Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
لنا الوصال والفطر، فجمع لنا بين الأجرين والفرحتين، وحكمة الوصال أن الحق قال: الصوم
له وأمرنا بما هو له وجعله عبادة لا مثل لها، فإذا فرّق بالفطر بين اليومين فما واصل، فإذا لم
يفطر تحقق الوصال، فيشير بذلك إلى إيصال صوم العبد بالصوم المضاف إلى الحق ليبين له
أن للعبد ضرباً من التنزيه بالصوم كما أن للحق من الصوم التنزيه فهو إشعار حسن للعارفين،
وكذا هو في نفس الأمر، فإن العبد له تنزيه يخصّه ولا سيما إذا كان عمله تنزيه الحق فإن عمله
يعود عليه وهو التنزيه، فإن تنزيه الحق ما هو بتنزيه المنزّه بل هو تعالى منزّه الذات لنفسه ما
نحن نزّهناه، فلذلك يعود تنزيهنا علينا حين حرمه غيرنا، فمن قدر على الوصال في هذه الستة
الأيام فهو أحق وأولى، فإن وجد أحد نقلاً عن العرب في اللسان حذف الهاء في عدد المذكر
حمل الحديث على تلك اللغة .
ولقد روينا أن الله حين أنزل على نبيه وَله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [سورة نوح: الآية ٢٢] لم
يعرف هذا اللحن الحاضرون ولا عرفوا معناه، فبينما هم كذلك إذ أتى أعرابي قد أقبل غريباً
فدخل على رسول الله وَّر فسلم عليه وقال: يا محمد إني رجل من كبار قومي بضم الكاف
وتشديد الباء، فعلم الحاضرون أن هذه اللفظة نزلت بلحن ذلك العربي وأصحابه فعلموا
معناها، فما يبعد أن يكون حذف الهاء جائزاً في عدد المذكر في لغة بعض الأعراب، ولو كان
ذلك لم يقدح فيما ذهبنا إليه من الحقائق المشهودة لنا، فيكون الشارع العالم يقصد الأمرين
معاً في هذه اللفظة في حق من هي لغته وفي حق من ليست له بلغة وجعلها ستاً ولم يجعلها
أكثر ولا أقل، وبين أن ذلك صوم الدهر لقول الله تعالى: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾
[سورة الأنعام: الآية ١٦٠] على هذا أكثر العلماء بالله، وهذا فيه حدّ مخصوص وهو أن يكون عدد
رمضان ثلاثين يوماً، فإن نقص نزل عن هذه الدرجة، وعندنا أنه يجبر بهذه الستة من صيام
الدهر ما نقصه بالفطر في الأيام المحرّم صومها وهي ستة أيام: يوم الفطر ويوم النحر وثلاثة
أيام التشريق ويوم السادس عشر من شعبان، يجبر بهذه الستة الأيام ما نقص بأيام تحريم
الصوم فيها، والاعتبار الآخر وهو المعتمد عليه في صوم هذه الأيام من كونها ستة لا غير: أن
الله تعالى ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٤] وكنا نحن المقصود
بذلك الخلق، فأظهر في هذه الستة الأيام من أجلنا ما أظهر من المخلوقات كما ورد في
الخبر، فكان سبحانه لنا في تلك الأيام فجعل لنا صوم هذه الستة الأيام في مقابلة تلك لأن
نكون فيه متصفين بما هو له وهو الصوم كما اتصف هو بما هو لنا وهو الخلق.
ولهذا كان أحمد السبتي ابن أمير المؤمنين هارون الرشيد يصوم ستة أيام من كل جمعة
ويشتغل بالعبادة فيها فإذا كان يوم السبت احترف فيما يأكله بقية الأسبوع وبهذا سمي السبتي،
فلقيته بالطواف يوم جمعة بعد الصلاة وأنا أطوف فلم أعرفه غير أني أنكرته وأنكرت حالته في
الطواف فإني ما رأيته يزاحم ولا يزاحم ويخترق الرجلين ولا يفصل بينهما، فقلت: هذا روح
تجسد بلا شك فمسكته وسلمت عليه فردّ عليّ السلام وماشيته ووقع بيني وبينه كلام ومفاوضة
فكان منها أني قلت: لم خصصت يوم السبت بعمل الحرفة؟ فقال: لأن الله سبحانه ابتدأ خلقنا

٣٨٢
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
يوم الأحد وانتهى الفراغ منه في يوم الجمعة فجعلت تلك الأيام لي عبادة الله تعالى لا أشتغل
فيها بما فيه حظ لنفسي، فإذا كان يوم السبت انفردت لحظ نفسي فاحترفت في طلب ما
أتقوّت به في تلك الأيام هكذا كل جمعة، فإنه سبحانه نظر إلى ما خلق في يوم السبت
فاستلقى ووضع إحدى يديه على الأخرى وقال: أنا الملك لظهور الملك ولهذا سمّي يوم
السبت والسبت الراحة ولهذا أخبر تعالى أنه ما مسَّه من لغوب فيما خلقه، واللغوب الإعياء
فهي راحة لا عن إعياء كما هي في حقّنا فتعجبت من فطنته وقصده، فسألته من كان قطب
الزمان في وقتك؟ فقال: أنا ثم ودعني وانصرف، فلما جئت المكان الذي أقعد فيه للناس
فقال لي رجل من أصحابي من المجاورين يقال له نبيل بن خزر بن خزرون السبتي من أهل
سبتة: إني رأيت رجلاً غريباً لا نعرفه بمكة يكلمك ويحادثك في الطواف من كان ومن أين
جاء؟ فذكرت له قصته فتعجب الحاضرون من ذلك، فهذا اعتبار الستة الأيام من الوجه
الصحيح، وإنما حذف الهاء الشارع إن صحّت الرواية لاعتبار الليالي لأنها دلائل الغيب
بخلاف النهار والغيب ممّا انفرد به الحق فلا يطلع على غيبه أحداً إلاَّ من ارتضى من رسول.
وكذلك علم الحكمة في الأشياء لا يكون علماً إلاَّ لأهل الله، وأما أهل الفكر والقياس فإنهم
يصادفون الحكمة بحكم الاتفاق فلا يكون علماً عندهم وعند أهل العلم بالله يعلمون أن ذلك
هو المراد بذلك الأمر فيكون علماً لهم بذلك الاعتبار فيقصدونه لا بحكم الاتفاق، فإن بعض
الناس إذا رأى كرم أهل الله في مثل هذا يقولون باحتماله لا يقطعون به حملاً على نفوسهم
ورتبتهم في العلم وهو قول الله تعالى في حق من هذه حالته ذلك مبلغهم من العلم، فاعلم
بذلك والله الموفق للصواب .
وصل - في فضل غرر الشهر وهي الثلاثة الأيام في أوّلهِ: خرّج مسلم عن معاذة أنها
سألت عائشة: ((أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامِ؟ قَالَّتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا:
مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَّ أَيَّامِ الشّهْرِ يَصُومُ)).
اعلم أن كل شهر يرد على الإنسان إنما هو ضيف ورد عليه من جانب الحق، فوجب
على الإنسان القيام بحقّه المسمّى ضيافة وهو الضيف، وحق الضيف ثلاثة أيام، فلهذا شرع
الشارع في الشرع المندوب إليه ثلاثة أيام من كل شهر، ورغبنا في أوله فقلنا: نصوم ذلك في
الثلاث الغرر منه لأن الشرع ورد بتعجيل الطعام للضيف فقال: العجلة من الشيطان إلاَّ في
ثلاث فذكر منها إطعام الضيف، وكان رسول الله ولو يصوم ثلاثة أيام من غزّة كل شهر،
خرّجه النسائي عن ابن مسعود. والصيام صفة للحق واختصه من جميع الأعمال لنفسه وهو
عمل مختص بهذه النشأة لا يكون ذلك لملك فلا يشهده سبحانه ملك مقرّب في مشهد
صوميّ، ولا يتجلى له سبحانه في مشهد صومي أبداً، فإنه من خصائص هذه النشأة، وكانت
هذه الضيافة ثلاثة أيام لكل شهر لأنه وارد من الحق وراجع إليه سبحانه حامداً له في تلقيه إياه
أو ذا ماله بحسب ما يتلقاه العبد به، فأحسن ما يتلقاه به ما هو صفة إلهية وهو الصوم ولله
تعالى ثلاثمائة خلق، كذا ورد عنه وَّر، والثلاثة من الثلاثمائة عشر العشر فإنّ عشر الثلاثمائة

٣٨٣
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
ثلاثون وهو الشهر، وعشر الثلاثين ثلاثة فهي عشر العشر، فهو قوله: ﴿مَنْ جَّءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٦٠] فيقبل الحق تلك الثلاثة ثلاثين فيجازيه بالثلاثين ثلاثمائة
خلق فإنه قال: ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فكأنه صام الشهر كله، فلذلك جوزي بالثلاثمائة إذ كانت
الثلاثون قبلت عملاً لا جزاء، فإنها مثل الحسنة والحسنة عمل، والمثلان هما اللذان يشتركان
في صفات النفس .
فانظر في حكمة الشارع ما ألطفها وأحسنها في ترغيبه إيانا في صوم ثلاثة أيام من كل
شهر، وما نبّه عموم الخلق على عين الجزاء فإن حصول الجزاء إذا جاء فجأة من غير أن يعرف
سببه ولا ينتظر كان ألذ في نفس العامّة، والصيام خلق إلهي فكان جزاؤه من جنسه وهي
الثلاثمائة خلق إلهيّ يتصف بها الصائم هذه الثلاثة الأيام كما اتصف بالصيام وهو وصف
إلهي، والعاميّ الذي لم يصم على هذا الحدّ يكون جزاؤه من كونه لم يأكل ولم يشرب فيقال
له كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب. قال تعالى: ﴿كُواْ وَأَثْرَبُواْ هَنِيَّا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي
اُلْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [سورة الحاقة: الآية ٢٤]، يعني أيام الصوم في زمان التكليف، وأهل الله الذين
يصومون هذه الثلاثة الأيام، وأيّ صوم كان على استحضار ما ذكرناه من أنه يتلبس بوصف
إلهيّ يكون جزاؤه من هذه صفته قوله: ﴿مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [سورة يوسف: الآية ٧٥]
ولما لم تكن هذه الصفة عملاً للملك لم يحضر مع الصائم في حضرة لهذا التجلي فلا يعرف
هذا المجلي ذوقاً ذاتياً والإنسان يشهده تعالى إذا كان من أهل العلم بالله الكامل في جميع ما
يشهده فيه الملك، كان الملك في أيّ مقام كان، ومع هذا فلا يدل على أن الإنسان أعظم عند
الله من الملك، فالإنسان أكمل نشأة، والملك أكمل منزلة، كذا قال لي رسول الله وَ﴿ في
مشهد واقعة أبصرته ول# فيه فسألته، لكن الإنسان أجمع بالذوق من الملك لأجل جمعیته،
وبعض الناس يغلط في هذا المقام من أجل تشكل الروحاني في أي صورة شاء، وما علم أن
التكحل في العينين ليس كالكحل، فالإنسان الكامل لا الإنسان الحيواني أكمل نشأة للحقائق
التي أنشىء عليها حقائق الأسماء الإلهية وحقائق العالم وهو الذي أنشأه الله على الصورة فهو
بجمعيته حق كله فالحق مجلاه إذ كان له الكمال، فيراه بكل عين ويشهده في كل صورة، ولا
يدل هذا على أنه أفضل عند الله فإن هذا كان لجمعيته، فلا يقال في الشيء إنه أفضل من نفسه
وإنما تقع الفضيلة بين الغيرين، ولا غير فإن الملك جزء من الإنسان، والجزء من الكل،
وللكل من الجزء ما ليس للجزء من الكل، والمثلان لا يتفاضلان فيما هما مثلان فيه، فإن
تفاضلا فما هما مثلان، ولنا في ذلك من قصيدة في واقعة عجيبة وقد نوديت ممسوك الدار:
[الطويل]
فسبحانكم مَجْلَی وسبحانَ سبحانا
مَسَكْتُكَ في داري لإظهار صورتي
ولا أبصرت عيني كمثلك إنسانا
فما أبصرت عيناك مثلي كاملاً
فلم يبقَ في الإمكان أكملُ منكُمُو
فأيّ كمال كان لم يك غيرَكُم
نصَبْتَ على هذا من الشرع بُزهانا
على كل وجه كان ذلك ما كانا

٣٨٤
بـ
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
ظهرت إلى خلقي بصورة آدم
وسمَّيْتُه لما تجلى بصورتي
فقل فيه ما تهواه إن شئت إنه
فلو كان في الإمكان أكملُ منكُمُو
لأنك مخصوصٌ بصورة حضرتي
فمَائِلْ وجودي فالثَّقَابُلُ حاصلٌ
تَجِدْ علمَ ما قد قلتُ فيكَ مسطراً
ظَهَرْتَ لنا مُجْلَّى فعاينتُ صورتي
وسارَزْتُكم لما رأيتُ سِرَارَكَم
وما أنت ذاتي لا ولا أنا ذاتكم
فأَخْسَرُنا من كان يعلن سرّه
فمن كان ذا كَثْم لسرِّي وغَيْرةٍ
إذا كنتَ لي عيناً أكون لكم يداً
وصيَّرتُ قلبي للتجلّي منصَّةً
وأملأته من كل شهم غَشَمْشَم
وجئتك بالأسما يقدّم جمعهاً
وأنزلتُها تبغي الفنا بفنائكم
وهبتك يا عبدي مِنَ أسماء ذاتكم
فإن كنتَ لي بي كنتَ أنت ولا تقل
وقرَّرتُ هذا في الشرائع إيمانا
إلى ناظري حقاً وإن كان إنسانا
لَيَقْبَلُه عيناً وإن كان أكوانا
لكان وجودُ النَّقْص فيَّ إذا كانا
وأكمل منها ما يكون فقد بانا
فزن ذاتكم إني وضعتك ميزانا
ولا أحداً أوجَدْتُه منك ريَّانا
وعاينتُ فيكَ الكونَ رمزاً وتبيانا
وأعلنتُ قولي إذ تجلَّيْتُ إحسانا
فإن كنتَ لي عيناً فلا تُبْدِهِ الآنا
وأربَحُنا من كان يخفيه کِثْمانا
سيلقى غداً روحاً لديَّ وريحانا
وأُظْهركم بالحال سرّاً وإعلانا
ومهَّدْتُه حباً لخيْلِكَ مَيْدانا
لدعواك فرساناً تجول وركبانا
مِنَ أسمائه الحسنى خبيراً ومِحْسَانا
وأرسلتها عيناً معيناً وطوفانا
ملابسَ أعيادٍ ضروباً وألوانا
أنا أنت بل كُنْ في الخليقة رَحْمَانا
فتحقق أيّدك الله ما أشرنا إليه في صيام ما ذكرناه من الثلاثة الأيام من كل شهر فهي في
حقّنا على حدّ ما ذكرناه، وتقبل هذه الثلاثة الأيام في حق العامّة زكاة ذلك الشهر، وفي
مجموع السنة زكاة تلك السنة، وهي ستة وثلاثون يوماً، فهي مثل العشر في زكاة الحبوب،
فإن العامّة مع النفس التي تطلب الغذاء وهي النفس النباتية لا الحيوانية، فإن الحيوان ما يطلب
الغذاء من كونه حياً وإنما يطلبه من كونه نباتاً فلا تخلط بين الحقائق، ولهذا جوّزوا من حيث
امتنعوا في زمان الصوم من استعمال ما ينمون به وهو الغذاء، ورحمهم الله تعالى بالسحور
عوضاً من أكل النهار، فما نقص الصائم من غذائه شيء إذا تسخّر ورغب الله في أكلة السحور
وسمّاه غذاء حتى لا يكون للنفس النباتية مقال يطلبه حق من الله، فإن ترك العبد السحور تعيّن
عليه من النفس طلب حقّها، ومن الله الذي أمره بإيصال حقّها إليها، فإن المكلف مأمور أن
يؤدّي إلى كل ذي حق حقه، وكما فرقنا بيننا وبين أهل الكتاب فى أكلة السحور، وكان
الاعتبار في سحورنا غير ما تعتبره العامّة، لذلك كان صومنا يخالف صومهم من هذه الجهة،
فنحن مشاركون لهم فيما تطلبه النفس النباتية منا ومنهم وهم لا يشاركوننا فيما يختص بالنفس
الناطقة التي هي العقل من إيصال الحق إلى مستحقه فإن لنفسك عليك حقاً، وهو أشدّ حقوق

٣٨٥
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الأكوان بعد حق الله عليك، لأن خصمك بين جنبيك، وما من حق لكون من الأكوان على
أحد إلاَّ ولله فيه حق على ذلك الكون فاحفظ نفسك، فإذا كان غداً في موطن الجزاء والتجلي
ظهر الفرق بين الفرق والتفاضل، فكم بين نفس تحشر بنعوت إلهية وبين نفس محرومة من
ذلك فتصرف قيمتها يوم القيامة إلى ما كانت صرفتها في الدنيا من الانكباب على ما تطلبه هذه
النشأة الطبيعية من الاتساع فيما هو فوق الحاجة، فلا فرق بينه وبين سائر الحيوانات، وهذا
هو الإنسان الحيوان، وربما أكثر الحيوان إذا اكتفى ما له همّة في المستأنف.
والإنسان ليس كذلك لا يزال مهموماً ومنهوماً في الحال والاستقبال فيجمع ولا يشبع
لأنه ﴿خُلِقَ هَلُوْعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَابِعُونَ﴾
[سورة المعارج: الآية ١٩ - ٢٣] وهم المتأخرون عن هذه الصفة التي جبلوا عليها، فإن المصلي هو
المتأخر عن السابق في الحلبة فهذا معنى قوله: ﴿إِلَّ الْمُصَلّينَ﴾ [سورة المعارج: الآية ٢٢] هنا في
الاعتبار، وقد يكون تفسيراً للآية فإنه سائغ، ولكن حمله على الإشارة أعصم، فنفوس العامّة
التي هي بهذه المثابة محجوبة في الدنيا والآخرة ليرتفع عنهم الألم كما ارتفع هنا، وكذلك
أهل الله، فكما هم الخلق في الدنيا كذلك يكونون غداً يوم القيامة، ولولا حشر الأجسام في
الآخرة لقامت بنفوس الزهاد والعارفين في الآخرة حسرة الفوت ولتعذبوا لو كان الاقتصار
على الجنات المعنوية لا الحسيّة، فخلق الله في الآخرة جنة حسيّة وجنة معنوية، وأباح لهم
في الجنة الحسيّة ما تشتهي أنفسهم ورفع عنهم ألم الحاجات، فشهواتهم كالإرادة من الحق إذا
تعلقت بالمراد تكون، فما أكل أهل السعادة لدفع ألم الجوع ولا شربوا لدفع ألم العطش،
ولما اشتغلوا هنا بالله من حيث ما كلفهم، فهم يجرون في الأمور بالميزان الذي حدّ لهم
خائفين من أن يطففوا أو يخسروا الميزان، جعل لهم سبحانه الاشتغال في الآخرة بالجنة
الحسيّة لأجسامهم الطبيعية ﴿جَزَآءُ وِفَاقًا﴾ [سورة النبأ: الآية ٢٦] قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ
اَلْيَّوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَآبَكِ مُتَّكِفُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٥٥].
والعارفون وغير العارفين في هذه الصورة الحسيّة على السواء، ويفوز العارفون بما
يزيدون عليهم بجنات المعاني، فجنى الجنتين للعارفين دان ﴿فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [سورة
الرحمن: الآية ١٣] ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فهذا الاشتغال منع العامّة وعلماء الرسوم في
الدنيا والآخرة وأهل الله معهم من حيث نفوسهم النباتية والحيوانية في هذا الشغل وهم مع الله
من ذلك الوجه الآخر، فكما أنه ما حجبهم في الدنيا ما هم عليه من الحاجة إلى الغذاء مع قوّة
سلطانه في الدنيا لدفع آلام الجوع والعطش والإحساس بأنواع الأشياء المؤلمة، كذلك لا
يحجبهم في الآخرة نعيم الجنان المحسوس عن الله في الاتصاف بأسمائه التي تليق بالدار
الآخرة، لأن لها أسماء إلهية لا يعلمها اليوم أحد أصلاً، فإن الأسماء الإلهية إنما يظهرها
مواطنها، يقول النبيّ وَ له: ((فَأَحمدُهُ بِمَحَامِدَ لاَ أَعْلَمُهَا الآنَ)) فإن الموطن يعين الأسماء فإنه
عن آثارها، ولكن هذا الذي نذكره من النعيم الذي لا حسرة فيه إنما يكون في الجنة لا في
القيامة، فإن يوم القيامة يوم التغابن للكل، فالسعيد يقول: يا ويلتا ليتني زدت، والشقيّ
الفتوحات المكية ج٢ - م٢٥

٣٨٦
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
يقول: ﴿بَحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٥٦] ولهذا سمّي يوم الحسرة لإظهاره مثل هذا
لأنه من حسرت الثوب عني فظهر ما تحته أي أزلته .
وصل في فصل - من جعل الثلاثة الأيام من كل شهر صوم أيام الثلاثة البيض: خرّج
النسائيّ من حديث جابر بن عبد الله عن النبيّ وَّ أنه قال: ((صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيام مِنْ كُلِّ شَهْر
صيامُ الدَّهْرِ أَيامُ البِيضِ ثَلاثُ عَشرةٍ وأربع عشرة وخمس عشرة)). فهذا ظهورَ حق في خلق
وهو ظهور الشمس لا عينا في القمر ليالي إبداره وهي الليالي البيض، وأيامها تسمى الأيام
البيض، لأن الليل من أوله إلى آخره لا يزال فيها منوّراً، فجعل لياليها أياماً لإزالة ظلمة الليل
وطلوع الشمس بوساطة القمر مكملاً فجعلها شهادة وكانت غيباً يستتر فيها كل شيء فصار
يظهر فيها كل ما كان مستوراً بظلمة الليل، فالنهار وإن كان ولد الليل فهو من أعدائه لأنه ينفره
أبداً، قال تعالى: ﴿إِنَ مِنْ أَزْوَحِكُمْ وَأَوَلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [سورة التغابن: الآية ١٤]:
[مجزوء الرجز]
لو كان يُغْنِي حَذَري
يا حَذَري من حَذَري
فالنهار ولد عاق لا يزال يطرد أباه ويهججه ليلاً ونهاراً على قدر ما يقدر عليه، فظهور
الشمس في مرآة القمر ظهور حق في خلق لأن النور اسم من أسماء الله تعالى فظهر باسمه
النور في ظهور القمر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ اُلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُرًا﴾ فهو مجلّى لنور الشمس ﴿وَجَعَلَ
الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [سورة نوح: الآية ١٦] فإن النور الحق هو سبحانه، فإنه الممدّ بالنورية لكل منوّر،
والسراج نور ممدود بالدهن الذي يعطيه بقاء الإضاءة عليه ولهذا جعل الشمس سراجاً،
وكذلك جعل نبيه وَلَه سراجاً منيراً لأنه يمدّه بنور الوحي الإلهيّ في دعائه إلى الله عباده. ومن
شرط من يدعي الإجابة إلى ذلك وجعله بإلى في قوله إلى الله وهو حرف غاية وهو انتهاء
المطلوب، فتضمَّنت حرف إلى أن المدعوّ لا بدّ أن يكون له سعي من نفسه إلى الله، فإن
مشى في الظلمة فإنه لا يبصر مواقع الهلكة في الطريق، فتحول بينه وبين الوصول إلى الله
الذي دعاه إليه بحفرة يقع فيها وبئر يتردّى فيها أو شجرة أو حائط يضرب في وجهه فيصرفه
عن مطلوبه أو الطريق الموصلة إليه يضل عنها لعدم التمييز في الطرق، فإنّ هذه كلها كالشبه
المضلّة للإنسان في نظره إذا أراد القرب من الله بالعلم من حيث عقله، وافتقر إلى نور يكشف
به ما يصدّه عن مطلوبه ويحرمه الوصول إليه لما دعاه، فجعل الحق شرعه سراجاً منيراً يتبين
لذلك المدعوّ بالسراج الطريق الموصلة إلى من دعاه إليه فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ
شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٥] أي بأمره لم يكن ذلك من
نفسك ولا من عقلك ونظرك ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٦] أي يظهر به للمدعوّ ما
يمنعه من الوصول فيجتنبه على بصيرة كما قال: ﴿أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَأْ وَمَنِ أَنَّبَعَنِّ﴾
[سورة يوسف: الآية ١٠٨] فجعل لنا سهماً ممّا وصفه به الحق من صفة السراج المنير فهو نور
ممدود بإمداد إلهيّ لا بإمداد عقليّ.
ثم إن الحق سبحانه لما كان من أسمائه تعالى الدهر كما ورد في الصحيح: ((لاَ تَسُبُّوا

٣٨٧
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ)). فأمر بتنزيه الزمان من حيث ما سمي دهراً لكون الدهر إسماً من
أسماء الله تعالى، فصار لفظ الدهر من الألفاظ المشتركة، كما ننزّه الحروف أعني حروف
المعجم من حيث إنها كتب بها كلام الله تعالى وعظمناها فقال: فأجره حتى يسمع كلام الله،
ونهانا أن نسافر بالمصحف إلى أرض العدو، وما سمع السامع إلاَّ أصواتاً وحروفاً فلما جعلها
كلامه أوجب علينا تنزيهها وتقديسها وتعظيمها فقال النبيّ وَلّ مخبراً لنا: ((أنَّ صيام الأيام
البيض صيام الدهر)) من باب الإشارة ما هو صيامكم. فأضاف الصوم إلى الدهر وهو قوله
تعالى: الصوم لي .
ولما جعله صيام الدهر وأنت الصائم في هذه الأيام كان الدهر كمثل الشمس في
ظهورها في القمر، وكان القمر كالإنسان الصائم، وكان نور القمر كالصوم المضاف إلى
الإنسان إذا كان هو محل وهو مجلي الدهر تعالى، فهو صوم حق في صورة خلق كما قال على
لسان عبده: سمع الله لمن حمده، فالقائل الله والسماع متعلق بلفظ العبد فهو نطق إلهيّ في
خلق، فهو قول الله في هذه الحال لا قول العبد، فالسمع على الحقيقة إنما تعلق بكلام الله
على لسان العبد الذي هو مجرى الحروف المقطعة، فينبغي للناصح نفسه أن يصوم الغرر من
أول كل شهر على نية ما ذكرناه لك من الاعتبار، ويصوم الأيام البيض على هذا الاعتبار الآخر
وهو صوم النيابة عن الحق، فلك جزاء الحق لا الجزاء الذي يليق بك، وكل شيء له فما ثم
من يقوم مقامه أن يكون جزاء له، وكذلك هذا الصائم بهذا الحضور فإنه في عبادة لا مثل لها
بنيابة إلهية ومجلى اسم إلهيّ يقال له الدهر فله كل شيء، كما كان الدهر ظرف كل شيء، فلا
جزاء لهذا الصائم غير من ناب عنه إذ كان مجلاه ولهذا قال: وأنا أجزي به معناه أنا جزاؤه
بسبب كونه صائماً بحق شهوديّ مشهود له ما هو للحق لا للعبد، فقد عرفتك كيف تصوم
الأيام البيض وما تحضره في نفسك عندما تريد أن تشرع فيها وهي صفة كمال العبد في الأخذ
عن الله، كما كان القمر في هذه الأيام موصوفاً بالكمال في أخذه النور من الشمس من الاسم
الظاهر للخلق، فإن له أيضاً كمالاً آخر في الوجه الآخر منه من الاسم الباطن ليلة السرار وهو
مجلّ في تلك الليلة من غير إمداد يرجع إلى الخلق، بل هو في السرار بما يخصّه من حيث
ذاته خالص له، وهو الذي أشرنا إليه في صوم سرر الشهر المأمور به شرعاً وقد تقدّم .
فاجعل بالك لما فتحناه إلى عين فهمك عناية من الله بك من حيث لا تشعر، ولا
يحجبنك عن هذا العلم الغريب الذي بيّناه لك الرؤيا الشيطانية التي رؤيت في حق أبي حامد
الغزاليّ فحكاها علماء الرسوم وذهلوا عن أمر الله تعالى سبحانه لنبيه في قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ
عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] لم يقل عملاً ولا حالاً ولا شيئاً سوى العلم، أتراه أمره بأن يطلب
الحجاب عن الله والبعد منه والصفة الناقصة عن درجة الكمال؟ أتراه في قوله: ضرب بيده
يعني ضربة الحق إياه فعلمت في تلك الضربة علم الأولين والآخرين لأي شيء لم يذكر العمل
ولا الحال؟ فحكى أصحاب الرسوم عن شخص سمّوه وهو أنه رأى أبا حامد الغزالي في النوم
فقال له أو سأله عن حاله فقال له: لولا هذا العلم الغريب لكنا على خير كثير، فتأولها علماء

٣٨٨
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الرسوم على ما كان عليه أبو حامد من علم هذا الطريق وقصد إبليس بهذا التأويل الذي زيّن
لهم أن يعرضوا عن هذا العلم فيحرموا هذه الدرجات، هذا إذا لم يكن لإبليس مدخل في
الرؤيا وكانت الرؤيا ملكية، وإذا كانت الرؤيا من الله والرائي في غير موطن الحسّ والمرئي
ميت فهو عند الحق لا في موطن الحسّ، والعلم الذي كان يحرّض عليه أبو حامد وأمثاله في
أسرار العبادات وغيرها ما هو غريب عن ذلك الموطن الذي الإنسان فيه بعد الموت بل تلك
حضرته وذلك محله، فلم يبق العلم الغريب على ذلك الموطن إلاَّ العلم الذي كان يشتغل به
في الدنيا من علم الطلاق والنكاح والمبايعات والمزارعة وعلوم الأحكام التي تتعلق بالدنيا
ليس لها إلى الآخرة تعلق البتة لأنه بالموت يفارقها.
فهذه العلوم الغريبة عن موطن الآخرة وكالهندسة والهيئة وأمثال هذه العلوم التي لا
منفعة لها إلاَّ في الدار الدنيا وإن كان له الأجر فيها من حيث قصده ونيته، فالخير الذي يرجع
إليه من ذلك قصده ونيته لا عين العلم، فإن العلم يتبع معلومه، ومعلومه هذا كان حكمه في
الدنيا لا في الآخرة، فكأنه يقول له في رؤياه: لو اشتغلنا زمان شغلنا بهذا العلم الغريب عن
هذا الموطن بالعلم الذي يليق به ويطلبه هذا الموضع لكنا على خير كثير، ففاتنا من خير هذا
الموطن على قدر اشتغالنا بالعلم الذي كان تعلقه بالدار الدنيا، فهذا تأويل رؤيا هذا الرائي لا
ما ذكروه، ولو عقلوا لتفطنوا في قوله العلم الغريب، فلو كان علمه بأسرار العبادة وما يتعلق
بالجناب الأخرويّ لما كان غريباً لأن ذلك موطنه والغربة إنما هي لفراق الوطن فثبت ما
ذكرناه، فإياك أن تحجب عن طلب هذه العلوم الإلهية والأخروية، وخذ من علوم الشريعة
على قدر ما تمس الحاجة إليه ممّا ينفرض عليك طلبه خاصة وقل رب زدني علماً على الدوام
دنيا وآخرة .
وصل في فصل - صيام الاثنين والخميس: خرّج النسائي عن أسامة بن زيد قال:
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَصُومُ حَتَى تَكَادُ لاَ تُفْطِرُ وَتُفْطِرُ حَتَى تَكَادُ لاَ تَصُومُ إِلَّ يَوْمَيْنِ إِنْ
دَخَلا فِي صِيَامِكَ وَإِلاَّ صُمْتَهُمَا، قَالَ: أَّ يَوْمَيْنِ؟ قُلْتُ: يَوْمُ الاثْنَيْنِ وَيَوْمُ الخَمِيسِ، قَالَ:
ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُغْرَضَ عَمْلِي وَأَنَاَ صَائِمٌ)).
فاعلم أن أسماء الأيام الخمسة جاءت بأسماء العدد أوّلها الأحد وآخرها الخميس، واختصّ
السادس باسم العروبة وفي الإسلام باسم الجمعة، والسابع بيوم السبت فسميا بالحال لا باسم
العدد، كما أقسم بالخمسة الخنس الجواري وهي التي لها الإقبال والإدبار، ولم يجعل معهنّ
في هذا القسم الشمس والقمر وإن كانا من الجواري ولكنهما ليس من الخنس، كذلك الجمعة
والسبت وإن كانا من الأيام لم يجعل اسمهما من أسماء العدد، فلنذكر هنا ما يختص بالاثنين
والخميس كما نذكر في صيام الجمعة والسبت والأحد ما يختص بهنّ أيضاً في موضعه من هذا
الباب، فيوم الاثنين لآدم صلوات الله عليه، ويوم الخميس لموسى صلَّى الله عليه وسلّم،
فجمع بين آدم ومحمد # الجمعية في الأسماء وجوامع الكلم، فكما أن آدم علّم الأسماء
كلها كذلك محمد مَّ أوتي جوامع الكلم، والأسماء من الكلم، فتلبس بيوم الاثنين الذي هو

٣٨٩
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
خاص بآدم لهذه المشاركة، وأما موسى فجمع بينه وبين محمد ولو وعلى جميع النبيين الرفق
وهو الذي تطلبه الرحمة، وكان النبيّ وَلّ أرسله الله رحمة للعالمين، وكان موسى في ليلة
الإسراء لما اجتمع به رسول الله ب18َّ وبمن اجتمع من الأنبياء عليهم السلام لم يأمره أحد من
الأنبياء ولا نبّهه على الرفق بأمّته إلاَّ موسى صلَّى الله عليه وسلّم لما فرض الله علينا في تلك
الليلة خمسين صلاة، فما سأله أحد من الأنبياء لما رجع عليهم ما فرض الله على أمّتك إلاّ
موسى عليه السلام، فتهمم بنا دون سائر الأنبياء عليهم السلام، فلما قال له رسول الله وَليه :
خمسين صلاة، قال له موسى عليه السلام: راجع ربك في ذلك الحديث. وفيه: ((فَمَا زِلْتُ
أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ وَبَيْنَ مُوسَىْ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتَى فَرَضَهَا خَمْسَةً فِي العَمَلِ وَجَعَلَ
أَجْرَهَا أَجْرَ خَمْسِينَ)) فنقص من التكليف وأبقى الأجر على ما كان عليه في الأصل، فلما جمع
بينه وبين موسى في صفة الرفق بنا تلبس معه بيوم الخميس الذي هو لموسى عليه السلام،
وكان يتذكر بآدم في صوم الاثنين ما هو عليه من العلم، ويتذكر بموسى في صوم الخميس
الرحمة التي أرسل بها للعالمين، وهما في حال لا يأكلان ولا يشربان فيه لأنهما قد فارقا
الحياة الدنيا وما هما في عالم النشء الجسمي الذي يطلب الغذاء بل هما في برزخ لا غذاء فيه
بين النشأتين، فأراد و8# لما وقعت بينه وبينهما المشاركة فيما ذكرناه أن يتلبس في هذين
اليومين اللذين يجتمع معهما فيهما بترك الطعام والشراب موافقة لهما ليتفرّغ ◌َلّ لتحصيل ما
أدّاه إلى الاجتماع بهما في هذين اليومين، وجعله صوماً دون أن يعتبره اتساعاً من الغذاء،
فحسب حتى يكون تركه ذلك عملاً مشروعاً، فتلبس بصفة هي للحق وهو الصوم فصامهما
ليعرض عمله على رب العالمين في ذينك اليومين وهو متلبس بصفة الحق إذ كان الصوم له.
ولما كان الصوم بالنسبة إلى العباد يدخله الفساد لما كان قابلاً لذلك ويقبل الصلاح
أيضاً كان العرض على رب العالمين لا على اسم غيره، والرب هو المصلح فيصلح ما دخل
في هذا الصوم من الفساد إن كان دخله فساد من حيث لا يشعر، ويتعلق هذا الحكم بالعلامة
خاصة وهي الدلالة على الله تعالى ولذلك قال على رب العالمين من العلامة، وفساد العلامة
إنما هو من طرو الشبهة عليها في النظر العقليّ، وما ثم شبهة أعظم من نسبة الصوم لله دون
سائر الأعمال ووصف العبد به، فإذا حصل العرض الذي هو التجلّ والكشف بأن للصائم ما
الله من الصوم وما للعبد منه فزالت الشبهة التي يقبلها العقل بالكشف الإلهيّ فهذا معنى مصلح
العلامة .
وأما إذا اعتبرته بمربي العالمين أي مغذيهم فغذاء الصائم في هذا العرض هو ما يفيده
الحق في هذا الصوم من العلوم المختصة بهذين اليومين من علم الأسماء وعلم الاثنتي عشرة
عيناً التي في العلم بها العلم بكل ما سوى الله وهو علم الحياة التي يحيا بها كل شيء، وهو
العلم المتولد بين النبات والجماد من المولدات بصفة القهر، فإن العيون الاثنتي عشرة إنما
ظهرت بضرب العصا الحجر فانفجرت منه بذلك الضرب اثنتا عشرة عيناً يريد علوم المشاهدة
عن مجاهدة بسبب الضرب وعلوم ذوق لأن الماء من الأشياء التي تذاق ويختلف طعمها في

٣٩٠
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الذوق فيعلم بذلك نسبة الحياة كيف اتصف بها المسمّى جماداً، حتى أخبر عنه الصادق أنه
يسبح بحمد الله لأن الحق أضاف ذلك إلى الحجر بقوله منه. ومن لا كشف له ولا إيمان لا
يثبت للجماد حياة فكيف تسبيحاً؟ نعوذ بالله من الخذلان. فيعلم بهذا الكشف نسبة الحياة
أيضاً إلى النبات لأن الضرب كان بالعصا وهي من عالم النبات، وبضربه بها ظهر ما ظهر،
ومن لا كشف له لا يعلم أن النبات حتيّ إلاَّ من يصرف الحياة إلى النموّ فيعلم في يوم الخميس
إذا صام من أجل الإمداد روحانية موسى عليه السلام فيه علم الاثنتي عشرة عيناً على الكشف
والمشاهدة، وهو علم ما يتعلق بمصالح العالم قد علم كل أناس مشربهم من تلك العيون،
فمن علمها علم حكم الاثنتي عشر برجاً، وعلم منتهى أسماء الأعداد وهي اثنا عشر، وعلم
الإنسان بما هو وليّ الله تعالى [البسيط].
فانظُرْ إلى شجرٍ يَقْضي على حَجَرٍ
وانظر إلى ضارب من خلف أسْتَّار
وكان الحجاب عليه والستر موسى عليه السلام، كما كان الحجاب للأعرابي على كلام
الله محمداً وَالر، فبصوم يوم الاثنين يجمع بين خلق وحق في بساط مشاهدة وحضور لتحصيل
علم الأسماء الإلهية، وبصوم يوم الخميس يجمع حفظ نفسه وحفظ الأربع من جهاته التي
يدخل عليه منها الشبه المضلّة فإنها طرق الشيطان من قوله: ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ﴾ عن
أمر واستفزاز ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ عن أمر وأجلب عليهم ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾ عن أمر وشاركهم ﴿وَعَن
شَيِلِهِمْ﴾ عن أمر وعدهم وهو بعينه في الوسط، فإن به تميّزت هذه الجهات الأربع وكان
المجموع في هذه الحضرة خمسة فاعتصم بصوم يوم الخميس لكون الخمسة من خصائصه
وموسى صاحبه فيها وهو فظ غليظ يفرق الشيطان منه لفظاظته، فيعتصم الصائم يوم الخميس
بهذا الحضور الذي ذكرناه من الشيطان الذي أرصد له على هذه الجهات ومن قبول نفسه لما
يرد به هذا الشيطان لو ورد عليه وهو الشيء الخامس المساعد للشيطان فيما يرومه فيكون
موسى حاجب هذه الأبواب، فيبقى الصائم فيها مستريحاً آمناً وهو صاحب الصوم في ذلك
اليوم، ولم يقل ذلك في آدم في صوم الاثنين، وجعلناه في الاعتبار جمع حق وخلق لئلا يطرأ
عليه الخلل في صومه من حيث لا يشعر، فإن آدم صاحب ذلك اليوم قبل من إبليس الأزلال
من حيث لا يشعر، ومن لم يدفع عن نفسه فأحرى أن لا يقدر أن يدفع عن غيره، فحمل
الاثنين على حق وخلق للاشتراك في صفة الصوم ولم يعتبر آدم في هذا الموطن، ونسبة
الخمسة الخنس ليوم الخميس الذي هو لموسى لكونها لها الكرّ والفرّ بما لها من الإقبال
والإدبار في السير، فلها الحكم والقوّة بذلك على غيرها لقوّة الخمسة التي جمعتها، فإن
الخمسة من الأعداد تحفظ نفسها وتحفظ العشرين، وما ثم عدد له هذه المرتبة ولا هذه القوّة
إلاَّ هذه الخمسة، ومن حفظ نفسه وغيره كان أقوى شبهاً بما تطلبه العقول من التشبّه بمن له
هذه الصفة، قال تعالى: ﴿وَلَا يُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٥] وقال: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
حَفِيُظُ﴾ [سورة سبأ: الآية ٢١] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء التاسع
والخمسون .

٣٩١
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
(الجزء الستون)
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
وصل في فصل - صيام يوم الجمعة: اختلف العلماء في صوم يوم الجمعة، فمن قائل:
يكره صومه. ومن قائل: يكره صومه إلاَّ أن يصام قبله أو بعده. خرّج مسلمٍ عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَلَّ: (لاَ يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ»
وخرّج البخاريّ عن جويرية بنت الحارث: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ
فَقَالَ: أَصُمْتِ أَمْس؟ قَالَتْ: لاَ، قَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَداً؟ قَالَتْ: لاَ، قَالَ: فَأَفْطِرِي)).
اعلم أن يوم الجمعة هو آخر أيام الخلق وفيه خلق من خلقه الله على الصورة وهو آدم،
فيه ظهر كمال إتمام الخلق وغايته، وبه ظهر أكمل المخلوقات وهو الإنسان، وهو آخر
المولدات، فحفظ الله به الاسم الآخر على الحضرة الإلهية، وحفظه الله بالاسم الآخر، فهو
الذي ينظر إليه من الأسماء الإلهية، ولما جمع الله خلق الإنسان فيه بما أنشأه تعالى عليه من
الجمع بين الصورتين: صورة الحق وصورة العالم سمّاه الله بلسان الشرع يوم الجمعة، ولما
زيّنه الله بزينة الأسماء الإلهية وحلاه بها وأقامه خليفة فيها بها فظهر بأحسن زينة إلهية في
الكمال، وخصّه الله تعالى بأن جعله أوسع من رحمته تعالى، فإن رحمته لا تسعه سبحانه ولا
تعود عليه وأن محلها الذي لها الأثر فيه إنما هو المخلوقون ووسع القلب الحق سبحانه فلهذا
كان أوسع من رحمة الله، وهذا من أعجب الأشياء أنه مخلوق من رحمة الله وهو أوسع منها،
ومن كان مجلى كمال الحق فلا زينة أعلى من زينة الله فأطلق الله عليه اسماً على ألسنة العرب
في الجاهلية وهو لفظ العروبة أي هو يوم الحسن والزينة، فظهر الحق في كماليته في أكمل
الخلق وهو آدم، فلم يكن في الأيام أكمل من يوم الجمعة فإن فيه ظهرت حكمة الاقتدار بخلق
الإنسان فيه الذي خلقه الله على صورته فلم يبق للاقتدار الإلهيّ كمال يخلقه إذ لا أكمل من
صورة الحق، فلما كان أكمل الأيام وخلق فيه أكمل الموجودات وخصّه الله بالساعة التي
ليست لغيره من الأيام والزمان كله ليس سوى هذه الأيام فلم تحصل هذه الساعة لشيء من
الأزمان إلاَّ ليوم الجمعة وهي جزء من أربع وعشرين جزءاً من اليوم وهي في النصف منه وهو
المعبر عنه بالنهار فهي في ظاهر اليوم وفي باطن الإنسان، لأن ظاهر الإنسان يقابل باطن
اليوم، وباطن الإنسان يقابل ظاهر اليوم، ألا تراه أمر في رمضان بالقيام بالليل؟ والقيام حكم
ظاهر الإنسان فإنّ الظاهر منه هو المستريح بالنوم، وجعل الله النوم له سباتاً أي راحة والليل
محل التجلي الإلهيّ والنزول الربانيّ. واستقبال هذا النزول بالقيام الكونيّ واجب في الطريق
أدباً إلهياً، وهذا النزول في الليل يقوم مقام الساعة التي في نهار الجمعة، لكن النزول في كل
ليلة والساعة خاصة بيوم الجمعة فإنها ساعة الكمال، والكمال لا يكون إلاَّ واحداً في كل
جنس إن كان ذلك الجنس ممّن له استعداد الكمال كاستعداد الإنسان، وما هو ثم ممّا قبله غیر
الإنسان، فالإنسان كامل بربه لأجل الصورة، ويوم الجمعة كامل بالإنسان لكونه خلق فيه،

٣٩٢
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوء
وما خلق فيه إلاَّ في الساعة المذكورة فيه فإنها أشرف ساعاته، والحكم فيها للروح الذي في
"السماء السادسة وهي سماء العدل، والاعتدال صفات وكمال الباطن، فإن سلطان هذا اليوم
هو الروح الذي في السماء الثالثة، وله الاستبداد التام في يومه في الساعة الأولى منه والثامنة .
فهو الحاكم بنفسه تجلياً، وسائر ساعاته يجري حكمه فيه بنوابه والعلم أكمل الصفات فخص
الأكمل بالأكمل .
والصوم لا مثل له في العبادات، فأشبه من لا مثل له في نفي المثلية ومن لا مثل له قد
اتصف بصفتين متقابلتين من وجه واحد وهو الأول والآخر وهو ما بينهما إذ كان هو
الموصوف، وكذلك هو بين الظاهر والباطن، وهاتان الصفتان في المعنى واحدة، وإنما كان
الانقسام فيما ظهر عنها من الحكم، فأطلق عليها اسم الظاهر لظهور الحكم عنها واسم الباطن
لخفاء سببه فهما نسبتان له، فلما لم يكن بدّ من إثبات هذه الصفة النسبية التي هي معقول
حكمها غير معقول حكم الموصوف لم يكن بدّ من إثباتها، وكل حكم له أوّلية وآخرية في
المحكوم عليه، فهو الأوّل والآخر من حيث المعنى واحد، ومن ابتدائه وانتهائه طرفان فيما لا
ينقسم .
ولما كان الأمر على ما قرّرناه كان من أراد أن يصوم الجمعة يصوم يوماً قبله أو يوماً
بعده ولا يفرد بالصوم لما ذكرناه من الشبه في صيام ذلك اليوم وقيام ليلته، إذ كان ليس كمثله
يوم، فإنه خير يوم طلعت فيه الشمس، فما أحكم علم الشرع في كونه حكم أن لا يفرد
بالصوم ولا ليلته بالقيام تعظيماً لرتبته على سائر الأيام وهو اليوم الذي اختلفت فيه الأمم،
فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فما بيّنه الله لأحد إلاَّ لمحمد ◌َلو لمناسبته الكمالية
فإنه أكمل الأنبياء ونحن أكمل الأمم، وسائر الأمم وأنبيائها ما أبان الحق لهم عنه لأنهم لم
يكونوا من المستعدين له لكونهم دون درجة الكمال أنبياؤهم دون محمد ◌َّ وأممهم دوننا في
كمالنا، فالحمد لله الذي اصطفانا، فنحن بحمد الله يوم الجمعة ورسول الله وَل عيّن الساعة
التي فيها التي بها فضل يوم الجمعة على سائر الأيام كما فضلنا نحن بمحمد وَلّر على سائر
الأمم، والصوم لله من وجه التنزيه، والصوم للإنسان عبادة وموضع الاشتراك الصوم، فصوم
يوم الجمعة بما هو منه الله، وصوم اليوم المضاف إليه بما هو للعبد منه إذ بصيام العبد صحَّ أن
يكون الصوم لله، وبصيام اليوم المضاف إلى يوم الجمعة صحّ صوم يوم الجمعة والله عليم
حکیم.
وصل في فصل - صيام يوم السبت: خرّج أبو داود عن عبد الله بن بشر عن أخيه أن
رسول الله صَلّه قال: ((لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ
عُودَ عِنَبٍ أَوْ لِحَاءَ شَجَرٍ فَلْيَمْضِغْهُ)). قال أبو داود: هذا منسوخ. قال أبو عيسى في هذا
الحديث حديث حسن. وخرّج النسائي عن أمّ سلمة قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ يَصُومُ يَوْمَ
السَّبْتِ والأَحَدِ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ)).
واختلف العلماء في صوم يوم السبت، فمن قائل: بصومه. ومن قائل: لا يصام. اعلم

٣٩٣
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
أن يوم السبت عندنا هو يوم الأبد الذي لا انقضاء ليومه، فليله في جهنم فهي سوداء مظلمة،
ونهاره لأهل الجنان فالجنة مضيئة مشرقة، والجوع مستمرّ دائم في أهل النار وضدّه في أهل
الجنان، فهم يأكلون عن شهوة لا لدفع ألم جوع ولا عطش، فمن كان مشهده القبض
والخوف اللذين هما من نعوت جهنم قال: يصومه لأن الصوم جنة فيتقي به هذا الأمر الذي
أذهله، وقد ورد في كتاب الترغيب لابن زنجويه عن رسول الله وَيّ: ((أَنَّهُ مَنْ صَامَ يَوْماً ابْتِغَاءَ
وَجْهِ اللَّهِ بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَريفًا)) ومثل هذا ومن كان مشهده البسط والرجاء والجنة
وعرف أن يوم السبت إنما سمي سبتاً لمعنى الراحة فيه وإن لم تكن الراحة عن تعب وهو يوم
ما بين ابتداء الخلق الذي وقع في يوم الأحد وبين انتهاء الخلق الذي وقع في يوم الجمعة
وتلك الستة الأيام التي خلق الله فيها الخلق. وقال في يوم السبت وقد وضع إحدى الرجلين
على الأخرى: أنا الملك وأحكم العالم وقدّر في الأرض أقواتها وأوحى في كل سماء أمرها
ووضع الموازين، وأحال الخلق بعضهم على بعض وجعل منهم المفيض والقابل، وأكمل
استعداداتهم على أتم الوجوه، وفعل كما أخبر من أنه أعطى كل شيء خلقه ووصف نفسه
بالفراغ قال: من هذا مشهده الحكمة تعطي الفطر في هذا اليوم فحجر صومه، ولما في ذلك
من التعب الذي يضادّ الراحة فإن الصوم مشقة لأنه ضدّ ما جبل عليه الإنسان من التغذي، وأمّا
من صامه لمراعاة خلاف المشركين فمشهده أن مشهد المشرك الشريك الذي نصبه فلما ولي
الشريك أمورهم في زعمهم بما ولّوه جعل لهم ذلك اليوم عيد الفرحة بالولاية فأطعمهم فيه
وسقاهم، ولست أعني بالشريك الذي عبدوه واستندوا إليه وإنما أعني بالشريك صورته القائمة
بنفوسهم لا عينه فهو الذي أعطاهم السرور في هذا اليوم وجعله عيداً لهم. وأمّا الذين جعلوه
شريكاً لله فلا يخلو ذلك المجعول أن يرضى بهذا المحال أو لا يرضى، فإن رضي كان
بمثابتهم كفرعون وغيره، وإن لم يرض وهرب إلى الله بما نسبوا إليه سعد هو في نفسه ولحق
الشقاء بالناصبين له، فمن صامه بهذا الشهود فهو صوم مقابلة ضدّ لبعد المناسبة بين المشرك
والموحد، فأراد أن يتصف أيضاً في حكمه في ذلك اليوم بصفة التقابل بالصوم الذي يقابل
فطرهم ولذلك كان يصومه أقل .
وصل في فصل - صوم يوم الأحد: فمن اعتبر ما ذكرناه من هذا الشهود فإنه يوم عيد
للنصارى صامه لمخالفتهم، ومن اعتبر فيه أنه أوّل يوم اعتنى الله فيه بخلق الخلق في أعيانهم
صامه شكراً لله تعالى فقابله بعبادة لا مثل لها، فاختلف قصد العارفين في صومهم، ومن
العارفين من صامه لكونه الأحد خاصة، والأحد صفة تنزيه للحق، والصوم صفة تنزيه ورتبة
منيعة الحمى لما في الصوم من التحجير على الصائم عن الحظ النفسيّ من الإفطار والاستمتاع
من الجماع والتنزيه عن المذام، فالصائم محجور عليه أن يغتاب أو يرفث أو يجهل أو يتصف
بمذموم شرعاً في تلك الحال، فوقعت المناسبة بينه وبين الأحد في صفة التنزيه فصامه لذلك
وكل له شرب معلوم فعامله بأشرف الصفات، ولهذا كان للصوم من الطبيعة الحرارة واليبوسة
لفقد الغذاء، وهو ضدّ ما تطلبه الطبيعة فإنها تطلب لأجل الحياة الحرارة لا منفعلها، وتطلب

٣٩٤
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
الرطوبة التي هي منفلعة عن البرودة فقابلها الصائم بالضدّ فقابلها بالأصل ومنفعله فإنه مأمور
بمخالفة النفس، والنفس طبيعة محضة منازعة للإله بذاتها لتوقف وجود عالم الأجسام كله
عليها، ولولاها لم يظهر لعالم الأجسام عين، فزهت وتاهت لذلك فقيل للروح المدبر لهذ
الجسم العنصريّ المأمور بحفظ الاعتدال على هذا الجسد والنظر في مصالحه إذا رأيت النفس
الطبيعية في هذا المقام من الزهو والخيلاء فامنعها عن الطعام والشراب والاستمتاع بالجماع
بية المخالفة لها ونية التنزيه عمّا تتخيله الطبيعة أنك مفتقر إليها في ذلك، ولتعلم الطبيعة أنها
محكوم عليها فتذل تحت العبودة والافتقار لطلب الغذاء من هذا المدبر لهذا الهيكل، فسمّي
مثل هذا التدبير صوماً، فإن منعها عن ذلك كله لصلاح المزاج لا يسمّى صوماً وذلك الفعل
للروح إنما هو من تدبير الطبيعة فسمّي مثل هذا حمية لا صوماً، فإن نوى الروح بهذه الحمية
ومساعدة الطبيعة فيما أمرته به صلاح مزاج هذا البدن لأجل عبادة الله وأن يقوم بجميع ما أمره
الله به من العبادة في حركاته وسكناته التي لا تظهر منه إلاّ بصلاح المزاج أجر في تلك الحمية
وإن لم تكن صوماً فهذا قد أبنت لك بعض أسرار صوم يوم الأحد.
وصل في فصل - أن التجلي المثالي الرمضاني وغيره إذا كان فهو لوقته: خرّج مسلم في
صحيحه عن أبي البختري قال: لقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هذا
ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أيّ ليلة رأيتموه؟ فقلنا: ليلة كذا وكذا،
فقال: إن رسول الله وَلّ قال: ((إِنَّ اللَّهَ مَذَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ))، قالت السادة من أهل
الله: الحكم للوقت والإنسان أو الصوفيّ ابن وقته لا يحكم عليه ماض ولا مستقبل غير أن
الإنسان لا يعرف أنه ابن وقته مع حكم الوقت عليه، والصوفي يعلم أنه بحكم وقته كذا هو في
نفس الأمر فلهذا قلنا: إن الصوفي ابن وقته لاطلاعه على ذلك ولعلمه أنه فيما يحكم عليه به
وفيه أثر النبوّة، وما كل إنسان يعلم ذلك مع أنه كذا في نفس الأمر، فمتى ما ظهر للإنسان هذا
الحكم واتصف على علم بأنه ابن وقته فذلك معنى قوله وَ له: (هُوَ لِلَيْلَةِ رَأَنْتُمُوهُ)). فإنا نعلم
قطعاً إذا كان الهلال في الشعاع أنه متجلّ لنا ولكنا لا نراه، كما نعلم قطعاً أن الكواكب في
السماء بالنهار متجلية لنا ولكنا لا نراها لضعف الإدراك البصريّ فلا ننسب إليه، فإذا رأيناه فإنه
الوقت الذي نراه فيه لنعلمه فيحكم علينا بما يعطيه ذلك التجلي، فإن كان رمضان أثر فينا نية
الصوم، وإن كان هلال فطر أثر فينا نية الفطر، وإن لم يكن إلاّ هلال شهر من الشهور أثر فينا
العلم بزوال حكم الشهر الذي انقضى وحكم الشهر الذي هذا هلاله. وتختلف أحوال الناس
فتمتاز الأوقات به لانقضاء الآجال في كل شيء من المبايعات والمداينات والأكرية وأفعال
الحج، يقول الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [سورة البقرة: الآية
١٨٩] كما قررناه .
وصل في فصل - الشهادة في رؤيته: فإن لم نره وأخبرنا به رجل واحد أو اثنان فهل
ندخل تحت حكم الوقت وتقوم لنا الشهادة مقام الرؤية؟ فأقول: لا يخلو حكم هذا الهلال في
ظهوره أن يظهر بحكم يوافق الغرض النفسيّ أو يخالفه، فإن خالف قبلنا فيه شهادة الواحد

٣٩٥
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
ويكون الشاهد الآخر ما أمرنا به من مخالفة النفس فإن النفس بطبعها ما تريد هذا الحكم،
فينبغي لنا أن نعمل به في هلال الصوم. ولما كان الفطر فيه غرض النفس طلبنا شاهداً آخر في
الظاهر يشهد لنا حتى يكون فطرنا عبادة لا لأجل غرض النفس وربما اشترطنا فيهما العدالة
وأن مثل هذا الفطر الذي هو عيد الفطر عبادة وصومه حرام فإنا فيه أعني في رؤية هلال الفطر
مستقبلو عبادة لوجوب الفطر فيه وتحريم الصوم: كما أنا في هلال رمضان مستقبلو عبادة
لوجوب الصوم وتحريم الفطر فلا فرق، ومع هذا يحتاج إلى شاهدين في هلال الفطر جرياً
على الأصل، ولولا الخبر الوارد في هلال الصوم لأجريناه مجرى هلال الفطر وإن كان الأمر
فيه على الاحتمال، ولكن لنا ما ظهر فيحتاج في هلال الفطر إلى شاهدين ظاهرين، وفي
هلال الصوم إلى شاهدين ظاهر وباطن، فالباطن شاهد الأمر بمخالفة النفس يقول تعالى :
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىٌ﴾ [سورة النازعات: الآية ٤٠].
والصوم ليس للنفس فيه هوى طبيعيّ فما صمنا إلاَّ بشاهدين ولا أفطرنا إلاَّ بشاهدين
لأن كل واحدة من العبادتين حكم وجوديّ، فلا بدّ لكل نتيجة من مقدّمتين وهما في هذه
العبادات الشاهدان، فلنذكر الأخبار الواردة في ذلك لنفيد الواقف على هذا الكتاب مأخذنا
حتى لا يفتقر إلى كتاب آخر فيتعب فأقول: حديث وارد في سنن أبي داود: خرّج أبو داود عن
ربعيّ بن خراش عن رجل من أصحاب النبيّ وَ * قال: ((اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْم مِنْ
رَمَضَانَ فَقَدِمَ أَعْرَابِيانِ فَشَهِدَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ بالله لأَهلَّ الهلال أمس عشية فَأَمَّرَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴿ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ)). حديث آخر أيضاً من سنن أبي داود:
خرّج أبو داود أيضاً عن ابن عمر قال: ((تَرَاءَى النَّاسُ الهِلالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَنِّي رَأَيْتُهُ
فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ)). حديث ثالث عن أبي داود أيضاً: خرّج أبو داود أيضاً عن
الحسين بن الحارث أن أمير مكة خطب ثم قال: عهد إلينا رسول الله رض أن ننسك للرؤية
فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، ثم قال: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله
مني وشهد هذا من رسول الله وَلهو وأومأ بيده إلى رجل قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي :
من هذا الذي أومأ إليه؟ فقال: هذا عبد الله بن عمر، وأمير مكة كان الحارث بن حاطب
الجمحيّ. حديث رابع للدار قطنيّ: وذكر الدارقطنيّ من حديث ابن عمر وابن عباس قالا:
((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ وَقَالا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
لاَ يُجِيزُ شَهَادَةَ الإِفْطَارِ إِلَّ بِرَجْلَيْنِ)) وهذا الحديث ضعيف.
وصل في فصل - الصائم ينقضي أكثر نهاره في رؤية نفسه دون ربه: لما كان الصوم
حكماً أضافه الله إليه وعرّى الصائم عنه مع كونه أمره بالصيام فانبغى للصائم أن يكون مدّة
صومه ناظراً فيه إلى ربه حتى يصحّ كونه صائماً لا يغفل عنه، فإن الحق لا يضيفه إليه حتى
يصحّ أنه صوم، ولا يصحّ إلاَّ بصيام العبد على الصورة التي شرع الله له فيه أن يأتي بها، فإن
لم يصمه على حدّ ما شرع له فما هو صائم، وإذا لم يكن صائماً فما ثم صوم يردّه الله إليه،
فإن الصائم قد يحسب أنه صائم، وقد فعل في صومه فعلاً أوجب له ذلك الفعل أن يخرج عن

٣٩٦
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
صومه كالغيبة إذا وقعت منه وأمثالها فهو مفطر أي ليس بصائم وإن لم يأكل، فإن كان لذلك
الفعل كفارة وأتى بها فهو صائم فيحافظ الصائم على هذا فإن فيه إيثاراً للحق على نفسه
فيجازيه على قدر المؤثر به وهو الله تعالى، فمن راعى ربه عزّ وجلّ راعاه الله تعالى، فما
يكون جزاؤه إلاَّ هو من وجد في رحله فهو جزاؤه وقد وجد في رحله، فإن الحق في قلب
عبده المؤمن الحاضر معه لا بدّ من ذلك، والصوم وجد عند الله فإنه له لما صحّ صوم الصائم
طلب رحله فقيل له: أخذه الله فكان الله جزاءه، فقال: الصوم لي وأنا أجزي به؛ حديث
مرويّ في فساد الصوم: ذكر أبو أحمد بن عديّ الجرجانيّ من حديث خراش بن عبد الله عن
أَنْس عن النبيّ وَّ قال: ((مَنْ تَأَمَّلَ خَلْقَ امْرَأَةٍ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُ حَجْمُ عِظَامِها مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا
وَهُوَ صَائِمٌ فَقَدْ أَفْطَرَ)) خراش: هذا مجهول لأنه كان يحدّث من صحيفة كانت عنده وهذا
الحديث منها والذي يرويها عنه ضعيف، كذا ذكر شيخنا أبو محمد عبد الحق.
وصل في فصل - حكم صوم السادس عشر من شهر شعبان: صومه عندنا حرام، وهو
عندنا من أحد الأيام الستة التي يحرم صومها وهي هذا اليوم ويوم عيد الفطر ويوم عيد
الأضحى وثلاثة أيام التشريق. خرّج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وسلم: ((إِذَا
بَقِيَ نِصْفٌ مِنْ شَعْبَانَ فلاَ تَصُومُوا)) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح لما كانت ليلة
النصف من شعبان ليلة يكتب فيها الملك الموت من يقبض روحه في تلك السنة فيخط على
اسم الشقيّ خطاً أسود وعلى اسم السعيد خطاً أبيض به يعرف ملك الموت السعيد من
الشقيّ، فكان الموت لهذا الشخص مشهوداً لأنه زمن الاطلاع على الآجال واستحضارها عند
المؤمن الذي ماله هذا الاطلاع، فإذا تلتها ليلة السادس عشر لم ينفك صاحب هذا الشهود أو
المستحضر عن ملاحظة الموت فهو معدود بحاله في أبناء الآخرة، وبالموت يسقط التكليف،
فما هو على حالة يبيت فيها الصوم لشهوده حالة الصفة التي تقطع الأعمال فبقي سكران من
أثر هذه المشاهدة، فمن بقيت عليه إلى دخول رمضان منع من صوم النصف، ومن لم تبق له
منع من صوم السادس عشر خاصة من أجل أنه لم يبيت ليلاً ولا ليلة السادس عشر ليلة نسخ
الآجال وهي ليلة النصف، وإنما خصّ بعض العلماء من أهل الظاهر السادس عشر أنه محل
لتحريم الصوم فيه ما أذكره وهو أنه رحمه الله أورد حديثاً صحيحاً: حدثناه جماعة أبو بكر
محمد بن خلف بن صاف اللخمي وأبو القاسم عبد الرحمن بن غالب المقري وأبو الوليد
جابر بن أبي أيوب الحضرمي وأبو العباس ابن مقدام كل هؤلاء قالوا: حدثنا أبو الحسن
شريح بن محمد بن شريح الرعينيّ المقريّ قال: حدثنا أبو محمد عليّ بن أحمد قال: حدثنا
عبد الله بن الربيع قال: حدثنا عمر بن عبد الملك قال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو
داود حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراورديّ قال: قدم عباد بن كثير
المدينة فمال إلى مسجد العلاء بن عبد الرحمن فأخذ بيده فأقامه فقال: اللهم إن هذا يحدث
عن أبيه أنّ رسول الله وَ﴿ قال: ((إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلاَ تَصُومُوا)) فقال العلاء: اللهم إن أبي
حدثني عن أبي هريرة أن رسول الله وَلّ قال ذلك، قال أبو محمد ابن حزم: هكذا رواه

٣٩٧
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
سفيان عن العلاء والعلاء ثقة روى عنه شعبة وسفيان الثوري ومالك وابن عيينة ومسعر بن
كدام وأبو العميس وكلهم يحتج بحديثه فلا يضره غمز ابن معين له، ولا يجوز أن يظنّ بأبي
هريرة مخالفة ما روى عن النبيّ وَّ والظن أكذب الحديث، فمن ادّعى ههنا إجماعاً فقد
كذب، قال أبو محمد: وقد كره قوم الصوم بعد النصف من شعبان جملة إلاَّ أن الصحيح
المتيقن مقتضى لفظ هذا الخبر النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان ولا يكون الصيام في
أقل من يوم، ولا يجوز أن يحمل على النهي صوم باقي الشهر إذ ليس ذلك بيناً، ولا يخلو
شعبان أن يكون ثلاثين أو تسعاً وعشرين، فإذا كان ثلاثين فانتصافه بتمامه خمسة عشر يوماً،
وإن كان تسعاً وعشرين فانتصافه في نصف اليوم الخامس عشر، ولم ينه إلاَّ عن الصيام بعد
النصف، فحصل من ذلك النهي عن صيام السادس عشر بلا شك، انتهى كلام أبي محمد في
كتاب المحلى ومنه نقلته وهو روايتي عن هؤلاء الجماعة الذين ذكرناهم في أول مساق حديث
العلاء وغيرهم عن أبي الحسن شريح بن محمد بن شريح عنه، وهو الذي ذهب إلى أن صوم
السادس عشر لا يجوز وعليه ما ذكرناه عنه .
وصل في فصل - صيام أيام التشريق: اختلف العلماء رضي الله عنهم في صيام أيام
التشريق، فمن قائل: بجواز صومها. ومن قائل: بجواز صوم المتمتع فيها. ومن قائِل :
بالكراهة. ومن قائل: بمنع الصوم مطلقاً. فيها أيام التشريق هي الثلاثة الأيام التي بعد يوم
النحر وهي أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى. ذكر مسلم في كتابه عن نبيشة الهذلي عن
رسول الله و # أنه قال ذلك وهذه صفة أهل الجنة، فحيث وجدت هذه الصفة زال معها كل
عمل في حال حكمها إلاَّ العبادة فإنها حقيقة لا تزول عن الإنسان دنيا ولا آخرة، والصوم ترك
وعبادة، فمن اعتبر العبادة فيه أجاز الصوم فيه، ومن اعتبر ما رجح الشرع من أنها أيام أكل
وشرب وذكر لله تعالى ولم يقل ليالي أكل وشرب فهو خبر إلهيّ لأنه وٍَّ ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم: الآية ٣] فهو إعلام إلهيّ على جهة الخبر والخبر لا يدخله
النسخ فأوجب الفطر فيها عبادة واجبة العمل، فمن صام فيها فقد رجح نظره على خبر الله
تعالى بما ينبغي أن يعمل فيها، ومن نازع الله في شيء قال إنه له فقد عرّض لنفسه للهلاك فإن
الصوم له والفطر لك، وما رخص في صومها المجتهد إلاَّ لمن لم يجد الهدى، كذا قال
البخاريّ عن عائشة وابن عمر، ثم جعل لك فيها ذكر الله وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم
◌َّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠٠] فأمركم فيها
بذكر الله فإن العرب كانت في هذه الأيام في الموسم تذكر أنسابها وأحسابها لاجتماع قبائل
العرب في هذه الأيام تريد بذلك الفخر والسمعة فهذا معنى قوله: ﴿كَذِّْرِكُمْ ءَبَآءَكُمْ﴾ أي
اشتغلوا بالثناء على الله بما هو عليه على طريق الفخر إذ كنتم عبيده وفخر العبد بسيده فإنه
مضاف إليه، وأكبر من ذلك من كونه منه كما قال ◌ََّ: ((مَوْلَى الْقَومِ مِنْهُمْ)) وأهل القرآن هم
أهل الله وخاصته، والعبد لا فخر له بأبيه بل فخره بسيده، وإن افتخر العبد بأبيه فإنما يفتخر به
من حيث إن أباه كان مقرّباً عند سيده لأنه عبد مثله ممتثلاً لأمره واقفاً عند حدوده ورسومه فإنه

٣٩٨
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
أيضاً عبد الله فلهذا قال: ﴿كَذِكْرِكُرْ ءَبَآءَكُمْ﴾ فما نهاهم عن ذكر آبائهم ولكن رجح ذكرهم
الله على ذكرهم آباءهم بقوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ وهو الموصي عباده بقوله: ﴿أَنِ
أَشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٤] أي كونوا أنتم من إيثار ذكر الله والفخر به من كونه
سيدكم وأنتم عبيد له على ما كان عليه آباؤكم ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٤٥]
وأيّ عبادة كان فيها العبد وفيها ذكر الله فإن ذكر الله أكبر ما فيها من أفعال تلك العبادة
وأقوالها. قال تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَّرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
يعني الذي فيها أكبر من جميع أفعالها فإنك إذا ذكرت الله فيها كان جليسك في تلك العبادة
فإنه أخبر أنه جليس من ذكره، وإذا كان جليسك فلا يخلو إمّا أن تكون ذا بصر إلهيّ
فتشهده أو تكون غير ذي بصر إلهيّ فتشهده من طريق الإيمان أنه يراك، فتكون في هذه
الحال مثل الأعمى يعلم أنه جليس زيد وإن كان لا يراه فهو كأنه يراه، فالرائي له يشهده
محرّكاً له في جميع أفعاله، والذي لا يراه يحسّ بأن ثم محرّكاً له في أفعاله بحسّ الإيمان
لا بحسّ الشهود البصري وهو قوله: ((كأنك تراه)» فإنه بالذكر يعلم أنه جليسه ﴿أَمَّ يَعْلَ بِأَنَّ اله
يَرَى﴾ [سورة العلق: الآية ١٤].
وجليس الحق لا يمكن أن يكون إلاَّ في خلوة معه ضرورة لا يتمكن أن يثبت مع هذا
العبد إذا جالسه الحق جليس آخر جملة واحدة في خاطره لأنها مجالسة غيب، قيل لبعضهم :
اذكرني في خلوتك بالله، قال له: إذا ذكرتك فلست في خلوة مع الله، فكما أنه لا يكلم الله
خلقه إلاَّ من وراء حجاب والحجاب عين الكلام، كذلك لا تكلمه أنت ولا تذكر عنده نفسك
ولا غيرك إلاَّ من وراء حجاب لا بدّ من ذلك فإن المشاهدة للبهت والخرس، فلا بدّ للذاكر
وإن كان الحق جليسه أن يكون أعمى ولا بدّ وعماه ذكره، فالحق جليس غيب عند كل ذاكر،
فمن غلب عليه مشاهدة الخيال في حق ربه من قوله: ((كَأَنَّكَ تَرَاهُ» وهو استحضار في خيال
فمثل ذلك يجمع بين المشاهدة والكلام، فإن الجليس في تلك الحال مثلك لا من ليس كمثله
شيء، وهذا كان حال الشهاب ابن أخي النجيب رحمه الله على ما نقل إليّ الثقة عندي من
قوله: إن الإنسان يجمع بين المشاهدة والكلام، أين هذا الذوق من ذوق المحقق أبي العباس
السياري من الرجال المذكورين في رسالة القشيريّ حين قال: ما التذّ عاقل بمشاهدة قط لأن
مشاهدة الحق فناء وليس فيها لذة، أين هذا الذوق من ذوق الشهاب فافهم فإنه موضع غلط
الأكابر المحققين من أهل الله فكيف بمن هو دونهم؟ وقد أخبرنا عمّن رأيناه من أهل الله
المنتمين إلى الله أنه يقول بذلك أعني مثل قول الشهاب، فإن كان صاحب علم تامّ فيقوله على
حدّ ما رسمناه، وإن كان دون ذلك فإنما يقوله كما يقوله من لا علم له بالحقائق، ولو قالها
بحضوري كنت أفاوضه فيها حتى أعرف بأيّ لسان يقول ذلك، فكنت أنسبه إلى ما قال على
التعيين، فاعلم أنه إن كان قال ذلك على مجرى التحقيق علمنا أنه فوق ما يقول، ومنهم من
هو تحت ما يقول، والذين هم تحت ما يقولون طائفتان: طائفة في غاية العلم بالله ممّا في
وسع البشر أن يعلموه من الله. والطائفة الأخرى في غاية البعد والحجاب عن الله وهم الذين

٣٩٩
في المعارف / الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ [سورة الروم: الآية ٧] وهم الذين لا يرون شيئاً فوق علم الرسوم،
فهم يشبهون الطبقة العالية في كونهم تحت ما يقولون، كما أنهم شاركوهم في اسم العلم
وانفصلوا عنهم بمن أغنى بالمعلوم أي ممّن تعلق علمهم، وهذا كله مدرك أهل أيام التشريق،
فإن أكلوا فيها فمن حيث إنها أيام أكل وشرب وذكر، وإن صاموا فيها فمن حيث إنها أيام ذكر
الله فشغلهم الذكر عن الأكل والشرب، فامتناعهم عن الأكل امتناع حال لا امتناع عبادة.
وصل في فصل - صيام يوم الفطر والأضحى: هذان اليومان محرم صومهما بحديث أبي
هريرة وحديث أبي سعيد، أمّا حديث أبي سعيد الثابت فإنه قال: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
يَقُولُ: لاَ يَصِحُ صِيَامُ يَوْمَيْنِ : يَوْمُ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ وَیَوْمُ النّخْرِ» وبه يحتجّ من یری صیامِ أيام
التشريق لأن دليل الخطاب يقتضي أن ما عدا هذين اليومين يصحّ الصيام بها وإلاّ كان
تخصيصهما عبثاً. وأما حديث أبي هريرة الثابت أيضاً في مسلم فهو: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ نَهَى
عَنْ صِيَامٍ يَومَيْنِ: يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمِ الفِطْرِ)) ويوم الفطر هو يوم يفطر الناس والأضحى يوم
يضحونَ، هكذا فسّره رسول الله وهو على ما ذكره الترمذيّ عن عائشة عن رسول الله وَل
وقال فيه: حديث حسن صحيح. وسبب منع الصوم له في هذين اليومين لأن بالفطر
والأضحى صحّ له التمييز بينه وبين ربه فعلم ما له وما لديه فحرم عليه التلبس بالصوم في
هذين اليومين اللذين هما دليلان على العلم بالفارق والتمييز، فلم يتمكن مع ذلك التلبس
بالصوم فإن الصوم الله إذ كان صفة صمدانية منزّهة من كانت صفته عن الطعام والشراب، فلو
تلبس بالصوم مع مشاهدة وجه هذا الدليل لم يكن صادقاً في إخباره عن نفسه أنه في هذا
المقام فكان فطره في هذين اليومين عبادة وتكليفاً مشروعاً ليجمع بين الحالتين، فأعطاه
الكشف العبادة من ذلك لما ذكرناه، وأعطاه التكليف الشرعي الأجر في ذلك إذ عمل بحكمه
لما نهاه وَّ عن صيامهما، ولهذا قلنا في رؤية هلال الفطر أنه مستقبل عبادة كما علّله بعض
العلماء في هلال الصوم وغاب عن تحريم الصوم في هلال الفطر فأوجب في رؤيته شاهدين.
وصل في فصل - من دعي إلى طعام وهو صائم: فمن قائل: يجيب الداعي ولا بدّ
بالاتفاق، واختلفوا هل يفطر أو يبقى على صومه؟ فمن قائل: إنه يعرّف صاحب الدعوة أنه
صائم ويدعو له وبه قال أبو هريرة. ومن قائل: إنه لا يأكل ويصلي الصلاة المشروعة غير
المكتوبة ويدعو للداعي وبه يقول أنس. ومن قائل: هو مخيّر بين الفطر وتمام الصوم ولكن
إن أفطر قضاه وبه يقول طلحة بن يحيى وغيره. ومنهم قائل: إن شاء أفطر ولا قضاء عليه وبه
يقول شريك ومجاهد. ومن قائل: يفطر إن شاء ما لم ينتصف النهار وبه يقول جعفر ابن
الزبير. ومن قائل: بالتخيير في القضاء إذا أفطر وبه تقول أمّ هانىء وسماك بن حرب.
اعلم وفقك الله توفيق العارفين أن الذي يشرع في الصوم ابتداء من نفسه من غير أن
يعين الحق عليه ذلك اليوم الذي يصبح فيه صائماً فإنه عقد عقده مع الله على طريق القربة إليه
تعالى من هذه العبادة الخاصة التي تلبس بها وشرع فيها والله يقول له: ﴿ وَلَا تُطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾
[سورة محمد: الآية ٣٣] فإن كان في مقام السلوك فلا يعوّد نفسه نقض العهد مع الله تعالى فإن الله

٤٠٠
في المعارف/ الباب الحادي والسبعون في أسرار الصوم
يقول: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٤٠] ولا سيما فيما أوجبته على نفسك
وعقدت عليه مع ربك وهو قوله: ((لاَ إِلاَّ أَنْ تَطََّّعَ)) وإن كان من أهل العلم بالله الأكابر الذين
حكموا أنفسهم وصحّت لهم الخلافة على نفوسهم فهم لا يرون متكلماً ولا آمراً ولا داعياً في
الوجود إلاَّ الله على ألسنة العباد كما قال ◌َّرَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ)) فهم في جميع نطق العالم كله حالاً ومقالاً بهذه الصفة، فإن صحة مقام الشهود تحكم
عليهم بذلك فإنهم لا ينكرون ما يعرفون، وكما يقول المحجوب: فلان تكلم يقول صاحب
هذا المقام: الحق تكلم على لسان هذا العبد بكذا وكذا أي شيء كان، ثم إن المتكلم لا يخلو
إمّا أن يكون في هذا المقام أيضاً فيرى أنه ينطق بالحق لا بنفسه أو لا يكون في هذا المقام،
فللمدعوّ أن ينظر في حال الداعي، فإن دعاه بربه أجاب دعوته وقال: إني صائم ولم يأكل
ودعا لأهل البيت وصلَّى عندهم، وإن شاء أكل إن عرف أن أكله ممّا يسرّ به الداعي فهو مخيّر
لكماله وتحقّقه بالصفة فإن الكامل له التخيير في المشيئة أبداً فإن شاء وإن شاء ما لم يعزم فإن
عزيمته مثل قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩] ومثل قوله: ولا بدّ له من لقائي،
وأمثال ذلك.
وإن دعاه هذا الداعي بنفسه فإنه لا يدعو إلاَّ مثله فإنه ما يدعو إلاَّ من يصحّ منه الأكل
والشرب، ولولا ما هذا شهوده ما دعاه، فليس لهذا السامع أن يأكل وليتم صومه ولا بدّ فإن
حق الله أحق بالقضاء، وقد تعين عليه حق الله بما أدخل نفسه من هذا التلبس بالصوم. فإن
قالت له نفسه الأكلة ما دعاك إنما كانت الدعوة لي لا لك فإجابتي لدعوته هو عين أكلي، فإنه
يقول لها: إنما كان لك ذلك لو لم تدخل نفسك ابتداء مع الحق في هذه العبادة من غير أن
يلزمك بها فلما تلبست بها تعين عليك إتمامها، فإن ذلك من حقك الذي أوجبته على نفسك
وحقك عليك أولى من حق غيرك عليك وقد عرّفك الحق بذلك على لسان نبيك فقال: ((إِنَّ
أَفْضَلَ الصَّدَقَاتِ مَا تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ)) وقال في القاتل نفسه: ((حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ)). وقال
في القاتل غيره إذا مات ولم يقتص منه: ((إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)) فإن أفطرت فرّطت
في حق نفسك وأدّيت حق غيرك وفي حق نفسك حق الله فتمنعها من الفطر وتشغلها بالصلاة
عوضاً من ذلك، يريد أنه يكون مناجياً لله تعالى الذي هو أشرف داع وأكمله، وقد دعاه إلى
الصلاة في هذه الحال فإنه قال له على لسان نبيه وَّله: ((وَإِنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلُ)) فأمره بالصلاة
في هذه الحال.
وصل في فصل - صيام الدهر: لا يصحّ إلاَّ للدهر لا لغير الدهر، فإن صيام الدهر في
حق الإنسان إنما هو أن يصوم السنة بكمالها، ولا يصحّ له ذلك من أجل يوم الفطر
والأضحى، فإن الفطر فيهما واجب بالاتفاق فلهذا ما يصحّ، فإن الدهر اسم الله والصوم له
فما كان لله فما هو لك وإنما يكون لك ما لم يحجره عليك، فإذا حجره وهو بالأصالة ليس
لك فقد أخبرك أنه لا يحصل فإن فعلته عملت في غير معمل وطمعت في غير مطمع .
وصل في فصل - صيام داود ومريم وعيسى عليهم السلام: أفضل الصيام وأعدله صوم