Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة مصالح دنياهم إنما يسألون الله بالله في العالم والعلماء بالله الذين استفرغهم شهود الله شغلهم ذكر الله عن المسألة من الله فهؤلاء أصحاب أحوال فأعطاهم العلم به وهو أفضل ما أعطي السائلون، فإذا علموه علم ذوق لم يذكروه إلاَّ له بهم وبه، فأعطاهم بهذا الذكر أمراً جعلهم أن يتركوا الذكر له وبه فأعطاهم الرؤية، إذ كانت الرؤية أرفع من المشاهدة وهي أفضل صدقة تصدّق الله بها على المقرّبين من عباده. وصل في فصل - أخذ العلماء بالله من الله العلم الموهوب: اعلم أن العلماء بالله لا يأخذون من العلوم إلاَّ العلم الموهوب وهو العلم اللدنيّ علم الخضر وأمثاله، وهو العلم الذي لا تعمل لهم فيه بخاطر أصلاً حتى لا يشوبه شيء من کدورات الكسب، فإن التجلّي الإلهيّ المجرد عن المواد الإمكانية من روح وجسم وعقل أتم من التجلّ الإلهيّ في المواد الإمكانية، وبعض التجليات في المواد الإمكانية أتمّ من بعض، فإذا وقع للعالم بالله من تجلِ إلهيّ إشراف على تجلّ آخر لم يحصل له ثم حصل له بعد ذلك فأعطاه من العلم به ما لم يكن عنده لم يقبله في العلم الموهوب وألحقه بالعلم المكتسب، وكل علم حصل له عن دعاء فيه أو بدعاء مطلق فهو مكتسب وذلك لا يصلح إلاَّ للرسل صلوات الله عليهم فإنهم في باب تشريع الاكتساب، فإذا وقفوا مع نبوّتهم لا مع رسالتهم كان حالهم مع الله حال ما ذكرناه من ترك طلب ما سواه والإشراف، فهم مع الله واقفون وإليه ناظرون وبه ناطقون، في كل منطوق به، ومنظور إليه، وموقوف عنده. وكما أنهم به ناطقون هم به سامعون يذكرون عباده تعبداً ويطيعون عباده تعبداً ويجتهدون، ولا يفترون عبادة لا تعرّضاً ولا طلباً إلاَّ وفاء لما يقتضيه مقام من كلفهم من حيث ما هو مكلف لا من وجه آخر ومقام من كلف، فهو يهبهم من لدنه علماً لم يكن مطلوباً لهم فيكون مكتسباً . من أسمائه سبحانه المؤمن وهو من نعوت العبد لا من أسماء العبد، فإنه إذا كان اسماً لم يعلل، وإذا كان صفة ونعتاً علل، فهو لله اسم وللعبد صفة، هذا هو الأدب مع الله، وقد ورد في معنى ما أشرنا إليه حديث ذكره أبو عمر ابن عبد البرّ النمريّ عن خالد بن عديّ الجهنيّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَيَقُولُ: ((مَنْ جَاءَهُ مِنْ أَخِيهِ مَعْرُوفٌ مِنْ غَيْرِ إِشْرافٍ وَلاَ مَسْأَلَةٍ فَلْيَقْبَلْهُ وَلاَ يَرُدَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَه اللَّهُ إِلَيْهِ)) فجمع هذا الحديث بين الأمر بالقبول والنهي عن الردّ فحصل فيه التكليف كله فإنّ التكليف ما هو سوى أمر ونهي. وممّا يؤيّد صحة هذا الحديث ما خرّجه مسلم في صحيحه عن ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَكَانَ يُعْطِي عُمَرَ بِنَ الخَطَّابِ العَطَاءَ فَيَقُولُ: أَعْطِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْقَرَ إِلَيهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((خَذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ)) وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك، فالأكبار لا يسألون أحداً شيئاً إلاَّ إذا كان الله مشهودهم في الأشياء ولا يردّون شيئاً أعطوه، فإن الأدب مع الله أن لا ترد على الله ما أعطاك، وفتنة العلم أعظم من فتنة المال، فإن شرف المال شرف عارض لا يتعدّى أفواه الناس ليس للنفس منه صفة، وشرف العلم حلية تتحلّى بها النفس ففتنته أعظم ولا زوال له عن صاحبه في حال فقره وغناه ونوائبه، والمال يزول عن صاحبه بلص يأخذه أو حرق أو غرق ٣٠٢ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة أو هدم أو زلزلة أو جائحة سماوية أو فتنة أو سلطان، والعلم منك في حصن حصين لا يوصل إليه أبداً يلزم الإنسان حيّاً وميتاً دنيا وآخرة وهو لك على كل حال، وإن كان عليك في وقت ما فهو لك في آخر الأمر، وإن أصابتك الآفات من جهته فلا تكترث فليس إلاَّ لشرفه حيث لم تعمل به، فما أصبت إلاَّ من تركك العمل به لا منه، فإذا نجوت أخذ بيدك إلى منزلته ومنزلته معلومه ومعلومه الحق فينزلك بالحق على قدر ذلك العلم فلا تكن من الجاهلين . وصل في فصل - إيجاب الله الزكاة في المولدات: اعلم أنّ الله أوجب الزكاة في المولدات وهي ثلاثة: معدن ونبات وحيوان، فالمعدن ذهب وفضة، والنبات حنطة وشعير وتمر، والحيوان إبل وبقر وغنم، فعمّ جميع المولدات وأطلق عليها اسم المولدات لأنها تولدت عن أم وأب عن فلك وحركته الذي هو بمنزلة الجماع وهو الأب والأركان الأم فكان المال محبوباً للإنسان حب الولد، ألا ترى الله قرنه بالولد في الفتنة فقال: ﴿إِنَّمَا أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فقدّم المال على الولد في الذكر، والله عنده أجر عظيم إذا رزأكم في شيء منهما فالزكاة وإن كانت طهارة الأموال وطهرت أربابها من صفة البخل فهي رزء في المال بلا شك فلصاحبها أجر المصاب وهو من أعظم الأجور، والولد شجنة من الوالد كالرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله، قال بعض الشعراء في الأولاد وهو من شعر الحماسة: [السريع] أكْبَادُنا تمشي على الأرضِ وإنما أولادنا بيْنَنَا فجعل الولد قطعة من الكبد. وقال عيسى عليه السلام لأصحابه: قلب كل إنسان حيث ماله فاجعلوا أموالكم في السماء تكن قلوبكم في السماء. فحثّ على الصدقة لما علم أن الصدقة تقع بيد الرحمن وهو يقول: أأمنتم من في السماء والصدقة تطفىء غضب الرب فانظر ما أعجب كلام النبوّة وما أدقّه وأحلاه. فمن ألحق الولد بالوالد ووصله به فله أجر من وصل الرحم، فينبغي للإنسان أن يلحق ماله من حيث ما هو مولد مولود بأبيه الذي تولد عنه لأنه قطعة منه، فللإنسان المتصدق في صدقة زكاته أجر المصيبة وأجر صلة الرحم إذا زكى ماله، والصبر على فقد المحبوب من أعظم الصبر، ولا يصبر على ذلك إلاَّ مؤمن أو عارف، فإن الزاهد لا زكاة عليه لأنه ما ترك له شيئاً تجب فيه الزكاة لأن الزهد يقتضي لك والعارف ليس كذلك، لأن العارف يعلم أن فيه من حيث ما هو مجموع العالم من يطلب المال فيوفيه حقّه فتجب عليه الزكاة من ذلك الوجه وهو زاهد من وجه، ولهذا رجحنا قول من يقول: إن الزكاة واجبة في المال لا على المكلف، وإنما هو مكلف في إخراجها من المال إذ المال لا يخرج بنفسه، فجمع العارف بين الأجرين بخلاف الزاهد، والعارفون هم الكمل من الرجال فلهم الزهد والادخار والتوكل والاكتساب، ولهم المحبة في جميع العالم كله، وإن تفاضلت وجوه المحبة فيحبون جميع ما يقع في العالم بحب الله في إيجاد ذلك الواقع لا من جهة عين الواقع فاعلم ذلك فإن فيه دقيق مكر إلهيّ لا يشعر به إلاَّ الأدباء العارفون، فإن العارف يعلم أن فيه جزاء يطلب مناسبة من العالم فيوفي كل ذي حق حقّه كما أعطى الله كل شيء خلقه. ٣٠٣ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة قال رسول الله وَله: ((إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِعَينِكَ عليك حَقّا)) وهكذا كل جزء فيك، ولهذا يشهد عليك يوم القيامة إذا استشهده الحق عليك. وانظر في حكمة السامريّ حيث علم ما قال موسى عليه السلام من أن حب المال ملصق بالقلوب صاغ لهم العجل بمرأى منهم من حليهم لعلمه أن قلوبهم تابعة لأموالهم فسارعوا إلى عبادته حين دعاهم إلى ذلك، فالعارف من حيث سرّه الربانيّ مستخلف فيما بيده من المال فهو كالوصيّ على مال المحجور عليه يخرج عنه الزكاة وليس له فيه شيء فلذلك قلنا إنه حق في المال فإن الصغير لا يجب عليه شيء. وقد أمر النبي ◌َّ بالتجارة في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة، والعامي وإن كان مثل العارف في كونه جامعاً فإن العاميّ لا يعلم ذلك فأضيف المال إليه فقيل له أموالكم فيخرج منها الزكاة، فالعارف يخرجها إخراج الوصيّ، والعاميّ يخرجها بحكم الملك، فما يؤمن أكثرهم بالله إلاَّ وهم مشركون، وكلا الفريقين صادق في حاله وصاحب دليل إلهيّ فيما نسب إليه، فلولا المحبة ما فرضت الزكاة ليثابوا ثواب من رزىء في محبوبه، ولولا المناسبة بين المحب والمحبوب لما كانت محبة ولا تصوّر وجودها، ومن هنا تعلم حب العارف للمال من أيّ نسبة هو، وحبّه لله من أي نسبة هو، ولا يقدح حبّه في المال والدنيا في حبّه لله وللآخرة، فإن ما يحبه منه لأمر ما لا ما يناسب ذلك الأمر في الإلهيات وفي العالم حبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه فصحّت المناسبة، ومن نعمه المعرفة به والعارف يطلبها منه فهي نسبة فقير إلى غنيّ يطلب منه ما بيده له ليحصله، فما طلب منه إلاَّ أمراً حادثاً إذ معرفة المحدث بالقديم معرفة حادثة، فالمناسبة بينه وبين المعرفة الحدوث وهي بيد المعروف فيتعلق الحب بالمعروف لهذه المناسبة، والمعرفة به لا تنقضي ولا تتناهى، فالحب لا ينقضي وحصول مثل هذه المعرفة عن التجلي، فالتجلي لا ينقضي فالمعرفة مال العارف وزكاة هذا المال التعليم وهي درجة إلهيَّة، قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] فهو المعلم فلهذا قلنا: إن التعليم درجة إلهية، وجعل أصناف الزكاة ثمانية لما فيها من صلاح العالم فهي فيما تقوم به الأبدان من الغذاء وقضاء الحاجات مطلقاً، وفي هذين الأمرين صلاح العالم فهم حملة العرش الثمانية، والعرش الذي هو الملك محمول لهم، فمن تلك الحقيقة كانت في ثمانية أصناف مجمع عليها وما عداها ممّا اختلف فيه فهو راجع إليها. ولما كان العرش الملك وكان حملة هذا العرش الذي هو عبارة عنّا كان هؤلاء الأصناف الثمانية حملته وكان هذا القدر من المال المعبّر عنه بالزكاة كالأجرة لحملهم. وصل: إنما سمّي المال مالاً لأنه يميل بالنفوس إليه، وإنما مالت النفوس إليه لما جعل الله عنده من قضاء الحاجات به، وجبل الإنسان على الحاجة لأنه فقير بالذات، فمال إليه بالطبع الذي لا ينفك عنه، ولو كان الزهد في المال حقيقة لم يكن مالاً، ولكان الزهد في الآخرة أتمّ مقاماً من الزهد في الدنيا، وليس الأمر كذلك، وقد وعد الله بتضعيف الجزاء الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فلو كان القليل حجاباً لكان الكثير منه أعظم حجاباً، ألا ترى إلى موطن التجلي والكشف وهو الدار الآخرة وهي محل الرؤية والمشاهدة ٣٠٤ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة مع تناول الشهوات النفسية مطلقاً من غير تحجير، وكلمة ﴿كُنْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٧] من كل إنسان فيها حاكمة، فلو كان مثل هذا حجاباً لكان حجاب الآخرة أكثف وأعظم بما لا يتقارب، فسبحان من جعل له في كل شيء باباً إذا فتح ذلك الباب وجد الله عنده وعيّن في كل شىء وجهاً إلهياً إذا تجلّى عرف ذلك الوجه من ذلك الشيء، قال الصديق: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله، فإنه لا يراه إلاَّ بعينه إذ كان الحق بصره في هذا الموطن فيرى نفسه قبل رؤية ذلك الشيء، والإنسان هو المحل لذلك البصر فلهذا قال: ما رأيت شيئاً إلاَّ رأيت الله قبله، وسمّاها الله زكاة لما فيها من الربو والزيادة ولهذا تعطي قليلاً وتجدها كثيراً، فلو أعطيته لرفع الحجاب لكونه حجاباً لكان الثواب حجباً كثيرة أعظم من هذا الحجاب، فلم يكن بحمد الله ما أعطيته حجاباً ولا ما وصلت إليه من ذلك حجاباً، فاعلم ذلك وانظر في تصرّف العارف في الدنيا كيف هو ولا يحمل تصرّفه على تصرّفك وجهلك وسوء تأويلك، فترى الزهد عند ذلك أفضل منه، هيهات ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ﴾ [سورة الزمر: الآية ٩] ﴿ إِنّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ﴾ [سورة الرعد: الآية ١٩] بل هي للعارف صفة كمالية سليمانية ﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَضَّابُ﴾ [سورة ص: الآية ٣٥] فما أليق هذا الاسم بهذا السؤال، أتراه عليه السلام سأل ما يحجبه عن الله أو سأل ما يبعده من الله . ثم انظر إلى أدب رسول الله وَل حين أمكنه الله من العفريت الذي فتك عليه فأراد أن يقبضه ويربطه بسارية من سواري المسجد حتى ينظر الناس إليه فتذكر دعوة أخيه سليمان فرده الله خاسئاً، فهذه حالة سليمانية حصلت لمحمد ◌َّر، وما ردّه عنها الزهد فيها وإنما ردّه عن ذلك الأدب مع سليمان عليه السلام حيث طلب من ربّه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمنا من هذه القصة أن قوله لا ينبغي أنه يريد لا ينبغي ظهوره في الشاهد للناس لأحد، وإن حصل بالقوة لبعض الناس كمسألة رسول الله ولو مع العفريت فعلمنا أنه أراد الظهور في ذلك لأعين الناس. ثم إن الله أجاب سليمان عليه السلام إلى ما طلب منه بأنه ذكر رسول الله وَّ # بدعوة أخيه سليمان حتى لا يمضي ما قام بخاطره من إظهار ذلك. ثم إنّ الله تمّم هذه النعمة لسليمان عليه السلام بدار التكليف فقال له : ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة ص: الآية ٣٩] فرفع عنه الحرج في التصريف بالاسم المانع والمعطي فاختص بجنة معجلة في الحياة الدنيا وما حجبه هذا الملك عن ربه عزّ وجلّ، فانظر إلى درجة العارف كيف جمع بين العينين وتحقق بالحقيقتين، فأخرج الزكاة من المال الذي بيده إخراج الوصي من مال المحجور عليه بقوله: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد : الآية ٧] فجعله مالكاً للإنفاق من حقيقة إلهية فيه في مال هو ملك لحقيقة أخرى فيه هو وليّها من حيث الحقيقة الإلهية، جعلنا الله من العارفين العلماء وبما أودع فيه من قرّة أعين. وصل في فصل - قبول المال أنواع العطاء: اعلم أن المال يقبل أنواع العطاء وهو ثمانية أنواع لها ثمانية أسماء: فنوع يسمى الإنعام، ونوع يسمّى الهبة، ونوع يسمّى الصدقة، ونوع يسمّى الكرم، ونوع يسمّى الهدية، ونوع يسمّى الجود، ونوع يسمّى السخاء، ونوع يسمّى الإيثار، وهذه الأنواع كلها يعطي بها الإنسان ويعطي بسبعة منها الحق تعالى وهي ما عدا ٣٠٥ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة الإيثار، فإن قال أجبني فمن أيّ حقيقة إلهية ظهر الإيثار في الكون وهو لا يعطي على جهة الإيثار لأنه غنيّ عن الحاجة، والإيثار إعطاء ما أنت محتاج إليه إمّا في الحال وإمّا بالمآل، وهو أن تعطي مع حصول التوهّم في النفس أنك محتاج إليه فتعطيه مع هذا التوهّم فيكون عطاؤك إيثاراً وهذا في حق الحق محال، فقد ظهر في الوجود أمر لا ترتبط به حقيقة إلهية فنقول: قد قدمنا أن الغنى المطلق إنما هو للحق من حيث ذاته معرّى عن نسبة العالم إليه، فإذا نسبت العالم إليه لم تعتبر الذات فلم تعتبر الغنى وإنما اعتبرت كونها إلهاً فاعتبرت المرتبة، فالذي ينبغي للمرتبة هو ماتسمت به من الأسماء وهي الصورة الإلهية لا الذات من حيث عينها بل من كونها إلهاً، ثم إنه أعطاك الصورة التي هي الخلافة وسمّاك بالأسماء كلها على طريق المحمدة فقد أعطاك ما هي المرتبة موقوفة نسبتها إليه وهي الأسماء الحسنى. فإن قلت: فإن المعطي لا يبقى عنده ما أعطاه. قلنا: هذا يرجع إلى حقيقة المعطى ما هو؟ فإن كان محسوساً فإن المعطي يفقده بالإعطاء، وإن كان معنى فإنه لا يفقده بالإعطاء، ولهذا حددنا الإيثار بإعطاء ما أنت محتاج إليه ولم تتعرض لفقد المعطى ولا لبقائه، فإنّ ذلك راجع إلى حقيقة الأمر الذي أعطيت ما هو فاعلم ذلك. فمن هذه الحقيقة صدر الإيثار في العالم وما بعد هذا البيان بيان، فالإنعام إعطاء ما هو نعمة في حق المعطي إياه ممّا يلائم مزاجه ويوافق غرضه، والهبة الإعطاء لينعم خاصة، والهدية الإعطاء لاستجلاب المحبَّة فإنها عن محبة، ولهذا قال الشارع: تهادوا تحابوا، والصدقة إعطاء من شدّة وقهر وإباية، فأما في الإنسان لكونه جبل على الشحّ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٩] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [سورة المعارج: الآية ٢١]، فإذا أعطى بهذه المثابة لا يكون عطاؤه إلا عن قهر منه لما جبلت النفس عليه، وفي حق الحق هذه النسبة حقيقة ما ورد من التردّد الإلهيّ في قبضه نسمة للمؤمن ولا بدّ له من اللقاء يريد قبض روحه مع التردّد لما سبق في العلم من ذلك فهو في حق الحق كأنه وفي حق العبد هو لا كأنه أدباً إلهياً، ودليل العقل يرمي مثل هذا لقصوره وعدم معرفته بما يستحقه الإله المعبود، والحق عرف بهذه الحقيقة التي هي عليها عباده، فقبلتها العقول السليمة من حكم أفكارها عليها بصفة القبول التي هي عليه حين ردّتها العقول التي هي بحكم أفكارها، وهذه هي المعرفة التي طلب منّا الشارع أن نعرف بها ربنا ونصفه بها لا المعرفة التي أثبتناه بها، فإن تلك ممّا يستقل العقل بإدراكها وهي بالنسبة إلى هذه المعرفة نازلة فإنها ثبتت بحكم العقل وهذه ثبتت بالإخبار الإلهيّ، وهو بكل وجه أعلم بنفسه منّا به . والكرم: العطاء بعد السؤال حقاً وخلقاً. والجود: العطاء قبل السؤال حقاً لا خلقاً، فإذا نسب إلى الخلق فمن حيث أنه ما طلب منه الحق هذا الأمر الذي عيّنه الخلق على التعيين، وإنما طلب الحق منه أن يتطوّع بصدقة وما عيّن فإذا عيّن العبد ثوباً أو درهماً أو ديناراً أو ما كان من غير أن يسأل في ذلك فهو الجود خلقاً، وإنما قلنا لا خلقاً في ذلك لأنه لا يعطي على جهة القربة إلاَّ بتعريف إلهيّ ولهذا قلنا حقاً لا خلقاً، وإذا لم يعتبر الشرع في ذلك الفتوحات المكية ج٢ - ٢٠٢ ٣٠٦ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة فالعطاء قبل السؤال لا على جهة القربة موجود في العالم بلا شك، ولكن غرض الصوفيّ أن لا يتصرّف إلاَّ في أمر يكون قربة ولا بدّ، فلا مندوحة له عن مراعاة حكم الشرع في ذلك، والسخاء العطاء على قدر الحاجة من غير مزيد لمصلحة يراها المعطي، إذ لو زاد على ذلك ربما كان فيها هلاك المعطي إياه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الْرِّزْنَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٢٧]. والإيثار: إعطاء ما أنت محتاج إليه في الوقت أو توهم الحاجة إليه، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر: الآية ٩] وكل ما ذكرناه من العطاء فإنه الصدقة في حق العبد لكونه مجبولاً على الشح والبخل كما أن الأم في الأعطيات الإلهية من هذه الأقسام الثمانية إنما هو الوهب وهو الإعطاء لينعم لا لأمر آخر فهو الوهاب على الحقيقة في جميع أنواع عطائه، كما هو العبد متصدق في جميع أعطياته لأنه غير مجرّد عن الغرض وطلب العوض لفقره الذاتيّ، فما ينسب إلى الله بحكم العرض ينسب إلى المخلوق بالذات، وما ينسب إلى الحق بالذات كالغنى ينسب إلى المخلوق بالعرض النسبيّ الإضافيّ خاصة، قال تعالى لنبيه وَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٠٣] أي ما يشتد عليهم في نفوسهم إعطاؤها، ولهذا قال ثعلبة بن حاطب: هذه أخية الجزية لما اشتدّ عليه ذلك بعدما كان عاهد الله كما أخبرنا الله في قوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٧٥] الآية، فلما رزقه الله مالاً وفرض الله الصدقة عليه قال: ما أخبر الله به عنه وقوله: بخلوا به هي صفة النفس التي جبلت عليه وهي إذا حكمت على العبد استبدلهُ الله بغيره نسأل الله العافية وهكذا ورد: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْ﴾ عمّا سألتموه من الإنفاق وبخلتم ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٣٨] أي على صفتكم بل يعطون ما يسألون كما قال: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَّكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٨٩] فإن الملك أوسع من أن يضيق عن وجود شيء، فالصدقة أصل كونيّ والوهب أصل إلهي. وممّا يؤيد ما ذكرناه أن الملائكة قالت من جبلتها حيث لم ترد الخير إلاَّ لنفسها وغلب عليها الطبع في ذلك عن موافقة الحق فيما أراد أن يظهره في الكون من جعل آدم خليفة في الأرض فعرفهم بذلك فلم يوافقوه لحكم الطبع في الطمع في أعلى المراتب، ثم تستر حكم الطبع لئلا تنسب إلى النقص من عدم موافقة الحق فأقام لهم صورة الغيرة على جناب الحق والإيثار لعظمته وذهلوا عن تعظيمه، إذ لو وقفوا مع وما ينبغي له من العظمة لوافقوه ما وافقوه وإن كانوا قصدوا الخير فقالوا: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾ أي فنحن أولى من هذا فرجحوا نظرهم على علم الله في خلقه لذلك قال لهم: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] فوصفهم بنفي العلم الذي علم الحق من هذا الخليفة ممّا لم يعلموا وأثنوا على أنفسهم، فمسألتهم جمعت ذلك حيث أثنوا على أنفسهم وعدلوها وجرحوا غيرهم وما ردّوا العلم في ذلك إلى الله فهذا من بخل الطبع بالمرتبة. وهذا يؤيّد أن الملائكة كما ذهبنا إليه تحت حكم الطبيعة وأن لها أثراً فيهم، قال تعالى: ٣٠٧ في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِلْعَلَ اٌلْأَغْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ﴾ [سورة ص: الآية ٦٩] والخصام من حكمها، وقد ورد اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في الشخص الذي مات بين القريتين فوصفهم بالخصام، ولولا أن مرتبتها دون النفس وفوق الهباء لسرى حكمها، ومن أراد أن يقف على أصل هذا الشأن فلينظر إلى تضادّ الأسماء الإلهية، فمن هناك ظهرت هذه الحقيقة في الجميع، فهم مشاركون لنا في حكم الطبيعة، ومن حكمها البخل والشحّ فيمن تركب منها وهو من "لاسم المانع في الأسماء، وسببه فينا أن الفقر والحاجة ذاتيّ لنا ولكل ممكن، ولهذا افتقرت الممكنات إلى المرجح لإمكانها. فالمكوّن عن الطبيعة شحيح بخيل بالذات كريم بالعرض، فما فرض الله الزكاة وأوجبها وطهر بها النفوس من البخل والشحّ إلاَّ لهذا الأمر المحقق، فالفرض منها أشد على النفس من صدقة التطوّع للجبر الذي في الفرض، والاختيار الذي في التطوّع فإنه في الفرض عبد بحكم سيد وفي الاختيار لنفسه إن شاء وإن شاء. وصل في فصل - الادخار من شخّ النفس وبخلها: اعلم أنه من شحّ النفس الادخار والشبهة لها إلى وقت الحاجة، فإذا تعين المحتاج كان العطاء، وعلى هذا أكثر بعض نفوس ١١ الحين. وأما العامة فلا كلام لنا معهم، وإنما نتكلم مع أهل الله على طبقاتهم، والقليل من أهل الله من يطلب على أهل الحاجة حتى يوصل إليهم ما بيده فرضاً كان أو تطوّعاً، فالفرض من ذلك قد عين الله أصنافه ورتبه على نصاب وزمان معين، والتطوّع من ذلك لا يقف عند شيء، فإن التطوّع إعطاء ربوبية فلا يتقيد، والفرض إعطاء عبودية فهو بحسب ما يرسم له سيده، وإعطاء العبودية أفضل فإنّ الفرض أفضل من النفل، وأين عبودية الاضطرار من عبودية الاختيار؟ وهذا الصنف قليل في الصالحين وشبهتهم أنا لم نكلف الطلب عليهم والمحتاج هو الطالب، فإذا تعين لي بالحال أو بالسؤال أعطيته، والذين هم فوق هذه الطبقة التي تعطي على حدّ الاستحقاق فهم أيضاً أعلى من هؤلاء، وهم الذين يعطون ما بأيديهم كرماً إلهياً وتخلقاً فيعطون المستحق وغير المستحق، وهو عندنا من جهة الحقيقة الآخذ مستحق لأنه ما أخذ إلاَّ بصفة الفقر والحاجة لا بغيرها، سواء كانت الأعطية ما كانت من هدية أو وهب أو غير ذلك من أصناف العطايا، كالتاجر الغنيّ صاحب الآلاف يجوب القفار ويركب البحار ويقاسي الأخطار ويتغرّب عن الأهل والولد ويعرض بنفسه وبماله للتلف في أسفاره وذلك لطلب درهم زائد على ما عنده، فحكمت عليه صفة الفقر وأعمته عن مطالعة هذه الأهوال وهوّنت عليه الشدائد لأن سلطان هذه الصفة في العبد قوية . فمن نظر هذا النظر الذي هو الحق فإنه يرى أن كل من أعطاه شيئاً وأخذه منه ذلك الآخر فإنه مستحق لمعرفته بالصفة التي بها أخذها منه إلاَّ أن يأخذها قضاء حاجة له لكونه يتضرّر بالردّ عليه أو ليستر مقامه بالأخذ فذلك يده يد حق كما ورد: ((أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ بِيَدِ الرَّحْمُنِ قَبْلَ وُقُوعِهَا بِيَدِ السَّائِلِ فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِي أَحَدُكُمْ قُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)) فهذا أخذ من غير خاطر حاجة في الوقت وغاب عن أصله الذي حرّكه للأخذ وهو أن ذلك تقتضيه حقيقة الممكن، فهذا شخص قد استترت عنه حقيقته في الأخذ بهذا الأمر الغرضي فنحن نعرفه حين ٣٠٨ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة يجهل نفسه فما أعطى إلاَّ غني عمّا أعطاه سواء كان لغرض أو عوض أو ما كان فإنه غنيّ عمّا أعطى وما أخذ إلاَّ مستحق أو محتاج لما أخذ لغرض أو عوض أو ما كان، لأنّ الحاجة إلى تربية ما أخذ حاجة، إذ لا يكون مربياً إلاَّ بعد الأخذ فافهم، فإنه دقيق غامض بسبب النسبة الإلهية في التربية للصدقة مع الغني المطلق الذي يستحقه. والنسب الإلهية لا ينكرها إلاَّ من ليس بمؤمن خالص فإنّ الله يقول: ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] ويقول: جعت فلم تطعمني، وظمئت فلم تسقني، وبين ذلك كله فلم يمتنع جلّ وتعالى عن نسبة هذه الأشياء إليه تنبيهاً منه لنا أنه هو الظاهر في المظاهر بحسب استعداداتها، واليد العليا هي المنفقة فهي خير بكل وجه من اليد السفلى التي هي الآخذة، فالمعطي بحق والآخذ بحق ليسا على السواء في المرتبة ولا في الاسم ولا في الحال، فما من شيء إلا وله وجه ونسبة إلى الحق ووجه ونسبة إلى الخلق، ولهذا جعله إنفاقاً فقال: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَكُمْ﴾ [سورة المنافقون: الآية١٠] ﴿وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٥] فراعى عزّ وجلّ في هذا الخطاب أكابر العلماء لأنهم الذين لهم العطاء من حيث ما هو إنفاق لعلمهم بالنسبتين لأنه من النفق وهو جحر اليربوع، ويسمّى النافقاء له بابان إذا طلب من باب ليصاد خرج من الباب الآخر كالكلام المحتمل إذا قيدت صاحبه بوجه أمكن أن يقول لك: إنما أردت الوجه الآخر من محتملات اللفظ . ولما كان العطاء له نسبة إلى الحق والغنى ونسبة إلى الخلق والحاجة سمّاه الله إنفاقاً، فعلماء الخلق ينفقون بالوجهين فيرون الحق فيما يعطونه معطياً وآخذاً، ويشاهدون أيديهم هي التي يظهر فيها العطاء والأخذ ولا يحجبهم هذا عن هذا، فهؤلاء لا يرون إلاَّ مستحقاً، فكل آخذ إنما أخذ بحكم الاستحقاق ولو لم يستحقه لاستحال القبول منه لما أعطيته كما يستحيل عليه الغنى المطلق ولا يستحيل عليه الفقر المطلق. ثم إن الذين ينتظرون مواقيت الحاجة ويدخرون كما ذكرنا للشبهة التي وقعت لهم، فمنهم من يدّخر على بصيرة، ومنهم من يدخر لا عن بصيرة فلا نسلم لهم ادخارهم في ذلك لأنه لا عن بصيرة وليس من أهل الله، فإن أهل الله هم أصحاب البصائر، والذي عن بصيرة فلا يخلو إمّا أن يكون عن أمر إلهيّ يقف عنده ويحكم عليه أو لا عن أمر إلهيّ، فإن كان عن أمر إلهيّ فهو عبد محض لا كلام لنا معه فإنه مأمور كما نظنّه في عبد القادر الجيليّ فإنه كان هذا مقامه والله أعلم لما كان عليه من التصرّف في العالم وإن لم يكن عن أمر إلهيّ، فإمّا أن يكون عن اطلاع أن هذا القدر المدّخر لفلان لا يصل إليه إلاَّ على يد هذا فيمسكه لهذا الكشف، وهذا أيضاً من وجوه عبد القادر وأمثاله. وإما أن يعرف أنه لفلان ولا بد ولكن لم يطالع على أنه على يده أو على يد غيره فإمساك مثل هذا الشحّ في الطبيعة وفرح بالوجود، ويحتجب عن ذلك بكشفه من هو صاحبه، وبهذا احتججنا على عبد العزيز بن أبي بكر المهدوي في ادخاره فوقف ولم يجد جواباً فإنه ادّخر لا عن بصيرة أن ذلك على يده ولا عن بصيرة أن ذلك المعين عنده صاحبه فافتضح بين أيدينا في الحال، ومثل هذا ينبغي أن لا يدخر. ٣٠٩ في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة ولقد أنصف سيد الطائفة عاقل زمانه المنصف بحاله أبو السعود بن الشبل حيث قال: نحن تركنا الحق يتصرف لنا فلم يزاحم الحضرة الإلهية، فلو أمر وقف عند الأمر أو عيّن له وقف مع التعيين وفيه خلاف بين أهل الله فإنه من الرجال من عيّن لهم أنّ ذلك المدّخر لا يصل إلى صاحبه إلاَّ على يده في الزمان الفلاني المعين، فمنهم من يمسكه إلى ذلك الوقت. ومنهم من يقول: ما أنا حارس أنا أخرجه عن يدي إذ الحق تعالى ما أمرني بإمساكه، فإذا وصل الوقت فإن الحق يردّه إلى يدي حتى أوصله إلى صاحبه وأكون ما بين الزمانين غير موصوف بالادخار لأني خزانة الحق ما أنا خازله إذ قد تفرغت إليه وفرغت نفسي له لقوله: وسعني قلب عبدي، فلا أحب أن يزاحمه في تلك السعة أمر ليس هو، فاعلم ذلك فقد نبهتك على أمر عظيم في هذه المسألة فلا تصحّ الزكاة من عارف إلاَّ إذا ادخر عن أمر إلهيّ أو كشف محقق معين أنه ما يسبق في العلم أن يكون لهذا الشيء خازن غيره فحينئذ يسلم له ذلك، وما عدا هذا فإنما يزكي من حيث تزكي العامة. انتهى الجزء الثالث والخمسون. (الجزء الرابع والخمسون) بِسْمِ أَلَهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ وصل في فصل - تقسيم الناس في الصدقات المعطي منهم والآخذ: اعلم أن الناس على أربعة أقسام فيما يعطونه وفيما يأخذونه: قسم يستعظم ما يعطي ويستحقر ما يأخذ، وقسم يستحقر ما يعطي ويستعظم ما يأخذ، وقسم يستحقر ما يعطي وما يأخذ، وقسم يستعظم ما يعطي وما يأخذ. ولهذا منهم: من ينتقي وهم الذين لا يرون وجه الحق في الأشياء. ومنهم: من لا ينتقي وهم الذين يرون وجه الحق في الأشياء وقد ينتقون لحاجة الوقت وقد لا ينتقون لاطلاعهم على فقرهم المطلق، فمنهم ومنهم، فإن مشاربهم مختلفة، وكذلك مشاهدهم وأذواقهم بحسب أحوالهم، فإن الحال للنفس الناطقة كالمزاج للنفس الحيوانية، فإنّ مزاج حاكم على الجسم والحال حاكم على النفس. ثم اعلم أن استعظام الصدقة مشروع قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ اَلْبَابِسَ الْفَقِيَرَ﴾ [سورة الحج: الآية ٢٨]. وقال: ﴿ وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْثَرَّ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٦] يعني من البدن التي جعلها سبحانه من شعائر الله قال: ﴿وَمَن يُعَظِمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ لَكُرْ فِيَهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْمَتِيقِ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٢] يعني البدن، وفي هذه القصة قال: ﴿وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [سورة الحج: الآية ٣٥]. وقد ذكرنا في شرح المنفق الذي الإنفاق منه كونه له وجهان فكذلك هنا فنالنا منها لحومها ونال الحق منها التقوى منا فيها ومن تقوانا تعظيمها، فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب عند بعض العارفين، فلهذا يستعظم ما يعطي إن كان معطياً، أو ما يأخذ إن كان آخذاً، وقد يكون مشهده ذوقاً آخر وهو أول مشهد ذقناه من هذا الباب في هذا الطريق وهو أني حملت يوماً في يدي شيئاً محقراً مستقذر في العادة عند العامة لم يكن أمثالنا يحمل مثل ذلك من أجل ما في النفوس من رعونة الطبع ومحبة التميز على من لا يلحظ بعين التعظيم، ٣١٠ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة فرأيت الشيخ ومعه أصحابه مقبلاً فقال له أصحابه: يا سيدنا هذا فلان قد أقبل وما قصر في الطريق لقد جاهد نفسه نراه يحمل في وسط السوق حيث يراه الناس كذا وذكروا له ما كان بيدي فقال الشيخ: فلعله ما حمله مجاهدة لنفسه، قالوا له: فما ثم إلاَّ هذا، قال: فاسألوه إذا اجتمع بنا، فلما وصلت إليهم سلمت على الشيخ فقال لي بعد ردّ السلام: بأي خاطر حملت هذا في يدك وهو أمر محقّر مستقذر وأهل منصبك من أرباب الدنيا لا يحملون مثل هذا في أيديهم لحقارته واستقذاره، فقلت له: يا سيدنا حاشاك من هذا النظر ما هو نظر مثلك إن الله تعالى ما استقذره ولا حقره لما علّق القدرة بإيجاده كما علّقها بإيجاد العرش وما تعظمونه من المخلوقات فكيف بي وأنا عبد حقير ضعيف استحقر واستقذر ما هو بهذه المثابة، فقبلني ودعا لي وقال لأصحابه: أين هذا الخاطر من حمل المجاهد نفسه فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب في حق المعطي وفي حق الآخذ. فلاستعظام الأشياء وجوه مختلفة يعتبرها أهل الله أوحى الله إلى موسى عليه السلام إذا جاءتك من أحد باقلاية مسوّسة فاقبلها فإني الذي جئت بها إليك فيستعظمها المعطي من حيث أنه نائب عن الحق تعالى في إيصالها، ويستعظمها الآخذ من حيث أنّ الله جاء بها إليه، فيد المعطي هنا يد الحق عن شهود أو إيمان قويّ فإن الله يقول: إنّ الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فأضاف القول إليه والعبد هو الناطق بذلك. وقال تعالى في الخبر: كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً. وقد يكون استعظامها عند أهل الكشف لما يرى ويشاهد ويسمع من تسبيح تلك الصدقة أو الهدية أو الهبة أو ما كانت لله تعالى، وتعظيمها لخالقها باللسان الذي يليق بها وقوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِّدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] فتعظم عنده لما عندها من تعظيم الحق وعدم الغفلة والفتور دائماً كما تعظم الملوك الصالحين وإن كانوا فقراء مهانين عبيداً كانوا أو إماء وأهل بلاء كانوا أو معافين، ويتبركون بهم لانتسابهم إلى طاعة الله على ما يقال فكيف بصاحب هذا المشهد الذي يعاين؟ فمن كان هذا مشهده أيضاً من معط وآخذ يستعظم خلق الله إذ هو كله بهذه المثابة، وقد يقع التعظيم له أيضاً من باب كونه فقيراً إلى ذلك الشيء محتاجاً إليه من كون الحق تعالى جعله سبباً لا يصل إلى حاجته إلاَّ به، سواء كان معطياً أو آخذاً إذا كان هذا مشهده، وقد يستعظم ذلك أيضاً من حيث قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ١٥] فتسمّى الله في هذه الآية بكل شيء يفتقر إليه وهذا منها، وأسماء الحق معظمة وهذا من أسمائه وهو دقيقة لا يتفطن إليها كل أحد إلاَّ من يشاهد هذا المشهد وهو من باب الغيرة الإلهية والنزول الإلهيّ العام مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] مع ما عبد في الأرض من الحجارة والنبات والحيوان، وفي السماء من الكواكب والملائكة، وذلك لاعتقادهم في كل معبود أنه إله لا لكونه حجراً ولا شجرة ولا غير ذلك وإن أخطؤوا في النسبة في أخطؤوا في المعبود فلهذا قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلََّ إِنَّاهُ﴾ فكان من قضائه أنهم اعتقدوا الإله وحينئذ عبدوا ما عبدوا، فهذا من الغيرة الإلهية حتى لا ٣١١ في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة يعبد إلاَّ من له هذه الصفة، وليس إلاَّ الله سبحانه في نفس الأمر فقد تستعظم الصدقة من هذا الکشف . وأما استحقارها عند بعضهم فلمشهد آخر ليس هذا، فإن مشاهد القوم وأحوالهم وأذواقهم ومشاربهم تحكم عليهم بقوّتها وسلطانها، وهل كل ما ذكرناه في الاستعظام إلاَّ من باب حكم الأحوال والأذواق والمشاهد على أصحابها، فمنها أن يشاهد إمكان ما تعطيه من صدقة إن كان معطياً، أو ما يأخذ إن كان آخذاً، والإمكان للممكن صفة افتقارية وذلة وحاجة وحقارة، فيستحقر صاحب هذا المشهد كل شيء سواء كان ذلك من أنفس الأشياء في العادة أو غير نفيس، وقد يكون مشوباً أيضاً في الاستحقار من يعطي من أجل الله ويأخذ بيد الله، رأيت بعض أهل الله فيما أحسب فإني لا أزكي على الله أحداً كما أمرنا رسول الله وَل وفعله وقد نهانا الله عن ذلك، وقد سأل فقير شخصاً أن يعطيه صدقة لله فأخرج الرجل المسؤول صرّة فيها قطع فضة بين كبير وصغير فأخذ يفتش فيها بيده وذلك الرجل الصالح ينظر إليه ثم ردّ وجهه إليّ وقال لي: تعلم على من يبحث هذا المتصدق؟ قلت: لا، قال: على قدر منزلته عند الله، فإنه يعطي من أجل الله، فإذا رأى قلعة كبيرة يعدل عنها ويقول: ما نساوي عند الله هذا القدر إلى أن عمد إلى أصغر قطعة وجدها فأعطاها السائل فقال ذلك الصالح: هذه قيمتك عند الله ألا كل شيء محتقر في جنب الله . لكن هنا كرم إلهيّ يستند إلى غيرة إلهية، وذلك أن الناس يوم القيامة ينادي مناد فيهم من قبل الله: أين ما أعطي لغير الله؟ فيؤتى بالأموال الجسام والعقار والأملاك، ثم يقال: أين ما أعطي لوجهي؟ فيؤتى بالكسر اليابسة والفلوس وقطع الفضة المحقرة والخليع من الثياب، فغار الحق لذلك أن يعطى لوجهه من نعمته مثل ذلك فأخذ الصدقة بيده ورباها حتى صارت مثل جبل أحد أكبر ما يكون فيظهرها له على رؤوس الإشهاد ويحقر ما أعطي لغير الله فيجعله هباء منثوراً، فلا بدّ من الاستخبار لمن هذا مشهده؟ وأمثال هذا ممّا يطول فكره، وقد نبهنا على ما فيه كفاية من ذلك ممّا تدخل فيه الأربعة الأقسام التي قسمنا العالم إليها في أول هذا الفصل . وصل في فصل - أحوال الناس في الجهر بالصدقة والكتمان: من الناس من يراعي صدقة السرّ لأجل ثناء الحق على ذلك في الحديث الحسن الذي يتضمن قوله: ((مَا تَذْرِي شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)) وما جاء في صدقة السرّ واعتناء الله بذلك فيسرّ بها لعلم الله بما أنفق لا لغير ذلك من إخلاص وشبهه، لأن القوم قد حفظهم الله عن الشرك الجليّ والخفيّ فممن يخلصون، وما ثم إلاَّ الله لا رب غيره، وذلك لمشاهدتهم الحق في الأعمال عاملاً، فيعلمون أن الحق تعالى ما ذكر باب السرّ في مثل هذا وفضله على الإعلان في حق من يرى هذا النظر إلاَّ لعلم له في ذلك، وإن لم يطلع عليه لا لأجل الإخلاص والجهر إذ الجهر والسرّ قد تساويا في حق هؤلاء في المعطي والآخذ، ومن هذا الباب قوله: ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأ ◌َخَيْرِ مِنْهُمْ)) الحديث. ٣١٢ في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة وأمّا صاحب الإعلان بالصدقة فليس هذا مشهده ولا أمثاله، وإنما الغالب على قلبه وبصره مشاهدة الحق في كل شيء، فكل حال عنده أعمال بلا شك ما يشهد غير هذا فيعلن بالصدقة، كما يذكره في الملأ، فإن من ذكره في الملأ فقد ذكره في نفسه، فإن ذكر النفس متقدم بلا شك، وما كل من ذكره في نفسه ذكره في ملأ، فهذه حالة زائدة على الذكر النفسي لا مرتبة تفوت صاحب ذكر النفس، فإن ذكر النفس لا يطلع عليه في الحالتين، فهو سرّ بكل وجه، فصدقة الإعلان تؤذن بالاقتدار الإلهيّ فعمن يخفيها أو يسرّها وهو الظاهر في المظاهر الإمكانية، وهذه كانت طريقة شيخنا أبي مدين وكان يقول: قل الله ثم ذرهم ﴿أَغَيْرَ اُللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٤٠] وقد يعلن بها للتأسي وراثة نبوية . وأما ما يذكر عامة أهل هذا الطريق كأبي حامد والمحاسبي وأمثالهما من العامة من الرياء وطلب الإخلاص فإنما ذلك خطاب الحق بلسان العموم ليعم بذلك ما هو لسان من لا يرى لا لله، ونحن إنما نتكلم مع أهل الله في ذلك، ولقد كان شيخنا يقول لأصحابه: اعلنوا بالطاعة لله حتى تكون كلمة الله هي العليا كما يعلن هؤلاء بالمعاصي والمخالفات وإظهار المنكرات ولا يستحيون من الله، قال بعض السادة لأصحاب شيخ معتبر: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ قال: كان يأمرنا بالاجتهاد في الأعمال ورؤية التقصير فيها، فقال: أمركم والله بالمجوسية المحضة، هلا أمركم بالأعمال وبرؤية مجريها ومنشيها؟ فهذا من هذا الباب، فقد نبهتك على دقائق صدقة السرّ والإعلان في نفوس القوم مع الخلاف الذي بين علماء الرسوم في الصدقة المكتوبة وصدقة التطوّع وهو مشهور لا يحتاج إلى ذكره لشهرته من أجل طلب الاختصار والاقتصاد وفي صدقة الإعلان ورد من سنّ سنّة حسنة الحديث. وأما الكامل من أهل الله فهو الذي يعطي بالحالتين ليجمع بين المقامين، ويحصل النتيجتين، وينظر بالعينين، ويسلك النجدين، ويعطي باليدين، فيعلن في وقت في الموضع الذي يرى أن الحق رجح فيه الإعلان ويسرّ بها في وقت في الموضع الذي يرى أن الحق رجح فيه الإسرار، وهذا هو الأولى بالكمل من أهل الله في طريق الله تعالى. وصل في فصل - صدقة التطوّع: صدقة التطوّع عبودية اختيار مشوبة بسيادة وإن لم تكن هكذا فما هي صدقة تطوّع، فإنه أوجبها على نفسه إيجاب الحق الرحمة على نفسه لمن ناب وأصلح من العاملين السوء بجهالة، فهذه مثلها ربوبية مشوبة يحكم عليه بها، فإن الله تعالى لا يجب عليه شيء بإيجاب غيره، فهو الموجب على نفسه الذي أوجبه من حيث ما هو موجب، فمن أعطى من هذا الوجوب من هذه المنزلة ثم نفرض أن هذه المرتبة الإلهية إذا فعلت مثل هذا ونفرض لها ثواباً مناسباً على هذا الفعل فنعطيه بعينه لمن أعطى بهذا الوجوب من هذه المنزلة وهم أفراد من العارفين بصدقة التطوّع، فإن الحق من ذلك المقام يشيبه إذا كان هذا مشربه، وهذه مسألة ذوقية مشهودة للقوم، ولكن ما رأيت أحداً نبّه عليه قبلي إلاَّ إن كان، وما وصل إليّ فإنه لا بدّ لأهل الله المتحققين بهذا المقام من إدراك هذا، ولكن قد لا يجريه الله على ألسنتهم أو تتعذر على بعضهم العبارة عن ذلك، وقد ذكرناها في كتابنا هذا في غير هذا ٣١٣ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة الموضع بأبسط من هذا القول وأوضح من هذه العبارة، وبهذا الاعتبار تعلو صدقة التطوّع على صدقة الفرض ابتداء، فإن هذا التطوّع أيضاً قد يكن واجباً بإيجاب الله إذ أوجبه العبد على نفسه كالنذر فإن الله أوجبه بإيجاب العبد وغير النذر قد يلحق بهذا الباب. قال الأعرابيّ في صحيح الحديث: ((يَا رَسُول اللَّهِ فِي الزَّكَاةِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)» فيحتمل أن الله يوجب عليه ذلك إذا تطوّع به فيلحقه بدرجة القرض فيكون في الثواب على السواء مع زيادة أجر التطوّع في ذلك، فيعلو على الفرض الأصليّ بهذا القدر والله يقول: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٣٣] فنهى والنهي يعمّ العمل به بخلاف الأمر فالشروع في الشرع ملزم وهو الأظهر، فسوّى في النهي بين المفروض وغير المفروض، وقضى رسول الله وَيّ النافلة في الصلاة والصيام ولا يجوز عندنا ذلك في الفرائض وهي مسألة خلاف في قضاء الفرض الموقت، وليس معنى التطوّع في ذلك كله إلاَّ أن العبد عبد بالأصالة ومحل لما يوجبه عليه سيده، فهو بالذات قابل للوجوب والإيجاب عليه فالمتطوّع إنما هو الراجع إلى أصله، والخروج عن الأصل إنما هو بحكم العرض، فمن لزم الأصل دائماً فلا يرى إلاَّ الوجوب دائماً لأنه مصرّف مجبور في اختياره تشبيهاً بالأصل الذي أوجده فإنه قال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩] فما يكون منه إلاَّ ما سبق به العلم فانتفى الإمكان بالنسبة إلى الله، فما ثم إلاَّ أن يكون أو لا يكون غير هذا ما في الجناب الإلهيّ. ومنه قال في حديث التردّد: ((وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ لِقَائِي)) أي لا بدّ له من الموت. وقوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيَّهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [سورة الزمر: الآية ١٩] وقوله: ﴿حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [سورة السجدة: الآية ١٣] فليس في الأصل إلاَّ أمر واحد عند الله، فليس في الكون واقع إلاَّ أمر واحد علمه من علمه وجهله من جهله هذا تعطي الحقائق، فالحكم للوجوب والإمكان لا عين له بكل وجه الواحد إذا لم يكن فيه إلاّ حقيقة الوحدة من جميع الوجوه، فليس للكثرة وجه فيه تخرج عنه بذلك الوجه فلا يخرج عنه إلاَّ واحد، فإن كان في الواحد وجوه معان أو نسب مختلفة فالكثرة الظاهرة عنه لا تستحيل، لأجل هذه الوجوه الكثيرة فاجعل بالك من هذه المسألة، فإنك من هنا تعرف من أين جئت؟ ومن أنت؟ وهل أنت واحد أو كثير؟ ومن أيّ وجه يقبل الواحد الكثرة ويقبل الكثير الوحدة؟ ولماذا كانت الحكمة في الكثرة أوسع منها في الواحد والواحد هو الأصل؟ فبماذا خرج الفرع عن حكم الأصل وما ثم من يعضده؟ وهل النسب التي أعطت الكثرة في الأصل هل ترجع إلى الأصل أو تعطيها أحكام الفرع وليست في الأصل أعيان وجودية؟ هذا كله يتعلق بهذه المسألة، فسبحان الواحد الموحّد بالواحد وأحدية الكثرة، فإن للكثرة أحدية تخصّها لا بدّ من ذلك بها سميت تلك الكثرة المعينة وتميزت عن غيرها، فما وقع التميّز بين الأشياء آحاداً أو كثيرين إلاَّ بالوحدة، ولو اشترك فيها اثنان ما وقع التميّز والتميّز حاصل، فالوحدة لا بدّ منها في الواحد والمجموع فما ثم إلاَّ واحد أصلاً وفرعاً، فانظر يا أخي فيما نبهتك عليه فإنه من لباب المعرفة الإلهية، وانظر ما تعطيه صدقة التطوّع وما أشرف هذه الإضافة. ٣١٤ في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة وصل في استدراك تطهير الزكاة - وصل في الزكاة من غير الجنس في المال المزكى: فرض رسول الله مَّ في كل خمس من الإبل شاة، وصنّف الشاة غير صنف الإبل، فالأصل في هذه المسألة هل يطهر الشيء بنفسه أو يطهر بغيره؟ فالأصل الصحيح أن الشيء لا يطهر إلاَّ بنفسه، هذا هو الحق الذي يرجع إليه، وإن وقع الخلاف في الصورة فالمراعاة إنما هي في الأصل لما فرض الله الطهارة للعبادة بالماء والتراب وهما مخالفان في الصورة غير مخالفين في الأصل، فالأصل أنه من الماء خلق كل شيء حيّ، وقال في آدم: خلقه من تراب، فما أوقع الطهارة في الظاهر إلاَّ بنفس ما خلق منه كالحيوانية الجامعة للشاء والإبل والمالية للشاء والإبل وغير ذلك، فلولا هذا الأمر الجامع ما صحّت الطهارة، فلهذا صحّت الزكاة في بعض الأموال بغير الصنف الذي تجب فيه الزكاة، قال رسول الله ﴾ في تطهير الإنسان من الجهل: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فبمعرفته صحّت طهارته لمعرفته بربه، فالحق هو القدّوس المطلق، وتقديس العبد معرفته بنفسه فما طهر إلاَّ بنفسه فتحقق هذا. وصل في فصل النصاب: النصاب: المقدار، وهو الذي يصحّ أن يقال فيه كم ويكون كيلاً ووزناً. وقد بيّن الشارع نصاب المكيل ونصاب الموزون. الاعتبار في هذا: المكيل المعقول لما ورد في الخبر النبويّ من تقسيم العقل في الناس بالقفيز والقفيزين والأكثر والأقل فألحقه الشارع بالمكيل وإن كان معنى فهو صاحب الكشف الأتم الأعمّ الأجلى، وقد عرّفناك قبل أن الحضرات ثلاث: عقلية وحسيّة وخيالية، والخيالية هي التي تنزل المعاني إلى الصور المحسوسة أعني تجلّيها فيها إذ لا يعقلها إلاَّ هكذا. ومن هذه الحضرة قسم الشارع العقل كيلاً لكون العقل أظهره له الحق في صورة المكيل أعني العقول لما أراد الله من ذلك. وأما الموزون فالأعمال وهي أيضاً معان عرضية تعرض للعامل فألحقها الله بالموزون فقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٤٧] وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سورة الزلزلة: الآية ٧] فأدخل العمل في الميزان فكان موزوناً. ولكن في هذه الحضرة المثالية التي لا تدرك المعاني إلاَّ في صورة المحسوس حتى التجلّي الإلهيّ في النوم فلا ترى الحق إلاّ صورة، وقد ورد في ذلك من الأخبار ما يغني عن الاستقصاء في تحقيق ذلك وهو شيء يعلمه كل إنسان، إذ كل إنسان له تخيّل في اليقظة والمنام، ولهذا يعبر ما يدركه الخيال كما عبر الشارع عليه السلام من صورة اللبن إلى العلم، ومن صورة القيد إلى الثبات في الدين، فهذا معرفة النصاب بما هو نصاب لا بما هو نصاب في كذا، فإن ذلك يرد في نصاب ما تخرج منه الزكاة، ويندرج في هذا الباب معرفة ماله كمية واحدة وكميات كثيرة، فإن لنا في ذلك مذهباً من أجل أن قطعة الفضة أو الذهب قد تكون غير مسكوكة فتكون جسماً واحداً، فإذا وزنت أعطى وزنها النصاب أو أزيد من ذلك، فمن كونها جسماً واحداً هل لذلك الجسم كمية واحدة أو كميات كثيرة؟ أعني أزيد من واحد. فاعلم أن الأعداد تعطي في الشيء كثرة الكميات وقلتها والعدد كمية، فإن كان العدد بسيطاً غير مركب ٣١٥ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة فليس له غير كمية واحدة وهو من الواحد إلى العشرة إلى عقد العشرات عقداً عقداً، كالعشرين والثلاثين إلى المائة إلى المائتين إلى الألف إلى الألفين وانتهى الأمر. فإذا كان الموزون أو المكيل ينطلق عليه وهو جسم واحد أحد هذه الألقاب العددية فإنه ذو حكم واحد، فإن انطلق عليه غير هذه الألقاب من الأعداد مثل أحد عشر أو مثل مائة وعشرين أو مثل ثلاثمائة ومثل ثلاثة آلاف أو ما تركب من العدد فكمياته من العدد بحسب ما تركب، أو يكون الموزون ليس جسماً واحداً كالدراهم والدنانير فله أيضاً كميات كثيرة، فإن كان العدد مركباً والموزون مجموعاً من آحاد كان العدد والموزون ذو كميات، فإن كان أحدهما مركباً ومجموعاً والآخر ليس بمجموع أو ليس بمركب كان ما ليس بمركب ولا مجموع ذو كمية واحدة، وكان المركب والمجموع ذا كميات فاعلم ذلك. وتحدث الكميات في الأجسام بحدوث الانقسام إذ الأجسام تقبل القسمة بلا شك، ولكن هل يرد الانفصال بالقسمة على الاتصال أم لا؟ فإن ورد على الاتصال كما يراه بعضهم فالجسم الواحد ذو كميات، وإن لم يرد على الاتصال كما يراه بعضهم فليس له سوى كمية واحدة، وهذا التفضيل الذي ذكرناه نحن من كميات الموزون وكميات العدد على هذا ما رأينا أحداً تعرض إليه وهو ممّا يحتاج إليه ولا بدّ، ومن عرف هذه المسألة عرف هل يصحّ إثبات الجوهر الفرد الذي هو الجزء الذي لا يقبل القسمة أم لا يصحُّ؟ ثم لتعلم أن من حكمة الشرع جمعه أصناف العدد فيما تجب فيه الزكاة وهي الفردية فجعلها في الحيوان فكان في ثلاثة أصناف، والثلاثة الأول الأفراد وهي الإبل والبقر والغنم، وجعل الشفعية في صنفين في المعدن وهو: الذهب والفضة. وفي الحبوب وهو: الحنطة والشعير، وجعل الأحدية في صنف واحد من الثمر وهو الثمر خاصة هذا بالاتفاق بلا خلاف، وما عدا هذا ممّا يزكى فبخلاف غير مجمع عليه، فمنه خلاف شاذ ومنه غير شاذ. وصل في فصل زكاة الورق: اتفقوا على أنه خمس أواق للخبر الصحيح، والأوقية أربعون درهماً، هذا هو النصاب في الورق، وزكاته خمسة دراهم وذلك ربع العشر. وصل الاعتبار في ذلك: لكل صنف كمال ينتهي إليه، فالكمال في الصنف المعدني حازه الذهب، وسيأتي ذكره في زكاة الذهب والورق على النصف من درجة الكمال والمدّة الزمانية الحصول الكمال المعدني ستة وثلاثون ألف سنة، والورق ثمان عشرة ألف سنة وهو نصف زمان الكمال، وجميع المعادن تطلب درجة الكمال لتحصلها، فتطرأ في الطريق علل تحول بينهم وبين البلوغ إلى الغاية، فالواصل منها إلى الغاية هو المسمّى ذهباً، وما نزل عن هذه الدرجة لمرض غلب عليه حدث له اسم آخر من فضة ونحاس وأسرب وقزدير وحديد وزئبق، فيكون الذهب عن اتحاد أبويه بالنكاح والتسوية في التناسب واستيلاء حرارة المعدن في الكل على السواء، ولم يعرض للأبوين من البرودة واليبوسة ما يؤثر في هذا الطالب درجة الكمال قبل تحكّم سلطان حرارة المعدن، فإذا كان السالك بهذه المثابة بلغ الغاية فوجد عين الذهب فإن دخل عليه في سلوكه من البرودة فوق ما يحتاج إليه أمرضه وحال بينه وبين مطلوبه حدث له اسم ٣١٦ في المعارف/ الباب السبعون في أسرار الزكاة الفضة فما نزلت عن الذهب إلاَّ بدرجة واحدة والكمال في الأربعة وقد نقص هذا عن الكمال بدرجة واحدة من أربعة والأربعة أوّل عدد كامل ولهذا يتضمن العشرة، فكان في الفضة ربع العشر لنقصان درجة واحدة عن الذهب بغلبة البرودة، والبرودة أصل فاعليّ، والحرارة أصل فاعليّ، والرطوبة واليبوسة فرعان منفعلان، فتبعت الرطوبة البرودة لكونها منفعلة عنها فلهذا تكوّنت الفضة على النصف من زمان تكوين الذهب، ولما كان المنفعل يدل على الفاعل ويطلبه بذاته لهذا استغني بذكر المنفعل عن ذكر ما انفعل عنه لتضمنه إياه فقال تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٥٩] ولم يذكر ولا حار ولا بارد وهذا من فصاحة القرآن وإعجازه حيث علم أن الذي أتى به وهو محمد وَّو لم يكن ممّن اشتغل بالعلوم الطبيعية فيعرف هذا القدر، فعلم قطعاً أن ذلك ليس من جهته وأنه ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت: الآية ٤٢] وأن القائل بهذا عالم وهو الله تعالى، فعلّم النبي ◌َّ﴿ كل شيء بتعليم الله إياه وإعلامه لا بفكره ونظره وبحثه، فلا يعرف مقدار النبوّة إلاّ من أطلعه الله على مثل هذه الأمور، فانظر ما أحكم علم الشرع في فرض الزكاة في هذه الأصناف على هذا الحدّ المعلوم في كل صنف صنف لمن نظر واستبصر . وصل في فصل نصاب الذهب: المتفق عليه في نصاب الذهب ما نذكره إن شاء الله فقالت طائفة: تجب الزكاة في عشرين ديناراً كما تجب في مائتي درهم. ومن قائل: ليس في الذهب شيء حتى يبلغ أربعين ديناراً ففيه دينار واحد وهو ربع العشر أعني عشرها لأن عشر الأربعين أربعة وربع الأربعة واحد. ومن قائل: ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفه مائتي درهم أو قيمتها فإذا بلغ ففيه ربع عشره سواء بلغ عشرين ديناراً أو أقل أو أكثر، هذا فيما كان من ذلك دون الأربعين حينئذ يكون الاعتبار في الذهب ما ذكرناه، فإذا بلغ الأربعين كان الاعتبار بها نفسها لا بالدراهم لا صرفاً ولا قيمة. الاعتبار في ذلك: في كل أربعين ديناراً دينار وهو ربع العشر، من ذلك قد ذكرنا أن الفضة لما حكم عليها وهي تطلب الكمال الذي ناله الذهب طبع واحد وهو البرودة من الأربع الطبائع فأخذت من الذهب طبعاً واحداً أخرجته عن محل الاعتدال فلهذا أخذ من الأربعين التي هي نصاب الذهب دينار واحد وهو ربع العشر لأنك إذا ضربت أربعة في عشرة كان الخارج أربعين فالأربعة عشر الأربعين والواحد ربع الأربعة فهو ربع عشرها وهو الواحد الذي أخذته الفضة وصارت به فضة في طلبها درجة الكمال فنقص من الذهب هذا القدر فكانت زكاته ديناراً وهذا الدينار قد اجتمع مع الخمسة الدراهم في كونه ربع عشر ما أخذ منه، فإن العشرين عشر المائتين وربع العشرين خمسة فكان في المائتين خمسة دراهم وهي ربع عشرها، فمن حمل الذهب على الفضة وقال: إن في عشرين ديناراً كما في مائتي درهم، أو من قال بالصرف والقيمة بمائتي درهم فأوجب الزكاة فيما هذا قيمته وصرفه من الذهب وهذا فيما دون الأربعين، فإنه ما ورد نهي فيما دون الأربعين من الذهب كما ورد في الورق فإنه قال: ليس فيما دون خمس أواق صدقة ولم يقل ليس فيما دون الأربعين، فلهذا ساغ الخلاف ٣١٧ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة في الذهب ولم يسغ في الورق واجتمعا في ربع العشر بكل وجه، واعتبر العشر والربع منه لتضمن الأربعة العشرة فضربت فيها ولم تضرب في غيرها لأن الأربعة تتضمن عينها وما تحتها من العدد فيكون من المجموع عشرة، ولهذا قيل في الأربعة إنه أوّل عدد كامل فإن الأربعة عينها وفيها الثلاثة فتكون سبعة وفيها الاثنان فتكون تسعة وفيها الواحد فتكون عشرة، فمن ضرب الأربعة في العشرة كان كمن ضرب الأربعة في نفسها بما تحوي عليه فوجبت الزكاة لنظرها لنفسها في ذلك ولم تنظر إلى بارئها وموجدها فأخذ الحق منها نظرها إلى نفسها وسمّاه زكاة لها أي طهارة من الدعوى فبقيت لربها بربها فلم يتعين له فيها حق يتميز لأنها كلها له لا لذاتها . وصل في فصل - الأوقاص وهي ما زاد على النصاب ممّا يزكى: أجمع العلماء على زكاة الأوقاص في الماشية وعلى أنه لا أوقاص في الحبوب، واختلفوا في أوقاص الذهب والورق وبترك الزكاة في أوقاص الذهب والورق، أقول: فإن إلحاقهما بالحبوب أولى من إلحاقهما بالماشية فإن الحيوان مجاور للنبات والنبات مجاور للمعدن فإلحاقه في الحكم بالمجاور أحق فإن الجار أحق بصقبه . وصل في اعتبار هذا: الكمال لا يقبل النقص والزكاة نقص من المال، ولهذا لما كملٍ الحيوان بالإنسانية لم يكن فيه زكاة، فإن الأشياء ما خلقت إلاَّ لطلب الكمال فلا كامل إلاَّ الإنسان، وأكمل المعادن الذهب ولهذا لا يقبل النقص بالنار مثل ما يقبله سائر المعادن. فإن قلت: فالفضة قد نزلت عن درجة الكمال فهي ناقصة فوجبت الزكاة في أوقاصها. قلنا: قد أشركها الحق في الزكاة إذا بلغت النصاب في الذهب ولم يفعل ذلك في سائر المعادن، فلولا أن بينهما مناسبة قوية لما وقع الاشتراك في الحكم فليكن في الأوقاص كذلك. فإن قلت: إن الزكاة نقص من المال ومن بلغ الكمال لا ينقص والذهب قد بلغ الكمال والزكاة فيه إذا بلغ النصاب وهو ذهب في النصاب وذهب في الأوقاص ما زال عنه حكم الكمال. قلنا: كذلك أقول هكذا كان ينبغي لو جرينا على هذا الأصل لكن عارضنا أصل آخر إلهي وهو التبدّل والتحوّل في الصور عند التجلّي الإلهي واختلاف النسب والاعتبارات على الجناب الإلهي والعين واحدة والنسب مختلفة، فهي العالمة من كذا والقادرة والخالقة من كذا، فالحق سبحانه ما فرض الزكاة في أعيان المزكي من كونها أعياناً بل من كونها على الخصوص أموالاً في هذه الأعيان خاصة لا في كل ما ينطلق عليه اسم مال، فاعتبرنا لما جاء الحكم بالزكاة فيهما إذا بلغا النصاب المالية، وما اعتبرنا أعيانهما، واعتبرنا في الأوقاص أعيانهما لا المالية فرفعنا الزكاة فيهما، كما اعتبرنا في تحوّل التجليات الاعتقادات والمرتبة وما اعتبرنا الذات، واعتبرنا في التنزيه الذات وما اعتبرنا المرتبة ولا الاعتقادات، فلما كان أصل الوجود وهو الحق تعالى يقبل الاعتبارات سرت تلك الحقيقة في بعض الموجودات بل في الموجودات مطلقاً، فاعتبرنا فيها وجودها مختلفة تارة لأمور عقلية وتارة لأمور شرعية، ألا ترى الرقيق وهو إنسان وله الكمال إذا اعتبرنا فيه المالية أو اعتبارنا أيضاً في المشتري له التجارة قوّ مناه ٣١٨ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة عليه بالقيمة وأنزلناه منزلة ما يزكى من المال فأخرجنا من قيمته الزكاة، ألا ترى كمالية الحق لا تقبل وصفاً من نعوت المحدثات؟ فلما تجلّت في حضرة التمثّل للأبصار المقيدة بالحسّ المشترك تبعت الأحكام هذا التجلّ الخاص فقال تعالى: جعت فلم تطعمني، وظمئت فلم تسقني، ومرضت فلم تعدني ولما وقع النظر فيه من حيث رفع النسب قال: ﴿لَيْسَ کَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة العنكبوت: الآية ٦] فمن كان غنياً عن الدلالة عليه كان هو الدليل على نفسه لشدّة وضوحه، فإنه لا شيء أشدّ في الدلالة من الشيء على نفسه . وقد نبهتك على أن الأحكام تتبع الاعتبارات والنسب، وبعد أن وقع الحكم من الشارع في أمر ما بما حكم به عليها فلا بدّ لنا أن ننظر ما اعتبر فيه حتى حكم عليه بذلك الحكم، وبهذا يفضل العالم على الجاهل، فإذا تقرّر هذا فاعلم أن البلوغ بالسنّ أو الإنبات أو الحلم للعقل هو كالنصاب في المال، فكما أن النصاب إذا وجد في المال وجبت الزكاة فيه، كذلك يجب التكليف على العاقل إذا بلغ، ثم بعد أوان البلوغ يستحكم عقله لمرور الأزمان عليه كما يزيد المال بالتجارة فتظهر الأوقاص، فمن لم يجد في استحكام عقله أن الله هو الفاعل مطلقاً وأن العبد لا أثر له في الفعل وجبت عليه الزكاة في الأوقاص والزكاة حق الله في المال، فنضيف إلى الله من أعماله ما ينبغي أن يضيف، وهنا رجلان منهم من يضيف إلى الله ما يضيفه على جهة الحقيقة ويضيف إلى نفسه من أعماله ما يضيف على جهة الأدب كقوله: ﴿فَأَرَّدِتُ أَنْ أَعِبَهَا﴾ [سورة الكهف: الآية ٧٩] وكقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] وكقول الخليل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سورة الشعراء: الآية ٨٠] وكقوله: ﴿مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِيْنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَنِ نَّفْسِكٌ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٩] ومنهم من يضيف ذلك العمل كله إلى الإنسان عقلاً وشرعاً كالمعتزلي، ويضيف إلى الله من ذلك خلق القدرة له في هذا العامل لا غير، وأما من لا يرى الأفعال في استحكام عقله إلاَّ من الله ولا أثر للعبد فيها لم ير الزكاة في الأوقاص لأنه ما ثمّ ما يردّ إلى الله فإنه علم أن الكل لله، كما قال شيبان الراعي لما سُئِل عن الزكاة فقال لابن حنبل وللشافعيّ وهما كانا السائلين على مذهبنا أو على مذهبكم، إن كان على مذهبنا فالكل لله لا نملك شيئاً، وإن كان على مذهبكم ففي كل أربعين شاة من الغنم شاة، فاعتبر شيبان أمراً ما فأوجب الزكاة، واعتبر أمراً آخر فلم يوجب الزكاة والمال هو المال بعينه . وصل في فصل - ضم الورق إلى الذهب: فمن قائل: نضم الدراهم إلى الدنانير فإذا كان من مجموعهما النصاب وجبت الزكاة. ومن قائل: لا يضم فضة إلى ذهب ولا ذهب إلى فضة وبه أقول. الاعتبار في ذلك: قال النبي وََّ: ((إِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقّاً وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقّاً فَكُلْ وَنَمْ)) وإن كان الإنسان هو الجامع لعينه ونفسه الحيوانية ولكن جعل الله لكل واحد منهما حقاً يخصّه ٣١٩ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة فحق العين هنا النوم وحق النفس النباتية التغذي وهو الأكل فلا يضم شيء إلى شيء، فإن النوم ما يقوم مقام الأكل ولا الأكل يقوم مقام النوم، فلا يضم شيء إلى شيء، والذي يرى ضم الشيء إلى الشي يرى ضم النوم إلى الأكل، فإن الأكل سبب في حصول النوم لما يتولد منه من الأبخرة المرطبة التي يكون بها النوم فتنال العين حقّها والنفس حقّها، فلا بأس بضم الذهب إلى الفضة لحصول الحق من ذلك المجموع. وصل في فصل - الشريكان: فمن قائل: إن الشريكين لا زكاة عليهما في مالهما حتى يكون لكل واحد منهما نصاب، وبه أقول. ومن قائل: إن المال المشترك حكمه حكم مال رجل واحد. الاعتبار في ذلك: العمل من الإنسان إذا وقع فيه الاشتراك فليس فيه حق الله فلا زكاة فيه لأن الله تعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو الذي أشرك. وقال ◌َّرَ: ((مَنْ قَالَ هَذَا لِلَّهِ وَلِوُجُوهِكُمْ فَهُوَ لِوُجُوهِكُمْ فَهُوَ لَيْسَ لِلَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ)) والنصاب بالاشتراك غير معتبر، فإن الشريكين في حكم الانفصال وإن كانا متصلين فإن الاتصال هو الدليل على وجود الانفصال، إذ لولا الفصل لم يكن الاتصال، وإذا كان الحكم للانفصال ولم يبلغ أحدهما ما عنده النصاب في ماله لم تجب عليه الزكاة، فإن الزكاة وإن كانت تطلب المال فما تطلبه إلاَّ من المكلف بإخراجه، ألا ترى المال الذي في بيت المال ما فيه زكاة لاشتراك الخلق فيه مع وجود النصاب فيه وحلول الحول إذ أمسكه الإمام ولم يفرقه لمصلحة رآها في ذلك، فلما اعتبر الخلق المشتركين فيه لم تبلغ حصة واحد منهم النصاب ولم يتعين أيضاً رب المال؟ فإذا عيّنه الإمام ودفع إليه ما يبلغ النصاب فقد خرج من بيت المال وتعين مالكه فزال ذلك الحكم، فإذا مضى عليه الحول أدّى زكاته. انتهى الجزء الرابع والخمسون . (الجزء الخامس والخمسون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحِيمَةِ وصل في فصل - زكاة الإبل: الزكاة فيها بالاتفاق وقدرها ونصابها مذكور في أحكام الشريعة . الاعتبار: حكم الشارع على الإبل أنها شياطين، فأوجب فيها الزكاة لتطهر بذلك من هذه النسبة، إذ الزكاة مطهرة رب المال من صفة البخل الشيطنة البعد، يقال: بئر شطون إذا كانت بعيدة القعر، وسمّي الشيطان لبعده من رحمة الله لما ﴿أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٤] والأفعال والأعمال إذا لم تنسب إلى الله فقد أبعدت عن الله فوجبت الزكاة فيها وهو ما لله فيها من الحق يردّها إليه سبحانه، فإذا ردّت إليه اكتسبت حلة الحسن فقيل : أفعال الله كلها حسنة، والزكاة واجبة على المعتزلي من حيث اعتقاده خلق أعمال العباد لهم، والأشعري تجب عليه الزكاة لإضافة كسبه في العمل إلى نفسه، وكان في كل خمس ذود شاة ٣٢٠ في المعارف / الباب السبعون في أسرار الزكاة والخمس هو عين الزكاة من الورق وهو ربع العشر فصارحكم العدد الذي كان زكاة يزكى أيضاً، كمن يرى الزكاة في الأوقاص فيخرج من كل أربعة دنانير درهماً ومن أربعين درهماً درهماً، وكما أخرجت من الذهب درهماً في الأوقاص وليس الورق من صنف الذهب كذلك الشاة تخرج في زكاة خمس من الإبل وليست من صنفها، كذلك يؤخذ حق الله من الجارحة بالحرق بالنار والقطع في السرقة، والنفس المكلفة هي السارقة وليست من جنس الجارحة، وتطهرت من حكم السرقة بقطع اليد، كما تطهر الخمس من الإبل بإخراج الشاة وليست من صنف المزکی، وقد تقدّم حکم الأوقاص فلا يحتاج إلى ذكره هنا. وصل في صغار الإبل: فمن قائل: تجب فيها الزكاة. ومن قائل: لا تجب. الاعتبار: الصغير لا يجب عليه التكليف حتى يبلغ فلا زكاة في صغار الإبل، والصغير يعلم الصلاة ويضرب عليها وهو ابن عشر سنين ولا يضرب إلا على واجب والبلوغ ما حصل، فتجب الزكاة في صغار الإبل، العقل إذا وجد من الصبي وإن لم يبلغ فمن اعتبر البلوغ أسقط التكليف، ومن اعتبر استحكام العقل أوجب التكليف فيما نص الشرع عليه لأن الحكم في ذلك له قال تعالى: ﴿أْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ﴾ [سورة الطور: الآية ٢١] وقال: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ١٢] وقال في المهد: ﴿ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَى نِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [سورة مريم: الآية ٣٠] في المهد وغيره ﴿وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِ﴾ [سورة مريم: الآية ٣١] ومن برّه بها كونه برّأها ممّا نسب إليها بشهادته، وأتى في كل ما ادعاه ببنية الماضي ليعرف السامع بحصول ذلك كله عنده وهو صبي في المهد، وقد ذكر أن الله تعالى أوصاه بالصلاة والزكاة ما دام في الحياة، وأنه آتاه الكتاب والحكمة، ولكن غاب عن أبصار الناس إدراك الكتاب الذي آتاه حتى ظهر في زمان آخر، وأما الحكمة فظهر عينها في نفس نطقه بمثل هذه الكلمات وهو في المهد، والإنسان صغير من حيث جسمه لعدم مرور الأزمان الكثيرة عليه في هذه الصورة وأصغر مدّته زمان تكوينه، ثم لا تزال مدّته تكبر إلى حين موته، فكلما كبّر جسمه صغر عمره، فلا ينفك من إضافة الكبر والصغر إليه فزيادته نقصه ونقصه زيادته، فانظر ما أعجب هذا التدبير الإلهيّ. وصل في فصل - زكاة الغنم: الاتفاق على الزكاة فيها بلا خلاف، وبالله التوفيق. الاعتبار في هذا الوصل: قال تعالى في نفس الإنسان: ﴿قَدْ أَفَحَ مَن زَّكَّنْهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٩] وقد تقدّم الكلام عليها وأن الله أقام الرأس من الغنم مقام الإنسان الكامل فهو قيمته، فانظر ما أكمل مرتبة الغنم حيث كان الواحد منها فداء نبيّ مكرّم فقال: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْيح عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: الآية ١٠٧] فعظمه الله وناب مناب هذا النبيّ المكرّم وقام مقامه فوجبت الزكاة في الغنم كما أفلح من زكّى نفسه شعر: [الطويل] وأين تُؤَاجُ الكَبْش من نَوْسِ إنسانٍ فداءُ نبِيِّ ذَّبْحُ ذَّبْحِ لقربانِ بنا أو به لم أدرِ من أيِّ ميزانِ وعظَّمه الله العظيمُ عنايةً