو زاد حالاً لزاد إنكاراً، وكلما زاد علماً زاد إيضاحاً وكشفاً واتساعاً وانشراحاً وتنزّهاً في الوجوه التي سفرت من براقعها وظهرت من وراء ستورها وكللها، فارتفع الضيق والحرج وشوهد الكمال في النقص، ولما حصلت في هذا المقام السنيّ قلت مشيراً ومنبهاً: [الطويل] وإني لأهوَى النَّقْصَ مَنْ أجلِ مَنْ أَهْوَى وما جاء بالتُّقْصان إلاَّ مخافةً وما نَقَصَ البدرُ الذي تُبْصرونه يراه تماماً كاملاً في ضِيائه فلو لم يكنْ في الكون نقصٌ محقَّقٌ فبي كان للحق الوجودِ كَمَالُه غزالٌ من الفردوس جاء منقِّباً فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباً أَهيم بها حباً على كل حالةٍ لقد سَفَرَتْ يوماً فلاحَتْ مَحَاسنٌ سجَدْتُ لها حباً فلما رأيتُها فكبَّرْتُ إجلالاً لكوني هَویتُني وحقَّقْتُ أني عينُ من قد هَويتُه فبغدادُ داري لا أرَى لي موطناً لأنَّ به كان الكمالُ لمن يَذْري من العينِ مثل البَذْر من آخر الشَّهْرِ ولكنه بدرّ لمن غاصَ بالفكْرِ على أكملِ الحالات في البَطْن والظّهْرِ لكان الوجودُ الحقُّ ينقص في القَدْرِ مع النقص فانظُرْ ما تضَمَّنه شِعْري مِنَّ اجلي وما يخفى على الله ما يَجْري بمن وحَيَاةِ الحبِّ قد ضَمّه صدري حياةً وموتاً في القيامة والحَشْرِ تخبِّر عنها أنها ليلةُ القَدْرِ علمتُ بأني ما تعلَّقْت بالغَيْرِ فسرى الذي قد كان هَيَّمه جھْري فلم أخْشَ من بَيْنٍ ولم أخْشَ من هَجْرِ سواها فإن عَزَّتْ جَنَحْتُ إلى مِصْري هذا المقام دخلته في شهر محرّم سنة سبع وتسعين وخمسمائة وأنا مسافر بمنزل أبحيسل ببلاد المغرب فتهت به فرحاً ولم أجد فيه أحداً، فاستوحشت من الوحدة وتذكرت دخول أبي يزيد بالذلّة والافتقار فلم يجد في ذلك المنزل من أحد وذلك المنزل هو موطني فلم أستوحش فيه لأن الحنين إلى الأوطان ذاتي لكل موجود، وأن الوحشة مع الغربة، ولما دخلت هذا في المعاملات / الباب الأحد والستون ومائة في المقام الذي بين الصدّيقية والنبوة وهو مقام القربة ٣٩٣ المقام وانفردت به وعلمت أنه إن ظهر عليّ فيه أحد أنكرني فبقيت أتتبع زواياه ومخادعه ولا أدري ما اسمه مع تحققي به وما خصّ الله به من أتاه إياه، ورأيت أوامر الحق تترى علي وسفراءه تنزل إليّ تبتغي مؤانستي وتطلب مجالستي، فرحلت وأنا على تلك الحال من الاستيحاش بالانفراد والأنس إنما يقع بالجنس، فلقيت رجلاً من الرجال بمنزل يسمّى آنحال فصليت العصر في جامعه، فجاء الأمير أبو يحيى بن واجتن وكان صديقي وفرح بي وسألني أن أنزل عنده فأبيت ونزلت عند كاتبه وكانت بيني وبينه مؤانسة، فشكوت إليه ما أنا فيه من انفرادي بمقام أنا مسرور به، فبينا هو يؤانسني إذ لاح لي ظل شخص فنهضت من فراشي إليه عسى أجد عنده فرجاً فعانقني فتأملته فإذا به أبو عبد الرحمن السلميّ قد تجسدت لي روحه بعثه الله إليّ رحمة بي فقلت له: أراك في هذا المقام، فقال: فيه قبضت وعليه مت فأنا فيه لا أبرح، فذكرت له وحشتي فيه وعدم الأنيس، فقال: الغريب مستوحش، وبعد أن سبقت لك العناية الإلهيّة بالحصول في هذا المقام فاحمد الله ولمن يا أخي يحصل هذا، ألا ترضى أن يكون الخضر صاحبك في هذا المقام وقد أنكر عليه موسى حاله مع ما شهد الله عنده بعدالته ومع هذا أنكر عليه ما جرى منه، وما أراه سوى صورته فحاله رأى وعلى نفسه أنكر، وأوقعه في ذلك سلطان الغيرة التي خصّ الله بها رسله، ولو صبر لرأى، فإنه كان قد أعدّ له ألف مسألة كلها جرت لموسى وكلها ينكرها على الخضر. قال شيخنا أبو النجا المعروف بأبي مدين: لما علم الخضر رتبة موسى وعلو قدره بين الرسل امتثل ما نهاه عنه طاعة لله ولرسوله فإن الله يقول: ﴿ وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] فقال له في الثانية: ﴿إِن سَأَلْنُكَ عَنْ شَىْ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِّى﴾ [سورة الكهف: الآية ٧٦] فقال: سمعاً وطاعة، فلما كانت الثالثة ونسي موسى حالة قوله: ﴿ إِنِّ لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَنَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [سورة القصص: الآية ٢٤] وما طلب الإجارة على سقايته مع الحاجة فارقه الخضر بعدما أبان له علم ما أنكره عليه ثم قال له: ﴿وَمَا فَعَلْنُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] لأنه كان على شرعة من ربه ومنهاج وفي زمانها بخلاف حاله بعد بعث محمد ◌َّ فإنه الفرى كل الصيد في جوفه، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن لا أعرف لهذا المقام اسماً أميزه به، فقال لي: هذا يسمّى مقام القربة فتحقق به فتحققت به فإذا به مقام عظيم لعلماء الرسوم من أهل الاجتهاد فيه قدم راسخة لكنهم لا يعرفون أنهم فيه، ورأيت الإمداد الإلهيّ يسري إليهم من هذا المقام، ولهذا ينكر بعضهم على بعض ويخطىء بعضهم بعضاً لأنهم ما حصل لهم ذوقاً ولا يعلمون ممّن يستمدّون مشاهدة وكشفاً، فكل واحد منهم على حق، كما أنه لكل نبيّ تقدّم هذا الزمان المحمديّ شرعة ومنهاجاً، والإيمان بذلك كله واجب على كل مؤمن وإن لم نلتزم من أحكامهم إلاَّ ما لزمناه، فالمجتهدون من علماء الشريعة ورثة الرسل في التشريع وأدلتهم تقوم لهم مقام الوحي للأنبياء، واختلاف الأحكام كاختلاف الأحكام إلاَّ أنهم ليسوا مثل الرسل لعدم الكشف، فإن الرسل يشد بعضهم من بعض، وكذلك أهل الكشف من علماء الاجتهاد، وأما غير أهل الكشف منهم فيخطىء بعضهم بعضاً، ولو قال الخضر لموسى ٣٩٤ في المعاملات / الباب الأحد والستون ومائة في المقام الذي بين الصدّيقية والنبوة وهو مقام القربة من أول ما صحبه: ما أفعل شيئاً ممّا تراني أفعله عن أمري ما أنكره عليه ولا عارضه ولقد أنطقه الله بقوله: ﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٩] والصبر لا يكون إلاّ على ما يشق عليه، فلو قدّم الصبر على المشيئة كما يفعل المحمديّ لصبر ولم يعترض، فإن الله قدّمه في الإعلام تعليماً لمحمد وَل*، فمن أراد أن يحصل علم الله في خلقه فليقف عند ترتيب حكمته في الأشياء، فيقدّم ما قدم الله ويؤخّر ما أخّر الله، فإن من أسمائه المقدّم والمؤخّر، فإذا أخّرت ما قدمه أو قدمت ما أخّره فهو نزاع خفي يورث حرماناً، قال تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأْ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٣، ٢٤] فأخر الاستثناء وقدمه موسى فلم يصبر فلو أخّره لصبر، وهذه الآية مذكورة باللسان العبرانيّ في التوراة، فالله الله يا إخواننا من أهل هذه الملة المحمدية قفوا على مشاعر الله التي بينها لكم ولا تتعدوا ما رسم لكم، ألا تراه ◌َّ﴾ لما صعد على الصفا في حجة الوداع قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَابِرِ اللّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٨] ثم قال: ((أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)) وما قال ذلك إلاَّ تعليماً لنا ولزوم أدب مع الله، ولولا أنه جائز له أن يبدأ بالمروة في سعيه لما قال هذا، ورجح ما بدأ الله به على ما في المسألة من التخيير من أجل الواو، فإنه ما بدأ الله به إلاَّ لسرّ يعلمه، فمن لم يبدأ به حرم فائدته. وقال وَلّ: ((خُذُوا عَنْي مَنَاسِكَكُمْ) وتقديم الصفا في السعي من المناسك. ولقد رويت في هذا المعنى حكاية عجيبة عن يهودي أخبرني بها موسى بن محمد القرطبي القباب المؤذن بالمسجد الحرام المكيّ بالمنارة التي عند باب الحزورة وباب أجياد رحمه الله سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال: كان رجل بالقيروان أراد الحج فتردّد خاطره في سفره بين البرّ والبحر فوقتاً يترجح له البر ووقتاً يترجح له البحر فقال: إذا كان صبيحة غد أول رجل ألقاه أشاوره فحيث يرجح لي أحكم به، فأول من لقي يهودياً فتألم ثم عزم وقال: والله لأسألنه، فقال: يا يهودي أشاورك في سفري هذا هل أمشي في البرّ أو في البحر؟ فقال له اليهودي: يا سبحان الله وفي مثل هذا يسأل مثلك؟ ألم تر أن الله يقول لكم في كتابكم: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِرَّكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [سورة يونس: الآية ٢٢] فقدم البرّ على البحر، فلولا أن الله فيه سرّاً وهو أولى بكم ما قدمه وما أخّر البحر إلاّ إذا لم يجد المسافر سبيلاً إلى البرّ، قال: فتعجبت من كلامه وسافرت في البرّ يقول الرجل: فوالله ما رأيت سفراً مثله، ولقد أعطاني الله فيه من الخير فوق ما كنت أشتهي. وقد أنكر أبو حامد الغزالي هذا المقام وقال: ليس بين الصديقية والنبوّة مقام، ومن تخطّى رقاب الصدّيقين وقع في النبوّة باب مغلق فكان يقول: لا تتخطوا رقاب الصديقين، ولا شك أن الأنبياء أصحاب الشرائع هم أرفع عباد الله من البشر، ومع هذا لا يبعد أن يخصّ الله المفضول بعلم ليس عند الفاضل، ولا يدل تميزه عنه أنه بذلك العلم أفضل منه بل قال له : يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا، وما قال له أنا أفضل منك بل علم حق موسى وما ينبغي له وامتثل أمره فيما نهاه عنه من صحبته احتراماً منه لمقام موسى وعلو منزلته، وسكوت موسى عنه حين فارقه ولم يرجع عن نهيه لأنه علم أن الخضر ممّن لم يسمع نهي موسى عليه السلام، ولا سيما وقد قال له: ﴿وَمَا فَعَلَُّهُ عَنْ ٣٩٥ في المعاملات/ الباب الثاني والستون ومائة في معرفة الفقر وأسراره أَمْرِىٌ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] فعلم موسى أنه ما فارقه إلاَّ عن أمر ربّه، فما اعترض عليه في فراقه إياه، وحصل لموسى مقصوده ومقصود الحق في تأديبه، فعلم أن لله عباداً عندهم من العلم ما ليس عنده، ولم يكن إلاَّ علم كون من الأكوان من علوم الكشف وهو من أحوال المريدين أصحاب السلوك، فكيف لو كان من العلوم المتعلقة بالجناب الإلهيّ؟ أما من العلم المحكم أو المتشابه ومن هذا المقام حصل لأبي بكر الصديق السرّ الذي وقر في نفسه وظهرت قوّة ذلك السرّ مع وقته. وقول عائشة لرسول الله وَّ في مرضه حين أمر أن يصلي بالناس إنه رجل أسيف ورسول الله وَّل يعرف منه بالسرّ الذي حصل عنده ما لا تعرفه الجماعة فما بقي أحد يوم مات رسول الله ◌ّ إلاّ ذهل في ذلك اليوم وخولط في عقله وتكلّم بما ليس الأمر عليه إلاَّ أبو بكر الصديق فما طرأ عليه من ذلك أمر بل رقى المنبر وخطب الناس وذكر موت النبيّ وَّر فقال: من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ثم تلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣٠] ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٤٤] الآية، فسكن جأش الناس حتى قال عمر: والله ما كأني سمعت بهذه الآية إلاَّ في ذلك اليوم، وهذا قوله وَّرَ: ((إِذَا وَجَبَ - يَعْنِي المَوْت - فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ)) وأما قبل وقوع الموت فالبكاء محمود، وكذا فعل أبو بكر لما قام رسول الله وَيّ فقال: ((مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ خُيّرَ فَاخْتَارَ لِقَاءَ اللَّهِ)) فبكى أبو بكر وحده دون الجماعة، وعلم أن رسول الله مَّر قد نعى لأصحابه نفسه، فأنكر الصحابة على أبي بكر بكاءه وهو كان أعلم، فلما مات ◌َّر بكى الناس وضجوا إلاَّ أبا بكر امتثالاً لقوله وَالر: ((إذا وجب فلا تبكين باكية)) هذا كله من السرّ الذي أعطاه هذا المقام، فالذي ينبغي أن يقال: ليس بين محمد ◌َله وأبي بكر رجل لا أنه ليس بين الصديقية والنبوّة مقام، فإن الصديق تابع بطريق الإيمان فما أنكره متبوعه أنكر وما قرره متبوعه قرّر، هذا حظ الصديق من كونه صديقاً، ومن كون مقام آخر لا يحكم عليه حال الصديقية فاعلم ذلك. انتهى السفر الرابع عشر بانتهاء الجزء السابع ومائة من الفتوحات المكية . [السفر الخامس عشر] (الجزء الثامن ومائة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحميدِ الباب الثاني والستون ومائة في معرفة الفقر وأسراره [نظم: البسيط] عيناً وحكماً ولكن ليس يَنْطلِقُ الفَقْرُ أمرٌ يَعُمُّ الكونَ أجْمَعَهُ تَبْغيه فهي لهذا الأمر تَسْتَبِقُ إلاّ على مُمْكن أسماءُ خالقِه إن القويَّ بالاستعداد قُوَّتُه مثلُ الضعيف ففي الأحكام تَتْفِقُ ٣٩٦ في المعاملات / الباب الثاني والستون ومائة في معرفة الفقر وأسراره إن الحقائقَ تجري في مَيّادنها إن الفقيرَ الذي استولَتْ خَصَاصَتُه في كل حالٍ من الأحوال تُبْصرهُ وليس يمنعه عن عين مُوجِدِهِ ومن ذلك : [البسيط] وكلُّ حق له في نفسه طَلَقُ عليه في كل شيء ثَوْبُه خَلَقُ كأنه طَبَقٌ من فوقه طَبَقُ على طريقته الآفاتُ والعُلَقُ إلاَّ الذي جلَّ عن أهلٍ وعنٍ وَلَدِ ولا أُحَاشي من الأعيان من أَحَدٍ والفقرُ يَطْلُبها بالذات في البَلَدِ والكلُّ شَفْعٌ سوى المدعوِ بالأَحَدِ قلناه كالواهِبِ المِحْسَانِ والصَّمَدِ فلا يُولَد في عَقْلٍ وفي جَسَدٍ الفَقْرُ حكمٌ ولكنْ ليس يدركه الفَقْرُ حكمٌ يعمُّ الكونَ أجمَعَه لأنها كلَّها بالذات تَطْلُبه فكلُّها عددٌ لأنها عددٌ وما سواه من الأعيان فهو كما سبحانه جلَّ أن يَخظَى به أَحَدٌ قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحُمِيدُ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] يعني بأسمائه، كما نحن فقراء إلى أسمائه، ولذلك أتى بالاسم الجامع للأسماء الإلهية حقيقة سرّه ﴿لَقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨١] فلو اتصفوا اتصفوا بحقيقة سنكتب ما قالوا سببه: ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ﴾ نزاهته ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] بيانه، ودليله الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه جزاؤه ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٧] ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٥]، وباب الفقر ليس فيه ازدحام لاتساعه وعموم حكمه، والفقر صفة مهجورة وما يخلو عنها أحد وهي في كل فقير بحسب ما تعطيه حقيقته وهي ألذ ما ينالها العارف، فإنها تدخله على الحق ويقبله الحق لأنه دعاه بها، والدعاء طلب وتقرّب منها أختها وهي الذلّة. قال أبو يزيد: قال لي الحق: تقرّب إليّ بما ليس لى الذلّة والافتقار، فذله وحجبه فهاتان صفتان في اللسان نعتان للممكنات ليس لواجب الوجود منهما نعت في اللسان، تعالى الله حجاب مسدل وباب مقفل مفتاحه معلّق عليه يراه البصير ولا يحسّ به الأعمى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [سورة الزمر: الآية ٩] وفي هذه الآية أعني آية قوله: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اَللَّهِ﴾ تسمّى الحق لنا باسم كل ما يفتقر إليه غيرة منه أن يفتقر إلى غيره، فالفقير هو الذي يفتقر إلى كل شيء ولا يفتقر إليه شيء، وهذا هو العبد المحض عند المحققين فتكون حاله في شيئية وجوده كحاله في شيئية عدمه دواء نافع لداء عضال، قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩] قضية في عين قضية عامة ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٧] تنبيه على شرف الرتبة ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ١] مع وجود عينه لأن الحين الدهري أتى عليه، فالفقر احتياج ذاتي من غير تعيين حاجة لجهله بالأصلح له ومن أسماء الله المانع وهو قد أعطى كل شيء خلقه حتى الغرض لما خلقه فينا أعطاه خلقه، فلا نزال أصحاب أغراض فما يمنع إلاَّ للمصلحة، كما يملي لقوم ليزدادوا ٣٩٧ في المعاملات/ الباب الثاني والستون ومائة في معرفة الفقر وأسراره إثماً، فقد أعطاهم الإثم كما أعطى الإثم خلقه فالحق لا يتقيد إنعامه، والقوابل تقبل بحسب استعداداتها فمنعه عطاء لعلمه بالمصالح لذلك. حكي عن بعضهم أنه سئل عن الفقير ما هو؟ فقال: من ليست له إلى الله حاجة يعني على التعيين ونبه أن الاحتياج له ذاتي، والله قد أعطى كل شيء خلقه، فقد أعطاك ما فيه المصلحة لك لو علمت فما بقي لصاحب هذا المقام ما يسأل الله فيه، وما شرع السؤال إلاَّ لمن ليس له هذا الشهود ورآه يسأل الأغيار فغار فشرع له أن يسأله ولما سبق في علمه أنه يخلق قوماً ويخلق فيهم السؤال إلى الأغيار ويحجبهم عن العلم به أنه المسؤول في كل عين مسؤولة يفتقر إليها من جماد ونبات وحيوان وملك وغير ذلك من المخلوقات، أخبرنا أن الناس فقراء إلى الله أي هو المسؤول على الحقيقة فإنه ﴿بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة يس: الآية ٨٣] فالفقر إلى الله هو الأصل، فالعلماء بالله هم الذين يحفظون أحوالهم. وصل: الغنيّ بالله فقير إليه، فالنسبة بلفظ الفقر إلى الله أولى من النسبة بالغنى، لأن الغنى نعت ذاتيّ يرفع المناسبة بين ذات الحق والخلق، وكل طلب فيؤذن بمناسبة، فإن الحاصل لا يبتغى فلا يكون الطلب إلاَّ في شيء ليس عند الطالب في حال الطلب، ولهذا لا يتعلق إلاَّ بالعدم الذي هو عين المعدوم، وقد يكون ذلك المطلوب في عين موجودة ولا عين موجودة ما في الكون إلاَّ طالب، فما في الكون إلاَّ فقير لما طلب، ويتميز الفقر عن سائر الصفات بأمر لا يكون لغيره وهو أنه صفة للمعدوم والموجود، وكل صفة وجودية من شرطها أن تقوم بالموجود، ألا ترى الممكن في حال عدمه يفتقر إلى المرجح فإذا وجد افتقر أيضاً إلى استمرار الوجود له وحفظه عليه فلا يزال فقيراً ذا فقر في حال وجوده وفي حال عدمه، فهو أعمّ المقامات حكماً، فالذي يكتسب من هذه الصفة إضافة خاصة وهي الفقر إلى الله لا إلى غيره وبه يثني عليه، وهو الذي يسعده ويقرّبه إلى الله، ويشركه في هذه الإضافة كل وصف جبل عليه الإنسان مثل البخل والحرص والشره والحسد وغير ذلك تشرف وتعلو بالإضافة والمصرف وتتضع وتسفل بالإضافة والمصرف، لا فقر أعظم من فقر الملوك لأنه مفتقر إلى مشاعلي وإلى كل ما يصح له به الملك، وهو فقير إلى ملكه الذي يبقى عليه اسم الملك. قيل للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله سنة إحدى وثمانين وخمسمائة لما ذكر أبو القمح المنجم أن ريحاً عظيمة في هذه السنة تكون لا تمرّ على شيء إلاَّ جعلته كالرميم، فأشار عليه بعض جلسائه أن يتخذ في الأرض سرباً يكون فيه ليلة هبوب تلك الريح، فقال: ويهلك الناس؟ قيل له نعم، فقال: إذا هلك الناس فعلى من أكون ملكاً أو سلطاناً، لا خير في الحياة بعد ذهاب الملك، دعني أموت ملكاً والله لا فعلت، فانظر ما أحسن هذا. فكل موجود إضافي متحقق بالفقر وإن لم يشعر بذلك، وإن وجده فلا يعلم أن ذلك هو المسمّى فقراً، وإذا كان حكمه هذا فالفقر إلى الله تعالى الذي بيده ملكوت كل شيء ثابت وموجود ولذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨١] أي ٣٩٨ في المعاملات/ الباب الثالث والستون ومائة في معرفة مقام الغنى وأسراره سنوجبه أي سيعلمون أنّ الفقر نعت واجب لا يشكون فيه وجوباً ذاتياً من أجل قولهم: ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ لأنهم انحجبوا عما هو الأمر عليه من فقرهم، ولذلك كانوا كافرين فستروا ما هم به عالمون ذوقاً من أنفسهم لا يقدرون على إنكاره، وإن باهتوا فالحال يكذبهم فقالوا ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨١] وليسوا بأغنياء، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨١] وليس بفقير من حيث ذاته ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وقد تقدّم في مواضع من هذا الكتاب معنى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ وأنه ليس مثل قوله ﴿ وَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] ولا مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ [سورة محمد: الآية ٣٨] فإذا علمت أن الفقر بهذه المثابة فالزم استحضاره في كل نفس وعلى كل حال وعلّق فقرك بالله مطلقاً من غير تعيين فهو أولى بك، وإن لم تقدر على تحصيل عدم التعيين فلا أقلّ أن تعلّقه بالله تعالى مع التعيين، أوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى لا تجعل غيري موضع حاجتك وسلني حتى الملح تلقيه في عجينك، هذا تعليم الله نبيه موسى عليه السلام، ولقد رأيته سبحانه وتعالى في النوم فقال لي: وكلني في أمورك فوكلته فما رأيت إلاَّ عصمة محضة لله الحمد على ذلك، جعلنا الله تعالى من الفقراء إليه به فإن الفقر إليه تعالى به هو عين الغنى لأنه الغنيّ وأنت به فقير، فأنت الغنيّ به عن العالمين فاعلم ذلك. الباب الثالث والستون ومائة في معرفة مقام الغنى وأسراره [نظم: البسيط ] تمتاز عن نِسَب الأسماء رُتْبَتُها إن الغِنَى صفةٌ سلبيَّةٌ ولذا منها وليس لها كونْ فينعتُهَا يخُصُه حكمُها والعينُ في عَدَم ممّن يقول بها والعقلُ يُثْبتُهَا إن الدلالةَ في التحقيق مَجْهَلَةٌ عن عالم الكون جاءت فيه آيتُهَا لذلك قال غنيٍّ في تَنَزَّله ما قلت من نَفْي ما تُعطي دلالتُهَا في العنكبوت فدبِزه تجِدْهُ على دنيا وآخرة والشرعُ مُثْبِّتُهَا وليس يعرف إلاَّ من علامَتُه اعلم أيّدك الله أن الغنى صفة ذاتية للحق تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة لقمان: الآية ٢٦] أي المثنى عليه بهذه الصفة. وأمّا الغنى للعبد فهو غنى النفس بالله عن العالمين. قال رسول الله وَّلَه: (لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ لَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ)) خرّجه الترمذيّ والعرض المال، وهذه كلمة نبوية صحيحة، فإنّ غنى الإنسان عن العالم لا يصحّ، ويصحّ غناه عن المال، فإن الله سبحانه قد جعل مصالح العبد في استعمال أعيان بعض الأشياء وهي من العالم، فلا غنى له عن استعمالها فلا غنى له عن العالم فلذلك خصّصه بالمال، فلا يوصف بالغنى عن العالم إلاَّ الله تعالى من حيث ذاته جلّ وتعالى، والغنى في الإنسان من العالم فليس الإنسان بغنيّ عن الغنى فهو فقير إليه. ٣٩٩ في المعاملات / الباب الثالث والستون ومائة في معرفة مقام الغنى وأسراره واعلم أنّ الغنى وإن كان بالله والعزّة وإن كانت بالله فإنهما صفتان لا يصحّ للعبد أن يدخل بهما على الله تعالى، وإن كان بالله فيهما فلا بدّ أن يتركهما فيدخل فقيراً ذليلاً، ومعنى الدخول التوجّه إلى الله، فلا يتوجه إلى الله بغناه به ولا بعزّته به، وإنما يتوجه إلى الله بذله وافتقاره، فإن حضرة الحق لها الغيرة ذاتية فلا تقبل عزيزاً ولا غنياً وهذا ذوق لا يقدر أحد على إنكاره من نفسه. قال تعالى مؤدّباً لنبيه وَ لَّ في ظاهر الأمر وهو يؤدّبنا به لنتعلم ﴿أَمََّ مَنِ اُسْتَغْفَىٌّ فَأَنْتَ لَمُ تَصَدَّى﴾ [سورة عبس: الآية ٥ - ٦] فكان مشهود محمد وَّر الصفة الإلهية وهو الغنى فتصدّى لها لما تعطيه حقيقتها من الشرف، والنبيّ في ذلك الوقت في حال الفقر في الدعوة إلى الله وأن تعمّ دعوته، وعلم أن الرؤساء والأغنياء تبع الخلق لهم أكثر من تبع من ليس له هذا النعت، فإذا أسلم من هذه صفته أسلم لإسلامه خلق كثير، والنبيّ وَّ له على مثل هذا حرص عظيم، وقد شهد الله تعالى عندنا له بذلك فقال: ﴿عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِثُمْ﴾ أي عنادكم يعزّ عليه للحق المبين ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٨] في أن تسلموا وتنقادوا إلى ما فيه سعادتكم وهو الإيمان بالله وما جاء من عند الله، ومع هذا الحضور النبويّ أوقع العتب عليه تعليماً ولنا وإيقاظاً له، فإنّ الإنسان محل الغفلات وهو فقير بالذات، وقد استحق الجاه والمال أن يستغني بهما من قاما به ولذلك قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ وما قال: أما من هو غنيّ فإنه على التحقيق ليس بغنيّ بل هو فقير لما استغنى به فقال ◌َّ: ((إِنَّ اللَّهَ أَذَّبَنِي فَأَحْسَنَ أَدَبِي)) فمن مكارم الأخلاق الإقبال على الفقراء والإعراض عن الأغنياء بالعرض من جاه أو مال، فإذا رأى تمن هذه صفته الفقر والذلّة بنزوله عن هاتين المرتبتين وجب على أهل الله الإقبال عليه، فإنهم إن أقبلوا عليه وهم مستحضرون لما هم عليه من الجاه والمال تخيلوا أن إقبال أهل الله عليهم لجاههم ولما لهم فيزيدون رغبة في بقاء ما هم عليه، فلذلك منع الله أهله أن يقبلوا عليهم إلاَّ بصفة الزهد فيهم، فإذا اجتمع في مجلس أهل الله من هو فقير ذليل منكسر وغنيّ بماله ذو جاه في الدنيا أظهر القبول والإقبال على الفقير أكثر من إظهاره على الغنيّ ذي الجاه لأنه المقصود بالأدب الذي أدّب الله تعالى به نبيّه وَير، غير أن صاحب هذه الصفة يحتاج إلى ميزان الحق في ذلك، فإن غفل عنه كان الخطأ أسرع إليه من كل شيء، وصورة الوزن فيه أن لا يرى في نفسه شغوفاً عليه ولا يخاطبه أعني لا يخاطب هذا الغنيّ ولا ذا الجاه بصفة قهر تذلّه، فإنه لا يذلّ تحتها بل ينفر ويزيد عظمة وأنت مأمور بالدعوة إلى الله فادعوه كما أمر الله نبيه ولو أن يدعو الناس تعليماً له ولنا فإنا مخاطبون بالدعاء إلى الله كما قال: ﴿أَدْعُوَاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَأْ وَمَنِ أُثَّبَعَنِّ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] وقال له: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [سورة النحل: الآية ١٢٥] وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوِّكٌ ﴾ [ سورة آل عمران: الآية ١٥٩] هذه هي الصفة اللازمة التي ينبغي أن يكون الداعي عليها، ولا يجعل في نفسه عند دعائه لمن هذه نعوته من عباد الله طمعاً فيما في أيديهم من عرض الدنيا ولا فيما هو عليه من الجاه ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المنافقون: الآية ٨] فلا تخلعنّ ثوباً ألبسكه الله، وليس له تصرّف إلاّ في هذا الموطن فهذا معنى الحكمة، وما عتب الله نبيه وَ له في الأوّل إلاَّ ٤٠٠ في المعاملات/ الباب الرابع والستون ومائة في معرفة مقام التصوف لعزّة قامت بنفس أولئك النفر مثل الأقرع بن حابس وغيره فقالوا: لو أفرد لنا محمد مجلساً جلسنا إليه فإنا نأنف أن نجالس هؤلاء الأعبد يعنون بذلك بلالاً وخباباً وغيرهما فرغب النبيّ وَّ لحرصه على إيمانهم ولعلمه أنه يرجع لرجوعهم إلى الله بشر كثير فأجابهم إلى ما سألوا وتصدّى إليهم لما حضروا وأعرض عن الفقراء فانكسرت قلوبهم لذلك فأنزل الله ما أنزل جبراً القلوب الفقراء فانكسر الباقي من نفوس أولئك الأغنياء الأعزاء، وقيل له: ما عليك إلاَّ البلاغ وليس عليك هداهم ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٢] ونزل الله عليه: ﴿عَبَسَ وَتَّ﴾ [سورة عبس: الآية ١] الآيات، وأنزل عليه: ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٨] الآيات وفيها: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [سورة الكهف: الآية ٢٩] ثم ذكر ما للظالمين عند الله في الآخرة. فطريقة الإرشاد والدعاء إلى الله ميزانها الغنى بالله عمّا في أيديهم وما يكون بسببهم، فإن لم تكن في نفسك بهذه المثابة فلا تدع واشتغل بدعاء نفسك إلى الاتصاف بهذه الصفات المحمودة عند الله، ولا تتعدّ الحدّ الذي أنت عليه ولا تخط في غير ما تملكه فتكون غاصباً، والصلاة في الدار المغصوبة لا تجوز بخلاف، والدعاء إلى الله صلاة والإخلاص فيها الحرية عن استرقاق من يدعوهم إليه، فهذا هو محل الغنى بالله، وهنا يستعمل فإن عدلت به إلى غير هذا فقد أخسرت الميزان والله يقول: ﴿وَلَا تُخْبِرُواْ الْمِيزَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٩] ﴿أَلَّا تَطْغَّوْاْ فِى اَلْمِيزَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٨] فتخرجوه عن حدّه وهو قوله: ﴿لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ١٧١] والغلو والطغيان هما الرفعة فوق الحد الذي يستحقه المتغالي فيه. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب الرابع والستون ومائة في معرفة مقام التصوف اعلم [نظم : البسيط] لأنه خَلْقٌ فانظُرْ تَرَى عَجَبَا أن التصوُّف تشبيه بخالقنا في خلقه وبهذا القَدْر قد حُجِبَا كيف التخلُّقِ والمَكْرُ الخفيُّ له فيه فذا مَثَلٌ للعقل قد ضُرِبَا وذمَّهُ في صفات الخلق فاعتَبِرُوا في غير منزلَةٍ يردُّه ذَهَبَا إن الحديدَ إذا ما الصُّنْعُ يَدْخله موداً إذا هو للرحمن قد نُسِبَا كذلك الخُلُقُ المَذْمومُ يرجع محـ إن التصوُّفَ أخلاقٌ مطهَّرَةٌ مع الإله فلا تَعْدُلْ بِهِ نَسَبَا قال أهل طريق الله: التصوّف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوّف. وسئلت عائشة أمّ المؤمنين عن خلق رسول الله وَّ فقالت: ((كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ)) وأن الله أثنى عليه بما أعطاه من ذلك فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم: الآية ٤] ومن شرط المنعوت بالتصوّف أن يكون حكيماً ذا حكمة، وإن لم يكن فلاحظ له في هذا اللقلب فإنه حكمة كله فإنه