Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
في المعاملات/ الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها
وصل محقق الاعتبار فيما ذكرناه من العلامات التي أعطت الطبيعة حكمها فيه وشهدت
لها التجارب: فاعلم أن لطيفة الإنسان المدبرة جسده لما كان لها وجه إلى النور المحض الذي
هو أبوها، ووجه إلى الطبيعة وهي الظلمة المحضة التي هي أمّها، كانت النفس الناطقة وسطاً
بين النور والظلمة، وسبب توسطها في المكانة لكونها مدبرة كالنفس الكلية التي بين العقل
والهيولى الكل وهو جوهر مظلم، والعقل نور خالص، فكانت هذه النفس الناطقة كالبرزخ
بين النور والظلمة تعطي كل ذي حق حقه، فمتى غلب عليها أحد الطرفين كانت لما غلب
عليها، وإن لم يكن لها ميل إلى أحد الجانبين تلقت الأمور على الاعتدال وأنصفت وحكمت
بالحق، فلنذكر في هذا الوصل اعتبار ما مشى في علامات الفراسة في الجسد فنقول: أما
البياض المفرط فاستفراغ الإنسان في النظر في عالم النور بحيث لا يبقى في استفراغه ما يدبر
به عالم طبيعته كأبي عقال المغربي وأمثاله فيفسد سريعاً قبل حصول الكمال، وكذلك اعتبار
السواد المفرط وهو استفراغه في عالم شهوته وطبيعته بحيث أن يحول بينه وبين النظر في
علوم الأنوار وهي العلوم الإلهية فهذا مذموم الحال بلا خلاف، فإذا كان وقتاً ووقتاً ووفى كل
ذي حق حقه كما قال رََّ: ((لِي وَقْتْ لاَ يَسَعُنِي فِيهِ غَيْرُ رَبِّي)) فذلك الإمام العادل.
وأما اعتبار الطول والقصر فهو مدة إقامته في النظر في أحد العالمين، فإما مدة ممتدة
وهي الطول أو قليلة وهي القصر، وينبغي من ذلك أن تكون المدة بقدر الحاجة. وأما اعتدال
اللحم في الرطوبة وبين الغلظ والرقة فهو اعتدال للإنسان في البرزخيات بين المعنى والحسّ
كاللحم بين العظم والجلد. وأما اعتدال الشعر فهو إقامته بين البسط والقبض. وأما كونه أسيل
الوجه فهي الطلاقة والبشاشة. وأما كونه أعين فصحة النظر في الأمور. وأما كون عينه مائلة
إلى الغور والسواد فهو النظر في المغيبات واستخراج الأمور الخفية. وأما الجحوظة فهو ميله
إلى استنباط العلوم من عالم الشهادة وهم أهل الاعتبار. وأما اعتدال عظم الرأس فتوفير
العقل. وأما كونه سائل الأكتاف فاحتمال الأذى في الغيبة من غير أثر. وأما استواء العنق
فالاستشراف على الأشياء من غير ميل إليها. وأما الطول الزائد في العنق فهو الاستشراف على
ما لا ينبغي مثل التجسّس. وأما القصر المفرط فهو التفريط فيما ينبغي أن يستشرف عليه. وأما
اعتدال اللبة فاستقامة العبارة بالوزن الذي تقع به المنفعة عند المخاطب. وأما قلة اللحم في
الورك والصلب فهو نظره في الأمور التي يتورك عليها ويعول عليها أن يخلصه إلى أحد
الطرفين فإنه إن كانت برزخية قد تقدر به في غالب الأمر، وأما كونه خفي الصوت فهو حفظ
السرّ في موضع الجهر. وأما صفاء الصوت فهو أن لا يزيد فيه شيئاً. وأما طول البنان فللطاقة
التناول. وأما بسط الكف فرمي الدنيا من غير تعلق. وأما قلة الكلام والضحك فنظره إلى
مواقع الحكمة فيتكلم ويضحك بقدر الحاجة. وأما كون ميل طباعه إلى المرتين فهو أن يغلب
عليه في الصفراء الجنوح إلى العالم العلوي وفي السوداء إلى العالم السفلي، واستخراج ما
أخفى فيه من قرة أعين ممّا تحجب الطبيعة أكثر العقول في النظر فيها لما يسبق في أذهانهم من
ذم الطبيعة، وأما كونه في نظره فرح وسرور فهو استجلاب نفوس الغير إليه بالمحبة. وأما

٣٦٢
في المعاملات/ الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها
كونه قليل الطمع في المال فهو البعد عن كل ما يميل به إلى ما لا فائدة له فيه. وأما كونه لیس
يريد التحكّم عليك ولا الرئاسة فهو شغله بكمال عبوديته لا به. وأما كونه ليس بعجلان ولا
بطيء أي ليس بسريع الأخذ مع القدرة ولا عاجز.
وكذلك أيضاً لما نظرنا إلى أرباب الفراسة الحكمية وجدناهم راجعين في ذلك إلى طرفين
وواسطة وقسموا الأمور إلى محمود ومذموم أعني الأخلاق وجعلوا الخير كله في الوسط وجعلوا
الانحراف في الطرفين فقالوا في الأبيض الشديد البياض والأشقر الأزرق وما سمعت من الذمّ وأنه
غير محمود، وكذلك الشديد السواد والرقيق الأنف جداً مذموم كل هذا والمعتدل بينهما الغير
مائل إلى أحد الطرفين مثلاً خارجاً عن الحد هو المحمود على نحو ما تقدم. فلما رأيناهم قد
قصروها على ما ذكرنا نظرنا إلى ذلك في هذا العالم الإنساني أينٍ ظهر الحسن والقبح فقلنا: لا
حسن يقع به المنزلة عند الله، ولا قبح يقع باجتنابه الخير من الله إلا ما حسنه الشرع وقبحه .
فلما رأينا الحمد والذم على الفعل من جهة ما شرعاً نظرنا كيف نجمع طرفين وواسطة
لنجعل الطرفين مخالفاً لحكم الوسط الذي هو محل الاعتدال فنقول: لا يخلو الإنسان أن يكون
واحداً من ثلاثة بالنظر إلى الشرع وهو: إما أن يكون باطنياً محضاً وهو القائل بتجريد التوحيد
عندنا حالاً وفعلاً وهذا يؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع كالباطنية والعدول عما أراد الشارع بها،
وكل ما يؤدي إلى هدم قاعدة دينية مشروعة فهو مذموم بالإطلاق عند كل مؤمن. وإما أن يكون
ظاهرياً محضاً متغلغلاً متوغلاً بحيث أن يؤدّيه ذلك إلى التجسيم والتشبيه، فهذا أيضاً مثل ذلك
ملحق بالذم شرعاً، فإما أن يكون جارياً مع الشرع على فهم اللسان حيثما مشى الشارع مشى،
وحيثما وقف وقف قدماً بقدم، وهذه حالة الوسط وبه صحّت محبة الحق له، قال تعالى أن يقول
نبيه ﴿فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٣١] فاتباع الشارع واقتفاء أثره
يوجب محبة الله للعباد وصحة السعادة الدائمة، فهذا وجه مقابلة النسختين، فإن قال قائل : هذا
مجمل فكيف يعرف تفصيله؟ فإنا إذا رأينا رجلاً ساكناً يشهد الصلوات والجماعات وهو مع ذلك
منافق مصر فنقول: إن السكون وشهود الصلوات وشبه ذلك من عالم الشهادة وكونه كافراً بذلك
في قلبه فهو من عالم الغيب، ونحن إذا حصلت لنا الفراسة الذوقية الإيمانية كما ذكرناها وكما
نتمّها إن شاء الله تعالى حكمنا بكونه كافراً في نفوسنا وأبقينا ماله ودمه معصوماً شرعاً لظهور
كلمة التوحيد، فمعاملتنا له على هذا الحد وما كلفنا غير هذا.
ثم لتعلم وفقك الله أن العالم العلوي بالجملة هو المحرك عالم الحسّ والشهادة وتحت
قهره حكمة من الله تعالى لا لنفسه استحق ذلك، فعالم الشهادة لا يظهر فيه حكم حركة ولا
سكون ولا أكل ولا شرب ولا كلام ولا صمت إلاَّ عن عالم الغيب، وذلك أن الحيوان لا
يتحرك إلاَّ عن قصد وإرادة وهما من عمل القلب، والإرادة من عالم الغيب، والتحرّك وما
شاكله من عالم الشهادة، وعالم الشهادة كلما أدركناه بالحسّ عادة، وعالم الغيب ما أدركناه
بالخبر الشرعي أو النظر الفكري ممّا لا يظهر في الحسّ عادة فنقول: إن عالم الغيب يدرك
بعين البصيرة، كما أن عالم الشهادة يدرك بعين البصر، وكما أن البصر لا يدرك عالم الشهادة

٣٦٣
في المعاملات/ الباب التاسع والأربعون ومائة في معرفة مقام الخلق وأسراره
ما عدا الظلمة ما لم يرتفع عنه حجاب الظلم أو ما أشبهه من الموانع، فإذا ارتفعت الموانع
وانبسطت الأنوار على المحسوسات واجتمع نور البصر والنور المظهر أدرك المبصر بالبصر
المبصرات، كذلك عين البصيرة حجابه الريون والشهوات وملاحظة الأغيار من العالم الطبيعي
الكثيف إلى أمثال هذه الحجب فتحول بينه وبين إدراك الملكوت أعني عالم الغيب، فإذا عمد
الإنسان إلى مرآة قلبه وجلاها بالذكر وتلاوة القرآن فحصل له من ذلك نور ولله نور منبسط
على جميع الموجودات يسمّى نور الوجود، فإذا اجتمع النوران فكشف المغيبات على ما هي
عليه وعلى ما وقعت في الوجود غير أن بينهما لطيفة معنى فذلك أن الحسّ يحجبه الجدار
والبعد المفرط والقرب المفرط، وعين البصيرة ليس كذلك لا يحجبه شيء إلاَّ ما ذكرنا من
الران والكن وأشباه ذلك، إلاّ أنه أيضاً ثم حجاباً لطيفاً أذكره وهو أن النور الذي ينبسط من
حضرة الجود على عالم الغيب في الحضرات الوجودية لا يعمّها كلها ولا ينبسط منه عليها في
حق هذا المكاشف إلاَّ على قدر ما يريد الله تعالى، وذلك هو مقام الوحي، دليلنا على ذلك
لأنفسنا ذوقنا له، ولغيرنا قوله: ﴿قُلْ مَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ [سورة
الأحقاف: الآية ٩] مع غاية الصفاء المحمدي وهو قوله: ﴿أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ﴾ [سورة الشورى: الآية
٥١] فمهما ظهر ممّن حصل في هذا المقام شيء من ذلك على ظاهره في حق شخص ما فتلك
الفراسة وهي أعلى درجات المكاشفة وموضعها من كتاب الله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَوَسِمِينَ﴾
[سورة الحجر: الآية ٧٥] من السمة وهي العلامة كما قلنا ولا يخطىء أبداً بخلاف الفراسة
الحكمية، وثم كشف آخر في الفراسة وذلك أن الله جعل في العالم حضرة السمات فيها صور
بني آدم وأحوالهم في أزمانهم إلى حين انفصالهم وهي مخبوءة عن جميع الخلائق العلوي
والسفلي إلاَّ عن القلم واللوح، فإذا أراد الله اصطفاء عبد وأن يخصّه بهذا المقام طهر قلبه
وشرحه وجعل فيه سراجاً منيراً من إيمانه خاصة يسرجه من الأسماء الإلهية الاسم المؤمن
المهيمن وبيده هذه الحضرة وذلك السراج من حضرة الألوهة يأخذه الاسم المؤمن، فإذا
استنار القلب بذلك النور الإلهي وانتشر النور في زوايا قلبه مع نور عين البصيرة بحيث يحصل
له إدراك المدركات على الكشف والمشاهدة لوجود هذه الأنوار، فإذا حصل القلب على ما
ذكرناه جعل في ساحة من ساحات هذا القلب تلك الحضرة التي ذكرناها، فمن هناك يعرف
حركات العالم وأسراره. انتهى الجزء الرابع ومائة .
(الجزء الخامس ومائة)
بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحَيَدِ
الباب التاسع والأربعون ومائة
في معرفة مقام الخلق وأسراره
[نظم: البسيط]
كَوْنُ الشَّخَلْقِ في الإنسان والخُلُقِ
مثْلُ التكخّل في العينين والكحل

٣٦٤
في المعاملات / الباب التاسع والأربعون ومائة في معرفة مقام الخلق وأسراره
ينال مرتبةَ الأملاك والرُّسُلِ
وإن تَضَاعَفَ فيه أجْرُه فمتى
فهو المرتّبُ للأحكام والدُّوَلِ
ذاك الوحيدُ الذي يحيا الزمانُ به
وهو المثبتُ للأعراض والعِلَلِ
تَنْحَطُ من عزّها غُلْبُ الرقابِ له
قال رسول الله وَلَّمَ: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذَهُ مِنْكُمْ)) وهو حديث صحيح،
فأدخل نفسه معنا فيما نهانا عنه في الحكم، فالأخلاق كلها نعوت إلهية فكلها مكارم وكلها في
جبلة الإنسان ولذلك خوطب بها، فإن بعض من لا معرفة له بالحقائق يقول إنها في الإنسان
تخلق وفي الحق خلق، فهذا من قائله جهل بالأمور إن لم يطلق ذلك مجازاً، أو بالنظر إلى تقدم
وجود الحق على وجود العبد لأنه واجب الوجود لنفسه، والإنسان موجود بربه، فاستفاد
الوجود فاستفاد الخلق منه، فإذا راعى هذا الأصل فقال بالتخلق كان صحيح المقصد، وإن أراد
بالتخلق أن ما هو للحق حقيقة واتصف به العبد إن لم يكن عنده إلاَّ في الوقت الذي اتصف به
فسمّاه لذلك تخلّقاً لا خلقاً وما يكون خلقاً إلاَّ ما جبل عليه في أصل نشأته فلا علم له بنشأة
الإنسان ولا بإعلام النبيّ وَ لّر بأن الله خلق آدم على صورته، ويلزم هذا القائل أن يكون ما
جعله من الصفات حقيقة للعبد، ثم رأينا الحق قد اتصف به أن يكون ذلك في الله تخلّقاً من الله
بما هو حق للإنسان، وهذا لا يقول به من عنده أدنى شيء من العلم. والصحيح في هذه
الأخلاق الإلهية أنها كلها في جبلة الإنسان، وتظهر لمن يعرفها في كل إنسان على حد ما تظهر
في الجناب الإلهيّ، فإن كل خلق من هذه الأخلاق لا يصحّ أن تعمّ المعاملة به جميع الأكوان لا
من جانب الحق ولا من جانب الإنسان فهو كريم على الإطلاق، وكذلك الإنسان كريم على
الإطلاق .
ومع كون الحق كريماً على الإطلاق فمن أسمائه المانع، ومن أسمائه الضار، ومن
أسمائه المذلّ، ويغفر ويعذب من يشاء، ويؤتي الملك وينزع الملك وينتقم ويجود، وهو مع
هذا التقييد في حق قوم دون قوم مطلق الصفة، وكذا هي في الإنسان فهي خلق أصلي له لا
تخلق، ولا يصحّ أن تعم من الإنسان هذه الأخلاق مع كونها مطلقة في حقّه، كما لم يصحّ أن
تعمّ من الله في جميع الخلق مع كونه تعالى مطلق الوصف بها، ولا يصحّ في هذه الصفات
الاستعارة إلاّ مجازاً كما قلنا من حيث إنه تعالى كان بهذه الصفات وما كنا، فلما كنا كنا بها لا
أنا اكتسبناها ولا استعرناها منه فإنها صفة قديمة لله أي نسبة اتصف بها الحق ولا عالم،
والصفة لا بدّ لها من موصوف بها فإنها من حقيقتها لأن تقوم بنفسها، ويؤدّي القول باستعارتها
إلى قيامها بنفسها وإلى خلو الحق عنها وإلى أن يكون الحادث محلاً لوجود القديم فيه، وهذا
كله ما لا يقول به أحد من العلماء بالله، فجميع ما يظهر من الإنسان من مكارم أخلاق
وسفساف أخلاق كلها في جبلته وهي له حقيقة لا مجاز ولا معارة، كما أنه سبحانه جميع ما
سمّى به الحق نفسه لا وما وصف به نفسه من صفات الأفعال من خلق وإحياء وإماتة ومنع
وعطاء وجعل ومكر وكيد واستهزاء وفصل وقضاء وجميع ما ورد في الكتب المنزّلة ونطقت به
الرسل من ضحك وفرح وتعجّب وتبشبش وقدم ويد ويدين وأيد وأعين وذراع كل ذلك نعت

٣٦٥
في المعاملات / الباب التاسع والأربعون ومائة في معرفة مقام الخلق وأسراره
صحيح فإنه كلامه تعالى عن نفسه وكلام رسله عنه وهو الصادق وهم الصادقون بالأدلة
العقلية، ولكن على حدّ ما يعلمه وعلى حدّ ما تقبله ذاته وما يليق بجلاله لا يزد شيئاً من ذلك
ولا نحيله ولا نكفيه ولا نقول بنسبة ذلك كله إليه كما ننسبه إلينا نعوذ بالله، فإننا ننسبه إلينا
على حد علمنا بنا، فنعرف كيف ننسبه والحق يتعالى أن تعرف ذاته، فيتعالى أن يعرف كيف
تنسب إليه ما نسبه إلى نفسه، ومن ردّ شيئاً أثبته الحق لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله فقد
كفر بما جاء به من عند الله وبمن جاء به وبالله، ومن آمن ببعض ذلك ورد بعضه فقد كفر حقاً
ومن آمن بذلك وشبهه في نسبة ذلك إليه تعالى مثل نسبتها إلينا أوتوهم ذلك أو خطر على باله
أو تصوّره أو جعل ذلك ممكناً فقد جهل وما كفر، هذا هو العقد الصحيح من غير ترجيح.
غير أن ثمّ أسماء تطلق على العبد ولا تطلق على الجناب الإلهيّ وإن كان المعنى يشمل
ذلك، كالبخيل يطلق على العبد ولا يطلق على الحق وهو منع، ومن أسمائه المانع ومن بخل
فقد منع هذا هو الحق غير أنا نلتمس له وجهاً وهو أن نقول: كل بخل منع وما كل منع بخل،
فمن منع المستحق حقُّه فقد بخل، والحق قرّر قول موسى أن الله أعطى كل شيء خلقه، فما
بخل عليك من أعطاك خلقك ووفاك حقّك فمنع ما لا يستحقه الخلق ليس بمنع بخل، فبهذا
القدر نجعل التفرقة بين المنعين، وكذلك اسم الكاذب ممّا اختصّ به العبد. ولا ينبغي أن
يطلق على الحق فهو الصادق بكل وجه، كما أن العبد صادق وكاذب، وصادق أيضاً بكل
وجه، ولكن نسبة الصدق إلى العبد بكل وجه معروف عندنا لعلمنا بنا ونسبتها إلى الحق
مجهولة لنا فهو الصادق كما ينبغي أن يضاف إليه الصدق، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥]. وقال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة، فقيد نزوله بالزمان،
والتقييد بالزمان تقييد بالانتقال، وكل ذلك مجهول النسبة ثابت الحكم متوجّه كما ينبغي
لجلاله، وكذلك الاسم الجاهل من أسماء الكون ولا يليق بالجناب الإلهيّ، فالإله عالم من
حيث إنه موصوف بالعلم، والعبد عالم من حيث إنه موصوف بالعلم، وجاهل من حيث
خصوص تعلّق علمه ببعض الأشياء دون بعض، والحق مطلق العلم عامّ التعلّق، وقد قال
تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ١٦] فحدّد خلاف المعقول.
وأشارت السوداء أن الله في السماء حين قال لها رسول الله و الجر: ((أَيَنْ اللَّهُ)) وأثبت لها
الإيمان في إشارتها، وهذا خلاف دليل العقل، فقد عرف من الله ما لم نعرف ومع هذا فنقول:
إن الله هو العالم بنفسه وهو الصحيح، فما من اسم تسمّى العبد به ولم يتسم الحق به وكان في
الخلق نعت نقص وسفساف خلق إلاَّ والعقل والحق قد منع أن يطلق على الله ذلك الاسم أو
ينسب إليه ذلك الخلق، ومع هذا فإنه يخبر بأمور وفصول تقابل أدلة العقول فهو الفعّال لما
يشاء، والجاعل في خلقه ما يشاء لا احتكام عليه وهو الحاكم ﴿لَا يُنْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾
[سورة الأنبياء: الآية ٢٣] وقد نبهناك على أمر جليل وعلم عظيم وسرّ غامض خفي لا يعلمه إلاّ
الله، ومن أعلمه من المخلوقين أحاله عقل وورد به نقل وبعد عنه فهم وقبله فهم.
فإن تدبرت فصول هذا الباب وقفت على لباب المعرفة الإلهية وتحققت قوله بَطاهر: ((مَنْ

٣٦٦
في المعاملات / الباب التاسع والأربعون ومائة في معرفة مقام الخلق وأسراره
عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وقد أوجدتك أنك محل لكل صفة محمودة ومذمومة، ثم أعلمتك معنى
الحمد والذمّ وحدّدتك وأطلقتك ذلك لتعلم أنك العالم الذي لا يعلم، وهو سبحانه العالم الذي
يعلم ولا يعلم، فلا يعلم ما هو العبد عليه وأعني بالعبد العالم كله والإنسان إلاَّ الله تعالى هو
يعلمه، ثم أعلم بعض عبيده، فمنا من علم نفسه، ومنا من جهل نفسه، ومنا من تخيّل أنه علم
نفسه، ومنا من علم من نفسه بعض ما هو عليه في نفسه، وبذلك القدر ينسب إليه أنه علم من
ربه، فإنه (مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وكما لا يجتمع الدليل والمدلول لا تجتمع أنت وهو في حدّ
ولا حقيقة فإنه الخالق وأنت المخلوق وإن كنت خالقاً، وهو المالك وأنت المملوك وإن كنت مالكاً،
فلا يحجبنك الاشتراك في الأخلاق فإنك المخلوق وهو الخلاق، فهذا مقام الخلق قد أبنته، وما
عدا هذا تما تشير إليه الصوفية من التخلّق فهو تلفيق من الكلام وقولهم في التخلّق بالأسماء
كذلك، ونحن قد أطلقنا مثل ما أطلقوه، ولكن عن علم محقق وإطلاق مطلق بأدب إلهيّ عن
تحقّق، فهو في الحقيقة خلق لا تخلّق كما أفهمتك، وأكثر من هذا الإيضاح والبيان الذي يطلبه هذا
المقام فلا يكون، فإنا ما تعدينا فيه حدود الله في عبارتنا ولا ذكرنا شيئاً ما نسبه إلى نفسه فما خرجنا
عن كلامه وما أنزله على الصادقين من عباده ﴿هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٣٠] بل ﴿هُوَ
اَلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة يوسف: الآية ٨٣] فهو العليم ولا عالم، وهو الحكيم في ترتيب العالم، فالعالم
والعليم أعمّ، والحكيم تعلق خاص للعلم فهذا هو التحقّق بالخلق الإلهيّ .
وأما الأخلاق التي تحتاج إلى معرفتها أهل السلوك وكلنا سالك إذ لا تصحّ نهاية فهو أن
نقول: إن العرف والشرع قد وردا بمكارم الأخلاق وسفساف الأخلاق وأمرنا بإتيان مكارمها
وإجتناب سفسافها. ثم إن الشرع قد نبّه على أنها على قسمين: من الأخلاق ما يكون في جبلة
الإنسان كما قال رسول الله وَ ل﴿ للأشج أشج عبد القيس: ((إِنَّ فِيكَ لَخضلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ)) وفي لفظ آخر لغير مسلم: ((فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَيْءٌ جُبِلْتُ
عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلِنِي عَلَيْهِمَا)) أو كما قال. ومنها مكتسبة، فالمكتسب
هو الذي يعبر عنه بالتخلق وهو التشبّه بمن هي فيه هذه الأخلاق الكريمة جبلية في أصل
خلقه، ولا شك أن استعمال مكارم الأخلاق صعب لملاقاة الضدّ في استعمالها في الكون، فإن
الغرضين والإرادتين من الشخصين إذا تعارضتا وطلب كل واحد منهما منك أن تصرف معه
كريم خلق بقضاء غرضه ولا يتمكن لك الجمع بينهما فمهما أرضيت الواحد أسخطت الآخر،
وإذا تعذّر الجمع واستحال تعميم الرضى وتصريف الخلق الكريم مع كل واحد منهما تعين على
الإنسان أن يخرج عن نفسه في ذلك ويجعل الحكم فيه للشرع فيتخذه لهذا الباب ميزاناً وإماماً،
فاجعل إمامك ما يرضي الله وفيما يرضي الله، ولتصرف خلقك الكريم مع الله خاصة فهو
الصاحب والخليفة وهو أولى أن يعامل بمكارم الأخلاق، فما قدّمه الله قدّمه، فإن ذلك التقديم
هو تصريف الحق لذلك الخلق مع ذلك العبد وفي ذلك المحل، فتصريف خلقك مع الله أولى
من تصريفه مع الكون بل هو واجب لا أولى، فإن جميع الخلق من الملائكة والرسل والمؤمنين
يحمدونك على ذلك الفعل والخلق الذي عاملت به ذلك الشخص الذي قدمه الحق وأوجب

٣٦٧
في المعاملات/ الباب الخمسون ومائة في معرفة مقام الغيرة التي هي الستر وأسراره
عليك أن تعامله به، وما يذمك فيه إلاَّ صاحب ذلك الغرض إذا لم يكن مؤمناً ومراعاة الأصل
أولى، وإذا لم تتخلق بمكارم الأخلاق على ما رسمته لك لم يصحّ لك هذا المقام ويذمّك فيه كل
مخلوق، ألا ترى شاهد الزور فإنه أوّل من يتجرح عنده ولا يعتقد فيه ويذمّه في باطنه من شهد
له وقد أسخط الله وملائكته ورسله والمؤمنين.
وليست مكارم الأخلاق إلاَّ ما يتعلق منها بمعاملة غيرك لا غير، وما عدا ذلك فلا
يسمّى مكارم خلق، وإنما هي نعوت يتخلق بها لتصحيح الصورة أو النسبة لا غير، هذا هو
ربط هذا الباب في السالكين والمخلصين سعادة الأبد، وتفاصيل تصاريف الأخلاق مع
الموجودات تكثر لو بيّناها وكيفياتها لم يحصرها كتاب. وبعد أن أعطيناك أصلاً فيها تعتمد
عليه فاعمل به وهو أن تنظر إلى حكم الشرع في كل حركة منك في حق كل موجود فتعامله
بما قال لك الشارع عامله به على الوجوب أو الندب ولا تتعداه تكن في ذلك محمود النقيبة
مأموناً معظماً عند الله صاحب نور إلهيّ.
نكتة: فإن كنت فعالاً بالهمة أرضيت جميع الموجودات عنك إذ كان لك التصرّف في
الكل وهو مقام عزيز يعلم ويعقل، ولكن ما حصله أحد من خلق الله فهو مخصوص بالحق، ولا
يظهر به الحق إلاَّ إذا أخذ أهل النار منازلهم وأهل الجنة منازلهم رضي الكل بما هم فيه بإرضاء
الحق، فلا يشتهي واحد منهم يخرج عن منزلته وهو بها مسرور وهو سرّ عجيب ما رأينا أحداً نبّه
عليه من خلق الله وإن كانوا قد علموه بلا شك وما صانوه والله أعلم إلا صيانة لأنفسهم ورحمة
بالخلق، لأن الإنكار يسرع إليه من السامعين، ووالله ما نبهت عليه هنا إلاَّ لغلبة الرحمة عليّ في
هذا الوقت، فمن فهم سعد ومن لم يفهم لم يشق بعدم فهمه وإن كان محروماً والسلام.
الباب الخمسون ومائة
في معرفة مقام الغيرة التي هي الستر وأسراره
[نظم: السريع]
ما أعجبَ الغَيْرَةَ في العالم
وقولنا الله غيورٌ على
وقد قبلناه ولكنَّه
وأنه من حيثُ أفكارُنا
والكَشْفُ مثلُ الشَّرْع في قوله
والأمرُ حقٌّ وهو أعجوبةٌ
قد جعل الشّبْلِيُّ في حكمه
وهو من أهل الكَشْفِ في عِلْمنا
وعند أهل الفكر في زَعْمِهِمْ
بأنها من عالِم زَلَّةٌ
ووَصْفُنَا الله بها أَعْجَبُ
ما قرَّر الشرعُ وما نَذْهَبُ
من أصعب الأمر الذي يُنْسَبُ
فرضٌ مُحَالٌ عينه يُخْصَبُ
وشأنُ ربِّ الكَشْف لا يُحجَبُ
من أجلها عقولُهم تَهْرُبُ
أن لها حكماً وذا أضْعَبُ
ضَرْبُ مثال عندنا يُضْرَبُ
على الذي يُعْطيهِمُ المَذْهَبُ
وهي إلى حكم العَمَى أقْرَبُ

٣٦٨
في المعاملات/ الباب الخمسون ومائة في معرفة مقام الغيرة التي هي الستر وأسراره
اعلم أيّدنا الله وإياك بروحٍ منه أن الغيرة نعتِ إلهيّ، ورد في الخبر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ
فِي سَعْدٍ : ((إِنَّ سَعْدَاً لَغَيُورٌ وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ غَيْرَتِهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ)) وفي هذا
الحديث مسألة عظيمة بين الأشاعرة والمعتزلة وهو حديث صحيح، فالغيرة أثبتها الإيمان ولكن
بأداة مخصوصة وهي اللام الأجلية أو من أو الباء، وتستحيل بأداة على وهي التي وقعت من الشبلي
إمّا غلطة وإمّا قبل أن يعرف الله معرفة العارفين، فالغيرة في طريق الله هي الغيرة لله أو بالله أو من
أجل الله، والغيرة على الله محال، فتحقيق كونها نعتاً إلهياً وهو نعت يطلب الغير ولذا سميت
غيرة، فلولا ملاحظة الغير ما سمّيت غيرة ولا وجدت، فالإله القادر يطلب المألوه المقدور وهو
الغير فلا بدّ من وجود ما يطلب الإله وجوده، فأوجد العالم على أكمل ما يكون الوجود فإنه لا بدّ
أن يكون كذلك لاستحالة إضافة النقص إلى الكامل الاقتدار فلذلك قال: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾
[سورة طه: الآية ٥٠] وهو الكمال، فلو لم يوجد النقص في العالم لما كمل العالم، فمن كمال العالم
وجود النقص الإضافي فيه، فلذلك قلنا: إنه وجد على أكمل صورة بحيث أنه لم يبق في الإمكان
أكمل منه لأنه على الصورة الإلهية. ورد في الخبر: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)) فكان في قوّة
الإنسان من أجل الصورة أن ينسى عبوديته ولذلك وصف الإنسان بالنسيان فقال في آدم ﴿فَسِىَ﴾
[سورة طه: الآية ٨٨] والنسيان نعت إلهيّ، فما نسي إلاَّ من كونه على الصورة فما زلنا ممّا كنّا فيه،
قال تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٧] كما يليق بجلاله.
فلما علم الحق أن هذا العبد بما كمله الله به من القوّة الإلهية بالصورة الكمالية لا بدّ أن
يدّعي في نعوت ما هو حق لله لطلب الصورة الكمالية لذلك النعت وهو من بعض النعوت
الإلهية فغار الحق من المشاركة في بعض نعوت الجلال وشغل الإنسان بما أباح له من باقي
النعوت الإلهية، فلما علم أيضاً أنه لا يقف عند ذلك وأنه لا بدّ أن يعطي الصورة الكمالية
حقّها في الاتصاف بالنعوت الإلهية وأنها تتعدى ما حجر عليها مثل العظمة والكبرياء
والجبروت فقال: الصورة الكمالية حقّها في الاتصاف بالنعوت الإلهية وأنها تتعدّى ما حجر
عليها مثل العظمة والكبرياء والجبروت فقال: ((الكِبْرِيَاءُ رِدَائِ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي مَنْ نَازَعَنِي
واحِداً مِنْهُمَا قَصَمْتُهُ)) وقال: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ﴾ [سورة غافر: الآية
٣٥] فهذا هو عين الغيرة، غار على هذه النعوت أن تكون لغير الله فحجرها، وكذلك تحجرت
على الحقيقة بقوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَّبٍِّ جَبَّارٍ﴾ فلا يدخل مع هذا الطابع
قلب كون من الأكوان تكبر على الله ولا جبروت لأجل هذا الطبع، فعلم كل من أظهر من
المخلوقين دعوى الألوهية كفرعون وغيره وتكبّر وتجبّر كل ذلك في ظاهر الكون، وهذا الذي
ظهرت منه صفة الكبرياء مطبوع على قلبه أن يدخل فيه الكبرياء على الله، فإنه يعلم من نفسه
افتقاره وحاجته وقيام الآلام به من ألم جوع وعطش وهواء ومرض التي لا تخلو هذه النشأة
الحيوانية عنه في هذه الدار، وتعذر بعض الأغراض أن تنال مرادها وتألمه لذلك، ومن هذه
صفته من المحال أن يتكبر في نفسه على ربه، فهذا معنى الطابع الذي طبع الله على قلب المتكبر
الذي يظهر لكم به من الدعوى الجبار يجبركم على ما يريد فمنكم المطيع والمخالف ولو هلك

٣٦٩
في المعاملات/ الباب الخمسون ومائة في معرفة مقام الغيرة التي هي الستر وأسراره
بمخالفته، ولهذا يرجى حكم السعادة في المآل ولو بعد حين، فإن القلوب ما يدخلها كبرياء
على الله لكن يدخلها بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
النَّاسِ﴾ [سورة غافر: الآية ٥٧] وإذا علمت السماء أنها أكبر من خلق الناس كانت موصوفة
بالكبرياء على الناس وذلك الكبرياء لا يقدح فيها فهذا معنى الغيرة الإلهية، فلا رافع لما حجره،
فلا يتكبر على الله فيما بينه وبين الله أحد من خلق الله هذا محال وقوعه، والقدر الذي وقع عليه
التحجير الظاهر عليه وقع الذمّ لمن انتهكه وأضافه إلى نفسه وكذبوا على الله فيه.
وأما الغيرة لله ومن أجل الله وبالله فهو أن يرى الإنسان ما حدّه الحق أن يتعداه الخلق
فيقوم به صفة الغيرة لله لا لنفسه، ومن أجل الله لا من أجل نفسه، إذا علم أن الخلق عبيد الله،
وأنه من حكم العبد أن لا يتعدى حد ما رسم له سيده، وأما أن يغار على الله فإن الغيرة ستر
يحجب المغار عليه حتى لا يكون إلاَّ عنده خاصة، وطريق الله مبني على أن ندعو الخلق إلى
الله، وأن نردّهم إليه ونحببه إليهم ونعرفهم به وبمكانته، وبهذا أمرنا، والغيرة الكونية تأبى
ذلك كله لجهلها بالمغار عليه الذي لا يستحق الغيرة عليه، ولولا الوقوع فيمن انتمى إلى الله
وجهل بعض ما ينبغي لله وقصد بذلك الخير ولكن ما علم طريقه وإلا كنا نذكر جهل هذا
القائل بالغيرة على الله، ولكن يكفي تنبيهنا على أن هذا ليس بصحيح، وإنما التبس على مثل
هؤلاء الغيرة الله بالغيرة على الله، وما علموا ما بينهما من الفرقان.
ذكر في باب الغيرة القشيري في رسالته عن بعضهم أنه قيل له: متى تستريح؟ قال: إذا
لم أر له ذاكراً، وليس هذا بغيرة، فالقشيري أخطأ حيث جعل مثل هذا في باب الغيرة من
كتابه، وتخيّل أن الشبلي في حال رؤية الذاكرين الله على الغفلة وبعدم الحرمة مثل من يذكره
بلغو الأيمان والأيمان الفاجرة، وذكر الله في طلب المعاش في الأسواق فغار أن يذكر بهذه
الصفة لما لم يوف المذكور حقّه من الحرمة عند الذكر، والشبلي ما يبعد أن يكون هذا قصده
بذلك القول في بدء أمره وفي وقت حجابه عن معرفة ربه. وأما مع المعرفة فلا يكون هذا
يعني قوله إذا لم أر له ذاكراً، وأن معنى ذلك عندنا في حق كبراء العارفين أن الذكر لا يكون
مع المشاهدة، فلا بدّ للذاکر أن یکون محجوباً وإن کان الله جلیس الذاکر ولکنه من وراء
حجاب الذكر، وكل من هو خلف حجاب من مطلوبه فإنه لا راحة عنده، فإذا رفع الحجاب
وقعت المشاهدة وزال الذكر بتجلي المذكور، فلذلك قال: إنما أستريح إذا لم أر له ذاكراً،
فطلب أن تكون مشاهدته تمنعه عن إدراك الذاكرين، أو تمنى للذاكرين أن يكونوا في مقام
الشهود الذي يمنعهم من الذكر، إذ المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، على هذا يخرج قول
هذا الرجل إن كان من العارفين، وعلى ذوق آخر وهو أنه لا يستريح إلاّ إذا رأى إن الذكر هو
الله لا الكون إذا كان الحق لسانه كما هو سمعه وبصره ويده فيستريح لأنه رأى أنه قد ذكره من
يعلم كيف يذكره، إذ كان هو الذاكر نفسه بلسان عبده فاستراح عند ذلك فلم ير له ذاكراً غيره.
وأما غيرة الرسول وأكابر الأولياء فغيرتهم لله كما قلنا وهي غيرة أدب، والغيرة كتمان ما
ينبغي أن يكتم لعدم احترامه لو ظهر عند من لا يقدر قدره كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
الفتوحات المكية ج٣ - م٢٤

٣٧٠
في المعاملات/ الباب الحادي والخمسون ومائة في معرفة مقام ترك الغيرة وأسراره
قَدْرِهٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٧] فمن الغيرة ستر مثل هذا، ومن الغيرة الإلهية ستره لضنائنه من أهل
الخصوص في كنف صونه فلا يعرفون وذلك رحمة بالخلق، فإنه تعالى لو أبدى مكانتهم
ورتبتهم العلية لمن علم منه أنه لا بدّ أن يجري الأذى على يديه في حق هذا المقرب المجتبى
ثم جرى منه ذلك الأذى في حقّه لكان عدم احترام للجناب الإلهيّ حيث لم يعظم ما عظمه الله
فسترهم عن العلم بهم فما احترموهم وآذوهم لجهلهم بهم وذلك لما قدره الله، ولهذا تسأل
هذا الذي آذى ذلك العبد المقرب من نبيّ أو صديق فتقول له من غير تعيين: ما عندك في
أولياء الله؟ فيجد عنده من الحرمة لهم والتبرّك بذكرهم والخضوع تحت أقدامهم لو وجدهم،
فإذا قلت له: هذا منهم وهو منهم لم يقم عنده تصديق بذلك ولو جئته بأمر معجز، وكل آية ما
قدر يعتقد أن ذلك آية ولا أعطته علماً فما آذى إلاَّ من جهل لا من علم، وممّا يؤيد ما ذكرناه
أنه لو حسن الظنّ بشخص وتخيّل أنه من أولياء الله وليس كذلك في نفس الأمر عظّمه
واحترمه، هذا في فطرة كل مخلوق، فما قصد أحد انتهاك حرمة الله في أوليائه وهذا من غيرة
الحق. فإن قلت: فقد آذوا الله مع علمهم بأنه الله. قلنا في الجواب عن ذلك: ما علموا أن
ذلك أذى وأنهم تأوّلوا فأخطأوا في نفس الأمر لحكم الشبهة التي قامت لهم وتخيّلوا أنها دليل
وهي في نفس الأمر ليست كذلك، وهذه كلها من الحق في عباده أمور مقدرة لا بدّ من
وقوعها، فمن غيرته حجابهم عن العلم به وبالخاصة من عباده، فجناب الله وأهل الله على
الإطلاق محترمون ما لم تعين أو يتأوّل فاعلم ذلك.
الباب الحادي والخمسون ومائة
في معرفة مقام ترك الغيرة وأسراره
[نظم: الرجز]
من يُوْقَ شُحَّ نفسه فهو الذي
وغَيْرَةُ العبد إذا حقَّقْتَها
وغَيْرَة الحقِّ إذا عَلِمْتَها
فلا تَقُلْ بِغَيْرة فإنها
وأين عينُ الغير وهو عَدَمٌ
وانسُبْ إلى الباريء ما قال وما
ممّا لَوَ أَنَّ العقلَ يبقى وحدَهُ
فإن يكن بَعْدُ سؤالٌ قاله
فالحقُّ ما قرّره الشرعُ ولو
فالمؤمنُ الحقُّ بهذا مؤمنٌ
لأنه ظنَّ وبعضُ الظنّ قد
بنوره في كل أمر يُهْتَدَى
شُخِّ طبيعيٍّ من اسباب الرَّدَى
من رؤية الغَيْر ولا غيرٌ بَدَا
مشتقّةٌ من غير فاتركها سُدَى
فاسلُكْ هُدِيْتَ الرُّشْدَ أسبابَ الهُدَی
جاء به شَرْعٌ ولكن ابْتَدَا
ما قاله معتقداً وقدّدا
فـهـ دواءٌ وهو بالبرهان دا
دلَّ على كل مُحَالٍ وبَدا
وكل من أوَّلَهُ قَدِ اعْتَدَى
يكون إثماً قائداً نحو الرَّدَى
إذا اقتضى نظر العبد العارف ظهور الحق في أعيان الممكنات الثابتة وأنها ما استفادت

٣٧١
في المعاملات/ الباب الثاني والخمسون ومائة في مقام الولاية وأسرارها
منه الوجود وإنما استفادت منه ما ظهر مما هي عليه من الحقائق عند ظهوره فيها، فأعطته كل
وصف ونعت اتصف به ممّا تضيفه بطريق الحقيقة إلى الإنسان أو العالم كيفما شئت. قلت :
ومن جملة النعوت الغيرة المحكوم بها في نسبة ما ظهر به الظاهر لظهور آخر لحكم آخر من
عين آخر، فإذا كانت العين واحدة فلا غيرة إذ لا غير، وإذا نزلت عن هذا النظر إلى قوله :
﴿مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَِهَا﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [سورة
الصافات: الآية ٩٦] لم يصحّ وجود الغيرة، فإن الغيرة متعلقها النسب أو قل الأعمال وهي كلها
الله، فعلى من تقع الغيرة وما هو، ثم إذ كانت النسب والأعمال كلها لله والغيرة المعلومة
الظاهرة في الكون شحّ طبيعيّ والشحّ في ذلك الجناب العالي وفي الأرواح العلى لا يصح،
فإذا ظهرت فمن النفس الحيوانية ولهذا توجد الغيرة في الحيوانات، وأصلها ضيق الملك وفقد
الغرض، فالكرم المطلق لا يكون معه غيره أصلاً.
الباب الثاني والخمسون ومائة
في مقام الولاية وأسرارها
[نظم: البسيط]
إن الولايةَ عندَ العارفين بها
حِبَالَةٌ نُصِبَتْ للعارفين بها
والعبدُ ليس له في حُكْمها قَدَمٌ
إن تنصروا الله ينصُرَكُم فقد نَزَلَتْ
وما الإلهُ بمحتاج لنصرتنا
فَسَلْمَنْهُ إلى من جَاء منه وقُلْ
نَعْتُ اشتراكِ ولكنْ فيه إِشْرَاكُ
صَيْدُ العقول وسيْفُ الشَّرْعِ بِتَّاكُ
وكيف يَقْضي بشيء فيه إشراكٌ
وعينُ تحقيقها ما فيه إدراك
وقد أتتكُمْ به رُسْلٌ وأَمْلاكُ
العَجْزُ عن دَرَكِ الإدراك إدراكٌ
الولاية نعت إلهيّ وهو للعبد خلق لا تخلق، وتعلّقه من الطرفين عام، ولكن لا يشعر
بتعلّقه عموماً من الجناب الإلهيّ، وعموم تعلّقه من الكون أظهر عند الجميع، فإن الولاية نصر
الوليّ أي نصر الناصر، فقد تقع لله وقد تقع حمية وعصبية، فلذلك هو عام التعلّق. ولما كان
هذا النعت للإله كان عام التعلّق، وهكذا كل نعت إلهيّ لا بدّ أن يكون عام التعلّق، وإن لم
يكن كذلك فليس بنعت إلهيّ، لكن بعض النعوت مثل نعت الولاية لا ينسبه الله لنفسه إلا
بتعلّق خاص للمؤمنين خاصة والصالحين من عباده وهو ذو النصر العام في كل منصور. ولما
كان نعتاً إلهياً هذا النصر المعبر عنه بالولاية وتسمّى سبحانه به وهو اسمه الولي وأكثر ما يأتي
مقيداً كقوله: ﴿اَللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٧] سرى في كل ما ينسب إليه إلهية
ممّا ليس بإله، ولكن لما تقرر في نفس المشرك أن هذا الحجر أو هذا الكوكب أو ما كان من
المخلوقات أنه إله وهو مقام محترم لذاته تعين على المشرك احترام ذلك المنسوب إليه لكون
المشرك يعتقد أن تلك النسبة إليه صحيحة ولها وجه .
ولما علم الله سبحانه أن المشرك ما احترم ذلك المخلوق إلاَّ لكونه إلهاً في زعمه نظر

٣٧٢
في المعاملات / الباب الثاني والخمسون ومائة في مقام الولاية وأسرارها
الحق إليه لأنه مطلوبه، فإذا وفى بما يجب لتلك النسبة من الحق والحرمة وكان أشد احتراماً
لها من الموحد وتراءى الجمعان كانت الغلبة للمشرك على الموحد، إذا كان معه النصر الإلهيّ
لقيامه بما يجب عليه من الاحترام الله، وإن أخطأ في النسبة وقامت الغفلة والتفريط في حق
الموحّد فخذل ولم تتعلق به الولاية لأنه غير مشاهد لأيمانه، وإنما قاتل ليقال فما قاتل الله فإن
الله يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم: الآية ٤٧] فأي شخص صدق في احترام
الألوهية واستحضرها وإن أخطأ في نسبتها ولكن هي مشهودة كان النصر الإلهيّ معه غيرة إلهية
على المقام الإلهيّ فإنه العزيز الذي لا يغلب، فما جعل نصره واجباً عليه للموحد وإنما جعله
للمؤمن بما ينبغي للألوهية من الحرمة ووفى بها من وفى، وهذا من أسرار الولاية التي لا
يشعر بها كل عالم فإن هذا لسان خصوص، وأما لسان العموم في هذه الآية وهو: ﴿نَصْرُ
اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ فنقول: إن الموحّد إذا أخلص في إيمانه وثبت نصر على قرنه بلا شك فإذا طرأ عليه
خلل ولم يكن مصمت الإيمان وتزلزل خذله الحق وما وجد في نفسه قوّة يقف بها لعدوه من
أجل ذلك الخلل فانهزم، فلما رآه عدوه منهزماً تبعه وظهرت الغلبة للعدو وعلى المؤمن فما
نصر الله العدو، وإنما خذل المؤمن لذلك الخلل الذي داخله فلما خذله لم يجد مؤيّداً فانهزم
فبالضرورة يتبعه عدوه فما هو نصر للعدو وإنما هو خذلان للمؤمن لما ذكرناه، هذا لسان
العموم في هذه المسألة، فالولاية من الله عامة في مخلوقاته من حيث ما هم عبيده، وبهذه
الولاية تولاهم في الإيجاد.
ولما كان متعلق الولاية المؤمنين لذلك أشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُوا بٌَّ﴾
[سورة الأعراف: الآية ١٧٢] ولم يقل لهم ألست بواحد لعلمه بأنه إذا أوجدهم أشرك بعضهم ووحد
بعضهم واجتمعوا في الإقرار بالربوبية له وزاد المشرك الشريك. ثم إنه سبحانه من عموم ولايته
أن تولاهم بالوجود في أعيانهم ويحفظ الوجود عليهم وبتمشية أغراضهم، وتولاهم بما رزقهم
ممّا فيه قوام عيشهم ومصالحهم عموماً، ووفق من وفق منهم بولايته لوضع نواميس جعلها في
نفوسهم من غير تنزّل الذي هو الشرع، فوضعها حكماء زمانهم وذوو الرأي منهم العلماء بما
يصلح العالم فتولاهم سبحانه بأن قرّر في أنفسهم ما ينبغي أن تكون به المصلحة لهم مراعاة لكل
جزء منهم، فإن كل جزء من العالم مسبح لله تعالى من كافر وغير كافر، فإن أعضاء الكافر كلها
مسبحة لله ولهذا يشهد عليه يوم القيامة جلده وسمعه وبصره ويده ورجله، غير أن العالم لا
يفقهون هذا التسبيح وسريان هذه العبادة في الموجودات وهذا من توليه سبحانه .
ثم إنه تولاهم بإنزال الشرائع الصادقة المعرفة بمصالح الدنيا والآخرة، ثم تولاهم بما
أوجد من الرحمة فيهم التي يتعاطفون بها بعضهم على بعض في الوالدين بأولادهم في
تربيتهم، وبالأولاد على والديهم من البرّ بهم والاعتماد عليهم، وبما جعل من شفقة المالكين
على مماليكهم وعلى ما يملكونه من الحيوانات، وتولّى الحيوان بما جعل فيهم من عطف
الأمهات على أولادها في كل حيوان يحتاج الولد إلى تدبير أمه، وتولاهم بالأغراض ليهون
عليهم المشقات، ويسمّى مثل هذا تسخيراً فيخرج الشخص لنيل غرضه فيما يزعم وهو من

٣٧٣
في المعاملات / الباب الثالث والخمسون ومائة في معرفة مقام الولاية البشرية وأسرارها
حيث التولي الإلهي ما خرج إلاّ في حق الغير وهو يتوهم أنه في حق نفسه كالتجار وأمثالهم
فألقى في نفس التاجر المسافر طلب الربح في تجارته فقام طيباً نشيط النفس واشترى من
البضاعات ما يحتاج إليه أهل ذلك البلد الذي يقصده، فيجوب الأمصار ويركب البحار ويتعدّى
الأماكن القريبة من أجل حاجة أهل البلد الذي يقصده بما جعل الله في قلبه من ذلك بولايته، فإذا
وصل إلى ذلك البلد باع بربح أو خسارة ونال أصحاب تلك المدينة أغراضهم ووصلوا إلى
حوائجهم، وهذا المسخر يتخيل في نفسه أنه ليس بمسخر وإنما سافر ليكسب، فلو خرج بنية
التسخير وجعل الكسب تبعاً كان مستريح الخاطر إن كسب وإن لم يكسب، فلهذا قلنا إن ولاية
الله عامة التعلّق لا تختص بأمر دون أمر، ولهذا جعل الوجود كله ناطقاً بتسبيحه عالماً بصلاته
فلم يتول الله إلاَّ المؤمنين وما ثم إلاَّ مؤمن والكفر عرض، عرض للإنسان بمجيء الشرائع
المنزلة، ولولا وجود الشرائع ما كان ثم كفر بالله يعطي الشقاء ولذلك قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥] وما جاءت الشرائع إلاَّ من أجل التعريف بما هي الدار الآخرة
عليه، ولو كانت مقصورة على مصالح الدنيا لوقع الاكتفاء بالنواميس الحكمية المشروعة التي
ألهم الله من ألهم من عباده لوضعها لوجود المصالح، فهذه ولاية الحق وأسرارها وهي الولاية
العامة وولاية الولاية الكونية البشرية والملكية منها ويكفي هذا القدر.
ولما جعلهم الله أولياء بعضهم لبعض فقال في المؤمنين: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [سورة الأنفال:
الآية ٧٣] والمؤمنات، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٧٣] فجعل الولاية
بينهم تدور، قال عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية: الآية ١٩] لأنه قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٧] من طغى إذا ارتفع، وقال في حق نفسه: ﴿رَفِيعُ
الدَّرَحَتِ﴾ [سورة غافر: الآية ١٥] وهم يعتقدون في الطاغوت الألوهية كما تقدم فلذلك رفعوه، فما
عبدوا إلاَّ الرفيع الدرجات ﴿وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١٠] فاجعل بالك وتدبره تعثر على
قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣]. انتهى الجزء الخامس ومائة.
(الجزء السادس ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَةِ
الباب الثالث والخمسون ومائة
في معرفة مقام الولاية البشرية وأسرارها
[نظم: البسيط]
مِنْ صُورةِ الحقُّ نلنا من ولايته
لنا الخلافةُ في الدنيا محقّقةً
إنا على النّصْفِ من جنّاتنا أبداً
وهو الكمالُ كمالُ الذات يجمعنا
جميعِها فَلَنا في الحرب إقدامُ
وما لها في جنان الخُلْد أحكامُ
وما لنا في كثيب العين أقدامُ
فيه ابتهاجْ بنا ما فيه آلامُ

٣٧٤
في المعاملات/ الباب الثالث والخمسون ومائة في معرفة مقام الولاية البشرية وأسرارها
ودار دنياك أمراضٌ وعافيةٌ
يقول افعلْ فلا تسمَغْ مقالتّه
لذاك قلنا فلم تسمَعْ مقالتْنَا
لو قال من قال كُنْ بنَعْتِ خالِقِهِ
لذاك خصَّ من الألفاظ لفْظَةَ كُنْ
تعصي الأوامرَ فيها وهو عَلاَّمُ
ولا يرى منه عند النَّقْض إبرامُ
وفيه لله إتقان وإحكامُ
بَدَتْ لعينك أرواحٌ وأجسامُ
لها الوجودُ وما في الكون إعدامُ
الولاية البشرية قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ﴾ [سورة محمد: الآية ٧] وقوله أمراً: ﴿كُنُواْ أَنْصَارَ
اللَّهِ﴾ [سورة الصف: الآية ١٤] فعلمنا أنه لو لم يكن ثم مقابل لوجود الحق ولوجوب وجوده يطلبنا
ذلك المقابل بالنصر لنكون في قبضته وملكه على وجود الحق ما قال الله لنا: ﴿كُنُواْ أَنْصَارَ
اللَّهِ﴾ على هذا المقابل المنازع وهذه تعرف بالمقابلة المعقولة. ولما كان الحق تعالى له صفة
الوجود وصفة وجوب الوجود النفسي وكان المقابل يقال له العدم المطلق وله صفة يسمّى بها
المحال فلا يقبل الوجود أبداً لهذه الصفة فلاحظ له في الوجود، كما لاحظ للوجوب الوجود
النفسي في العدم. ولما كان الأمر هكذا كنا نحن في مرتبة الوسط نقبل الوجود لذاتنا ونقبل
العدم لذاتنا ونحن لما نقبل عليه فيحكم فينا بما يعطيه حقيقته ونكون ملكاً له ويظهر سلطانه
فينا، فصار العدم المحال يطلبنا أن نكون ملكاً له، وصار الحق الواجب الوجود لنفسه يطلبنا
لنكون ملكه ويظهر فينا سلطانه ونحن على حقيقة نقبل بها الوصفين، ونحن إلى العدم أقرب
نسبة منا إلى الوجود، فإنا معدومون ولكن غير موصوفين بالمحال، لكن نعتنا في ذلك العدم
الإمكان وهو أنه ليس في قوتنا أن ندفع عن نفوسنا الوجود ولا العدم، لكن لنا أعيان ثابتة
متميزة عليها يقع الخطاب من الطرفين فيقول العدم لنا: كونوا على ما أنتم عليه من العدم لأنه
ليس لكم أن تكونوا في مرتبتي، ويقول الحق لكل عين من أعيان الممكنات: ﴿كُنْ﴾ فيأمره
بالوجود فيقول الممكن: نحن في العدم قد عرفناه وذقناه وقد جاءنا أمر الواجب الوجود
بالوجود وما نعرفه وما لنا فيه قدم، فتعالوا ننصره على هذا المحال العدمي لنعلم ما هذا
الوجود ذوقاً فكانوا عند قوله: ﴿كُنْ﴾ فلما حصلوا في قبضته لم يرجعوا بعد ذلك إلى العدم
أصلاً لحلاوة لذة الوجود وحمدوا رأيهم ورأوا بركة نصرهم الله على العدم المحال. فالعالم
من حيث جوهريته ناصر لله فهو منصور أبداً.
وجاءت الأعراض فقبلت الوجود فلما ذاقته وعلمته دعاها العدم إلى نفسه وقال لها:
إليّ مردّك لأنك عرض ولا بقاء لك في الوجود، إذ العارض حقيقته أنه لا بقاء له فارجع إليّ
عن أمري، فلذلك دلّ دليل العقل أن العرض ينعدم لنفسه، إذ الفاعل لا يفعل العدم لأنه حكم
لا شيء موجود، فانعدمت الأعراض في الزمان الثاني من زمان وجودها، فحصلت في قبضة
العدم المحال فلم ترجع بعد ذلك إلى الوجود بل يوجد الله أمثالها فتشبهها في الحدّ والحقيقة
وما هي أعيان تلك التي وجدت وانعدمت للاتساع الإلهي، فهذه ولاية ما سوى الله أي نصر ما
سوى الله لله، وهذا من أسرار الولاية البشرية ومدركها عسير، فإن مبناه على العلم بمراتب
المعلومات، فإذا فهمت هذا فاعلم أن الولاية البشرية على قسمين: خاصة وعامة، فالعامة

٣٧٥
في المعاملات/ الباب الثالث والخمسون ومائة في معرفة مقام الولاية البشرية وأسرارها
توليهم بعضهم بعضاً بما في قوتهم من إعطاء المصالح المعلومة في الكون فهم مسخرون
بعضهم لبعض، الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى، وهذا لا ينكره عاقل فإنه الواقع، فإن أعلى
المراتب الملك، فالملك مسخّر في مصالح الرعايا والسوقة، والرعايا والسوقة مسخّرون
للملك، فتسخير الملك الرعايا ليس عن أمر الرعايا، ولكن لما تقتضيه المصلحة لنفسه وتنتفع
الرعايا بحكم التبع لا أنهم المقصودون بذلك الانتفاع الذي يعود عليهم من التسخير، وتسخير
الرعايا على الوجهين: الوجه الواحد يشاركون فيه الملك من أنهم لا يبعثهم على التسخير إلاّ
طلب المنفعة العائدة عليهم من ذلك كما يفعله الملك سواء، والتسخير الثاني ما هم عليه من
قبول أمر الملك في العسر واليسر والمنشط والمكره وبهذا ينفصلون عن تسخير الملوك فهم
أذلاء أبداً لا يرتفع لهم رأس مع حاجة الملوك إليهم وهذا هو القسم العام.
وأما القسم الخاص فهو ما لهم من الولاية التي هي النصرة في قبول بعض أحكام
الأسماء الإلهية على غيرها من الأسماء الأخر بمجرّد أفعالهم وما يظهر في أكوانهم لكونهم
قابلين لآثار الأسماء فيهم، فينزلون بهذه الولاية منازل الحقائق الإلهية، فيكون الحكم لهم
مثل ما هو الحكم للأسماء بما هم عليه من الاستعداد، وهذه الولاية في أصحاب الأحوال
أظهر في العامة من ظهورها في أصحاب المقامات، وهي في أصحاب المقامات في
الخصوص أظهر من ظهورها في أصحاب الأحوال ولكن مدركها عسير، فإن صاحب المقام
على العادة المستمرة وهو متغير في كل زمان مع كل نفس لأنه في كل نفس في شأن إلهيّ لا
علم لكل أحد به مع قيامه به من حيث لا يشعر فلا يحمد عليه، وهذا الخاص يحمد عليه
وصاحب الحال خارق للعادة فتحيد إليه الأبصار وتقبل عليه النفوس وهو ثابت مدة طويلة
على حالة واحدة لا يشعر لتغيرها عليه ويحجبه عن معرفة ذلك حبّه لسلطنته التي أعطاها
الحال فهو على النقيض من صاحب المقام، ولو استشعر بنقصه في مرتبته لما رغب في الحال
فإنه يدل على جهله .
ولصاحب هذا المقام أحوال مختلفة: منها حال الأمانة، وحال الدنو، وحال القرب،
وحال الكشف، وحال الجمع، وحال اللطف، وحال القوّة، وحال الحماسة، وحال اللين،
وحال الطيب، وحال النظافة، وحال الأدب، فإذا تجلى في السلطنة ارتاض وقيل فيه سلطان،
وإذا تجلى في الجلال تأذّب فهو أديب، وفي تجلّي الجمال نظيف، وفي تجلّ العظمة طاهر
زكي قدوس، وإذا تجلّ في الطيب عطر عرفه، وفي الهيبة جعله سيداً، وفي اللطف ذوّبه،
وفي الحسن عشقه فروحنه، فللأولياء التفريع والإقبال، ولهم الستور والحجاب إذا قرّبهم
صانهم وسترهم وخبأهم فجهلوا، وإذا عاقبهم وليسوا بأنبياء أظهر عليهم خرق العوائد فعرفوا
فحجبوا الخلق عن الله وهم مأمورون بدعوتهم إلى الله، فالحق لأصحاب المقامات من
الأولياء مطيع ولكلامهم سميع، لهم جميع المقامات والأحوال، وهم ذكران الرجال لا
يلحقهم عيب ولا يقوم بهم فيما هم فيه ريب، لهم الآخرة مخلصة كما هي لله، ولهم الدنيا
ممتزجة كما هي لسيدهم، فهم بصفات الحق ظاهرون ولذلك جهلوا.

٣٧٦
في المعاملات / الباب الرابع والخمسون ومائة في معرفة مقام الولاية الملكية
الباب الرابع والخمسون ومائة
في معرفة مقام الولاية الملكية
[نظم: البسيط]
من المهيمن في الأملاك والبَشَرِ
إن الولايةَ تَوْقيفٌ على الخبرِ
ربُّ العباد مِنَ أهل النَّفْعِ والضَّرَرِ
وفي ملائكة الثَّسْخير أَظْهَرَها
فيها نصيبٌ على ما جاء في الخَبرِ
أما ملائكةُ التَّهْيَام ليس لهم
لا يعلمون بعينٍ لا ولا أَثَرٍ
مُهَيَّمُون سكارَى من محبَّته
الله أكْرَمهم الله قرَّبَهم
إني فدَيْتُهُمُ من كل حادثةٍ
الله خَصَّهُمُ بالمَشْهِد الخَطِرِ
لا يعلمون بها بالسَّمْع والبَصَرِ
اعلم أن الملائكة ثلاثة أصناف: صنف مهيم لما أوجدهم تجلّى لهم في اسمه الجميل
فهيمهم وأفناهم عنهم فلا يعرفون نفوسهم ولا من هاموا فيه ولا ما هيمهم فهم في الحيرة
سكارى، وهم الذين أوجدهم الله من أينية العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء، وهم
وجميع الملائكة أرواحٍ خلقهم الله في هياكل أنوار كسائر الملائكة، إلاَّ أن هؤلاء الملائكة
ليس لهم من الولاية إلاَّ ولاية الممكنات التي ذكرناها في شرح: ﴿إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ﴾ [سورة محمد:
الآية ٧]. والصنف الثاني الملائكة المسخرة ورأسهم القلم الأعلى وهو العقل الأوّل سلطان
عالم التدوين والتسطير وكان وجودهم مع العالم المهيم، غير أنه حجبهم الله عن هذا التجلي
الذي هيم أصحابهم لما أراد الله أن يهبه هذا الصنف المسخر من رتبة الإمامة في العالم، وله
ولاية تخصّه وتخصّ ملائكة التسخير. والصنف الثالث: ملائكة التدبير وهي الأرواح المدبرة
للأجسام كلها الطبيعية والنورية والهبائية والفلكية والعنصرية وجميع أجسام العالم، ولهؤلاء
ولاية أيضاً فأما ملائكة التسخير فولايتهم أعني نصرتهم للمؤمنين إذا أذنبوا وتوجهت عليهم
أسماء الانتقام الإلهية، وتوجهت في مقامات تلك الأسماء أسماء الغفران والعفو والتجاوز عن
السيئات فتقول الملائكة ما قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ
رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [سورة غافر: الآية ٧] ما يزيدون على ذلك في حق المؤمن العاصي غير التائب
اتكالاً منهم على علم الله فيما قصدوه في ذلك الكلام أدباً مع الله سبحانه حيث إنه استحق
جناب الله على أهل الله أن يغار من أجله ويدعي على من عصاه ولم يقم بأمره وما ينبغي
الجلاله، فإن الملائكة أهل أدب مع الله فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ زَّحْمَةٌ﴾ بقولك:
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] وهؤلاء العصاة من الداخلين في عموم
لفظة كل، وعلماً من قوله: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] فهذا مثل قول العبد
الصالح الذي أخبرنا الله بقوله: ﴿ إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكٌ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ اَلْحَكِيمُ﴾
[سورة المائدة: الآية ١١٨] فتأذّب مع الله في هذا القول لما عصى قومه الله تعالى ولم يتوبوا فعلم
الله منه أنه تأذّب مع الله وأنه عرّض بالمغفرة لما علم أن رحمته سبقت غضبه، غير أن نفس

٣٧٧
في المعاملات/ الباب الرابع والخمسون ومائة في معرفة مقام الولاية الملكية
الملائكة أقوى في الأدب لأنهم أعلم بالله من هذا العبد وما ينبغي لجلال الله فلم يقولوا:
﴿﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وإنما قالوا: ﴿وَسِعْتَ كُلَ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ فهذا يسمّى تعريض تنبيه
على أن الحق بهذه المثابة كما أخبر عن نفسه فقولهم: ﴿رَّحْمَةٌ﴾ [سورة غافر: الآية ٧] فقدّموا
ذكر الرحمة لأنه تعالى قدّمها لما ذكر عبده خضراً فقال: ﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [سورة
الكهف: الآية ٦٥] قبل أن يذكر ما أعطاه.
ثم ذكر بعد ذلك الذي أعطاه من أجل رحمته به فقال: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [سورة
الكهف: الآية ٦٥] فلهذا قدّمت الملائكة الرحمة وسكتت عن ذكر العصاة في دعائها، فبين كلمة
عيسى في حق قومه، وبين دعاء الملائكة في حق العبيد العصاة من الأدب بون كثير لمن نظر
واستبصر، ولهذا قام النبيّ محمد ◌َّهِ بهذه الآية: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [سورة المائدة: الآية
١١٨] ليلة كاملة ما زال يردّدها حتى طلع الفجر، إذ كانت كلمة غيره فكان يكرّرها حكاية
وقصده معلوم في ذلك، كما قيل في المثل: إياك أعني فاسمعي يا جارة. ولم يقم ليلة كاملة
بآية قول الملائكة لأن مناسبته لعيسى أقرب، ومناسبة عيسى للملائكة أقرب، لأن جبريل
توجّه على أمه مريم في إيجاد عيسى بشراً سوياً، فسلك محمد مرّ# طريقاً بين طريقين في
طلب المغفرة لقومه، فهذا استنصارهم الله في حق المؤمنين العصاة، وأما نصرتهم بالدعاء
لمن تاب منهم فهو قولهم: ربنا ﴿فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَشَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْجِيمِ﴾ [سورة
غافر: الآية ٧] فصرّحوا بذكرهم لما كان هؤلاء قد قاموا في مقام القرب الإلهيّ بالتوبة وقرعوا
بابها في رجعتهم إلى الله والملائكة حجبة الحق، فطلبوا من الله المغفرة لهم لما اتصفوا بالتوبة
وهذا من الأدب.
ثم إنهم لما عرفت الملائكة أن بين الجنة والنار منزلة متوسطة وهي الأعراف، فمن كان
في هذه المنزلة ما هو في النار ولا في الجنة، وعلمت من لطف الله بعباده أنه يجيب دعوة
الداعي إذا دعاه، فقالت الملائكة بعد قولهم: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَيِ﴾ ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدّنٍ
الَّتِ وَعَدَتَّهُمْ﴾ أي لا تنزلهم في الأعراف بل أدخلهم الجنة ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ الواو هنا بمعنى
مع، يقولون مع من صلح ﴿مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة
غافر: الآية ٨] كما قال العبد الصالح: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة المائدة: الآية
١١٨] ولم يقل واحد منهم: إنك أنت الغفور الرحيم أدباً مع الجناب الإلهيّ من الطائفتين،
فاجتمعوا بذكر هذين الاسمين في حضرة الأدب مع الله، ثم زادت الملائكة في نصرتها
للملائكة الموكلين بقلوب بني آدم، وهم أصحاب اللمات ينصرونهم بالدعاء على أعدائهم من
الشياطين أصحاب اللمات الموكلين المسلطين على قلوب العباد المنازعين لما تلقى الملائكة
على قلوب بني آدم في لماتها فقالوا: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ نصرة للملائكة على الشياطين، ثم
تلطفوا في السؤال بقولهم: ﴿وَمَن تَّقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحْتَهُ﴾ [سورة غافر: الآية ٩] ثم من
نصرتهم لمن في الأرض من غير تعيين مؤمن من غيره قول الله تعالى عنهم: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَيِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِ الْأَرْضِّ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥] مطلقاً من غير تعيين أدباً مع

٣٧٨
في المعاملات/ الباب الرابع والخمسون ومائة في معرفة مقام الولاية الملكية
الله والأرض جامعة، فدخل المؤمن وغيره في هذا الاستغفار.
ثم إن الله بشّر أهل الأرض بقبول استغفار الملائكة بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥] ولم يقل: الفعّال لما يريد، ولهذا أيضاً قلنا: إن مآل عباد الله إلى
الرحمة وإن سكنوا النار فلهم فيها رحمة لا يعلمها غيرهم، وربما تعطيهم تلك الرحمة إن لو
شمّوا رائحة من روائح الجنة تضرّروا بها كما تضرّ رياح الورد والطيب بأمزجة المحرورين،
فهذا كله من ولاية الملائكة فعمّ نصرهم بحمد الله فنعم الإخوان لنا.
وأما نصرهم المؤمنين على الأعداء في القتال فإنهم ينزلون مدداً بالدعاء، وفي يوم
بدر نزلوا مقاتلين خاصة وكانوا خمسة آلاف وفيه استرواح إذ ليس بنص بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ
اَللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٠] فكانوا من الملائكة أو هم الملائكة الذين قالوا في
حق آدم: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ الدِّمَاءَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] فأنزلهم في يوم
بدر فسفكوا الدماء حيث عابوا آدم بسفك الدماء فلم يتخلفوا عن أمر الله. وقوله: ﴿وَلِنَطْمَيْنَّ
قُلُوبُكُم بِهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٢٦] أي من عادة البشرية أن تسكن إلى الكثرة، إذ كان أهل
بدر قليلين والمشركون كثيرين، فلما رأوا الملائكة وهم خمسة آلاف والمسلمون ثلاثمائة
والمشركون ألف رجل اطمأنت قلوب المؤمنين بكثرة العدد مع وجود القتال منهم فما
اطمأنوا به برؤيتهم وحصل لهم من الأمان في قلوبهم حتى غشيهم النعاس إذ كان الخائف
لا ينام، وما ذكر في الكثرة أكثر من خمسة آلاف لأنّ الخمسة من الأعداد تحفظ نفسها
وغيرها وليس لغيرها من الأعداد هذه المرتبة، فحفظ الله دينه وعباده المؤمنين بخمسة آلاف
من الملائكة مسوّمين أي أصحاب علامات يعرفون بها أنهم من الملائكة، أو الملائكة الذين
قالوا في حقّنا نسفك الدماء فنصرونا على الأعداء بما عابوه علينا إذ أمرهم الله بذلك،
ولولاية الملائكة وجوه ومواقف متعددة، ولكن ذكرنا حصر المراتب التي نبّه الله عليها
فنصروا أسماء الله وهو أعلى المقامات، ونصروا ملائكة اللمات، ونصروا المؤمنين،
ونصروا التائبين، ونصروا من في الأرض، وما ثم من يطلب نصرهم أكثر من هذا،
فانحصرت مراتب النصر.
ثم إن الله أثنى عليهم بأنهم يسبحون بحمد ربهم استفتاحاً إيثاراً لجناب الله، ثم بعد
ذلك يستغفرون وهو الذي يليق بهم تقديم جناب الله، ولهذا ما قام رسول الله وَّ في
مقام للناسِ يخطبهم إلاَّ قدم حمد الله والثناء عليه ثم بعد ذلك يتكلم بما شاء ولذلك
قال: ((كُلُّ أَمْرِ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ - أَوْ قَالَ بِذِكْرِ اللَّهِ - فَهُوَ أَجْذَمُ))) أي مقطوع
عن الله، وإذا كان مقطوعاً عن الله فإن شاء الله قبله، وإن شاء لم يقبله، وإذا بدىء فيه
بذكر الله فكان موصولاً به غير مقطوع عن الله، أي ليس بأجزم فذكر الله مقبول فالموصول
به مقبول بلا شك.
ثم إنه من علم الملائكة أنهم ما يسبحون في هذه الأحوال إلاَّ بحمد ربهم والرب

٣٧٩
في المعاملات / الباب الرابع والخمسون ومائة في معرفة مقام الولاية الملكية
المصلح ولا يرد الإصلاح إلاَّ على فسادٍ وما ذكر الله عنهم أنهم يسبحون بحمد غيره من
الأسماء الإلهية إذ قال الله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٢] فعلموا أن
المتوجه على العالم إنما هو الاسم الرب، إذ كان الغالب على عالم الأرض سلطان الهوى
وهو الذي يورث الفساد الذي قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [سورة البقرة: الآية
٣٠] فعلموا ما يقع لعلمهم بالحقائق، وكذا وقع الأمر كما قالوه، وإنما وقع الغلط عندهم في
استعجالهم بهذا القول من قبل أن يعلموا حكمة الله في هذا الفعل ما هي، وحملهم على ذلك
الغيرة التي فطروا عليها في جناب الله، لأن المولد من الأضداد المتنافرة لا بدّ فيه من
المنازعة، ولا سيما المولد من الأركان فإنه مولد من مولد من مولد من مولد، ركن عن فلك
عن برج عن طبيعة عن نفس، والأصل الأسماء الإلهية المتقابلة، ومن هنالك سرى التقابل في
العالم فنحن في آخر الدرجات، فالخلاف فيما علا عن رتبة المولد من الأركان أقل وإن كان
لا يخلو، ألا ترى إلى الملأ الأعلى كيف يختصمون وما كان لرسول الله وَلو علم بالملأ
الأعلى إذ يختصمون حتى أعلمه الله بذلك، وسبب ذلك أن أصل نشأتهم أيضاً تعطي ذلك،
ومن هذه الحقيقة التي خلقوا عليها قالوا: ﴿أَّجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [سورة
البقرة: الآية ٣٠] وهو نزاع خفيّ للربوبية من خلف حجاب الغيرة والتعظيم، وأصل النزاع
والتنافر ما ذكرناه من الأسماء الإلهية المحيي والمميت والمعزّ والمذلّ والضار والنافع، ولا
ينبغي أن يكون الإله إلاّ من هذه أسماؤه مضاف إليها مشيئته وإرادته المقيدتان بلو، وهو حرف
امتناع فيه سرّ خفيّ لأهل العلم بالله، فإذا علمت هذا أقمت عذر العالم عند الله، ولهذا كانت
الملائكة تبدأ في نصرتها ودعائها بتسبيح ربها والثناء عليه بمثل هذه الأسماء تعريضاً أن أصل
ما هم فيه من حقائق قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٦] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ١٧٨] أي الكل بيدك، وحينئذ يستغفرون إقامة لعذرهم عند الله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ
كُلُّمُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣].
فكل علم في العالم مستنبط من العلم الإلهي فهو العلم العام ولا يعرفه إلاَّ نبيّ أو وليّ
مقرّب مجتبى من ملك وبشر. وأما النظر العقلي فإنه لا يصل إلى هذا العلم أبداً من حيث
فكره ونظره في الأدلة التي يستقل بها، فهذا قد أريتك بعض ما هي عليه الولاية الملكية إلى ما
فوق ذلك من تسخيرهم في إنزال الوحي ومصالح العالم من هبوب رياح ونشء سحاب
وإنزال مطر إذ كانوا الصافات، والزاجرات، والتاليات، والمرسلات، والناشرات،
والفارقات، والملقيات، والنازعات، والناشطات، والسابحات، والسابقات، والمدبرات،
والمقسمات، وهؤلاء كلهم من ملائكة التسخير، وولاية كل صنف من مرتبته التي هو فيها.
وأما ملائكة التدبير وهم الأرواح المدبرة أجسام العالم المركب، وهذه المدبرة هي
النفوس الناطقة، فإن الولاية فيها نصرتها لله فيما جعل في أخذها به سعادتها وسعادة جسدها
الذي أمرت بتدبيره فيأتي الطبع فيزيد نيل غرضه فينظر العقل ما حكم الشرع الإلهيّ في ذلك

٣٨٠
في المعاملات/ الباب الخامس والخمسون ومائة في معرفة مقام النبوة وأسرارها
الغرض، فإن رآه محموداً عند الله أمضاه، وإن رآه مذموماً نبّه النفس عليه وطلب منها النصرة
على قمع هذا الغرض المذموم فساعدته فنصرت العقل بقبول الخير، وذلك لتكون كلمة الله
المشروعة هي العليا على كلمة الله في الذين كفروا التي هي السفلى، كما كانت الصدقة تقع
في يد السائل وهي السفلى، والسائل قوله: ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] والصدقة تقع
بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل المتلفظ بحروف السؤال، واليد العليا هي المنفقة خير من
اليد السفلى وهي السائلة، والمال لله سبحانه هو الغني ﴿وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِّ﴾
[سورة النساء: الآية ١٧١] ونحن مستخلفون فيه بل نحن الخزائن والخزنة لهذا المال، فتحقق ما
أومأنا إليه في هذا الباب فإنه نافع جداً، ومزيل جهلاً عظيماً، ومورث أدباً إلهياً فيه سعادة
أبدية لمن وقف عنده وفهمه وعمل به.
الباب الخامس والخمسون ومائة
في معرفة مقام النبوّة وأسرارها
[نظم: الكامل]
فيه النبوَّةُ حُكْمُها لا يُجْهَلُ
بين الولاية والرسالة بَرْزَخٌ
لكنها قسمان إن حقَّقْتَها
قسمٌ بتَشْريع وذاك الأولُ
ما فيه تشريعٌ وذاك الأَنْزَلُ
عند الجميع وثَمَّ قسمٌ آخرٌ
تبدو لنا الأخرى التي هي مَنْزلُ
في هذه الدنيا وأما عندما
فيزول تشريعُ الوجود وحُكْمُهُ
وهناك يظهر أنَّ هذا الأفْضَلُ
الله فهو نَبا الوليُّ الأكْمَلُ
وهو الأعمُّ فإنه الأصلُ الذي
النبوّة نعت إلهيّ يثبتها في الجناب العالي الاسم السميع، ويثبت حكمها صفة الأمر
الذي في الدعاء المأمور به، وإجابة الحق عباده فيما يسألونه فيه، فإنها أيضاً من الله في حق العبد
سؤال إلهيّ بصفة افعل ولا تفعل، ونقول نحن: سمعنا وأطعنا، ويقول هو سبحانه: سمعت
وأجبت، فإنه قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] وصيغة الأمر من العبد في
الطلب: أَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَاعْفُ عَنَّا وَأَرْزُقْنَا وشبه ذلك. وصيغة النهي من العبد في الدعاء: لا
تُزِغْ قُلُوبَنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ لاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ .
وليست النبوّة بمعقولَ زائد على هذا الذي ذكرنا إلاَّ أنه لم يطلق على نفسه من ذلك
اسماً كما أطلق فى الولاية، فسمّي نفسه وليّاً وما سمّى نفسه نبياً مع كونه أخبرنا وسمع دعاءنا
فهو من الوجهين بهذه المثابة، ولهذا قال بََّ: ((إِنَّ الرَّسَالَةَ وَالنّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ)) وما انقطعت
إلاَّ من وجه خاص انقطع منها مسمّى النبيّ والرسول ولذلك قال: ((فَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلاَ نَبِيَّ))
ثم أبقى منها المبشرات وأبقى منها حكم المجتهدين وأزال عنهم الاسم، أبقى الحكم وأمر من لا
علم له بالحكم الإلهي أن يسأل أهل الذكر فيفتونه بما أداه إليه اجتهادهم، وإن اختلفوا كما
اختلفت الشرائع ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٨] وكذلك لكل مجتهد