Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وباسم ما من حيوان أو إنسان أو مضطرّ أو بالغ أو عاقل أو مجنون، فذلك الاستعداد عينه
أوجب عليه الحكم بأمر ما كما أوجب له الاسم فقال له: اغتسل لإحرامك أي تطهر بجمعك
حتى تعم الطهارة ذاتك لكونك تريد أن تحرّم عليك أفعالاً مخصوصة لا يقتضي فعلها هذه
العبادة الخاصة المسمّاة حجاً أو عمرة، فاستقبالها بصفة تقديس أولى لأنك تريد بها الدخول
على الاسم القدّوس، فلا تدخل عليه إلاَّ بصفته وهي الطهارة، كما لم تدخل عليه إلاَّ بأمره،
إذ المناسبة شرط في التواصل والصحبة فوجب الغسل، ومن رأى أنه إنما يحرم على المحرم
أفعال مخصوصة لا جميع الأفعال قال: فلا يجب عليه الغسل الذي هو عموم الطهارة فإنه لم
يحرم عليه جميع أفعاله فيجزيء الوضوء فإنه غسل أعضاء مخصوصة من البدن، كما أنه ما
يحرم عليه إلاَّ أفعال مخصوصة من أفعاله، وإن اغتسل فهو أفضل، وكذلك إن عمّم الطهارة
لباطنه فهو أولى وأفضل.
وصل في فصل - النية للإحرام: وهو أمر متفق عليه إلاَّ من شذّ القصد بالمنع عين بقائك
على ما أنت عليه، فهذا حكم منسوب إليك تؤجر عليه، وما عملت شيئاً وجودياً وهو كالنهي
في التكليف، وله من الأسماء المانع والقصد أبداً لا يكون متعلقه إلاَّ معدوماً، فيقصد في
المعدوم أبداً أحد أمرين: إمّا إيجاد عين وهو الكون، وإمّا إيجاد حكم وهو النسبة، وما ثم
ثالث يقصد، فمثل إيجاد العين: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ ولا يريده إلاَّ وهو معدوم ﴿أَنْ
نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فيظهر وجود عين المراد بعدما كان معدوماً، ومثل
إيجاد الحكم وهو النسبة قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ١٩] فالإذهاب
معدوم وهو الذي يشاء إن شاءه، فإن شاء أعدمه بمنع شرطه الذي به بقاء حكم الوجود عليه
فيصير عليه حكم اسم المعدوم، وما فعل الفاعل شيئاً فتعلق القصد بالإعدام، فاتصف
الموجود بحكم العدم لا أنه كان العدم، فإن العدم لا يكون مع وجود حكمه وهو النسبة، وإذا
تأمّلت فما ثم وجود إلاّ الله خاصة، وكل موصوف بالوجود ممّا سوى الله فهو نسبة خاصة،
والإرادة الإلهية إنما متعلقها إظهار التجلي في المظاهر أي في مظاهر ما وهو نسبة، فإن
الظاهر لم يزل موصوفاً بالوجود، والمظهر لم يزل موصوفاً بالعدم، فإذا ظهر أعطى المظهر
حكماً في الظاهر بحسب حقائقه النفسية، فانطلق على الظاهر من تلك الحقائق التي هو عليها
ذلك المظهر المعدوم حكم يسمى إنساناً أو فلكاً أو ملكاً، وما كان من أشخاص المخلوقات،
كما رجع من ذلك الظهور للظاهر اسم يطلق عليه يقال به خالق وصانع وضار ونافع وقادر،
وما يعطيه ذلك التجلي من الأسماء وأعيان الممكنات على حالها من العدم.
كما أن الحق لم يزل له حكم الوجود، فحدث لعين الممكن اسم المظهر وللمتجلي فيه
اسم الظاهر، فلهذا قلنا: فكل موجود سوى الله فهو نسبة لا عين، فأعطى استعداد مظهر ما أن
يكون الظاهر فيه مكلفاً فيقال له: افعل ولا تفعل، ويكون مخاطباً بأنت وبكاف الخطاب،
فالقصد للإحرام هو القصد للمنع أن يمنع به ما يمكن أن لا يمنع، فحينئذ يصير المنع حكماً
والتكليفات كلها أحكام، فالنية للإحرام أن يقصد بذلك المنع القربة إلى الله والقربة معدومة

٤٦٢
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
فيكون سبب وجود حكمها هذا المنع، فحصل للعبد بعد أن لم يكن فيصير مظهراً عند ذلك
وهو غاية القرب ظهور في مظهر، لأن بذلك الظهور يظهر حكم المظهر في الظاهر فيه، كما
يظهر بطريق القرب حكم الداعي في المدعوّ بما يكون منه من الإجابة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] إذ لا تكون
إجابة إلاَّ بعد الدعاء، فأعطاه الداعي حكم الإجابة، كما دعاه تعالى إلى الحج إلى بيته على
صفة مخصوصة تسمّى الإحرام فأجاب العبد رافعاً صوته وهو الإهلال بالتلبية وهي قوله :
لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وصل في فصل - هل تجزىء النية عن التلبية: اختلف علماء الرسوم رضي الله عنهم في
ذلك فقال بعضهم: التلبية في الحج كتكبيرة الإحرام في الصلاة، وصاحب هذا القول يجزىء
عنده كل لفظ يقوم مقام التلبية، كما يجزىء عنده في الصلاة كل لفظ يقوم مقام التكبير وهو
كل ما يدل على التعظيم. وقال بعضهم: لا بدّ من لفظ التلبية فإن رسول الله وَّه قال: ((خُذُوا
عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) وممّا شرع لفظ التلبية وهو قوله: لبيك، كما شرع الله أكبر في تكبيرة الإحرام
في الصلاة، فأوجب بعضهم تلبية رسول الله وَل* وصورتها: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ
شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ والنعمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ)). وفي رواية: ((لَبَّيْكَ إِلَّهَ الْحَقِّ))
وفي رواية: ((إِلَّهَ الخَلْقِ))، فهي واجبة بهذا اللفظ عند هؤلاء وعند جمهور العلماء مستحبة،
وبه أقول، واللفظ بها أولى، واختلفوا في الزيادة على هذا اللفظ وفي تبديله كما قلنا، وكذلك
اختلفوا في رفع الصوت بالتلبية وهو الإهلال فأوجبه بعضهم وبه أقول، ولكنه عندي إذا وقع
منه مرّة واحدة أجزأه وما زاد على الواحدة فهو مستحب وأولى. وقال بعضهم: رفع الصوت
بالتلبية مستحب إلاَّ في مساجد الجماعات ما عدا المسجد الحرام ومسجد منى عند بعضهم.
واختلفوا في التلبية هل هي ركن أم لا؟ فقال بعضهم: هي ركن من أركان الحج وبه
أقول فإن الله يقول: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] وهو قد دعانا إلى بيته فلا بدّ أن
أقول: لبيك، ثم نأخذ في الفعل لما دعاني الله أن نأتيه به من الصفات. وقال بعضهم: ليست
ركناً .
اعلم أن القصد إلى الله تعالى بهذه العبادة الخاصة الجامعة بين الإحرام والتصرّف في
أكثر المباحات هو قصد خاص لاسم خاص وهو الداعي إلى البيت بهذا القصد لا إليه لكن من
أجله بصفة عبودية مشوبة بصفة سيادة تظهر حكم السيادة في هذه العبادة في النحر لأنه إتلاف
صورة وفي الرمي بالجمار فإنه وصف فعل إلهيّ في قوله: ﴿وَأَمْطَزْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ [سورة
هود: الآية ٨٢] روي أن إبليس تعرّض لإبراهيم الخليل في أماكن هذه الجمرات مراراً فحصبه
بعدد ما شرع وفي زمانها. وكذلك في إلقاء التفث فإنه وصف إلهيّ من قوله: ﴿سَنَفْرُعُ أ
[سورة الرحمن: الآية ٣١] وفرغ ربك والوفاء بما نذر فيه كذلك لقوله: ﴿أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة:
الآية ٤٠] والطواف بالبيت لكون هذا الفعل إحاطة بالبيت من قوله: ﴿أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
تُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٤] والذكر فيها من قوله: ﴿فَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٥٢]

٤٦٣
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وذكر الله لنا أكبر من ذكرنا له، إلاَّ إن ذكرناه به لا بنا، فذكرنا به أكبر إحاطة، فإن في ذكرنا
نحن وهو، وفي ذكره هو بلا نحن.
قرىء على أبي يزيد: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة البروج: الآية ١٢] قال: بطشي أشدّ يعني
إذا بطش العبد به لا بنفسه. وإنما قول أبي يزيد عندي فشرحه خلاف هذا، فإن بطش العبد
بطش معرّى عن الرحمة ما عنده من الرحمة شيء في حال بطشه، وبطش الحق بكل وجه فيه
رحمة بالمبطوش به من وجه يقصده الباطش الحق فهو الرحيم به في بطشه، فبطش العبد أشدّ
لأنه لا تقوم به رحمة بالمبطوش به، وما أشبه ذلك من الرمل والسعي وكل فعل له في
الألوهية وصف.
وإذا عرفت أن القصد إلى البيت من الله لا إليه فليكن قصدك إلى البيت بربك لا بنفسك
فتكون ذا قصد إلهيّ فإنه تعالى قصد هذا البيت دون غيره من البيوت، وطلب من عباده أن
يقصدوه بوصف خاص وهو الإحرام وجميع أفعال الحاج، وجعل أوّله طوافاً وآخره طوافاً،
فختم بمثل ما به بدأ عند الوصول إلى البيت، فما أمرك بالقصد إلى البيت لا إليه إلاَّ لكونه جعله
قصداً حسيّاً فيه قطع مسافة أقربها من بيتك الذي بمكة إلى البيت وهو معك أينما كنت، فلا يصحّ
أن تقصد بالمشي الحسيّ من هو معك، فأعلمك أنه معك، ثم إنه دلّك على البيت الذي هو
مثلك ومن جنسك أعني أنه مخلوق، فدلالته لك على البيت دلالته لك على نفسك في قوله:
((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فإذا قصدت البيت إنما قصدت نفسك، فإذا وصلت إلى نفسك
عرفت من أنت، وإذا عرفت من أنت عرفت ربك، فتعلم عند ذلك هل أنت هو أو لست هو،
فإنه هناك يحصل لك العلم الصحيح، فإن الدليل قد يكون خلاف المدلول وقد يكون عين
المدلول، فلا شيء أدل على الشيء من نفسه، ثم تبعد الدلالة بحسب بعد المناسبة، فالإنسان
أقرب دليل عليه من كونه مخلوقاً على الصورة، ولهذا ناداك من قريب لقرب المناسبة فقال :
﴿﴿فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] و ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ﴾
[سورة المجادلة: الآية ١].
وقد تقدّم في أول الباب أسرار ظهرت في اعتبار البيت، ثم جاء بلفظة البيت لما فيه من
اشتقاق المبيت، فكأنه إنما سمي بيتاً للمبيت فيه، فإنه الركن الأعظم في منافع البيت كقولهم:
الحج عرفة يريد معظمه، فراعى حكم المبيت لأنه في المبيت يكون النوم فهو محتاج إلى من
يحفظ رحله ونفسه لنومه، فإنه في حال يقظته يتصف بحفظ رحله ونفسه، فلما راعى فيه
المبيت والمبيت لا يكون إلاَّ بالليل لا بالنهار ولهذا راعى أحمد بن حنبل في غسل اليد في
الوضوء قبل إدخالها في الإناء لمن قام من نوم الليل خاصة لقوله وَلّ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَذْرِي
أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)). فجاء بلفظ المبيت فجعل الحكم في نوم الليل. ولما كان الليل محل التجلّي
فيه فإن الحق ما جعل تجليه لعباده في الحكم الزمانيّ إلاّ في الليل، فإن فيه ينزل ربنا، وفيه
كان الإسراء برسول الله ول#، وفيه معارج الأرواح في النوم لرؤية الآيات.
ولما تحققت هذه الأمور كلها خصّ سبحانه هذا المكان بلفظ البيت فسمّاه بيتاً، فافهم

٤٦٤
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
ما أشرنا إليه، فقال جلّ وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ إشارة إلى النسيان ولم يقل على بني آدم
﴿حِجُ الْبَيْتِ﴾ يعني قصد هذا المكان من كونه بيتاً ليتنبه باسمه على ما قصد به دون غيره ﴿مَنِ
اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] أي من قدر على الوصول إليه ولذلك شرع
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] وأمثاله فالإجابة لله بالتلبية لدعائه ورفع الصوت به من
أجل البيت لعبده عن المدعوّ، فإنه دعاه من البيت لأنه دعاه ليراه فيه لتجليه، كما أسرى بعبده
ليلاً ليريه من آياته التي هي دلائل عليه، وقد يكون ظهور الشيء للطالب دليلاً على نفسه،
فيكون من آياته أن يتجلى له فيراه فيكون له دليلاً على نفسه، وهذا مذهب ابن عباس، فوجب
رفع الصوت بالتلبية وهو الإهلال لأجل ما للبيت من الحظ في هذا الدعاء فإنه المقصود في
اللفظ فهو الحجاب على الوجه المقصود، فإن كنت محمديّ المشهد فلا تزد على تلبية
رسول الله وَلَه شيئاً فتراه بعينه فإنه لا يتجلّى لك بتلبيته إلاَّ ما تجلّى له، وقد تقرّر أنه أعلم
الخلق بالله، والعلم بالله لا يحصل إلاَّ من التجلّي، وقد تجلى لك في تلبيتك هذه، فنظرته
بعين محمد ◌ّ# وهي أكمل الأعين لأنه أكمل العلماء بالله، والله مع العبد في شهوده على قدر
علمه به، فإن زدت على هذه التلبية فقد أشركت حيث أضفت إليها تلبية أخرى، وأنت تعلم
أن الجمع يعطي من الحكم ما لا يعطى الأفراد، فلا تتخيل أنك لما جئت بتلبيته وهلير كاملة ثم
زدت عليها ما شئت أن باستيفائك إياها يحصل لك ما حصل لمن لم يزد عليها هذا جهل من
قائله بما هي عليه حقائق الأمور، ألا تراه وَّلو لزم تلبيته تلك وما زاد عليها ولا أنكر على أحد
ما لبّى به فلم يكن لزومه إياها باطلاً، فالزم الاتباع تكن عبداً، ولا تبتدع في العبودية حكماً
فتكون بذلك الابتداع رباً فإنه البديع سبحانه، فالزم حقيقتك تحظ به، وإن شاركته لم تحظ به
فإنه لا يشارك فتقع في الجهل، لأن الشركة لا تصحّ في الوجود، لأنه الوجود على صورة
الحق، وما في الحق شريك بل هو الواحد الشركة ما لها مصدر تصدر عنه، فتحقق هذا التنبيه
في الشركة فإنه بعيد أن تسمعه من غيري، وإن كان معلوماً عنده فإنه يحكم عليه الجبن الذي
فطر عليه فيفزع من كون الحق أثبت الشركة وصفاً في المخلوق، وما شعر هذا الناظر بقوله:
أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو الذي
أشرك، فما قال أن الشركة صحيحة ولا أن الشريك موجود إذ لا يصحّ وجود معنى الشركة
على الحقيقة لأن الشريكين حصة كل واحد منهما معينة عند الله، وإن جهلها الشريكان فأنت
الذي أشركت وما في نفس الأمر شركة لأن الأمر من واحد: [مجزوء الرجز]
إن قُلْتَه لا تُغْلَبُ
هذا هو الحقُّ الذي
فهو مثالٌ يُضْرَبُ
وما سوى هذا فلا
مثل تقدير وجود المحال وجوده بحكم الفرض. ولما كان القصد إلى البيت والبيت في
الصورة ذو أربعة أركان، وفي الوضع الأوّل ذو ثلاثة أركان، كان القصد على صورة البيت في
أكثر المذاهب، فأركان الحج أربعة: الإحرام، والوقوف، والسعي، وطواف الإفاضة، هذا
هو الذي عليه أكثر الناس. ومن راعى صورة البيت في الوضع الأول كان عنده على التثليث

٤٦٥
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
لم ير طواف الإفاضة فرضاً، فأقام البيت على شكل مثلث متساوي الساقين لا متساوي
الأضلاع، ولا يصحّ أن يكون متساوي الأضلاع إذ لوكان لم يكن، ثم من يميز الساقين لأنه
مثلهما، ولا بدّ من تساوي الساقين والتمييز بينهما وهما اليدان والقبضتان، وإنما سميتا ساقين
للاعتماد الذي في حقيقة الساق، ولما كان الاعتماد على القبضتين وإليهما يرجع حكم الأمر
في الدارين الجنة والنار وما ثم غيرهما كان اسم الساق أولى ﴿ وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [سورة القيامة:
الآية ٢٩] فلا بدّ من التساوي حتى يصحّ الالتفاف عليه كله من كله، وما زاد على هؤلاء الأربعة
وجعل ركناً فمن نظر آخر خارج عن شكل البيت وصورته، فهو بمنزلة من يطلب أمراً فيرى ما
يشبهه فيقول: هو هو وإن كان هو اعتبار صحيح ولكن ما له هذا الظهور في الشبه لأن الصورة
لا تشهد له أعني صورة البيت الذي هو المقصود بالحج لا غير.
وصل في فصل - الإحرام إثر صلاة: وهو مستحب عند العلماء فرضاً كان أو نفلاً، غير
أن بعضهم يستحب أن يتنفل له بركعتين فإنه أولى، إذ كانت السنّة من النبيّ وَّر الصلاة في
ذلك، والسنّة أحق بالاتباع فإنه لهذا سنّت وقد قال: ((خُذُوا عَنِي مَنَاسِكَكُمْ))، في حجّه وَمَلُ
إنما شرع الإحرام إثر صلاة لأن الصلاة عبادة بين طرفي تحريم وتحليل، فتحريمها التكبير
وتحليلها التسليم، فأشبهت الحج والعمرة فإنهما عبادتان بين طرفي تحريم وتحليل فوقعت
المناسبة، ولأن الصلاة أيضاً أثبت الحق فيها نفسه وعبده على السواء، فجعل لنفسه منها أمراً
انفرد به، وجعل لعبده منها حظاً أفرده به، وجعل منها برزخاً أوقع فيه الاشتراك بينه وبين
عبده، فإنها عبادة مبنية على أقوال وأفعال، والحج كذلك ينبني على أقوال وأفعال، فما فيه
من التعظيم فهو لله، ومن الذلّة والافتقار والتفث فهو للعبد، وما فيه ممّا يظهر فيه اشتراك فهو
برزخ، فوقعت المناسبة أيضاً فيه أكثر من غيره من العبادات، فإن الصوم وإن كان بين طرفي
تحريم وتحليل فما يشتمل على أقوال ولا على أفعال.
ثم إن كان لك أهل في موضع إحرامك فينبغي لك إذا أردت الإحرام أن تطأ أهلك فإن
ذلك من السنّة ثم تغتسل وتصلي وتحرم، فإن المناسبة بين الحج والصلاة والنكاح كون كل
واحد من هذه العبادات بين طرفي تحريم وتحليل، وقد راعى الله ذلك أعني المناسبة من هذا
الوجه في الصلاة والنكاح فقال: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [سورة البقرة: الآية
٢٣٨] وجعل هذه الآية بين آيات نكاح وطلاق تتقدّمها وتتأخّر عنها وعدة وفاة، وفي ظاهر
الأمر أن هذا ليس موضعها، وما في الظاهر وجه مناسب للجمع بينها وبين ما ذكرنا إلا كونهما
بين طرفي تحريم وتحليل متقدم أو متأخر، ولما أراد الله من العبد فيما نبّهه به أن لا يفعل شيئاً
من الأفعال الصادرة منه في ظاهر الأمر إلاَّ وهو يعلم أن الله هو الفاعل لذلك الفعل في قوله :
((كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَتَحَرَّكُ)) وقال في الصلاة: إن الله قال على لسان
عبده: سمع الله لمن حمده فنسب القول إليه لا إلى العبد ولم يقل بلسان عبده، فلهذا شرع
الإحرام عقيب صلاة لينتبه الإنسان بما ذكرناه أنه بربّه في جميع حركاته وسكناته على اختلاف
أحكامها فيكون في عبادة دائماً بهذا الحضور ويكون فيها لا فيها: [الكامل]
الفتوحات المكية ج٢ - ٣٠٣

٤٦٦
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
أكوان في أعيانها فاعبُدهُ بِه
فالله أظهرَ نفسَه بحقائق الـ
فانظر إلى قولي لعلك تَشْتَبِهْ
إن كنتَ تعبُده فلستَ بعابدٍ
وتفطن فإن الله ما قال لنبيّه وَالّ: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [سورة الأنفال:
الآية ١٧] سدى، بل قال ذلك لتعرف أنت وأمثالك صورة الأمر كيف هو، فالإحرام للعبد نظير
التنزيه للحق وهو قولك في حق الحق: ليس كذا وليس كذا، لكونه قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] و ﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٨٠]
والعزّة الامتناع والتسبيح تنزيه، والتنزيه بعد عمّا نسب إليه من الصاحبة والولد وغيرهما،
والإحرام منع وتنزيه وبعد عن الجماع وعن أشياء قد عيّن الشارع اجتنابها وهو عين التنزيه
والتباعد عنها، ومنع صاحب هذه العبادة من الاتصاف بها .
وصل في فصل - نسبة المكان إلى الحج من ميقات الإحرام: أي من أيّ مكان أحرم
عليه السلام؟ فمنهم من قال: من مسجد ذي الحليفة. ومنهم من قال: حين استوت به
راحلته. ومنهم من قال: حين أشرف على البيداء، وكل قال وأخبر عن الوقت الذي سمعه فيه
يهل، فمنهم من سمعه يهل عقيب الصلاة من المسجد، ثم سمعه آخر يهل حين استوت به
راحلته، ثم سمعه آخر يهل حين أشرف على البيداء. وقال علماء الرسوم في المكيّ: إذا
أحرم لا يهل حتى يأخذ في الرواح إلى منى، والأولى عندي أن يهل عقيب الصلاة إذا أحرم،
ثم إذا أخذ في الرواح، ثم لا يزال يهل إلى الوقت المشروع الذي يقطع عنده التلبية، لأن
الدعاء كان لجميع أفعال الحج، فالتلبية إجابة لذلك الدعاء، فما بقي فعل من أفعال الحج
أمامه لم يفعله، فلا يقطع التلبية حتى يفرغ من أفعال الحج الذي دعاه إلى فعلها، هذا يقتضي
النظر إلاَّ أن يرد نص من الشارع بتعيين وقت قطع التلبية فيقف عنده لقوله وَله: ((خُذُوا عَنّ
مَنَاسِگگُمْ)).
ولما كان الدعاء عند أهل الله نداء على رأس البعد وبوح بعين العلة فإن الإجابة تؤذن في
الحال بالبعد، فكان النداء طلباً للقرب من حكم هذا البعد، فالإجابة مقدّمة بشرى من العبد
للحق يبشره بالإجابة لما دعاه إليه من كونه يتجلّى في صورة تعطي هذه النسب وإن كانت
السعادة للعبد في تلك الإجابة، ولكن ما خلق الله الجن والإنس إلاَّ ليعبدوه، فدعاهم لما خلقهم
له. ولما كان في الإمكان الإجابة وعدم الإجابة لذلك كانت الإجابة بشرى للداعي أن دعاءه
مسموع وأمره مطاع حين أبى غيره وامتنع ممّن سمع الدعاء، وربما يدخل في هذا من يقول
بالتراخي مع الاستطاعة، والأولى بكل وجه المبادرة عند الاستطاعة وارتفاع الموانع، فجعل
قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ﴾ [سورة التوبة: الآية ٢١] في مقابلة هذه البشرى
بالإجابة جزاء وقال لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة جزاء أيضاً مؤكداً لبشراهم بإجابة
داعي الحق بالعبادات فقالوا لبيك أي إجابة لك لما دعوتنا إليه وخلقتنا له، فلم يرجع داعي الحق
خائباً، ثم حققوا الإجابة بما فعلوه ممّا كلفوه على حدّ ما كلفوه من نسبة الأعمال إليهم وفنائهم
عن رؤيتها منهم برؤية مجريها على أيديهم ومنشئها فيهم فهم عمال لأعمال كذا هو الأمر في

٤٦٧
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الحقيقة اطلع العباد على ذلك أو لم يطلعوا فشرف العالم بالاطلاع على من لم يطلع وفضل عليه
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: الآية ١١]
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وصل في فصل - المكيّ يحرم بالعمرة دون الحج: فإن العلماء ألزموه بالخروج إلى
الحل ولا أعرف لهم حجة على ذلك أصلاً، واختلفوا إذا لم يخرج إلى الحل فقيل: عليه دم.
وقيل: لا يجزيه، ووقفت على ما احتجوا به في ذلك فلم أره حجة فيما ذهبوا إليه، والذي
أذهب إليه في هذه المسألة أن المكيّ يجوز له أن يحرم من بيته بالعمرة كما يحرم بالحج
سواء، ويفعل أفعال العمرة كلها من طواف وسعي وحلق أو تقصير ويحل ولا شيء عليه
جملة واحدة، فإن النبيّ ﴾ لما وقت المواقيت لمن أراد الحج والعمرة ولم يفرّق بين حج
ولا عمرة قال: ((مِيقَاتُ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ)). وما يلزم من الأفعال في نسك العمرة فعل، وما
يلزم من نسك الحج فعل، وما خصّص رسول الله وَ﴿ قط الجمع بين الحل والحرم، وإنما
شرع ذلك للآفاقي لا للمكيّ فقال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ((اخْرُجْ بِعَائِشَةَ إِلَى التَّنْعِيمِ مِنْ
أَجْلِ أَنْ تُخرِمَ بِالعُمْرَةِ مَكَانَ عُمْرَتِهَا الَّتِي رَفَضَتْهَا حِيْنَ حَاضَتْ)) وَعَائِشَةُ آفَاقِيَّةٌ. وهذا هو دليل
العلماء فيما ذهبوا إليه، وهو دليل في غاية الضعف لا يحتج بمثل هذا على المكيّ، والأوجه
في تمشية الحكمة في المكيّ أن لا يخرج إلى الحل إذا أحرم بالعمرة فإنه في حرم الله تعالى
فهو في عبودية مشاهدة قد منعه الموطن أن يكون غير عبد، ثم أكد تلك العبودية بالإحرام،
فهو إحرام في حرم تأكيد للعبودية وإجلال للربوبية، فإذا خرج إلى الحل نقص عن هذه
الدرجة والمطلوب الزيادة في الفضل.
ألا ترى الآفاقي لما خرج إلى الحل هناك أحرم فلم يكن المطلوب منه في خروجه أن
يبقى على إحلاله، ثم دخل في الحرم محرماً فزاد فضلاً على فضل، فكان المطلوب الزيادة،
فالمكيّ في حرم الله أي موجود في عين القرب من الله بالمكان فلماذا يخرج والقرب بيته
وموطنه؟ حاشا الشارع أن يرى هذا، وكذلك ما قاله ولا رآه ولا أمر به. والآفاقي لما كان همّه
متعلقاً بوطنه الخارج عن الحرم كان خروجه إلى الحل من أجل الإحرام بالعمرة كالعقوبة له
لما كانت الهمة به متعلقة، فإنه في نيّة المفارقة لحرم الله وطلب موطنه الخارج عنه فخرج من
الأفضل إلى ما هو دونه، وأين جار الله ممّن ليس بجار له والله قد وصى بالجار حتى قال
رسول الله وَّ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُوصِيْنِي بِالْجَارِ حَتَى ظَتَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِثُهُ)» . يعني
يلحقه بالقرابة أصحاب السهام في الورث، وكذلك في الحج، واتفق من نسك الحج الوقوف
بعرفة وعرفة في الحل، وما ورد عن رسول الله وَيول أنه ما شرع الوقوف بعرفة إلاَّ لكونها في
الحل، ولا بدّ للمحرم أن يجمع بين الحل والحرم ما تعرّض الشارع إلى شيء من ذلك، ولو
كان مقصوده لأبان عنه، وما ترك الناس في عماية بل بيّن م18َّ في المواقيت ما ذكرناه،
فوصف المناسك وعينها وأحوالها وأماكنها وأزمانها، فالله يلهمنا رشد أنفسنا ويجعلنا ممّن
اتبع وتأسّى آمين بعزّته، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

٤٦٨
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وصل في فصل - متى يقطع الحاج التلبية؟: فمن قائل: إذا زاغت الشمس من يوم عرفة
وهو عند الزوال. ومن قائل: حتى يرمي جمرة العقبة كلها. ومن قائل: حين يرمي أول حصاة
من جمرة العقبة، وقد تقدم قولنا في ذلك وهو أنه ما بقي عليه فعل من أفعال الحج فلا يقطع
التلبية حتى يفرغ منه، فإن الله يدعوه ما بقي عليه فعل من أفعال الحج فالإجابة لازمة، وما ثم
نص من النبيّ ◌َّ في ذلك فإنه غاية ما وصل إلينا أن الواحد ما سمعه يلبي بعدما زاغت
الشمس، والآخر ما سمعه يلبي حين رمى أول حصاة من جمرة العقبة، والآخر ما سمعه يلبي
بعد آخر رميه حصاة من آخر جمرة العقبة، فصدق كل واحد منهم في أنه ما سمع مثل قولهم
في الإهلال بالحج سواء عند الإحرام والكل ثقات فيما ذكروه فإنه وّ لم يشرع اتصال التلبية
زمان الحج من غير فتور بحيث أن لا يتفرغ إلى كلام ولا إلى ذكر، بل كان يلبي وقتاً ويذكر
وقتاً ويستريح وقتاً ويأكل وقتاً ويخطب وقتاً، فسرد التلبية ما هو مشروع وإن أكثر منها فلا بدّ
من قطع في أثناء أزمان الحج فهذا كله ليس بخلاف. كذلك المعتمر لا يقطع التلبية عندنا ما
بقي عليه فعل من أفعال العمرة عندنا، فإن الذين قالوا إن المحرم بالعمرة يخرج إلى الحل
منهم من قال؛ يقطع التلبية إذا انتهى إلى الحرم يعني المسجد. ومنهم من قال: إذا افتتح
الطواف .
واعلم أنه ما من فعل من أفعال الحج والعمرة يشرع فيه المحرم إلاَّ والحق يدعوه إلى
فعل ما بقي من الأفعال لا بدّ من ذلك، فكما يلزمه الإجابة ابتداء إلى الفعل يلزمه الإجابة إلى
كل فعل حتى يفعله، فإن المحرم قد دخل في الحج من حين أحرم، وما قطع التلبية وطاف
بالبيت، وما قطع التلبية وسعى، وما قطع التلبية وخرج إلى عرفة، وما قطع التلبية، وما بعض
الأفعال المفروضة بالمراعاة أولى من بعض، وكذلك المسنونة ما بعضها أولى من بعض في
المراعاة، إذ لم يرد نص يوقف عنده من الشارع، ففي الفرائض إجابة الله، وفي السنن إجابة
رسول الله وَلّ فإن الله يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [سورة الأنفال:
الآية ٢٤] فإن الرسول داع بأمر الله فالله هو المجاب.
وعتب ◌َّ على ذلك المصلي الذي دعاه رسول الله وَّل إذا لم يجبه حين دعاه والمدعوّ
في الصلاة فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة، فقال له رسول الله وَلّ: ((فَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ
اللَّهِ تَعالَى: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٢٤]). والتلبية إجابة، وأفعال
الحج ما بين مفروض ومسنون، وإذا أنصفت فقد بان لك الحق فالزمه إلاَّ أن تقف على نص من
قول الرسول وَّر في ذلك فالمرجع إليه، وأما العارفون فإنهم لا يقطعون التلبية لا في الدنيا ولا
في الآخرة، فإنهم لا يزالون يسمعون دعاء الحق في قلوبهم مع أنفاسهم، فهم ينتقلون من حال
إلى حال بحسب ما يدعوهم إليه الحق، وهكذا المؤمنون. الصادقون في الدنيا بما دعاهم الشرع
إليه في جميع أفعالهم وإجابتهم هي العاصمة لهم من وقوعهم في محظور، فهم ينتقلون أيضاً
من حال إلى حال لدعاء ربهم إياهم فهو داع أبداً، والعارف غير محجوب السمع فهو مجيب
أبداً، جعلنا الله ممّن شق سمعه دعاء ربه وشق بصره لمشاهدة تجليه، فالتجلي دائم لا ينقطع،

٤٦٩
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
فشهود الحق ما لا يرتفع، فدوام لدوام واهتمام لاهتمام، وانتقال لمقام، وهو أعلى من مقام،
انتقلت منه من وجه يرجع إليك وما هو أعلى من وجه يرجع إلى الحق، فإن الأمور إذا نسبتها
إلى الحق لم تتفاضل في الشرف، وإذا نسبتها إليك تفاضلت في حقك، والمكمل عندنا من
تكون الأمور بالنسبة إليه كما تكون بالنسبة إلى الله، وهو الذي يرى وجه الحق في كل أمر، وهذا
الباب ما رأيت له ذائقاً فيما نقل إلينا جملة واحدة، ولا بدّ أن يكون له رجال لا بدّ من ذلك
ولكنهم قليلون، فإن المقام عظيم، والخطب جسيم، وكنت أتخيل في بعض المقتدين بنا أنه
حصله فجاءني منه يوماً عتاب في أمر شهد عندي ذلك الخطاب أنه ما حصله .
وصل في فصل - الطواف بالكعبة: وصفته أن يجعل البيت عن يساره ويبتدىء فيقبل
الحجر الأسود إن قدر عليه، ثم يسجد عليه أو يشير إليه إن لم يتمكن له الوصول إليه، ويتأخر
عنه قليلاً بحيث أن يدخله في الطواف بالمرور عليه، ثم يمشي إلى أن ينتهي إليه، يفعل ذلك
سبع مرات، يقبل الحجر في كل مرّة، ويمس الركن اليمانيّ الذي قبل ركن الحجر بيده ولا
يقبله، فإن كان في طواف القدوم فيرمل ثلاثة أشواط ويمشي أربعة أشواط، ولكن في أشواط
رمله يمشي قليلاً بين الركنين اليمانيين ويقول: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ
حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠١] إلى أن تفرغ سبعة أشواط كل ذلك بقلب
حاضر مع الله، ويخيل أنه في تلك العبادة كاد﴿ حَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ﴾.
[سورة الزمر: الآية ٧٥] فيلزم التسبيح في طوافه والتحميد والتهليل، وقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ
بالله العليّ العظيم، ولنا في ذلك: [البسيط]
ذاتٌ تصدُّ وذاتٌ ما لها صَارِفْ
جسمٌ يطوف وقلبٌ ليس بالطائِفْ
هذا الإمامُ الهمامُ الهَمْهَمُ العارِفْ
يُذْعَى وإن كان هذا الحالُ حِلْيَتَه
قلبي له من خفايا مَكْرِه خائِفْ
هيهاتَ هيهاتَ ما اسمُ الزورِ يعجبني
ولقد نظرت يوماً إلى الكعبة وهي تسألني الطواف بها وزمزم يسألني التضلع من مائه
رغبة في الاتصال بالمؤمن سؤال نطق مسموع بالأذن، فخفنا من الحجاب بهما لعظيم
مكانتهما من الحق عمّا نحن عليه في أحوالنا من القرب الإلهيّ الذي يليق بذلك الموطن في
معرفتنا، فأنشدتهما مخاطباً ومعرّفاً بما هو الأمر عليه مترجماً عن المؤمن الكامل: [السريع]
كم تسألاني الوصل صة ثم مَةْ
يا كعبةَ الله ويا زَمْزَمَهْ
إن كان وصلي بكما واقعاً
ما كعبةُ الله سوى ذاتنا
ما وسع الحقَّ سماءً ولا
ولاح للقلب فقال اصطَيِز
منكم إلينا وإلى قلبكم
فَرْضٌ على كعبتنا حبُّكم
ما عظّمَ البيتَ على غيره
فرحمةً لا رغبةً فيْكُمَهْ
ذاتِ ستاراتِ الثّقَى المُعْلَمَهُ
أرضّ ولا كلَّمَ منْ كلَّمَهْ
فإنه قبلتُنا المُحْكَمَةْ
منَّا فيا بَيْتيَ ما أعظَمَهْ
وحبُّنا فرضٌ عليكم ومَة
سواك يا عبدي بأن تَلْزَمَهُ

٤٧٠
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
بها وأبياتُ الورى مظْلِمَهُ
قد نرَّر الكعبةَ تَطْوَافُكم
لولاكمُو كان لهم مَشْأَمَهْ
ما أصْبَرَ البيتَ على شِرْكِهم
بالصَّبْر تحقيقاً وبالمَرْحَمَة
لكنَّكم في تَوَاصِيكُمُو
أشدَّه حباً وما أعْلَمَهْ
ما أعْشَقَ القلبَ بذاتي وما
كانت بيني وبين الكعبة في زمان مجاورتي بها مراسلة وتوسلات ومعاتبة دائمة، وقد
ذكرت بعض ما كان بيني وبينها من المخاطبات في جزء سميناه: تاج الرسائل ومنهاج الوسائل،
يحتوي فيما أظنّ على سبع رسائل أو ثمان من أجل السبعة الأشواط لكل شوط رسالة مني إلى
الصفة الإلهية التي تجلت لي في ذلك الشوط، ولكن ما عملت تلك الرسائل ولا خاطبتها بها إلاَّ
لسبب حادث، وذلك أني كنت أفضل عليها نشأتي وأجعل مكانتها في مجلى الحقائق دون
مكانتي، وأذكرها من حيث ما هي نشأة جمادية في أوّل درجة من المولدات، وأعرض عمّا
خصّها الله به من علوّ الدرجات وذلك لأرقي همّتها، ولا تحجب بطواف الرسل والأكابر بذاتها
وتقبيل حجرها، فإني على بينة من ترقي العالم علوه وسفله مع الأنفاس لاستحالة ثبوت الأعيان
على حالة واحدة، فإن الأصل الذي يرجع إليه جميع الموجودات وهو الله وصف نفسه أنه كل
يوم هو في شأن، فمن المحال أن يبقى شيء في العالم على حالة واحدة زمانين، فتختلف
الأحوال عليه لاختلاف التجليات بالشؤون الإلهية، وكان ذلك مني في حقّها لغلبة حال غلب
عليّ، فلا شك أنّ الحق أراد أن ينبهني على ما أنا فيه من سكر الحال، فأقامني من مضجعي في
ليلة باردة مقمرة فيها رش مطر فتوضأت وخرجت إلى الطواف بانزعاج شديد وليس في الطواف
أحد سوى شخص واحد فيما أظنّ. انتهى الجزء السادس والستون.
(الجزء السابع والستون)
بِسْمِ اللهِ الرَّغَنِ الرَّحَمَدِ
وصل: فيما جرى من الكعبة في حقي في تلك الليلة: وذلك أني لما نزلت قبلت
الحجر وشرعت في الطواف، فلما كنت في مقابلة الميزاب من وراء الحجر نظرت إلى الكعبة
فرأيتها فيما تخيّل لي قد شمرت أذيالها واستعدت مرتفعة عن قواعدها وفي نفسها إذا وصلت
بالطواف إلى الركن الشامي أن تدفعني بنفسها وترمي بي عن الطواف بها وهي تتوعدني بكلام
أسمعه بأذني، فجزعت جزءاً شديداً وأظهر الله لي منها حرجاً وغيظاً بحيث لم أقدر على أن
أبرح من موضعي ذلك، وتسترت بالحجر ليقع الضرب منها عليه جعلته كالمجنّ الحائل بيني
وبينها وأسمعها والله وهي تقول لي: تقدّم حتى ترى ما أصنع بك، كم تضع من قدري وترفع
من قدر بني آدم وتفضل العارفين عليّ، وعزّة من له العزّة لا تركتك تطوف بي، فرجعت مع
نفسي وعلمت أن الله يريد تأديبي، فشكرت الله على ذلك وزال جزعي الذي كنت أجده،
وهي والله فيما يخيل لي قد ارتفعت عن الأرض بقواعدها مشمرة الأذيال كما يتشمر الإنسان
إذا أراد أن يثب من مكانه يجمع عليه ثيابه، هكذا خيلت لي قد جمعت ستورها عليها لتثب

٤٧١
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
عليّ وهي في صورة جارية لم أر صورة أحسن منها ولا يتخيل أحسن منها، فارتجلت أبياتاً
في الحال أخاطبها بها وأستنزلها عن ذلك الحرج الذي عاينته منها، فما زلت أثني عليها في
تلك الأبيات وهي تتسع وتنزل بقواعدها على مكانها وتظهر السرور بما أسمعها إلى أن عادت
إلى حالها كما كانت وأمّنتني وأشارت إليّ بالطواف فرميت بنفسي على المستجار وما فيّ
مفصل إلاَّ وهو يضطرب من قوّة الحال إلى أن سرّي عني، وصالحتها وأودعتها شهادة
التوحيد عند تقبيل الحجر، فخرجت الشهادة عند تلفظي بها وأنا أنظر إليها بعينيّ في صورة
سلك، وانفتح في الحجر الأسود مثل الطاق حتى نظرت إلى قعر طول الحجر فرأيته نحو
ذراع فسألت عنه بعد ذلك من رآه من المجاورين حين احترق البيت فعمل بالفضة وأصلح
شأنه فقال لي: رأيته كما ذكرت في طول الذراع، ورأيت الشهادة قد صارت مثل الكبة
واستقرت في قعر الحجر وانطبق الحجر عليها وانسدّ ذلك الطاق وأنا أنظر إليه، فقالت لي:
هذه أمانة عندي أرفعها لك إلى يوم القيامة أشهد لك بها عند الله، هذا قول الحجر لي وأنا
أسمع، فشكرت الله ثم شكرتها على ذلك، ومن ذلك الوقت وقع الصلح بيني وبينها وخاطبتها
بتلك الرسائل السبعة فزادت بي فرحاً وابتهاجاً حتى جاءتني منها بشرى على لسان رجل صالح
من أهل الكشف ما عنده خبر بما كان بيني وبينها ممّا ذكرته فقال لي: رأيت البارحة فيما يرى
النائم هذه الكعبة وهي تقول لي: يا عبد الواحد سبحان الله ما في هذا الحرم من يطوف بي إلاّ
فلان وسمتك لي باسمك ما أدري أين مضى الناس ثم أقمت لي في النوم وأنت طائف بها
وحدك لم أر معك في الطواف أحداً، قال الرائي: فقالت لي: انظر إليه هل ترى بي طائفاً
آخر؟ لا والله ولا أراه أنا، فشكرت الله على هذه البشرى من مثل ذلك الرجل، وتذكرت قول
رسول الله ◌ّ في الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له: وأما الأبيات التي استنزلت
بها الكعبة فهي هذه: [مخلع البسيط]
بالمُسْتَجارِ استجار قلبي
يا رحمةَ الله للعباد
يا بيتَ ربي يا نورَ قلبي
يا سرَّ قلب الوجود حقاً
يا قبلةً أقبلتْ إليها
ومن بقاءٍ فمن سماءِ
يا كعبةَ الله يا حياتي
أَوَدَعكِ الله كلَّ أمنٍ
فيكِ المقامُ الكريمُ يزهو
فيكِ اليمينُ التي كستها
ملْتزمٌ فيك من يلازم
ماتت نفوسٌ شوقاً إليها
لما أتاه سهمُ الأعادي
أوَدَعَك الله في الجَمادِ
يا قُرَّة العين يا فؤادي
يا حُزْمتي يا صَفَا ودادي
من كل ربع وكل وادي
ومن فناءٍ فمن مِهادِ
يا منهجَ السَّعْد يا رَشَادي
من فَزَعِ الهَوْل في المَعادِ
فيكِ السعاداتُ للعباد
خطيئتي جِدَّةَ السوادِ
هواه يسْعَدْ يوم الثَّنادِ
من ألم الشوق والبعادٍ

٤٧٢
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
قد لبست حلَّةَ الحدادِ
من نوره للفؤاد بادي
من حزنٍ ما نالها عليهم
لله نورٌ على ذراها
قد كخَّل العينَ بالسُّهادِ
وما يراه سوى حزين
من أوّل الليل للمنادي
يطوف سبعاً في إثر سبع
رهينُ وجْدٍ حلف اجتهادِ
بعَبْرةٍ مالها انقطاعٌ
من جانب الحجر آه فؤادي
وما انقضى في الهوى مُرَادي
سمعتُه قال مستغيئاً
قد انقضى ليلُنا حثيثاً
ولما نسب الله العرش إلى نفسه وجعله محل الاستواء الرحمانيّ فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
اُلْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: الآية ٥] جعل الملائكة حافين به من حول العرش بمنزلة الحرس
حرس الملك والملازمين بابه لتنفيذ أوامره، وجعل الله الكعبة بيته ونصب الطائفين به على
ذلك الأسلوب، وتميز البيت على العرش وعلى الضراح وسائر البيوت الأربعة عشر بأمر ما
نقل إلينا أنه في العرش ولا في غير هذا من البيوت وهو الحجر الأسود يمين الله في الأرض
لنبايعه في كل شوط مبايعة رضوان وبشرى بقبول لما كان منا في كل شوط ممّا هو لنا أو
علينا، فما لنا فقبول، وما علينا فغفران، فإني رأيت في واقعة والناس به طائفون وشرر النار
يتطاير من أفواههم فأوّلته كلام الطائفين في الطواف به بما لا ينبغي، فإذا انتهينا إلى اليمين
الذي هو الحجر استشعرنا من الله سبحانه بالقبول فبايعناه وقبلنا يمينه المضافة إليه قبلة قبول
فرح واستبشار، هكذا في كل شوط، فإن كثر الازدحام عليه لتجليها في صورة محسوسة
محضورة أشرنا إليه إعلاماً بأنا نريد تقبيله وإعلاماً بعجزنا عن الوصول إليه ولا نقف ننتظر
النوبة حتى تصل إلينا فنقبله لأنه لو أراد ذلك منّا ما شرع لنا الإشارة إليه إذا لم نقدر عليه،
فعلمنا أنه يريد منّا اتصال المشي في السبعة الأشواط من غير أن يتخللها وقوف إلاَّ قدر
التقبيل في مرورنا إذا وجدنا السبيل إليه، ونحن نعلم أن يمين الله مطلقة ونحن في قبضتها
وما بيننا وبينها حجاب، ولكن لما ظهرت في مظهر عين محصورة يعبر عنه بالحجر قيّدها
استعداد هذه العين المسماة حجر النسبة ظهور اليمين بها فأثرت الضيق والحصر مع أنها يمين
الله لا شكّ ولكن على الوجه الذي يعلمه سبحانه من ذلك فصحّ النسب، ومن هنا يعرف قولنا
أنه ما في الوجود إلاّ الله والأعيان الإمكانية على أصلها من العدم متميزة لله في أعيانها على
حقائقها، وأن الحق هو الظاهر فيها من غير ظرفية معقولة، فيظهر بصورة تلك العين لو صحّ
أن توجد لكانت بهذه الصورة في الحسّ، فانظر ما أعجب أمر الوجود، فعين المستفيد
للوجود عين المفيد، فإن كانت الاستفادة غير الوجود وهي الصورة فالمستفيد الظاهر والمفيد
العين لأن الصورة التي ظهر بها الظاهر هي صورة عين المظهر حقيقة، فكل حكم ينسب إلى
الظاهر إنما هو منها، وأفادها الظاهر بظهوره حكم التأثير فيه إذا لم يكن لها ذلك الحكم إذا
كانت ولا تجلِّ في صورتها ولا ظهور، وإنما بيّنا لك ذلك لتعرف من هو الطائف والمطوف
به والحجر والمقبل فتكون بحسب ما علمت من ذلك، فعلمك عين صورتك، وفيها تحشر

٤٧٣
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
روحك يوم القيامة وبذلك يتميز في الزور الأعظم فلا يفوتنك علم ما نبهتك عليه والسلام.
وصل في فصل - حكم الرمل في الطواف: فقول: بأنه سنّة فأوجب فيه على من تركه
الدم. وقول: بأنه فضيلة فلا يجب في تركه شيء، وأعني في طواف القدوم الرمل إسراع في
نفس الخير إلى الخير فهو خير في خير، وذلك لحكمة استعجال إدراك علم الأمر الإلهي، فإن
الله تعالى يقول: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَهُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ﴾ [سورة القمر: الآية ٥٠] فإن البصر لا شيءٍ
أسرع منه، فإن زمان لمحة عين زمان تعلقه بالملموح، ولو كان في البعد ما كان، وأبعد الأشياء
في الحسّ الكواكب الثابتة التي في فلك المنازل، وعندما تنظر إليها يتعلق اللمح بها، فهذه
سرعة الحسّ، فما ظنك بالمعاني المجرّدة عن التقييد في سرعة نفوذها، فإن للسرعة حكماً في
الأشياء لا يكون لغير السرعة، ومن هنا يعرف قول الحق للشيء ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة البقرة: الآية
١١٧] فحال ﴿كُنْ﴾ الإلهية حال المكوّن المخلوق، ولهذا أسرع ما يكون من الحروف في ذلك
فاء التعقيب فلهذا جاء بها في جواب الأمر، فإن أردت أن تعرف صورة نشء العالم وظهوره
وسرعة نفوذ الأمر الإلهيّ فيه وما أدركت الأبصار والبصائر منه، فانظر إلى ما يحدث في الهواء
من سرعة الحركة بجمرة النار في يد المحرّك لها إذا أرادها، فتحدث في عين الرائي دائرة أو خطأً
مستطيلاً إن أخذ بالحركة طولاً أو أيّ شكل شاء، ولا تشك أنك أبصرت دائرة نار، ولا تشك أن
ما ثم دائرة، وإنما أنشأ ذلك في نظرك سرعة الحركة وهو قوله: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا﴾ وهو قوله ﴿كُنَ﴾
إلاَّ واحدة كالجمرة كلمح بالبصر إدراك الدائرة وما هي دائرة، فذلك عين الصورة المخلوقة
الظاهرة لإدراك العين، فتحكم من حيث نظرك ببصرك وبصيرتك وفكرك أنه خلق، وبعلمك
وكشفك أنه حق مخلوق به ما ظهر لعينك ممّا ليس هو، فهذا عدم في عين وجود.
فانظر ما ألطف هذا الإدراك مع كون الحسّ محلاً لظهوره على تقييده وكثافته وقصوره،
فما ظنك بما هو الأمر عليه بالنسبة إلى جناب الحق، فسبحان من يكلم نفسه بنفسه في أعيان
خلقه كما قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦] وأن الله قال على لسان عبده:
سمع الله لمن حمده، فهو المتكلم. والقائل: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران:
الآية ٦] حقّق يا أخي نظرك في سرعة البرق إذا برق، فإن برق البرق إذا برق كان سبباً لانصباغ
الهواء به، وانصباغ الهواء به سبب لظهور أعيان المحسوسات به، وظهور أعيان المحسوسات
به سبب في تعلّق إدراك الأبصار بها، والزمان في ذلك واحد مع تعقلك تقدّم كل سبب على
مسببه، فزمان إضاءة البرق عين زمان انصباغ الهواء به، عين زمان ظهور المحسوسات به،
عين زمان إدراك الأبصار ما ظهر منها، فسبحان من ضرب الأمثال ونصب الأشكال ليقول
القائل: ثم وما ثم أو ما ثم وثم، فوعزّة من له العزّة والجلال والكبرياء ما ثمّ إلاَّ الله الواجب
الوجود الواحد بذاته الكثير بأسمائه وأحكامه القادر على المحال، فكيف الإمكان والممكن
وهما من حكمه؟ فوالله ما هو إلاَّ الله، فمنه وإليه يرجع الأمر كله، ولهذا سنّ الرمل ثلاثاً لا
زائد ولا ناقص الواحد له والثالث لما ظهر والثاني بين الأوّل والثالث السبب لظهور ما ظهر
عنه لا بدّ من ذلك، فإذا حققت ما رأيت رأيت أن ثم ما رأيت فخرج إدراك العقل للأمور

٤٧٤
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
المعقولة على هذه الصورة مثلثة الشكل، وهي المقدّمات المركبة من الثلاثة لإنتاج المطلوب،
وكذلك في الحسّ حسّ ومحسوس وتعلّق لحسّ بمحسوس لا يدري هل الحسّ تعلق
بالمحسوس أو المحسوس انطبع في الحسّ، قصر العقل والله وخنس الفكر، وحار الوهم،
وطمس الفهم، فالأمر عظيم، والخطب جسيم، والشرع نازل، والعقل قابل، والأمر نافذ،
والحوادث تحدث، والقوى قائمة، والموازين موضوعة، والكلمات لا تنفد، والكائنات لا
تبعد، وما ثم شيء مع هذا المعلوم المتعدّد، والعين واحدة، والأمر واحد، حارت الحيرة في
نفسها إذ لم تجد من يحاربها، فالحيرة التي يتخيل أن العالم موصوف بها ليس كما تخيّلت بل
ذلك حيرة الحيرة فما ثم إلا هو والحيرة، كلّت والله الألسنة عمّا علمته الأفئدة أن تعبر عن ذلك،
وكلّت والله الأفئدة عن عقل ما هو الأمر عليه فلا تدري هل هي الحائرة أم لا؟ والحيرة موجودة،
ولا يعرف لها محل تقوم به، فلمن هي موجودة؟ وفيمن ظهر حكمها؟ وما ثم إلاَّ الله: [الطويل]
وما ثُمَّ كانت العينُ واحدَهْ
وما ثَمَّ إلاَّ الله لا شيءَ غيرَهُ
وإن لم تكن لله بالله ساجِدَة
لذلك قلنا في الذواتِ بأنها
وصل في فصل منه: اختلف العلماء في أهل مكة هل عليهم رمل إذا حجوا أو لا؟ فقال
قوم: كل طواف قبل عرفة ممّا يوصل بسعي فإنه يرمل فيه. وقال قوم: باستحباب ذلك.
وكان بعضهم لا يرى عليهم رملاً إذا طافوا بالبيت وهو مذهب ابن عمر على ما رواه مالك
عنه، إذا كانت العلة ما ذكرناها آنفاً في الرمل تعين الرمل على أهل مكة وغيرهم، ولا سيما
والأمر في نفسه أن الإنسان تحت حكم كل نفس، وكل نفس قادم، وكل قادم فهو طائف،
وكل طواف قدوم فيه رمل، هكذا هي السنة فيه لمن أراد أن يتبعها، ومن جهل قدوم نفسه،
وأن الإنسان في كل حال مخلوق، فهو قادم على الوجود من العدم لم ير عليه طوافاً فإنه من
أهل هذه الصفة كما هم أهل مكة من مكة.
وصل في فصل - استلام الأركان: فقال قوم وهم الأكثرون باستلام الركنين فقط. وقال
جابر: كنا نرى إذا طفنا أن نستلم الأركان كلها. وقال قوم من أهل السلف: باستحباب استلام
الركنين في كل وتر من الأشواط وهو الأول والثالث والخامس والسابع، وأجمعوا على أن
تقبيل الحجر الأسود خاصة من سنن الطواف، واختلفوا في تقبيل الركن اليماني الثاني. وأمّا
الاستلام وهو لمس الركن باليد على نية البيعة فلا يكون إلاّ في ركن الحجر في الحجر خاصة
لكون الحق جعله يميناً له فلمسه بطريق البيعة، ومن لم ير اللمس للبيعة ورآه للبركة استلم
جميع الأركان، فإن لمسها والقرب منها كله بركة، وما يختص ركن الحجر إلاَّ بالبيعة
والمصافحة، وتقع المشاركة في البركة له مع سائر الأركان، ففيه كونه ركناً وزيادة، فمن
راعى كونه ركناً أشرك في الاستلام معه الركن اليماني، والركن الثالث هو في الحجر غير
معين إذ لا صورة له في البيت، والركن الشاميّ والعراقيّ ليسا بركنين للبيت الأول الموضوع،
فلما لم يكونا بالوضع الأول الإلهيّ لم يكونا ركنين فخالف حكمهما حكم الركنين. ومن رأى
أن الأفعال كلها من الله رأى أن الذي عين الركنين والركن الثالث في الحجر بالوضع الأول هو

٤٧٥
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الذي عيّن الأربعة الأركان بالوضع الثاني إذ لا واضع إلاَّ الله، فاستلم الأركان كلها من كونها
أركاناً موضوعة بوضع إلهيّ، وفق الله من شاء من المخلوقين لإظهارها على أيديهم، ولكن لا
دخول لهم من كونهم أركاناً في التقبيل والمصافحة، فينبغي للطائف إذا قبل الحجر وسجد
عليه بجبهته كما جاءت السنّة وصافحه بلمسه إياه بيده أن يستلم ركنه حتى يكون قد استلم
الأركان كلها، فإن لم يفعل فما استلم إلاَّ أن يرى أن الحجر الأسود من جملة أحجار الركن
فیکون عین مصافحته استلامه .
وصل في فصل - الركوع بعد الطواف: [نظم: الخفيف]
بمقام الخليل ثم رجعتُ
طُفْتُ بالبيت سبعةً وركعتُ
لمقام الخليل ثم ركعتُ
الطوافي فطفتُ سبعاً وعدنا
يا حبيب القلوب حتى سمعت
لم أزل بين ذا وذاك أنادي
ها أنا ذا أجبتُ ثم أطعتُ
يا عُبَيْدي فقلت لبَّيْكَ ربي
إن بابَ القَبُول مني فتحتُ
فأمروا بالذي تشاؤون مني
أجمع العلماء على أنه من سنن الطواف ركعتان بعد انقضاء الطواف، وجمهورهم على
أنه يأتي بهما بعد انقضاء كل أسبوع إن طاف أكثر من أسبوع، وأجاز بعضهم أن لا يفرّق بين
الأسابيع ولا يفصل بينهما بركوع ثم يركع لكل أسبوع ركعتين، والذي أقول به أن الأولى أن
يصلي عند انقضاء كل أسبوع، فإن جمع أسابيع فلا ينصرف إلاَّ عن وتر، فإن النبيّ مَّ ما
انصرف من الطواف إلاَّ عن وتر، فإنه انصرف عن سبعة أشواط أو عن طواف واحد، فإن زاد
فينصرف عن ثلاثة أسابيع وهي أحد وعشرون شوطاً، ولا ينصرف عن أسبوعين فإنه شفع،
وبالأشواط أربعة عشر شوطاً وهي شفع، فجاء بخلاف السنّة في طوافه من كل وجه.
فاعلم أن الطواف قد روي أنه صلاة أبيح فيها الكلام وإن لم يكن فيه ركوع ولا سجود
كما سميت صلاة الجنائز صلاة شرعاً وما فيها ركوع ولا سجود، وأقل ما ينطلق عليه اسم
صلاة ركعة وهي الوتر، وإذا انضاف إلى الطواف ركعتان كانت وتراً مثل المغرب التي توتر
صلاة النهار، فأشبه الطواف مع الركعتين صلاة المغرب وهي فرض فأوتر الحق شفعية العبد،
ولا يقال في الرابع من الأربعة أنه قد شفع وترية العبد، فإن العبد ما له وترية في عينه فإنه
مركب وكل مركب فقير فيحتاج إلى وتر يستند إليه لا ينفرد بشفعية في نفسه، فلا يكون أبداً
إلاَّ وتراً ثلاثة أو خمسة أو سبعة إلى ما لا يتناهى من الأفراد، فإن كان رابعاً أو سادساً فهو
رابع ثلاثة لا رابع أربعة، وسادس خمسة لا سادس ستة، فهو واحد الأصل مضاف إلى وتر،
فما نسبته إلاَّ لعينه إذ هو عين كل وتر لأنه بظهوره أبقى اسم الوترية على من أضيف إليه،
فقيل: رابع ثلاثة لا رابع أربعة، ورابع الثلاثة لا يكون إلاَّ واحداً، فسواء ورد على وتر أو على
شفع الحكم فيه واحد، فإنك تقول فيه: خامس أربعة، كما تقول: رابع ثلاثة، فما زالت
الأحدية تصحبه في كل حال فهو مثل قوله: كان الله ولا شيء معه وهو الواحد وهو الآن على
ما عليه كان، فأقام (الآن) مقام الأعداد والأعداد منها أشفاع، ومنها أوتار، فإذا أضفت الحق

٤٧٦
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
إليها لم تجعله واحداً منها فتقول: ثالث اثنين ورابع ثلاثة إلى ما لا يتناهى، فتميز بذاته،
فالذي ثبت له من الحكم ولا عالم ثبت له والعالم كائن فتلك الأحدية المطلقة له في حال
وجود العالم وفي حال عدمه، فالطائف إن انفرد بالطواف كان وتراً وإن أضاف إليه الركعتين
كان وتراً من حيث إنه صلاة يقوم مقام الركعة الواحدة، ومن ثم طوافه أشبه الصلاة الرباعية
لوجود الثمان السجدات التي يتضمنها الأسبوع من السجود على الحجر عند تقبيله بالحسّ
وهي ثمان تقبيلات في كل أسبوع عند الشروع فيه وفي كل شوط عند انقضائه، فمن أقام
الطواف بهذا الاعتبار على الطريقين جوزي جزاء صلاة الفريضة الرباعية والثلاثية الجامعة
للفرض والوتر الذي هو سنة أو واجب، فالأولى أن لا يؤخر الركعتين عن أسبوعهما
وليصلهما عند انقضاء الأسبوع، فإن قرأ في الطواف كان كمن قرأ في الصلاة، ومن لم يقرأ
فيه كان كمن يرى أن الصلاة تجزىء بلا قراءة.
واعلم أن هاتين الركعتين عقيب الطواف إنما ولدها فيك الطواف، فإن الطواف قام لك
مقام الأفلاك التي هي السموات السبع لأنه شكل مستدير فلكيّ وكذلك الفلك، فلما أنشأت
سبعة أدوار في الطواف أنشأت سبعة أفلاك أوحى الله في كل سماء أمرها من حيث لا يشعر بذلك
إلاَّ عارف بالله، فإذا أطلعك الله على ما أودع في هذه الأشواط الفلكية كنت طائفاً ثم إنه جعل
حركات السموات التي هي الأفلاك مؤثرة في الأركان الأربعة لإيجاد ما يتولد منها، فأنت
الأركان الأربعة لأنك مركب من أربعة أخلاط ومجموعهما هو عين ذاتك الحسيّة التي هي
الجسم، فأنشأت فيك حركات هذه الأطواف السبعة الصلاة وهي المولدة من أركانك عنها
وكانت ركعتان، لأن النشأة المولدة مركبة من اثنين جسم ونفس ناطقة وهو الحيوان الناطق،
فالركعة الواحدة لحيوانيتك والثانية للنفس الناطقة، ولهذا جعل الله الصلاة نصفين: نصفاً له
ونصفاً للعبد، وجعل الله لكل حركة دورية من هذا الأسبوع في الصلاة أثراً ليعرف أنها متولدة
عنه، فظهر في الصلاة سبعة آثار جسمانية وسبعة آثار روحانية عن حركة كل شوط من أسبوع
الطواف أثر، فإنه شكل باق وفلك معنويّ لا يراه إلاَّ من يرى خلق الموجودات من الأعمال
أعياناً، فالآثار الموجودة السبعة الجسمانية في نشأة الصلاة القيام الأوّل والركوع، والقيام الثاني
وهو الرفع من الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين والسجود الثاني والجلوس للتشهّد.
والأذكار التي في هذه الحركات الجسمانية سبعة هي أرواحها، فقامت نشأة الصلاة
كاملة. ولما كان في النشأة الإنسانية أمر اختصّه الله وفضّله على سائر النشأة الإنسانية وجعله
إماماً فيها وهو القلب، كذلك جعل في نشأة الصلاة أمراً هو أرفع ما في الصلاة وهو الحركة
التي يقول فيها: سمع الله لمن حمده، فإن المصلي فيها نائب عن الله كالقلب نائب عن الله
في تدبير الجسد وهو أشرف هيئات الصلاة، فإنه قيام عن خضوع عظمت فيه ربك في
حضرة برزخية وهي أكمل النشآت لأنها بين سجود وقيام جامعة للطرفين والحقيقتين، فلها
حكم القائم وحكم الساجد فجمعت بين الحكمين، وأثرها في القراءة في الصلاة أيضاً
سباعيّ عن أثر كل شوط في الطواف وهي قراءة السبع المثاني أعني فاتحة الكتاب وسلطانها

٤٧٧
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٥] فإنها برزخية بين الله وبين عبده فهي
جامعة والسلطان جامع وما قبلها الله مخلص وما بعدها للعبد مخلص، وأعلى المقامات
إثبات إله ومألوه، ورب ومربوب، فهو كمال الحضرة الإلهية، فما تمدّح إلاَّ بنا، ولا شرفنا
إلاَّ به، فنحن به وله، وهي سبع آيات لا غير وهي القراءة الكافية في الصلاة، وكما أن
العبد هو الذي أنشأ في ذاته الأشواط السبعة المستديرة الشكل الفلكية، وفي ذاته أثرت
إيجاد الصلاة، وفي ذاته ظهرت الصلاة بكمالها، فلم يخرج عن ذاته شيء من ذلك كله،
كذلك الأمر في ظهور الحق في الأعيان اكتسب من استعداد كل عين ظهر فيها ما حكم على
الظاهر فيها والعين واحدة فقيل فيه طائف أعطاه هذا الاسم هذه الصورة التي أنشأها وهو
الطواف، وقيل فيه مصلّ أعطاه هذا الحكم صورة الصلاة التي أنشأها في ذاته عن طوافه
فهو هو وما ثم غيره: [مخلع البسيط]
وصفْتَهُ بالذي وصفْنَا
فلو رأيتَ الذي رأينا
بذا عرفناه إذا عرفنَـا
من أنه واحدٌ كثيرٌ
فالعين منه والنَّعْتُ منَّا
فنحنُ لا وهو ذو ظُهـورٍ
وقد ذكرنا في أوّل هذا الكتاب ما بقي في الحجر من البيت ولماذا أبقاه الله فيه، وبيّنا
الحكمة الإلهية في ذلك من رفع التحجير والتجلّ الإلهيّ في الباب المفتوح لمن أراد الدخول
إليه، وذلك هو بيت الله الصحيح، وما بقي منه بأيدي الحجبة بني شيبة وقع في باطنه التحجير
لأنه في ملك محدث وهو الموجود المقيد فلا بدّ أن يفعل ما تعطيه ذاته. والحديث النبويّ في
ذلك مشهور، والخلفاء والأمراء غفلوا عن مقتضى معنى قوله تعالى حين مسك
رسول الله ﴿ مفتاح البيت الذي أخذه من بني شيبة فأنزل الله تعالى؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ
اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [سورة النساء: الآية ٥٨] فتخيّل الناس أن الأمانة هي سدانة البيت ولم تكن
الأمانة إلاَّ مفتاح البيت الذي هو ملك لبني شيبة، فردّ إليهم مفتاحهم وأبقى وَّ عليهم ولاية
السدانة، ولو شاء جعل في تلك المرتبة غيرهم.
وللإمام أن يفعل ذلك إذا رأى في فعله المصلحة، لكن الخلفاء لم يريدوا أن يؤخروا
عن هذه الرتبة من قرّره رسول الله وَّ فيها فهم مثل سائر ولاة المناصب إن أقاموا فيه الحق
فلهم، وإن جاروا فعليهم، وللإمام النظر فبقي بيت الله عند العلماء بالله لا حكم لبني شيبة ولا
لغيرهم فيه وهو ما بقي منه في الحجر، فمن دخله دخل البيت، ومن صلَّى فيه صلَّى في
البيت، كذا قال ◌َّ لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ولا يحتاج العارفون لمنة بني شيبة،
فإن الله قد كفاهم بما أخرج لهم منه في الحجر، فجناب الله أوسع أن يكون عليه سدنة من
خلقه، ولا سيما من نفوس جبلت على الشحّ وحبّ الرياسة والتقدّم، ولقد وفق الله الحجاج
رحمه الله لردّ البيت على ما كان عليه في زمان رسول الله 843# والخلفاء الراشدين، فإن
عبد الله بن الزبير غيره وأدخله في البيت، فأبى الله إلاَّ ما هو الأمر عليه وجهلوا حكمة الله
فيه، يقول علي بن الجهم: [الوافر]

٤٧٨
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
وبابُ اللّه مبذولُ الفنَاءِ
وأبوابُ الملوك محجَّبَاتٌ
وصل في فصل ــ وقت جواز الطواف: فمن قائل: بإجازة الطواف بعد صلاة الصبح
والعصر، وبه أقول، وسبب ذلك أني رأيت رسول الله وّلر في النوم وقد استقبل الكعبة وهو
يقول: يا مالكي، أو قال: يا ساكني، الشك مني، هذا البيت لا تمنعوا أحداً طاف به وصلَّى في أيّ
وقت شاء من ليل أو نهار، فإن الله يخلق له من صلاته ملكاً يستغفر له إلى يوم القيامة، فمن ذلك
الوقت قلت بإجازة الطواف في هذين الوقتين، وكنت قبل هذه الرؤيا عندي في ذلك وقفة، فإن
حديث النسائيّ الذي يشبهه حديثنا رأيتهم قد توقفوا في الأخذ به، فلما رأيت هذه المبشرة ارتفع
عني الإشكال وثبت به عندي حديث النسائيّ وحديث أبي ذر الغفاريّ والحمد لله. ومن قائل :
بالمنع وقت الطلوع ووقت الغروب خاصة. ومن قائل: بالكراهة بعد العصر والصبح ومنعه عند
الطلوع والغروب. ومن قائل: بإباحته في الأوقات كلها وهو قولنا إلاَّ أني أكره الدخول في الصلاة
حال الطلوع وحال الغروب إلاَّ أن يكون قد أحرم بها قبل حال الطلوع والغروب.
تحرير ذلك: لا يخلو المصلي أن يكون قبلته موضع طلوع الشمس أو غروبها بحيث أن
يستقبلها فهنالك أكره له ذلك، وأما إذا لم يكن في قبلته فلا بأس، وأما عند الكعبة فالحكم له
يدور من حيث شاء لا يستقبل الشمس طالعة ولا غاربة، وقد فارق الكفار الذين يسجدون لها في
الصورة الظاهرة في استقبالها وهو مفارق لهم في الباطن بلا شك ولا ريب سياق الحديثين،
حديث النسائي: قال رسول الله وَّهِ: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ تَمْتَعُوا أَحَداً طَافَ بِهِذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى
فِي أَيِّ وَقْتِ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ)). وما خصّ حال طلوع ولا حال غروب، لأن العبد بشهود
البيت متمكن أن لا يقصد استقبال مغرب ولا مشرق وليس كذلك في الآفاق، وما أحسن
تحرّيه 18َّ في المصلّى إلى السترة أن لا يصمد إليها صمداً وليمل بها يميناً أو شمالاً قليلاً.
حديث أبي ذر: قال قال رسول الله وَّر: ((لاَ صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلاَ بَعْدَ
الصُّبْحِ حَتَى تَطْلَعَ الشَّمْسُ إِلاَّ بِمَكَّةَ إِلاَّ بِمَكَّة إِلاَّ بِمَكَّةَ)). وهذه الأحاديث تعضد رؤيانا.
واعلم أن الله متجلّ على الدوام لا تقيد تجليه الأوقات، والحجب إنما ترفع عن
أبصارنا، قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَكَ﴾ [سورة ق: الآية ٢٢] وقال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
وَلَكِن لَّا نُصِرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٨٥] يعني المحتضر، قال إبراهيم الخليل؛ ﴿لََّ أُحِبُّ
اَلْأَفِلِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٧٦] وهو يحب الله بلا شك، فالله ليس بآفل، فتجليه دائم وتدليه
لازم، والذي بين ذا وذا أنك اليوم نائم، فلا مانع لمن كان الحق مشهده، ولهذا لم يمنع في
تلك الحالة من ذكر الله والجلوس بين يديه لانتظار الصلاة والدعاء فيه، وإنما منع السجود
خاصة لكون الكفار يسجدون لها في ذلك الوقت، وهنا تنبيه على سرّ معقول وهو أنه من
المحال أن يكون أثر الكفر أقوى من أثر الإيمان عندنا وعندهم حتى يمنع من ظهوره، وحكمه
كما يظهر في هذا الأمر من كون سجود الكفار للشمس وهو كفر منع المؤمن من السجود لله،
والمانع إبداله القوّة .
واعلم أن الأمر في ذلك خفيّ أخفاه الله إلاَّ عن العارفين، فإن الله بهذا المنع أبقى على

٤٧٩
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الكفار بعض حق إلهيّ بذلك القدر، وقع المنع وظهرت القوّة في الحكم بمنع المؤمن من
السجود في ذلك الوقت لسجود الكفار للشمس وذلك أن الله يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوَاْ إِلَّ
إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] وكذلك فعلوا فإنهم ما عبدوا الشمس إلاَّ لتخيلهم أنها إله فما
سجدوا إلاَّ لله لا لعين الشمس بل لعين حكمهم فيها أنها الله. ولقد أضافني واحد من علمائهم
فأخذت معه في عبادتهم الشمس وسجودهم لها فقال لي: ما ثم إلاَّ الله وهذه الشمس أقرب
نسبة إلى الله لما جعل الله فيها من النور والمنافع، فنحن نعظمها لما عظمها الله بما جعل لها،
ثم نرجعٍ ونقول: فلما علم الحق أنهم ما عبدوا سواه وإن أخطؤوا في النسبة، والمؤمن لا
يعبد إلاّ الله فأشبه الكافر في إيمانه بالله، فكان الأمر مثل الشرع الإلهيّ ينسخ بعضه بعضاً، فما
أثر الكفر هنا في الإيمان ولا كان أقوى منه، بل لما كان الأمر كما ذكرنا فيما كان في الكافر
من اعتقاده الإله كان ذا حق، ومن نسبة الألوهة للشمس كان كافراً فراعى الحق المعنى الذي
قصدوه، فمن هنالك ثبت لهم التخصيص بالسجود دون المؤمنين، والنسخ لسجود المؤمنين
في ذلك الوقت لله فهو أثر إيمان في إيمان لا أثر كفر في إيمان.
وصل في فصل - الطواف بغير طهارة: فمن قائل: لا يجوز طواف بغير طهارة لا عمداً
ولا سهواً. ومن قائل: يجزىء ويستحب له الإعادة وعليه دم لأنهم أجمعوا على أن الطهارة
من سنّة الطواف. ومن قائل: إذا طاف على غير وضوء أجزأه طوافه إن كان لا يعلم ولا يجزئه
إن كان يعلم، وبعضهم يشترط طهارة الثوب للطائف كاشتراطه للمصلي، والذي أقول به أنه
يجوز الطواف بغير وضوء للرجل والمرأة إلاَّ أن تكون حائضاً فإنها لا تطوف وإن طافت لا
يجزئها وهي عاصية لورود النص في ذلك، وما ورد شرع بالطهارة للطواف إلاَّ ما ورد في
الحائض خاصة، وما كل عبادة تشترط فيها هذه الطهارة الظاهرة .
اعلم أنه ما في الوجود حال ليس فيه لله وجه يحفظ عليه وجوده من كل قائم بنفسه
بذلك الوجه الإلهيّ طهارته، فما في الوجود بحكم الحقيقة إلاَّ طاهر، فإن الاسم القدّوس
يصحب الموجودات وبه يثبت قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [سورة هود:
الآية ١٢٣] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: الآية ١٢٣] من تفريقكم بين الله وبين عباده.
ولا ينبغي أن يحال بين العبد وبين سيده، ولا يدخل بين العبد والسيد إلاّ بخير.
لقيت بعض السياح على ساحل البحر بين مرسى لقيط والمنارة فقال لي: إني لقيت بهذا
الموضع شخصاً من الأبدال مصادفة وهو ماش على موج البحر فسلمت عليه فرد عليّ السلام
وكان في البلاد ظلم عظيم وجور فقلت له: يا هذا أما ترى إلى ما في البلاد من الجور؟ فنظر
إليّ مغضباً وقال لي: ما لك وعباد الله لا تقل إلاَّ خيراً. ولهذا شرع الله الشفاعة وقبل العذر.
ولا شك أن النجاسة أمر عرضيّ عيّنه حكم شرعيّ، والطهارة أمر ذاتيّ، فإن ظهر حكم
العرض في وقت ما كمانع الحيض من الطواف فمرجع الأمر إلى ما تقتضيه الذات من الطهارة
أيكذب المؤمن؟ قال: لا أنباء صحيح فإن الكاذب لا يكون صادقاً فيما هو فيه كاذب فافهم،

٤٨٠
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
والحيض كذب النفس بالاتفاق والطواف حالة إيمان، فالحائض لا تطوف كما نقول في إمامة
الفاسق إنها لا تجوز إمامته في حال فسقه بلا خلاف فإنه من كان فاسقاً في حال فسقه ثم توضأ
شرعاً وأحرم بالصلاة إماماً فهو في طاعة الله، ولا يجوز لنا أن نطلق عليه في تلك الحال فاسقاً
فما صلينا خلف إمام فاسق، وكذا فعل عبد الله بن عمر الذي يحتجون به في الصلاة خلف
الفاسق وأخطؤوا فإن الحجاج ليس بفاسق في حال أدائه ما أوجب الله عليه من طاعته في
الصلاة، وهذه مسألة أغفلها الفقهاء ويخبطون فيها وما حصلوا على طائل، وقد بيّنا أنه ما
تخلص قط من مؤمن معصية لا تشوبها طاعة أصلاً، والطاعة قد تخلص فلا تشوبها معصية،
فما من معصية إلاَّ والإيمان يصحبها من المؤمن أنها معصية يحرم عليه فعلها، والإيمان
بكونها معصية طاعة لله، فالحجاج أو غيره في حال فسقه مؤمن مطيع بإيمانه، فضعفت
معصيته أن تقاوم طاعته وفي حال صلاته أو طاعته في فعل ما من أفعاله فليس بفاسق بل هو
مطيع، فرجح من طمس الله على قلبه الفسق على الإيمان والطاعة مع ضعف الفسوق عن
الطاعة بما شابها من الإيمان بكون ذلك الفعل فسوقاً فقالوا: لا تجوز إمامة الفاسق بغير
المعنى الذي ذكرناه، فلو قاله الرسول وَله أو الله تعالى لكان الوجه فيه ما قلناه، فغاية درجة
الفاسق في حال فسقه المسلم أن يكون ممّن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وفي حال طاعته
فليس بفاسق، وأعجب ما في هذه المسألة أنا مأمورون بحسن الظنّ بالناس منهيون عن سوء
الظنّ بعبادي، وقد رأينا من علمنا أنه فسق قد توضأ وصلَّى فلماذا نطبق عليه اسم الفسوق في
حال عبادته؟ وأين حسن الظن من سوء الظن به والمستقبل فلا علم لنا به فيه والماضي لا
ندري ما فعل الله فيه، والحكم لوقت الطاعة التي هو عليها متلبس بها، فحسن الظن أولى
بالعبد إذا كان ولا بدّ من الفضول.
ولقد أخبرني من أثق به في دينه عن رجل فقيه إمام متكلم مسرف على نفسه قال لي:
دخلت عليه في مجلس يدار فيه الخمر وهو يشرب مع الجماعة ففرغ النبيذ فقيل له: نفذ إلى
فلان يجيء إلينا بنبيذ، فقال: لا أفعل فإني ما أصررت على معصية قط، وإن لي بين الكأسين
توبة ولا أنتظره، فإذا حصل في يدي أنظر هل يوفقني ربي فأتركه أو يخذلني فأشربه، فهكذا
هم العلماء رحمه الله، مات هذا العالم وفي قلبه حسرة من كونه لم يلقني، واجتمعت به وما
عرفني، وسألني عني وكان بالأشواق إليّ رحمه الله، وذلك بمرسية سنة خمس وتسعين
وخمسمائة، ولقد أشهدني الحق في سرّي في واقعة وقال لي: بلغ عبادي ما عاينته من كرمي
بالمؤمن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها، والسيئة لا يقاوم فعلها
الإيمان بها أنها سيئة، فما لعبادي يقنطون من رحمتي ورحمتي وسعت كل شيء وأنا عند ظنّ
عبدي بي فليظنّ بي خيراً.
وصل في فصل - أعداد الطواف وهي ثلاثة: القدوم والإفاضة والوداع: طواف
القدوم يقابل طواف الوداع، فهو كالاسم الأوّل والآخر ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلٍ
ءَدَمٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٩] وانتهت دورة الملك وطواف الإفاضة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَتَغِيَانِ