Indexed OCR Text
Pages 81-100
في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٨١ تولاهم الله بنصرته في مقام مجاهدتهم الأعداء الأربعة: الهوى والنفس والدنيا والشيطان، والمعرفة بهؤلاء أركان المعرفة عند المحاسبي وإن كان سؤاله عن مقام الأنبياء من الأولياء أي أنبياء الأولياء وهي النبوّة التي قلنا أنها لم تنقطع فإنها ليست نبوّة الشرائع، وكذلك في السؤال عن مقام الرسل الذين هم أنبياء، فلنقل في جوابه إن أنبياء الأولياء مقامهم من الحضرات الإلهية الفردانية، والاسم الإلهيّ الذي تعبّدهم الفرد، وهم المسمّون الأفراد، فهذا هو مقام نبوّة الولاية لا نبوّة الشرائع، وأما مقام الرسل الذين هم أنبياء فهم الذين لهم خصائص على ما تعبدوا به أتباعهم كمحمد رَّ فيما قيل له: ﴿خَالِصَةُ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٥٠] في النكاح بالهبة، فمن الرسل من لهم خصائص على أمّتهم، ومنهم من لا يختصه الله بشيء دون أمّته، وكذلك الأولياء فيهم أنبياء أي خصّوا بعلم لا يحصل إلاَّ لنبيّ من العلم الإلهيّ ويكون حكمهم من الله فيما أخبرهم به حكم الملائكة ولهذا قال في نبيّ الشرائع: ﴿مَا لَ تُحِطْ بِهِ، خُبْرًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٨] أي ما هو ذوقك يا موسى مع كونه كليم الله فخرق السفينة وقتل الغلام حكماً وأقام الجدار مكارم خلق عن حكم أمر إلهيّ كخسف البلاد على يدي جبريل ومن كان من الملائكة، ولهذا كان الأفراد من البشر بمنزلة المهيمين من الملائكة وأنبياؤهم منهم بمنزلة الرسل من الأنبياء. السؤال العشرون: وأي اسم منحه من أسمائه؟ الجواب: سؤالك هذا يحتمل أربعة أمور: الواحد أن يكون الضمير المرفوع في منحه يعود على الله. الثاني: أن يعود على المقام. الثالث: على الاسم الإلهيّ. الرابع: أن يكون الضمير في أسمائه يعود على العبد، فيكون الاسم اسم العبد لا اسم الله، وكذلك الضمير المنصوب في منحه الذي هو المفعول الثاني هل هو ضمير اسم إلهيّ أو هل هو المقام؟ فإن كان الضمير المرفوع الله أو المقام فيكون الممنوح الاسم بلا شك، وإن كان الضمير المرفوع الله أو الاسم الإلهيّ أو اسم العبد فيكون المقام هو الممنوح فليكن الضمير المرفوع الله، فالممنوح الاسم الإلهيّ الذي يسمّى به العبد في تخلّقه أو اسم العبد وهو الأصل في القربة الإلهية، فإن العبد لا يتصف بالقرب من الله إلاّ باسمه، قال الله لأبي يزيد: تقرّب إليّ بما ليس لي، قال: يا رب وما ليس لك؟ قال: الذلّة والافتقار. والسبب في ذلك أن أصل العبد أن يكون معلولاً ولا بدّ والمعلولية له لذاته، وكل معلول فقير ذليل بلا شك لا شفاء يرجى له من هذه العلة، فيكون القرب من الله قرباً ذاتياً أصلياً . وإن كان الممنوح اسماً إلهياً ليتخلق به العبد، كالاسم الرحيم في موطنه، والاسم الملك المتكبر في موطنه، فذلك قرب يعرض له من الشارع الذي عيّنه له، فإن للعبد أسماء يستحقها وأسماء تعرض له مثل الأسماء الإلهية إذا تخلق بها العبد، ولله أسماء يستحقها وأسماء عرضت له من تنزّله لعقول عباده وهي الأسماء التي هي للعبد بحكم الاستحقاق، فهل اتصاف الحق بها يكون تخلّقاً من الله بأسماء عبده أو تلك الصفات لله حقيقة جهلنا معناها بالنسبة إليه وعرفنا معناها بالنسبة إلينا، فيكون العبد متخلقاً بها، وإن كان يستحقها من وجه الفتوحات المكية ج٣ - م٦ ٨٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف معرفته بمعناها إذا نسبت إليه، ومن كون الباري اتصف بها على طريقة مجهولة عندنا فلا نعرف كيف ننسبها إليه لجهلنا بذاته فتكون أصلاً فيه عارضة فينا، فلا نستحق شيئاً لا من أسمائه ولا ممّا نعتقد فيها أنها أسماؤنا، وهذا موضع حيرة ومزلّة قدم إلاَّ لمن كشف الله عن بصيرته، ونحن بحمد الله وإن كنّا قد علمناها فهي من العلوم التي لا تذاع أصلاً ورأساً، وبمعرفته بها دعا من دعا إلى الله على بصيرة وهو الشخص الذي هو ﴿عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَبَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٧] يشهد له بصدق البينة التي هو عليها، فالفطن يعلم ما سترناه بإعلام الله في قوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ . هل تلك الأسماء إذا نسبت إلى الله هل تنسب إليه تخلّقاً واستحقاقاً، وإذا نسبت إلى العبد هل تنسب إليه تخلّقاً كسائر الأسماء الإلهية التي لا خلاف فيها عند العام والخاص أو تنسب إليه بطريق الاستحقاق؟ فالشاهد المطلوب هنا أن عين العبد لا تستحق شيئاً من حيث عينه لأنه ليس بحق أصلاً، والحق هو الذي يستحق ما يستحق فجميع الأسماء التي في العالم ويتخيّل أنها حق للعبد حق لله، فإذا أضيفت إليه وسمّى بها على غير وجه الاستحقاق كانت كفراً وكان صاحبها كافراً، قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. [سورة آل عمران: الآية ١٨١] فكفروا بالمجموع، هذا إذا كان الكفر شرعاً، فإن كان لغة ولساناً فهو إشارة إلى الأمناء من عباد الله الذين علموا أن الاستحقاق بجميع الأسماء الواقعة في الكون الظاهرة الحكم إنما يستحقها الحق والعبد يتخلق بها وأنه ليس للعبد سوى عينه، ولا يقال في الشيء أنه يستحق عينه فإن عينه هويته فلا حق ولا استحقاق، وكل ما عرض أو وقع عليه اسم من الأسماء إنما وقع على الأعيان من كونها مظاهر، فما وقع اسم إلاّ على وجود الحق في الأعيان، والأعيان على أصلها لا استحقاق لها فهذا شرح قوله: ﴿ وَيَتْلُوُهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ [سورة هود: الآية ١٧] يشهد له بصدق النسبة أنه عين بلا حكم وكونه مظهراً حكماً لا عيناً، فالوجود لله وما يوصف به من أية صفة كانت إنما المسمّى بها هو مسمّى الله فافهم أنه ما ثم مسمّى وجوديّ إلاَّ الله، فهو المسمّى بكل اسم، والموصوف بكل صفة، والمنعوت بكل نعت. وأما قوله: ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠] من أن يكون له شريك في الأسماء كلها، فالكل أسماء الله أسماء أفعاله أو صفاته أو ذاته، فما في الوجود إلاَّ الله، والأعيان معدومة في عين ما ظهر فيها، وقد اندرج في هذا الفصل إن فهمت جميع ما ذكرناه في تقسيم الضميرين المنصوب والمرفوع، فالوجود له والعدم لك، فهو لا يزال موجوداً وأنت لا تزال معدوماً، ووجوده إن كان لنفسه فهو ما جهلت منه، وإن كان لك فهو ما علمت منه فهو العالم والمعلوم، والذي يقصده أكثر الناس بقولهم أي اسم منح الله الرسول من أسمائه هو الاسم الذي يستدعيه تأييد دعوته وهو المعبر عنه بالسلطان والإعجاز أثره، وإن منحه النبيّ فهو الاسم الذي يتأيّد به في حصول الرتبة النبويّة وصحتها، وقد يكون لكل شخص اسم يمنحه بحسب ما تقتضيه رتبته من مقام نبوّته أو رسالته، غير أن الاسم الواهب هو الذي يعطي ذلك إلاّ إذا كان المقام مكتسباً فقد يعطيه الاسم الكريم أو الجواد أو السخي. انتهى الجزء الحادي والثمانون. في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٨٣ (الجزء الثاني والثمانون) بِسْمِ اَلَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ السؤال الحادي والعشرون: أيّ شيء حظوظ الأولياء من أسمائه؟ الجواب: هنا تفصيل هل يريد بالاسم الذي أوجب لهم هذه الحظوظ أو الاسم الذي يتولاهم فيها أو الاسم الذي تنتجه هذه الحظوظ؟ فإن أراد الاسم أو الأسماء التي أوجبت لهم هذه الحظوظ فالحظوظ على قسمين: حظوظ مكتسبة وحظوظ غير مكتسبة، ولكل واحد من القسمين اسم يخصّه من حيث ما يوجبها، ومن حيث ما يتولاها، ومن حيث ما تنتجه، فما كان من الحظوظ المكتسبة فالأسماء التي توجبها هي الأسماء التي تعطيهم الأعمال التي اكتسبوها بها وهي مختلفة كل عمل بحسب اسمه، فكل عامل إذا كان عارفاً يعلم الاسم الذي يخصّ تلك الحركة العلمية من الأسماء الإلهية ويطول التفصيل فيها والأسماء التي تتولاهم في حال وجودها لهم فهي بحسب ما هو ذلك الحظ، فالحظ يطلب بذاته من يتولاه من الأسماء والحظوظ مختلفة، وكذلك الأسماء التي توجبها الحظوظ وتنتجها فهي بحسب الحظوظ أيضاً، فتختلف الأسماء باختلاف الحظوظ، وعلى هذا النسق الكلام في الحظوظ التي هي غير مكتسبة من التفصيل. السؤال الثاني والعشرون: وأي شيء علم المبدأ؟ الجواب: سأل بلفظ في العامّة يعطي البدء، وفي الخاصة يعطي موجب النسخ في مذهب من يراه، فلنتكلم على الأمرين معاً ليقع الشرح باللسانين فيعم الجواب. اعلم أن علم البدء علم عزيز وأنه غير مقيّد، وأقرب ما تكون العبارة عنه أن يقال: البدء افتتاح وجود الممكنات على التتالي والتتابع لكون الذات الموجدة له اقتضت ذلك من غير تقييد بزمان، إذ الزمان من جملة الممكنات الجسمانية فلا يعقل إلاَّ ارتباط ممكن بواجب لذاته، فكان في مقابلة وجود الحق أعيان ثابتة موصوفة بالعدم أزلاً وهو الكون الذي لا شيء مع الله فيه، إلاَّ أن وجوده أفاض على هذه الأعيان على حسب ما اقتضته استعداداتها فتكوّنت لأعيانها لا له من غير بينية تعقل أو تتوهم وقعت في تصوّرها الحيرة من الطريقين: من طريق الكشف ومن طريق الدليل الفكري والنطق عمّا يشهده الكشف بإيضاح معناه يتعذر فإن الأمر غير متخيل، فلا يقال ولا يدخل في قوالب الألفاظ بأوضح ممّا ذكرناه، وسبب عزة ذلك الجهل بالسبب الأول وهو ذات الحق، ولما كانت سبباً كانت إلهاً لمألوه لها. حيث لا يعلم المألوه أنه مألوه، فمن أصحابنا من قال: إن البدء كان عن نسبة القهر. وقال بعض أصحابنا: بل كان عن نسبة القدرة والشرع يقول عن نسبة أمر والتخصيص في عين ممكن دون غيره من الممكنات المميزة عنده، والذي وصل إليه علمنا من ذلك ووافقنا الأنبياء عليه أن البدء عن نسبة أمر فيه رائحة جبر إذ الخطاب لا يقع إلاَّ على عين ثابتة معدومة عاقلة سميعة عالمة بما تسمع يسمع ما هو سمع وجود ولا عقل وجود ولا علم وجود، فالتبست عند هذا الخطاب بوجوده فكانت مظهراً له من اسمه الأول الظاهر، وانسحبت هذه الحقيقة على هذه الطريقة على كل عين عين إلى ما لا يتناهى، فالبدء حالة مستصحبة قائمة لا تنقطع ٨٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف بهذا الاعتبار فإن معطي الوجود لا يقيده ترتيب الممكنات فالنسبة منه واحدة فالبدء ما زال ولا يزال، فكل شيء من الممكنات له عين الأولية في البدء، ثم إذا نسبت الممكنات بعضها إلى بعض تعين التقدّم والتأخّر لا بالنسبة إليه سبحانه، فوقف علماء النظر مع ترتيب الممكنات حين وقفنا نحن مع نسبتها إليه والعالم كله عندنا ليس له تقييد إلاّ بالله خاصة والله يتعالى عن الحدّ والتقييد، فالمقيد به تابع له في هذا التنزيه، فأولية الحق هي أوليته إذ لا أولية للحق بغير العالم لا يصحّ نسبتها ولا نعته بها بل هكذا جميع النسب الأسمائية كلها: [نظم: مخلع البسيط] في عين حال بما تَسَمَّى فالعبدُ مَلْكٌ إذ قد تسمَّى إذا تسمَّى بما أُسَمَّى والمَلْكُ عبدٌ في عينِ حالٍ عني لكوني أصمَّ أَعْمَى فإنه بي ولستُ أعني لكونه أظهرته الأَسْمَا عن كل عينٍ سوى عياني هذه طريقة البدء، وأما إذا أراد البداء وهو أن يظهر له ما لم يكن ظهر هو مثل قوله: ﴿وَلَغَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ [سورة محمد: الآية ٣١] وهو قوله: ﴿وَسَيَّرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٩٤] فيكون الحكم الإلهي بحسب ما يعطيه الحال، وقد كان قرّر الأمر بحال معين بشرط الدوام لذلك الحال في توهمنا فلما ارتفع الدوام الحالي الذي لو دام أوجب دوام ذلك الأمر بدا من جانب الحق حكم آخر اقتضاه الحال الذي بدا من الكون فقابل البدا بالبدا، فهذا معنى علم البدالة على الطريقة الأخرى، قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اُللَّهِ مَا لَمَّ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٤٧] يقول وَ ج9: ((اتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ)) وكانت الشرائع تنزل بقدر السؤال، فلو تركوا السؤال لم ينزل هذا القدر الذي شرع، ومعقول ما يفهم من هذا علم البدا. وبعد أن علمت هذا فقد علمت علم الظهور وعلم الابتداء فكأنك علمت علم ظهور الابتداء أو ابتداء الظهور فإن كل نسبة منهما مرتبطة بالأخرى، فإن كان ظهور الابتداء فما حضرة الإخفاء التي منها ظهر هذا الابتداء فلا شك أنه لم يكن يصحّ هذا الوصف إلاَّ له ففيه خفي وبه ظهر، فحالة ظهوره عن ذلك الخفاء هو المعبر عنه بالابتداء، وإن كان إبتداء الظهور فهل له نسبة إلى القدم إذ لم يكن له حالة الظهور فما نسبة القدم إليه؟ قلنا: عينه الثابتة حال عدمه هي له نسبة أزلية لا أول لها، وابتداء الظهور عبارة عمّا اتصفت به من الوجود الإلهيّ إذ كانت مظهراً للحق فهو المعبر عنه بابتداء الظهور، فإن تعدّد الأحكام على المحكوم عليه مع أحدية العين إنما ذلك راجع إلى نسب واعتبارات، فعين الممكن لم تزل ولا تزال على حالها من الإمكان، فلم يخرجها كونها مظهراً حتى انطلق عليها الاتصاف بالوجود عن حكم الإمكان فيها فإنه وصف ذاتيّ لها، والأمور لا تتغير عن حقائقها باختلاف الحكم عليها لاختلاف النسب، ألا ترى قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩] وقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فنفى الشيئية عنه وأثبتها له والعين هي العين لا غيرها. السؤال الثالث والعشرون: ما معنى قوله عليه السلام: ((كانَ اللَّهُ وَلا شَيْءَ مَعَهُ))؟ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٨٥ الجواب: لا تصحبه الشيئية ولا تنطلق عليه، وكذلك هو ولا شيء معه، فإنه وصف ذاتيّ له سلب الشيئية عنه وسلب معية الشيئية لكنه مع الأشياء وليست الأشياء معه، لأن المعيّة تابعة للعلم، فهو يعلمنا فهو معنا ونحن لا نعلمه فلسنا معه. فاعلم أن لفظة ((كان)) تعطي التقييد الزمانيّ وليس المراد هنا به ذلك التقييد وإنما المراد به الكون الذي هو الوجود، فتحقيق ((كان)) أنه حرف وجوديّ لا فعل يطلب الزمان ولهذا لم يرد ما يقوله علماء الرسوم من المتكلمين وهو قولهم وهو الآن على ما عليه كان، فهذه زيادة مدرجة في الحديث تمن لا علم له بعلم كان ولا سيما في هذا الموضع ومنه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [سورة النساء: الآية ٩٩] وغير ذلك مما اقترنت به لفظة كان، ولهذا سمّاها بعض النحاة هي وأخواتها حروفاً تعمل عمل الأفعال وهي عند سيبويه حرف وجوديّ وهذا هو الذي تعقله العرب، وإن تصرفت تصرف الأفعال فليس من أشبه شيئاً من وجه ما يشبهه من جميع الوجوه بخلاف الزيادة بقولهم وهو الآن، فإن الآن تدل على الزمان، وأصل وضعه لفظة تدل على الزمان الفاصل بين الزمانين الماضي والمستقبل ولهذا قالوا في الآن أنه حد الزمانين، فلما كان مدلولها الزمان الوجوديّ لم يطلقه الشارع في وجود الحق، وأطلق ((كان)) لأنه حرف وجوديّ، وتخيّل فيه الزمان لوجود التصرّف من كان ويكون فهو كائن ومكوّن كقتل يقتل فهو قاتل ومقتول، وكذلك كن بمنزلة أخرج فلما رأوا في الكون هذا التصرّف الذي يلحق الأفعال الزمانية تخيّلوا أن حكمها حكم الزمان، فأدرجوا الآن تتمة للخبر وليس منه فالمحقق لا يقول قط وهو الآن على ما عليه كان فإنه لم يرد ويقول على الله ما لم يطلقه على نفسه لما فيه من الإخلال بالمعنى الذي يطلبه حقيقة وجود الحق خالق الزمان، فمعنى ذلك: الله موجود ولا شيء معه أي ما ثم من وجوده واجب لذاته غير الحق، والممكن واجب الوجود به لأنه مظهره وهو ظاهر به، والعين الممكنة مستورة بهذا الظاهر فيها فاتصف هذا الظهور، والظاهر بالإمكان حكم عليه به عين المظهر الذي هو الممكن، فاندرج الممكن في واجب الوجود لذاته عيناً، واندرج الواجب الوجود لذاته في الممكن حكماً فتدبر ما قلناه. واعلم أن كلامنا في شرح ما ورد إنما هو على قول الوليّ إذا قال مثل هذا اللفظ أو نطق به من مقام ولايته لا من مقام الرتبة التي منها بعث رسولاً، فإن الرسول إذا قال مثل هذا اللفظ في المعرفة بالله من مقامه الاختصاصي فلا كلام لنا فيه، ولا ينبغي لنا أن نشرح ما ليس يذوق لنا وإنما كلامنا فيه من لسان الولاية، فنحن نترجم عنها بأعلى وجه يقتضيه حالها، هذا غاية الوليّ في ذلك، ولا شك أن المعيّة في هذا الخبر ثابتة والشيئية منفية والمعية تقتضي الكثرة والموجود الحق هو عين وجوده في نسبته إلى نفسه وهويته وهو عين المنعوت به مظهره فالعين واحدة في النسبتين، فهذه المعيّة كيف تصحّ والعين واحدة فالشيئية هنا عين المظهر لا عينه وهو معها لأن الوجود يصحبها وليست معه لأنها لا تصحب الوجود، وكيف تصحبه والوجوب لهذا الوجود ذاتيّ ولا ذوق للعين الممكنة في الوجوب الذاتيّ فهو يقتضيها فيصحّ أن يكون معها وهي لا تقتضيه فلا يصحّ أن تكون معه، فلهذا نفى الشيء أن يكون مع هوية الحق لأن المعيّة نعت تمجيد، ولا مجد لمن هو عديم الوجوب الوجوديّ لذاته، فإن الشيء ٨٦ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف لا يكون مع الشيء إلاَّ بحكم الوعيد أو الوعد بالخير، وهذا لا يتصوّر من الدون للأعلى، فالعالم لا يكون مع الله أبداً سواء اتّصف بالوجود أو العدم، والواجب الوجود الحق لذاته يصحّ له نعت المعية مع العالم عدماً ووجوداً . السؤال الرابع والعشرون: ما بدء الأسماء؟ الجواب: إطلاق هذا اللفظ في الطريق يقتضي أمرين: الواحد سؤال عن أوّل الأسماء. والثاني سؤال عمّا تبتدىء به الأسماء من الآثار، وهذان الأمران فرعان عن مدلول لفظ الأسماء ما هو؟ هل هو موجود أو عدم؟ أو لا وجود ولا عدم؟ وهي النسب فلا تقبل معنى الحدوث ولا القدم، فإنه لا يقبل هذا الوصف إلاَّ الوجود أو العدم، فاعلم أن هذه الأسماء الإلهية التي بأيدينا هي أسماء الأسماء الإلهية التي سمّى بها نفسه من كونه متكلماً، فنضع الشرح الذي كنّا نوضح به مدلول تلك الأسماء على هذه الأسماء التي بأيدينا وهو المسمّى بها من حيث الظاهر ومن حيث كلامه، وكلامه علمه، وعلمه ذاته، فهو مسمّى بها من حيث ذاته، والنسب لا تعقل للموصوف بالأحدية من جميع الوجوه، إذاً فلا تعقل الأسماء إلاَّ بأن تعقل النسب، ولا تعقل النسب إلاَّ بأن تعقل المظاهر المعبّر عنها بالعالم، فالنسب على هذا تحدث بحدوث المظاهر، لأن المظاهر من حيث هي أعيان لا تحدث، ومن حيث هي مظاهر هي حادثة، فالنسب حادثة فالأسماء تابعة لها ولا وجود لها مع كونها معقولة الحكم، فإذا ثبت هذا فالقائل ما بدء الأسماء هو القائل ما بدء النسب، والنسبة أمر معقول غير موجود بين اثنين، فإما أن نتكلم فيها من حيث نسبتها إلى الأول، أو من حيث ما دلّ الأثر عليها، فإن نظرنا فيها من حيث المسمّى بها لا من حيث دلالة أثرها كان قوله ما بدء الأسماء معناه ما أول الأسماء، فلنقل أول الأسماء الواحد الأحد وهو اسم واحد مركب تركيب بعلبك ورامهرمز والرحمن والرحيم، لا نريد بذلك اسمين، وإنما كان الواحد الأحد أوّل الأسماء، لأن الاسم موضوع للدلالة وهي العلمية الدالة على عين الذات لا من حيث نسبة ما يوصف بها كالأسماء الجوامد للأشياء، وليس أخصّ في العلمية من الواحد الأحد لأنه اسم ذاتي له يعطيه هذا اللفظ بحكم المطابقة . فإن قلت: فالله أولى بالأولية من الواحد الأحد لأن الله ينعت بالواحد الواحد ولا ينعت بالله. قلنا: مدلول الله يطلب العالم بجميع ما فيه فهو له كاسم الملك أو السلطان، فهو اسم للمرتبة لا للذات، والأحد اسم ذاتي لا يتوهم معه دلالة على غير العين، فلهذا لم يصحّ أن يكون الله أول الأسماء فلم يبق إلاَّ الواحد حيث لا يعقل منه إلاَّ العين من غير تركيب، ولو تسمّى بالشيء لسميناه الشيء وكان أول الأسماء لكنه لم يرد في الأسماء الإلهية يا شيء، ولا فرق بين مدلول الواحد والشيء فإنه دليل على ذات غير مركبة، إذ لو كانت مركبة لم يصح اسم الواحد ولا الشيء عليه حقيقة فلا مثل له ولا شبه يتميز عنه شخصيته، فهو الواحد الأحد في ذاته لذاته، ومع هذا فقد قرّرنا أن الأسماء عبارة عن نسب فما نسبة هذا الاسم الأول ولا أثر له منه يطلبه؟ قلنا: أما النسبة التي أوجبت له هذا الاسم فمعلومة وذلك أن في مقابلة وجوده أعياناً ثابتة لا وجود لها إلاَّ بطريق الاستفادة من وجود الحق، فتكون مظاهره في ذلك في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٨٧ الإتصاف بالوجود وهي أعيان لذاتها ما هي أعيان لموجب ولا لعلة، كما أن وجود الحق لذاته لا لعلة، وكما هو الغني لله تعالى على الإطلاق فالفقر لهذه الأعيان على الإطلاق إلى هذا الغني الواجب الغنى بذاته لذاته، وهذه الأعيان وإن كانت بهذه المثابة فمنها أمثال وغير أمثال متميزة بأمر وغير متميزة بأمر يقع فيه الاشتراك، فلا يصحّ على كل عين منها اسم الواحد الأحد لوجود الاشتراك والمثلية، فلهذا سمينا هذه الذات الغنية على الإطلاق بالواحد الأحد لأنه لا موجود إلاَّ هي فهي عين الوجود في نفسها وفي مظاهرها، وهذه نسبة لا عن أثر، إذ لا أثر لها في كون الأعيان الممكنات أعياناً ولا في إمكانها. وأما إذا كان قوله: ما بدء الأسماء؟ بمعنى ما تبتدىء به الأسماء من الآثار في هذه الأعيان فيطلب هذا السؤال أمرين: الأمر الواحد ما يتبدىء به في كل عين عين، والأمر الآخر ما يبتدىء به على الإطلاق في الجملة ومعناه: ما أول اسم يطلب أن يظهر أثر في هذه الأعيان فاعلم أن ذلك الاسم هو الوهاب خاصة في الجملة وفي عين عين لا فرق، وهو اسم أحدثته الهبات لهذه الأعيان من حيث فقرها، فلما انطلق عليها اسم مظهر وقد كانت عرية عن هذا الاسم ولم يجب على الغنيّ أن يجعلها مظاهر له طلبت هذه النسبة الاسم الوهّاب ولهذا لا نجعله تعالى علة لشيء لأن العلة تطلب معلولها كما يطلب المعلول علته، والغني لا يتصف بالطلب إذا فلا يصحّ أن يكون علة، والوهب ليس كذلك فإنه امتنان على الموهوب له، وإن كان الوهب له ذاتياً فإنه لا يقدح في غناه عن كل شيء، والذي يبتدىء به من الوهب إعطاء الوجود لكل عين حتى وصفها بما لا تقضيه عينها، فأول ما يبتدأ به من الأعيان ما هو أقرب مناسبة للأسماء التي تطلب التنزيه، ثم بعد ذلك يظهر سلطان الأسماء التي تطلب التشبيه، فالأسماء التي تطلب التنزيه هي الأسماء التي تطلب الذات لذاتها، والأسماء التي تطلب التشبيه هي الأسماء التي تطلب الذات لكونها إلهاً. فأسماء التنزيه كالغنيّ والأحد، وما يصحّ أن ينفرد به، وأسماء التشبيه كالرحيم والغفور، وكل ما يمكن أن يتصف به العبد حقيقة من حيث ما هو مظهر لا من حيث عينه لأنه لو اتصف به من حيث عينه لكان له الغنى ولا غنى له أصلاً، فإذا اتصفت هذه الأعيان التي هي المظاهر بمثل الغنى وتسمّت بالغني فيكون معنى ذلك الغنى بالله عن غيرها من الأعيان لا أن العين غنى بذاته، وكذا كل اسم تنزيه فلها هذه الأسماء من حيث ما هي مظاهر، فإن كان المسمّى لسان الظاهر فيها فهو كونه إلهاً فهو أقرب نسبة إلى الذات من لسان المظهر إذا تسمّى بالغنى، فالمظهر لا يزول عنه اسم الفقر مع وجود اسم الغنى المقيّد له، والظاهر فيه إذا تسمّى بالغنى يصحّ له لأنه يعطي جوداً ومئّة وهو الوهاب الذي يعطي لينعم، وقد يعطي ليعبد، فلا يكون هذا عطاء تنزيه بل هو عطاء عوض، ففيه طلب قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] فإعطاء هذا الخلق إعطاء طلب لا إعطاء هبة ومنّة، وإعطاء الوهب إعطاء إنعام لا لطلب شكر ولا عوض ﴿يَهَبُ لِمَنْ كَشَآءُ إِنَاثًا وَبَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾ [سورة الشورى: الآية ٤٩] ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٠] وهو الخنثى. ثم وصف نفسه في ذلك ﴿إِنَّهُ ٨٨ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٠] وهو وصف يرجع إليه ما طلب منهم في ذلك عوضاً، كما طلب في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ آلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فمنزلة خلقهم له ما هو منزلة خلقهم لهم فخلقهم لهم من أسماء التنزيه، وخلقهم له من أسماء التشبيه، وهذا القدر كاف في الغرض . السؤال الخامس والعشرون: ما بدء الوحي؟ الجواب: إنزال المعاني المجرّدة العقلية في القوالب الحسيّة المقيدة في حضرة الخيال في نوم كان أو يقظة، وهو من مدركات الحسّ في حضرة المحسوس مثل قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ١٧] وفي حضرة الخيال كما أدرك رسول الله وَل العلم في صورة اللبن وكذا أول رؤياه قالت عائشة: ((أول ما بدىء به رسول الله وَّل من الوحي الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلاَّ خرجت مثل فلق الصبح)) وهي التي أبقى الله على المسلمين وهي من أجزاء النبوّة فما ارتفعت النبوّة بالكلية، ولهذا قلنا: إنما ارتفعت نبوّة التشريع، فهذا معنى لا نبيّ بعده، وكذلك من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوّة بين جنبيه فقد قامت به النبوّة بلا شك، فعلمنا أن قوله: لا نبيّ بعده أي لا مشرع خاصة لا أنه لا يكون بعده نبيّ، فهذا مثل قوله: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، ولم يكن كسرى وقيصر إلاَّ ملك الروم والفرس وما زال الملك من الروم، ولكن ارتفع هذا الاسم مع وجود الملك فيهم وتسمّى ملكهم باسم آخر بعد هلاك قيصر وكسرى، كذلك اسم النبيّ زال بعد رسول الله وَّر، فإنه زال التشريع المنزّل من عند الله بالوحي بعده وَّر، فلا يشرع أحد بعده شرعاً إلاَّ ما اقتضاه نظر المجتهدين من العلماء في الأحكام، فإنه بتقرير رسول الله وَخر صحّ، فحكم المجتهد من شرعه الذي شرعه وَ لّر الذي يعطي المجتهد دليله وهو الذي أذن الله به فما هو من الشرع الذي لم يأذن به الله فإن ذلك كفر وافتراء على الله. فإن قلت: هذا الذي بدىء به رسول الله وَّه من أين؟ نقول: إنه بدء الوحي، قلنا: لا شك ولا خفاء عند المؤمنين والأولياء أن محمداً وَلر خصّه الله بالكمال في كل فضيلة، فمن ذلك أن خصّه بكمال الوحي وهو استيفاء أنواعه وضروبه وهو قوله عليه السلام: ((أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِم)) وبعث عامّة فما بقي ضرب من الوحي إلاَّ وقد نزل عليه به، فلما كان بهذه المثابة وبدىَءَ الَّله بالرؤيا في وحيه ستة أشهر علمنا أن بدء الوحي الرؤيا وأنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة لكونها ستة أشهر، وكانت نبوّته ثلاثاً وعشرين سنة، فستة أشهر جزء من ستة وأربعين، ولا يلزم أن يكون لكل نبيّ فقد يوحى لنبيّ لا من بدء الوحي الذي هو الرؤيا بل بضرب آخر من الوحي، فلما بدىء بالرؤيا وَّ قلنا: الرؤيا بدء الوحي بلا شك لأن الكمال الذي وصف به نفسه ◌َّر في المقام أعطى أن يكون بدء الوحي ما بدىء به رسول الله وَلَه، وكذا ينبغي أن يكون، فإن البدء عندنا هو ما يناسب الحسّ أوّلاً ثم يرتقي إلى الأمور المجردة الخارجة عن الحسّ فلم تكن إلاَّ الرؤيا نوماً كان أو يقظة، والوحي هنا تشريع الشرائع من كونه نبياً أو رسولاً كيف ما كان، وهذا كله إذا كان سؤاله عن الوحي المنزّل على البشر، فإن كان سؤاله عن بدء الوحي من حيث الوحي أو عن بدء الوحي في حق كل صنف تمن يوحى إليه في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٨٩ كالملائكة وغير البشر من الجنس الحيواني مثل قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [سورة النحل: الآية ٦٨] وغير الجنس الحيواني مثل عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال فإنه كان بوحي، ومثل قوله: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] ومثل قوله: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٧] وهي نفس كل مكلف وما ثم إلاَّ مكلف لقوله: ﴿فَمَمَهَا لُوَرَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] فدخل الملك بالتقوى في هذه الآية، إذ لا نصيب له في الفجور، وكذلك سائر نفوس ما عدا الإنس والجان، فالإنس والجنّ ألهموا الفجور والتقوى ﴿ كُلُّا نُّمُِّ هَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءٍ مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٠] فإن أراد بدء الوحي في كل صنف صنف وشخص شخص فهو الإلهام فإنه لا يخلو عنه موجود وهو الوحي، وهذا جواب عن بدء الوحي من حيث الوحي ومن حيث شخص شخص . السؤال السادس والعشرون: ما بدء الروح؟ الجواب: أهل الطريق يطلقون لفظ الروح على معان مختلفة فيقولون: فلان فيه روح أي أمر ربّاني یحیی به من قام به يعني قلبه، ويطلقون الروح على الذي سئل عنه رسول الله وَةو، ويطلقون الروح ويريدون به الروح الذي ينفخ فيه عند كمال تسوية الخلق، والذي مدار الطريق عليه هو الروح الذي يجده أهل الله عند الانقطاع إليه بالهمم والعبادة، فأكثر ما يقع عنه السؤال منهم غالباً، فيكون قوله: ما بدء الروح؟ أي ما ابتداء حصوله في قلب العارف؟ فتقول: إن بدء الروح في نفوس أهله الذين أهّلهم الله لتحصيله أن نفس الرحمن إذا تحكمت في نفوسهم المجاهدات التي تعطيهم رؤية الأغيار عريّة عن رؤية الله فيها وأنها حائلة وقاطعة بين الله وبين هذا العبد، فيكون صاحب هذه المجاهدة صاحب قبض وهم وغم وحجب يريد رفعها، فتهبّ عليه من نفس الرحمن في باطنه ما يؤدّيه إلى رؤية وجه الحق في هذه القواطع على زعمه، وفي هذه الحجب والأشياء التي يجاهد نفسه في قطع ما يتعرض إليه منها في طريقه فيريه ذلك النفس وجه الحق في كل شيء وهو العين والحافظ عليه وجودها فلم ير شيئاً خارجاً عن الحق فزال تعبه من حيث ما يريد قطعها، ويتألم عند ذلك ألماً شديداً حيث يتوهم عدم تلك المعرفة، ثم يعقب ذلك سرور عظيم لوجود هذا النفس فيحيي به معناه ويصير به روحاً وهو قوله: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] ما هو تحت كسبك ولا تعلق لك خاطر بتحصيله، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴿ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [سورة الشورى: الآية ٥٢] فهذا العارف ممّن شاء من عباده فيقال فيه عند ذلك إنه ذو روح، ويقال فيه إنه حيّ وقد التحق بالأحياء وهو قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾ ومن لم يجعل الله له نوراً [سورة الأنعام: الآية ١٢٢] وهو هذا الروح ﴿فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [سورة النور: الآية ٤٠] فكان يجعل الله ولم يضفه إلى الاكتساب فإنه مجهول العين لعدم الذوق، فهذا معنى بدء الروح الذي يجده العارفون في الطريق وهو مقصود السائلين، وهو نور من حضرة الربوبية لا من غيرها، وأصله من الروح الذي هو من أمر ربي أي من الروح الذي لم يوجد عن خلق، فإنّ عالم الأمر كل موجود لا يكون عند سبب كونيّ يتقدّمه، ولكل موجود منه شرب وهو ٩٠ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف الوجه الخاص الذي لكل موجود عن سبب وعن غير سبب، فعن هذا الروح يكون هذا الروح المسؤول عنه الذي يجده أهل هذا الطريق . السؤال السابع والعشرون: ما بدء السكينة؟ الجواب: مطالعة الأمر بطريق الإحاطة من كل وجه وما لم يكن ذلك فالسكينة لا تصحّ، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿أَرِنِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَىٌّ وَلَكِن لِيَظْمَبِنَّ قَلْبِىٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٠] فجعل الطمأنينة بدء السكينة لما اختلفت عليه وجوه الأحياء فكانت تجاذبه من كل ناحية، فلما أشهده الله الكيفية سكن عمّا كان يجد من القلق لتلك الجذبات التي الوجوه المختلفة، قال بعضهم: [الرمل] فإذا حلَّ فما لي والجَزَغْ إنما أجْزَعُ ممّا أتَّقي فإذا فاتَ فمالي والطّمَخ وكذا أطمعُ فيما أبتغي فحصول المطلوب أو اليأس من تحصيله بدء السكينة فيما يطلب، وكذلك على ما يليق به يكون ما يخالف منه فاعلم ذلك، فإذا أكمل الإنسان شرائط الإيمان وأحكمها حصل من الحق تجلّ لقلب هذا المؤمن الذي هو بهذه الصفة يسمّى ذلك التجلّي ذوقاً هو بدء جعل السكينة في قلبه لتكون تلك السكينة له باباً أو سلماً إلى حصول أمر مغيب يقع له الإيمان به فيكون معه وجود السكون لما أعطاه الأمر الأوّل لكونه يصير أمراً معتاداً مثل سكون من تعوّد الأسباب إلى الأسباب، ولا يكون ذلك عن غيب أصلاً بل عن ذوق وهو المعاينة، فإن الإنسان إذا كان عنده قوت يومه سكنت نفسه لما يعطيه قلق يومه لمعاينة ما عنده بحصوله تحت ملكه، فإن حصل الإيمان عنده بهذه المثابة تحت حكمه فهو صاحب سكينة، وإن كان الإنسان تحت حكم الإيمان نازعه العيان فلم تحصل سكينة . واعلم أنّ المعاني التي تتصف بها القلوب قد يجعل الله علامة على حصولها في نفوس من شاء من عباده أن يحصلها فيه علامات من خارج تسمّى تلك العلامة باسم ذلك المعنى الذي يحصل في نفسه من الله، وإنما يسميه به ليعلم أن تلك العلامة لحصول هذا المعنى نصبت مثل قوله تعالى في تابوت بني إسرائيل إن الله قد جعل ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٨] وهي صورة على شكل حيوان من الحيوانات، اختلف الناس في أيّ صورة حيوان كانت، ولا فائدة لنا في ذكر ما ذكروه في صورتها، فكانت تلك الصور إذا هفت أو ظهرت منها حركة خاصة بصروا فسكن قلبهم عند رؤية تلك العلامة من تلك الصورة التي سمّاها سكينة، وأن السكينة المعلومة إنما محلها القلوب، فلم يجعل لهذه الأمّة علامة خارجة عنهم على حصولها، فليس لهم علامة في قلوبهم سوى حصولها، فهي الدليل على نفسها ما تحتاج إلى دليل من خارج كما كان في بني إسرائيل فبدء السكينة قد بيّناه. وأما السكينة فهي الأمر الذي تسكن له النفس لما وعدت به أو لما حصل في نفسه من طلب أمر ما، وسمّيت سكينة لأنها إذا حصلت قطعت عنه وجود الهبوب إلى غير ما سكنت إليه النفس، ومنه سمّي السكين سكيناً لكون صاحبه يقطع به ما يمكن قطعه به، وهذا اللفظ مشتق من السكون وهو الثبوت وهو ضدّ الحركة فإن الحركة نقلة، فالسكينة تعطي الثبوت على ما سكنت إليه النفس ولو في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٩١ سكنت إلى الحركة هذا حقيقتها، ولا يكون ذلك إلا عن مطالعة أو مشاهدة فتنزل عليهم وهم مؤمنون فتنقلهم بنزولها عن رتبة ما كانوا به مؤمنين إلى مقام معاينة ذلك وهو تضاعف إيمانهم بالعيان ﴿ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا فَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [سورة الفتح: الآية ٤] ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةٌ مِّنْهُ﴾ [سورة الأنفال: الآية ١١] ألا إنّ الأمنة هي السكينة لا غيرها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . السؤال الثامن والعشرون: ما العدل؟ الجواب: العدل هو الحق المخلوق به السموات والأرض. فسهل بن عبد الله وغيره يسمّيه العدل. وأبو الحكم عبد السلام بن برجان يسمّيه الحق المخلوق به لأنه سمع الله يقول: ﴿مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الدخان: الآية ٣٩] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيَنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [سورة الحجر: الآية ٨٥] ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٠٥] أي بما يجب لذلك المخلوق ممّا تقتضيه حالة خاصة بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] أي بيّن أنه ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي ما خلقه إلاَّ بالحق وهو ما يجب له، فالعالم على الحقيقة هو الله الذي علم ما تستحقه الأعيان في حال عدمها، وميّز بعضها عن بعض بهذه النسبة الإحاطية، ولولا ذلك لكانت نسبة الممكنات في قضية العقل فيما يجب لها من الوجود نسبة واحدة، وليس الأمر كذلك، ولا وقع كذلك، بل علم سبحانه ما يتقيد من الممكنات في وجوده بأمس لا يمكن عنده أن يوجده اليوم ولا في غد، فإنه من تمام خلقه تعيين زمانه وهو القدر وهي الأقدار أي مواقيت الإيجاد، فهو سبحانه يخلق من غير حكم قدر عليه في خلقه، والمخلوقات تطلب الأقدار بذاتها ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة طه: الآية ٥٠] من زمانه فيمن يتقيّد وجوده بالزمان، ومن حاله فيمن يتقيّد وجوده بالحال، ومن صفته فيمن يتقيّد وجوده بالصفة. فإن قلت فيه: مختار صدقت. وإن قلت حكيم صدقت. وإن قلت: لم يوجد هذه الأمور على هذا الترتيب إلاَّ بحسب ما أعطاه العلم صدقت. وإن قلت: ذاته اقتضت أن يكون خلق كل شيء على ما هو عليه ذلك الشيء في ذاته ولوازمه وإعراضه لا تتبدّل ولا تتحوّل ولا في الإمكان أن يكون ذلك اللازم أو العارض لغير ذلك الممكن صدقت. فبعد أن أعلمتك صورة الأمر على ما هو عليه فقل ما تشاء، فإنّ قولك من جملة من أعطى خلقه في ظهوره منك فهو من جملة الإعراض في حقك، وله صفة ذاتية ولازمة وعرضية من حيث نفسه فاعلم ذلك. وأما تحقيق هذا الاسم لهذه النسبة فاعلم أن العدل هو الميل، يقال: عدل عن الطريق إذا مال عنه، وعدل إليه إذا مال إليه، وسمّى الميل إلى الحق عدلاً كما سمّى الميل عن الحق جوراً بمعنى أنّ الله خلق الخلق بالعدل، أي إنّ الذات لها استحقاق من حيث هويتها، ولها استحقاق من حيث مرتبتها وهي الألوهية، فلما كان الميل ممّا تستحقه الذات لما تستحقه الألوهية التي تطلب المظاهر لذاتها سمّي ذلك عدلاً أي ميلاً من استحقاق ذاتيّ إلى استحقاق إلهيّ لطلب المألوه ذلك الذي يستحقه، ومن أعطى المستحق ما يستحقه سمّي عادلاً وعطاؤه عدلاً وهو الحق، فما خلق الله الخلق إلاَّ بالحق وهو إعطاؤه خلقه ما يستحقونه، وليس وراء هذا البيان وبسط العبارة ما يزيد عليها في الوضوح. ٩٢ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف السؤال التاسع والعشرون: ما فضل النبيين بعضهم على بعض وكذلك الأولياء؟ الجواب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِنَ عَلَى بَعْضٍّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٥٥] وقال في حق الناس: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٣٢] هذا عموم في الناس، فدخل الأولياء في عموم هذه الآية. وقال في حق المؤمنين والعلماء: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [سورة المجادلة: الآية ١١] فاختلف أصحابنا في مثل هذا، فذهب ابن قسيّ إلى أن كل واحد منهم فاضل مفضول، ففضل هذا هذا بأمر ما، وفضله المفضول ذلك الأمر بأمر آخر، فهو فاضل بوجه ومفضول بوجه لمن فضل عليه، فأدّى إلى التساوي في الفضيلة، فصاحب هذا القول ما حرّر الأمر على ما يقتضيه وجه الحق فيه وذلك أن تنظر المراتب، فإن كان تقتضي الفضيلة فتنظر أية مرتبة هي أعم من الأخرى وأعظم، فالمتصف بها أفضل، ففضل أرباب المراتب بفضل المراتب فقد يزيد، ويفضل بعض الناس غيره بشيء ما فيه ذلك الفضل، فإنّ الفضل في هذا الوجه لا ينظر من حيث أنه زيادة ولكن ينظر من حيث اعتبار زيادات لها شرف في العرف والعقل كالعلم والنجارة والخياطة والعلم بالأحكام الشرعية والعلم بما ينبغي لجلال الله، وكل واحد منهم لا يعلم علم الآخر فيقال: قد فضل النجار على الموحّد بالدليل بالنجارة، هذا لا يقال على جهة الفخر والمدح بل على جهة الزيادة، ويقال: فضل العالم بالله النجار على طريق الشرف والفخر، فمثل هذه المفاضلة هي التي تعتبر وهي أن يزيد كل واحد على صاحبه برتبة تقتضي المجد والشرف، فهذا معنى قوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] بما يقتضيه الشرف. ونحن نجمع إلى ذلك الزيادة فنقول في قوله: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ أي جعلنا عند كل واحد من صفات المجد والشرف ما لم نجعل عند الآخر، فقد زاد بعضهم على بعض في صفات الشرف، والمراتب التي فضلوا بها بعضهم على بعض ما فيها مفاضلة عندنا لارتباطها بالأسماء الإلهية والحقائق الربانية، ولا تصحّ مفاضلة بين الأسماء الإلهية لوجهين: الواحد أن الأسماء نسبتها إلى الذات نسبة واحدة فلا مفاضلة فيها، فلو فضلت المراتب بعضها بعضاً بحسب ما استندت إليه من الحقائق الإلهية لوقع الفضل في أسماء الله فيكون بعض الأسماء الإلهية أفضل من بعض، وهذا لا قائل به عقلاً ولا شرعاً ولا يدل عموم الاسم على فضله لأنّ الفضلية إنما تقع فيما من شأنه أن يقبل، فلا يتعمل في القبول أو فيما يجوز أن يوصف به فلا يتصف به. والوجه الآخر أن الأسماء الإلهية راجعة إلى ذاته والذات واحدة والمفاضلة تطلب الكثرة والشيء لا يفضل نفسه فإذا المفاضلة لا تصحّ، فمعقول: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَى بَعْضِ﴾ أي أعطينا هذا ما لم نعط هذا، وأعطينا هذا أيضاً ما لم نعط من فضله ولكن من مراتب الشرف ﴿مِّنْهُم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ﴿ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَهُ بُرُوجِ الْقُدُسُِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٣] فمنهم من فضّل بأن خلقه بيده وأسجد له الملائكة. ومنهم من فضّل بالكلام القديم الإلهيّ بارتفاع الوسائط. ومنهم من فضّل بالخلة. ومنهم من فضّل بالصفوة وهو إسرائيل يعقوب، فهذه كلها صفات شرف ومجد، لا يقال إن خلته أشرف من كلامه ولا أن كلامه أفضل من خلقه بيديه، بل كل ذلك راجع إلى ذات واحدة لا تقبل الكثرة ولا العدد، فهي بالنسبة إلى في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٩٣ كذا خالقة، وبالنسبة إلى كذا مالكة، وبالنسبة إلى كذا عالمة إلى ما نسبت من صفات الشرف والعين واحدة . وأما المسألة الطفولية التي بين الناس واختلافهم في فضل الملائكة على البشر فإني سألت عن ذلك رسول الله وَّر في الواقعة فقال لي: إن الملائكة أفضل، فقلت له: يا رسول الله فإن سئلت ما الدليل على ذلك فما أقول؟ فأشار إليّ أن قد علمتم أني أفضل الناس وقد صحّ عندكم وثبت وهو صحيح أني قلت عن الله تعالى أنه قال: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وكم ذاكر لله تعالى ذكره في ملأ أنا فيهم فذكره الله في ملأ خير من ذلك الملأ الذي أنا فيهم، فما سررت بشيءٍ سروري بهذه المسألة فإنه كان على قلبي منها كثير، وإن تدبّرت قوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَئِكَتُهُ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] وهذا كله بلسان التفصيل، وأما جهة الحقائق فلا مفاضلة ولا أفضل لارتباط الأشخاص بالمراتب، وارتباط المراتب بالأسماء الإلهية، وإن كان لها الابتهاج بذاتها وكمالها فابتهاجها بظهور آثارها في أعيان المظاهر أتمّ ابتهاجاً لظهور سلطانها، كما تعطي الإشارة في قول القائل المترجم عنها حيث نطق بلسانها من كناية ((نحن)) المنزل عن الله في كلامه وهي كناية تقتضي الكثرة: [الخفيف] ليس إلاَّ بكم يتمُّ السُّرورُ نحن في مجلس السرور ولكن فمجلس السرور لها حضرة الذات وتمام السرور لها ما تعطيه حقائقها في المظاهر وهو قوله: بكم، وذلك لكمال الوجود والمعرفة لا لكمال الذات إن عقلت. السؤال الثلاثون: خلق الله الخلق في ظلمة. الجواب: هذا مثل قوله: ﴿وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [سورة النحل: الآية ٧٨] ﴿وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَنْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [سورة السجدة: الآية ٩] فهذه أنوار فيك تدرك بها الأشياء، فما أدركت إلا بما جعل فيك، وما جعل فيك سوى أنت، فله تعالى ممّا أنت الوجود وأنت من ذلك الوجود المدرك به المعدوم الموجود وما لا يتصف بالعدم ولا بالوجود وهو إدراك الأفئدة ممّا ذكر، فالممكنات على عدم تناهيها في ظلمة من ذاتها وعينها لا تعلم شيئاً ما لم تكن مظهراً لوجوده وهو ما يستفيده الممكن منه وهو قوله تعالى: ﴿عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ،﴾ [سورة الزمر: الآية ٢٢] فخلق هنا بمعنى قدّر، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيْرً﴾ [سورة الفرقان: الآية ٢] فقدّرهم ولم يكونوا مظهراً لكن كانوا قابلين لتقديره، فأوّل أثر إلهيّ في الخلق التقدير قبل وجودهم وأن يتصفوا بكونهم مظاهر للحق، فالتقدير الإلهيّ في حقّهم كإحضار المهندس ما يريد إبرازه ممّا يخترعه في ذهنه من الأمور، فأوّل أثر في تلك الصورة إنما هو ما تصوّره المهندس على غير مثال، وآية هذا المقام قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] أي انتقالكم من وجود الدنيا إلى وجود الآخرة أقرب في العلم: ﴿إِن كُم مُوقِنِينَ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٢٤] من انتقالكم من حال عدم إلى حال وجود، فأنتم في الظلمة فيكم وأنتم في الوجود فيه، غير أن لكم انتقالات في وجوده وظلمتكم تستصحبكم لا تفارقكم أبداً ﴿وَءَايَةٌ ٩٤ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف لَّهُمُ الَِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٧] ولم يقل نجعلهم في ظلمة بل زوال عين النور الذي هو الوجود هو عين كونكم مظلمين أي تبقى أعيانكم لا نور لها أي لا وجود لها، ولو لم تكن الظلمة نسبة عدمية وهي كون ذواتكم العينية معدومة لكانت الظلمة من جملة الخلق، فكانت الظلمة تستدعي أن تكون في ظلمة، والكلام في تلك الظلمة كالكلام في الأولى ويتسلسل، فإنّ قوله: خلق الله الخلق في ظلمة قد يريد بالخلق هنا المخلوقات، والظلمة إذا كانت أمراً وجودياً فهي مخلوقة فتكون أيضاً في ظلمة، وإذا كان الخلق هنا مصدراً كأنه قال: قدر الله التقدير في ظلمة أي في غير موجودين يعني تلك الأعيان. وانظر في قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ فِى كُلُمَتٍ ثَثٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦] ثم إن الله تعالى في الوجود الأخروي إذا أراد الله بتبديل الأرض كان الخلق في الظلمة دون الجسر، فالظلمة تصحيهم بين كل مقامين إذا أراد الله أن يوجدهم في عالم آخر أي ينشئهم نشأة أخرى لم تكن في أعيانهم فيعلمون بتغيّر الأحوال عليهم أنهم تحت حكم قهار، فيكونون في حال وجودهم مثل حالهم في العدم، ولهذا نبّه الحق سبحانه عقولنا بقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٦٧] أي قدّرناه في حال شيئيته المتوجّه عليها أمره إلى شيئية أخرى لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ يعني في حال عدمه ﴿أَن تَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] كلمة وجودية من التكوين فسمّاه شيئاً في حال لم تكن فيه الشيئية المنفية بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ فلا بدّ أن يعقل العارف ما الشيئية الثاتبة له في حال عدمه في قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ﴾ وما الشيئية المنفية عنه في حال عدمه في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩] فالظلمة التي خلق الله فيها الخلق نفى هذه الشيئية عنهم، والنفي عدم محض لا وجود فيه، وقد ذكر المفسرون معنى قوله: ﴿فِ تُظُلُمَتٍ ثَلَثٍ﴾ وليس المقصود إلاَّ ما ذكره صاحب السؤال، وأما الآية فمعلوم أمرها عند العلماء بالله في خلق مخصوص وهو الخلق في الرحم لا غير. انتهى الجزء الثاني والثمانون. (الجزء الثالث والثمانون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ السؤال الحادي والثلاثون: فما قصتهم هناك يعني قصة المخلوقين؟ الجواب: قصتهم هناك الانتظار لما يكسوهم الحق من حلل نور الوجود لكل مخلوق نور على قدره ينفهق منه وهو النور الذي يمشون فيه يوم القيامة، فإنّ يوم القيامة ليس له ضوء جملة واحدة والناس لا يسعون فيه إلاَّ في أنوارهم، ولا يمشي مع أحد منهم غيره في نوره كما قال عليه السلام: (بَشْرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامُ يَوْمَ القِيَامَةِ» وهو الجمع بين النورين: بين نورهم المبطون في أعيانهم الظاهر هناك، وبين النور المبطون في ظلمة الليل الذي ينوب عنه السراج في نفي تلك الظلمة عن طريق الماشي، والمسجد بيت الله يسعى إليه لمناجاته كذلك في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٩٥ هذا النور لا يكون لهم إلاَّ في الوقت الذي يدعون فيه إلى رؤية ربهم الذي ناجوه هنا، فيمشون في ذلك الوقت في النور الذي كان مبطوناً في الظلمة التي سعوا فيها في صلاة الصبح والعشاء إلى المساجد وانتظارهم هو انتظار حال، فإنهم غير موصوفين في تلك الظلمة بالعلم، لأنّ الاتصاف بالعلم تابع للوجود وهم غير موجودين بل هم في شيئيتهم القابلة لقول التكوين. ولما جعل الظلمة ظرفاً للخلق كذلك قال هناك فأتى بما يدل على الظرف فهم قابلون للتقدير وإن كان قوله في ظلمة في موضع الحال من الخالق فيكون المراد به العماء الذي ما فوقه هواء وما تحته هواء الذي أثبته رسول الله وَل بهذه الصفة للحق تعالى حين قيل له: أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال وَجَرَ: ((كَانَ فِي عَمَاءِ مَا فَوْقَهُ هَواءٌ وَمَا تَخْتَهُ هَوَاءٌ)) فنزّه أن يكون تصريفه للأشياء على الأهواء، فإنه لما كنيّ عن ذلك الوجود بما هو اسم للسحاب محل تصريف الأهواء نفى أن يكون فوق ذلك العماء هواء أو تحته هواء، فله الثبوت الدائم لا على هواء ولا في هواء، فإنّ السؤال وقع بالاسم الرب ومعناه الثابت يقال رب بالمكان إذا أقام فيه وثبت فطابق الجواب ولم يصف الحق نفسه في مخلوقاته إلاَّ بقوله: ﴿يُدَبِّرُ اُلْأَمَّرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] وقال: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٨] فتخيل من لا فهم له تغيّر الأحوال عليه وهو يتعالى ويتقدّس عن التغيير، بل الحالات هي متغيرة ما هو يتغير بها فإنه الحاكم ولا حكم عليه، فجاء الشارع بصفة الثبوت الذي لا تقبل التغيير، فلا تصرف آياته يد الأهواء لأنّ عماءه لا يقبل الأهواء، وذلك العماء هو الأمر الذي ذكرنا أنه يكون في القديم قديماً وفي المحدث محدثاً وهو مثل قولك أو عين قولك في الوجود إذا نسبته إلى الحق قلت قديم، وإذا نسبته إلى الخلق قلت محدث، فالعماء من حيث هو وصف للحق هو وصف إلهيّ، ومن حيث هو وصف للعالم هو وصف كياني، فتختلف عليه الأوصاف لاختلاف أعيان الموصوفين، قال تعالى في كلامه القديم الأزلي: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢] فنعته بالحدوث لأنه نزل على محدث لأنه حدث عنده ما لم يكن يعلمه فهو محدث عنده بلا شك ولا ريب، وهذا الحادث هل هو محدث في نفسه أو ليس بمحدث؟ فإذا قلنا فيه أنه صفة الحق التي يستحقها جلاله. قلنا بقدمها بلا شك، فإنه يتعالى أن تقوم الصفات الحادثات به، فكلام الحق قديم في نفسه قديم بالنسبة إليه محدث أيضاً كما قال عند من أنزل عليه، كما أنه أيضاً من وجوه قدمه نسبته إلى الحدوث بالنظر إلى من أنزل عليه، فهو الذي أيضاً أوجب له صفة القدم، إذ لو ارتفعٍ الحدوث من المخلوق لم يصحّ نسبة القدم ولم تعقل، فلا تعقل النسب التي لها أضداد إلاّ بأضدادها، فقصة الخلق في الظلمة التهيؤ والقبول في الأعيان لظهور الحق في صور الوجود لهذه الأعيان . السؤال الثاني والثلاثون: وكيف صفة المقادير؟ الجواب: المقادير هي الصفات الذاتية للأشياء فلا صفة لها، فهي الحدود المانعة من هو متصف بها أن تكون صفة لغيره، وعندي في حدّ الحدّ نظر، فإن أراد بقوله: صفة المقادير المنع ويجعله صفة من حيث أنك تعبر عنها ٩٦ في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف بأمر هو عينها بعد علمك بهذا فقل إنّ هذا صفة المقدار. وإن أردت الحقيقة فلا صفة للمقادير لأنّ الشيء لا يكون صفة لنفسه. فإن قلت: فالصفات النفسية ما هي بأمر زائد على الذات. قلنا: صدقت. قال: فإذاً قد وصفت الشيء بنفسه. قلت: إن كان غير مركب فالوصف فيه عين إطلاق لفظ يكون شرحاً للفظ آخر عند السامع يقع به الإفهام عنده، وإن كان الشيء مركباً فذلك الوصف للمجموع، وحکم الشيء من کونه مجموعاً غیر حکمه من کونه غیر مجموع، فأنت إنما ذكرت آحاد ذلك المجموع المعقول من هذه الجمعية أمراً ما هو عين كل مفرد من هذا المجموع، فهذا الشيء الموصوف بصفاته النفسية إنما تلك أسماء آحاده، ألا ترى الذات لا توصف رأساً فإنها لذاتها هي ذات ولذاتها لا تقبل الوصف! ثم لما قلت: الله من حيث المرتبة استحق أن يوصف من حيث هذا الاسم بما يطلبه هذا الاسم من الحقائق التي تعينها المحدثات المعبّر عنها بالأسماء فما ثم شيء يوصف بنفسه إلاّ من حيث شرح لفظ بلفظ آخر، ولذا قسمنا الحدود إلى ثلاث مراتب: ذاتية ورسمية ولفظية، فالمقادير جمع مقدار، والأقدار جمع قدر، فلا يلتبس عليك المقادير بالأقدار، فبعض المقادير محل تأثير الأقدار، فاعلم. فحدود الأمور الذاتية عين مقاديرها، فالوزن القدر، والموازين المقادير، وبها توزن الأشياء، فالأمور لا تعلم إلاَّ بحدودها، ومن لا حدّ له فذلك حدّه فقد علم. السؤال الثالث والثلاثون: فما سبب علم القدر الذي طوي عن الرسل فمن دونهم؟ الجواب: في السؤال حذف وهو أن يقول: ما سبب طيّ علم القدر الذي طوي عن الرسل فمن دونهم؟ فإن كان هذا الرجل يقول بفضل أفضل البشر على أفضل الملائكة فكأنه قال: الذي طوى عن كل ما سوى الله، وإن كان يرى أنّ أفضل الملائكة أفضل من أفضل البشر فقوله: فمن دونهم لا يلزم أن من هو أفضل من الرسل طوى عنه علم القدر، فقد يمكن عنده أن يكون من هو أعلى يعلم ذلك، فبقي الجواب عمّا يقتضيه الأمر في نفسه هل ثم من يعلم علم القدر أم لا؟ قلنا: لا ولكن قد يعلم سرّه وتحكمه في الخلائق وقد أعلمنا به فعلمناه بحمد الله، وأنّ مظاهر الحق في أعيان الممكنات المعبّر عنها بالعالم هي آثار القدر وهي علامة على وجود الحق، ولا دليل أدلّ على الشيء من نفسه فلم يعلم الحق بغيره بل علم بنفسه، ونسبة الوجود إلى هذه الأعيان قد قلنا أنّ ذلك أثر القدر فنعلم القدر بأثره ونعلم الحق بوجوده، وذلك لأنّ القدر نسبة مجهولة خاصة والحق وجود، فيصحّ تعلق العلم بالحق ولا يصحّ تعلق العلم بالقدر، فإنّ علمنا بظهور المظهر في العين هو عين علمنا بالحق والقدر مرتبة بين الذات وبين الحق من حيث ظهوره لا يعلم أصلاً، وحكمه في المظاهر حكم الزمان في عالم الأجسام، فلهذا يطلقه أكثر المحققين على الأوقات المعقولة. وقد أعلمناك أنّ الزمان نسبة معقولة غير موجودة ولا معدومة وهو في الكائنات، فالوقت أعزّ مقاماً في امتناع العلم به أو تصوّره فلا ينال أبداً، وقد كان العزير رسول الله عليه السلام كثير السؤال عن القدر إلى أن قال له الحق تعالى: يا عزير لئن سألت عنه لأمحون اسمك من ديوان النبوّة، ويقرب منه السؤال عن علل الأشياء في تكويناتها، فأفعال الحق لا في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٩٧ ينبغي أن تعلّل فإنه ما ثم علة موجبة لتكوين شيء إلاَّ عين وجود الذات وقبول عين الممكن لظهور الوجود، فالأزل لا يقبل السؤال عن العلل، وأنّ ذلك لا يصدر إلاَّ من جاهل بالله، فالسبب الذي لأجله طوي علم القدر هو أنّ له نسبة إلى ذات الحق ونسبة إلى المقادير، فعزّ أن يعلم عزّ الذات وعزّ أن يجهل لنسبة المقادير فهو المعلوم المجهول فأعطى التكليف في العالم فاشتغل العالم بما كلفوا ونهوا عن طلب العلم بالقدر، ولا يعلم إلاَّ بتقريب الحق وشهوده شهوداً خاصاً لعلم هذا المسمّى قدراً، فأولياء الله وعباده لا يطلبون علمه للنهي الوارد عن طلبه، فمن عصى الله وطلبه من الله وهو لا يعلم بالنظر الفكري فلم يبق إلاَّ أن يعلم بطريق الكشف الإلهيّ، والحق لا يقرّب من عصاه بمعصيته، وطالب هذا العلم قد عصاه في طلبه فلا ينال من طريق الكشف، وما ثم طريق آخر يعلم به علم القدر فلهذا كان مطوياً عن الرسل فمن دونهم، وإن نزع أحد إلى أنّ السائل اعتبر بسؤاله معنى الرسالة فمن حيث إنهم رسل طوي عنهم في هذه المرتبة ومن دونهم من أرسل إليهم وذلك هو التكليف، فسدّ الله باب العلم بالقدر في حال الرسالة، فإن علموه فما علموه من كونهم رسلاً بل من كونهم من الراسخين في العلم، فقد ينال على هذا لولا ما بيّناه من أنّ مرتبته بين الذات والمظاهر، فمن · علم الله علم القدر، ومن جهل الله جهل القدر، والله سبحانه مجهول فالقدر مجهول، فمن المحال أن يعرف المألوه الله لأنه لا ذوق له في الألوهة فإنه مألوه، ولله ذوق في المألوهية لكونه يطلبها في المألوه كما يطلبه المألوه، فمن هناك وصف الحق نفسه بما وصف به مظاهر من التعجّب والضحك والنسيان وجميع الأوصاف التي لا تليق إلاَّ بالممكنات. فسرّ القدر عين تحكمه في المقادير، كما أنّ الوزن متحكم في الموزون، والميزان نسبة رابطة بين الموزون والوزن بها يتعين مقدار الموزون ومقادير الموزونات على اختلافها فالحق وضع الميزان وقال: ﴿وَمَا نُنْزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢١] ويستحقه من أنزل إليه، فكل شيء بقضائه أي بحكمه وقدره أي وزنه وهو تعيين وقت حالاً كان وقته أو زماناً أو صفة أو ما كان، فظهر أنّ سبب طيّ علم القدر سبب ذاتيّ، والأشياء إذا اقتضت الأمور لذواتها لا للوازمها أو أعراضها لم يصحّ أن تتبدّل ما دامت ذواتها، والذوات لها الدوام في نفسها لا لنفسها فوجود العلم بها محال. السؤال الرابع والثلاثون: لأيّ شيء طُوي؟ الجواب: هذا سؤال اختبار إن كان السائل عالماً فإنه من المعلومات ما يعلل ومنها ما لا يعلل، هذا في المعلومات فكيف ما لا يعلم؟ كيف يصحّ أن يعلّل الجهل به؟ وأما من يرى أنّ القدر معلوم لمن فوق مرتبة الرسل من الملائكة أو من شاء الله من خلقه الذي لا علم لنا بأجناس خلقه فيكون طيّه حتى لا يشارك الحق في علم حقائق الأشياء من طريق الإحاطة بها، إذ لو علم أيّ معلوم كان بطريق الإحاطة من جميع وجوهه كما يعلمه الحق لما تميّز علم الحق عن علم العبد بذلك الشيء ولا يلزمنا على هذا الاستواء فيما علم منه، فإنّ الكلام فيما علم منه على ذلك، فإنّ العبد جاهل بكيفية تعلّق العلم مطلقاً بمعلومه، فلا يصح أن يقع الاشتراك مع الحق في العلم بمعلوم ما، ومن الفتوحات المكية ج٣ - م٧ ٩٨ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف المعلومات العلم بالعلم، وما من وجه من المعلومات إلا وللقدر فيه حكم لا يعلمه إلاّ الله، فلو علم القدر علمت أحكامه، ولو علمت أحكامه لاستقل العبد في العلم بكل شيء وما احتاج إلى الحق في شيء وكان الغنى له على الإطلاق، فلما كان الأمر بعلم القدر يؤدّي إلى هذا طواه الله عن عباده فلا يعلم، فكل شخص في العالم على جهل من نفسه وعلم، فمن حيث جهله يفتقر ويسأل ويخضع ويتضرّع ويعلمه بجهله يقع منه هذا الوصف، هذا إذا اتفق أن يكون ممكناً العلم به، وقد قرّرنا أنه محال لذاته، كما يعلم أنه ليس للمحقق من الصفات النفسية سوى واحدة لأحدّيته وهي عين ذاته، فليس له فصل مقوّم يميز به عمّا وقع له من الاشتراك فيه مع غيره، بل له الأحديّة الذاتية التي لا تعلّل ولا تكون علّة فهي الوجود وما هي، ومن الأسباب التي لأجلها طوى علم ذلك عن الإنسان لكون ذات الإنسان تقتضي البوح به لأنه أسنى ما يمدح به الإنسان ولا سيما الرسل فحاجتهم إليه آكد من جميع الناس، لأنّ مقام الرسالة يقتضي ذلك، وما ثم علم ولا آية أقرب دلالة على صدقهم من مثل هذا العلم، قال رسول الله وَّ فيما وصف ربّه به ممّا أوحى إليه به: ((إِنَّهُ لا شَيءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالىْ مِنْ أَنْ يُمْدَحَ)) ولا مدحة فوق المدحة بمثل هذا، ثم إنَّ الله خلق آدم على صورته، فلا شيء أحبّ إلى العبد من أن يمدح ويثنى عليه، وأسنى ما يمدح به العبد العلم بالله وعلمه بالقدر، علمه بالله، فلو فتح للعبد الإنساني العلم بالقدر وقد أمر بالغيرة فيه وطيّه عمّن لا ينبغي أن يظهر عليه، وكان الإنسان وهو مجبول على حبّ المدح والرسالة تعطي الرغبة في هداية الخلق أجمعين، ولا طريق للهداية أوضح من هذا الفنّ، فالذي كانوا يلقونه من الكتم من الألم والعذاب في أنفسهم لا يقدر قدره فخفّف الله عن الرسل مثل هذا الألم فطواه عنهم، فإنّ جميع العالم تمن له قوّة على إيصال ما في نفسه من الأمور إلى الخلق يكتمون علم مثل هذا وغيره إذا كان عندهم إلاَّ الجنّ والإنس فإنّ النشأة من هذه القوى العنصرية تقتضي لهم ذلك، فمن كتم منهم فإنما يكتم على كره تما ينبغي أن يمدح به إذا بثّه، ولولا أنّ البهائم لم تعط لها قوّة التوصيل لأعلمت بما تشاهده من الأمور الغيبية التي أمر الله من يعلمها بسترها، مثل خوار الميت على نعشه، وعذاب القبر، وحياة الشهداء، فكل دابة تسمعه وتصغي يوم الجمعة شفقاً من الساعة، ولكن لما كوشفت على مثل هذا أعطيت الخرس عن التوصيل، فكتمها الأشياء اضطراري لا اختياري، فطواه الله عن الثقلين لذلك فإنه من الأسرار المكتومة، فهذا من الأسباب التي طوى لها علم القدر . السؤال الخامس والثلاثون: متى ينكشف لهم سرّ القدر؟ الجواب: سرّ القدر غير القدر، وسرّه عين تحكمه في الخلائق وأنه لا ينكشف لهم هذا السرّ حتى يكون الحق بصرهم، فإذا كان بصرهم بصر الحق ونظروا للأشياء ببصر الحق حينئذ انكشف لهم علم ما جهلوه إذا كان بصر الحق لا يخفى عليه شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ اُلْأَرْحَامِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦،٥] لكونها مظلمة تمدح بإدراك الأشياء فيها كيف يشاء من أنواع الصور والتصوير ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْغَيْزُ﴾ أي المنيع في المعارف / الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف ٩٩ الذي نسب لنفسه الصورة لا عن تصوير ولا تصوّر ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٦] بما تعطيه الاستعدادات المسوّاة لقبول الصور فيعين لها من الصور ما شاء ممّا قد علم أنها مناسبة له . قال رسول الله ◌َ﴿ عن ربّه تعالى أنه قال: ((مَا تَقَرَّبَ أَحَدٌ بِأَحَبَّ إِليَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرِضْتُهُ عَلَيْهِ)) لأَنَّهَا عُبُودِيَّةُ اضْطِرَارٍ، ((وَلا يَزَالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ)) وَهِيَ عُبُودِيَّةُ اخْتِيَارٍ ((حَتى أُحِبَّهُ)) إذ جعلها نوافل فاقتضت البعد من الله فلما ألزم عبوديّة الاختيار نفسه لزوم عبودية الاضطرار أحبه، فهو معنى قوله تعالى: ((حتى أحبه)) ثم قال: ((فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصُر بِهِ)) الحديث، فإذا كان الحق لهذه الحالة بصر العبد كيف يخفى عليه ما ليس يخفى فأعطته النوافل واللزوم عليها أحكام صفات الحق وأعطته الفرائض أن يكون كله نوراً فينظر بذاته لا بصفته فذاته عين سمعه وبصره فذلك وجود الحق لا وجوده، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. السؤال السادس والسابع والثلاثون: أين ينكشف لهم؟ ولمن ينكشف منهم؟ الجواب: في حال الانفعال عنهم والاتحاد بهم وذلك أنّ من المظاهر من يعلم أنه مظهر، ومن المظاهر من لا يعلم أنه مظهر، فيتخيل أنه عن الحق أجنبيّ، وعلامة من يعلم أنه مظهر أن تكون له مظاهر حيث شاء من الكون كقضيب البان فإنه كان له مظاهر فيما شاء من الكون لا حيث ما شاء من الكون، وأن من الرجال من يكون له الظهور فيما شاء من الكون لا حيث شاء، ومن كان له الظهور حيث شاء من الكون كان له الظهور فيما شاء من الكون، فتكون الصورة الواحدة تظهر في أماكن مختلفة، وتكون الصور الكثيرة على التعاقب تلبس الذات الواحدة في عين المدرك لها، فإذا حصل الإنسان في المكان الذي يعرف فيه تجلّ الحق في الصور المختلفة للشخص الواحد أو الأشخاص الكثيرين، فمعرفته بتلك الحيثية لا تكون إلاّ ذوقاً، ومن عرف مثل هذا ذوقاً كان متمكناً من الاتصاف بمثل هذه الصفة، وهذا هو علم سرّ القدر الذي ينكشف لهم إذا كانوا في هذا المنزل وبهذه القوّة . السؤال الثامن والثلاثون: ما الإذن في الطاعة والمعصية من ربنا؟ الجواب: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٨] فالإذن الذي تشترك فيه الطاعة والمعصية هو الإذن الإلهيّ في كون المأذون فيه فعلاً لا من طريق الحكم، لأنّ حكمه في الأشياء بالطاعة، والمعصية هو عين علمه بها بهذه الحالة فلا يكون مراداً فلا يكون الحكم مأموراً به والمحكوم به وعليه هو المراد والمأمور به، فلا يصحّ الإذن في الطاعة والمعصية من حيث إنها طاعة ومعصية، قال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِلَكْ قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ من حيث إنها فعل ﴿فَلِ مَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] فأنكر عليهم أن تكون السيئة من عند محمد وَل كما قال في موسى : ﴿يَطَيِّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ ﴾ [ سورة الأعراف: الآية ١٣١] فقال لهم: ﴿وَمَّا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَين نَّفْسِكَ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٩] لا من محمد بية، فاحتجاجنا في مسألتنا إنما هو بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ ١٠٠ في المعارف/ الباب الثالث والسبعون: في معرفة عدد ما يحصل من الأسرار للمشاهد عند المقابلة والانحراف مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ فأضاف الكل إلى الله والكل خير وهو بيده والشرّ ليس إليه، فأوهم السائل المسؤول بلفظ الطاعة والمعصية ليرى ما عنده من العلم فإنه سؤال ابتلاء منه لمدّعي علم الحقائق من طريق الكشف، وقد قرّرنا هذا الفصل في كتاب المعرفة لنا. السؤال التاسع والثلاثون: وما العقل الأكثر الذي قسمت العقول منه لجميع خلقه؟ الجواب: لما كان في نفس الأمر يقتضي أن يكون مراتب المعلومات من الممكنات ثلاثاً: مرتبة للمعاني المجرّدة عن الموادّ التي من شأنها أن تدرك بالعقول بطريق الأدلة والبداية . ومرتبة من شأنها أن تدرك بالحواس وهي المحسوسات. ومرتبة من شأنها أن تدرك بالعقل أو الحواس وهي المتخيلات وهي تشكل المعاني في الصور المحسوسة تصوّرها القوّة المصوّرة الخادمة للعقل يقتضي ذلك أمر يسمّى الطبيعة فيما ينشأ منها من الأجسام الإنسانية والجنية، فلما إن شاء الله أن يوضح للمكلفين من عباده أسباب سعادتهم على ألسنة رسله من البشر إليهم بوساطة الروح العلويّ المنزل بذلك على قلوب بعض البشر المسمّين رسلاً وأنبياء أجرى المعاني في المخاطبات مجرى المحسوسات في الصور التي تقبل التجزيء والانقسام والقلة والكثرة وجعل محل ذلك حضرة الخيال فحصروا المعاني في الخطاب فتلقتها بالتشبيه العقول كما تتلقى بالمحسوسات التي شبهت بها هذه المعاني التي ليس من شأنها بالنظر إلى ذاتها أن تكون متحيزة أو منقسمة أو قليلة أو كثيرة أو ذات حدّ ومقدار وكيف وكم، وجعل لنا الدليل على قبول ما أتى به من هذا القبيل في هذه الصور ما يراه النائم في نومه من العلم في صورة اللبن فيشربه حتى يرى الريّ يخرج من أظفاره فقيل له: ما أوّلته يا رسول الله؟ يريد ما تؤول إليه صورة ما رأيت؟ فقال: ((العلم))، ومعلوم أنّ العلم ليس بجسم يسمّى لبناً ولا هو لبن، وإنما هو معنى مجرّد عن الصور التي من شأنها أن تدركها الحواس، فكان منها ما قال الشارع في تقسيم العقول على الناس كما تقسم الحبوب، فمن الناس من حصل له من العقل الممثل في الصور التي من شأنها أن تكال القفيز والقفيزين والأكثر والأقل، والمدّ والمدّين والأكثر من ذلك والأقل، ليبين بهذا تفاضل الناس في العقول لأنه المشهود عندنا لأنا نرى أشخاصاً كلهم يتصفون بأنهم عقلاء ذو وأحلام، فمنهم من يدرك عقله غوامض الأسرار والمعاني ويحمل صورة الكلمة الواحدة من الحكيم على خمسين وجهاً ومائة وأكثر وأقل من المعاني الغامضة، والعلوم العالية المتعلقة بالجناب الإلهيّ أو الروحانيّ أو الطبائع أو العلم الرياضي أو الميزان المنطقي، وعقل شخص ينزل عن هذه الدرجة إلى ما هو أقل وآخر ينزل دون هذا الأقل، وعقل آخر يعلو فوق هذا الأكبر، فلما شاهدنا تفاوت العقول احتجنا أن نقسمها على الأشخاص تقسيم الذوات التي تقبل الكثرة والقلة، ويسمّى المعنى القابل لهذه القسمة المعنوية الممثلة العقل الأكثر أي الذين قسمت منه هذي العقول التي في العقلاء من الموجودات بحسب ما بينهم من التفاوت. وصورة تكوين العقول من هذا العقل الأكبر في تحقيق الأمر بطريق التمثيل، والتشبيه الأقرب إلى المناسب بالسراج الأوّل فتوقد منه جميع الفتائل فتتعدّد السرج بعدد الفتائل وتقبل