Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ في المعاملات / الباب الأربعون ومائة في معرفة مقام الحرية وأسراره ويقيم الإشكال ويعلم لمن يخاطب ومن يفهم عنه ممّن لا يفهم ولكل فهم، فلو وجد عند السامع ما هو أخفى من البعوضة لجاء بها كما قد جاء بذلك مجملاً بقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَأَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦] فأمرك وعلمك في هذه الآية أن لا تترك شيئاً إلاَّ وتنسبه إلى الله، ولا يمنعك حقارة ذلك الشيء ولا ما تعلق به من الذم عرفاً وشرعاً في عقدك، ثم تقف عند الإطلاق فلا تطلق ما في العقد على كل شيء ولا في كل حال وقف عند ما قال لك الشارع: قف عنده، فإن ذلك هو الأدب الإلهي الذي جاء به الشرع والأدب جماع الخير، وفي إيراد الإلفاظ يستعمل الحياء لأنك تترك بعضها كما أمرت، وفي العقد لا تترك شيئاً لا تنسبه إلى الله وهو مقام ترك الحياء، فعامل الله تعالى بحسب المواطن كما رسم لك ولا تنازع ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] فإنك إذا قلت ذلك لم تزل في مزيد جانياً ثمرة الوجوب. الباب الأربعون ومائة في معرفة مقام الحرية وأسراره وهو باب خطر [نظم: البسيط] وليس يخرج عنه فهو تَيَّاهُ عَبْدُ الهوى آبقٌ عن ملْك مَوْلاهُ وليس يملكُه مالٌ ولا جَاهُ الحرُّ من مَلَكَ الأكوانَ أجمَعَهَا قد كان من أصله من ملكِ مَوْلاهُ فإن تعرَّضَ للتكوين أبْطَلَ ما اعلم وفقك الله أن الحرية مقام ذاتي لا إلهيّ ولا يتخلص للعبد مطلقاً فإنه عبد الله عبودية لا تقبل العتق، وأحلناها في حق الحق من كونه إلهاً لارتباطه بالمألوه ارتباط السيادة بوجود العبد والمالك بالملك والملك بالملك، انظر في قوله: ﴿إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ ◌ِفَاخَرِينَ﴾ [سورة النساء: الآية ١٣٣] فنبّه بإتيان قوم آخرين على هذا الارتباط، فإنه يلزم من حقيقة الإضافة عقلاً ووجوداً تصوّر المتضايفين، فلا حرية مع الإضافة والربوبية والألوهية إضافة، ولما لم يكن بين الحق والخلق مناسبة ولا إضافة بل هو ﴿غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وذلك لا يكون لذات موجودة إلاَّ لذات الحق، فلا يربطها كون، ولا تدركها عين، ولا يحيط بها حدّ، ولا يفيدها برهان، وجدانها في العقل ضروري، كما أن نفي صفات التعلق التي تدخلها تحت التقييد نظري، فإذا أراد العبد التحقق بهذا المقام فإنه مقام تحقق لا مقام تخلق، ونظر أنه لا يصحّ له ذلك إلاَّ بزوال الإفتقار الذي يصحبه لإمكانه، ويرى أن الغيرة الإلهية تقتضي أن لا يتصف بالوجود إلاّ الله لما يقتضيه الوجود من الدعوى، فعلم بهذا النظر أن نسبة الوجود إلى الممكن محال، لأن الغيرة حدّ مانع من ذلك فنظر إلى عينه فإذا هو معدوم لا وجود له وأن العدم له وصف نفسي فلم يخطر له الوجود بخاطر فزال الافتقار وبقي حراً في عدميته حرية الذات في وجودها. ثم إنه أراد أن يعرف ما يناسب الأسماء الإلهية التي لهذه الذات من ذات الممكن المعدوم، فرأى أن كل عين من عيون الممكنات على استعداد لا يكون في غيره ليقع التمييز بين ٣٤٢ في المعاملات/ الباب الواحد والأربعون ومائة في مقام ترك الحرية الأعيان، فما وقع بين ذات الممكن وذات الحق بالوجود للحق الواجب والعدم للممكن الواجب فجعل هذه الاستعدادات له بمنزلة الأسماء للحق والوجود في أعيان الممكنات لله تعالى، فإذا ظهر في عين من أعيان الممكنات لنفسه باسم ما من الأسماء الإلهية أعطاه استعداد تلك العين اسماً حادثاً تسمى به فيقال: هذا عرش، وهذا عقل، وهذا قلم ولوح وكرسي وفلك وملك ونار وهوى وماء وأرض ومعدن ونبات وحيوان وإنسان ما بين أجناس وأنواع. ثم سرت هذه الحقيقة في الأشخاص فيقال: زيد وعمرو، وهذا الفرس، وهذا الحجر، وهذه الشجرة، هذا كله أعطاه استعداد أعيان الممكنات، فاستدللت بآثارها في الوجود على ما هي عليه من الحقائق في ذاتها، كما استدللت بآثار الأسماء في الوجود على الأسماء الإلهية، وما للمسمّى عين يقع عليها الإدراك، فإذا وقف الممكن مع عينه كان حراً لا عبودية فيه، وإذا وقف مع استعداداته كان عبداً فقيراً، فليس لنا مقام في الحرية المطلقة إلاَّ أن يكون مشهدنا ما ذكرناه فلا تحدّث نفسك بغير هذا، ومن لا يشهد هذا المقام فإنه لا يعلم أبداً مدلول قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَيِينَ﴾ أي هو غني عن الدلالة عليه، إذ لو أوجد العالم للدلالة عليه لما صحّ له الغنى عنه، فعالم المعرفة من نصب العالم دليلاً وعلى من يدل، وهو أظهر وأجلى من أن يستدل عليه بغير أو يتقيد تعالى بسوى، إذ لو كان الأمر كذلك لكان للدليل بعض سلطنة وفخر على المدلول، ولو نصّبه المدلول دليلاً لم ينفك هذا الدليل عن مرتبة الزهو بكونه أفاد الدال به أمراً لم يتمكن للمدلول أن يوصل إليه إلاَّ به، فكان يبطل الغنى والحرية وهما ثابتان لله تعالى، فما نصب الأدلة عليه وإنما نصبها على المرتبة ليعلم أنه لا إله إلاَّ هو، فهذا لسان الخصوص في الحرية. وأما لسان العموم فالحرية عند القوم من لا يسترقه كون إلاَّ الله فهو حر عن ما سوى الله، فالحرية عبودة محققة لله، فلا يكون عبداً لغير الله الذي خلقه ليعبده فوفى بما خلق له فقيل فيه: ﴿نِعْمَ اُلْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ [سورة ص: إلى العبودة التي خلق لها لأنه خلق محتاجاً إلى كل ما في الوجود، فما في الوجود شيء إلا ويناديه بلسان فقر هذا العبد: أنا الذي يفتقر إليّ فارجع إليّ، فإذا كان عالماً بالأمور علم أن الحق عند من ناداه وأنه فقير إلى ذلك السبب لكونه مستعداً لهذا الفقر إليه فإذا بحقيقته افتقر، ثم نظر إلى معطي ما هو محتاج إليه في هذا السبب فرآه الاسم الإلهيّ فما افتقر إلاَّ إلى الله من اسمه ولا افتقر إلاَّ بنفسه من أثر استعداده، فعلم ما الفقر ومن افتقر ومن افتقر إليه؟ فلهذا أمر رَله أن يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] فقد نبهتك على ما فيه كفاية في الحرية وأسرارها ممّا لا تجده في غير هذا الكتاب من مصنفات غيرنا. الباب الواحد والأربعون ومائة في مقام ترك الحرية [نظم: البسيط] كيف التحرُّرُ والحاجاتُ تَطْلُبِهُ من ليس ينفكُ عن حاجاته أبداً ٣٤٣ في المعاملات/ الباب الواحد والأربعون ومائة في مقام ترك الحرية فالفقرُ مذهبُه والفقر مَكْسَبُهُ فهو الفقيرُ إلى الأشياء أجمَعِها لذا تَسَمَّى بأعيان الكيان لنا حتى تعيَّنَ في المنطوق مَذْهَبُهُ من كل وجهٍ ومنه نحن نطْلُبُهُ فليس في الكون حرٍّ حيث يطلبنا اعلم وفقك الله أن ترك الحرية عبودة محضة خالصة تسترق صاحبها الأسباب لتحققه بعلم الحكمة في وضعها فهو يذل تحت سلطانها، فصاحبها كالأرض يطؤها البر والفاجر، وتعطي منفعتها المؤمن والكافر تؤثر فيه تأثير الدعاء من الكون في الحق إجابة دعائه تحققاً بمولاه حين رأى هذا المقام يصحبه مع الغنى المنسوب إليه، فكيف حال من يجوع مركبه ويعرى ويظمأ ويضحي وهو مأمور بحفظه والنظر في شأنه وما يصلحه قد ولاّه الله عليه وأنزله خليفة فيه وليس في قوّته أن يقوم بحقه إلاّ أن تمكنه الأسباب من نفسها، فبالضرورة يخضع في تحصيلها لأداء حق الله فيه المتوجه عليه، فإن الله يقول له: إن لنفسك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ومن توجهت عليه الحقوق فأنى له الحرية: [مخلع البسيط] فهو عبيدٌ لذلك الحَقْ فكلُّ كون عليه حَقٌّ به خبيراً كَمَنْ تَحَقَّقْ وليس حراً فكن عليماً عن أمر مولاه إذا تَخَلَّقْ ولا تَكُنْ مثْل من تأْبَّى له فكنه فالكون أسْبَشْ الله ربِّ وأنت عبدٌ قد قلتُ ذا حين كان سمعي ومقولي حين كنتُ أَنْطُقْ ومن يكُنْ مثْلَ ما ذكرنا فذلك العالِمُ الموقّشْ فهو عبد نفسه ما دامت تطلبه بحقها، وعبد عينه ما دام يطلبه بحقه، وعبد زوره ما دام يطلبه بحقه، والنعم الإلهية تطلبه بشكر المنعم بها عليه، والتكليف قائم، والاضطرار لازم، إن رام دفعه لا يندفع يؤثر فيه المدح والثناء فيقول: الحمد لله المنعم المفضل، ويملكه الذم والجفاء والأذى فيقول: الحمد لله على كل حال، فتغير حمده لتغير الأحوال، فلو تغيرت الأحوال لتغير حمده لكان حراً عنها، قال رسول الله وَّهَ لأبي بكر الصديق: «مَا أَخْرَجَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الجُوعُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: وَأَنَا أَخْرَجَنِي الجُوعُ))، فجاء مع من كان معه من أصحابه إلى دار الهيثم بن أبي التيهان فذبح لهم وأطعمهم فما أخرجهم إلاّ من حكم عليهم لما توجه له حق عليهم وهو الجوع، والجوع أمر عدمي فموجود يؤثر فيه المعدوم كيف حاله مع الموجود، ومثل هؤلاء المشهود لهم بالحرية ولهذا الذوق ما خرجوا إلاَّ لطلب أداء ما عليهم من الحقوق لأنفسهم، فقد استرقهم الجوع ولو لم يخرجوا وسكنوا لكانوا تحت قهر الصبر وما تطلبه هذه الحال، فغاية نسبة الفضل إليهم أنهم خرجوا كما قلنا يلتمسون أداء حقوق نفوسهم بالسعي فيها إذ كانوا متمكنين من ذلك وأعلى من هذا فلا يكون، فإن قعدوا مع التمكن اتصفوا بالظلم والجهل بالحكم الإلهي، وأنى تعقل الحرية فيمن هذه صفته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فواقع لا يقدر على إنكاره جحده ويجحده من نفسه وإن لم يركن إلى الأسباب ولا يعتمد عليها، وغايته أن يعتمد على الله في استعمالها فهو عبد معلول لأنه توجه خاص، وكذلك في الآخرة ٣٤٤ في المعاملات/ الباب الثاني والأربعون ومائة في معرفة مقام الذكر وأسراره عبد شهوته لكونه تحت سلطانها تحكم فيه، ولا معنى للعبودية إلاَّ هذا دخوله تحت الأحكام ورق الأسباب. ولما أبصر هذا العارف من نفسه علم أن الحرية حديث نفس وحال عرضي لا ثبات له مع الصحو، ثم إن ترك الحريّة نعت إلهيّ فكيف يصحّ له الخروج عنه وغايته أن يكون فيه بصورة حق يلتمس الدعاء ويطلب التوبة من عباده وسؤال المغفرة منهم ويذمّهم إن لم يأتوا بما التمسه منهم حتى قال: لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ثم يتوبون فيغفر لهم، فقد نبهتك عن أسرار هذا المقام، إن وقفت معها عرفت نفسك وعرفت ربك وما تعدّيت قدرك، وإن كان للحريّة درجات في عباد الله فغير الأحرار أعظم عند الله درجة وأكمل وصفاً، والأصل معهم حفيظ يحفظ عليهم ترك الحريّة والاسترقاق لما تعطيه الحكمة. فإن قلت: فكم للحريّة من الدرجات؟ فنقول: لها في العارفين من أهل الأنس ستمائة درجة وتسع وأربعون درجة. وفي العارفين من أهل الأدب أربع وخمسون درجة ومائتا درجة. وفي الملامية من أهل الأنس ستمائة وثمان عشرة درجة. وفي الملامية من أهل الأدب ثلاث وعشرون ومائتا درجة، وهذه الدرجات بأعيانها لمن ترك الحريّة وزيادة ما يعطيه الترك من الدرجات لقيامه بالحكمة وحفظ الأصل لإبقاء الحرية . الباب الثاني والأربعون ومائة في معرفة مقام الذكر وأسراره [نظم: البسيط] وكلُّ ذكرٍ فأحوالٌ وأسماءُ الذِّكْرُ ستْرٌ على مذكوره أبداً نظرْتَ فيه بدَتْ للعين أشياءُ وليس ثَمَّ سوى ما قلته فإذا وذلك الحقُّ لا عَقْلٌ ولا مَاءُ تدري بها كلَّ من قام الوجودُ به الذكر نعت إلهيّ وهو نفسي وملئي في الحق وفي الخلق، ومع كونه نعتاً إلهياً فهو جزاء ذكر الخلق قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢] فجعل وجود ذكره عن ذكرنا إياه وكذلك حاله فقال تعالى: ((إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)) فأنتج الذكر الذكر، وحال الذكر حال الذكر، وليس الذكر هنا بأن نذكر اسمه بل لنذكر اسمه من حيث ما هو مدح له وحمد، إذ الفائدة ترتفع بذكر الاسم من حيث دلالته على العين لا في حقك ولا في حقه. فإن قلت: فقد رجح أهل الله ذكر لفظة الله لله وذكر لفظة هو على الأذكار التي تعطي النعت ووجدوا لها فوائد. قلت: صدقوا وبه أقول ولكن ما قصدوا بذكرهم الله الله نفس دلالته على العين، وإنما قصدوا هذا الاسم أو الهو من حيث إنهم علموا أن المسمّى بهذا الاسم أو هذا الضمير هو من لا تقيده الأكوان ومن له الوجود التام، فإحضار هذا في نفس الذاكر عند ذكر الاسم بذلك وقعت الفائدة فإنه ذكر غير مقيد، فإذا قيده بلا إله إلاَّ الله لم ينتج له إلاَّ ما تعطيه هذه الدلالة، وإذا قيده بسبحان الله لم يتمكن له ٣٤٥ في المعاملات/ الباب الثالث والأربعون ومائة في معرفة مقام ترك الذكر أن يحضر إلاَّ مع حقيقة ما يعطيه التسبيح، وكذلك الله أكبر والحمد لله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وكل ذكر مقيد لا ينتج إلاَّ ما تقيد به لا يمكن أن يجني منه ثمرة عامّة، فإن حالة الذكر تقيده، وقد عرفنا الله أنه ما يعطيه إلاَّ بحسب حاله في قوله: ((إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي)) الحديث، فلهذا رجحت الطائفة ذكر لفظة الله وحدها أو ضميرها من غير تقييد، فما قصدوا لفظة دون استحضار ما يستحقه المسمّى، وبهذا المعنى يكون ذكر الحق عبده باسم عام لجميع الفضائل اللائقة به التي تكون في مقابلة ذكر العبد ربه بالاسم الله، فالذكر من العبد باستحضار، والذكر من الحق بحضور لأنا مشهودون له معلومون وهو لنا معلوم لا مشهود، فلهذا كان لها الاستحضار وله الحضور، فالعلماء يستحضرونه في القوّة الذاكرة، والعامة تستحضره في القوّة المتخيلة، ومن عباد الله العلماء بالله من يستحضره في القوّتين يستحضره في القوّة الذاكرة عقلاً وشرعاً، وفي القوّة المتخيلة شرعاً وكشفاً، وهذا أتم الذكر لأنه ذكره بکله، ومن ذلك الباب یکون ذکر الله له. ثم إن الله ما وصف بالكثرة شيئاً إلاَّ الذكر، وما أمر بالكثرة من شيء إلاَّ من الذكر قال: ﴿وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] وقال: ﴿اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِّكْرًا كَثِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤١] وما أتى الذكر قط إلاَّ بالاسم الله خاصة معرى عن التقييد فقال: ﴿أُذْكُرُوا اللَّهَ﴾ وما قال بكذا، وقال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥] ولم يقل: بكذا، وقال: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيّ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠٣] ولم يقل بكذا، وقال: ﴿فَذَّكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [سورة الحج: الآية ٣٦] ولم يقل بكذا. وقال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١١٨] ولم يقل بكذا. وقال ◌ََّ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَنْ يَقُولُ اللَّهَ اللَّهَ)) فما قيده بأمر زائد على هذا اللفظ لأنه ذكر الخاصة من عباده الذين يحفظ الله بهم عالم الدنيا وكل دار يكونون فيها، فإذا لم يبق في الدنيا منه أحد لم يبق للدنيا سبب حافظ يحفظها الله من أجله فتزول وتخرب، وكم من قائل: الله باق في ذلك الوقت، ولكن ما هو ذاكر بالاستحضار الذي ذكرناه، فلهذا لم يعتبر اللفظ دون الاستحضار ﴿وَإِذَا ذَّكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٦] لأنهم لم يسمعوا بذكر شركائهم واشمأزت قلوبهم هذا مع علمهم بأنهم هم الذين وضعوها آلهة ولهذا قال قل سموهم، فإنهم إن سموهم قامت الحجة عليهم، فلا يسمى الله إلاَّ الله، ودرجات الذكر عند العارفين من أهل الله إحدى وخمسون وتسعمائة درجة وعند الملامية تسع مائة وعشرون درجة. الباب الثالث والأربعون ومائة في معرفة مقام ترك الذكر [نظم: البسيط] وليس يشهده من ليس يَذْكرهُ لا يترك الذكرَ إلاَّ من يشاهده ـن الحقُّ بينهما عيناً فأوثِرُهُ فقد تحيَّزتُ في أمري وفیہ فأيـ ٣٤٦ في المعاملات/ الباب الرابع والأربعون ومائة في معرفة مقام الفكر وأسراره فحين أبصره في الحين يَسْتُرُهُ ما إن ذَكَرْتُك إلاَّ قام لي عَلَمْ ولا أزال مع الأنفاس أذْكُرهُ فلا أزال مع الأحوال أشْهدُه ولا يزال مع الأسماء يَظْهَر هُو ولا يزال لدَى الأعيان يَشْهَدُني لا يكتب هنا هو إلاَّ بالواو لتعرف الهوية لا أنه ضمير اعلم وفقك الله أن الذكر أفضل من تركه، فإن تركه إنما يكون عن شهود، والشهود لا يصحّ أن يكون مطلقاً والذكر له الإطلاق، ولكن الذكر الذي ذكرناه لا الذكر بالتسبيح والتهليل وغيره من الذكر المقيد، فلو كان ترك الذكر لا عن شهود كنا ننظر هل كان سبب تركه مما يقتضي الإطلاق فتحكم فيه بالتساوي والأحوال مقيدة بلا شك، وإن كان الإطلاق تقييداً لأنه قد تميز عن المقيد وسرى في المقيدات كيف ما قلت وبنفس ما تميز فقد تقيد بما تميز به فالإطلاق تقييد، وأعظم ما يقال فيه أنه مجهول لا يعرف، فما خرج بهذا الوصف عن التقييد لأنه قد تميز عن المعلوم، فعلى كل حال ما ثم إلاَّ مقيد، وما ثم في ما لا ثم إلاَّ مقيد، فالعدم هو ما لا ثم وهو متميز عن الوجود، والوجود متميز عن العدم، فما ثم معلوم ولا مجهول إلاَّ وهو متميز، فالتقييد له الحكم وما بقي إلا تقييد متفاضل أعلاه تقييد في إطلاق وهو ذكر الله والجهل به والحيرة فيه : [الوافر ] فذِكْرُ الله أولى بالوجودِ وتَرْكُ الذكر أَوْلَى بالشُهود وكن إن شئت في فَضْلِ الوجودِ فكنْ إن شئتَ في جُودِ الشُّهودِ الباب الرابع والأربعون ومائة في معرفة مقام الفكر وأسراره [نظم: البسيط] ليس التفكّرُ في الأحكام والقَدَرِ إن التفكّرَ في الآيات والعِبَر فالله قرَّره في الآي والسُّوَرِ إن التفكّرَ حالٌ لستُ أجهله وفي نعيم مع الأرواح في سُرُرٍ لولا التفكّرُ كان الناسُ فِي دَعَةٍ حكمٌ على أحدٍ يدري سوى البشرِ الفكرُ نعتٌ طبيعيٍّ وليس له ولو يكون الذي قلناه ما نظرت به المؤثِّرُ والأسماءُ قائمةٌ بالغاً عيني إلى الأحوال والصورِ تنفّذُ الأمرَ في بَدْو وفي حَضَرٍ اعلم وفقك الله أن الفكر ليس بنعت إلهيّ إلاَّ إذا كان بمعنى التدبير والتردّد في الأولى فحينئذ يكون نعتاً إلهياً، وأمّا الفكر بمعنى الاعتبار فهو نعت طبيعي، ولا يكون في أحد من المخلوقين سوى هذا الصنف البشري وهو لأهل العبر الناظرين في الموجودات من حيث ما هي دلالات لا من حيث أعيانها ولا من حيث ما تعطى حقائقها، قال تعالى: ﴿وَيَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٩١] فإذا تفكروا أفادهم ذلك التفكّر علماً لم يكن عندهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٩١] فما ٣٤٧ في المعاملات/ الباب الرابع والأربعون ومائة في معرفة مقام الفكر وأسراره عدلوا إلى الاستجارة به من عذاب النار إلاَّ وقد أعطاهم الفكر في خلق السموات والأرض علماً أشهدهم النار ذلك العلم فطلبوا من الله أن يحول بينهم وبين عذاب النار، وهكذا فائدة كل مفكر فيه إذا أعطى للمفكر علماً ما يسأل الله منه بحسب ما يعطيه، فمقام الفكر لا يتعدى النظر في الإله من كونه إلهاً، وفيما ينبغي أن يستحقه من له صفة الألوهية من التعظيم والإجلال والافتقار إليه بالذات، وهذا كله يوجد حكمه قبل وجود الشرائع، ثم جاء الشرع به مخبّراً وآمراً فأمر به وإن أعطته فطرة لبشر ليكون عبادة يؤجر عليها، فإنه إذا كان عملاً مشروعاً للعبد أثمر له ما لا يثمر له إذا اتصف به لا من حيث ما هو مشروع، وليس للفكر حكم ولا مجال في ذات الحق لا عقلاً ولا شرعاً، فإن الشرع قد منع من التفكّر في ذات الله، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَةٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢٨] أي لا تتفكروا فيها، وسبب ذلك ارتفاع المناسبة بين ذات الحق وذات الخلق، وأهل الله لما علموا مرتبة الفكر وأنه غاية علماء الرسوم وأهل الاعتبار من الصالحين وأنه يعطي المناسبات بين الأشياء تركوه لأهله وأنفوا منه أن يكون حالاً لهم كما سيأتي في باب ترك الفكر، والفكر حال لا يعطي العصمة ولهذا مقامه خطر، لأن صاحبه لا يدري هل يصيب أو يخطىء لأنه قابل للإصابة والخطأ، فإذا أراد صاحبه أن يفوز بالصواب فيه غالباً في العلم بالله فليبحث عن كل آية نزلت في القرآن فيها ذكر التفكّر والاعتبار، ولا يتعدّى ما جاء من ذلك في غير كتاب ولا سنّة متواترة، فإن الله ما ذكر في القرآن أمراً يتفكّر فيه ونص على إيجاد عبرة أو قرن معه التفكّر إلاَّ والإصابة معه والحفظ وحصول المقصود منه الذي أراده الله لا بدّ من ذلك، لأن الحق ما نصبه وخصّه في هذا الموضع دون غيره إلاَّ وقد مكّن العبد من الوصول إلى علم ما قصد به هناك فقد ألقيت بك على الطريق وهكذا وجده أهل الله . فإنّ تعديت آيات التفكّر إلى آيات العقل أو آيات السمع أو آيات العلم أو آيات الإيمان واستعملت فيها الفكر لم تصب جملة واحدة فالتزم الآيات التي نصبها الحق ﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٣] ولا تتعدى بالأمور مراتبها، ولا تعدل بالآيات إلى غير منازلها، وإذا سلكت على ما قلته لك حمدت مسعاك وشكرتني على ذلك، فابحث على كل آية عبرة وتفكّر تسعد إن شاء الله تعالى. وكذلك الآيات التي فيها النظر من هذا الباب الفكري مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى اُلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [سورة الغاشية: الآية ١٧] ومثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٥] وكذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ﴾ [سورة الفيل: الآية ١] وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الِظِلّ﴾ [سورة الفرقان: الآية ٤٥] الآية. وكذلك آيات التدبّر من هذا الباب مثل قوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [سورة محمد: الآية ٢٤] واجعل بالك إذا ذكر الله شيئاً من ذلك بأي اسم ذكره، فلا تتعدّى التفكّر فيه من حيث ذلك الاسم إن أردت الإصابة للمعنى المقصود لله مثل قوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ فانظر فيه من حيث ما هو قرآن لا من حيث ما هو كلام الله، ولا من حيث ما هو فرقان، ولا من حيث ما هو ذكر من قوله: ٣٤٨ في المعاملات/ الباب الخامس والأربعون ومائة في معرفة مقام ترك الفكر وأسراره ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩] فكل اسم له حكم وما عينه الحق في الذكر إلاَّ حتى يفهمه عباده ويعلمهم كيف ينزلون الأشياء منازلها، فتلك الحكمة وصاحبها الحكيم، وقد مدح الله من شرفه بالحكمة فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤٨] وقال: ﴿وَءَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [سورة ص: الآية ٢٠] وقال: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرَاً وَمَا يَذَكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٩] فإن حكمها يسري في جميع الأشياء وهو أن الحكيم لا يتعدّى بالشيء قدره ولا منزلته. الباب الخامس والأربعون ومائة في معرفة مقام ترك الفكر وأسراره [نظم: البسيط] تَرْكُ التفكّر تسليمٌ لخالقه إن لم تفكّز تكنْ روحاً مطهرةً إن لم تفكِّز تكنْ روحاً مطهرةً عن الإله الذي يعطي مَوَاهِبَه إما لقاءٌ أو القاء فتعلمه فبالتَّفَكُر وُكّلْنا لأنفسنا إن التَّفَكُّر أمرٌ قد خُصِصْتُ به الصورة الحقِّ والأسماءِ أجمعِها وفي المَوَاطِنِ كُلِّفْنا بخدمته فلا تفكِّز فإن الفكرَ مَعْلُولُ جليسَ حقٍّ على الأذْكَار مجبولُ مثل الملائك لم يَحْجُبْكَ تَفْصيلُ جوداً وذاك الذي يعطيه تَنْزِيلُ أو الكتابةُ أعطتها التَّفَاصيلُ لولاه ما كان إشراكٌ وتَغْطيلٌ لأنني جامعٌ والجَمْعُ تحصيلُ وكل عينٍ فما في الحق تبديلُ أتت بذلك أخبارٌ وتنزيلُ التاركون للفكر رجال أرادوا رفع اللبس عنهم فيما يريدون العلم به ليلحقوا بوراثة من قيل فيه: وما ينطق عن الهوى، وبما فطر عليه من فطر من المخلوقات كالملائكة، ومن شاء الله من المخلوقين الذين فطروا على العلم بالله والموحى إليهم ابتداء من الله وعناية بهم، ولأن الأفكار على الغلط، والطائفة الأخرى نزحت إلى ترك التفكّر لأن التفكّر جولان في أحد أمرين: إما في المخلوقات، وإما في الإله، وأعلى درجات جولانه في المخلوقات أن يتخذها دليلاً، والمدلول يضاد الدليل فلا يجتمع دليل ومدلوله عند الناظر أبداً، فرأوا ترك التفكّر والاشتغال بالذكر إذ هما مشروعان، فإنه لو ماتٍ في حال الفكر في الآيات لمات في غير الله وإن كان يطلبها لله ولكن لا يكون له مشهود إلاَّ هي وإن كان جولانه في الإله ليتخذه دليلاً على المخلوقات والكائنات كما يراه بعضهم فقد طلبه لغيره وهو سوء أدب مع الله حيث ما قصد النظر فيه إلاَّ ليدله على حكم الكائنات ولو استندت إليه فما طلبه لعينه، وإن ظنّ أنه يجول بفكره فيه ليتخذه دليلاً عليه فهذا غلط بين فإنه لا ينظر فيه إلاَّ وهو عالم به، فإن نظر فيه بمعنى هل يصحّ أن يكون دليلاً على نفسه فهذا غاية الجهل، فإنه لا شيء أدل من الشيء على نفسه، فلما رأوا مثل هذا النظر تركوه، فإذا تفكّر من هذه صفته كان مثل الذي يشكر الخلق ٣٤٩ في المعاملات/ الباب السادس والأربعون ومائة في معرفة مقام الفتوة وأسراره لإحسانهم فشكرهم عبادة لأن الله أمر بشكرهم، كذلك أمرهم بالتفكّر فيتفكّرون فيما أمرهم أو عين لهم أن يتفكّروا فيه امتثالاً لأمره، ويكون ما ينتجه من العلم في حكم التبع لأن علوم الفكر بكل وجه ما تقوم مقام علوم الذكر والوحي والوهب الإلهيّ في الرفعة والمكانة. انتهى الجزء الثالث ومائة . (الجزء الرابع ومائة) بِسْمِ اللّهِ الرَّغَيِ الرَّحَمَةِ الباب السادس والأربعون ومائة في معرفة مقام الفتوة وأسراره اعلم أيدك الله : [البسيط] مقدَّماً عند رب الناس والناسٍ إن الفُتُوَّةَ ما ينفكُ صاحبُها فحيث كان فمخمُولٌ على الرَّاسِ إن الفَتَى من له الإيثارُ تَخْلِيَةٌ لكونه ثابتاً كالشّامخ الراسي ما إن تُزَلْزِلُهُ الأَهْوَا بقوَّتها لا حُزْنَ يحكمه لا خوفَ يَشْغَلُهُ انظر إلى كَسْرِهِ الأصنامَ منفرداً عن المكارم حالَ الحرب والبَاسِ بلا مُعينٍ فذاك الليِّنُ القاسي الفتوة نعت إلهيّ من طريق المعنى، وليس له سبحانه من لفظها اسم إلهيّ يسمّى به كما ثبت شرعاً ودليل عقل أنه له الغنى عن العالم على الإطلاق، فبالشرع قوله تعالى: ﴿اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] ودليل العقل لو لم يكن وجوده واجباً لنفسه مع اتصافه بالوجود لكان ممكناً لأنه متصف بالوجود، ولو كان ممكناً لافتقر إلى المرجح في وجوده، فلم يكن يصحّ له اسم الغني على الإطلاق، ولو افتقر بنوع ما فليس بغني مطلق ولكان من جملة العالم، فيكون علامة تدل على مرجحه فهو غني على الإطلاق، ومن له هذا الغنى ثم أوجد العالم فما أوجده لافتقاره إليه، وإنما أوجد العالم للعالم إيثاراً له على انفراده بالوجود وهذا هو عين الفتوة. ومن الفتوة الإلهية الخبران القرآني والنبوي، فأما القرآن فقوله: ﴿وَمَا ◌َلَقْتُ آلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] وصورة الفتوة هنا أنه خلقهم لينعمهم بالوجود ويخرجهم من شر العدم ويمكنهم من التخلق بالأسماء الإلهية ويجعل منهم خلفاً، وهذا كله إيثار لهم على انفراده بكل ما استخلفهم فيه. ثم علم أن الامتنان يقدح في النعمة عند المنعم عليه فستر ذلك إيثاراً لهم بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فأظهر أنه خلقهم من أجله لا من أجلهم. وفي الخبر النبويّ الموسوي أنه تعالى خلق الأشياء من أجلنا وخلقنا من أجله وستر بهذا قوله: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بَدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] ليفهم الجميع بإعلامه أنهم يسبحون بحمده حتى لا نشم فيه رائحة الامتنان، ففي الخبر الموسوي: حكم الفتوة أنه خلق الأشياء من أجلنا إيثاراً لنا على ٣٥٠ في المعاملات / الباب السادس والأربعون ومائة في معرفة مقام الفتوة وأسراره انفراده بالوجود كما خلقنا. وقوله: ﴿وَإِن مِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَيِحُ بِدِهِ﴾ غطاء حتى لا يشم فيه رائحة المنة مثل قوله في حقنا ﴿إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ سواء. وأما الخبر النبويّ الثاني من الخبرين فما روى عن رسول الله وَّ ر عن الله سبحانه أنه قال: ((كُنْتُ كَنْزَاً لَمْ أُعْرَفْ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ وَتَعَرَّفْتَ إِلَيْهِم فَعَرَفُونِي» ففي قوله: كنت كنزاً إثبات الأعيان الثابتة التي ذهبت إليها المعتزلة وهي قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فهذا الخبر من الفتوة كيف كنى عن نفسه أنه أحب أن يعرف، ومن هذه صفته غطى على ما يجب له من الغنى المطلق، لأن المحبة لا تتعلق إلاَّ بمعدوم، وقد يكون ذلك المعدوم في معدوم أو في موجود فإن كان في معدوم فلا بدّ أيضاً من وجوده حتى يظهر فيه ما أحب إيجاده، وإن كان في موجود فأظهر فيه ما أحببته فلا بدّ أن يكون ما ذكره ستراً على الغنى المطلق وإيثار الجناب، هذا المحبوب حيث تعلق به من له الغنى فيورثه عزّة في نفسه حيث كان مقصوداً لمن له صفة الغنى وكان سبب الوجود أن الوجود والعلم طلباً بالحال من الله كمال مرتبتهما في التقسيم العقلي فأوجدهما منه لظهور الكمال الوجوديّ والعلمي هذا أصله منة منه، فأعرض عن هذا ونسب وجود العالم لمحبته أن يعرف حتى لا يشم منه كمال الوجود والعلم رائحة المنة أيضاً كما ذكر في القرآن سواء. وإذا كان الحق قد نزل مع عباده في مكارم الأخلاق التي هي الفتوة إلى هذا الحدّ فالعبد أولى بهذه الصفة أن يتخلق بها، فالفتوة على الحقيقة إظهار الآلاء والمنن وستر المنة والامتنان كما قال: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٤] تخلّقاً إلهياً فإنه سبحانه تصدق علينا بالوجود والمعرفة به وما منّ علينا بذلك. وأما قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٧] معناه أنه لو منّ لكان المنّ لله لما منّوا عليه رَّ بالإسلام، قال الله تعالى: ﴿يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٧] قال الله لمحمد وَّ: ﴿قُل لَّا تَهُنُّواْ عَلَىّ إِسْلَمَكُمْ﴾ ثم آثر محمداً بَّر على نفسه سبحانه حتى لا يجعل له نعتاً فيما أجرى عليه لسان ذمّ فقال له قل لهم: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيَمْنِ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٧] ولو شاء لقال: بل أنا أمن عليكم أن هداكم الله بي للإيمان الذي رزقكم بتوحيده وأسعدكم به، فما جعله تعالى محلاً للمنّ، هذا من الفتوة الإلهية التي لا يشعر بها، فحكمها موجود في الحق وإطلاقها لم يرد لا في كتاب ولا سنّة، كما يعلم قطعاً أنه لا فرق بين قولنا علمت الشيء وعرفته وأنا عالم بالشيء أو عارف، ومع هذا ورد إطلاق اسم العالم والعليم والعلام عليه تعالى، وما ورد إطلاق الاسم العارف عليه فما يلزم من الأمر الذي لله منه حكم أن يطلق عليه منه اسم، فأسماؤه من حيث إطلاقها عليه موقوفة على ورودها منه فلا يسمّى إلاّ بما سمّي به نفسه، وإن علم فيه مدلول ذلك الاسم فالتوقيف في الإطلاق أولى، وما فعل هذا سبحانه كله إلاَّ ليعلم الخلق الأدب معه إذا وقد علم أن من أهل الله من له شطحات ليتأدّبوا فلا يشطحوا فإن الشطح نقص بالإنسان لأنه يلحق نفسه فيه بالرتبة الإلهية ويخرج عن حقيقته فيلحقه الشطح بالجهل بالله وبنفسه، وقد وقع من الأكابر ولا أسميهم لأنه صفة نقص. ٣٥١ في المعاملات/ الباب السادس والأربعون ومائة في معرفة مقام الفتوة وأسراره وأما رعاع الناس فلا كلام لنا معهم فإنهم رعاع بالنظر إلى هؤلاء السادة، وإذا وقع مثل هذا من السادة فعليهم يقع العتب منا، وقد يشطح أيضاً الأدنى على الأعلى كمثل الشطحات على مراتب الأنبياء وهي أعظم عند الله في المؤاخذة من شطحهم على الله، فإن مرتبة الإله تكذبهم بالحال وعند السامع، وأمّا شطحتهم على الأنبياء فموضع شبهة يمكن أن تقبل الصحة في نفس الأمر فيغتر بها السامع الحسن الظن به الذي لا معرفة عنده بمراتب أصناف الخلق عند الله، فيغار الله لذلك حيث هو حق للغير، وما يؤثر من الضلالة في الناس، فيؤاخذ صاحب الشطحة بها ولا سيما إن ظهرت منه في حال صحو، وكذلك من الشطحات المنقولة عن السادة رؤية فضيلة جنسهم من البشر على الملائكة جهلاً منهم وهم مسؤولون مؤاخذون بذلك عند الله والعالم بالله المكمل هو الذي يحمي نفسه أن يجعل الله عليه حجة بوجه من الوجوه، ومن أراد أن يسلم من ذلك فليقف عند الأمر والنهي وليرتقب الموت ويلزم الصمت إلاَّ عن ذكر الله من القرآن خاصة، فمن فعل ذلك فلم يدع للخير مطلباً ولا من الشر مهرباً، وقد استبرأ لنفسه وأعطى كل ذي حق حقه كما أعطى الله كل شيء خلقه، وهذا هو العاقل مقصود الحق من العالم، وما فوق هذه المرتبة مرتبة لمخلوق أصلاً، هذا قد مشى من الفتوة طرف صالح في حكمها في الجناب الإلهي. وإذا كان الحق يا ولي مع غناه وما له من صفات الجلال ونعوت الكمال قد أريتك ماله من هذه النسبة في إيثاره إياك فأنت أولى بهذه الصفة أن تتصف بها في حقه خاصة لا في حق الخلق كما اتصف هو بها في حق الخلق هذا هو عمدتها فينا، فالفتى من لا يراعي الخلق ولا يتفتى عليهم، فإن التفتي عليهم إنما هو لله كما ذكرنا، فيكون هذا العبد يطلب التفتي على جانب الحق إيثاراً له على الخلق، فلا يتفتى على الخلق إلاَّ بصفة حق أو أمر حق، فيكون الحق المتفتي لا هذا العبد، هكذا هو التخلق بالفتوة وإلاَّ فلا، إذ كان من المحال أن تسري الفتوة من الفتى في إيثار الغير من غير تأذي الغير لأن الأغراض مختلفة والأهواء متقابلة رياحها زوابع غير لواقح بل هي عقيم تدمر ولا توجد، فما من حالة يرضاها زيد منك إلاَّ ويسخطها عمرو، فإذا كان الأمر هكذا فاترك الخلق بجانب إن أردت تحصيل هذا المقام وارجع إلى الله في أصل الفتوة فإن أصلها أن تخرج عن حظ نفسك إيثاراً لحظ غيرك، لا تخرج عن حظ غيرك إيثاراً لحظ غيرك فهذا ليس من الفتوة، ولو كانت الفتوة هذا ما صحّ لها وجود، فإذا تعارضت الأمور فرجح جانب الحق وزلّ عن حظك لما يستحقه جلاله، إذ قد عاملك بصفة الفتوة مع غناه فأنت مع فقرك أحوج إلى ذلك، ومن إيثارك إياه أنه إن طلب منك أن تطلب منه أجراً على ما تفتيت به عليه فمن الفتوة أن تطلب الأجر، فإن امتثالك أمره خروجك عن حظك فيحصل لك حظك بترك حظك مع تحقيق الوصف بالفتوة. إبراهيم عليه السلام جاد بنفسه على النار إيثاراً لتوحيد ربه، فإن كان ذلك عن أمر إلهيّ فهو أعظم في الفتوة، وإن لم يكن عن أمر إلهيّ فهو فتى على كل حال، فإنه من آثر أمر ربه على هوى نفسه فهو الفتى. ٣٥٢ في المعاملات/ الباب السادس والأربعون ومائة في معرفة مقام الفتوة وأسراره فحقيقة الفتوة أن يؤثر الإنسان العلم المشروع الوارد من الله على ألسنة الرسل على هوى نفسه وعلى أدلة عقله وما حكم به فكره ونظره إذا خالف علم الشارع المقرر له. هذا هو الفتى، فيكون بين يدي العلم المشروع كالميت بين يدي الغاسل، ولا ينبغي أن يقال هنا يكون بين يدي الحق كالميت بين يدي الغاسل فإنه غلط ومزلة قدم، فإن الشرع قيدك فقف عند تقييده فما أوجب عليك ممّا هو له أن تنسبه إلى نفسك أو إلى مخلوق من المخلوقات سوى الله، فمن الفتوة أن تنسبه إلى ذلك لا إلى الله حقيقة كما أمرك، وإن دلّك على خلاف ذلك عقلك فارم به وكن مع العلم المشروع، وما أوجب أن تنسبه إليه سبحانه فانسبه إليه تعالى، وما خيّرك فيه فإن شئت أن تقف ولا تعين وإن شئت نظرت بما يتعلق بالمخير فيه من حمد فانسبه إليه، وما تعلق به من ذمّ فانسبه إلى نفسك أدباً مع الله فإن الأدب عبارة عن جماع الخير فما زلت عن مقام الفتوة. كان الشيخ أبو مدين رحمه الله إذا جاءه مأكول طيب أكله، وإذا جاءه مأكول خشن أكله، وإذا جاع وجاءه نقد علم أن الله قد خيّره إذ لو أراد أن يطعمه أي صنف شاء من المأكولات جاء به إليه فيقول: هذا النقد ثمن المأكول جاء به الله للتخير والاختيار فينظر في ذلك الوقت ما هو الأحب إلى الله من المأكولات بالنظر إلى صلاح المزاج للعبادة لا إلى الفرض النفسي واتباع الشهوة، فإن وافقه كل مأكول حينئذ يرجع إلى موطن الدنيا، وما ينبغي أن يعامل به من الزهد في ملذوذاتها مع صلاح المزاج الذي يقوم بصلاحه العبادة المشروعة، فيعدل بحكم الموطن إلى شظف العيش الذي تكرهه النفس لعدم اللذة به ويكتفي بلذة الحاجة فإنه يتناوله عند الضرورة، فإن لذة الضرورة ما فوقها لذة لأن الطبع يطلبها، وإذا حصل للطبع طلبه التذّ به، فالفتى هو من ذكرناه، ويسري فعله وتصرفه في الجماد والنبات والحيوان وفي كل موجود ولكن على ميزان العلم المشروع. وإن ورد عليه أمر إلهيّ فيما يظهر له يحل له ما ثبت تحريمه في نفس الأمر من الشرع المحمدي فقد لبس فيه فيتركه ويرجع إلى حكم الشرع الثابت، فإنه قد ثبت عند أهل الكشف بأجمعهم أنه لا تحليل ولا تحريم ولا شيء من أحكام الشرع لأحد بعد انقطاع الرسالة والنبوّة من أهل الله، فلا يعوّل عليه صاحب ذلك، ويعلم قطعاً أنه هوى نفسي إذ كان ذلك الأمر المحلل أو المحرم في نفس الأمر هذا شرطه، ولا يمنع التعريف الإلهيّ لأهل الله بصحة الحكم المشروع في غير المتواتر بالمنصوص عليه، وأما في المتواتر المنصوص إذ ورد التعريف بخلافه فلا يعوّل عليه، هذا لا خلاف فيه عند أهل الله من أهل الكشف والوجود، فإنه من المنتمين إلى الله من يطرأ عليهم التلبيس في أحوالهم من حيث لا يشعرون، وهو مكر خفي وكيد متين إلهيّ واستدراج من حيث لا يشعرون. فإياك أن ترمي ميزان الشرع من يدك في العلم الرسمي والمبادرة لما حكم به، وإن فهمت منه خلاف ما يفهمه الناس ممّا يحول بينك وبين إمضاء ظاهر الحكم به فلا تعول عليه فإنه مكر نفسي بصورة إلهية من حيث لا تشعر، وقد وقعنا بقوم صادقين من أهل الله ممّن ٣٥٣ في المعاملات / الباب السابع والأربعون ومائة في معرفة مقام ترك الفتوة وأسراره التبس عليهم هذا المقام ويرجحون كشفهم وما ظهر لهم في فهمهم ممّا يبطل ذلك الحكم المقرر فيعتمدون عليه في حق نفوسهم ويسلمون ذلك الحكم المقرر في الظاهر للغير، وهذا ليس بشيء عندنا ولا عند أهل الله، وكل من عوّل عليه فقد خلط وخرج عن الانتظام في سلك أهل الله ولحق بالأخسرين أعمالاً ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْخَوْةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [سورة الكهف: الآية ١٠٤] وربما يبقى صاحب هذا الكشف على العمل بظاهر ذلك الحكم ولا يعتقده في حق نفسه فيعمله تقريراً للظاهر ويقول: ما أعطي من نفسي لهذا الأمر المشروع إلاّ ظاهري فإني قد اطلعت على سرّه فحكمه على سرّي خلاف حكمه في ظاهري فلا يعتقده في سرّه عند العمل به، فمن عمل على هذا منه ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٥] ﴿فَمَا رَبَحَت تَجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦] وخرج عن أن يكون من أهل الله، ولحق بـ﴿مَنِ أَّخَذَ إِنَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [سورة الجاثية: الآية ٢٣] فهو يظنّ أنه في الحاصل وهو في الفائت، فتحفظوا يا إخواننا من غوائل هذا المقام ومكر هذا الكشف فقد نصحتكم ونصحت هذه الطائفة ووفيت بالأمر الواجب عليّ فيه، فمن لم يعلم الفتوة كما ذكرناها فما علمها . الباب السابع والأربعون ومائة في معرفة مقام ترك الفتوة وأسراره [نظم: البسيط] هو الفُتُوَّةُ إن حقَّقْتَ معناهَا تَرْكُ الفُتُوَّة إيثارٌ لخالقنا أمنَّها جاء ذاك الموتُ أَحياهَا فنَفْيُهَا عينُ إثباتٍ لها فمتى من أهله فيكون الحقُّ مَأْواهَا فليس يعدمها إلاَّ الفَنَاءُ فِكُنْ اعلم أن ترك الفتوة مشيك في حق نفسك، وحظها إذا مشيت في ذلك عن أمر الله لا لما يقتضيه طبع النفس كنت صاحب فتوة، فصاحب هذا المقام صاحب فتوة لا فتوة متصف بالنقيضين، فالفتوة مثل الحب في الحكم سواء، فإن الحب يقضي في المحب الاتصاف بالنقيضين إذا اتفق أن يكون أحد النقيضين محبوباً للمحبوب ممّا يكرهه المحب لكون الحب لا يطلبه ولا يقتضيه. فاعلم أن الإنسان إنما يرغب في الأعمال التي نصّ الشارع على عملها، أو تركها إن كانت من التروك، ليكون بامتثال ما كلف على حدّ ما أعطاه الكشف والإيمان والعقل في أعلى المراتب ولا يكون ذا همة دنية، فإذا تعرّض له في وقت عملان أعني أمرِين من فعل أو ترك عمد إلى أفضلهما. وقد ورد الخبر: ((أنَّهُ مَنْ قَتَلَ شَخْصاً وَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)). وقال فيمن قتل نفسه: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة، ولم يجعله في المشيئة ولا جعل لعمله كفارة في ماله، فعلمنا أن حق النفس في حقّه آكد عليه، وأعظم في الحرمة من حق غيره. والفتوة العمل في حق الغير إيثاراً على نفسه، وقد قدم الشارع في غير ما موضع أن حق نفس الإنسان عليه أوجب من حق الغير عند الله، والفتى الفتوحات المكية ج٣ - م٢٣ ٣٥٤ في المعاملات/ الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها هو الماشي في الأمور بأمر غيره لا بأمر نفسه، وفي حق غيره لا حق نفسه، لكن بأمر ربه، فهما طرفان: أحدهما يسوغ وهو المشي في الأمور عن أمر الله، والشطر الآخر لا يسوغ في كل موطن . فالعارف إذا أقيم في مقام أداء الحقوق إلى أصحابها وتعينت الحقوق عليه لأصحابها لم يتمكن له أن يتفتى مطلقاً فيؤثر الغير على الإطلاق فإنه بأداء حق نفسه يبدأ، وإذا بدأ به قدح في شرط الفتوة، وإذا لم يبدأ به قدح في الطرف الآخر من الفتوة الذي هو امتثال أمر الله فيبقى هالكاً، والتخليص من ذلك أن يقول: أنا مؤمن والله تعالى: ﴿أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١] فنفسي للحق لا لي فأبدأ بها وأثرها على غيرها من النفوس من كونها لله لا لي، فلهذا تكمل الفتوة في تركها المعلوم عند المحجوبين عن إدراك حقائق الأمور فإن مالكها أمرني بتقديمها في أداء الحقوق . وأما حكاية صاحب السفرة وهي أن شيخاً من المشايخ جاءه أضياف فأمر تلميذه أن يأتيه بسفرة الطعام فأبطأ عليه فسأله: ما أبطأ بك؟ فقال: وجدت النمل على السفرة فلم أر من الفتوة أن أخرجهم فتربصت حتى خرجوا من نفوسهم، فقال له الشيخ: لقد دققت، فجعل هذا الفعل من تدقيق باب الفتوة. ونعم ما قال، ونعم ما فاته، فلو قال أحد لهذا الشيخ: كيف شهد له بالتدقيق في الفتوة على جهة المدح والأضياف متألمون بالتأخير والانتظار ومراعاة الأضياف أولى من مراعاة النمل، فإن قال الشيخ: النمل أقرب إلى الله من حيث طاعتهم لله من الإنسان لما يوجد فيه من المخالفة وكراهة بعض الأمور التي هي غير مستلذة. قلنا: وجلد الإنسان وجوارحه وشعره وبشره ناطق بتسبيح الله تعالى كالنمل، ولهذا تشهد يوم القيامة على النفس الناطقة الكافرة الجاحدة، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَا﴾ [سورة فصلت: الآية ٢١] وقال: ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرَجُلُهُم﴾ [سورة النور: الآية ٢٤] فهم عدول وشهادتهم مقبولة، فكان الأولى مراعاة الأضياف الذين أمر الشارع بتعجيل تقديم الطعام لهم، فلو تفتى هذا الخادم وترك السفرة للنمل واستأذن الشيخ وعرفه بالقصة ونظر في تقديم أمر آخر للأضياف كان أولى وأدق في الفتوة. الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها [نظم: البسيط] لفْظُ النبيِّ الرسولِ المصطفَى الهادي إن الفراسةً نورُ النَّقْل جاء به عيناً وسمعاً وذاك الناشىء الشّادي ربُّ الفراسة من كان الإله له عَكْسُ القضية في غَيْبٍ وإشهادِ وما النهايةُ إلاَّ أن يقوم به الفراسة من الافتراس فهو نعت إلهيّ قهري حكمه في الشوارد خوفاً من صاحب هذه الصفة، والشرود سببه خوف طبيعي، إما على النفس أن تفارق بدنها الذي ألفته وظهر سلطانها ٣٥٥ في المعاملات / الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها فيه، وإما من حيث ما ينسب إليها من الذمّ الذي يطلقه عليها المفترس بالفراسة الطبيعية أو بالفراسة الإلهية، فلهذا لا تتعلق إلاَّ بالشاردين، لأن الغالب على العالم الجهل بنفوسهم وسبب جهلهم التركيب، فلو كانوا بسائط غير مركبين من العناصر لم يتصفوا بهذا الوصف، فاعلم أن الفراسة إذا اتصف بها العبد له في المتفرس فيه علامات بتلك العلامات يستدل، والعلامات منها طبيعية مزاجية وهي الفراسة الحكمية، ومنها روحانية نفسية إيمانية وهي الفراسة الإلهية وهو نور إلهي في عين بصيرة المؤمن يعرف به إذ يكشف له ما وقع من المتفرس فيه أو ما يقع منه أو ما يؤول إليه أمره، ففراسة المؤمن أعمّ تعلّقاً من الفراسة الطبيعية، فإن الفراسة غاية ما تعطي من العلوم العلم بالأخلاق المذمومة والمحمودة، وما يؤدي إلى العجلة في الأشياء والريث فيها والحركات البدنية كلها. وسأورد في هذا الباب طرفاً منهما أعني من الفراستين بعد تحقيق ماهيتهما . والفراسة الإلهية تتعلق بعلم ما تعطيه الفراسة الطبيعية وزيادة وهي أنها تعطي معرفة السعيد من الشقي، ومعرفة الحركة من الإنسان المرضية عند الله من غير المرضية التي وقعت منه من غير حضور صاحب هذا النور، فإذا حضر بين يديه بعد انقضاء زمان تلك الحركة وقد ترك ذلك العمل في العضو الذي كان منه ذلك العمل علامة لا يعرفها إلاَّ صاحب الفراسة فيقول له فيها بحسب ما كانت الحركة من طاعة ومعصية كما اتفق لعثمان رضي الله عنه وذلك أنه دخل عليه رجل فعندما وقعت عليه عينه قال: يا سبحان الله ما بال رجال لا يغضون أبصارهم عن محارم الله؟ وكان ذلك الرجل قد أرسل نظره فيما لا يحل له، إما في نظره إلى عورة إنسان، أو نظر في قعر بيت مسكون وما أشبه ذلك، فقال له الرجل: أوحي بعد رسول الله وَله؟ فقال: لا ولكنها فراسة، ألم تسمع إلى قول رسول الله وَ له: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ)) وعندما دخلت عليّ رأيت ذلك في عينيك، فهذا معنى قولنا: إنها تترك علامة في العضو الذي كان منه ذلك العمل المحمود أو المذموم. والفراسة الطبيعية تعطي معرفة المعتدل في جميع أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته، ومعرفة المنحرف في ذلك كله فيفرق بالنظر في أعضائه ونشأة كل عضو بين الأخرق والعاقل والذكي والفطن والفدم الغمر والشبق وغير الشبق والغضوب وغير الغضوب والخبيث وغير الخبيث والخداع المحتال والسليم المسلم والنزق وغير النزق وما أشبه هذا. فاعلم أولاً أن الفراسة الإيمانية وبها نبدأ أنها نور إلهيّ يعطاه المؤمن لعين البصيرة يكون كالنور لعين البصر، وتكون العلامة في المتفرس فيه كنور الشمس الذي تظهر به المحسوسات للبصر، فكما يفرق البصر بما فيه من النور وبما كشف له نور الشمس من المحسوسات فيعرف صغيرها من كبيرها، وحسنها من قبيحها، وأبيضها من أسودها من أحمرها من أصفرها، ومتحرّكها من ساكنها، وبعيدها من قريبها، وعاليها من أسفلها، كذلك نور الفراسة الإيمانية يعرف محمودها من مذمومها، وإنما أضيف نور الفراسة إلى الله الذي هو الاسم الجامع لأحكام الأسماء لأنه يكشف المحمود والمذموم، وحركات السعادة في الدار الآخرة، ٣٥٦ في المعاملات/ الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها وحركات الشقاء، إلى أن يبلغ بعضهم إذا رأى وطأة شخص في الأرض وهو أثره والشخص ليس بحاضر يقول: هذا قدم سعيد، وهذا قدم شقي، مثل ما يفعله القائف الذي يتبع الأثر فيقول صاحب هذا الأثر: أبيض مثلاً أعور العين، ويصف خلقته كأنه رآه، وما طرأ عليه في خلقه من الأمور العوارض يرى ذلك كله في أثره من غير أن يرى شخصه ويحكم في الأنساب، ويلحق الولد بأبيه إذا وقع الاختلاف فيه لعدم المناسبة في الشبه الظاهر المعتاد بين الآباء والأبناء، فأضاف نور الفراسة إلى الله لأجل هذا، فلو أضافها إلى الاسم الحميد مثلاً لم ير صاحب هذا النور إلاَّ المحمود السعيد خاصة، وكذلك لو أضاف إلى أي اسم إلهيّ لكان بحسب ما تعطي حقيقة ذلك الاسم، فلما أضاف ذلك النور إلى الله أدرك به الخيرات والشرور الواقعة في الدنيا والآخرة والمذام والمحامد ومكارم الأخلاق وسفسافها، وما تعطيه الطبيعة، وما تعطيه الروحانية. ويفرق بهذا النور بين الأحكام الشرعية وهي خمسة أحكام ويعرف بهذا النور لمن استند صاحب تلك الحركة من الأسماء الإلهية، ومن ينظر إليه من الأرواح العلوية وماله من الآيات من الحركات الكوكبية لأنّ الله ما جعل سباحتها في الأفلاك باطلاً، بل لأمور أودعها الله تعالى في المجموع فيها وفي حركاتها وفي قطعها في البروج المقدّرة في الفلك الأقصى وهو قوله: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] فهي تؤدّي في تلك السباحة ما أمنت عليه من الأمور التي يطلبها العالم العنصري . واعلم أن الطبيعة التي خلقها الله تعالى دون النفس وفوق الهباء، فلما أراد الله إيجاد الأجسام الطبيعية وما ثم عندنا إلاَّ جسم طبيعي أو عنصريّ والعناصر أجسام طبيعية وإن تولد عنها أجساد أخر فكل ذلك من آثار الله فيما خلق الله الطبيعة عليها، والطبيعة عبارة عن أمور أربعة إذا تألفت تألّفاً خاصاً حدث عنه ما يناسب تلك الألفة بتقدير العزيز العليم، فلذلك اختلفت أجسام العالم لاختلاف ذلك المزاج، فأعطى كل جسم في العالم بحسب ما اقتضاه مزاجه، وما زال الأمر ينزل إلى أن خلق الله العناصر وهي الأركان، فضم الحرارة إلى اليبوسة على طريق خاص، فكان من ذلك المزج ركن النار الذي يعبر عنه أيضاً بعنصر النار، ثم الهواء كذلك، ثم الماء، ثم التراب، ثم جعل سبحانه يستحيل بعضها إلى بعض بوسائط وبغير وسائط، فإذا تنافر العنصران من جميع الوجوه استحال إلى المناسب، ثم استحال ذلك المناسب إلى المناسب إليه الآخر الأقرب الذي كان منافراً للمستحيل الأوّل، فقبل الاستحالة إليه بوساطة هذا المناسب الأقرب من سخافة أو كثافة . ثم خلق الله الجسم الحيواني من أربع طبائع وهما: المرّتان والدم والبلغم وجعل سبحانه في هذه الأخلاط قوى روحانية تظهر آثارها في الجسم المركب عنها، فإن كانت هذه الأخلاط في الجسم الظاهر عنها على الاعتدال أو قريب من الاعتدال أعطت ما يعطيه الاعتدال من الأمور المستحسنة المحمودة والحركات الاقتصادية في الأمور، وإن لم تكن فيه على الاعتدال أعطت بحسب ما انحرفت إليه وظهر في البدن سلطان الأقوى والأكثر من هذه الأخلاط، فيطرأ على الجسم من ذلك علل وعلى النفس من ذلك أخلاق، فالطبيب يداوي ٣٥٧ في المعاملات/ الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها العلل بأن يزيد في الناقص من هذه الأخلاط وينقص من الزائد منها حتى يحصل الاعتدال، والطبيب الإلهيّ يداوي الأخلاق ويسوس الأغراض النفسية بالذكرى والموعظة والتنبيه على معالي الأمور، وما قامت به من السعادة والمحمدة عند الله وعند الناس وعند الأرواح العلى، فتتأيّد بذلك النفس الناطقة وتكون لها هذه الذكرى كالمعينة على صلاح هذا المزاج المنحرف، فتعين الطبيب المدبر لطبيعة هذا البدن وإصلاح ما اختلّ منه، ولهذا بعض الأطباء يأمرون المرضى لأمراض خاصة باستعمال سماع الألحان المطربة والأماكن المستحسنة المتنوعة الأزهار وخرير المياه وتغاريد الطير كالبلبل وأمثاله، كل ذلك طب روحانيّ يؤدّي إلى صلاح المزاج يعين الطبيب عليه . وثم علل أخر لا تحتمل الأصوات بل تصلح بنقيض ما ذكرناه، وذلك كله بحسب الخلط الغالب الأقوى وضعف المناقض المقابل له، وهذه العلل منها أصلية في نفس المزاج والخلقة مثل الجحوظة في العينين أو الغؤورة المفرطة أو الأنف الدقيق جدّاً أو الغليظ جدّاً، أو المتسع الثقب المنتفخ أو نقيضه، أو البياض الشديد أو السواد الشديد، أو الجعودة في الشعر أو السبوطة فيه الكثيرة، أو الزرقة الشديدة في العين الفيروزجية، أو الكحولة الغائية، وكذلك سائر الأعضاء في عدم الاعتدال وهو الانحراف من الاعتدال إلى أحد الميلين كما ذكرنا، فإن خلق الإنسان يكون بحسب ما هي هذه الأعضاء عليه من اعتدال وانحراف، فإذا جاء هذا الطبيب الإلهيّ وهو النبيّ أو الوارث أو الحكيم فيرى ما تقتضيه هذه النشأة التي انقادت إليه وجعلت زمامها في يديه ليربيها ويسعى في سعادتها، أو يردّها إلى خلاف ما تقتضيه نشأته إن كان منحرفاً بأن يبين لها مصارف ذلك الانحراف التي يحمدها الله ويكون فيها سعادة هذه النفس، فإنه لا يتمكن له أن ينشأها نشأة أخرى، فقد فرغ ربك من خلق ومن خلق ولم يبق بأيدينا إلاَّ تبيين المصارف، فالمعتدل النشأة إذا كان جاهلاً بالأمور السعادية عند الله التي تحتاج إلى موقف وهو رسول الله ولله يسأل العلماء عن الأمور التي تعطي السعادة عند الله. وأما مكارم الأخلاق فلا يحتاج فيها إلى موقف، فإن مزاج نشأته واعتدالها لا تعطيه إلاَّ مكارم الأخلاق، بل يحتاج إلى الموقف في بعض الأمور في استعمال الانحراف، وهو في ذلك مكلف لما يكون في ذلك الانحراف من المصالح إما دنيا وإما آخرة وإما المجموع فإن مزاج نشأته واعتدالها لا تعطيه إلاَّ مكارم الأخلاق، بل إما دنيا وإما آخرة وإما المجموع. وأما المنحرف فتصدر منه مذامّ الأخلاق وسفسافها وطلب نفوذ الأغراض القائمة به، ولا يبالي ما يؤول إليه أمره في نيلها، فالطبيب السؤوس يستدرجه حالاً بعد حال بتبيين المصارف كما ذكرناه، فإذا جاء صاحب الفراسة الإيمانية وكان عالماً بما يكون فيه المصلحة لهذا المتفرس فيه ورأى منه حركة تؤدّي إلى مذموم أو تكون تلك الحركة قد وقعت منه مذمومة ساسه حتى يتمكن منه إلى أن يسلم إليه نفسه ليتحكم فيها، فإن كان منحرفاً كان في سلوكه صاحب مجاهدة ورياضة، وإن كان معتدلاً كان في سلوكه طيب النفس ملتذاً صاحب فرح وسرور تهون عليه الأمور الصعاب على غيره ولا تكلف عنده في شيء من مكارم ٣٥٨ في المعاملات/ الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها الأخلاق، فإذا صفت نفسه وزكت ولحقت بالعالم المطهر ونظرت بالعين الإلهيّ وسمعت به وتحرّكت بقوّته عرفت مصادر الأمور ومواردها وما تنبعث عنه وما تؤول إليه، فذلك المعبر عنه بالفراسة الإيمانية وهي موهبة من الله تعالى ينالها السليم الطبع وغير السليم. وأصل الاعتدال والانحراف في العالم وفي الموجب لغلبة بعض الأصول على بعضها التي لها الحكم في المركبات هي من آثار العلم الإلهيّ الذي منه يرحم الله من يشاء ويغفر ويعذب ويكره ويرضى ويغضب، وأين الغضب من الرضى، وأين العفو من الانتقام، وأين السخط من الرضوان، وكل ذلك جاءت به الأخبار الإلهيّة في الكتب المنزلة، وعلمها أهل الكشف مشاهدة عين، ولولا ما وردت على ألسنة الأنبياء والرسل ونزلت بها الكتب من الله على أيديهم وأيّدوا بالمعجزات ليثبت صدقهم عند الأجانب لأجل هذه الأمور الإلهيّة حتى تقبل منهم إذا وردوا بها، فإن أدلة العقول تحيلها في الجناب الإلهيّ، فلو نطق بها مشاهد لها مكاشف بها من غير تأييد آية تدل على صدقه جهل وطعن في نظره، وأقيمت الدلالات العقلية على فساد عقله وفكره وحكم خياله عليه، وأن الله لا ينبغي أن يوصف بهذه الأوصاف، فهذا كان سبب نزولها على أيدي الرسل والكتب ليستريح إليها المشاهد ويأنس بكلامه إذا أتى بمثل هذا النوع، فلأجل هذه الأمور وردت الشرائع، ولأجل الأحكام التي لا توافق أغراض الرؤساء والمقدّمين لو سمعوها من غير الرسول فلما أنسوا بها من الرسل وألفت النفوس أحكام النواميس الإلهيّة واستصحبتها هان على الملوك والرؤساء أن يتّلمذوا للصالحين ويدخلوا نفوسهم تحت أحكامهم، وإن شق عليهم فهم يرجحون علمهم بذلك على ما يدركونه من مشقة خلاف الغرض، فإنه على هذا الشرط أدخل نفسه، فحجته قائمة على نفسه فسبحان العليم الحكيم، ولولا شرف العلم ما شرفت الفراسة لأنّ الفراسة لولا ما تعطي العلم ما شرّفت ولا كان لها قدر، فالعلم أشرف الصفات وبه تحصل النجاة إذا حكمه الإنسان على نفسه، وتصرّف في أموره بحسب حكمه: رب زدني علماً، رب زدني علماً، رب زدني علماً واستعملني له، واجعله الحاكم عليّ والناظر إليّ، إذ أنت العلم والعالم والمعلوم لك لا لنا فأعطنا منه على قدرنا. وأما الفراسة المذكورة عند الحكماء فأنا أذكر منها طرفاً على ما أصّلوه وما جرّبوه واختبروه، ثم اعتباره في الصفات بما تقتضيه طريقنا في هذا الكتاب مختصراً كافياً إن شاء الله تعالى . اعلم أن الله تعالى إذا أراد أن يخلق إنساناً معتدل النشأة ليكون جميع حركاته وتصرّفاته مستقيمة وفق الله الأب لما فيه صلاح مزاجه، ووفق الأمّ أيضاً لذلك، فصلح المني من الذكر والأنثى وصلح مزاج الرحم واعتدلت فيه الأخلاط اعتدال القدر الذي به يكون صلاح النطفة ووقت الله لإنزال الماء في الرحم طالعاً سعيداً بحركات فلكية جعلها الله علامة على الصلاح فيما يكون في ذلك من الكائنات، فيجامع الرجل امرأته في طالع سعيد بمزاج معتدل فينزل الماء في رحم معتدل المزاج فيتلقاه الرحم ويوفق الله الأمّ ويرزقها الشهوة إلى كل غذاء يكون فيه صلاح مزاجها وما تتغذى به النطفة في الرحم، فتقبل النطفة التصوير في مكان معتدل ومواد معتدلة وحركات فلكية مستقيمة، فتخرج النشأة وتقوم على أعدل صورة، فتكون نشأة ٣٥٩ في المعاملات / الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها صاحبها معتدلة ليس بالطويل ولا بالقصير لين اللحم رطبه بين الغلظ والرقة أبيض مشرباً بحمرة وصفرة معتدل الشعر طويله ليس بالسبط ولا الجعد القطط، في شعره حمرة ليس بذاك السواد، أسيل الوجه أعين عينه مائلة إلى الغور والسواد معتدل، عظيم الرأس سائل الأكتاف في عنقه استواء معتدل اللبة، ليس في وركه ولا صلبه لحم خفي الصوت صاف ما غلظ منه وما رقّ ممّا يستحب منه غلظه أو رقته في اعتدال طويل البنان للرقة سبط الكف قليل الكلام والصمت إلاَّ عند الحاجة، ميل طبائعه إلى الصفراء والسوداء، في نظره فرح وسرور، قليل الطمع في المال، ليس يريد التحكّم عليك ولا الرياسة ليس بعجلان ولا بطيء، فهذا قالت الحكماء أعدل الخلقة وأحكمها، وفيها خلق سيدنا محمد منطقة ليصح له الكمال في النشأة كما صحّ له الكمال في المرتبة، فكان أكمل الناس من جميع الوجوه ظاهراً وباطناً . فإن اتفق أن يكون في الرحم اختلال مزاج فلا بدّ أن يؤثر ذلك الاختلال في نشأة الإنسان في الرحم في عضو من أعضائه، أو في أكثر الأعضاء أو في أقلها بحسب ما تكون المادة في الوقت لذلك العضو من القوّة الجاذبة التي تكون في النطفة، فيخرج ذلك إما في كلية النشأة، وإما في بعض أعضائها، فمن ذلك والله الموفق أن البياض الصادق مع الشقرة والزرقة الكثيرة دليل على القحة والخيانة والفسوق وخفة العقل، فإن كان مع ذلك واسع الجبهة ضيق الذقن أزعر أوجن كثير الشعر على الرأس فقال أهل الفراسة من الحكماء: إن التحفّظ ممّن هذه صفته كالتحفظ من الأفاعي القتالة، فإن كان الشعر خشناً دلّ على الشجاعة وصحة الدماغ، وإن كان ليناً دلّ على الجبن وبرد الدماغ وقلة الفطنة، وإن كان الشعر كثيراً على الكتفين والعنق دل على الحمق والجراءة، وإن كثر على الصدر والبطن دل على وحشية الطبع وقلة الفهم وحب الجور، والشقرة دليل على الجبن وكثرة الغضب وسرعته والتسلّط، والأسود من الشعر يدل على السكون الكثير في العقل والأناة وحب العدل، والمتوسط بين هذين يدل على الاعتدال، وإن كانت الجبهة منبسطة لا غضون فيها دلّ على الخصومة والشغب والرقاعة والصلف، فإن كانت الجبهة متوسطة في النتوء والسعة وكانت فيها غضون فهو صدوق محب فهم عالم يقظان مدبر حاذق، ومن كان عظيم الأذنين فهو جاهل إلاّ أنه يكون حافظاً، ومن كان صغير الأذنين فهو سارق أحمق، وإن كان الحاجب كثير الشعر دلّ على الغيّ وغث الكلام، فإن امتدّ الحاجب إلى الصدغ فصاحبه تياه صلف، ومن رقّ حاجبه فاعتدل في الطول والقصر وكانت سوداء فهو يقظان، فإن كان العين أزرق فهي أردأ العيون، وأردأ الزرق الفيروزجية، فمن عظمت عيناه وجحظت فهو حسود وقح كسلان غير مأمون، وإن كانت زرقاء كان أشدّ وقد يكون غاشاً، ومن كانت عيناه متوسطة مائلة إلى الغور والكحلة والسواد فهو يقظان فهم ثقة محب، فإذا أخذت العين في طول البدن فصاحبها خبيث، ومن كانت عينه جامدة قليلة الحركة كالبهيمة ميت النظر فهو جاهل غليظ الطبع، ومن كان في عينه حركة بسرعة وحدّة نظر فهو محتال لص غادر، ومن كانت عينه حمراء فهو شجاع مقدام، فإن كان حواليها نقط صفر فصاحبها أشرّ الناس وأرداهم، وإن كان أنفه دقيقاً فصاحبه نزق، ومن ٣٦٠ في المعاملات / الباب الثامن والأربعون ومائة في معرفة مقام الفراسة وأسرارها كان أنفه يكاد يدخل في فمه فهو شجاع، ومن كان أفطس فهو شبق، ومن كان أنفه شديد الانتفاخ فهو غضوب، وإذا كان غليظ الوسط مائلاً إلى الفطوسة فهو كذوب مهذار، وأعدل الأنوف ما طال غير طول فاحش، ومن كان أنفه متوسط الغلظ وقناه غير فاحش فهو دليل على العقل والفهم، ومن كان واسع الفم فهو شجاع، ومن كان غليظ الشفتين فهو أحمق، ومن كان متوسط الشفتين في الغلظ مع حمرة صادقة فهو معتدل، ومن كانت أسنانه ملتوية أو ناتئة فهو خداع متحيل غير مأمون، ومن كانت أسنانه منبسطة خفافاً بينهما فلج فهو عاقل ثقة مأمون مدبر، ومن كان لحم الوجه منه منتفخ الشدقين فهو جاهل غليظ الطبع، ومن كان نحيف الوجه أصفر فهو رديء خبيث خداع شكس، ومن طال وجهه فهو وقح، ومن كانت أصداغه منتفخة وأوداجه ممتلئة فهو غضوب، ومن نظرت إليه فاحمر وخجل وربما دمعت عيناه أو تبسم تبسماً لا يريده فهو لك متودّد محب فيك لك في نفسه مهابة، وإن کان ذا صوت جهر دلّ على الشجاعة، والمعتدل بين الكد والتأنّي والغلظ والرقة دلّ على العقل والتدبير والصدق وسرعة الكلام، ورقته يدل على الكذب والقحة والجهل، الغلظ في الصوت دليل على الغضب وسوء الخلق، الغنة في الصوت دليلة على الحمق وقلة الفطنة وكبر النفس، التحرّك الكثير دليل على الصلف والهذر والخداع والوقار في الجلسة، وتدارك اللفظ وتحريك اليد في فضول الكلام دليل على تمام العقل والتدبير وصحة العقل، قصر العنق دليل على الخبث والمكر، طول العنق ورقته دليل على الحمق والجبن والصياح فإن انضاف إليهما صغر الرأس فإنه يدل على الحمق والسخف، غلظ العنق يدل على الجهل وكثرة الأكل، اعتدال العنق في الطول والغلظ دليل على العقل والتدبير وخلوص المودّة والثقة والصدق، البطن الكبير يدل على الحمق والجهل والجبن، لطافة البطن وضيق الصدر يدلان على جودة العقل وحسن الرأي، عرض الكتفين والظهر يدلان على الشجاعة وخفة العقل، انحناء الظهر يدل على الشكاسة والنزاقة، استواء الظهر علامة محمودة، بروز الكتفين دليل على سوء النية وقبح المذهب، إذا طالت الذراعان حتى يبلغ الكف الركبة دلّ على الشجاعة والكرم ونبل النفس، وإذا قصرت فصاحبها جبان محب في الشرّ، الكف الطويلة مع الأصابع الطوال تدل على النفوذ في الصنائع وحكام الأعمال وتدبير الرياسة، اللحم الغليظ في القدم يدل على الجهل وحب الجور، القدم الصغير اللين يدل على الفجور، رقة العقب تدل على الحسن، غلظ العقب يدل على الشجاعة، غلظ الساقين مع العرقوبين دليل على البله والقحة، من كانت خطاه واسعة بطيئة فهو منجح في جميع أعماله مفكّر في عواقبه والضدّ للضدّ. فهذا ما نقلته من أقوال الحكماء من أهل التجربة من العلماء بالطبيعة، وهذه النعوت قد تكثر وتقل، والحكم للغالب، وقد تتساوى في الشخص فيدفع هذا حكم هذا بأن يكون في الشخص حكم أحدها بوجه في قضية خاصة، وحكم أحدها بوجه آخر في قضية خاصة . وبالجملة فإن الرياضة واستعمال العلم مؤثر في إزالة حكم كل صفة مذمومة ممّا ذكر، ومن جرب وجد صحة ما قلناه فإن العادة طبيعة خامسة لها أثر في الطبيعة الأصلية، هذا كله مجرب.