Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها وصفة حكماً إما بالإحاطة أو غير ذلك من أحكام الشرع، لأنه لا يخلو عن حكم مشروع لصاحب تلك الحال فما ثم إلاَّ مكلف، فما ارتفع التكليف فإن هؤلاء الذين تقول فيهم الفقهاء قد ارتفع عنهم خطاب الشرع لم يرتفع، فإن الشرع قد أباح له التصرّف فيما يقتضيه طبعه كالحيوان ولا حرج عليه في ذلك، فكيف يقال: زال عنه حكم الشرع والشرع قد حكم له بالإباحة، كما حكم للعاقل البالغ بالإباحة فيما أباح له، فإن الحكم في الأشياء للشرع لا للعقل، والشرع هو حكم الله في الأشياء، وما ثم شيء خرج عن حكم الله فيه بأمر ما، هذا نظر أهل الله لأنهم لا يزالون في كل نفس حاضرين مع الله، وأحكام الشرع وإن تعلقت بالأعيان فإنها مبنية على الأحوال، فما خوطبت عين بأمر ما إلاَّ لحال هي عليه، لأجل ذلك الحال خوطب بما خوطب به لا لعينه، فإن العين لا تزال باقية والأحوال تتغير، فيتغير حكم الشرع على العين لتغيّر الحال، فحال الطفولة والإغماء والجنون وغلبة الحال والفناء والسكر والمرض للشرع فيها أحكام كما لحال الرجولة والإفاقة والصحة والبقاء والصحو وعدم غلبة الحال للشرع فيها أحكام، فحكم الشرع سار في جميع الأحوال لمن عقل سريان الحق في وجود الأعيان . وصل في فصل - التسبيح والتصفيق من المأمومين لسهو الإمام: فقال قوم: التسبيح للرجال والنساء. وقال آخرون: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وبه أقول وإليه أذهب للخبر الوارد فيه . وصل الاعتبار في هذا: من اعتبر الإنسانية ألحق النساء بالرجال كما ألحقهن رسول الله له بالرجال في الكمال ومن اعتبر الذكورة والأنوثة وقول الله تعالى: ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] وغلب الفاعل على المنفعل فرق بين الرجال والنساء فجعل التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، فإن كلام المرأة يثير الشهوة بالطبع ولا سيما إن كان في كلامها خضوع وانكسار، وفي خيال السامع أنها أنثى، وفي قلبه مرض والله قد نهاهن عن الخضوع في القول فقال: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوّلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ وَقُلْنَ فَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٢] ففي هذه الآية إباحة كلام النساء الرجال على وصف خاص، ولا شك أن المصلي في حال مناجاة ربّه، فإذا سبحت المرأة به حيف عليه الميل الطبيعي الخيالي إليها، فهو مع التصفيق لا يؤمن عليه فكيف مع الكلام؟ فالعارف هنا مع ما يعتبره مع الحق في مناجاته، فإما أن يناجيه بعقله، وإما بنفسه وطبعه وهو بحسب قوته، فإن كان صحيحاً قوياً فلا يبالي بما وقعت المناجاة فيستوي عنده الرجال والنساء، وإن عرف نفسه أن فيها بقية من ذاتها وعندها مرض فرّق بين عقله وطبعه حتى يتخلص، هكذا هو نظر أهل الله في نفوسهم. وصل في فصل - سجود السهو لموضع الشك: اختلف العلماء فيمن شك في صلاته فلم يدر كم صلَّى واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، فمن العلماء من قال: يبني على اليقين وهو الأقل ولا يجزيه التحري ويسجد. ومنهم من قال: إن كان أول أمره فسدت صلاته، وإن تكرر ذلك منه تحرى وعمل على غلبة الظن ثم يسجد سجدتين بعد السلام. وقال قوم: إنه الفتوحات المكية ج٢ - م١١ ١٦٢ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها ليس عليه إذا شكّ لا رجوع إلى يقين ولا تحرّ وإنما عليه السجود فقط إذا شكّ، والذي أذهب إليه في هذه المسألة هذا القول الأخير، وإن كان البنيان على اليقين أحوط . وصل في اعتبار هذا الفصل : الخاطر الأول إذا عرفه الإنسان اعتمد عليه، والشك هو التردّد بين أمرين أو أمور من غير ترجيح، وغلبة الظن الميل بالترجيح لأحد المشكوكين من غير قطع، وليس له رجوع لا إلى يقين ولا إلى غلبة ظن، فإن الحكم لصاحب الوقت وهو الشك، وكما يلزم المحذور فيما نقص من فعل العبادة كذلك يلزم في الزيادة فإنه شرع لم يأذن به الله، والسجود إنما خوطب به الشاك، فلو أن الذي يبني على يقين يزول عنه الشك كان حكمه حكم من لم يشك، وأما في الزيادة في تلك العبادة فالذي شرع ذلك العمل هو الذي شرع السجود للشك فما خوطب بالسجود من تيقن ولا من غلب على ظنّه، فمن شكّ في دليل عقله في معرفة ربه وفي دليل سمعه المعارض دليل عقله في معرفة ربه فلم يثق بأحد الدليلين لأنه لم يترجح عنده أحد الدليلين، فإنه لا يقدر أن يرفع عن نفسه صدق الخبر المتواتر الذي عارضه دليل عقله في علمه بما ينبغي لجلال الله من التنزيه في دليل عقله، ولم يقدر أن يدفع عن نفسه لإيمانه ما وصف الحق نفسه بما ينبغي له عند هذا المؤمن لورود النص المتواتر به، فلولا أنه ابتغى له ما ورد به الخبر النبوي الذي يوجب القطع وتعارض الدليلان ولم يجد وجهاً للترجيح ولا للجمع فهذا هو الشاك، فليسجد سجدتي السهو إذا سهى عن العمل بالإيمان من غير نظر في الدليلين، ويفرغ المحل ويخليه وهو القلب، ويحليه بصدق التوجّه وهو السجود لهذا الموصوف بالنقيضين، والسجود محل القربة من الله ومحل بعد الشيطان منه فإنه يعتزل من العبد في حال سجوده، وهو في حال سجوده صاحب شبهة فلا بدّ بعمله على الإيمان أن ينقدح لمن هذه الصفة صفته في قلبه علم بالله لم يكن عنده يرفع عنه الشك بأن يعطيه ذلك العلم، إما الجمع بين الدليلين وإما الترجيح بالعثور على فساد ما يناقض الإيمان من أحد الدليلين ويعثر على الشبهة التي أوجبت التعارض، قال الله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ﴾ هنا بسجدتي السهو ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] هنا الجمع بين الدليلين المتعارضين أو الترجيح أو إبطال أحد الدليلين . وصل في فصل - ما هو من الصلاة فرض على الأعيان وما ليست بفرض على الأعيان: اعلم أن من الصلاة ما هي فرض على الأعيان وهي ما تكلمنا فيها فيما مضى من هذا الباب. ومنها ما ليست بفرض على الأعيان. فأما التي ليست بفرض على الأعيان فمنها ما هي سنة. ومنها ما هي فرض على الكفاية. ومنها ما هي نفل، والذي أذهب إليه أنه ما ثم فرض إلاَّ الصلوات الخمس وما عداها ينبغي أن يسمّى صلاة تطوّع كما سمّاها رسول الله وَّر. وفي الخبر الوارد في حديث الأعرابي نظر عندي إذ قال الأعرابي: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَيَّ غيْرُهَا؟ قَالَ: ((لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)) يحتمل قوله بََّ: ((لاَ إلاَّ أَنْ تطوع)) بصلاة فتلزمك لزوم الفرائض، فإن قوله: ((هل علي غيرها)) يعني من عند الله ألزمنيها ابتداء، والصلاة إذا تطوعت بها مثل النذر ألزمك الله الإتيان بها بإلزامك نفسك إياها. ثم إن هذه صلاة التطوّع للشرع فيها أحوال مختلفة ١٦٣ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها أدى ذلك الاختلاف إلى أن يجعل لها أسماء مختلفة لتعرف بها، وجملتها فيما أحسب عشرة: الوتر، وركعتا الفجر، والنفل، وتحية المسجد، وقيام رمضان، والكسوف، والاستسقاء، والعيدان، وسجود القرآن عند من يجعله صلاة، فإذا فرغنا من هذه العشرة واعتباراتها سقنا صلاة الجنائز وصلاة الاستخارة وغير ذلك ممّا يسمّى في الشرع صلاة، وإن لم يكن فيها ركوع ولا سجود ولا إحرام ولا تسليم كالصلاة على رسول الله وَّ المأمور بها شرعاً منزلاً وحكمة ذلك . وصل الاعتبار: الصلاة تقتضي العبودية، ولما انقسمت الصلاة إلى قسمين كما قدّمنا إلى ما هو فرض أعيان وإلى ما ليس بفرض انقسمت العبودية إلى قسمين: عبودية اضطرار وبها أصلي فرائض الأعيان، وعبودية اختيار وبها نصلي ما عدا فرض الأعيان، وسمّاها الحق تعالى نوافل، وسمّاها رسول الله ◌َّ تطوعاً. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٩] يقول بعض الصالحين: ما لأحد نافلة مقطوع بها إلاَّ لرسول الله والخ. فإنها لا تصحّ النوافل إلاّ لمن كملت فرائضه، ومن نقصت فرائضه عن الكمال كملت له من تطوعه، فإن زاد التطوع حينئذ يصحّ اسم النافلة، وما شهد الله بها لأحد إلاَّ لرسوله وَّل فقال له أمراً: ﴿وَمِنَ الَيَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةُ لَّكَ﴾ وقال تعالى في الخبر الصحيح عنه: ((وَلاَ يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوافِلِ)). فسمّى ما زاد على الفرائض نوافل. وقال رسول الله وَّ للأعرابيّ في تعليم ما بني عليه الإسلام فذكر الفرائض فقال: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ((لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ)) فسمّى ما زاد على الفرائض تطوعاً، فالفرض عبودية اضطرار لأن المعصية تتحقق بفعله أو بتركه وما عداه فعبودية اختيار لكنه مختار في الدخول فيها ابتداء، فإذا دخل فيها عندنا لزمته أحكام عبودية الاضطرار ولا بدّ، وليس له أن يخرج عن حكمها حتى يفرغ من تلك العبادة، ولهذا لما قال له: هل عليّ غيرها؟ قال له عليه السلام: لا. يعني أنه ما فرض الله عليك ابتداء من عنده إلاَّ ما ذكرته لك إلاَّ أن تطوّع، إلاَّ أن تشرع أنت في أمثالها مما رغبك الحق فيه، فإن تطوّعت ودخلت فيها وجب عليك الوفاء بها كما وجب في فروض الأعيان، فهذا معنى قوله: لا إلاَّ أن تطوّع، فيجب عليك ما أوجبته على نفسك، وفي هذا الباب دخل النذر وأمثاله، قال تعالى: ﴿وَلَ نُطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٣٣] فالوتر لمعرفة الحق في الأشياء كلها، وركعتا الفجر للشكر لقيام الليل على ما وفق له، وللنائم على قيامه إلى أداء فرض الصبح ودخول المسجد للسلام على الملك في بيته، وقيام رمضان لكون رمضان اسماً من أسماء الله فوجب القيام لذكر الملك، قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة المطففين: الآية ٦] والكسوف للتجلي الذي يعطي الخشوع. سُئِل رسول الله بَ﴿ عن الكسوف فقال: ((مَا تَجَلَّى اللَّهُ لِشَيءٍ إِلاَّ خَشَعَ لَهُ)) وهو ما يظهر لعين الرائي من التغيّر في الشمس أو القمر وإن لم يتغيرا في أنفسهما، فأبدى الحق لعين الرائي ما في نفس الشمس والقمر في ذلك الزمان من الخشوع لله في صورة ذهاب النور بالحجاب النفسيّ الطبيعيّ في كسوف القمر، وبالحجاب العلميّ في كسوف الشمس، ١٦٤ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها والاستسقاء طلب الرحمة، والعيدان تكرار التجلي، وسجود القرآن الخضوع عند كلام الله ولهذا أمر بالإنصات والاستماع والصلاة على الميت العبد يتخذ الله وكيلاً نائباً عنه فيما ملكه إياه شكراً على ما أولاه حين حرم من قيل له: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم ◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٧] فأخرجه من أيديهم بغير اختيار منهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِى خَبُكَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدَّأَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٥٨] والذين اتخذوا الله وكيلاً صاروا أمواتاً بين يديه ولهذا أعطاهم صفة التقديس وهي الطهارة، فأمرنا بغسل الميت ليجمع بين الطهارتين، فإنه في قبلة المصلي عليه بينه وبين الله فهو يناجي الله فيه له، فإن المصلي على طهارة والحق هو القدّوس، وصار الميت بين الله وبين المصلي عليه، فلا بدّ أن يكون طاهراً، وطهارته المعنوية لا يشعر بها إلاَّ أهل الكشف، فأمر أهل الشريعة في ظاهر الحكم أن يغسل الميت حتى يتيقن من لا كشف له طهارته، وسيأتي اعتباره في بابه إن شاء الله تعالى وصلاة الاستخارة وهي تعيين ما اختار الله لهذا العبد فعله أو تركه ليكون على بينة من ربه كما قال تعالى: ﴿أَفَنْ كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّيِّهِ﴾ [سورة محمد: الآية ١٤] فهذه فائدة صلاة الاستخارة، وستأتي في بابها إن شاء الله، فلنذكر ما شرطناه فصلاً فصلاً إن شاء الله ليعرف الناس مقاصد العارفين في عباداتهم التي امتازوا بها عن العامّة مع مشاركتهم في الأمر العام لجميع المكلفين، والله الموفق لا رب غيره. وصل في فصل - صلاة الوتر: خرّج أبو داود عن أبي أيوب الأنصاريّ أنه وَ لّ قال: (الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاثِ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ)) وخرّج أبو داود: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ﴿ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَتِسْعِ وَخَمْسٍ)) والحديثِ العام بوتره وَ له ما خرّجه عن عبد الله بن قيس قال: ((قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ يُوتِّرُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعِ وَثلاثٍ وَبِسِتْ وَثَلاثٍ وَبِثَمَانٍ وَثَلاَثٍ وَعَشْرٍ وَثَلاَثٍ وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعِ وَلاَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَ عَشَرَةَ رَكْعَةً) وخرّج النسائيّ عن ابن عمر عن رسول الله وَّ قالَ: ((صَلَةُ المَغْرِبِ وِتْرُ صَلَةِ النَّهَارِ فَأَوْتِرُوا صَلَةَ اللَّيْلِ)) واختلف الناس في الوتر هل هو واجب أو سنّة؟ فمن قائل: إنه واجب والواجب عند صاحب هذا القول بين الفرض والسنّة. ومن قائل: إنه سنّة مؤكدة وقد تقدم الكلام في حكمه، وبقي الكلام في صفته ووقته والقنوت فيه وصلاته على الراحلة، فلنذكر أولاً من أحاديث الأمر به ما تيسّر ليتبين للناظر فيها الوجوب وعدم الوجوب. فمن ذلك ما خرّجه أبو داود عن خارجة بن حذافة قال: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى طُلوعِ الْفَجْرِ)) فهذا يدخل فيه الوتر وغير الوتر، وهذا الحديث هو من رواية عبد الله بن راشد عن عبد الله بن أبي مرّة ولم يسمع منه وليس له إلاّ هذا الحديث وكلاهما ليس ممّن يحتجّ به ولا يكاد. ورواه عبد الله بن أبي مرّة عن خارجة ولا يعرف له سماع من خارجة. ولما ذكر الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد قال فيه حديث غريب. وخرّجه الدار قطنيّ من حديث النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيّ وَّ وذكر ١٦٥ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الحديث وفيه: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَذَّكُمْ بِصَلاةٍ وَهِيَ الْوِتْرُ)) والنضر ضعيف عند الجميع ضعفه البخاريّ وابن حنبل وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائيّ، وقال فيه ابن معين: لا تحل الرواية عنه وقد ضعفه غير هؤلاء. وقد روي أيضاً من طريق العزرمي والعزرميّ متروك. وروي من طريق حجاج بن أرطأة وهو ضعيف. ورواه أبو جعفر الطحاوي من حديث نعيم بن حماد وهو ضعيف . وأمّا حديث البزار عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ بَّ قال: ((الْوِتْرُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم)) ففي إسناده جابر الجعفي وأبو معشر المديني وغيرهما وكلهم ضعفاء. وأما حديث أبي داودَ في ذلك فهو عن عبيد الله بن عبد الله العتكيّ عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِثْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِزْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِزْ فَلَيْسَ مِنَّا)) وعبيد الله هذا وثقه يحيى بن معين وقال فيه أبو حاتم: صالح الحديث. وأما حديث أبي أحمد بن عديّ من حديث أبي حباب حديث: ((ثَلاثٌ عَلَيَّ فَرِيضَةٌ وَعَلَيْكُمْ تَطَوُّعْ)) فذكر منهنّ الوتر، وأبو حباب كان يدلس في الحديث. وحديث البزار عن ابن عباس عن النبيّ وَّجِ: ((أَمِرْتُ بِرَكْعَتَي الفَجْرِ وَالْوِتْرِ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ)) في إسناده جابر بن بريد الجعفيّ وهو ضعيف، وخرّجه الدارقطنيّ من حديث عبد الله بن محرز من رواية أنس وابن محرز متروك. وذكر أبو داود من حديث عليّ عن النبيّ وَّ: ((يَا أَهْلَ القُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْوِتْرَ)) وقد تقدم اعتبار حكمه فيما تقدم في فصل عدد الصلوات المفروضات على الأعيان وغير المفروضات على الأعيان وهو الفصل الذي يليه هذا الفصل. وصل في فصل - صفة الوتر: فمنهم: من استحب أن يوتر بثلاث يفصل بينهما بسلام. ومنهم: من لا يفصل بينهما بسلام. ومنهم: من يوتر بواحدة. ومنهم: من يوتر بخمس لا يجلس إلاَّ في آخرها وقد أوتر بسبع وتسع وإحدى عشرة وبثلاث عشرة وهو أكثر ما روي في ذلك في وتره بَّه قد بيّنا لك في الاعتبار قبل هذا في كون المغرب وتر صلاة النهار فأمر بوتر صلاة الليل لتصحّ الشفعية في العبادة، إذ العبادة تناقض التوحيد فإنها تطلب عابداً ومعبوداً والعابد لا يكون المعبود فإن الشيء لا يذل لنفسه، ولهذا قسّم الصلاة بين العبد والرب بنصفين، فلما جعل المغرب وتر صلاة النهار والصلاة عبادة غارت الأحدية إذ سمعت الوترية تصحب العبادة فشرعت وتر صلاة الليل لتشفع وتر صلاة النهار فتأخذ بوتر الليل ثأرها من وتر صلاة النهار، ولهذا يسمّى الذحل وتراً وهو طلب الثأر، فإن أوتر بثلاث فهو من قوله: ﴿فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٤] ومن أوتر بواحدة فهو مثل قوله: لا قود إلاَّ بحديدة، فمن فصل في الثلاث بسلام راعى لا قود إلاّ بحديدة وراعى حكم الأحدية، ومن لم يفصل راعى أحدية الإله، فمن أوتر بواحدة فوتره أحديّ، ومن أوتر بثلاث فهو توحيد الألوهة، ومن أوتر بخمس فهو توحيد القلب، ومن أوتر بسبع فهو توحيد الصفات، ومن أوتر بتسع فقد جمع في كل ثلاث: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال. ومن أوتر بإحدى عشرة فهو توحيد المؤمن، ومن أوتر بثلاث عشرة فهو توحيد الرسول وليس ١٦٦ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومه وراء الرسالة مرمى فإنها الغاية وما بعدها إلاَّ الرجوع إلى النبوة لأن عين العبد ظاهر هناك ! شك . ومن السنة أن يتقدّم الوتر شفع، والسبب في ذلك أن الوتر لا يؤمر بالوتر، فإنه لو أمر به لكان أمراً بالشفع، وإنما المأمور بالوتر من ثبتت له الشفعية فيقال له أوترها فإن الوتر هو المطلوب من العبد، فما أوتر رسول الله * قط إلاَّ عن شفع، قال تعالى: ﴿وَأَنشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ [سورة الفجر: الآية ٣] وقد قدّمنا أن الشفعية حقيقة العبد إذ الوترية لا تنبغي إلاَّ الله من حيث ذاته وتوحيد مرتبته أي مرتبة الإله لا تنبغي إلاَّ الله من غير مشاركة، والعبودية عبوديتان: عبودية اضطرار ويظهر ذلك في أداء الفرائض. وعبودية اختيار ويظهر ذلك في النوافل. ورسول الله # ما أوتر قط إلاَّ عن شفع نافلة، غير أن قوله: إن صلاة المغرب وتر صلاة النهار وشرع الوتر لوترية صلاة الليل وصلاة النهار منها فرض ونفل، وعلمنا أن النفل قد لا يصليه واحد من الناس كضمام بن ثعلبة السعديّ فقد أوتر له صلاة المغرب الصلوات المفروضة في النهار، فقد يكون الوتر يوتر له صلاة العشاء الآخرة إذا أوتر بواحدة أو بأكثر من واحدة ما لم يجلس، فإن النفل لا يقوي قوّة الفرض، فإن الفرض بقوّته أوتر صلاة النهار. وإن كانت صلاة المغرب ثلاث ركعات يجلس فيها من ركعتين ويقوم إلى ثالثة، وقد ورد النهي عن أن يتشبه في وتر الليل بصلاة المغرب لئلا يقع اللبس بين الفرائض والنوافل، فمن أوتر بثلاث أو بخمس أو بسبع وأراد أن يوتر الفرض فلا يجلس إلاَّ في آخر صلاته حتى لا يشتبه بالصلاة المفروضة، فإذا لم يجلس قامت في القوّة مقام وترية المغرب، وإن كان فيه جلوس لقوّة الفرضية فيتقوّى الوتر إذا كان أكثر من ركعة إذا لم يجلس بقوّة الأحدية. وصل في فصل - وقت الوتر: فمن وقته متفق عليه وهو من بعد صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر، ومنه مختلف فيه على خمسة أقوال: فمن قائل: يجوز بعد الفجر. ومن قائل: بجوازه ما لم تصل الصبح. ومن قائل: يصلى بعد الصبح. ومن قائل: يصلى وإن طلعت الشمس. ومن قائل: يصلى من الليلة القابلة، هذه الأقوال حكاها أبو بكر بن إبراهيم بن المنذر في كتاب الأشراف في الخلاف، والذي أقول: إنه يجوز بعد طلوع الشمس وهو قول أبي ثور والأوزاعيّ فإن رسول الله وَ ◌ّر جعل المغرب وتر صلاة النهار مع كونه لا يصلى إلاَّ بعد غروب الشمس، فكذلك صلاة الوتر وإن تركها الإنسان من الليل فإنه تارك للسنّة، فإن صلاها بعد طلوع الشمس فإنها توتر له صلاة الليل وإن وقعت بالنهار، كما أوترت صلاة المغرب صلاة النهار وإن كانت وقعت بالليل. وصل الاعتبار: الوتر لا يقيد بالأوقات وإن ظهر في الأوقات إذ لو تقيد لم يصحّ له الانفراد، فإن القيد ضدّ الإطلاق لا سيّما وقد بيّنا لك فيما ذكرناه في هذا الكتاب وفي كتاب الزمان أن الوقت أمر عدميّ لا وجود له، والوتر أمر محقق وجوديّ، وكيف يتقيد الأمر الوجوديّ بالأمر العدميّ حتى يؤثر فيه هذا التأثير، ونسبة التأثير إلى الأمر الوجوديّ أحق وأولى عند كل عاقل، وإذا لم يقيد الوقت الوتر فليوتر متى شاء، ومثابرته على إيقاعه قبل ١٦٧ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الفجر أولى فإنه السنّة والاتباع في العبادات أولى، وإنما هذا الكلام الذي أوردناه هو على ما تعطيه الحقائق في الاعتبارات فافهم، كما أنه إذا اعتبرنا في الوتر الذحل ممّا وقع من وتر صلاة المغرب من كونها عبادة فطلب الثأر لا يتقيد بالوقت، وإنما أمره مهما ظفر بمن يطلبه أخذ ثأره منه من غير تقييد بوقت، فعلى كل وجه من الاعتبارات لا يتقيد بالوقت. وصل في فصل - القنوت في الوتر: قد تقدّم الكلام في شرح ألفاظ قنوت الوتر في فصل القنوت من هذا الباب واختلف الناس فيه، فمن قائل: يقنت في الوتر. ومن قائل: بالمنع. ومن قائل: بالجواز في نصف رمضان الأوّل. ومن قائل: في نصف رمضان الآخر. ومن قائل: بجوازه في رمضان كله، وعندي أن كل ذلك جائز. فمن فعل من ذلك ما فعل فله حجة ليس هذا موضعها . وصل في الاعتبار: الوتر لما لم يصحّ إلاَّ أن يكون عن شفع إما مفروض أو مسنون لم يقو قوّة توحيد الأحدية الذاتية التي لا تكون نتيجة عن شفع، ولا تتولد في نفس العارف عن نظر مثل من عرف نفسه عرف ربه، فهذه معرفة الوترية لا معرفة الأحدية الذاتية، والقنوت دعاء وتضرّع وابتهال، وهو ما يحمله الوتر من أثر الشفع المقدم عليه الذي هو هذه المعرفة الوترية نتيجة عنه فتعين الدعاء من الوتر ولهذا دعا الحق عباده وقال: ﴿فَلَيَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٦] وقال: ﴿وَاَللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَاَلْمَغْفِرَةِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢١] وقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوّاْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ [سورة يونس: الآية ٢٥] فوصف نفسه بالدعاء وهو الوتر سبحانه فاقتضى الوتر القنوت، فإذا أوتر العبد ينبغي له أن يقنت ولا سيما في رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى فتأكد الدعاء في وتر رمضان أكثر من غيره من الشهور فاعلم. وصل في فصل - صلاة الوتر على الراحلة: فمنهم من منع من ذلك لكونه يراه واجباً فيلحقه بالفرض قياساً، وموضع الاتفاق بين الأئمة أن الفرض لا يجوز على الراحلة، وأكثر الناس على إجازة صلاة الوتر على الراحلة لثبوت الأثر في ذلك وبه أقول . وصل في الاعتبار في هذا الفصل: الصلاة المقسومة بين الله وبين العبد ليست في الأفعال وإنما هي في قراءة المصلي فاتحة الكتاب، وما في معناها من أقوال الإنسان في الصلاة عند أهل الله فيجوز الوتر على الراحلة وهو مصلّ، ومن راعى تنزيه الحق جلّ جلاله في كل فعل في الصلاة واعتباره فيما يناسب الحق من ذلك قال: لا يجوز الوتر على الراحلة لأن من شروط صحة الصلاة ما يسقط في مشي الراحلة إذا توجهت لغير القبلة، فإن اعترض بوتر النبيّ ◌ُّ على الراحلة حيث توجهت فاعلم أن النبيّ وَل﴿ل كله وجه بلا قفا، فإنه قَالٍ وَلَِّ: ((إِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي)) فأثبت الرؤيا لحاله ومقامه، فثبتت الوجهية له وذكر الخلف والظهر لبشريته، فإنهم ما يرون رؤيته ويرون خلفه وظهره ولما ورثته وحّ في هذا المقام وكانت لي هذه كنت أصلي بالناس بالمسجد الأزهر بمدينة فاس، فإذا دخلت المحراب رجع بذاتي كلها عيناً واحداً فأرى من جميع جهاتي كما أرى قبلتي لا يخفى عليّ الداخل ولا الخارج ولا واحد من الجماعة، حتى أنه ربما يسهو من أدرك معي ركعة من الصلاة، فإذا ١٦٨ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومه سلمت ورددت وجهي إلى الجماعة أدعو أرى ذلك الرجل يجبر ما فاته فيخل بركعة فأقول له: فاتك كذا وكذا فيتم صلاته ويتذكر، فلا يعرف الأشياء ولا هذه الأحوال إلاَّ من ذاقها. ومن كانت هذه حاله فحيث كانت القبلة فهو مواجهها هكذا ذقته بنفسي، فلا ينبغي أن يصلي على الراحلة إلاَّ صاحب هذا الحال، ورأيت مقالة لبعض أهل الظاهر أنه لا يجوز الوتر إلا على الراحلة فقط لا على غير الراحلة من حمار وبغل وفرس، ولا على الراحلة إلاَّ الوتر فقط، فما أوتر رسول الله وَّيول قط على راحلته حيث توجهت إلاَّ والقبلة في وجهه كمـ قرّرناه، ومن كان له مثل هذه الحال يثبت له في صلاته وجميع تصرفاته قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَ تُوَلُواْ فَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] ووجه الله للمصلي إنما هو في قبلته، فدل أن من حاله هذا الوصف ويرى القبلة بعين منه تكون في الجهة التي تليها فهو مصلّ للقبلة . وصل في فصل - من نام على وتر ثم قام فبدا له أن يصلي من الليل: فمن قائل: يصلي ركعة تشفع له وتره ثم يصلي ما شاء ثم يوتر. ومن قائل: لا يشفع وتره فإن الوتر لا ينقلب شفعاً بهذه الركعة التي يشفعه بها، والتنفل بركعة واحدة غير الوتر غير مشروعة فهو شرع لم يأذن به الله، والوتر مختلف فيه بين سنّة مؤكدة ووجوب، وأين النفل من السنن المؤكدة أو الصلاة الواجبة والحكم هنا للشرع وقد قال ﴿ ﴿: ((لاَ وِتْرانِ فِي لَيْلَةٍ)) ومن راعى المعنى المعقول قال: إن هذه الركعة الواحدة تشفع تلك الركعة الوترية واتباع الشرع أولى في ذلك بلا شك . اعتبار هذا الفصل: الوتر لا يتكرر فإن الحضرة الإلهية لا تقتضي التكرار لما هي عليه من الاتساع ﴿وَلَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٤٧] ولما كان العلم صفة إحاطته قرن معه السعة واشتق له اسماً منها كما اشتق من العلم فاعلم ذلك فلا وتران في ليلة، فأحدية الحق لا تشفعها أحدية كل مخلوق فإنه لكل شيء أحدية لا بدّ من ذلك، وبأحديته عرف كل شيء أحدية خالقه وهي الآية التي لله في كل شيء الدالة على أحديته وهو الذي أشار إليه القائل بقوله وهو أبو العتاهية: وفي كل شيء له آية. تدل على أنه واحد. ولا يكون لشيء أحديتان فلا يشفع وتره من قام يصلي ممّن نام على وتر، ومن راعى أحدية الألوهة وأضافها إلى أحدية الذات الموصوفة بالألوهة فإن أحدية المرتبة لا تعقل إلاَّ مع أحدية صاحب المرتبة، قال: من قام من الليل يريد الصلاة وكان قد نام على وتر يضيف إلى تلك الركعة التي نام عليها وهي التي أوتر بها ركعة عند قيامه يشفعها به ثم يصلي بعد تلك الركعة ما يشاء مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة، فكل قائل من العلماء له اعتبار خاص يسوغ له فيما ذهب إليه من ذلك . وصل في فصل - ركعتي الفجر: ركعتا الفجر قبل صلاة فرض الصبح بمنزلة الركعتين قبل صلاة فرض المغرب، فإن الصحابة في زمن رسول الله ميلة كانوا إذا سمعوا أذان المغرب تبادروا إلى صلاة هاتين الركعتين قبل خروج النبيّ ◌َّر بحديث عبد الله بن مغفل ذكره مسلم في صحيحه، وكان يخرج عليهم رسول الله وَّه ويراهم ولا ينكر عليهم، وقد قال الَّ: (بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ)) يريد الأذان والإقامة فإنها أذان بلا شك، ولا يحافظ على الركعتين قبل ١٦٩ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها المغرب إلاَّ من استبرأ لدينه إلاَّ أن تعجله الإقامة، فإنه إذا كانت الإقامة فلا صلاة إلاَّ التي أقيم لها وهي سنّة متروكة مغفول عنها، وما رأيت في زماننا من يحافظ عليها من الفقهاء إلاَّ صاحبنا زين الدين يوسف بن إبراهيم الشافعي الكردي وفقه الله لذلك، وفي هاتين الركعتين قبل صلاة المغرب من الأجر ما لا يعلمه إلاَّ الله، فإن لله بين كل أذان وإقامة تجلّ خاص واطلاع، فمن ناجاه في ذلك الوقت اختصّ بأمرٍ عظيم وهو كما قلنا في الخبر المروي الذي صحّحه الكشف عن رسول الله وَلَهُ: ((بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنٍ صَلاَةٌ)) يريد الأذان والإقامة فسمّاها أذاناً لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة وحضور الإمام كما يقال في الشمس والقمر القمران في لسان العرب، وكذلك العمران في أبي بكر وعمر، وهي صلاة الأولياء الأوابين، وكان الصدر الأول شديد المحافظة عليهما، وسبب ذلك التوفيق الإلهي أن النفل عبودية اختيار والفرض عبودية اضطرار، فيحتاج في عبودية الاضطرار إلى حضور تام بمعرفة ما ينبغي للسيد المعبود من الآداب والجلال والتنزيه، فتقوم عبودية الاختيار لها كالرياضة للنفس وكالعزلة بين يدي الخلوة، فإن دخول العبد للفرض من النفل ما يكون مثل دخوله من الفعل المباح، لأنه لا بدّ أن يبقى للداخل في خاطره ممّا تقدّم له قبل دخوله أثر، فلهذا حافظ عليهما من حافظ وركعتا الفجر كذلك، فإن النافلة قبل الفريضة صدقة من الشخص على نفسه، يقول الله: ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ﴾ [سورة المجادلة: الآية ١٢] فما ظنّك بمناجاة الحق تعالى آكد وأوجب، وحكم ركعتي الفجر سنّة بالاتفاق، فإن النبي ◌َّ قضاها بعد طلوع الشمس حين نام عن صلاة الصبح حتىٍ طلعت الشمس فصلاهما ثم صلَّى الصبح وما هي عندنا قضاء وأنه صلاّها في وقتها كما صلَّى الصبح في وقتها، فإن ذلك وقت صلاة النائم والناسي فلا يقال قضاها على اصطلاح الفقهاء. وصل في فصل - القراءة في ركعتي الفجر: استحب بعضهم أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فقط، وقال بعض العلماء: لا بأس أن يضيف إلى أمّ القرآن سورة قصيرة. وقال بعضهم: ليس في القراءة في ركعتي الفجر توقيت يستحب، والذي أذهب إليه أن يوجز فيهما ويخفف في كمال بلا توقيت، والفاتحة لا بدّ منها فإنها عين الصلاة في الصلاة، ومن لم يقرأ بها في صلاتِه فما صلَّى، وقد وردت السنّة بتحسينهما وإن زاحمك الوقت. وصل في اعتبار هذا الفصل: سبب التخفيف فيها من السنّة للخبر الوارد أن مقدار الزمان في محاسبة الله عباده يوم القيامة بأجمعهم كركعتي الفجر فكان يخففهما رحمة بأمته وهي بالجملة صلاة فحكمها حكم الصلاة وما عدا الفرائض، وإن كانت عبودية اختيار فإن في ركعتي الفجر شبهة عبودية اضطرار لما تتضمنه صلاة النفل من الفرائض، فالعبد في النافلة وما عدا الفرائض من الصلوات بمنزلة عبد قد عتق منه شقص أو بمنزل المكاتب أو بمنزلة المدبر، فإن في هؤلاء من روائح الحرية ما ليست للعبد الذي ما له هذه الحالات، فالسنن من النوافل حال العبودية فيها حال المكاتب والمدبر والنافلة التي ليست بسنّة أي ليست من فعله ،وَخّر دائماً ولا من نطقه بتعيينه بمنزلة عبد عتق منه شقص فهو حرّ من حيث إنه عتق منه ما عتق وهو عبد ١٧٠ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها من حيث ما بقي منه دون عتق ما بقي، فهذه حالة في العبودية بين عبودية الاضطرار وعبودية الاختيار كالسنن بين الفرائض والنوافل سواء، فأما من رأى في القراءة فيها الفاتحة فقط فلأنه الكافية فإن بها يصحّ أنه صلَّى، وأما من زاد السورة بعد الفاتحة فليعلم المنزلة التي حصلت له من هذه الخاصة لأن السورة بالسين هي المنزلة، قال النابغة في ممدوحه: [الطويل] ألم تَرَ أن الله أعطاك سورةً ترى كلَّ مَلْكٍ دونها يتذَبْذَبُ بأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ إذا طلعت لم يَبْدُ منهنَّ كوكبُ وسور القرآن منازله، وكما أنه لكل سورة آيات كذلك لكل منزلة لأحد عند الله دلالات وأوضحها المعرفة بالله فالتأييد في الإفصاح عنها، وهذه الدلالة سيدة الدلالات كآية الكرسي سيدة آي القرآن، فهو قرآن من حيث ما اجتمع العبد والرب في الصلاة، وهو فرقان من حيث ما تميز به العبد من الرب ممّا اختصٍ به في القراءة من الصلاة، والعبد في الفاتحة قد أبان الحق بمنزلته فيها وأنه لا صلاة له إلاَّ بها فإنه تعرفه بمنزلته من ربه، وأنها منزلة مقسمة بين عبد ورب كما ثبت، فينبغي للعبد أن يقرأ سورة بعد الفاتحة من غير أن تتقدمه روية فيما يقرأ من السور أو الآيات من سورة واحدة أو من سور، فإن تقدم الروية في تعيين ما يقرأ بعد الفاتحة يقدح في علم من يريد الوقوف على وجه الحق في منزلته عند الله فهو الخاطر الأوّل، فإذا فرغ المصلي من قراءة فاتحة الكتاب قرأ ما تيسّر له من القرآن، وما يجري الله على لسانه منه من غير أن يختار آية معينة أو يتردد فينظر آية سورة يقيمه الله فيها أو أي آية من سورة أو سور يجري الله على لسانه إن لم يكمل السورة بالقراءة، فيعلم بذلك العالم الحاضر المراقب منزلته من الله في ذلك الوقت التي حصلت له من قراءة فاتحة الكتاب من قسمه الذي له منها، ومن قسم ربه جزءاً لما كان منه من الثناء على ربه والسؤال بالسورة التي يقرؤها، فإن أتمها فالمنزلة له بكمالها بلا شك، وإن اقتصر منها على ما اقتصر فحظّه منها أي من تلك المنزلة بحسب ما اقتصر عليه منها، والسنّة إتمام السورة، في الخبر الصحيح: ((يُقَالُ لِقَارِىءِ القُرْآنِ يَوْمَ القِيَامَةِ: اقْرَأْ وَارْقَ فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأ)» فاختر لنفسك أيها الإنسان واصخ إليّ يلح لك البرهان. وصل في فصل - صفة القراءة فيهما: فمن العلماء من استحب الإسرار. ومنهم من استحبّ الجهر. ومنهم من خيّر. والذي أذهب إليه إذ لم يرد في ذلك نص نوقف عنده أن يسمع بالقراءة نفسه من جهة سمعه بحيث أن لا يسمع غيره قراءته وهي حالة بين الجهر والإسرار مناسبة لوقتها، فإن وقتها وقت برزخي بين الليل والنهار ما هو ليل فيجهر ولا هو نهار فيسرّ، ولولا أن النص في قراءة فرض الصبح ورد بالجهر لكان الحكم فيها كذلك، نعم صلاة المغرب جمعت بين الجهر لما فيها من الليل وبين الإسرار لما فيها من النهار فأشبهت في الوقت النائم، فإن النائم في موطن برزخي، فيكون النائم يرى في نومه صيحات وزعقات وأموراً عظاماً والذي إلى جانبه لا يعلم بما هو فيه هذا النائم، فمعاملة الوقت بهذه الصفة من القراءة أولى للمناسبة، وليفرق بمثل هذه الصفة في القراءة بينها وبين قراءة صلاة الصبح لتتميز ١٧١ في المتعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها من الفريضة، ومن الحكمة تميز المراتب وارتفاع اللبس في الأشياء، ومع هذا فالذي عندي أنه مخيّر، والذي يقول بالجهر يلحقها بصلاة الليل لأن الليل ما لم تطلع الشمس في العرف لا في الشرع، والذي يسزها يجعل طلوع الفجر من النهار المشروع للصائم الإمساك فيه ولم يعتبر ذلك في المغرب وسمّاه ليلاً لقوله: ﴿ثُمَّ أَيُِّوْ اُلِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٨٧! والشرع أن يعتبر المعنى الواحد باعتبارين في وقتين أو من وجهين له ذلك، وقد قيل في تفسير قوله: ﴿وَفَارَ النَّنُّورُ﴾ [سورة هود: الآية ٤٠] يريد ضوء الفجر وهو المعلوم من لسان العرب، فإذا فار التنور وظهر انبغى للعبد أن يكون في صلاة ركعتي الفجر كما قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ "الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [سورة طه: الآية ١٠٨] وطلوع الفجر تجلّ رحماني للمعاشر. كطلوع الليل للسكون، يقول تعالى: ﴿وَمِن ◌َزَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ يِتَسْكُواْ فِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [سورة القصص: الآية ٧٣] لما يتضمنه النهار غالباً من الحركات في المعاش، وقوام النفوس، ومصالح الخلق، وتنفيذ الأوامر، وإظهار الصنائع، وإقامة المصنوعات في نشأتها وتحسين هيأتها، فهو تجلّ إلهيّ رحماني بهذا العالم، فلهذا استحبينا الإسرار بحيث أن يسمع نفسه فلا تسمع إلاّ همساً أي صوتاً خفياً خشوعاً لله تعالى وخضوعاً وأدباً مع الحق، وإنما شرع الجهر في الصبح عند هذا التجلّي لأنه مأمور أمر فرض واجب بالكلام من الله، فهو يتكلم عن أمر إلهيّ يعصي بتركه إذا قصده على حسب ما شرع له كما قال تعالى في حق هذا الفرض عند هذا التجلّي الذي ذكرناه في مثل هذا اليوم: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَبِّكَةُ صَفَّا لَا ◌َتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [سورة النبأ: الآية ٣٨] فورد الإذن فتعين الجهر، والنافلة ليست لها هذه المرتبة في هذا التجلّ فلا تسمع في النافلة إلاَّ همساً فحصل الفرق بين المأمور والمختار والله الهادي. وصل في فصل - من جاء إلى المسجد ولم يركع ركعتي الفجر فوجد الصلاة تقام أو وجد الإمام يصلي: فمن الناس من جوّز ركوعهما في المسجد والإمام يصلي. ومن الناس من قال: لا يركعهما أصلاً في هذا الحال وبه أقول. ومن الناس من قال: لا يخلو إمّا أن يكون خارج المسجد أو داخل المسجد، فإن كان قد دخل المسجد فلا يركعهما، وإن كان لم يدخل بعد فاختلف أصحاب هذا القول في الذي يكون خارج المسجد وقد سمع الإقامة أو قد رأى الإمام يصلي والناس يصلون. فمنهم من قال: إن لم يخف أن يفوته الإمام بتلك الركعة فليركعهما وإن خاف فلا يركعهما ويدخل مع الإمام في الصلاة ويقضيهما بعد طلوع الشمس، وقال المخالف، يركعهما من هو خارج المسجد ما غلب على ظنه أنه مدرك ركعة واحدة مع الإمام من صلاة الصبح. وصل الاعتبار في هذا الفصل: يبطل التيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله، ولا شك أنه كل ما زاد على الفرض فهو نافلة سواء وكّد أو لم يوكّد، فإن الفرض آكد منه بلا شك، والوقت للفرض بالإقامة الحاصلة فتأخرت النافلة إذ لا تتحقق الزيادة على الشيء إلاَّ بعد حصول الشيء، فإن الزيادة تؤذن بوجود مزاد عليه متقدّم في الوجود وهو الفرض وهو ١٧٢ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الأصل في التكليف وكذلك هو في نفس الأمر، فإن الفرض هو المشروع الذي يأثم تاركه، والنفل إنما يكون بعد ثبوته فإن كونه زائداً يبطل فإنه لما يكون زائداً وما ثبت أمر قبله يزيد عليه هذا فيصحَ عليه اسم الزائد ومراعاة الأصول أولى، فالدخول مع الإمام في الصلاة أو عند سماع الإقامة أولى من صلاة ركعتي الفجر، وقد غلَّط في ذلك رسول الله مَّ وأظهر الكراهة لمن فعل ذلك وقال لمن صلاهما وصلاة الصبح تقام: ((أَتُصَلْي الصُّبْحَ أَرْبَعاً؟)) يكرّر عليه كارهاً منه ذلك الفعل، وهذا هو عين الدليل على جوازها مع الكراهة فإنه ورَ* ما أمره أن يقطعها ولا أن يخرج عنها، فلو فعل محظوراً ما أبقاه عليه، فثبت أنه عمل مشروع لا يبطله من شرع فيه فإن الله يقول: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٣٣] ولكن لا يعود إليه بعد علمه بأن الشرع يكرهه وإنما يكره له الشروع فيه . وصل بل فصل - في وقت قضاء ركعتي الفجر: فمن قائل: يقضيها بعد صلاة الصبح وبه أقول: وقال قوم: يقضيها بعد طلوع الشمس، وأصحاب هذا القول اختلفوا، فمنهم من جعل لها هذا الوقت غير متسع. ومنهم من وسع فقال: يقضيها من لدن طلوع الشمس إلى وقت الزوال ولا يقضيها بعد الزوال، والقائلون بالقضاء: منهم من استحب ذلك، ومنهم من خيّر . وصل الاعتبار في هذا الفصل: كل حق الله واجب أو مرغب فيه إذا فات وقته لم يقيده وقت فإن الشرع ما قيّده فليؤذّه قاضياً متى شاء ما لم يمت إلاَّ أن يكون عن نسيان فهو مؤدّ وذلك وقته ولا يكون قاضياً قط في نوم ولا نسيان. وصل في فصل ـ الاضطجاع بعد ركعتي الفجر: فذهب قوم إلى وجوبها وبه أقول للأمر الثابت عن رسول الله ◌َ، وذهب قوم إلى أنها سنّة، وذهب قوم أنه مستحب ولم يره قوم ولا شكّ ولا خفاء على كل من عرف شرع الله من المحدّثين لا من الفقهاء الذين يقلدون أهل الاجتهاد كفقهاء زماننا ولا علم لهم بالقرآن ولا بالسنّة، وإن حفظوا القرآن ورأوا فيه ما يخالف مذهب شيخهم لم يلتفتوا إليه ولا عملوا به ولا قرؤوا على جهة اقتباس العلم، واعتمدوا على مذهب إمامهم المخالف لهذه الآية والخبر ولا عذر لهم عند الله في ذلك، فأوّل من يتبرّأ منهم يوم القيامة إمامهم فإنهم لا يقدرون أن يثبتوا عنه أنه قال للناس: قلدوني واتبعوني فإن ذلك من خصائص الرسول ( 8#، فإن قالوا: فالله أمرنا باتباعهم، فقال: ﴿فَتَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٧] وقد سألناهم فأفتونا قلنا لهم: إنما نسألهم لينقلوا إلينا حكم الله في الأمور لا رأيهم فإنه قال: ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ وهم أهل القرآن، فإن الذكر هو القرآن، فإذا وجدنا الحكم عند قراءتنا القرآن مخالفاً لفتواه تعين علينا الأخذ بكتاب الله أو بالحديث، وتركنا قول ذلك الإمام إلاَّ أن ينقل إلينا ذلك الإمام الآية أو الخبر فيكون عملنا بالآية أو الخبر لا بقوله، فحينئذ ليس لنا أن نعارضه بآية أخرى ولا خبر لعدم معرفتنا باللسان وبما يقتضيه الحكم، فإن كان لنا علم بذلك فنحن وإياهم سواء. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله مَّ كان يضطجع بعد ركعتي الفجر. وقد ثبت في ١٧٣ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الصحيح من حديث أبي هريرة الأمر بالاضطجاع لكل من ركع ركعتي الفجر، فالذي أذهب إليه أن تارك الاضطجاع عاص، وأن الوجوب يتعلق به فليضطجع ولا بدّ ولو قضاه متى قضاه، وإن كانت الفاء تعطي التعقيب فإن بعض المتأخرين من المجتهدين الحفاظ من أهل الظاهر قال: إن صلاة الصبح لا تصحّ لمن ركع ركعتي الفجر ولم يضطجع فإن لم يركع ركعتي الفجر صحّت صلاة الصبح عنده. وصل الاعتبار في هذا الفصل: الاضطجاع بعد ركعتي الفجر وقبل صلاة الصبح لأن الكراهة قد تعلقت بالمكلف، فإنه لا يصلي بعد طلوع الفجر إلاّ ركعتي الفجر، ثم يصلي الصبح، فقد أشبهت الفريضة فجاء الاضطجاع بينها وبين صلاة الصبح لتتميز السنّة من الفرض، وليقوم إلى الفرض من اضطجاع حتى يعلم أنه قد انفصل عن ركعتي الفجر، فإنه لو قام إلى الصبح بعد ركعتي الفجر لالتبست بالرباعية من الصلوات، ولهذا قال رسول الله وله لمن صلاّها والمؤذن يقيم: ((أَتُصَلِي الصُّبْحَ أَزْبَعاً؟)) فيستحب أن يفصل بينهما وبين الصبح بأمر يعرف الحاضر أنه قد انفصل عن صلاة الفجر، فشرع النبي ◌َّ الاضطجاع فعلاً وأمراً ففعل وأمر، فلا حجة للمخالف عن التخلّف عن أمر رسول الله وَل و بذلك ولا عن الاقتداء به والله يقول ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢١] فانظر منزلة من لم يقتد في نقيضها. وصل في فصل - النافلة: هل تثنى أو تربع أو تثلث؟ فما زاد. فمن قائل: تثنى ولا بدّ أن يسلم في كل ركعتين ليلاً أو نهاراً. ومن قائل بالتخيير إن شاء ثنى وثّث وربّع وسدّس وثمّن وما شاء. ومن قائل بالتفريق بين صلاة النهار فقال: يربّع إن شاء وصلاة الليل مثنى مثنى، والذي أقول به في غير الوتر هو مخيّر بين أن يسلم من اثنتين وهو أولى ولا سيما في صلاة الليل، ويربّع في صلاة النهار إن شاء ولا سيّما في الأربع قبل الظهر، وإن شاء سدّس وثمّن وما شاء من ذلك. وأمّا التثليث والتخميس والتسبيع من النوافل فذلك في صلاة الوتر فإنه ما جاء شرع بإفراد ركعة في غير الوتر، ولكن هو مخيّر إن شاء لم يسلم ويجلس في كل ركعتين إلى الثالثة والخامسة والسابعة وإن لم يجلس إلاَّ في آخرها من الشفع ثم يقوم إلى الواحد، وإن شاء لم يجلس إلاَّ في آخر الركعة الوترية ويؤخّر السلام في الأحوال كلها إلى الركعة الوترية . وصل الاعتبار في هذا الفصل: لما كان الشروع فيها مبنياً على الاختيار كان الاختيار أيضاً في القدر من ذلك من غير توقيت، فإنه ما ورد من الشرع في ذلك منع، ولا أمر بالاقتصار على ما وقع في ذلك من فعله وَّله واتباع السنّة أولى وأحق، وإن جوّزنا ذلك لمن وقع منه فنرجح الاتباع والاقتداء على الابتداع وإن كان خيراً فإن الفضل في الاتباع والاتباع أليق بالعبد وأحق بمرتبته من أن يبتدع من نفسه، فإن في الابتداع والتسنين ضرباً من السيادة والتقدّم، ولولا أنّ رسول الله مَّ فرض له أن يسنّ ما سنّ وكان يقول ◌َّ: ((اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ)) وكره المسائل وعابها، وما فرض على غيره أن يسنّ، ولو شغل الإنسان نفسه ١٧٤ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها باستعمال السنن والفرائض لاستغرق أوقاته ولم يتسع له أن يسنّ هيهات حجاب الإنسان برياسته عن سياسته، والذي اعتمد عليه من السنن المنطوق بها والثابتة من فعله وصل# صلاة ركعتي الفجر وأربع ركعات في أوّل النهار وأربع ركعات قبل الظهر وأربع ركعات بعد الظهر وأربع ركعات قبل العصر وركعتين قبل المغرب وست ركعات بعد المغرب وثلاث عشرة ركعة بالليل منها الوتر وأربع ركعات بعد صلاة الجمعة، فما زاد على ذلك فهو خير على خير نور على نور، وإن صلَّى ست ركعات بعد الظهر ليجمع بين فعله وبين ما حضّ عليه وهي الأربع كان أولى، وللناس في هذا مذاهب، وما ذكرت إلاَّ ما اخترته ممّا جاء به النص أو الفعل، والحديث العام الصلاة خير موضوع والاستكثار من الخير حسن، ولكن الذي ذكرناه من حسنه وطول فيه في أفعال ذلك وتدبّر قراءتها وأذكارها أخذ من الزمان بقدر الذي يكثر الركوع بالتخفيف والذي ذهبنا إليه أولى، وعليه أدركت شيوخنا من أهل الله، وقد ورد في صلاة النبيّ بَّر حين كان يقوم من الليل فيصلي ركعتين فياحسنهنّ وياطولهنّ، وكان ركوعه قريباً من قيامه، ورفعه من الركوع قريباً من ركوعه وسجوده كذلك، فكانت صلاته قريباً من السواء والأصل الركوع، فتكون أفعال الصلوات في الخفض والرفع من نسبة الركوع فيها في حال الوقت من الطول والقصر، ومن السنّة الركعة الأولى أطول من الثانية، وكل ما زاد قصر عن التي قبلها، وكذلك في الفرائض فاعلم ذلك. انتهى الجزء الخامس والأربعون. (الجزء السادس والأربعون) بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرّحمَدِ وصل في فصل - قيام شهر رمضان: ثبت أن رسول الله مَّ قال: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِهِ)) فهو مرغب فيه وهو المسمّى التراويح والأشفاع لأن صلاته مثنى مثنى، واختلفوا في عدد ركعاتها التي يقوم بها الناس في رمضان ما المختار منها إذ لا نصّ في ذلك، فاختار بعضهم عشرين ركعة سوى الوتر، واستحسن بعضهم ستاً وثلاثين ركعة والوتر ثلاث ركعات وهو الأمر القديم الذي كان عليه الصدر الأوّل، والذي أقول به في ذلك أن لا توقيت فيه، فإن كان ولا بدّ من الاقتداء فالاقتداء برسول الله صلّ في ذلك فإنه ثبت عنه الَّ أنه ما زاد على ثلاث عشرة ركعة بالوتر شيئاً لا في رمضان ولا في غيره إلاَّ أنه كان يطوّلهنّ ويحسنهنّ، فهذا هو الذي اختاره ليجمع بين قيام رمضان والاقتداء برسول الله اليه. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]. وصل الاعتبار في هذا الفصل: رمضان اسم من أسماء الله تعالى، فالقيام في هذا الشهر من أجل هذا الاسم لأنه إذا ورد وجب القيام له، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة المطففين: الآية ٦] ورمضان اسمه سبحانه فيقوم العارف إجلالاً لهذا الاسم الذي اختصّ به هذا الشهر الكريم هذا يحضر العارف في قيامه. ثم إن لهذا الشهر من نعوت الحق حكماً ليس لغيره وهو فرض الصوم على عباد الله وهو صفة صمدانية يتنزّه الإنسان فيها عن الطعام ١٧٥ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها والشراب والنكاح والغيبة، وهذه كلها نعوت إلهية يتصف بها العبد في حال صومه، فإذا جاء الليل قام العبد بين يدي الحق بصفاته التي كان عليها في نهاره وفرض له القيام في وقت الفطر ليعلم أنه عبد فقير متغذ ليس له ذلك التنزه حقيقة، وإنما هو أمر عرض له ينبهه على التخلّق بأوصاف الله من التنزيه عن حكم الطبيعة، ولهذا أخبرنا تعالى في الحديث المرويّ عنه أن الصوم له وكل عمل ابن آدم لابن آدم يقول: إن التنزّه عن الطعام والشراب والنكاح لي لا لك يا عبدي لأني القائم بنفسي لا أفتقر في وجودي إلى حافظ يحفظه عليّ وأنت تفتقر في وجودك لحافظ يحفظه عليك وهو أنا، فجعلت لك الغذاء وأفقرتك إليه لينبهك أني أنا الحافظ عليك وجودك ليصحّ عندك افتقارك، ومع هذا الافتقار طغيت وتجبرت وتكبرت وتعاظمت في نفسك وقلت لمن هو مثلك: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النازعات: الآية ٢٤] و﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلٍَ غَيْرِى﴾ [سورة القصص: الآية ٣٨] وأنا وأنا وأنا، وما استحييت في ذلك من فضيحتك بجوعك وعطشك وبولك وخراءتك وتألمك بالحرّ والبرد والآلام العارضة. يا ابن آدم رهصتك ثلاث رهصات: الفقر والمرض والموت ومع ذلك إنك وثاب، فقيام رمضان قيام في الله، فمن كان الحق ظرفاً له فإن الله بكل شيء محيط، فهذا معنى الظرفية فليس له خروج عنه، فإحاطته بك في رمضان إحاطة تشريف وتنزيه حيث شرع لك فرضاً في عبوديتك الاضطرارية للاتصاف بما ينبغي له لا لك، وهو التنزه عن الغذاء وملابسة النساء طول النهار وهو النصف من عمر وجودك، ثم تستقبل الليل فتخرج من ربوبيتك المنزّهة عن الغذاء والنكاح إلى عبوديتك بالفطر والكل رمضان، فأنت في رمضان كما أنت في الصلاة من قوله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي بنصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي، كذلك رمضان قسّمه بينه وبين عبده بنصفين: نصف له وهو قوله: الصوم لي وهو زمان النهار، والنصف للعبد وهو الليل زمان فطره. وقد قال في الصلاة: إنها نور. وقال في الصوم إنه ضياء والضياء هو النور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ﴾ [سورة يونس: الآية ٥] وقال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [سورة نوح: الآية ١٦] وشرع القيام في ليل رمضان ورغب فيه للمناسبة التي بين الصلاة والصوم في القسمة والنور لیکون ليله بصلاته مثل نهاره بصومه، فبالنهار یتحد به وباللیل یتوحّد له كما قلنا : [مجزوء الوافر ] ففى الأسرار نتَّحِدُ إذا صحَّتْ عزائمُنا والعزيمة النية والنية شرط في الصوم من الليل فنحن في الصوم مع الحق كما قالت بلقيس في عرشها: ﴿كَأَنَّمُ هُوْ﴾ [سورة النمل: الآية ٤٢] وهو كان هو وإنما جهلها أدخل كاف التشبيه كذلك جهل الإنسان يقول: أنا الصائم، وكيف ينبغي للمتغذي أن يكون صائماً؟ هيهات، قال الله: الصوم لي لا لك، فأزال عنه دعوى الصوم كما أزال عن بلقيس تشبيه العرش بعرشها، فعلمت بعد ذلك أنه هو لا غيره، فهذا معنى قولنا: إذا صحّت عزائمنا ففي الأسرار نتحد. فإن قلت: الصائم هو الإنسان صدقت. وإن قلت: الصوم الله لا للإنسان صدقت،. ولا معنى للاتحاد إلاَّ صحة النسبة لكل واحد من المتحدين مع تميّز كل واحد عن ١٧٦ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها الآخر في عين الاتحاد فهو هو وما هو هو، كما قلنا في بعض ما نظمناه في هذا المعنى في حال غلب عليّ: [مجزوء الرجز] فمن أنا ومَنْ هُو هُو لستَ أنا ولستُ هُو ويا أنا هُو أنت هُو فيا هُو قلْ أنت أنا ولا هُو ما هُو هُو لا وأنا ما هُو أنا أبصارنا بهِ لَهُ لو كان هُو ما نظَرَتْ أنا وهُو وهُوْ وهُوْ ما في الوجودِ غيرُنا كماله به لهُ فمن النا بنالنــا ولما رأينا فيما روينا أن الله أنزل لقاءه منزلة فطر الصائم فقال: للصائم فرحتان: فرحة عند فطره لأنه غذاء طبيعته وهو الغذاء الحجابيّ إذ المغذي هو الله تعالى، وفرحة عند لقاء ربّه وهو غذاؤه الحقيقيّ الذي به بقاؤه، فجعل هاتين الفرحتين للصائم في الحجاب وفي رفع الحجاب، فنظمنا في شرف الرغيف إذ هو الغذاء المعتاد عندنا، وله الشكل الكري وهو أفضل الأشكال، فخصصنا الرغيف بالذكر دون غيره من الأمور التي يكون بها الغذاء، فقلنا فيما سخّر الله في حقّه من العالم وطلب الهمم كلها جهته لتصل إليه، فإن كل حيوان يطلب غذاءه بلا شك بل كل موجود حتى ما لا يقال فقلنا: [الوافر] فذاك السيرُ في طَلَب الرغيفِ إذا عاينتَ ذا سيْر حثيثٍ لأن الله صيَّره حجاباً به وله تجارات الذراري وتسخيرُ العناصر والبرايا وتَسْييرُ المثقَّفَة الجواري وقَطْعُ مَهَامِهِ فِيْحٍ تَّبَارَى فمن شرف الرغيف يمّينُ ربي يضجُّ الخلقُ إن عَدِموه وقتاً له صلُّوا وصاموا واستباحوا له تسعى الطيور مع المواشي فمِنْ ساعٍ له من غير شكّ هو المعنّى ونحن إذا نظرنا هو الجودُ الذي ما فيه شكٌ فديتُكَ من رغيف فيه سرِّ فقل للمُنكرين صحيحَ قولي أليس الله صيَّره عديلاً على اسمَيْهِ المُهَيْمنِ واللطيفِ وأرواحُ اللطائفِ والْكَثِيفِ وتكوينُ المعادن في الكهوفِ بمَوْج البحر والريح العَسيفِ بها الأنعامُ بالسَّيْر العنيفِ عليه للوضيع وللشريفِ عن آذنِ الواحد البَرِّ الرَّؤوفِ دمَ الكفارِ والبرِّ العَفيفِ له يسعى القويُّ مع الضعيفِ وللسَّبب الثقيل أو الخفيفِ به عند التفكّر كالحروفِ فيا شوقي لذا الجودِ الظريف جليٍّ بالتَّليد وبالطريفِ لقد غبْتُمُ عن المعنى الطَّريفِ لرؤيته على رغم الأنوفِ فالصفة التي يقوم بها المصلي في صلاته في رمضان أشرف الصفات الشرف الاسم ١٧٧ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها لشرف الزمان، فأقام الحق قيامه بالليل مقام صيامه بالنهار إلاَّ في الفرضية رحمة بعبده وتخفيفاً، ولهذا امتنع رسول الله وَ ل# أن يقومه بأصحابه لئلا يفترض عليهم فلا يطيقونه، ولو فرض عليهم لم يثابروا عليه هذه المثابرة ولا استعدّوا له هذا الاستعداد، ثم الذين ثابروا عليه في العامّة يؤدّونه أشأم أداء وأنقصه، لا يذكرون الله فيه إلاَّ قليلاً، لا يتمّون ركوعه ولا سجوده ولا يرتلون قراءته، وما سنّه من سنّه أعني من الاجتماع على قارىء واحد على ما هم الناس اليوم عليه من المتميزين من الخطباء والفقهاء وأئمة المساجد، وفي مثل صلاتهم فيه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِلرَّجُلِ: ((ارْجِعْ فَصَلٌ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلْ)) فمن عزم على قيام رمضان المسنون قيامه المرغب فيه فليقم كما شرع الشارع الصلاة من الطمأنينة والخشوع والوقار وتدبّر ما يتلى وإلاّ تركه أولى، والقيام فيه أوّل الليل كما قام رسول الله وَلّر فيه في الليلتين أو الثلاثة منه أولى، ويكون في المسجد أولى منه في البيت بخلاف سائر النوافل، وإنما تركه رسول الله وَّر ودخل بيته وصلَّى فيه رحمة بأمته أن يفترض عليهم فيعجزوا عنه أو يتكاسلوا وهو كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَئِكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٧] وقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٨] والصلاة فيه مثنى مثنى كما ورد في الخبر في صلاة الليل أنها مثنى مثنى. وصل في فصل - صلاة الكسوف: وإنها سنّة بالاتفاق، وإنها في جماعة. واختلفوا في صفتها والقراءة فيها والأوقات التي تجوز فيها، وهل من شرطها الخطبة أم لا؟ وهل كسوف القمر في ذلك مثل كسوف الشمس؟ الخلاف في صفتها وردت فيها روايات مختلفة عن رسول الله وَر ما بين ثابت وغير ثابت، وما من رواية إلاَّ وبها قائل، فأيّ شخص صلاّها على أيّ رواية كانت جاز له ذلك فإنه مخيّر في عشر ركعات في ركعتين، وبين ثمان ركعات في ركعتين، وبين ست ركعات في ركعتين، وبين أربع ركعات في ركعتين، وإن شاء صلَّى ركعتين ركعتين على العادة في النوافل حتى تنجلي الشمس، وإن شاء دعا الله تعالى بتضرّع وخشوع حتى تنجلي، فإذا انجلت صلَّى ركعتين شكراً لله تعالى وانصرف، والعمل على هذه الرواية أحب إليّ لما فيها من إحترام الجناب الإلهي والرحمة بالأمة المصلين لها، فإنهم الاستيلاء الغفلات والبطالة عليهم لا يفون بشروط ما تستحقه الصلاة من الحضور والآداب، فربما يمقت المصلي ولا يشعر أو تثقل عليه تلك العبارة فيتبرم منها فلذلك جعلنا رواية الدعاء من غير صلاة أولى فإنه في حقّهم أحوط، وكان العلاء بن زياد يصلي لها فإذا رفع رأسه من الركوع نظر إليها، فإن كانت انجلت سجد، وإن لم تكن انجلت مضى في قيامه إلى أن يركع ثانياً فإذا رفع رأسه من الركوع نظر إلى الشمس فإن انجلت سجد وإلاّ مضى في قيامه حتى يركع هكذا حتى تنجلي . وصل الاعتبار: الكسوف آية من آيات الله يخوّف الله به عباده، فإذا وقع فالسنّة أن يفزع الناس إلى الصلاة كسائر الآيات المخوفات مثل الزلازل وشدّة الظلمة واشتداد الريح على غير المعتاد، سُئِل رسول الله وَ﴿ عن الكسوف فقال: ((إِذَا تَجَلَّى اللَّهُ لِشَيءٍ خَشَعَ لَهُ كُلِّ شَيْءٍ» الفتوحات المكية ج٢ - م١٢ ١٧٨ في المعارف/ الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها والحديث غير ثابت من طريق الرواية صحيح المعنى، وعندنا أن التجلي لا زال دائماً وإنما جهل الناس به أذاهم إلى أن يقولوا أو يقال لهم مثل هذا لعدم علمهم، فخرق العادة إنما هو في أن يعلم خاصة كما كان خرق العادة في إسماع السامعين تسبيح الحصى، وما زال الحصى مسبحاً، ولا شك أن النفوس ما تنبعث وتهتز إلاّ للآيات الخارقة للعادة، والآيات الإلهية منها معتاد وغير معتاد، والقرآن قد ورد في الآيات المعتادة كثير في قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ،﴾ ... ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ»﴾ [سورة الروم: الآية ٢٠ وغيرها] ويذكر أموراً معتادة ثم يقول: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ [سورة الروم: الآية ٢١] ولكن لا ترفع العامّة بها رأساً لجري العادة واستيلاء الغفلة وعدم الحضور. وسبب كسوف الشمس والقمر معروف، والذي لا يعرف كونه عن تجلّ إلهي إلاَّ من جهة الرسول وَل﴾ أو عارف صاحب كشف، وقد جعل الله الكسوف آية على ما يريد أن يحدثه من الكوائن في العالم العنصري وفي العالم الذي يظهر فيه الكسوف وفي الزمان فإنه قد يكسف ليلاً فلا أثر له عندنا، ويكون الحدث أيضاً بحسب البرج الذي يقع الكسوف فيه وهو علم قطعي أعني علم وقوع الكسوف لا علم ما يحدث الله فيه أو عنده، ويكون الكسوف في مكان أكثر منه في مكان آخر، وفي مكان دون مكان، ويبتدىء في مكان وفي مكان آخر ما ابتدأ بل هو على حاله، وهذا كله يعرفه العلماء به، فإنه راجع إلى حركات معلومة معدودة عند أهل هذا الشأن، وسبب كسوف الشمس من القمر إذا كان في مسامتتها فعلى قدر ما يسامتها منه يغيب منها عن أبصارنا، فذلك الظل الذي نراه في الشمس هو من جرم القمر وقد يحجبها كلها فيظلم الجو فيقع الإبصار على جرم القمر فتتخيل العامّة أنّ ذلك المرئي هو ذات الشمس، والشمس نيرة في ذاتها على عادتها إلى أن يشاء الله تكويرها، ولذلك يعرف زمان كسوفها ومقداره عند العارفين بتسيير الكواكب، ولا يكون أبداً إلاَّ في آخر الشهر العربي، فإنّ القمر في ذلك الزمان يكون في المحاق والاحتراق تحت الشعاع، فإن أعطى الحساب ما يؤدّي إلى المسامتة عندنا وقع الكسوف بلا شك. وكذلك كسوف القمر إنما هو أن يحول ظل الأرض بينه وبين الشمس، فعلى قدر ما يحول بينهما يكون الكسوف في ذلك الموضع ولهذا يعرف، والخطأ فيه قليل جداً، ولو لم يكن الأمر على هذا ما علم، فإن الأمور العوارض لا تعلم إلاَّ بإعلام الله على لسان من شاء من عباده، وعندنا هي عوارض لا في نفس ما رتب الله في ذلك عندما أوحى في كل سماء أمرها، والأمور الجارية على أصولها ثابتة لا تنخرم يعلمها العلوم بتلك الأصول، وهي معتادة موضوعة لله تعالى واضعها ما هي عقلية ولا رسب ذلك طبيعي ولهذا يجوز خرق العادة فيها، وهكذا كل موضوع إلى أن يخرم الله ذلك الأصل، فلله المشيئة في ذلك وله الأمر من قبل ومن بعد. ولذلك لا يقال في حكم المنجم أنه علم لأنّ الأصول التي يبني عليها إنما هي عن وضع إلهيّ وترتيب عالم حكيم استمرت به العادة ما ذاك لذواتها وما كان بالوضع قد يمكن زواله، فإنّ الواضع له قد يضعه إلى أجل مخصوص معين ما عندنا علم به، فما من زمان ١٧٩ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها نقدره إلاّ ويجوز تغيير ما وضع فيه من الأمور، فإن لم يكن فبإرادة الواضع لا بنفسه، وما كان بهذه المثابة لا يكون القائل بوقوعه على علم قطعي، ولو وقع فإنه لا يعرف ما في نفس الواضع إلاّ بجهتين: إما أن يكون هو المعرف بما في نفسه وهو الصادق، وإما بعد ظهور الشيء فيعلم أنه لولا ما كان في نفس الواضع ما وقع والواضع هو الله تعالى وجل . فالعالم المؤمن يقول في مثل هذا إن أبقى الله الترتيب على حاله وسيّره في المنازل على قدره ولم يخرق العادة فيه فلا بدّ أن يقع هذا الأمر الذي ذكرناه، فلهذا ينفي العلم عن المنجم وكل ما هو مثله من حظ الرسل وغيره فضوء القمر لما كان مستفاداً من الشمس أشبه النفس في الأخذ عن الله نور الإيمان والكشف، وإذا كملت النفس وصحّ لها التجلّي على التقابل وهي ليلة البدر ربما التفتت إلى طبيعتها فظهرت فيها ظلمة طبيعتها فحالت تلك الظلمة بينها وبين نورها العقليّ الإيمانيّ الإلهيّ كما حال ظلّ الأرض بين القمر الذي هو بمنزلة النفس وبين نور الشمس، فعلى قدر ما نظرت إلى طبيعتها انحجبت عن نور الإيمان الإلهيّ فذلك كسوفها فهذا كسوف القمر. وأمّا كسوف الشمس فهو كسوف العقل فإن الله خلقه ليعقل عن الله ما يأخذ عنه فحالت النفس التي هي بمنزلة القمر بينه وبين الحق تعالى من حيث ما يأخذ عنه من اسمه النور سبحانه من كون نسبته إلى الأرض من قوله: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِى السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِّ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٨٤] فيريد العقل أن يأخذ عن الحق من علم ما يوجده في الأرض فتحول النفس بينه وبين علم ما يوجده في الأرض بشهواتها حتى لا ينظر إليه سبحانه فيما يحدثه فيها، والأرض عبارة عن عالم الجسم فيحجب العقل لحجاب النفس الحيوانية الشهوانية فذلك بمنزلة كسوف الشمس فلا تدركها أبصار الناظرين ممّن هو في تلك الموازنة، ويفوت العقل من العلم بالله بقدر ما انحجب عنه من عالم الأجسام، فلهذا شرع الله التوجّه إلى مناجاته المعبر عن ذلك بصلاة الكسوف، وشرع الدعاء لرفع ذلك الحجاب، فإن الحجاب جهل وبعد في الحال الذي ينبغي له الكمال، ولهذا لم يكن الكسوف إلاّ عند الكمال في النيرين في القمر بدره وهو كماله في الأخذ من الوجه الذي يلينا، وكسوف الشمس في ثمانية وعشرين يوماً من سير القمر في جميع منازل الفلك، فلما وصل إلى نهايته وأراد أن يقابل الشمس من الوجه الآخر حتى يأخذ عنها على الكمال في عالم الأرواح مثل أخذه في الرابع عشر في عالم الأجسام النازل ليفيض من نوره على أبصار الناظرين إنعاماً منه، فاشتغلت الشمس بإعطائها النور للقمر في عالم الأرواح العالم العلوي إسعافاً لطلبته وإكراماً لقدومه عليها في حضرتها كان الكسوف لهذا الإسعاف. ولهذا لا يكون للكسوفات حكم في الأرض إلاَّ في الأماكن التي يظهر فيها الكسوف، وأما الأماكن التي لا يظهر فيها الكسوف فلا حكم يظهر فيها له ولا أثر أي ما يفعل الله عند ذلك شيئاً في العالم من الكوائن التي يفعلها عند ظهور الكسوف إذ لا فاعل إلاَّ الله، فإن الأمور بتقدير العزيز العليم صنعة حكيم، حتى أن الشمس إذا أعطى الحساب أنها تكسف ليلاً ١٨٠ في المعارف / الباب التاسع والستون في معرفة أسرار الصلاة وعمومها لم يكن لذلك الكسوف حكم في ظاهر الأرض التي لم يظهر الكسوف فيها، وكذلك كسوف القمر في الحكم فكذلك ظاهر الإنسان وباطنه، فقد يقع الكسوف في الأعمال أي في العلم الذي يطلب العمل بالأحكام المشروعة، وقد يقع في العلوم التي تتعلق بالباطن ولا حكم لها في الظاهر فتؤثر في موضع تعلقها إما في علم العمل وإما في العلم الذي لا يطلب العمل بحسب ما يقع، فيتعين على من تكون حالته مثل هذه أن يتضرّع إلى الله، فإن أخطأ المجتهد فهو بمنزلة الكسوف الذي يكون في غيبة المكسوف فلا وزر عليه وهو مأجور، وإن ظهر له النص وتركه لرأيه أو لقياسه الجليّ في زعمه فلا عذر له عند الله وهو مأثوم وهو الكسوف الظاهر الذي يكون له الأثر المقرّر عند علماء الأحكام بسير الكواكب، وأكثر ما يكون هذا في الفقهاء المقلدين الذين قالوا لهم: لا تقلدونا واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لما حكمنا به، فإنّ الحديث مذهبنا وإن كنّا لا نحكم بشيء إلاَّ بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه دليل وما يلزمنا غير ذلك، لكن ما يلزمكم اتباعنا ولكن يلزمكم سؤالنا . وفي كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهد ولهذا كان يقول مالك إذا سُئل في نازلة: هل وقعت؟ فإن قيل: لا، يقول: لا أفتي، وإن قيل: نعم أفتى في ذلك الوقت بما أعطاه دليله، فأبت المقلدة من الفقهاء في زماننا أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها الحديث الذي أمرها به إمامها وقلّدته في الحكم مع وجود المعارض فعصت الله في قوله: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] وعصت الرسول في قوله: فاتبعوني فإنه ما قالها إلاَّ عن أمر ربه سبحانه، وعصت إمامها في قوله: ((خذوا بالحديث إذا بلغكم واضربوا بكلامي الحائط)» فهؤلاء في كسوف دائم مسرمد عليهم إلى يوم القيامة، فلا هم مع الله ولا مع رسوله وَّ ولا مع إمامهم، فهم في ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾ [سورة التوبة: الآية ١] وإمامهم فلا حجة لهم عند الله، فانظروا مع من يحشر هؤلاء؟ فالصلاة المشروعة في الكسوف إنما هي لمناجاة الحق فى رفع ظلمة النفس وظلمة الطبع كما يقول: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطُ الْمُسْتَقِيمَ صِرَطُ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهم أهل الأنوار ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مثل أهل ظلمة الطبع ﴿ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [سورة الفاتحة: ٦ -٧] مثل أهل ظلمة النفس. فالله يحوّل بيننا وبين ما يكسف عقولنا ونفوسنا ويجعلنا أنواراً كلنا لنا ولمن يقتدي بنا إنه المليء بذلك والقادر عليه. وأمّا اعتبار عدد الركعات في الركعتين فاعلم أن الركعتين ظاهر الإنسان وباطنه أو عقله وطبعه أو معناه وحرفه أو غيبه وشهادته، وأما العشرة فهو تنزيهه في الركعتين خالقه تعالى وجلّ عن القبل والبعد والكل والبعض والفوق والتحت واليمين والشمال والخلف والأمام فيرجع هذا التنزيه من الله عليه فإنه عمل من أعماله، فتكون له برجوع هذا العمل عليه هذه الأحكام كلها فلا قبل له فإنه لم يكن إلاّ الله، والله لا يتصف بالقبلية ولا بعد له فإنه باق بإبقاء الله فلا يبعد ولا كل له فإنه لا يتجزأ ولا يتحير من حيث لطيفته، ومن لا كل له من ذاته فلا بعض له، ومن لا يتصف بهذه الصفات فلا جهات له، فلا جهات للإنسان إلاَّ من حيث صورة جسمه ونشأته، فإن نشأته الجسدية بها ظهرت الجهات الستة فهو عين الجهات ما هو في جهة من نفسه .