Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
للخاطر الشيطاني فيه محل، وعلى هذا الشكل قلوب الأنبياء مثلثة الشكل على شكل الكعبة .
ولما أراد الله ما أراد من إظهار الركن الرابع جعله للخاطر الشيطانيّ وهو الركن العراقيّ، فيبقى
الركن الشامي للخاطر النفسيّ، وإنما جعلنا الخاطر الشيطانيّ للركن العراقيّ لأن الشارع شرع
أن يقال عنده: أعوذ بالله من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وبالذكر المشروع في كل ركن
تعرف مراتب الأركان، وعلى هذا الشكل المربع قلوب المؤمنين، وما عدا الرسل والأنبياء
المعصومين ليميز الله رسله وأنبياءه من سائر المؤمنين بالعصمة التي أعطاهم وألبسهم إياها،
فليس لنبيّ إلاَّ ثلاثة خواطر: إلهيّ وملكيّ ونفسيّ، وقد يكون ذلك لبعض الأولياء الذين لهم
جزء وافر من النبوّة كسليمان الدنبلي لقيته وهو ممّن له هذا الحال فأخبرني عن نفسه أن له
بضعاً وخمسين سنة ما خطر له خاطر قبيح، ولأكثر الأولياء هذه الخواطر وزادوا بالخاطر
الشيطانيّ العراقي، فمنهم من ظهر عليه حكمه في الظاهر وهم عامة الخلق، ومنهم من يخطر
له ولا يؤثر في ظاهره وهم المحفوظون من أوليائه.
ولما اعتبر الله الشكل الأول الذي للبيت جعل له الحجر على صورته وسمّاه حجراً لما
حجر عليه أن ينال تلك المرتبة أحد من غير الأنبياء والمرسلين حكمة منه سبحانه، فللأولياء
الحفظ الإلهيّ ولهم العصمة، أخبرني بعض الأولياء من أهل الله وهو عبد الله ابن الأستاذ
الموروري أن الشيخ عبد الرزاق أو غيره الشك مني بل غيره بلا شك فإني تذكرته رأی إبليس
فقال له: كيف حالك مع الشيخ أبي مدين عبد صالحٍ إمام في التوحيد والتوكل كان ببجاية؟
فقال إبليس : ما شبهت نفسي فما نلقي إليه في قلبه إلاّ كشخص بال في البحر المحيط، فقيل
له: لِمَ تبول فيه؟ قال: حتى أنجسه فلا تقع به الطهارة، فهل رأيتم أجهل من هذا الشخص؟
كذلك أنا وقلب أبي مدين كلما ألقيت فيه أمراً قلب عينه فأخبر أنه يلقى في قلوب الأولياء وهو
الذي ذكرناه وليس له على الأنبياء سبيل.
وارتفاع البيت سبعة وعشرون ذراعاً وذراع التحجير الأعلى فهو ثمانية وعشرون ذراعاً
كل ذراع مقدار لأمر ما إلهي يعرفه أهل الكشف فهي هذه المقادير نظير منازل القلب التي
تقطعها كواكب الإيمان السيارة لإظهار حوادث تجري في النفس المضاهي لمنازل القمر
والكواكب السيارة لإظهار الحوادث في العالم العنصري سواء حرفاً حرفاً ومعنى معنى.
واعلم أن الله تعالى قد أودع في الكعبة كنزاً أراد رسول الله وَ القر أن يخرجه فينفقه ثم بدا
له في ذلك لمصلحة رآها. ثم أراد عمر بعده أن يخرجه فامتنع اقتداء برسول الله وَل فهو فيه
إلى الآن. وأمّا أنا فسيق لي منه لوح من ذهب جيء به إليّ وأنا بتونس سنة ثمان وتسعين
وخمسمائة فيه شق غلظه أصبع عرضه شبر وطوله شبر أو أزيد مكتوب فيه بقلم لا أعرفه،
وذلك لسبب طرأ بيني وبين الله فسألت الله أن يردّه إلى موضعه أدباً مع رسول الله وَطير، ولو
أخرجته إلى الناس لثارت فتنة عمياء فتركته أيضاً لهذه المصلحة فإنه وَ لّ ما تركه سدى وإنما
تركه ليخرجه القائم بأمر الله في آخر الزمان الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً
وظلماً. وقد ورد خبر رويناه فيما ذكرناه من إخراجه على يد هذا الخليفة وما أذكر الآن عمّن

٤٢٢
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
رويته ولا الجزء الذي رأيته فيه، كذلك جعل الله في قلب العارف كنز العلم بالله فشهد الله بما
شهد به الحق لنفسه من أنه لا إله إلاّ الله، ونفى هذه المرتبة عن كل ما سواه فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ
أَنَّهُ لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ ءَالْمَلَتَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] فجعلها كنزاً في قلوب العلماء
بالله، ولما كانت كنزاً لذلك لا تدخل الميزان يوم القيامة وما يظهر لها عين إلا إن كان في
الكثيب الأبيض يوم الزور ويظهر جسمها وهو النطق بها عناية لصاحب السجلات لا غير،
فذلك الواحد يوضع له في ميزانه التلفظ بها إذ لم يكن له خير غيرها، فما يزن ظاهرها شيء
فأين أنت من روحها ومعناها؟ فهي كنز مدخر أبداً دنيا وآخرة، وكل ما ظهر فى الأكوان
والأعيان من الخير فهو من أحكامها وحقها .
ثم إن الله جعل هذا البيت الذي هو محل ذكر اسم الله على أربعة أركان، كذلك جعل
الله القلب على أربع طبائع تحمله وعليها قامت نشأته، كقيام البيت اليوم على أربعة أركان،
كقيام العرش على أربعة حملة اليوم، كذا ورد في الخبر أنهم اليوم أربعة وغداً يكونون ثمانية،
فإن الآخرة فيها حكم الدنيا والآخرة فلذلك تكون غداً ثمانية، فيظهر في الآخرة حكم سلطان
الأربعة الأخر، وكذلك يكون القلب في الآخرة تحمله ثمانية الأربعة التي ذكرناها والأربعة
الغيبية وهي: العلم والقدرة والإرادة والكلام ليس غير ذلك. فإن قلت: فهي موجودة اليوم
فلماذا جعلتها في الآخرة؟ قلنا: وكذلك الثمانية من الحملة موجودون اليوم في أعيانهم لكن
لا حكم لهم في الحمل الخاص إلاَّ غداً، كذلك هذه الصفات التي ذكرناها لا حكم ينفذ لهم
في الدنيا دائماً، وإنما حكمهم في الآخرة للسعداء، وحكم الأربعة الذين هم طبائع هذا البيت
ظاهرة الحكم في الأجسام. فإن قلت: فما معنى قولك حكمهم؟ قلت: فإن العلم لا يشاهد
العالم معلومه إلاَّ في الآخرة، والقدرة لا ينفذ حكمها إلاَّ في الآخرة، فلا يعجز السعيد عن
تكوين شيء وإرادته غير قاصرة، فما يهمّ بشيء يريد حضوره إلاَّ حضر وكلامه نافذ، فما
يقول لشيء كن إلاَّ ويكون، فالعلم له عين في الآخرة، وليس هذا حكم هذه الصفات في
النشأة الدنيا مطلقة فاعلم ذلك فالإنسان في الآخرة نافذ الاقتدار، فالله بيته قلب عبده المؤمن،
والبيت بيت اسمه تعالى، والعرش مستوى الرحمن فـ ﴿أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَّ وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١١٠] ﴿إِنَُّ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى، الآية: ٧] كما
أنه ﴿يَعْلَمُ السِّرَ وَأَخْفَى﴾ [سورة طه: الآية ٧] وأصفى. وهو قوله: ﴿ وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [سورة
الإسراء: الآية ١١٠] فإنه أخفى من السرّ أي أظهر، فإن الوسط الحائل بين الطرفين المعين
للطرفين والمميز لهما هو أخفى منهما كالخط الفاصل بين الظل والشمس والبرزخ بين
البحرين الأجاج والفرات، والفاصل بين السواد والبياض في الجسم نعلم أن ثم فاصلاً ولكن
لا تدركه العين ويشهد له العقل وإن كان لا يعقل ما هو أي لا يعقل ماهيته، فبين القلب
والعرش في المنزلة بين الاسم الله والاسم الرحمن وإن كان أياً ما تدعوا ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
[سورة الإسراء: الآية: ١١٠] ولكن ما أنكر أحد الله وأنكر الرحمن فقالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [سورة
الفرقان: الآية ٦٠] فكان مشهداً لألوهة أعمّ لإقرار الجميع بها فإنها تتضمن البلاء والعافية وهما

٤٢٣
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
موجودان في الكون فما أنكرهما أحد، ومشهد الرحمانية لا يعرفه إلاَّ المرحومون بالإيمان،
وما أنكره إلاَّ المحرومون من حيث لا يشعرون أنهم محرومون، لأن الرحمانية لا تتضمن
سوى العافية والخير المحض، فالله معروف بالحال، والرحمن منكور بالحال فقيل لهم:
٠
مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فعرفه أهل البلاء تقليداً لتعريف الله من وراء حجاب البلاء فافهم
فقد نبهتك لأمور إن سلكت عليها جلت لك في العلم الإلهيّ ما لا يقدر قدره إلاّ الله، فإن
العارف بقدر ما ذكرناه من العلم بالله الذوقيّ اليوم عزيز.
ولما كان الحج لهذا البيت تكرار القصد في زمان مخصوص كذلك القلب تقصده
الأسماء الإلهية في حال مخصوص، إذ كل اسم له حال خاص يطلبه، فمهما ظهر ذلك الحال
من العبد طلب الاسم الذي يخصّه فيقصده ذلك الاسم فلهذا تحجّ الأسماء الإلهية بيت القلب
وقد تحج إليه من حيث أن القلب وسع الحق والأسماء تطلب مسماها فلا بدّ لها أن تقصد
مسماها فتقصد البيت الذي ذكر أنه وسعه السعة التي يعلمها سبحانه، وإنما تقصده لكونها
كانت متوجهة نحو الأحوال التي تطلبها من الأكوان، فإذا أنفذت حكمها في ذلك الكون
المعين رجعت قاصدة تطلب مسماها فتطلب قلب المؤمن وتقصده، فلما تكرر ذلك القصد
منها سمّي ذلك القصد المكرر رجحاً، كما يتكرّر القصد من الناس، والجنّ والملائكة للكعبة
في كل سنة للحجب الواجب والنفل، وفي غير زمان الحج وحاله يسمّى زيارة لا حجاً وهو
العمرة والعمرة الزيارة وتسمّى حجاً أصغر لما فيها من الإحرام والطواف والسعي وأخذ الشعر
أو منه والإحلال ولم تعم جميع المناسك فسميت حجاً أصغر بالنظر إلى الحج الأكبر الذي
يعم استيفاء جميع المناسك، ولهذا يجزىء القارن بينهما طواف واحد وسعي واحد لمسمّى
الحج لها، وهكذا فعل رسول الله وَّ في قرانه في حجة وداعه التي قال فيها: ((خُذُوا عَنِّي
مَتَاسِكَكُمْ)). وهكذا الحكم في الآخرة في الزور العام هو بمنزلة الحج في الدنيا، وحج العمرة
هو بمنزلة الزور الذي يخصّ كل إنسان، فعلى قدر اعتماره تكون زيارته لربه، والزور الأعمّ
في زمان خاص للزمان الخاص الذي للحج، والزور الأخص الذي هو العمر لا يختص بزمان
دون زمان فحكمها أنفذ في الزمان من الحج الأكبر، وحكم الحج الأكبر أنفذ في استيفاء
المناسك من الحج الأصغر، ليكون كل واحد منهما فاضلاً مفضولاً لينفرد الحق بالكمال الذي
لا يقبل المفاضلة، وما سوى الله ليس كذلك حتى الأسماء الإلهية وهم الأعلون يقبلون
المفاضلة، وقد بينا ذلك في غير موضع، وكذلك المقامات والأحوال والموجودات كلها،
فالزيارة الخاصة التي هي العمرة مطلقة الزمان على قدر مخصوص، وسأذكر إن شاء الله ما
يختص بهذا الباب من الأفعال الظاهرة المشروعة في العموم والخصوص على ألسنة علماء
الرسوم بالظواهر والنصوص، وما يختص أيضاً بها من الاعتبارات في أحوال الباطن بلسان
التقريب والاختصار والإشارة والإيماء كما عملنا فيما تقدم من العبادات، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل، ولو شاء لهداكم أجمعين ولكن الله فعال لما يريد.
وصل في فصل - وجوب الحج: لا خلاف في وجوبه بين علماء الإسلام، قال تعالى:

٤٢٤
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] فوجب على كل
مستطيع من الناس صغير وكبير ذكر وأنثى حرّ وعبد مسلم وغير مسلم ولا يقع بالفعل إلاّ
بشروط له معينة، فإن الإيمان والإسلام واجب على كل إنسان، والأحكام كلها الواجبة واجبة
على كل إنسان، ولكن يتوقف قبول فعلها أو فعلها من الإنسان على وجود الإسلام منه، فلا
يقبل تلبسه بشيء منها إلاَّ بشرط وجود الإسلام عنده، فإن لم يؤمن أخذ بالواجبين جميعاً يوم
القيامة وجوب الشرط المصحّح لقبول هذه العبادات، ووجوب المشروط التي هي هذه
العبادات، وقرىء بكسر الحاء وهو الاسم وبفتحها وهو المصدر، فمن فتح وجب عليه أن
يقصد البيت ليفعل ما أمره الله به أن يفعله عند الوصول إليه في المناسك التي عين الله له أن
يفعلها، ومن قرأ بالكسر وأراد الاسم فمعناه أن يراعي قصد البيت فيقصد ما يقصده البيت
وبينهما بون بعيد، فإن العبد بفتح الحاء يقصد البيت، وبكسرها يقصد قصد البيت فيقوم في
الكسر مقام البيت، ويقوم في الفتح مقام خادم البيت، فيكون حال العبد في حجه بحسب ما
يقيمه فيه الحق من الشهود، والله المرشد والهادي لا رب غيره.
ولما كان قصد البيت قصداً حالياً لأنه يطلب بصورته الساكن فلله على الناس أن يجعلوا
قلوبهم كالبيت تطلب بحالها أن يكون الحق ساكنها كما قال: اطلبوني في قلوب العارفين بي،
فهذا معنى الكسر فيه وهو الاستعداد بالصفة التي ذكر الله أن القلب يصلح له تعالى بها، ومن
فتح فوجب عليه أن يطلب قلبه ليرى فيه آثار ربه فيعمل بحسب ما يرى فيه من الآثار الإلهية،
وهذا حال غير ذلك، فبالكسر يقصد الله، وبالفتح يقصد القلب لما ذكرناه.
وصل في فصل - شروط صحة الحج: لا خلاف أن من شرط صحته الإسلام، إذ لا
يصحّ ممّن ليس بمسلم . الإسلام الانقياد إلى ما دعاك الحق إليه ظاهراً وباطناً على الصفة التي
دعاك أن تكون عليها عند الإجابة، فإن جئت بغير تلك الصفة التي قال لك تجيء بها فما
أجبت دعاء الاسم الإلهيّ الذي دعاك ولا انقدت إليه، وهنا علم دقيق وهل الدعوة كانت من
الله على المجموع وهو عينك وعين الصفة؟ أو المقصود من هذا الدعاء عين الصفة وأنت
بحكم التبع لكون هذا الوصف الخاص لا يقوم بنفسه فما تكون أنت المطلوب، ولا بدّ لك
من اسم يكون لك من تلك الصفة يناديك به، أو تكون أنت المدعوّ من حيث عينك، والصفة
تبع ما هي المقصود في الدعاء لأنها لم يذكر لها عين في هذا الدعاء الخاص. فمن راعى من
العارفين العين لا عين الصفة لكونه تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٩٧] وما
قال على المسلمين ولا ذكر صفة زائدة على أعيانهم فأوجبها على الأعيان وجوباً إلهياً، فإذا
أتى بهذا الدعاء صاحب الاسم الذي هو الناس قيل فيه أنه قد أجاب إجابة ذاتية فيكون جزاء
إجابته تجلي من دعاه ذاتاً بذات.
ومن اعتبر أنه ما دعاه من حيث ما هو ذات، وإنما دعاه من حيث ما هو متكلم، فما
أجاب هذا المدعوّ إلاَّ عين الصفة لا عين الذات، قيل له: وكذلك المجيب المدعوّ ما أجاب
منه إلاَّ عين صفته، فإن ذات المدعوّ من صفات من دعاه، وهذه الصفة يعبر عنها بذات

٤٢٥
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
المدعوّ لأن المدعوّ مجموع صفات ذاتية له بمجموعها يكون إنساناً وهو كونه حيواناً ناطقاً،
وليس عين هذا المجموع سوى عين ذاته، ولهذا وقع الدعاء من الداعي بالاسم الجامع وهو
الله، فإن قيل: لا يصحّ أن يكون حقيقة هذا الاسم الجامع وإنما يأتي والداعي به اسم خاص
يخصّصه حال المدعوّ ويعين الاسم الخاص به كالجائع يقول: يا الله أطعمني، فالله الذي دعا
يعم المعطي والمانع فتتعذر الإجابة إذا قصد الداعي ما يدل عليه هذا الاسم، وما قصد الداعي
إلاّ المطعم المعطي الرزاق ما قصد المانع، فإن أطعمه الله فما أجابه إلاَّ المطعم كذلك قوله :
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ ليس المقصود بهذا الاسم عين ما يدل عليه، فإن من مدلولاته
أسماء إلهية تمنع من إجابة المكلف وأسماء تعطي إجابة المكلف، فما دعاه من هذا الاسم إلاّ
الاسم الذي يطلب إجابة المكلف المدعوّ، ولهذا يعصي من لم يجب الدعاء بقرائن الأحوال،
ولو كان من حيث الاسم الله ما عصى ولا أطاع وتقابلت الأمور، فلهذا لا يتصوّر أن يدعو
أحد الله من حيث حقيقة هذا الاسم، ولا يدعو هذا الاسم الله أحداً من حيث حقيقته، وإنما
يدعو ويدعى منه من حيث اسم خاص يتضمنه يعرف بالحال .
فاعلم أن الذات من الجانبين لا يصحّ أن تكون مطلوبة لأنها موجودة، وإنما متعلق
الطلب المعدوم ليوجد فما يدعى إلاَّ المعدوم لأن الدعاء طلب والطلب عين الإرادة والإرادة
لا تتعلق إلاَّ بالمعدوم. قلنا: وكذلك وقع فإنه ما ظهر من هذا المدعوّ إلاَّ الإجابة وكانت
معدومة مع كون ذات المدعوّ لما يدعى إليه موجودة، فظهرت الإجابة من المدعوّ بعد أن لم
تكن لأن الإجابة لا تكون إلاّ بعد دعاء داع، وهذا المدعوّ المعدوم الثابت لا يصحّ وجود من
ذات المدعوّ، وإنما يصحّ في ذات المدعوّ إذا كان المدعوّ من العالم فيفتقر إلى أن يقول له
الداعي: كن فحينئذ يكون المدعوّ إجابة لأمره في ذات هذا المتوجه عليه الخطاب، فما إجابته
ذات المدعوّ فيما يطهر وإنما وقعت الإجابة من الصفة التي ظهرت فيه، فيخيل أن الذات التي
ظهرت فيها ذات هذا المدعوّ هو المخاطب بالتكوين وليس كذلك، وهكذا هو الوجود الإلهي
والكوني في نفس الأمر، وإن كان الظاهر يعطي غير هذا فما في الكون إلاَّ مسلم لغة لأنه ما
ثم إلاَّ منقاد للأمر الإلهي لأنه ما ثم من قيل له كن فأبى بل يكون من غير تثبط ولا يصحّ إلاَّ
ذلك، فإذا وقع الحج ممّنٍ وقع من الناس ما وقع إلاَّ من مسلم قال رسول الله مس لحكيم بن
حزام: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ))، ولم يكن مشروعاً من جانب اللّه له ذلك في حال
الجاهلية وقبل بعثة الرسول فاعتبره له الله سبحانه لحكم الانقياد الأصليّ الذي تعطيه حقيقة
الممكن وهو الإسلام العام.
فمن اعتبر المجموع وجد، ومن اعتبر عين الصفة وجد، ومن اعتبر الذات وجد،
ولكل واحد شرب معلوم من علم خاص، فإنه يدخل فيه هذا الإسلام الخاص المعروف في
العرف الحاكم في الظاهر والباطن معاً، فإن حكم في الظاهر لا في الباطن كالمنافق الذي
أسلم للتقية حتى يعصم ظاهره في الدنيا فهذا ما فعل ما فعل من الأمور الخيرية التي دعي إليها
لخيريتها فما له أجر، والذي فعلها وهو مشرك لخيريتها نفعته بالخير المنوي، فلا بدّ أن ينقاد

٤٢٦
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الباطن والظاهر وبالمجموع تحصل الفائدة مكملة لأن الداعي دعاه بالاسم الجامع والمدعو
دعي من الاسم الجامع لصفة جامعة وهو الحج، والحج لا يكون إلاّ بتكرار القصد فهو جمع
في المعنى، فما في الكون إلاّ مسلم فوجب الحج على كل مسلم، فلهذا لم يتصوّر فيه خلاف
بين علماء الرسوم وعلماء الحقائق وعالم الحقائق أتم من عالم الرسم في هذه المسألة
وأمثالها، فإن حج الطفل الرضيع صحّ حجه ولا تلفظ له بالإسلام ولا يعرف نية الحج، ولو
مات عندنا قبل البلوغ كتب الله له تلك الحجة عن فريضته، ولنا في ذلك خبر نبويّ في الصبي
قبلِ البلوغ والعبد، فللصبي الرضيع الإسلامِ العام الذي يثبته المحقق وقد اعتبره الشرع (رَفَعَتِ
امْرَأَةٌ صَبِيّاً لَهَا صَغِيراً فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجّ؟ قَالَ لَهَا: نَعَمْ وَلكِ أَجْرٌ)). فنسب الحج
لمن لا قصد له فيه، فلو لم يكن لذلك الرضيع قصد بوجه ما عرفه الشارع صاحب الكشف ما
صحّ أن ينسب الحج إليه وكان ذلك كذباً، كانت امرأة ترضع صغيراً لها فمرّ رجل ذو شارة
حسنة وخول وحشمة فقالت المرأة: اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الرضيع الثدي ونظر إليه
وقال: اللهم لا تجعلني مثله. ومرت عليها امرأة وهي تضرب والناس يقولون فيها: زنت
وسرقت فقالت المرأة: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك الصغير الثدي ونظر إليها وقال:
اللهم اجعلني مثلها. قال رسول الله وَّه في ذلك الرجل كان جباراً متكبراً. وقال في المرأة:
كانت بريئة ممّا نسب إليها. واتفق لي مع بنت كانت لي ترضع يكون عمرها دون السنة فقلت
لها: يا بنية فأصغت إليّ ما تقول في رجل جامع امرأته فلم ينزل ما يجب عليه فقالت: يجب
عليه الغسل، فغشي على جدّتها من نطقها هذا شهدته بنفسي، وكذلك زكاة الفطر على
الرضيع والجنين .
وصل في فصل - حج الطفل: فمن قائل: بجوازه ومن مانع، والمجوّز له صاحب الحق
في هذه المسألة شرعاً وحقيقة، فإن الشرع أثبت له الحج وليس العجب، إلاّ أن الحج يثبت
بالنيابة، فهو بالمباشرة في حق الطفل أثبت على كل حال، وسيأتي ذكر النيابة في هذا العملِ
فيما بعد إن شاء الله وأين الإسلام في حق الصبي الصغير الرضيع فهل هو عند أهل الظاهر إلاّ
بحكم التبع، وأمّا عندنا فهو بالأصالة والتبع معاً، فهو ثابت في الصغير بطريقين وفي الكبير
بطريق واحد وهو الأصالة لا التبع، فالإيمان أثبت في حق الرضيع فإنه ولد على فطرة الإيمان
وهو إقراره بالربوبية الله تعالى على خلقه حين الأخذ من الظهر الذرية والإشهاد، قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِّرْ ذُرِيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَنْ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ١٧٢] فلو لم يعقلوا ما خوطبوا ولا أجابوا، يقول ذو النون المصريّ: كأنه الآن في
أذني وما نقل إلينا أنه طرأ أمر أخرج الذرية عن هذا الإقرار وصحته .
ثم إنه لما ولد ولد على تلك الفطرة الأولى فهو مؤمن بالأصالة، ثم حكم له بإيمان أبيه
في أمور ظاهرة فقال: ﴿وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالََّعَنْهُمْ ذُرِّيَُّهُم بِمَنٍ﴾ يعني إيمان الفطرة ﴿ أَلْحَقْنَا ◌ِهِمْ
ذُرِيَّنَهُمْ﴾ فورثوهم وصلّي عليهم إن ماتوا وأقيمت فيهم أحكام الإسلام كلها مع كونهم على
حال لا يعقلون جملة واحدة، ثم قال: ﴿وَمَآ أَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [سورة الطور: ٢١] يعني

٤٢٧
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
أولئك الصغار ما أنقصناهم شيئاً من أعمالهم وأضاف العمل إليهم يعني قولهم: بلى فبقي لهم
على غاية التمام ما نقصهم منه شيئاً لأنهم لم يطرأ عليهم حال يخرجهم في فعل ما من أفعالهم
عن ذلك الإقرار الأوّل كما طرأ للكبير العاقل فنقص من عمله ذلك بقدر ما طرأ عليه فأنقصه
الله على قدر ما نقص، فالرضيع أتمّ إيماناً من الكبير بلا شك، فحجّه أتم من حج الكبير، فإنه
حجّ بالفطرة، وباشر الأفعال بنفسه مع كونه مفعولاً به فيها كما هو الأمر عليه في نفسه فإن
الأفعال كلها لله، فمن كل وجه صحّ له الحج حقيقة وشرعاً، والطفل مباشر بلا شك وغير
عاقل العقل المعتبر في الكبير بلا شك، وغير متلفظ بالإسلام ولا معتقد له ولا عالم به بلا
شك ونريد الاعتقاد، والعلم المعروف عند أهل الرسوم في العرف كل ذلك غير موجود في
الصبي الرضيع وقد باشر العمل وهو معمول به وأضاف الحج إليه الشارع، والصبي مستطيع
في هذه الحالة بالاستعداد الذي هو عليه أن يكون معمولاً به أعمال الحج كلها فهو محل
للعمل لأنه وقف به في عرفة فوقف كما يقف الراكب بدابته وينسب الوقوف إليه ويطوف على
راحلته ويسعى بين الصفا والمروة، والراحلة هي التي تسعى وتطوف وتقف، وينسب ذلك
كله إليه بحكم المباشرة وأنه باشر أفعال الحج بنفسه، فكذلك الصغير الرضيع يطاف به
ويسعى فهو مباشر أفعال الحج، ويوقف به مستطيع بالوجه الذي ذكرناه من الاستعداد لقبول
ما يفعل به كما استعدّ الكبير الراكب لقبول ما تفعل به راحلته من سكون وحركة، وينسب
العمل إليه لا إلى الراحلة جرياً على حكم الأصل الإلهي حيث تنسب الأفعال إلى العبادة
والأفعال أعني خلقها الله تعالى على الحقيقة وهم محال ظهورها.
وصل في فصل - الاستطاعة: فمن قائل: الزاد والراحلة. ومن قائل: من استطاع
المشي فلا تشترط الراحلة، وكذلك الزاد ليس من شرطه إذا كان يمكنه الاكتساب في القافلة
ولو بالسؤال هذا في المباشرة، فالراحلة عين هذا الجسم لأنه مركب الروح الذي هو اللطيفة
الإنسانية المنفوخة فيه فيما يصدر منه بوساطة هذا الجسم من أعمال صلاة وصدقة وحجّ
وإماطة وتلفظ بذكر، كل ذلك أعمال موصلة إلى الله عزّ وجلّ، والسعادة الأبدية والجسم هو
المباشر لها والروح بوساطته، فلا بدّ من الراحلة أن تشترط في هذا العمل الخاص بهذه
الصورة .
وأما الزاد فمن اعتبر فيه الزيادة وهو السبب الذي بوجوده يكون التغذي الذي تكون عنه
القوّة التي بها تحصل هذه الأفعال فبأيّ شيء حصلت تلك القوّة سواء بذاتها أو عند هذا الزائد
المسمّى زاداً لأن الله زاده في الحجاب، ولهذا تعلقت به النفس في تحصيل القوّة وسكنت عند
وجوده واطمأنت وانحجبت عن الله به وهي مسرورة بوجود هذا الحجاب لما حصل لها من
السكون به إذا كانت الحركة متعبة ظاهراً وباطناً، وإذا فقد الزاد تشوّش باطنه واضطرب طبعاً
ونفساً وتقلق عند فقد هذا السبب المسمّى زاداً وزال عنه ذلك السكون والطمأنينة، فكل ما
يؤدّيه إلى السكون فهو زاد وهو حجاب أثبته الحق بالفعل وقرّره الشرع بالحكم فيقوي
أساسه، فلهذا كان أثر الأسباب أقوى من التجرّد عنها، لأن التجرد عنها خلاف الحكمة

٤٢٨
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
والاعتماد عليها خلاف العلم، فينبغي للإنسان أن يكون مثبتاً لها فاعلاً بها غير معتمد عليها
وذلك هو القويّ من الرجال، ولكن لا يكون له مقام هذه القوّة من الاعتماد أن تؤثر فيه
الأسباب إلاَّ بعد حصول الابتلاء بالتجريد عن الأسباب المعتادة وطرحها من ظاهره والاشتغال
بها، فإذا حصلت له هذه القوّة الأولى حينئذ ينتقل إلى القوّة الأخرى التي لا يؤثر فيها عمل
الأسباب، وأما قبل ذلك فغير مسلم للعبد القول به وهذا هو علم الذوق وحاله، والعالم الذي
يجد الاضطراب وعدم السكون فليس ذلك العلم هو المطلوب والمتكلم عليه فإنه غير معتبر،
بل إذا أمعنت النظر في تحقيقه وجدته ليس بعلم ولا اعتقاد، فلهذا لا أثر له ولا حكم في هذه
القوّة المطلوبة التي حصلت عن علم الذوق والحال وهذا هو مرض النفس، وأما وجود
الإحساس بالآلام الحسيّة من جوع وتعب فذلك لا يقدح فإنه أمر يقتضيه الطبع ليس للنفس فيه
تعمل وليس بألم نفسيّ.
وصل - في الاستطاعة بالنيابة مع العجز عن المباشرة: فمن قائل: بلزوم النيابة. ومنهم
من قال: لا يلزم مع العجز عن المباشرة، وقد ثبت شرعاً عندنا الأمر بالحج عمّن لا يستطيع
لوليه أو بالإجارة عليه من ماله إن كان ذا مال، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله .
فاعلم أن النيابة صحيحة، فإن الله قال على لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فناب
منابه في ذلك القول وقال: فأجره حتى يسمع كلام الله، فناب الرسول وَط# مناب الحق لو
باشر الكلام منه بلا واسطة. وقال في النيابة: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [سورة ص:
الآية ٢٦] وقال في العموم: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٧]
والاستخلاف نيابة، فإن المال لله والتصرّف لك فيه على حدّ من استخلفك فيه، فهذا كله نيابة
العبد عن الله في الأمور. وأما نيابة الحق عن العبد فقوله تعالي لبني إسرائيل: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن
دُونِى وَكِيلًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢] وقال آمراً: ﴿لَا إِلَهَ إلَّا هُوَّ فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية
٩]. وقال رَّه يخاطب ربه: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ». والوكالة
نيابة عن الموكل فيما وكله فيه أن يقوم مقامه فأثبت لك الشيء وسألك أن تستنيبه فيه بحكم
الوكالة، فمن كل وجه النيابة مشروعة، وهل تصح من جهة الحقيقة أم لا؟ فمنا من يقول:
إنها تصحّ من جهة الحقيقة، فإن الأموال ما خلقت إلاَّ لنا إذ لا حاجة لله إليها فهي لنا حقيقة .
ثم وكلنا الحق تعالى أن يتصرّف لنا فيها لعلمنا أنه أعلم بالمصلحة فتصرّف على وجه
الحكمة التي تقتضي أن تعود على الموكل منه منفعة فأتلف ماله هذا الوكيل الحق تعالى بغرق
أو حرق أو خسف أو ما شاء تجارة له ليكسبه بذلك في الدار الآخرة أكثر ممّا قيل أنه في ظاهر
الأمر إتلاف وما هو إتلاف بل هي تجارة بيع بنسيئة يسمّى مثل هذا تجارة رزء لكن ربحها
عظيم، وهذا علم يعرفه الوكيل لا الموكل، وهو يحفظ عليه ماله لمصلحة أخرى يقتضيها
علمه فيها، ومنّا من وكّل الله فاستخلفه الوكيل في التصرّف على حدّ ما يرسمه الوكيل لعلم
الوكيل بالمصلحة فصار الموكل وكيلاً عن وكيله، وهو الذي لا يتعدّى الأمر المشروع في
تصرّفه، فهو وإن كان المال له فالتصرّف فيه بحكم وكيله وهذا نظر غريب، ومنّا من قال: لا

٤٢٩
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
تصحّ من جهة الحقيقة فإن الله ما خلق الأشياء والأموال من الأشياء إلاَّ له تعالى لتسبيحه،
ووقعت المنفعة لنا بحكم التبعية ولهذا قال: ﴿ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِحْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية
٤٤] فإذا خلق الأشياء من أجله لا من أجلنا فما لنا شيء نوكله فيه لكن نحن وكلاؤه في
الأشياء، فحدّ لنا حدوداً فنتصرّف فيها على ما حدّ لنا، فإن زدنا على ما رسم لنا أو نقصنا
عاقبنا، فلو كانت الأموال لنا لكان تصرّفنا فيها مطلقاً، وما وقع الأمر هكذا بل حجر علينا
التصرّف فيها، فما هي وكالة مفوّضة بل مقيدة بوجوه مخصوصة من رب المال الذي هو الحق
الموكل، وعلى كل وجه فالنيابة حاصلة إما منه تعالى وإما منا، وقد ثبتت في أي طرف كان.
انتهى الجزء الثاني والستون .
(الجزء الثالث والستون)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
وصل في فصل - صفة النائب في الحج: اختلف علماء الرسوم، سواء كان المحجوج
عنه حياً أو ميتاً هل من شرطه أن يكون قد حجّ عن نفسه أم لا؟ فمن قائل: ليس من شرطه أن
يكون قد حجّ عن نفسه وإن كان قد حجّ عن نفسه فهو أفضل. ومن قائل: أن من شرطه أن
يكون قد قضى فريضته وبه أقول.
اعلم أنه من رأى أن الإيثار يصحّ في هذا الطريق قال: لا يشترط فيه أن يكون قد حجّ
عن نفسه وألحق ذلك بالفتوة حيث نفع غيره وسعى في حقّه قبل سعيه في حق نفسه فله ذلك،
ولا سيما إن رأى أن مثل هذا الفعل هو في حق نفسه لما لها في الإيثار من الأجر فما آثر إلاَّ
نفسه. ومن رأى أن حق نفسه أوجب عليه من حق غيره وعامل نفسه معاملة الأجنبيّ وأنها
الجار الأحق فهو بمنزلة من قال: لا يحجّ عن غيره حتى يكون قد حجّ عن نفسه وهو الأولى
في الاتباع وهو المرجوع إليه لأنه الحقيقة، وذلك أنه إن سعى أوّلاً في حق نفسه فهو الأولى
بلا خلاف، وإن سعى في حق غيره فإن سعيه فيه إنما هو في حق نفسه فإنه الذي يجني ثمرة
ذلك بالثناء عليه والثواب فيه، فلنفسه سعى في الحالتين ولكن يسمى بسعيه في حق غيره
مؤثراً لتركه فيما يظهر حق نفسه لحق غيره الواجب على ذلك الغير لا عليه، فإنه في هذا أدّى
ما لا يجب عليه، وجزاء الواجب أعلى من جزاء غير الواجب لاستيفاء عين العبودية في
الواجب، وفي الآخر رفعة وامتنان حالي على المتفتي عليه فهو قائم في حق الغير بصفة إلهية
لأن لها الامتنان وهو في قيام حق نفسه من طريق الوجوب تقيمه صفة عبودية محضة، وهو
المطلوب الصحيح من العبد الذي يضيف الفعل المذموم والمكروه في الطبع والعادة والعرف
إلى نفسه إيثاراً منه لجناب ربه حتى لا ينسب إليه ما جرى عليه لسان ذم كالذنب، ولسان
كراهة الطبع كالمرض وسائر العيوب غيرة على ذلك الجناب الإلهيّ وفداء له بنفسه، وكذلك
لو وقى عرض أخيه بعرضه كالمؤمن مع المؤمن ووقى ضرراً كبيراً من نبيّ ورسول بنفسه كان
أعلى ممّن لم يفعل ذلك وآثر نفسه وهذا يرجع إلى قدر من آثرته على نفسك، فمن راعى

٤٣٠
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الإيثار والفتوّة عمم، ومن راعى من آثرته قسم الأمر إلى ما ذكرناه فهو بحسب ما يقام فيه
ويخطر له، هذا كله ما لم يقع فيه إجارة، فإن وقعت النيابة بإجارة فلها حكم آخر.
وصل - في الرجل يؤاجر نفسه في الحج: فكرهه قوم مع الجواز ومنعه قوم. العمل
يقتضي الأجرة لذاته وهي العوض في مقابلة ما أعطى من نفسه وما بقي إلاَّ ممّن تؤخذ، فمنا
من قال: لا يأخذه من الله تعالى لأنه المستخدم لنا في ذلك العمل فالأجرة عليه ما من نبيّ ولا
رسول إلاَّ قد قال إذا قيل له قل فأمرٍ فقال: ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ﴾ [سورة الشعراء: الآية ١٠٩]
يعني في التبليغ ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة هود: الآية ٢٩] فما خرجوا عن الأجرة والتبليغ عن
الله من أفضل القرب إلى الله، وأن الله استخدمه في التبليغ مع كونه عبداً فتعينت عليه الأجرة
سبحانه بتعيينه عوضاً ممّا أعطاه من نفسه فيما استخدمه فيه وترك مباحه الذي هو له وتخيره،
ومن رأى أن العوض إنما يستحقه من وقعت له المنفعة في ذلك التبليغ طلب الأجرة من
المتعلم لأن المنفعة هو حصلها، فالعوض يطلب منه فموضع الإجماع ثبوت الإجارة لأن
المانع لا يمنعها، وإنما يمنعها الخلق من جانب الحق غيرة أن يعبد لأمر لا لعينه لما في ذلك
من عدم تعظيم الجناب الإلهيّ، وهذا موجود كثير مثل النهي أن يفرد يوم الجمعة بصيام
لعينه، وكذلك قيام ليلتها، وكذلك من يستحسن فعل عبادة بموضع يستحسنه، وليس هذا من
شأن القوم فإنهم قد أدركوا حرمان ذلك ذوقاً وخسرانه.
مرّ رجل من القوم مع جماعة ممّن سخر لهم الهواء وهم يسيرون فيه فالتفت واحد منهم
في طريقه فنظر إلى الأرض وإذا هم قد جازوا بقعة خضراء فيها عين خرارة فاستحسن ذلك طبعاً
فخطر له لو ركع فيها ركعتين فسقط من بين الجماعة وما رجع بعد ذلك إلى تلك الحالة لأنه ما
طلب العبادة لما يستحقه الحق، وإنما كان الباعث لذلك الطلب الطبع في ذلك المكان لحسنه
طبعاً فعوقب، فمن رأى هذا قال: لا أجرة إلاَّ من الله إذ العمل بذاته يطلب الأجرة ولا بدّ.
وصل في فصل - حج العبد: فمن قائل: بوجوبه عليه. ومن قائل: لا يجب عليه حتى
يعتق وبالأوّل أقول، وإن منعه سيده مع القدرة على تركه لذلك كان السيد عندنا من الذين
يصدّون عن سبيل الله، كان أحمد بن حنبل في حال سجنه أيام المحنة إذا سمع النداء للجمعة
توضأ وخرج إلى باب السجن فإذا منعه السجان وردّه قام له العذر بالمانع من أداء ما وجب
عليه وهكذا العبد فإنه من جملة الناس المذكورين في الآية .
اعلم أن من استرقه الكون فلا يخلو إما إن استرقه بحكم مشروع كالسعي في حق الغير
والسعي في شكر من أنعم عليه من المخلوقين نعمة استرقه بها، فهذا عبد لا يجب عليه
الحق، فإنه في أداء واجب حق مشروع يطلبه به ذلك الزمان وهو عند الله عبد لغير الله عن أمر
الله لأداء حق الله، وإن كان استرقه غرض نفسي وهوى كياني ليس للحق المشروع فيه رائحة
وجب عليه إجابة الحق فيما دعاه الله من الحجب إليه في ذلك الفعل، فإذا نظر إلى وجه الحق
في ذلك الغرض كان ذلك عتقه فوجب الحج عليه، وإن غاب عنه ذلك لغفلة لم يجب عليه
وكان عاصياً لمعرفته بأن الله خاطبه بالحج مطلقاً، وإن كان مشهده في ذلك الوقت أنه مظهر

٤٣١
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
والمخاطب بالحج الظاهر فيه وليس عينه لم يوجب الحج عليه، وهذا هو العبد المخلص لله،
وهذه عبودة لا عتق فيها، ألا ترى أن الشارع قد قال في الصبي يحج والعبد يحج قبل أن يعتق
ثم يموت قبل العتق ويموت الصبي قبل البلوغ إن ذلك الحج يكتب له عن فريضته، وذلك
لأنه خرج بالموت عن رق الغير فعتق بالموت، وحينئذ كتب له ذلك الحج بأداء واجب، وإن
كان فعله في غير زمان الوجوب على من يقول بذلك.
وصل في فضل - هذه العبادة هل هي على الفور أو على التراخي والتوسعة: فمن قائل:
على الفور. ومن قائل: على التراخي، وبالفور أقول عند الاستطاعة. الأسماء الإلهية على
قسمين في الحكم في العالم من الأسماء من يتمادى حكمه ما شاء الله ويطول، فإذا نسبته من
أوّله إلى آخره قلت بالتوسّع والتراخي كالواجب الموسع بالزمان فكل واجب توقعه في الزمان
الموسع فهو زمانه سواء أوقعته في أوّل الزمان أو في آخره أو فيما بينهما فإن الكل زمانه
وأدّيت واجباً، فاستصحاب حكم الاسم الإلهي على المحكوم عليه موسع كالعلم في
استصحابه للمعلومات وكالمشيئة، وهكذا المكلف إن شاء فعل في أوّل وإن شاء فعل في
آخر، ولا يقال هنا: وإن شاء لم يفعل لأن حقيقة فعل أثر وحقيقة لم يفعل استصحاب الأصل
فلا أثر فلم يكن للمشيئة هنا حكم عياني. ومن الأسماء من لا يتمادى حكمه كالموجد فهو
بمنزلة من هو على الفور، فإذا وقع لم يبق له حكم فيه فإنه تعالى إذا أراد شيئاً أن يقول له كن
على الفور من غير تراخ، فإن الموجد ناظر إلى تعلق الإرادة بالكون، فإذا رأى حكمها قد
تعلق بالتعيين أوجد على الفور مثل الاستطاعة إذا حصلت تعين الحج.
وصل في فصل - وجوب الحج على المرأة وهل من شرط وجوبه أن يسافر معها زوج أو
ذو محرم أم لا؟: فقيل: ليس من شرط الوجوب ذلك. وقيل: من شرطه وجود المحرم
ومطاوعته النفس تريد الحج إلى الله وهو النظر في معرفة الله من طريق الشهود، فهل يدخل
المريد إلى ذلك بنفسه أو لا يدخل إلى ذلك إلاَّ بمرشد؟ والمرشد أحد شخصين: إمّا عقل وافر
وهو بمنزلة الزوج للمرأة، وإمّا علم بالشرع وهو ذو المحرم، فالجواب لا يخلو هذا الطالب أن
يكون مراداً مجذوباً أو لا يكون، فإن كان مجذوباً فالعناية الإلهية تصحبه فلا يحتاج إلى مرشد
من جنسه وهو نادر، وإن لم يكن مجذوباً فإنه لا بدّ من الدخول على يد موقف إمّا عقل أو
شرع. فإن كان طالباً المعرفة الأولى فلا بدّ من العقل بالوجوب الشرعي، وإن طلب المعرفة
الثانية فلا بدّ من الشرع يأخذ بيده في ذلك، فبالمعرفة الأولى يثبت الشرع عنده، وبالمعرفة الثانية
يثبت الحق عنده ويزيل عنه من أحكام المعرفة الأولى العقلية نصفها ويثبت له نصفها .
فالعقل مع الشرع في هذه المسألة كملك ولى في ملكه نائباً وأيّده وقوّاه واحتجب
الملك عن رعاياه وتحكم النائب واستفحل فلما قوي واستحكم وانصبت إليه قلوب الرعايا
وأحبته وملكها بإحسانه تقوّى على الملك وعزله وخلعه على غير علم من الرعايا فقال له
الملك: إذ خلعتني فلا تظهر للرعية أنك خلعتني فتنسب إلى قلة المروءة حيث وليتك على
علم منهم فجازيتني بالإساءة، فربما يتطرق إليك الذم فلا تفعل، وإني قد عهدت إلى الرعية

٤٣٢
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
عندما وليتك واستنبتك أن يسمعوا لك ويطيعوا، وجعلت لك النظر فيهم بما تراه وقلت لهم:
إن جميع ما يراه هذا النائب فاعملوا به سواء خالف نظري ورأيي أو وافقه، فإن قد علمت أنه
ما يأمركم إلاَّ بما فيه صلاحكم، فقد مشيت لك مرادك في الملك فإنك تحتاج إليّ في
أوقات، فإنهم لولا أني آمرهم من حيث لا تشعر ما أطاعوك وردوا أمرك، فليس لك مصلحة
في إظهار خلعي وعزلي، فإنهم إن صحّ عندهم عزلي لم يقبلوا منك وعزلوك ولم يسمعوا لك
ولا أطاعوا، فهذا مثل العقل الذي أعطى المعرفة الأولى وهو الملك، والشرع مثله مثل
النائب، وما خاطب الشارع إلاَّ ليسمع، ولا يسمع منه إلاَّ ذو عقل، فبالعقل الذي ولاه به
يسمع المكلف خطابه لأنه إذا زال العقل سقط التكليف، ولم يبق للشرع عليه سلطان ولا
حجة، فأولو الألباب والنهى هم المخاطبون، وهذا هو عين إمداد الملك للرعايا الذي أوصاه
بحفظه عليهم فافهم. فهذه المعرفة الثانية بالله الذي أعطاها النائب في العامّة والملك الذي هو
العقل لا يعرفها، ولكن أمر بقبولها حتى لا ينسب إلى التقصير ولا يتحدّث عنه أنه عزل، ولذلك
تأوّل من العقلاء من تأوّل ما جاءت به الشريعة ممّا يخالف نظر العقل وسلمه آخرون فلم يقولوا
فيه بشيء فإنهم قالوا: قد تقرّر عندنا من الملك لما ولآه أن نسمع له ونطيع على كل حال فلا
نسفه رأي العقل في توليته الشرع واستنابته، وهكذا وقعت صورة الحال لمن نظر واستبصر،
فهذا اعتبار المرأة في السفر إلى الحج وما فيه من الخلاف الذي تقدّم في وجوب ذي المحرم أو
سقوطه .
وصل في فصل - وجوب العمرة: فمن قائل: بوجوبها. ومن قائل: إنها سنّة. ومن
قائل: إنها تطوّع .
العمرة: الزيارة للحق بعد معرفته بالأمور المشروعة، فإذا أراد أن يناجيه فلا يتمكن له
ذلك إلاَّ بأن يزوره في بيته وهو كل موضع تصحّ فيه الصلاة فيميل إليه بالصلاة فيناجيه لأن
الزيارة الميل ومنه الزور، وزار فلان القوم إذا مال إليهم، وكذلك إذا أراد أن يزوره بخلعته
تلبس بالصوم وتجمل به ليدخل به عليه، وإذا أراد أن يزوره بعبوديته تلبس بالحج فالزيارة لا
بدّ منها، والعمرة واجبة في أداء الفرائض، سنّة في الرغائب، تطوّع في النوافل، غير المنطوق
بها في الشرع، فأيّ جانب حكم عليك ممّا ذكرناه حكمت على العمرة به من وجوب أو سنّة
أو تطوّع فافهم.
وصل في فصل - في المواقيت المكانية للإحرام: وهي أربعة بالاتفاق وخمسة
باختلاف: ذو الحليفة، والجحفة، وقرن، ويلملم، وذات عرق. وهو المختلف فيه أعني
ذات عرق هل وقته رسول الله وَلو أو عمر بن الخطاب؟ وقيل: العقيق وجعلوه أحوط من
ذات عرق فكان سادساً بخلاف، فأشبه عدد المواقيت أعداد الصلوات، فمن جعلها أربعة
اعتبر أن المغرب وتر صلاة النهار فكأنه جيء بها لغيرها لا لنفسها كما في صلوات الفرض،
ومن اعتبر الفرضية في الجميع قال خمسة، ومن اعتبر قوله عليه السلام: ((إِنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلاةَ
إِلَى صَلاَئِكُمْ)) قال: بوجوب الوتر لأن كل فرض واجب فاجتمع الوتر مع الخمس الصلوات

٤٣٣
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
المفروضة بالقطع في الوجوب لا في الفرضية فارتفع عن درجة التطوّع، وممّا يقوّي وجوبه
تشبيهه بصلاة المغرب فقال في الوتر: إنه لصلاة الليل فيقوى لشبهه بالفرض في المغرب
حيث جعل وتر الصلاة النهار وضعف المغرب عن باقي الصلوات المفروضة، لكون الوتر
الذي ليس بفرض بالاتفاق شبه به، فعين ما يقوى به الوتر هو الذي أضعف المغرب، والصلاة
نور والحج عبودية فارتبطا، فإن الله قسم الصلاة بينه وبين العبد، والمواقيت إمكانية،
ومواقيت الفرائض الجماعة في المساجد.
وصل في فصل - حكم هذه المواقيت: فمن مرّ عليها وهو يريد الحج والعمرة وتعداها
ولم يحرم منها فإن عليه دماً، وقال قوم: لا دم عليه. والذين قالوا بالدم فيهم من قال: إن
رجع إلى الميقات وأحرم سقط عنه الدم. ومنهم من قال: لا يسقط وإن رجع. وقال قوم: إن
لم يرجع إلى الميقات فسد حجّه إذا تعين الدم، فلا يسقط عمّن تعين عليه لما تعين ذبح ولد
إبراهيم الخليل على إبراهيم لم يسقط عنه الدم أصلاً، ففداه الله بذبح عظيم وهو الكبش حيث
جعل بدل إفساد بنية نبيّ مكرّم فحصل الدم لأنه وجب، وبعد أن وجب فلا يرتفع فصارت
صورة ولد إبراهيم صورة كبش كسوق الجنة يدخل في أيّ صورة شاء فذبحت صورة الكبش،
وليس ولد إبراهيم صورة الإنسان، وهذا سبب العقيقة التي كل إنسان مرهون بعقيقته.
حكاية شهدناها: قيل لبعض شيوخنا عن بنت من بنات الملوك ممّن كان الناس ينتفعون
بها وكان لها اعتقاد في هذا الشيخ فوجهت إليه ليدخل عليها فدخل عليها والملك الذي هو
زوجها عندها فقام إليه السلطان إجلالاً، ثم نظر إليها الشيخ وهي في النزع فقال الشيخ:
أدركوها قبل أن تقضي، قال له الملك: بماذا قال بديتها اشتروها فجيء إليه بديتها كاملة،
فتوقف النزع والكرب الذي كانت فيه وفتحت عينيها وسلمت على الشيخ فقال لها الشيخ: لا
بأس عليك ولكن ثم دقيقة بعد أن حلّ الموت لا يمكن أن يرجع خائباً بلا بدّ له من أثر ونحن
قد أخذناك من يده وهو يطالبنا بحقّه فلا ينصرف إلاَّ بروح مقبوضة، وأنت إذا عشت انتفع بك
الناس وأنت عظيمة القدر فلا نفديك إلاَّ بعظيم ما عندي من هذا الموت ولي بنت هي أحب
البنات إليّ أنا أفديك بها، ثم ردّ وجهه إلى ملك الموت وقال له: لا بدّ من روح ترجع بها
إلى ربك هذه بنتي تعلم محبتي فيها خذ روحها بدلاً من هذه الروح فإني قد اشتريتها من الحق
وباعني إياها وابنتي جعلك وحق لمجيئك، ثم قام وخرج إلى ابنته وقال لابنته وما بها بأس :
يا بنية هبيني نفسك فإنك لا تقومين للناس مقام زينب بنت أمير المؤمنين في المنفعة، فقالت:
يا أبت أنا بحكمك قد وهبتك نفسي، فقال للموت: خذها فماتت من وقتها. فهذه عين مسألة
الخليل وولده صلَّى الله عليهما .
فهذه الموازنات الإلهية لا يعرفها إلاَّ أهلها، وعندنا أن الجعل لا بدّ منه ولا نلتزم أخذ
روح ولا بدّ فإنا قد رأينا مثل هذا من نفوسنا فاشتريناه وما أعطينا فيه روحاً، وإنما فعل ذلك
الشيخ لحال طرأ عليه في نفسه أوجب عليه ما فعله من إعطاء ابنته لأن مشهده في ذلك الوقت
كانت قصة إبراهيم عليه السلام، فحكم عليه حال إبراهيم عليه السلام، فإن فهمت ما قلناه
الفتوحات المكية ج٢ - م٢٨

٤٣٤
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
سعدت. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةُ
يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْخُلُونَ وَيُقْنَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [سورة التوبة: الآية ١١١] يعني الجنة، فلو
لم يشتر أموالهم حتى حال بينهم وبينها لكان لهم ما يصلون به إلى المنعة ببقاء الحياة لبقاء
الفداء الحاصل بالمال، فلما أفلسهم أعدمهم، فكان مشهد الشيخ من هذه الآية: ﴿فَيَقْنُلُونَ
وَيُقْنَلُونٌ﴾ وكان مشهدنا نحن في هذه المسألة عين الشراء لا غير وهو الحيّ فمن كان عنده
حيي ولا بدّ فأعطينا العوض الذي اشترينا به حياته فبقي حياً وما ظهر للموت أثر في ذلك
المشهد .
فهذه آثار الأحوال على قدر الشهود وهي علوم الأذواق فهي عزيزة المنال، فما كل
عارف يعرفها وهي موازين لا تخطىء فإنها بالوضع الإلهيّ نزلت ليوم القيامة بخلاف نزولها
في الدنيا فإنها نزلت تعريفاً، وعند أهل الشهود في الدنيا كالأنبياء، وفي يوم القيامة نزلت
حقيقة بيد حق فلذلك ما جار نبيّ في حكم وفرضت له العصمة في أحكامه، وكذلك الولي
محفوظ في ميزانه، وإن كانت العامّة تنسبه إلى الجور فليس جوراً في نفس الأمر، وإنما هو
جور بالنظر إلى موازينهم حيث لم يوافقها، وكل حق فإنه ثم ميزان عموم كميزان الإجماع،
وميزان خصوص مثل هذا الميزان، وميزان المجتهد في الحكم، ولكن بقي أي ميزان أفضل
في الخصوص هل هو ميزان المجتهد أو ميزان صاحب الكشف؟
كما اختلفوا في إحرام الرجل من الميقات أو من منزله الخارج عن الميقات، فمن
قائل: إن الإحرام من منزله الخارج عن الميقات أفضل. ومن قائل: إن الإحرام من الميقات
أفضل ولكن على من يجيز الإحرام قبل الميقات، فمن راعى الاتباع فضل الميقات، ومن
راعى المسارعة إلى التلبس بالعبادات مخافة الفوت فضل الإحرام من المنزل الذي خارج
الميقات، لكن المجمع عليه الميقات وهو تقييد، والأفضل التقييد في الدين، فإن المباح
الذي هو المطلق لا أجر فيه ولا وزر، والعبادات تكليف والتكليف تقييد، وجزاء تقييد
الواجب أوجبه من أوجبه أعلى من الجزاء في الغير المقيد لأنه قد ورد أن الله يقول: ((مَا تَقَرَّبَ
أَحَدٌ بِأَحَبَّ إِلَّ مِنْ تَقَرَّبِهِ بِمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ)) فجعله حب إليه من غير ذلك، وهنا أسرار إلهية
لا تتجلى إلاَّ لأهل الفهم عن الله أهل الستر والكتم جعلنا الله منهم وأرجو أن أكون.
وصل في فصل - حكم من مرّ على ميقات وأمامه ميقات آخر وهو يريد الحج أو
العمرة: اختلف الناس فيمن يريد الحج أو العمرة فيمر على ميقات وأمامه ميقات آخر فلم
يحرم في الأول وتعدّى إلى الآخر كالمار بذي الحليفة فلم يحرم وتعدى إلى الجحفة فإنها
في طريقه، فقال قوم: عليه دم. وقال قوم: ليس عليه شيء. فمن راعى المسارعة إلى
التلبس بالعبادة أعني بهذه العبادة الخاصة ورأى أن المسارعة إلى الخيرات سنّة مؤكدة
قال: إن عليه دماً في تعديها. ومن رأى أن الأصل في الدين رفع الحرج وقول الله
تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٥] فإرادة موافقة الحق فيما أراده
أولى، وكل عبادة فأخر وقال لا دم عليه، فالعارف إذا كان مشهده الاسم الأول المقيد

٤٣٥
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
بالآخر لا الأول المطلق الذي لا يتقيد بالآخر رأى أن التلبس بالعبادة في الآخر الذي لا
يجوز تعديه ولا فسحة فيه أولى، فإنه فيه صاحب فرض من كل وجه لا يسعه تركه، ومن
رأى أن التلبس بهذه العبادة بحكم الاسم الأول أولى لكونه لا علم له بإتمامها فلا يدري
هل يموت قبل أن يتلقاه الاسم الآخر، فإن لم يحرم فارق موطن التكليف وهو لم يتلبس
بعبادة الله اقتضاها له الموطن فحرم تجليها الإلهي فهو بحسب ما أشهده الحق، وما خرج
في هذا كله عن حكم اسم إلهي من الأسماء على شهود منه .
فإن قيل: كيف يتعداه غير متلبس بهذه العبادة والميقات يقضي عليه بسلطانه وهو الاسم
الأول. قلنا: لا حكم للأسماء في الأشياء إلاَّ باستعدادات الأشياء للقبول وقبولها بحسب
الحال التي تكون عليها في نفسها من ذاتها فإن الأسباب الخارجة الموجبة لأمر ما تضعف عن
مقاومة الأسباب الداخلة التي في المكلف فربما يكون حال هذا المتعدي حال الختم فيطلبه
بالتأخير فيعرف ذلك الاسم الأول فيضعف موطن ميقاته عن التأثير فيه لأنه ليس عين مشهده،
فيتعدى إلى الميقات الثانى لأنّ له الاسم الآخر، ولا شك أن الآخر في الطريق يتضمن حكمه
ما تقدمه مضافاً إلى خصوصيته بخلاف الأول، فالأول يدرج في الثاني وليس الثاني مدرجاً في
الأول.
ومن أصول القوم أن العارف لو جلس مع الله كذا وكذا سنة وفاتته لحظة من الله في وقته
كان الذي فاته في تلك اللحظة أكثر ممّا ناله قبل ذلك، وسببه أن كل لحظة إلهية متأخرة
تتضمن ما تقدمها من اللحظات وفيها خصوصيتها التي بها تميزت، وبتلك الخصوصية صحت
لها الكثرة على ما تقدمها، فلهذا لم ير بالتعدي بأساً محمد وَلّر آخر المرسلين، فحصل جميع
مقامات الرسل وزاد بخصوصيته بلا شك لأنه آخر النبيين، وفي هذا إشارة لمن فهم.
فإن قيل: إذا تلبس بالعبادة أولاً ومرّ على الآخر وهو متلبس فقد حصل له ما في الآخر
بمروره متلبساً بها. قلنا: هكذا هو إلاّ أنه لم يحصل له في الثاني الحكم الخاص بالثاني الذي
هو الإنشاء منه وهو أوليته، فيفوته أولية الإنشاء منه لهذه العبادة بالاسم الآخر فلهذا تعدى
إليه، قال السائل: كذلك أيضاً يفوته أولية الأول في الإنشاء. قلنا: إن كل أولية مضافة تحكم
عليها حقيقة الأولية التي لا تضاف وهي المعتبرة فما فاته ما يتحسر عليه، إذ حقيقتها موجودة
في أولية الآخر، والآخر لا وجود له في الأول، ومن نظر في الأسماء بهذه العين علم كيف
يقبل تصريفها فيه ويعين لها من ذاته ما يليق بها على شهود منه وبينة وعلم صحيح، وبهذا
يتميز لأنه في نفس الأمر كذا هو ما يتلقاه منه إلا ما يليق به، ولكن لا علم لكل أحد بذلك،
وبهذا تتفاوت الناس ويرفع الله درجات بعضهم على بعض ويعلم أيضاً كيف يصرفها في غيره
إذا مكنته من نفسها أو مكنه منها حاله، لأنه ليس في الحقيقة أن يقوم بك العلم ولا تكون
عالماً، فهذا هو التمكن الحاليّ الذي تقتضيه ذاته ولا يصحّ غيره، لأن المعاني توجب
أحكامها لمن قامت به، ولولا ذلك ما صحّ وجود العالم عن الحق. ألا ترى أن المحال لما
لم يكن في استعداده قبول ما يقبله الممكن من الوجود لم يكن له وجود ولا يصحّ كالشريك

٤٣٦
في المعارف/ الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
الله تعالى في ألوهيته. ولما كان الممكن في استعداده الذاتيّ قبول الإيجاد وجد فلا تغب عن
حقائق الأمور فإنها تتداخل في حكم الناظر فيها لا في نفسها، ومن غاب عن الحقائق هوى
في مهاوي الجهالات ويفوته درجة العلم الذي أمر الله نبيه بطلب الزيادة منه فلا شيء أشرف
من العلم، ولم يأمر بطلب زيادة في غيره من الصفات لأنه الصفة العامة التي لها الإحاطة بكل
صفة وموصوف .
وصل في فصل - الآفاقيّ يمرّ على الميقات يريد مكة ولا يريد الحج ولا العمرة:
اختلف العلماء فيمن ليس من أهل مكة يريد مكة ولا يريد حجاً ولا عمرة ومرّ على ميقات من
المواقيت هل يلزمه الإحرام أم لا؟ إذا لم يكن ممّن يكثر التردّد إلى مكة. فقال قوم: يلزمه
الإحرام. وقال قوم: لا يلزمه الإحرام وبه أقول.
رجال الله على نوعين: رجال يرون أنهم مسيّرون، ورجال يرون أنهم يسيرون. فمن
رأى أنه مسيّر لزمه الإحرام على كل حال فإنه مسيّر على كل حال. ومن رأى أنه يسير لا غير
فهو بحكم ما بعثه على السير، فإن كان بعثه باعث يقتضي الإحرام أحرم فإنه كمن أراد الحج
أو العمرة أو هما معاً. وإن كان باعثه غير ذلك فهو بحسب باعثه كما قاله ◌َله لمن أراد الحج
والعمرة. وقال وَ﴿ في الصحيح أيضاً: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنئَاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَىُ)).
فليس له أن يحرم وهو لم ينو حجاً ولا عمرة، وما عندنا شرع يوجب عليه أن ينوي الحج أو
العمرة ولا بدّ. ثم فسّر رسول الله وَ﴿ لنا ما أراد وما حجر ولا ذم فقال: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا
فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)» .
وصل في فصل - ميقات الزمان: يقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [سورة البقرة:
الآية ١٩٧] فمن قائل: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة وبه أقول. ومن قائل: شوّال وذو
القعدة وتسع من ذي الحجة. ومن قائل: في أيّ وقت شاء من السنة. وكذلك العمرة في أيّ
وقت شاء من السنة، وكرهها بعضهم في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، واختلفوا في
تكرارها في السنة الواحدة، فمنهم من استحب عمرة في كل سنة وكره ما زاد على ذلك.
ومنهم من قال: لا كراهة في ذلك، وبه أقول.
اعلم أن الميقات الزمانيّ إنما عيّنه الاسم الإلهيّ الدهر. واعلم أنّ الزمان منه ما هو
فوق الطبيعة وهو مذهب المتكلمين، ومنه ما هو تحت الطبيعة فله الحكم العامّ، فالذي له من
الحكم تحت الطبيعة فحكم جسمانيّ يتميز بحركات الأفلاك والزمان في نفسه معقول والطريق
إلى معقوليته الوهم فهو امتداد متوهم تقطعه حركات الأفلاك كالخلاء امتداد متوهم لا في
جسم، فحاصله على هذا القول أنه عدم لا وجود. وأمّا الزمان الذي فوق الطبيعة فتميزه
الأحوال وتعينه في أمر وجوديّ يلقيه إلى العقل الاسم الدهر، وتصحبه لفظة متى في لسان
العرب، فمتى يصحب الزمان الطبيعيّ وغير الطبيعيّ، وقد وقع في الأمور والنسب الإلهية
والزمانية نسبة الزمان والمكان وهما ظرفان، ففي المكان قول رسول الله وَ لّر للسوداء: «أَيْنَ

٤٣٧
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
اللَّه)). وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢١٠]
فذكر اعتقادهم وما جرّح وما صوّب ولا أنكر ولا عرّف. ومثل هذا في الشرع كثير.
وفي الزمان قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٣١] و﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ
وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٤] وقد ورد في الصحيح: ((لاَ تَسبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّخرُ))،
تنزيهاً لهذه اللفظة أي أنها من الألفاظ المشتركة كالعين والمشتري، فالدهر الزماني مظهر
للاسم الدهر، والاسم بالفعل هو الظاهر فيه، والفعل في الكون للظاهر ولا للمظهر، وحكم
المظهر إنما هو في الظاهر حيث سمّاه بنفسه، ولهذا تأوّله من تأوّله فقال معناه أنه الفاعل في
الدهر، وهذا خطأ بين لأنه لم يفرق بين الفعل من حيث نسبته إلى الفاعل ونسبته إلى
المفعول، فالحق فاعل والمفعول واقع في الدهر، والفعل حال بين الفاعل والمفعول، ولم
يفرق هذا المتأوّل بين الفاعل والمفعول فهلاّ سلم علم ذلك لقائله وهو الله تعالى، ولا تأوّله
تأوّل من لا يعرف ما يستحقه جلال الله من التعظيم.
وصل في فصل - الإحرام، وهو أوّل التلبس بهذه العبادة: حكاية الشبلي في ذلك: قال
صاحب الشبلي وهو صاحب الحكاية عن نفسه: قال لي الشبلي: عقدت الحج؟ قال: فقلت
نعم، فقال لي: فسخت بعقدك كل عقد عقدته منذ خلقت ممّا يضادّ ذلك العقد؟ فقلت: لا،
فقال لي: ما عقدت. ثم قال لي: نزعت ثيابك؟ قلت؛ نعم، فقال لي: تجردت من كل
شيء؟ فقلت: لا، فقال لي: ما نزعت. ثم قال لي: تطهرت؟ قلت: نعم. فقال لي: زال
عنك كل علة بطهرك؟ قلت: لا، قال: ما تطهرت ثُمَّ قال لي: لبيت؟ قلت: نعم، فقال لي:
وجدت جواب التلبية بتلبيتك مثله؟ قلت: لا، فقال: ما لبيت. ثم قال لي: دخلت الحرم؟
قلت: نعم، قال: اعتقدت في دخولك الحرم ترك كل محرم؟ قلت: لا، قال: ما دخلت. ثم
قال لي: أشرفت على مكة؟ قلت: نعم، قال: أشرف عليك حال من الحق لإشرافك على
مكة؟ قلت: لا، قال: ما أشرفت على مكة. ثم قال لي: دخلت المسجد؟ قلت: نعم، قال:
دخلت في قربه من حيث علمت؟ قلت: لا، قال: ما دخلت المسجد. ثم قال لي: رأيت
الكعبة؟ فقلت: نعم، فقال: رأيت ما قصدت له؟ فقلت: لا، قال: ما رأيت الكعبة. ثم قال
لي: رملت ثلاثاً ومشيت أربعاً؟ فقلت: نعم، فقال: هربت من الدنيا هرباً علمت أنك قد
فاصلتها وانقطعت عنها ووجدت بمشيك الأربعة أمناً ممّا هربت منه فازددت لله شكراً لذاك؟
فقلت: لا، قال: ما رملت. ثم قال لي: صافحت الحجر وقبلته؟ قلت: نعم، فزعق زعقة
وقال: ويحك إنه قد قيل: إن من صافح الحجر فقد صافح الحق سبحانه وتعالى، ومن صافح
الحق سبحانه وتعالى فهو في محل الأمن، أظهر عليك أثر الأمن؟ قلت: لا، قال: ما
صافحت. ثم قال لي: وقفت الوقفة بين يدي الله تعالى خلف المقام وصليت ركعتين؟ قلت:
نعم، قال: وقفت على مكانتك من ربك فأريت قصدك؟ قلت: لا، قال: فما صليت. ثم قال
لي: خرجت إلى الصفا فوقفت بها؟ قلت: نعم، قال: إيش عملت؟ قلت: كبرت سبعاً
وذكرت الحج وسألت الله القبول، فقال لي: كبرت بتكبير الملائكة ووجدت حقيقة تكبيرك

٤٣٨
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
في ذلك المكان؟ قلت: لا، قال: ما كبرت. ثم قال لي: نزلت من الصفا؟ قلت: نعم،
قال: زالت كل علة عنك حتى صفيت؟ قلت: لا، فقال: ما صعدت ولا نزلت. ثم قال لي:
هرولت؟ قلت: نعم، قال: ففررت إليه وبرئت من فرارك ووصلت إلى وجودك؟ قلت: لا،
قال: ما هرولت. ثم قال لي: وصلت إلى المروة؟ قلت: نعم، قال: رأيت السكينة على
المروة فأخذتها أو نزلت عليك؟ قلت: لا، قال: ما وصلت إلى المروة. ثم قال لي: خرجت
إلى منى؟ قلت: نعم، قال: تمنيت على الله غير الحال التي عصيته فيها؟ قلت: لا، قال: ما
خرجت إلى منى. ثم قال لي: دخلت مسجد الخيف؟ قلت: نعم، قال: خفت الله في
دخولك وخروجك ووجدت من الخوف ما لا تجده إلا فيه؟ قلت: لا، قال: ما دخلت
مسجد الخيف. ثم قال لي: مضيت إلى عرفات؟ قلت: نعم، قال: وقفت بها؟ قلت: نعم،
قال: عرفت الحال التي خلقت من أجلها والحال التي تريدها والحال التي تصير إليها وعرفت
المعرّف لك هذه الأحوال ورأيت المكان الذي إليه الإشارات فإنه هو الذي نفّس الأنفاس في
كل حال؟ قلت: لا، قال: ما وقفت بعرفات. ثم قال لي: نفرت إلى المزدلفة؟ قلت: نعم،
قال: رأيت المشعر الحرام؟ قلت: نعم، قال: ذكرت الله ذكراً أنساك ذكر ما سواه فاشتغلت
به؟ قلت: لا، قال: ما وقفت بالمزدلفة. ثم قال لي: دخلت منى؟ قلت: نعم، قال:
ذبحت؟ قلت: نعم، قال: نفسك؟ قلت: لا، قال: ما ذبحت. ثم قال لي: رميت؟ قلت؛
نعم، قال: رميت جهلك عنك بزيادة علم ظهر عليك؟ قلت: لا، قال؛ ما رميت. ثم قال
لي؛ حلقت؟ قلت؛ نعم، قال: نقصت آمالك عنك؟ قلت: لا، قال؛ ما حلقت. ثم قال
لي: زرت؟ قلت: نعم، قال: كوشفت بشيء من الحقائق أو رأيت زيادات الكرامات عليك
للزيارة فإنّ النبي ◌َّ قال: ((الحُجَّاجُ وَالعُمَّارُ زَوَّارُ اللَّهِ وَحَقُّ عَلَى المَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زُوَّارَهُ)).
قلت: لا، قال: ما زرت. ثم قال لي؛ أحللت؟ قلت: نعم، قال: عزمت على أكل الحلال؟
قلت: لا، قال: ما أحللت. ثم قال لي: ودّعت؟ قلت: نعم، قال: خرجت من نفسك
وروحك بالكلية؟ قلت: لا، قال: ما ودّعت وعليك العود، وانظر كيف تحج بعد هذا فقد
عرّفتك، وإذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك.
فاعلم أيّدك الله أني ما سقت هذه الحكاية إلاَّ تنبيهاً وتذكرة وإعلاماً أن طريق أهل الله
على هذا مضى حالهم فيه، والشبلي هكذا كان إدراكه في حجه، فإنه ما سأل إلاَّ عن ذوقه هل
أدركه غيره أم لا؟ وغيره قد يدرك هذا وقد يدرك ما هو أعلى منه وأدون منه، فما منهم إلاَّ من
له مقام معلوم، فما اخترعت في اعتباراتي في هذه العبادات طريقة لم أسبق إليها إلاَّ أن
الأذواق تتفاوت بحسب ما تكون عناية الله بالعبد في ذلك.
ثم نرجع ونقول على نحو ما تقدم في الفصول ولنبتدىء أولاً فيما يمنع المحرم أن
يلبسه وهو القميص والعمامة والبرنس والخف إلاَّ أن لا يجد النعل والسراويل إلاَّ أن لا يجد
الإزار ولا ثوباً مسّه زعفران ولا ورس، وفيما ذكرناه متفق عليه ومختلف فيه، وفي التفصيل
تفسير إن شاء الله، وحال الرجل في هذا يخالف حال المرأة، فإن المرأة تلبس المخيط

٤٣٩
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
والخفاف والخمر، وما للمرأة إحرام إلاَّ في وجهها وكفيها، وسبب هذا كله في هذه العبادة
أنهم وفد الله دعاهم الحق إلى بيته وما دعاهم إليه سبحانه بمفارقة الأهل والوطن والعيش الترف
وحلاهم بحلية الشعث والغبرة إلاّ ابتلاء ليريهم من وقف مع عبوديته ممّن لم يقف، ولهذا أفعال
الحج أكثرها تعبدات لا تعلل، ولا يعرف لها معنى من طريق النظر، لكن تنال ربما من طريق
الكشف والإخبار الإلهي الوارد على قلوب الواردين العارفين من الوجه الخاص الذي لكل
موجود من ربه، فزينة الحاج تخالف زينة جميع العبادات فإنهم وفد الله الحاج منهم والمعتمر،
وأعني من انفرد بالحج ومن انفرد بالعمرة فهما وفدان، فالقارن بينهما له خصوص وصف لأنه
جامع المرتبة الوفدين لأنّ وفود الله ثلاثة على ما ذكره النسائي عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَّر: ((وَفْدُ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: الغَازِي والحاجُ والْمُعْتَمِرُ)). انتهى الجزء الثالث والستون.
(الجزء الرابع والستون)
بِسْمِ الهِ الرَّغَنِ الرَّحِيمَةِ
واعلم أيضاً أنّ المرأة إنما خالفت الرجل في أكثر الأحكام في الحج لأنها جزء منه وإن
اجتمعا في الإنسانية، ولكن تميزا بأمر عارض عرض لهما وهو الذكورية للرجل والأنوثة
للمرأة، وخلقت منفعلة عنه ليحنّ إليها حنين من ظهرت سيادته بها، فهو يحبها محبة من
أعطاه درجة السيادة، وهي تحنّ إليه وتحبه حنين الجزء إلى الكل وهو حنين الوطن لأنه
وطنها، مع ما يضاف إلى ذلك من كون كل واحد موضعاً لشهوته والتذاذه، وقد تبلغ المرأة
في الكمال درجة الرجال، وقد ينزل الرجل في النقص إلى ما هو أقل من درجة النقص الذي
للمرأة، وقد يجتمعان في أحكام من العبادات ويفترقان، غير أنّ الغالب فضل عقل الرجل
على عقل المرأة لأنه عقل عن الله قبل عقل المرأة لأنه تقدّمها في الوجود والأمر الإلهي لا
يتكرّر، فالمشهد الذي حصل للمتقدّم لا سبيل أن يحصل للمتأخر لما قلناً من أنه تعالى لا
يتجلّى في صورة مرّتين ولا لشخصين في صورة واحدة للتوسّع الإلهي، وهذه هي الدرجة
التي يزيد بها الرجل على المرأة، وأين الكل من الجزء؟ وإن لحقه في الكمال ولكنه كمال
خاص، كما لحق بعض أعضاء الإنسان إذا قطع في الديّة تلف الإنسان في كمالها وبعض
الأعضاء على النصف من ذلك وأقل، فما كل جزء يلحق بالكل في كل الدرجات، فحرم
المخيط على الرجل في الإحرام ولم يحرم على المرأة، فإنّ الرجل وإن كان خلق من مركب
فهو من البسائط أقرب فهو أقرب الأقربين، والمرأة خلقت من مركب محقق فإنها خلقت من
الرجل فبعدت من البسائط أكثر من بعد الرجل، والمخيط تركيب فقيل لها: ابقي على
أصلك، وقيل للرجل: ارتفع عن تركيبك، فأمر بالتجرّد عن المخيط ليقرب من بسيطه الذي
لا مخيط فيه وإن كان مركباً فإنه ثوب منسوج ولكنه أقرب إلى الهباء منه من القميص
والسراويل وكل مخيط، والهباء بسيط فما قرب منه عومل بمعاملته وما بعد عنه تميّز في
الحكم عن القريب .

٤٤٠
في المعارف / الباب الثاني والسبعون في الحج وأسراره
ثم إن الرجل وهو آدم خلق على صورته وخلقت حواء على صورة آدم، وخلق البنون من
امتزاج الأبوين لا من واحد منهما بل من المجموع حسّاً ووهماً، فكان استعداد الأبناء أقوى من
استعداد الأبوين لأن الابن جمع استعداد الاثنين، فكمال الابن الكامل أعظم من كمال الأب،
ولهذا اختصّ محمد ◌َّله بالكمال الأتم لكونه ابناً، وكل ابن في النشأة له هذا الكمال، غير أنهم
في الكمال يتفاضلون لأجل الحركات العلوية والطوالع النورانية والاقترانات السعادية، فما كل
ابن له هذا الكمال الثاني الزائد على نشأته، فهذه دقيقة أخرى يعطيها الوجه الخاص الإلهيّ في
التجلي للسبب الذي يكون عنه هذا الابن يعين ذلك الوجه اسم إلهيّ يكون في الكمال الإحاطيّ
أكمل من غيره من الأسماء كالعالم فإنه أتم في الإحاطة من سائر الأسماء بما لا يتقارب، فمن
كان ذا أب وأم واسم إلهيّ إحاطيّ خاص رفيع الدرجات كان أكمل ممّن كان ذا أب وأم واسم
إلهيّ دونه في الإحاطة والدرجة، ومن كان عن أم وأب متوهم مثالي أشبه جدّه لأمه إذ لا أب له
مثل عيسى عليه السلام فصفته صفة جده آدم في صدوره عن الأمر بذا، ورد التعريف الإلهيّ
فقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾ أي الاسم الإلهيّ الذي وجد عنه آدم وجد عنه
عيسى: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٥٩] الضمير يعود على آدم، فعيسى أخ لحوّاء وهو
ابن بنتها، ومن كان عن أب دون أم قصر عن درجة أبيه كحوّاء خلقت من القصيرى فقصرت
وعوجها استقامتها، فانحناؤها حنوّها على أبنائها وعلى ماله من الخزائن مثل انحناء الأضلاع
على ما في الجوف من الأحشاء والأمعاء المختزنة فيه لصلاح صاحبه فاعوجاجها عين استقامتها
التي أريدت له، ولهذا اعوجاج القوس عين استقامته، فإن رمت أن تقيمه على الاستقامة الخطية
المعلومة كسرته فلم تبلغ أنت بالاستقامة التي تطلبها منه غرضك الذي تؤمله، وهذا لجهلك
بالاستقامة اللائقة به، فما في العالم إلاّ مستقيم عند العلماء بالله الواقفين على أسرار الله في خلقه
فإنه قد بيّن لنا ذلك في قوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [سورة ◌ُه: الآية ٥٠] وهو عين كمال
ذلك الشيء، فما نقصه شيء، وسبب ذلك كوننا مخلوقين على من له الكمال المطلق فأشبهنا
في التقييد بإطلاقه، فإن الإطلاق تقييد بلا شك إذ به يميز عن المقيد، فما يصدر عن الكامل
شيء إلاَّ وذلك على كماله اللائق به، فما في العالم ناقص أصلاً، ولولا الأعراض التي تولد
الأمراض لتنزّه الإنسان في صورة العالم كما يتنزه العالم ويتفرّج فيه فإنه بستان الحق والأسماء
ملاكه بالاشتراك، فكل اسم له فيه حصة، فهذا الذي تعطيه الحقائق فالكمال للأشياء وصف
ذاتيّ والنقص أمر عرضيّ وله كمال في ذاته فافهم، فما هلك امرؤ عرف قدره، فقد بان لك شأن
المرأة من شأن الرجل وأنهما وإن افترقا من وجه فهما يجتمعان من وجه.
وصل في فصل - اختلاف العلماء في المحرم إذا لم يجد غير السراويل هل له لباسها :
فمن قائل: لا يجوز له لباسها فإن لبسها افتدى. ومن قائل: يلبسها إذا لم يجد إزاراً.
اعلم أن الإزار والرداء لما لم يكونا مخيطين لم يكونا مركبين، ولهذا وصف الحق نفسه
بهما لعدم التركيب إذا كان كل مركب في حكم الانفصال، وهذا سبب وجوب قول القائل بأن
صفات المعاني الإلهية ليست بأعيان زائدة على الذات مخافة التركيب ونزع مثبتوها زائدة إلى