Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
في المعاملات/ الباب التاسع والعشرون ومائة في معرفة ترك الرضى
فأثبتوه وزادوا فقام لهم الشركاء مقام الأسباب للمؤمنين، وكل عارض زائل وحكمه يزول
بزواله ويرجع الحكم إلى الأصل والأصل يقتضي السعادة، فمآل الكل إن شاء الله إليها
مع عمارة الدارين، ولكل واحدة ملؤها والرحمة تصحبها كما صحبت هنا العبودية لكل
أحد ممّن بقي عليها أو ادّعى الربوبية فإنه ادّعى أمراً يعلم من نفسه خلافه، فمقام الرضى
ماثلته لك فقل فيه بعد هذا ما شئت حال أو مقام أو لا حال ولا مقام، واعلم الفرق فيه
بين النسبتين: نسبته لله ونسبته للخلق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب التاسع والعشرون ومائة
في معرفة ترك الرضى
[نظم: البسيط]
وعند أهلِ وجودِ الله آياتٌ
تَرْكُ الرضى عند أهل الرَّسْم مَثْلَبَةٌ
من حيثُ ما هم به مَخوٌ وإثباتُ
بحكمِهِ ولهم فيها علاماتُ
بالعين علمٌ ولا بالوَجْدِ لَذَّاتُ
رضِى وليست له فيها نهاياتُ
على تحقّقِهم بعين مُؤْجِدِهمْ
يرضى الإلهُ عن النفس التي ربطَتْ
والنفسُ راضيةٌ عنه وليس لها
وما سوى النفسٍ من عقلٍ فليس له
جناب الله أوسع من أن أرضى منه باليسير، ولكن أرضى عنه لا منه، لأن الرضى منه
يقطع همم الرجال والله يقول آمراً نبيه وَله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] مع كونه
قد حصل علم الأوّلين والآخرين وأوتي جوامع الكلم، فإنه لا يعظم على الله شيء طلب منه،
فإن المطلوب منه لا يتناهى، فليس له طرف نقف عنده فوسع في طلب المزيد إن كنت من
العلماء بالله، وإذا كان اتساع الممكنات لا يقبل التناهي فما ظنك بالاتساع الإلهي فيما يجب
له، وما يعطيه من المعرفة كل ممكن على عدم التناهي فيه، فكيف إذا انضاف إلى تلك
المعرفة ما لا تعلق للممكن بها لا من سلب ولا من إثبات نسب، فإذا ترك العبد الرضى فعلى
هذا الحد يتركه فهو راض عنه لا راض منه، لأن الرضى منه جهل به ونقص، والعبد الكامل
مخلوق على صورة الكمال. وأما قول بعضهم لي منذ ستين سنة أو كذا وقت ما أقامني الله في
أمر فكرهته قالت المشايخ: أشار إلى دوام الرضى واحتجوا بهذا على ثبوت الأحوال، فإن
الرضى عندهم من الأحوال، وهذا لا يصحّ من غير المعصوم والمحفوظ فربما كان هذا القائل
من المحفوظين أو المعصومين، فإن لم يكن فيريد الرضى بقضاء الله فيما أقامه لا بكل مقضي
فإنه لا ينبغي الرضى بكل مقضي، وإن رأيت وجه الحق فيه فإنك إذا كنت صحيح الرؤية فيه
فإنك ترى وجه الحق فيه غير راض عنه، فإن لم تره بذلك العين الإلهيّ وإلاَّ فما رأيته إن
رضيت به ولا يرضى لعباده الكفر فتحفظ من هذا الحال أو هذا المقام فإنه زهوق لا يثبت عليه
الإقدام فإن فيه منازعة الحق.
الفتوحات المکیة ج٣ - م٢١

٣٢٢
في المعاملات/ الباب الموفي ثلاثين ومائة في مقام العبودة
الباب الموفي ثلاثين ومائة
في مقام العبودة
[نظم: البسيط]
بأنَّ نِسْبَتَنَا للحق مَعْلُولَهْ
إني انتسَبْتُ إلى نفسي لمعرفتي
بما له من عُلُوِ القَدْر مجهولَةْ
وكَوْنُهُ عِلَّةٌ للخَلْقِ مجهلةٌ
فَقْرٌ قد أَوْدَعَ الرحمنُ تنزيلَهْ
هو الغنيُّ على الإطلاق ليس له
فابحثْ عليه ترى بالبحث تَفْصيلَهُ
هذا الذي قلته القرآنُ فَصَّلَهُ
العبودية نسب إلى العبودة، والعبودة مخلصة من غير نسب لا إلى الله ولا إلى نفسها
لأنه لا يقبل النسب إليه ولذلك لم تجىء بيا النسب، فأذل الأذلاء من ينتسب إلى ذليل على
جهة الافتخار به ولهذا قيل في الأرض ذلول ببنية المبالغة في الذلة، لأن الأذلاء يطؤونها فهي
أعظم في الذلة منهم، فمقام العبودية مقام الذلة والافتقار وليس بنعت إلهيّ. قال أبو يزيد
البسطامي: وما وجد سبباً يتقرب به إلى الله إذ رأى كل نعت يتقرب به إلى الله للألوهية فيه
مدخل فلما عجز قال: يا رب بماذا أتقرب إليك؟ قال الله له: بما جرت عادة الله مع أوليائه أن
يخاطبهم به تقرب إليّ بما ليس لي الذلة والافتقار، وهنا سرّ لا يمكن كشفه، فمن أطلعه الله
عليه عرفه نطق الله عباده عليه بأن له صاحبة وولداً وأمثالاً وأن له البخل وأنه فقير من العرض
بقولهم: ﴿وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾. ثم قال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨١] وكتبة الله
إيجاب، وهذا موضع السرّ لمن فتح الله عين بصيرته .
ثم في قوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ١٨١] فألحقهم في العقاب بالكفار، وهم الذين ستروا ما يجب للحق عليهم من التنزيه
والاشتراك في أسماء الصفات لا في مسمياتها. فالعبد معناه الذليل، يقال: أرض معبدة أي
مذللة، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] وما
قال ذلك في غير هذين الجنسين لأنه ما ادّعى أحد الألوهية ولا اعتقدها في غير الله ولا تكبر
على خلق الله إلاّ هذان الجنسان فلذلك خصّهما بالذكر دون سائر المخلوقات، فقال ابن
عباس: معناه ليعرفوني، فما فسّر بحقيقة ما تعطيه دلالة اللفظ وإنما تفسيره ليذلوا لي ولا يذل
له من لا يعرفه، فلا بدّ من المعرفة به أوّلاً وأنه ذو العزّة التي تذلّ الأعزاء لها، فلذلك عدل
ابن عباس في تفسير العبادة إلى المعرفة، هذا هو الظن به، ولم يتحقق بهذا المقام على كماله
مثل رسول الله # فكان عبداً محضاً زاهداً في جمع الأحوال التي تخرجه عن مرتبة
العبودية، وشهد الله له بأنه عبد مضاف إليه من حيث هويته واسمه الجامع فقال في حق
اسمه ﴿ وَأَنَّهُ لَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [سورة الجن: الآية ١٩] وقال في حق هويته: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى
بِعَبْدِهِ،﴾ [سورة الإسراء: الآية ١] فأسرى به عبداً، ولما أمر بتعريف مقامه يوم القيامة قيد ذلك
فقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) بالراء أي ما قصدت الفخر عليكم بالسيادة بل أردت

٣٢٣
في المعاملات / الباب الأحد والثلاثون ومائة في مقام ترك العبودية
التعريف بشرى لكم إذ أنتم مأمورون بإتباعي، وقد روي ولا فخز بالزاي ما قلته متبجحاً وأنا
لست كذلك، فإن الفخز التبجح بالباطل في صورة حق، فالعبد مع الحق في حال عبوديته
كالظل مع الشخص في مقابلة السراج، كلما قرب من السراج عظم الظل، ولا قرب من الله
إلاَّ بما هو لك وصف أخصّ لا له، وكلما بعد من السراج صغر الظل، فإنه ما يبعدك عن الحق
إلاَّ خروجك عن صفتك التي تستحقها وطمعك في صفته ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلٍّ
مُتَكَِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [سورة غافر: الآية ٣٥] وهما صفتان لله تعالى ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾
[سورة الدخان: الآية ٤٩].
وهذا قوله وَلَ: ((أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ)) وهذا المقام لا يبقى لك صفة تخصّ الحق وينفرد بها،
ولا يمكن حصول اشتراك فيها من النعوت الثبوتية لا النعوت السلبية والإضافية إلاَّ ويعلمها
صاحب هذا المقام خاصة، ولكن عزّ صاحبه ذوقاً، فإن الوصف الأخص منك إذا تحققت به
وانفردت ودخلت به على الحق لم يقابلك إلاَّ بالنعت الأخص به الذي لا قدم لك فيه، وإذا
جئت بالنعت المشترك تجلّ لك بالنعت المشترك فتعرف سرّ نسبته إليك من نسبته إليه وهو علم
غريب قلّ أن تجد له ذائقاً، ومع هذا فهو دون الأوّل الذي هو الأخص بك فاعلم ذلك فتحقق
بهذا المقام فهذا أعطاك مقام العبودية .
وأما مقام العبودة فلا تدري ما يحصل لك فيه من العلم به فإنك تنفي النسب فيه عنه
تعالى وعن الكون وهو مقام عزيز جداً لأنه لا يصحّ عند الطائفة أن يبقى الكون مع إمكانه بغير
نسب وهو بالذات واجب لغيره، والتنبيه على هذا المقام وصف الظاهر في المظهر بنعت
العبد، فإن الظاهر ينصبغ بحقيقة المظهر كان ما كان، فلا ينتسب الظاهر إلى العبودية فإنه ليس
وراءها نزول، والمنتسب لا بدّ أن يكون أنزل في المرتبة من المنسوب إليه ولا ينتسب الظاهر
إلاَّ إليه، فإن الأثر الذي أعطاه عين المظهر ليس غير الظاهر وليس وراء الله مرمى والشيء لا
ينسب إلى نفسه، فلهذا جاءت العبودة بغير ياء النسب، يقال: رجل بين العبودية والعبودة أي
ذاته ظاهرة ونسبه مجهول فلا ينسب فإنه ما ثم إلى من فهو عبد لا عبد.
الباب الأحد والثلاثون ومائة
في مقام ترك العبودية
[نظم: البسيط]
إِنِ انتسبْتَ إلى مَعْلُول أنتَ له
نحن المظاهرُ المعبودُ ظاهِرُها
ما جاء بي عَبَثاً لكن لنَعْبُدَهُ
ولستُ أعبُدُه إلاَّ بصورتهِ
فما القضاءُ إذا حقَّقْتَ صورتَنَا
فكلُّها عِبَرٌ إن كنتَ ذا نظرٍ
وأنت الله لا للخلق فازدجرُوا
ومَظْهَرُ الكون عَيْنُ الكون فاعتبرُوا
حقاً بذا حَكَمَ التشريعُ والنَّظَرُ
فهو الإلهُ الذي في طَيِّه البَشَرُ
وما التصرُّفُ والأحكامُ والقَدَرُ
ولا يخيبُ من تسري به العِبَرُ

٣٢٤
في المعاملات/ الباب الأحد والثلاثون ومائة في مقام ترك العبودية
ترك العبودية لا يصحّ إلاَّ عند من يرى أن عين الممكنات باقية على أصلها من العدم
وأنها مظاهر للحق الظاهر فيها، فلا وجود إلاَّ لله ولا أثر إلاَّ لها، فإنها بذاتها تكسب وجود
الظاهر ما تقع به الحدود في عين كل ظاهر فهي أشبه شيء بالعدد، فإنها معقول لا وجود له،
وحكمه سار ثابت في المعدودات، والمعدودات ليست سوى صور الموجودات كانت ما
كانت، والموجودات سبب كثرتها أعيان الممكنات وهي أيضاً سبب اختلاف صور
الموجودات، فالعدد حكمه مقدّم على حكم كل حاكم. ولما وصلت في أول هذا الباب من
هذه النسخة إلى العدد والمعدودات نمت فرأيت رسول الله وَل# في منامي وأنا بين يديه وقد
سألني سائل وهو يسمع: ما أقل الجمع في العدد؟ فكنت أقول له: عند الفقهاء اثنان، وعند
النحويين ثلاثة، فقال وَّ: ((أَخْطَأَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاء)»، فقلت له: يا رسول اللَّه فكيف أقول؟ قال
لي: ((إِنَّ العَدَدَ شَفْعٌ وَوَثْرٌ)) يقول الله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرٍ﴾ [سورة الفجر: الآية ٣] والكل عدد
فميز، ثم أخرج خمسة دراهم بيده المباركة ورمى بها على حصير كنا عليه فرمى درهمين بمعزل
ورمى ثلاثة بمعزل وقال لي: ينبغي لمن سئل في هذه المسألة أن يقول للسائل عن أي عدد تسأل
عن العدد المسمّى شفعاً أو عند العدد المسمّى وتراً ثم وضع يده على الاثنين الدرهمين وقال: هذا
أقل الجمع في عدد الشفع، ثم وضع يده على الثلاثة وقال: هذا أقل الجمع في عدد الوتر،
هكذا فليجب من سئل في هذه المسألة كذا هو عندنا، واستيقظت فقيدتها في هذا الباب كما
رأيتها حين استيقظت، وخرج عن ذكري مسائل كثيرة كانت بيني وبينه بَيّه تما يتعلق بغير هذا
الباب، وأنا في غاية السرور والفرح برؤيته وَلّ، ووجدت في خاطري عند انتباهي صحة
النهي عن البتيرا فإنه تكلم في طريقه فما رأيت معلماً أحسن منه، وأخذت في تقييدي لهذا
الكتاب فنرجع ونقول: فالعدد حكمه مقدم على حكم كل حاكم، فحكم على الممكنات بالكثرة
كثرة الممكنات، واختلافات استعداداتها على الظاهر فيها مع أحديته فكثرته كثرة الممكنات.
ولما كان الأمر هكذا لم يمكن أن يكون للعبودية عين، فلهذا المقام يقال بترك
العبودية، ومنم حكم العدد وقوّة سريانه وإن لم يكن له وجود قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُنُ
مِن تَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٧]
يعني الاثنين وهذا يعضد رؤيانا المتقدمة، ولا أكثر إلاَّ هو معهم أينما كانوا من المراتب التي
يطلبها العدد فينسحب عليها حكم العدد. وقوله بََّ: ((إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلاَّ
وَاحِداً)) هذا من حكم العدد. وقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [سورة
المائدة: الآية ٧٣] ولم يكفر من قال إنه سبحانه رابع ثلاثة، وذلك أنه لو كان ثالث ثلاثة أو رابع
أربعة على ما توطأ عليه أهل هذا اللسان لكان من جنس الممكنات وهو سبحانه وتعالى ليس من
جنس الممكنات فلا يقال فيه أنه واحد منها فهو واحد أبداً لكل كثرة وجماعة ولا يدخل معها في
الجنس فهو رابع ثلاثة فهو واحد وخامس أربعة فهو واحد بالغاً ما بلغت فذلك هو مسمّى الله،
فهو وإن كان هو الوجود الظاهر بصور ما هي المظاهر عليه فما هو من جنسها فإنه واجب الوجود
لذاته وهي واجبة العدم لذاتها أزلاً، فلها الحكم فيمن تلبس بها، كما للزينة الحكم فيمن تزين بها،

٣٢٥
في المعاملات / الباب الأحد والثلاثون ومائة في مقام ترك العبودية
فنسبة الممكنات للظاهر نسبة العلم والقدرة للعالم والقادر، وما ثم عين موجودة تحكم على هذا
الموصوف بأنه عالم وقادر فلهذا نقول: إنه عالم لذاته وقادر لذاته وهكذا هي الحقائق، فالعدد حاكم
لذاته في المعدودات ولا وجود له، والمظاهر حاكمة في صور الظاهر وكثرتها في عين الواحد ولا
وجود لها، وليس عندنا في العلم الإلهيّ مسألة أغمض من هذه المسألة، فإن الممكنات على
مذهب الجماعة ما استفادت من الحق إلاَّ الوجود، وما يدري أحد ما معنى قولهم: ما استفادت
إلاَّ الوجود إلاَّ من كشف الله عن بصيرته، وأصحاب هذا الإطلاق لا يعرفون معناه على ما هو
الأمر عليه في نفسه، فإنه ما ثم موجود إلاَّ الله تعالى والممكنات في حال العدم.
فهذا الوجود المستفاد إما أن يكون موجوداً وما هو الله ولا أعيان الممكنات. وإما أن
يكون عبارة عن وجود الحق، فإن كان أمراً زائداً ما هو الحق ولا عين الممكنات فلا يخلو أن
يكون هذا الوجود موجوداً فيكون موصوفاً بنفسه وذلك هو الحق لأنه قد قام الدليل، على أنه
ما ثم وجود أزلاً إلاَّ وجود الحق فهو واجب الوجود لنفسه، فثبت أنه ما ثم موجود لنفسه غير
الله، فقبلت أعيان المكنات بحقائقها وجود الحق لأنه ما ثم وجود إلاَّ هو وهو قوله: ﴿وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقٌ﴾ [سورة الحجر: الآية ٨٥] وهو الوجود الصرف فانطلق
عليه ما تعطيه حقائق الأعيان، فحدث الحدود، وظهرت المقادير، ونفذ الحكم والقضاء،
وظهر العلوّ والسفل والوسط والمختلفات والمتقابلات، وأصناف الموجودات أجناسها
وأنواعها وأشخاصها وأحوالها وأحكامها في عين واحدة، فتميزت الأشكال فيها وظهرت
أسماء الحق، وكان لها الأثر فيما ظهر في الوجود غيرة أن تنسب تلك الآثار إلى أعيان
الممكنات في الظاهر فيها.
وإذا كانت الآثار للأسماء الإلهية والاسم هو المسمّى فما في الوجود إلاَّ الله فهو الحاكم
وهو القابل فإنه قابل التوب فوصف نفسه بالقبول ومع هذا فتحرير هذه المسألة عسير جداً،
فإنّ العبارة تقصر عنها والتصوّر لا يضبطها لسرعة تفلتها وتناقض أحكامها فإنها مثل قوله :
﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ فنفى ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ فأثبت ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَفَىَّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١٧] فنفى كون
محمد وأثبت نفسه عين محمد وجعل له اسم الله، فهذا حكم هذه المسألة بل هو عينها لمن
تحقق، فهذا معنى ترك العبودية في خصوص العلماء بالله. وأما من نزل منهم عن هذه الطبقة
فإنه يقول: لا يصحّ تركها باطناً لوجود الافتقار الذي لا ينكره المحدث من نفسه فلا بدّ أن
يذلّه فتلك الذلّة عين العبودية، إلاَّ أن يؤخذ الإنسان عن معرفته بنفسه، وأما تركها من باب
المعرفة فهو أن العبد إذا نظرته من حيث تصرّفه لا من حيث ما هو ممكن وأطلقت عليه اسم
العبودة من ذلك الباب فيمكن في المعرفة تركها من باب التصرّف لا من باب الإمكان، وذلك أن
حقيقة العبودية الوقوف عند أوامر السيد وما هنا مأمور إلاَّ من يصحّ منه الفعل بما أمر به،
والأفعال خلق الله فهو الآمر والمأمور، فأين التصرّف الحقيقي الذي به يسمّى العبد عبداً قائماً
بأوامر سيده أو منازعاً له فيتصف بالأباق، فبقي المسمّى عبداً على ظهور الاقتدار الإلهي بجريان
الفعل على ظاهره وباطنه، إما بموافقة الأمر أو بخالفته، وإذا كان هذا على ما ذكرناه فلا عبودية

٣٢٦
في المعاملات/ الباب الثاني والثلاثون ومائة في معرفة مقام الاستقامة
تصريف فهو أعني العبد موجود بلا حكم، وهذا مقام تحقيقه عند جميع علماء الذوق من أهل
الله إلاَّ طائفة من أصحابنا وغيرهم ممّن ليس منّا يرون خلاف ذلك وأن الممكن له فعل، وأن الله
قد فوّض إلى عباده أن يفعلوا بعض الممكنات من الأفعال فكلفهم فعلها فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] ﴿ وَأَتُِّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٦] ﴿وَجَهِدُواْ فِى اَللَّهِ﴾
[سورة الحج: الآية ٧٨] وأمثال هذا، فإذا أثبتوا أن للعبد فعلاً لم يصحّ ترك عبودية التصريف. وأما
عبودية الإمكان فأجمعوا على كونها وأنه لا يتصوّر تركها فإن ذلك ذاتي للممكن، وبعض
أصحابنا يلحظ في ترك العبودية كون الحق قوى العبد وجوارحه فإنه يغيب عن عبوديته في تلك
الحال، فهو ترك حال لا ترك حقيقة. انتهى الجزء الواحد ومائة.
(الجزء الثاني ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِمَةِ
الباب الثاني والثلاثون ومائة
في معرفة مقام الاستقامة
[نظم: الكامل]
شملتْ جميعَ الكون في تخصيصها
للمستقيم ولايةٌ مَخْصُوصةٌ
بالطَّيِّب المكنونِ في تَنْصيصِهَا
لللمُستَقيم تنزَّلتْ أرواحُه
منها منازلَ لم تُثَلْ بخصوصِهَا
الاستقامةُ نزَّلَتْ أربابَها
قد قالها فانظُرْهُ في مَنْصوصِهَا
هي نَعْتُهُ سبحانَه في قصَّةٍ
جاءت هذه الأبيات لزوم ما لا يلزم من غير قصد وكذلك أمثالها، فإنما أنطق ممّا يجريه
الله فينا من غير تعمّل ولا روية.
اعلم وفقك الله أن الله أخبر عن نبيه ورسوله عليه السلام في كتابه أنه قال: ﴿إِنَّ رَبِ عَلَی
صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] فوصف نفسه بأنه على صراط مستقيم، وما أخطأ هذا
الرسول في هذا القول، ثم إنه ما قال ذلك إلاَّ بعد قوله: ﴿مَا مِن دَآَةٍ إلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾
[سورة هود: الآية ٥٦] فما ثم إلاّ من هو مستقيم على الحقيقة على صراط الرب، لأنه ما ثم إلاّ
من الحق آخذ بناصيته، ولا يمكن إزالة ناصيته من يد سيده وهو على صراط مستقيم، ونكر
لفظ دابة فعم فأين المعوج حتى تعدل عنه؟ فهذا جبر وهذه استقامة، فالله يوفقنا لإنزال كل
حكمة في موضعها، فهنالك تظهر عناية الله بعيده ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةُ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [سورة
المائدة: الآية ٤٨] وهي أحكام الطريقة التي في قوله: ﴿وَمِنْهَاجَأَ﴾ فكلها مجعولة بجعل الله،
فمن مشى في غير طريقه التي عين الله له المشي عليها فقد حاد عن سواء السبيل التي عين الله
له المشي عليها، كما أن ذلك الآخر لو ترك سبيله التي شرع الله له المشي عليها وسلك سبيل
هذا سميناه حائداً عن سبيل الله، والكل بالنسبة إلى واحد واحد على صراط مستقيم فيما شرع

٣٢٧
في المعاملات / الباب الثاني والثلاثون ومائة في معرفة مقام الاستقامة
له، ولهذا خط رسول الله وَّ# خطاً وخط عن جنبتي ذلك الخط خطوطاً، فكان ذلك الخط
شرعه ومنهاجه الذي بعث به وقيل له: قل لأمتك تسلك عليه ولا تعدل عنه، وكانت تلك
الخطوط شرائع الأنبياء التي تقدّمته والنواميس الحكمية الموضوعة، ثم وضع يده على الخط
وتلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا﴾ فأضافه إليه ولم يقل صراط الله ووصفه بالاستقامة وما
تعرّض لنعت تلك الخطوط بل سكت عنها ثم قال: ﴿فَتَّبِعُوّةٌ ﴾ الضمير يعود على صراطه
﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ﴾ يعني شرائع من تقدمه ومناهجهم من حيث ما هي شرائع لهم إلاّ إن وجد
حكم منها في شرعي فاتبعوه من حيث ما هو شرع لنا لا من حيث ما كان شرعاً لهم ﴿فَنَفَرَّقَ
بِكُمْ عَن سَبِيلِهٍ﴾ يعني تلك الشرائع عن سبيله أي عن طريقه الذي جاء به محمد وَّر، ولم
يقل عن سبيل الله لأنّ الكل سبيل الله إذ كان الله غايتها ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾
[سورة الأنعام: الآية ١٥٣] أي تتخذون تلك السبيل وقاية تحول بينكم وبين المشي على غيره من
السبل وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ﴾ من أي شرع كان إذا كان له الزمان والوقت ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اُسْتَقَامُواْ﴾ على طريقهم التي شرع الله لهم المشي عليها ﴿تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ﴾ وهذا
التنزّل هو النبوّة العامة لا نبوّة التشريع ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ بالبشر أي ﴿أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا
تَحْزَنُواْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣٠] فإنكم في طريق الاستقامة، ثم قالوا لهم هؤلاء المبشرون من
الملائكة ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ أي نحن كنا ننصركم في الحياة الدنيا في الوقت
الذي كان الشيطان يلقي إليكم بلمته العدول عن الصراط الذي شرع لكم المشي عليه، فكنا
ننصركم عليه باللمة التي كنتم تجدونها في وقت التردّد بين الخاطرين هل يفعل أو لا يفعل؟
نحن كنا الذين نلقي إليكم ذلك في مقابلة إلقاء العدوّ فنحن أيضاً أولياؤكم ﴿ وَفِ الْآَخِرَةَ﴾
[سورة فصلت: الآية ٣١] بالشهادة لكم أنكم كنتم تأخذون بلمتنا وتدفعون بها عدوّكم، فهذه
ولا يتهم في الآخرة وولايتهم أيضاً بالشفاعة فيهم فيما غلب عليهم الشيطان في لمته، فيكون
العبد من أهل التخليط فتشفع الملائكة فيه حتى لا يؤاخذ بعمل الشيطان فهذا معنى قوله:
﴿وَفِ الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ﴾ من شهادتنا لها وشفاعتنا فيها في هذا الموطن
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [سورة فصلت: الآية ٣١] من الدعة ﴿نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ زَّحِيمٍ﴾ [سورة فصلت:
الآية ٣٢] بشهادتنا وشفاعتنا حيث قبلها فأسعدكم الله بها فستركم في كنفه وأدخلكم في رحمته،
هذا معنى الاستقامة المتعلقة بالنجاة .
وأما الاستقامة التي تطلبها حكمة الله فهي السارية في كل كون، قال تعالى مصدقاً
لموسى عليه السلام: ﴿أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] فكل شيء في استقامة حاصلة،
فاستقامة النبات أن تكون حركته منكوسة، واستقامة الحيوان أن تكون حركته أفقية، وإن لم
يكن كذلك لم ينتفع بواحد منهما، لأن حركة النبات إن لم تكن منكوسة حتى يشرب الماء
بأصولها لم تعط منفعة إذ لا قوّة له إلاّ كذلك، وكذلك الحيوان لو كانت حركته إلى العلوّ وقام
على رجلين مثلنا لم يعط فائدة الركوب وحمل الأثقال على ظهره، ولا حصلت به المنفعة
التي تقع بالحركة الأفقية، فاستقامته ما خلق له، فهي الحركة المعتبرة التي تقع بها المنفعة

٣٢٨
في المعاملات / الباب الثاني والثلاثون ومائة في معرفة مقام الاستقامة
المطلوبة، وإلاَّ فالنبات والحيوان لهما حركة إلى العلو وهو قوله: ﴿ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [سورة ق:
الآية ١٠] فلولا الحركة ما نما علواً، وإنما غلبنا عليه الحركة المنكوسة للمنفعة المطلوبة فافهم
ذلك، فإن المتكلمين في هذا الفنّ ما حرّروا الكلام في حقيقة هذه الحركات، فالحركة في
الوسط مستقيمة لأنها أعطت حقيقتها كحركة الأرض وحركة الكرة، والحركة من الوسط
حركة العروج، والحركة إلى الوسط حركة النزول، فحركة النزول ملكية وإلهية، وحركة
العروج حركة بشرية وكلها مستقيمة، فما ثم إلاَّ استقامة لا سبيل إلى المخالفة، فإن المخالفة
تشاجر، ألا ترى أنه ما وقع التحجير على آدم إلاَّ في الشجرة أي لا تقرب التشاجر، والزم
طريقة إنسانيتك وما تستحقه، واترك الملك وما يستحقه، والحيوان وما يستحقه، وكل ما
سواك وما يستحقه، ولا تزاحم أحداً في حقيقته فإن المزاحمة تشاجر وخلاف، ولهذا لما
قرب من الشجرة خالف نهي ربّه فكان مشاجراً فذهبت عنه في تلك الحال السعادة العاجلة في
الوقت، وما ذهبت عنه استقامة التشاجر فإنه وفاها حقّها بمخالفة النهي الإلهيّ.
اعوجاج القوس استقامته لما أريد له، فما في الكون إلاَّ استقامة، فإن موجده وهو الله
تعالى على صراط مستقيم من كونه رباً، فإن دخلت السبل بعضها على بعض واختلطت فما
خرجت عن الاستقامة: استقامة الأخلاط واستقامة ما وجدت له، فهي في الاستقامة المطلقة
التي لها الحكم في كل كون وهي قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ وهو على صراط مستقيم
﴿فَأَعْبُدْهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] أي تذلّل له في كل صراط يقيمك فيه لا نتذلل لغيره فإن غيره
عدم ومن قصد العدم لم تظفر يداه بشيء، ثم إنه جاء بضمير الغائب في قوله: ﴿فَأَعْبُدْهُ﴾ أي
لا تقل أنت المدرك فإن الأبصار لا تدركه، إذ لو أدرك الغيب ما كان غيباً، فاعبد ذاتاً منزّهة
مجهولة لا تعرف منها سوى نسبتك إليها بالافتقار ولهذا تمّم فقال: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَيْءٍ﴾ أي
اعتمد عليه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] قطع بهذا ظهر المدّعين في هذا
المقام إذا لم يكن صفتهم ولا حالهم ولا وصل إليهم علمه. فالاستقامة سارية في جميع
الأعيان من جواهر وأعراض وأحوال وأقوال كما قال: ﴿وَأَقْوَُّ قِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٦] وهي
نعت إلهيّ وكوني جعلنا الله ممّن لم يعدل عن استقامته إلاَّ باستقامته آمين بعزّته .
وأما الاستقامة بلسان عامّة أهل الله فهي أن تقول: الاستقامة عامّة في الكون كما قررنا،
فما ثم طريق إلاَّ وهو مستقيم، لأنه ما ثم طريق إلاَّ وهو موصل إلى الله، ولكن قال الله تعالى
لنبيه ولنا: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أَمِرْتَ﴾ [سورة هود: الآية ١١٢] لم يخاطبه بالاستقامة المطلقة فإنه قد
تقرّر أن ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٣] وأنه غاية كل طريق، ولكن الشأن إلى
أيّ اسم تصل وتصير من الأسماء الإلهية فينفذ في الواصل إليه أثر ذلك الاسم من سعادة
ونعيم أو شقاوة وعذاب، فمعنى الاستقامة الحركات والسكنات على الطريقة المشروعة،
والصراط المستقيم هو الشرع الإلهيّ، والإيمان بالله رأس هذا الطريق، وشعب الإيمان منازل
هذا الطريق التي بين أوّله وغايته وما بين المنزلين أحواله وأحكامه .
ولما كان الصراط المستقيم ممّا تنزلت به الملائكة المعبّر عنها بالأرواح العلوية وهي

٣٢٩
في المعاملات/ الباب الثاني والثلاثون ومائة في معرفة مقام الاستقامة
الرسل من الله إلى المصطفين من عباده المسمّين أنبياء ورسلاً جعل الله بينها وبين من تنزل
عليه من هؤلاء الأصناف نسباً جوامع بينهما بتلك النسب يكون الإلقاء من الملائكة، وبها
يكون القبول من الأنبياء، فكل من استقام بما أنزل على هؤلاء المسمّين أنبياء ورسلاً من البشر
بعد ما آمن بهم أنهم رسل الله وأنهم أخذوا ما جاؤوا به عن رسل آخرين ملكيين تنزلت
الملائكة عليهم أيضاً بالبشرى وكانت لمن هذه صفته جلساء.
ولما كانت هذه الأرواح العلوية حية بالذات كان الاسم الذي تولاها من الحضرة الإلهية
الاسم الحيّ كما كان المتولي من الأسماء الإلهية لمن كانت حياته عرضية مكتسبة الاسم
المحيي، فما عقل الملك قط إلا حياً بخلاف البشر فإنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم ثم
يحييهم ولأهل هذه الحياة العرضية من العناصر ركن الماء قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى
اَلْمَآءِ﴾ [سورة هود: الآية ٧] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٠] فالماء
أصل العناصر، والاسطفسات والعرش الملك وما تم الملك وكمل إلاَّ في عالم الاستحالة
وهو عالم الأركان الذي أصله الماء، ولولا عالم الاستحالة ما كان الله يصف نفسه بأنه ﴿ كُلَّ
يَوْبٍ هُوَ فِي شَأَنٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٢٩] فالعالم يستحيل والحق في شأن حفظ وجود أعيانه يمدّه
بما به بقاء عينه من الإيجاد، فهو الشأن الذي هو الحق عليه وليس لغير عالم الاستحالة هذه
الحقيقة .
ولما صار الماء أصلاً لكل حيّ حياته عرضية كان من استقام سقاه الله ماء الحياة، فإن
كان سقي عناية كالأنبياء والرسل حيي به من شاء الله، وإن كان سقي ابتلاء لما فيه من الدعوى
كان بحكم ما أريد بسقيه، قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ أُسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَّةٍ غَدَقًا لِنَفْئِنَهُمْ فِيَةٍ﴾
[سورة الجن: الآية ١٦، ١٧] فهذا سقي ابتلاء، وإنما طلبت الاستقامة من المكلف في القيام
بفرائض الله عليه، فإن المكلف من جهة الحقيقة ملقى طريح عند باب سيده تجري عليه
تصاريف الأقدار، وما أودع الله في حركات هذه الأكوار ممّا يجيء به الليل والنهار من تنوّع
الأطوار بين محو وإثبات لظهور آيات بعد آيات، وقد جعل الله المكلف محلاً للحياة
والحركات، وطلب منه القيام من تلك الرقدة بما كلفه من القيام بحقه، فأصعب ما يمرّ على
العارفين أمر الله بالاستقامة وهو قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْفَوْاْ﴾
[سورة هود: الآية ١١٢] أي لا ترتفعوا عن أمره بما تجدونه في نفوسكم من خلقكم على الصورة
الإلهية فتقولوا: مثلنا لا يكون مأموراً فلا يعرف العلماء بالله هل وافق أمر الله إرادته فيهم أنهم
يمتثلون أمره أو يخالفونه، فلهذا صعب عليهم أمر الله واشتدٌ وهو قوله عليه السلام: ((شَيَّبَتْنِي
هُودٌ)) فإنها السورة التي نزل فيها: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ وأخواتها تما فيها هذه الآية أو ما في
معناها فهم من ذلك على خطر، وطريق الاستقامة لا تتقيد مراتبه ولا تنضبط كما قال وَالطيار:
(اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُخْصُوا)) يعني طريق الاستقامة وما أحصيتم منها فلن تحصوا ما لكم في ذلك من
الأجر والخير، والظاهر إنما أراد لن تحصوا طرق الاستقامة فإنها كثيرة لن يسعها أحد منكم على
التعيين، ولهذا اتبع هذا القول بقوله: ((اعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةُ وَإِذا لَمْ تَسْتَطِيعُوا إِخْضَاءَ

٣٣٠
في المعاملات/ الباب الثالث والثلاثون ومائة في مقام ترك الاستقامة
طُرُقِ الاسْتِقَامَةِ فَخُذُوا الأَفْضَلَ مِنْهَا)) وينظر إلى الاسم الحيّ المحيي بهذه العبادات الاسم القيوم
ولهذا قيل للمكلف: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٣] ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ﴾ [سورة الرحمن: الآية
٩] فالقيوم أخو الحيّ الملازم له، قال تعالى: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة: الآية
٢٥٥] وقال: ﴿الّ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢.١] وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ
لِلْحَيّ الْقَيُّورِ﴾ [سورة طه: الآية ١١١] فما جاء الاسم الحيّ إلاّ والقيوم معه، فتدبّر هذا الباب فإنه
يحتوي على أسرار إلهية .
الباب الثالث والثلاثون ومائة
في مقام ترك الاستقامة
[نظم: السريع]
فلا تغرَّنَّكَ دارُ الغروز
ألا إلى الله تَصيرُ الأموز
سبحانَه فإنه قَوْلُ زوز
وكلُّ ما خالف ما قاله
إليه حقاً في جميع الأموز
فكلُّ مُغْوَجُ له غايةٌ
حكْمٌ بجهل حاصلٍ أو قُصُوز
فلا تعيِّنْ واحداً إنه
إلى سعيدٍ وإلى من يَبُوز
فَصَّلَتِ الأشياءُ أغراضَنا
ألا إلى الله تصيرُ الأموز
ورجع الكلُّ إلى قَوْلهِ
اعلم علمك الله أن ترك الاستقامة من أعلام الإقامة عند الله والحضور معه في كل حال
كما قالت عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها في حق النبيّ وَّ من أنه كان يذكر الله على كل
أحيانه، فهو في الدنيا موصوف بصفة أرض الآخرة ﴿لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتًا﴾ [سورة طه: الآية
١٠٧] ولما كانت الاستقامة تتميز بالاعوجاج ولا اعوجاج فلا استقامة مشهودة: [مجزوء الكامل]
فالكلُ في عين الوجو
والكلُّ في عين الرُّضَى
دِ على طريقٍ واحدٍ
من مؤمنٍ أو جاحدٍ
وقد يكون مشهد صاحب هذا الشهود النظر في إمكان العالم والإمكان سبب مرضه
والمرض ميل والميل ضدّ الاستقامة، والإمكان للعالم نعت ذاتيّ لا يتصوّر زواله لا في حال
عدمه ولا في حال وجوده، فالمرض له ذاتيّ فالميل له ذاتيّ فلا استقامة فالعالم مرضه زمانة لا
يرجى رفعها، إلاَّ أن الكون محل لوجود المغالطات لأمور تقتضيها الحكمة ويطلبها العقل
السليم لعلمه بما يصلح الكون إذ شرع التكليف ولم يكن في الوسع أن تكون آحاد العالم على
مزاج واحد، فلما اختلفت الأمزجة كان في العالم العالم والأعلم والفاضل والأفضل، فمنه
من عرف الله مطلقاً من غير تقييد، ومنهم من لا يقدر على تحصيل العلم بالله حتى يقيده
بالصفات التي لا توهم الحدوث وتقتضي كمال الموصوف، ومنهم من لا يقدر على العلم بالله
حتى يقيده بصفات الحدوث فيدخله تحت حكم ظرفية الزمان وظرفية المكان والحد
والمقدار .

٣٣١
في المعاملات / الباب الثالث والثلاثون ومائة في مقام ترك الاستقامة
ولما كان الأمر في العلم بالله في العالم في أصل خلقه وعلى هذا المزاج الطبيعي
المذكور أنزل الله الشرائع على هذه المراتب حتى يعمّ الفضل الإلهيّ جميع الخلق كله فأنزل :
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وهو لأهل العلم بالله مطلقاً من غير تقييد،
وأنزل قوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [سورة الطلاق: الآية ١٢] ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة
الحديد: الآية ٢] ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة هود: الآية ١٠٧] ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: الآية
١١] ﴿الَُّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُُّ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اْللَّهِ﴾ [سورة
التوبة: الآية ٦] ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد: الآية ٣] وهذا كله في حق من قيده بصفات
الكمال. وأنزل تعالى من الشرائع قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [سورة طُه: الآية ٥] ﴿وَهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمَّ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِ اَلْأَرْضِّ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣]
و﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة القمر: الآية ١٤] ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَِّذَ لَمْوَا لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّهُنَّا﴾ [سورة الأنبياء: الآية
١٧] فعمت الشرائع ما تطلبه أمزجة العالم، ولا يخلو المعتقد من أحد هذه الأقسام والكامل
المزاج هو الذي يعمّ جميع هذه الاعتقادات ويعلم مصادرها ومواردها ولا يغيب عنه منها
شيء، فمثل هذا لا تتعين له الاستقامة لأنه لا يرى لهذه الحال ضدّاً تتميز به هذه الحالة لأنه
فيها، والكون إذا كان في الشيء لا يدركه عيناً ورؤية بصر وإن عرفه كما لا يدرك الهواء
للقرب المفرط كذلك لا يدرك الحق للقرب المفرط فإنه أقرب إلينا من حبل الوريد ﴿لََّ
تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠٣] فسبحان من خلق العالم للسعادة لا للشقاء، فكان
الشقاء فيه عرضاً عرض له ثم يزول، وذلك لأن الله تعالى ما خلق العالم لنفس العالم وإنما
خلقه لنفسه فقال فيه: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيْحُ بِهْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] ونحن من الأشياء،
ثم قال في حقنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فما من أحد منّا
يتعزز على الله ولا يتكبر عليه وإن تكبر بعضنا على بعض، وما من صاحب نحلة ولا ملة ولا
نظر إلا وتسأله عن طلبه فتجده مستوفر الهمة على طلب موجده لأنه خلقه للمعرفة به .
واختلفت أحوالهم في إدراك مطلوبهم لاختلاف أمزجتهم، ونزلت الشرائع تصوّب نظر
كل ناظر ويتجلى لأهل الكشوف والكل أهل كشف، لكن بعضهم لا يدري أن مطلوبه قد
أدركه وهو الذي خشع له، وآخر قد علم أنه لا يرى سوى مطلوبه، فالكل في عين الوجود
والشهود ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الطور: الآية ٤٧] فرحم الله الجميع، وهذا معنى قوله:
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلّ شَىْءٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٦] وسيرد إن شاء الله في منزل الإنعام
والآلاء من هذا الكتاب ما أشرنا إليه في هذا الكلام، فإنا جعلنا فيه أن الوجود مدرسة وأن
الحق سبحانه هو رب هذه المدرسة وملقي الدروس فيها على المتعلمين وهم العالم، والرسل
هم المعيدون، والورثة هم المذنبون وهم معيدو المعيدين.
والعلوم التي يلقيها للمتعلمين في هذه المدرسة وإن كثرت فهي ترجع إلى أربعة
أصناف: صنف يلقي عليهم دروس موازين الكلام في الألفاظ والمعاني ليميزوا بها الصحيح
من السقيم، وإن كان الكل صحيحاً عند العلماء بالله وإنما يسمّى سقيماً بالنظر إلى ضدّه أو

٣٣٢
في المعاملات / الباب الرابع والثلاثون ومائة في معرفة مقام الإخلاص
غرض ما معين. والعلم الثاني هو العلم بتنقيح الأذهان وتدريب الأفكار وتهذيب العقول لأن
رب المدرسة إنما يريد أن يعرفهم بنفسه وهو الغاية المطلوبة التي لأجلها وضع هذه المدرسة
وجمع هؤلاء الفقهاء فاستدرجهم للعلم به شيئاً بعد شيء، وبعضهم تجلّى لهم ابتداء فعرفوه
لصحة مزاجهم كالملائكة والأجسام المعدنية والنباتية والحيوانية، وما احتجب إلاَّ عن الثقلين
ففيهما وضع هذه العلوم ليتدربوا بها للعلم به وهو لا يزال خلف حجاب المعيدين، والعقول
ستر مسدل وباب مقفل. ودروس يلقيها أيضاً ليعلمهم بذلك ما سبب وجود هذه الهياكل
واختلافات أمزجتها وبما امتزجت، وما سبب عللها وأمراضها وصحتها وعافيتها، ومن أي
شيء قامت، وما يصلحها ويفسدها، وما معنى الطبيعة فيها وأين مرتبتها من العالم؟ وهل هي
أمر وجودي عيني أو هي أمر وجودي عقلي؟ وهل يخرج عنها شيء أو صنف من العالم أو لا
حكم لها إلاَّ في الأجسام المركبة التي تقبل الحل والتركيب والكون والفساد وما أشبه هذا
الفنّ. والدرس الرابع هو ما يلقيه من العلم الإلهيّ وما يجب أن يكون عليه هذا المفتقر إليه
الذي هو الله سبحانه وما يستحيل أن ينعت به وما يجوز فعله في خلقه، وما ثم درس خامس
أصلاً لأنه ليس وراء الله مرمى، غير أن كل نوع من أنواع هذه العلوم ينقسم إلى علوم جزئية
كثيرة يتسع المجال فيها، فمن وقف مع شيء منها ولم يحضر من الدروس إلاَّ درسها كان
ناقصاً عن غيره، ومن ارتفعت همته وعلم أن هذه الدروس ليس المطلوب منها نفسها ولا
وضعت لعينها وإنما المقصود منها تحصيل العلم بالله الذي هو رب هذه المدرسة جعل في
همته طلب هذا العلم الإلهيّ، فمنهم من طلبه بمقدمات هذه العلوم وهو طلب عقلي، ومنهم
من طلبه من المعيد واقتصر عليه فإنه رأى بينه وبين المدرس وصلة ورأى رسولاً يخرج إليه
من خلف الحجاب يعرّفه بأمور يلقيها على الحاضرين وأوقات يدخل المعيد إليه ثم يخرج من
عنده فقال هذا الطالب: العلم بالله من جهة هذا المعيد أحق وأوثق للنفس من أن تتخذ دليلاً
نظرياً أو فكرياً مما تقدم من هذه العلوم الأخر، فلما أخذ علمه من المعيد كان وارثاً وصار
معيداً للمعيد وهو المذنب ويسمّى في الشرع الوارث وهم ورثة الأنبياء.
الباب الرابع والثلاثون ومائة
في معرفة مقام الإخلاص
[نظم: السريع]
لنفسه الرحمنُ يستَخْلِصُه
من أَخْلَصَ الدينَ فذاك الذي
في كونه فإنه ينْقُصُهُ
فكلُّ نقصانٍ إذا لم يكن
اعلم أن الاسم الأحد ينطلق على كل شيء من ملك وفلك وكوكب وطبيعة وعنصر
ومعدن ونبات وحيوان وإنسان مع كونه نعتاً إلهياً في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة
الإخلاص: الآية ١] وجعله نعتاً كونياً في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ لَّمَدَأْ﴾ [سورة الكهف: الآية ١١٠]
وما من صنف ذكرناه من هؤلاء الأصناف الذين هم جميع ما سوى الله وقد حصرناهم إلاَّ وقد

٣٣٣
في المعاملات / الباب الرابع والثلاثون ومائة في معرفة مقام الإخلاص
عبد منهم أشخاص، فمنهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الكواكب، ومنهم من عبد
الأفلاك، ومنهم من عبد العناصر، ومنهم من عبد الأحجار، ومنهم من عبد الأشجار، ومنهم
من عبد الحيوان، ومنهم من عبد الجن والإنس، فالمخلص في العبادة التي هي ذاتية له أن
لا يقصد إلاَّ من أوجده وخلقه وهو الله تعالى، فتخلص له هذه العبادة، ولا يعامل بها أحداً
ممّن ذكرناه أي لا يراه في شيء ممّا ذكرناه لا من حيث عين ذلك الشيء ولا من حيث نسبة
الأحدية له، فإن الناظر أيضاً له أحدية فليعبد نفسه فهو أولى له، ولا يذل لأحدية مثله، إذ
ولا بدّ من ذلّته لغير أحدية خالقه، فيكون أعلى همة ممّن ذل لأحدية مخلوق مثله، وما من
شيء من المخلوقات إلاَّ وفيه نفس دعوى ربوبية لما يكون عنه في الكون من المنافع
والمضار، فما من شيء في الكون إلاَّ وهو ضار نافع، فهذا القدر فيه من الربوبية العامة
وبها يستدعي ذلة الخلق إليه. ألا ترى الإنسان على شرفه على سائر الموجودات بخلافته
كيف يفتقر إلى شرب دواء يكرهه طبعاً لعلمه بما فيه من المنفعة له فقد عبده من حيث لا
يشعر كرهاً وإن كان من الأدوية المستلذة لمزاج هذا المريض وهو قد علم أن استعماله
ينفعه فقد عبده من حيث لا يشعر طوعاً ومحبة، وكذا قال الله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [سورة الرعد، الآية ١٥].
وخذ الوجود كله على ما بينته لك فإنه ما من شيء في الكون إلاَّ وفيه ضرر ونفع،
فاستجلب بهذه الصفة الإلهية نفوس المحتاجين إليه لافتقارهم إلى المنفعة ودفع المضار،
فأداهم ذلك إلى عبادة الأشياء وإن لم يشعروا ولكن الاضطرار إليها يكذبهم في ذلك، فإن
الإنسان يفتقر إلى أخس الأشياء وأنقصها في الوجود وهو مكان الخلاء عند الحاجة يترك عبادة
ربه، بل لا يجوز له في الشرع أداؤها وهو حاقن فيبادر إلى الخلاء ولا سيما إذا أفرطت
الحاجة فيه واضطرته بحیث تذهب بعقله ما يصدق متی یجد إليه سبيلاً، فإذا وصل إليه وجد
الراحة عنده وألقى إليه ما كان أقلقه، فإذا وجد الراحة خرج من عنده وكأنه قط ما احتاج إليه
وكفر نعمته واستقذره وذمّه، وهذا هو كفر بالنعمة والمنعم.
ولما علم الله ما أودعه في خلقه وما جعل في الثقلين من الحاجة إلى ما أودع الله في
الموجودات وفي الناس بعضهم لبعض قال: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا﴾ أي لا
يشوبه فساد ﴿وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِِّ لَّمَدَأْ﴾ [سورة الكهف: الآية ١١٠] أي لا يذل إلاَّ لله لا لغيره وأمر
أن نعبده ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٩] وقال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصَُ﴾ [سورة الزمر:
الآية ٣] وهو الدين المستخلص من أيدي ربوبية الأكوان، فإذا لم ير شيئاً سوى الله وأنه الواضع
أسباب المضار والمنافع لجأ إلى الله في دفع ما يضره ونيل ما ينفعه من غير تعيين سبب فهذا
معنى الإخلاص، ولا يصحّ وجود الإخلاص إلاّ من المخلصين بفتح اللام، فإن الله إذا اعتنى
بهم استخلصهم من ربوبية الأسباب التي ذكرناها، فإذا استخلصهم كانوا مخلصين بكسر
اللام، وإنما أضاف إليهم الإخلاص ابتلاءً ليرى هل يحصل لهم امتنان بذلك على الحق أم
لا؟ وقد وجد في قوله: ﴿يَمُنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ فإن منّوا بذلك وبخوا ونبهوا بقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ

٣٣٤
في المعاملات / الباب الخامس والثلاثون ومائة في معرفة ترك الإخلاص وأسراره
يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيَمَنِ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ [سورة الحجرات: الآية ١٧] في دعواكم أنكم مؤمنون
فعراهم من هذه الصفة أن تكون لهم كسباً، فينبغي للعاقل أن لا يأمن مكر الله في إنعامه، فإن
المكر فيه أخفى منه في البلاء، وأدنى المكر فيه أن يرى نفسه مستحقاً لتلك النعمة وأنها من
أجله خلقت فإن الله ليس بمحتاج إليها فهي لي بحكم الاستحقاق، هذا أدنى المكر الذي
تعطيه المعرفة، ويسمّى صاحبه عارفاً في العامة وهو في العارفين جاهل، إذ قد بيّنا فيما قبل
أن الأشياء إنما خلقت له تعالى لتسبح بحمده، وكان انتفاعنا بها بحكم التبعية لا بالقصد
الأول، ففطر العالم كله على تسبيحه بحمده وعبادته، ودعا الثقلين إلى ذلك، وعرف أن لذلك
خلقهم لا لأنفسهم ولا لشيء من المخلوقات مع ما في الوجود من وقوع الانتفاع بها بعضها من
بعض. وقال تعالى في الحديث الغريب الصحيح: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ
وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ)) فطلب من عباده إخلاص العمل له، فمنهم من أخلصه له جملة واحدة فما
أشرك في العمل بحكم القصد فما قصد به إلاَّ الله، ولا أشرك في العمل نفسه بأنه الذي عملٍ بل
عمله خلق الله، فالأول عموم والثاني خصوص وهو غاية الإخلاص، ولا يصحّ إخلاص إلاَّ مع
عمل أعني في عمل، فإنه لا بدّ من شيء يكون مستخلصاً بفتح اللام وحينئذ يجد الإخلاص محلاً
يكون لذلك العمل يسمّى به العمل خالصاً والعامل مخلصاً، والله الموفق لذلك.
الباب الخامس والثلاثون ومائة
في معرفة ترك الإخلاص وأسراره
[نظم: السريع]
وقَيَّدَ المُطْلَقَ من وَصْفِهِ
من أخْلَصَ الدينَ فقد أُشْرَكَا
يُدرك ذاتَ المِسْك من عَرْفِهِ
من يَجْهَلِ الأمرَ فذاك الذي
قال رجل للجنيد: ومن العالم حتى يذكر مع الله وكان من أهل الأحوال وقال تعالى:
﴿أَنْهُ مَعَ اللَّهِ﴾ [سورة النمل: الآية ٦٠] وقال بعضهم: رؤية الإخلاص منك في العمل مجوسية
محضة يريد الشرك، وإنما ينبغي أن يشاهد المكلف مجرى العمل ومنشئه، وكان أبو مدين
يأمر أصحابه بإظهار الطاعات فإنه لم يكن عنده فاعل إلاَّ الله، والتخليص يوذن بالمنازع ولا بدّ
للمنازع أن يطلب من المكلف أن يكون عبداً له، والعمل من جملة أفعال الله الذي المكلف
مظهرها، فأجهل الناس من يجعل موجد الفعل تحت طاعة من يفعل من أجله وهو إمّا إبليس
وإمّا الرياء إذا كان المكلف يقوم إلى العمل بهذه النية والمنازع ما هو هناك، فالمخلص أثبت
العدم وجوداً وجهل الأمر على ما هو في نفسه، فمن حكم عليه ما ذكرناه ورأى نواصي كل
دابة بيد الله ورأى ربه على صراط مستقيم، ومن أخذ بناصيتك لم يعدل بك عن طريقه الذي
هو عليه، فإذن لم يكن الإخلاص إلاَّ عبارة عن رؤيته في مشهد ما معين لا في كل مظهر وهو
في كل مظهر، ولا يقدر صاحب هذه الحال أن يرى حجاباً بينه وبين مشهوده، فلا يتمكن له
أن يميز شيئاً من شيء، فإن العين واحدة وهي على صراط مستقيم.

٣٣٥
في المعاملات / الباب السادس والثلاثون ومائة في معرفة مقام الصدق وأسراره
الباب السادس والثلاثون ومائة
في معرفة مقام الصدق وأسراره
[نظم: السريع]
فاصدُقْ تَرَى الصادقَ من عَرْضِ
الصَّذْقُ سيفُ الله في أَرْضِ
هامَتَه بالحدّ من عَرْضِهِ
فإن أتى الدجّالُ فاضربْ به
نَقْلٍ من الفعل وفي فَرْضِهِ
فالسيفُ محصورٌ بحذَّيْهِ في
يَفْرِضُهُ الفارضُ في فَرْضِهِ
ولا تَقُلْ هذا محالٌ فقد
يَسْتَقْرِضُ المسكينَ من قَرْضِهِ
فكم غَنيٍّ يُظْهِرُ الفقرَ إذ
الصدق شدة وصلابة في الدين، والغيرة لله من أحواله، ولصاحبه المتحقق به الفعل
بالهمة وهو قوّة الإيمان، قيل لأبي يزيد: ما اسم الله الأعظم الذي به تنفعل الأشياء؟ فقال:
أروني الأصغر حتى أريكم الأعظم ما هو إلاَّ الصدق أصدق وخذ أي اسم شئت أسماء الله
كلها عظيمة، قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَشَدُّ حُبَّا لِلّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦٥] أي أصدق حبّاً لله
من حبّ المشركين لمن جعلوهم شركاء والصادق من أسمائه، وقال تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ
عَن صِدْقِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٨] ولهذا له الدعوى، فلا يكون الصادق صادقاً ما لم يقم
الصدق به، فإذا قام به كان له ذوقاً وكان كونه صادقاً حال صدقه وهو قد تسمّى بالصادق،
فلهذا يسألهم هل صدقهم هو النعت الإلهي الذي به تسمّى الله بالصادق أم لا؟ فإن كان هو
طالبهم بأن يقوموا بأحكامه قيامه، فلا يغلبهم شيء ولا يقاومهم في حال صدقهم، فيكون الله
صدقهم كما كان سمعهم وبصرهم النسبة واحدة، فإن لم يحكموا هذا المقام ولا وجدوا منه
هذه الحال فما هو هذا الصدق الذي هو النعت الإلهيّ، بل هو أمر ظهر بصورة الصدق ظهور
الشبهة بصورة الدليل، وكما لا وجه للشبهة لا حقيقة لهذا الصدق، وهذا معنى قول الله: ﴿هَذَا
يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٩] فلا يؤثر فيهم عوارض يوم القيامة، بل تخاف
الناس ولا يخافون، وتحزن الناس ولا يحزنون، وقال في حق طائفة: ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ
خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٢١] هذا حكمه في النطق فكيف في جميع الأحوال؟
والصدق إذا جاء من خارج جاء بغير صورته، فإنه ظهر في مادة إمكانية فلم يؤثر أثراً في
كل من جاء إليه، فإن كان في المحل صدق الإيمان ميّزه وعرفه في المادة التي ظهر فيها فقبله
وعمل بمقتضاه فكان نوراً على نور ﴿ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا فَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [سورة الفتح: الآية ٤] كما زاد من
ليست له حالة الصدق ﴿رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٥] والصدق بذاته مؤثر حيث
ظهر عينه ظهر حكمه، ومن ليست له هذه الحال المؤثرة في الوقت فهو غائب عن صدقه في
ذلك الوقت ولا بدّ ويدعيه من مكان بعيد. فالصدق من حيث تعلّقه بالكون هو حال، ومن
حيث تعلّقه من الصادق بالله هو مقام، فمن حيث هو مقام لا يكون عنه أثر فإن تعلّقه بالله،
والله ليس بمحل لتأثّر الأكوان فليكون صاحبه صادق التوجّه إلى الله، فإن ظهر عمّن هذه صفته

٣٣٦
في المعاملات/ الباب السابع والثلاثون ومائة في معرفة مقام ترك الصدق وأسراره
أثر في الكون فعن غير تعمّل ولا قصد، إنما ذلك إلى الله يجريه على لسانه أو يده ولا علم له
به، فإن أثر على علم وادّعى أنه صادق مع الله فهو إمّا جاهل بالأمر وإما كاذب وهذا ليس من
صفة أهل الله، فحال الصدق يناقض مقامه، ومقامه أعلى من حاله في الخصوص، وحاله
أشهر وأعلى في العموم، وكان للإمام عبد القادر على ما ينقل إلينا من أحواله حال الصدق لا
مقامه وصاحب الحال له الشطح وكذلك كان رضي الله عنه، وكان للإمام أبي السعود بن
الشبلي تلميذ عبد القادر مقام الصدق لا حاله، فكان في العالم مجهولاً لا يعرف ونكرة لا
تتعرف، نقيض عبد القادر عجزاً محققاً لتمكنه في مقام الصدق مع الله، كما كان عبد القادر
محققاً متمكناً في حال الصدق فرضي الله عنهما، فما سمعنا في زماننا من كان مثل عبد القادر
في حال الصدق، ولا مثل أبي السعود في مقام الصدق، فالصدق الذي هو نعت إلهيّ لا
يكون إلاَّ لأهل الله، والصدق الذي في معلوم الناس سار في كل صادق من مؤمن وكافر،
وهذا الصدق للصدق الإلهيّ كالظل للشخص فهو ظله، ولهذا يظهر أثره في كل صادق من
كل ملة ولو لم يكن ظلاله ما صحّ عنه أثر، فاجعل بالك لما أشرنا إليه وبسطناه، فالناس عنه
في عماية وعن أمثاله من المقامات والأحوال: [الوافر]
ولولاه لما كان الشُّهودُ
فلولا الصدقُ ما كان الوجودُ
الباب السابع والثلاثون ومائة
في معرفة مقام ترك الصدق وأسراره
[نظم: البسيط]
هو الصدوقُ الشديدُ القَهْرِ للنفْسِ
الصُّدِقُ يَخْرجُ عن ضَعْفِ العُبُودة إذ
وضَعْفِهِ فاتركَتْهُ خِيْفَةَ اللَّبْسِ
وكلُّ ما حالَ بين العبد في طَبَقٍ
ولا يمائِلُه شخصٌ من الإنْسِ
إذ ليس يَقْهَرُ إلاَّ من يمائِلُهُ
وكلَّ غَيْرٍ فَفي قَيْد وفي حَبْسٍ
وهو الأتمُّ وجوداً من مُغَابِرِهٍ
فإنه أَحَدٌ وخَلْقُهُ عددٌ
والفَصلُ ليس له حُكمٌ بلا جِنْسٍ
لما كان الصدق يطلب المماثلة وإن كان محموداً فرجال الله أنفوا من الاتصاف به مع
حكمه فيهم وظهور أثره عليهم، غير أنه ليس مشهوداً لهم، ثم نظروا إليه من كونه نعتاً إلهياً فلم
يجدوا له عيناً هناك ورأوا تعلق الصدق الإلهيّ إنما هو فيما وعد لا في كل ما أوعد. ومن شرط
النعت الإلهيّ عدم التقييد فيما هو متعلق له، فعلموا أنه نعت إضافي لاختصاصه ببعض
متعلقاته، فلما رأوه على هذا أوجبوا ترك مشاهدته فإنهم كالناظرين في أمر معدوم لا وجود له،
والصدق وإن كان نسبة وليست له عين موجودة فله درجات، فدرجاته في العارفين من أهل
الأسرار مائة وخمس وتسعون درجة، وفي العارفين من أهل الأنوار مائتان وخمس وعشرون،
وفي الملامية من أهل الأسرار مائة وأربع وستون درجة، وفي الملامية من أهل الأنوار مائة وأربع
وتسعون درجة، وأنا أعطيك أصلاً مطرداً في كل ما أذكره من ترك كل ما نثبته إنما أريد بذلك

٣٣٧
في المعاملات / الباب الثامن والثلاثون ومائة في معرفة مقام الحياء وأسراره
ترك شهوده لا ترك أثره، فإن حكمه لا يتمكن أن يقول فيه ليس فإنه موجود مشهود لكل عين،
فعلى هذا تأخذ كل ما أذكره في هذا الكتاب من التروك فاعلم ذلك.
الباب الثامن والثلاثون ومائة
في معرفة مقام الحياء وأسراره
[نظم: البسيط]
لَفْظُ النبيِّ وَخَيْرٌ كلُّهُ فيهِ
إن الحياءَ من الإيمان جاء به
وليس يعرف هذا غيرُ مُنْتَبِهِ
فليتَّصِفْ كل من يَرْعَى مَشَاهِدَهُ
مُرَاقِبٍ قَلْبَهُ لدى تَقَلْبِهِ
مُسْتَيْقِظٍ غيرِ نوَّام ولا كْسِلٍ
جاء التخلُّق بالأسماء فاخظَ بهِ
إن الحييَّ من اسماء الإله وقد
ورد في الخبر أن الحييّ اسم من أسماء الله تعالى، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِى:
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦] يعني في الصغر، وهو من صفات
الإيمان ومن صفات المؤمن، ومن أسمائه تعالى المؤمن، فالحييّ نعت للمؤمن، فإن الحياء من
الإيمان، والحياء خير كله، والحياء لا يأتي إلاَّ بخير، وهذه كلها أخبار صحيحة، وحقيقتها
أعني هذه الصفة الترك لأن الترك من كل موجود بقاء على الأصل، والعمل فرع وجودي زائد
على الأصل، فلهذا قيل فيه خير كله فالحياء نعت سلبي، فالعبد إذا ترك ما لله لله وما يقول
الكون إنه للعبد من الأمور الوجودية يتركه أيضاً لله على حقيقة ما يترك ما هو لله بالإجماع من
كل نفس لله، فقد استحيا من الله حق الحياة، ومن ترك ما لله لله خاصة فقد استحيا من الله
ولكن لا حق الحياء، وذلك أن النعوت التي نعت الحق بها نفسه من المسمّى أخبار التشبيه
وآيات التشبيه على ما يزعم علماء الرسوم وأنه تنزّل إلهيّ رحمة بالعباد ولطفاً إلهياً، وهو عندنا
نعت حقيقي لا ينبغي إلاَّ له تعالى، وأنه في العبد مستعار كسائر ما يتخلق به من أسمائه فإنه
﴿خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٤] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥] بالمستهزئين من
عباده باستهزاء ومكر هو له ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٢٥] وهو لا يصف نفسه
بالحوادث، فدل أن هذه النعوت بحكم الأصالة لله، وما ظهرت في العبد الإلهيّ إلاَّ لكونه
خلق على الصورة من جميع الوجوه.
ولما عرف العارفون هذا ورأوا قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [سورة هود: الآية
١٢٣] وهذه النعوت الظاهرة في الأكوان التي يعتقد فيها علماء الرسوم أنها حق للعبد من جملة
الأمور التي ترجع إلى الله تركوها لله لاستحيائهم من الله حق الحياء وهو من نعوت الاسم
المؤمن، والمؤمن المصدق بأن هذه النعوت له أزلاً، وإن لم يظهر حكمها إلاَّ في المحدثات
فالحياء يدخل في الصدق ولهذا قال: الحياء من الإيمان.
وأما قوله ◌َّ في الحياء: ((إنَّهُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ)) فهي كلمة صحيحة صادقة، فإن البقاء
على الأصل لا يأتي إلاَّ بخير فإنها لا تصحبها دعوى، فهو قابل لكل نعت إلهيّ يريد الحق أن
الفتوحات المکیة ج٣ - م٢٢

٣٣٨
في المعاملات / الباب الثامن والثلاثون ومائة في معرفة مقام الحياء وأسراره
ينعته به، وما في المحل ضد يرده ولا مقابل يصده، فيبقى الحق يفعل ما يريد بغير معارض ولا
منازع. وأما نعت الحق به فهو تركه العبد يتصف بنعوت الحق ويسلمها له ولا يخجله فيها بل
يصدقه ويعلي بها رتبته ولا يكذبه في دعواه فإنه مجلاه فهذا من كون الحق حيًّا.
ورد في الخبر أن شيخاً يوم القيامة يقول الله له: يا عبدي عملت كذا وكذا، لأمور لم
يكن ينبغي له أن يعملها، فيقول: يا رب ما فعلت، وهو قد فعل، فيقول الحق: سيروا به إلى
الجنة، فتقول الملائكة التي أحصت عليه عمله: يا ربنا ألست تعلم أنه فعل كذا وكذا؟ فيقول:
بلى ولكنه لما أنكر استحييت منه أن أكذب شيبته. فإذا كان الحق يستحي من العبد أن يكذب
شيبته ويوقره فالعبد بهذه الصفة أولى، وللحياء درجات عند العارفين وعند الملاميين فدرجاته
في العارفين إحدى وخمسون درجة، وفي الملاميين عشرون درجة، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل. انتهى الجزء الثاني ومائة .
(الجزء الثالث ومائة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَميد
فصل: لما كان الحياء صفة تنسب إلى الإيمان فهو من ذات الإيمان، كان أثره من ظاهر
صورة الإنسان في الوجه، إذ الوجه ذات الشيء وعينه وحقيقته، فالحياء ينقسم كما ينقسم
الإيمان إلى بضع وسبعين شعبة، أرفعها لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق،
والمناسبة بين العالي والدون أن الشرك أذى في طريق التوحيد إماطته الأدلة العقلية والإنباءات
الشرعية لما جعلته في طريق التوحيد الشبه المضلة والأهواء الشيطانية، وصورة الحياء الذي
يدرك الموحد في توحيده ويزيل الأذى من طريق الخلق تلفظه بنفي الإله قبل وصوله إلى
إيجابه إلى من يستحقه وهو قوله: ﴿لَآَ إِلَهَ﴾ والنفي عدم فوقع الحياء من العبد المؤمن حيث
بدأ بالعدم وهو عينه، لأن المحدث نعته تقدم حال العدم عليه، ثم استفاد الوجود الذي هو
بمنزلة الإيجاب لما وقع عليه النفي ولم يتمكن للمحدث أن يقول إلاَّ هذا لأنه لا يصحّ العدم
بعد الوجود ولا النفي بعد الإثبات، فإنه لو تجلّى له الحق ابتداء لم ينفه في الشريك لأنه كان
يراه عينه لو كان له وجود، وإن لم يكن له وجود فيكون نظر الموحد عند وقوعه على وجود
الحق لا يتمكن أن يرى مع هذا الوجود عدماً، فكان لا يتلفظ بكلمة التوحيد أبداً ولا يرى
نفسه أبداً، فمن رحمة الله تعالى بالإنسان أنه أشهده أولاً نفسه فرأى في نفسه قوى ينبغي أن لا
تكون إلاَّ لمن هو إله، فلما حقق النظر بعقله ونظر إلى العوارض الطارئة عليه بغير إرادته
ومخالفة أغراضه ووجد الافتقار في نفسه علم قطعاً أن عين وجوده شبهة، وأن هذه الصفات
لا ينبغي أن تكون لمن هو إله، فنفى تلك الألوهة التي قامت له من نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ﴾ ثم
إنه لما أمعن النظر وجد نفسه قائماً بغيره غير مستقل في وجوده فأوجب فقال عند ذلك: ﴿إلَّا
اللَّهُ﴾ فلما أثبت نظر إلى هذا الذي أثبته فرآه عين صورة ما نفاه مرتبطاً به ارتباط الظل
بالشخص بنور العلم الذي فتح عينه إلى هذا الإدراك، وقد كان نفاه بقوله: ﴿لََّ إِلَهَ﴾ فاستحی

٣٣٩
في المعاملات/ الباب الثامن والثلاثون ومائة في معرفة مقام الحياء وأسراره
كيف أطلق ﴿لَآَ إِلَهَ﴾ ولهذا جعلته طائفة من أذكار العموم، وكان بعض شيوخنا لا يقول في
ذكره سوى لفظة الله كان لا يقول: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة الصافات: الآية ٣٥] فسألته عن ذلك
فقال: إن روحي بيد الله ما هي في حكمي وفي كل نفس أنتظر الموت واللقاء، وكل حرف
من حروف الكلام نفس، فيمكن إذا انصرف أن تكون المفارقة في انصرافه ولا يأتي من الله
بعده نفس آخر، فإذا قلت: لا، أو عشت حتى أقول: لا إله ثم أفارق قبل الوصول إلى
الإيجاب فأقبض في وحشة النفي لا في أنس الإيجاب فلهذا عدلت إلى ذكر الجلالة إذ ليس
لي مشهود سواه، فمن كان هذا حاله فلا بد أن يستحي في قوله: لا إله إلاَّ الله وهو أشد
الحياء فكانت أرفع شعب الإيمان، فكانت أرفع شعب الحياء من الله حيث نظر إلى نفسه قبل
نظره إلى خالقه وهو قوله {وَّر: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) وقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ اَلَْفَاقِ
وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] إذ كان عين ما نفى عين ما أثبت،
فإنه ما نفى إلاَّ الإله، ولا أثبت إلاَّ الإله.
وأما حياؤه في إماطته الأذى عن طريق الخلق فإنه مأمور بإماطته، ثم إنه يرى وجه الحق
فيه بالضرورة لأنه أدنى المراتب فهو بمنزلة الآخر من الأسماء الإلهية وإليه ينظر كما كان لا إله
إلاَّ الله الاسم الأول وجاءت الهوية فأخذت الاسمين لها فقالت: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ [سورة
الحديد: الآية ٣] فبقي متردداً بين حق ما يستحقه الاسم الآخر الظاهر في كون هذا أذى في طريق
الخلق ويرى أن الخلق متصرفون بأسماء إلهية بين هذين الاسمين، فلا تقع عين هذا المؤمن
إلاَّ على الله أولاً وآخراً وما بينهما والأمر متوجه عليه بالإماطة، فيستحي من الأمر أن لا يبادر
لما أمره به من الإماطة، ويستحي من الاسم الآخر الذي يراه في عين الأذى، فإذا أدركه هذا
الحياء ناداه الاسم من الأذى: يا فلان بي تميط هذا الأذى عن طريق الخلق فأنا في الأذى كما
أنا في الإماطة ما أزلته بغيري فلا تستحي، انظر في قوله: أدناها إماطة الأذى فعلق الأذى
بالإماطة وهو آخر درجات الإيمان، فنحن في عين الإماطة ما نحن غيرها، فيتجبر عند ذلك
صاحب هذه الحال فيميطه به كما نفى الإله بالإله.
وإذا كان حال العبد في حيائه من الله في الأول والآخر والأعلى والأدون انحصرت
المتوسطات بين هذين الطرفين، فكان معصوم الحال محفوظ المقام كالصلاة تحريمها التكبير
وتحليلها التسليم، فظهرت المنة في الطرفين ليسلم الوسط بينهما وسبب ذلك الحصر فتبين لك
بعدما أوقفتك عليه من الحقائق أن الحياء من الله أن يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، فعمّ
بهذا جميع شعب الإيمان وهو مقام يصحبه الأمر والنهي والتكليف، فإذا انقضى زمان التكليف
كان ينبغي له أن يزول وليس الأمر كذلك، فاعلم أنه من حقيقة وجود الحياء وجود العلم بما
يجب لله تعالى وأنت القائم به والمطلوب عقلاً وشرعاً، ومحال أن يقدر مخلوق على الوفاء بما
يجب لله تعالى عليه من تعظيمه عقلاً وشرعاً، ولا بد له من لقاء ربه وشهوده ومقامه هذا،
فالحياء يصحبه في الدنيا والآخرة لأنه لايزال ذاكراً لما يجب عليه، وذاكراً لعدم قيامه في حق الله
بما يجب له، وقد ورد في الخبر ما يؤيّد هذا أن الحق إذا تجلّى لعباده يوم الزور الأعظم ويرفع

٣٤٠
في المعاملات/ الباب التاسع والثلاثون ومائة في معرفة مقام ترك الحياء
الحجب عن عباده، فإذا نظروا إليه جلّ جلاله قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، فهذا
الاعتراف أوجبه الحياء من الله عزّ وجلّ، فالحياء أنطقهم بذلك .
الباب التاسع والثلاثون ومائة
في معرفة مقام ترك الحياء
[نظم : الكامل]
جاءت به الآياتُ في القرآنِ
تَزْكُ الحياء تحقُّقٌ وَتَخَلُّقٌ
إذ لا تُخَافُ بمنزل العُذْوانِ
فله النَّفَاسَةُ والنزاهةُ عندنا
وعبيدُها بالنَّقْص والرَّجحَانِ
هذي هي الدنيا وأنتَ إمامُها
مثلَ اللسان بقيَّةَ الميزانِ
نَقْصٌّ ومِلْ طلباً إلى الأَيْمانِ
فإذا فهمتَ الأمر يا هذا فكُنْ
لا تَعْدِلَنَّ إلى الشمال فإنه
فهوَ الكمالُ لمن تحقّق حَالةَ الـ
إسلام والإيمان والإحسانِ
ترك الحياء في موطنه نعت إلهيّ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِىٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا﴾
[سورة البقرة: الآية ٢٦] وسبب ذلك من وجهين: إما أن يكون ما في الوجود إلاَّ الله فالوجود كله
عظيم فلا يترك منه شيءٍ لأنّ الحياء ترك فهو نعت سلبي وترك الترك تحصيل فهو نعت ثبوتي،
فلا إله نعت سلبي وإلاّ الله نعت ثبوتي، فما جئنا بالسلب إلاَّ من أجل الإثبات، فما جئنا
بالحياء إلاَّ من أجل تركه، فإن الحياء للتفرقة، وترك الحياء لأحدية الجمع لا للجمع هذا هو
الوجه الواحد. وإما أن يكون في الوجود أعيان الممكنات التي لا قيام لها إلاّ بالله، فينبغي أن
لا يترك شيء منها لارتباط كل شيء منها بحقيقة إلهية هي تحفظه، وقد ثبت أن الممكنات لا
تتناهى، فالحقائق والنسب الإلهية لا نهاية لها، ولا يصحّ أن يكون في الإلهيات تفاضل لأن
الشيء لا يفضل نفسه، ولا مفاضلة في هذه الأعيان إلاَّ بما تنتسب إليه لأنه لا فضل لها من
ذاتها ولا مفاضلة هناك فلا مفاضلة هنا، فكما هو الأول هو الآخر، كذلك العقل الأوّل
الجماد، وكما هو الظاهر هو الباطن، كذلك ﴿عَلِمُ الْغَيّبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٧٣]
فما ثم تافه ولا حقير، فإن الكل شعائر الله ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ لَكُنْ
فِيَهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ [سورة الحج: الآية ٣٢، ٣٣] زمان نظركم في نفوسكم بها، والأجل
المسمى هو أن يكشف لكم عنكم أنكم ما هم أنتم إذ من حقيقته عدم الوجود فالوجود له
معار، فإذا تبين لك أنكم ما هو أنتم وهو الأجل المسمى كان محلها وهو محلها إلى البيت
العتيق وهو القديم الذي لا يقبل الحدوث، فرأيتم أن الصفة تطلب موصوفها، فزلتم أنتم من
كونكم شعائر الله، وصار الحق دليلاً على نفسه، إذ كان من المحال أن يدل شيء على شيءٍ
دلالة علم محقق فلا أدل من الشيء على نفسه، ولهذا إذا حددت الأمر الظاهر ترده غامضاً
ولهذا لا تطلب حدود الأمور الظاهرة، كمن يطلب حدّ النهار وهو فيه وهو أوضح الأشياء لا
يقدر أن يجهله، وإذا كان الأمر كما ذكرنا فلا يستحي فلا حياء ولا حكم له بل يضرب الأمثال